الرئيسية / آبائيات / بابياس أسقف هيرابوليس- الأباء الرسوليون

بابياس أسقف هيرابوليس- الأباء الرسوليون

بابياس أسقف هيرابوليس- الأباء الرسوليون

بابياس أسقف هيرابوليس وقانونية العهد الجديد
بابياس أسقف هيرابوليس وقانونية العهد الجديد

بابياس أسقف هيرابوليس- الأباء الرسوليون

كان بابياس أسقف مدينة هيرابوليس في آسيا الصغرى، وقال عنه إيرينيوس (Adr. Haer. 5: 33: 4)، إنه سمع القديس يوحنا يعظ، وبأنه كان أيضاً صديقاً لبوليكاريوس أسقف سميرنا. أما يوسابيوس (Eusev. Hist. 3: 39: 3)، فيخبرنا أنه: “كان رجلاً محدود الذكاء كما يظهر من كتبه”.

والكتب التي يقصدها يوسابيوس هنا لا يمكن إلا أن تكون مقالات وضعها بابياس سنة 130م في خمسة كتب بعنوان “شرح أقوال الرب” (##). وهذا النقد القاسي الذي وجهه يوسابيوس لبابياس فهو بسبب:

(1) دفاع بابياس عن عقيدة الحكم الألفي[1].

(2) أظهر بابياس قدراً ضئيلاً جداً من الدقة في اختيار مصادره وتوثيقها. ولكن العمل – بقدر ما تبقى لدينا منه – له أهمية خاصة بالرغم مما شبه من عيوب، وحيث احتوى على ما هو ذي قيمة كبيرة بالنسبة لنا، ألا وهو تعاليم تلاميذ الرسل الشفاهية.

وهكذا يلخص بابياس الشروحات التي تعلمتها وأتذكرها جيداً، تلك التي أثق أنها حق لأني – على العكس من كثيرين – لا أُسر بهؤلاء الذين يتكلمون كثيراً بل بمن يُعلمون بالحق، ولا أسر بهؤلاء الذين يسردون وصايا الآخرين، بل بالذين يسجلون ما قد أخذوه من الرب للإيمان، ذلك الذي ينبثق من الحق نفسه. فإذا ما جاء أي شخص وكان تابعاً للشيوخ، أسأله عن كلماتهم، وما كان يقوله أندراوس أو بطرس أو فيليبس أو توما أو يعقوب أو يوحنا أو أي شخص من تلميذا الرب، كذلك ما كان يقوله أريستيون أو يوحنا الشيخ تلميذا الرب لأني لا أعتقد أن المعلومات المستمدة من الكتب سوف تساعدني بقدر ما ستفعل الأصوات الحية الباقية.” (Euseb. Hist. Eccles. 3: 39: 3-4).

ويتضح لنا من هذا الاقتباس أن كلمات الرب التي تناولها بابياس بالشرح لم تكن مأخوذة فقط من الأناجيل المكتوبة التي كانت في متناوله، بل أيضاً من التقليد الشفاهي؛ فعمله هذا لم يكن مجرد تفسر للأناجيل وإن كانت أغلب الفقرات الواردة به مأخوذة من الروايات الإنجيلية.

ومن ضمن الشذرات القليلة التي بقيت من هذا العمل وحفظها لنا يوسابيوس، اشتهرت تلك الملاحظات التي تتحدث عن الإنجيلين الأولين (متى ومرقص)، فالشذرة الأولى تقول: “وقال الشيخ: صار مرقص مترجماً لبطرس وسجل بدقة كل ما تذكر أن الرب قاله أو فعله، ولكن بلا ترتيب تاريخي، لأنه لم يسمع الرب ولم يتبعه، لكنه لاحقاً – كما سبق وقلت – تبع بطرس الذي اعتاد أن يعلم بحسب الحاجة، لكنه لم يكن مهتماً أن يرتب أقوال الرب – ترتيباً تاريخياً – وهكذا لم يرتكب مرقص أي خطأ من هذه الجهة في كتابة النقاط المتفرقة كما تذكرها، لأن كل اهتمامه كان يكتب كل ما سمعه بدون أن يترك أي شيء منه وألا يكتب أي شيء خطأ”. (Euseb. Hist. Eccles. 3: 39: 15-16). ولدينا هنا أقوى شهادة عن قانونية إنجيل مرقس، غير أننا حتى الآن لا نجد تفسيراً مرضياَ لسبب ذكر بابياس ليوحنا مرتين (Euseb. Hist. Eccles 3: 39: 4).

أما بخصوص أصل إنجيل متى فيقول: “كتب متى أقوال (الرب) بالعبرية، وفسر كل واحد منها بقدر ما استطاع.” (Euseb. Hist. Eccles 3: 39: 16) وهذه العبارة تؤكد أنه في وقت بابياس كان العمل الأصلي الذي كتبه متى قد حلت محله ترجمة يونانية له، أما الترجمات التي يقصدها بابياس هنا فليست ترجمات مكتوبة للإنجيل، بل صياغة شفوية لأقوال ربنا المسجلة فيه؛ لقد كانت – على الأرجح – ترجمات للفقرات الإنجيلية المستخدمة في الاجتماعات الليتورجية بين الجماعات المتكلمة باليونانية أو تلك الثنائية اللغة.

أيضاً يقول يوسابيوس عن بابياس: “يدون الكاتب نفسه روايات وصلت إليه من تقاليد غير مكتوبة، وأمثالاً وتعاليم غريبة للمخلص، بالإضافة إلى أمور أخرى أكثر إغراقاً في الخرافة، منها أنه سيكون هناك ألف عام بعد قيامة الأموات يُقام فيها ملكوت المسيح في شكل مادي على الأرض، وأنا أعتقد أنه قد أتى بمثل هذه الأفكار بسبب سوء فهمه لتعاليم الرسل، غير مدرك أنهم قد تكلموا بهذه الأمور بطريقة سرية ورمزية” (Euseb. Hist. Eccles 3: 39: 11-12).

وقد أشار يوسابيوس إلى أن المكانة التي كان يتمتع بها بابياس أغوت الكثير من المسيحيين ليؤمنوا بعقيدة المُلك الألفي: “إنه هو المسؤول عن كون الكثير من الكُتاب الكنيسيين بعده صار لهم نفس رأيه معتمدين على أقدميته، مثل إيرينيوس وكل من يبدو أنه قد اعتقد بهذا الرأي”. (Euseb. Hist. Eccles 3: 39: 13). أما “القصص المغرقة في الخرافة” التي أشار إليها يوسابيوس فمنها – دون شك – القصة التي تحكي عن نهاية يهوذا الخائن الشنيعة، وقتل يوحنا أخي يعقوب الذي خانه اليهود، وأيضاً ما سمعه بابياس من بنات فيلبس (أع 21: 8) الذين سكنوا في هيرابوليس، حيث أخبروه بمعجزات حدثت في أيامهن، مثل قيامة والدة مانايموس (Manaimus) من الموت، وقصة يسطس بارسابا الذي ابتلع جرعة من السم دون أن يضار.

[1] هي عقيدة ينادي أصحابها بان المسيح سيأتي ليملك على الأرض مع المؤمنين ألف سنة (رؤ 20: 1-6) لكي يحقق بعض الوعود مثل (أش 11، 65)، والتي لا يمكن أن تكون تحققت في المجيء الأول. وهذا الاعتقاد قد تسلل إلى بعض الآباء الأولين من التعاليم اليهودية التي ظهرت في فترة ما بين العهدين، والتي تتكلم عن مملكة المسيا الذي سيأتي ليحرر اليهود من كل هذه الأمور، ومن أشهر من نادى بالملك الألفي القديس إيرينيوس، ويوستينوس الشهيد (المراجع).

إقرأ أيضاً: