الرئيسية / آبائيات / أثيناغوراس الأثيني Athenagoras of Athens

أثيناغوراس الأثيني Athenagoras of Athens

الأثيني Athenagoras of Athens 

أثيناغوراس الأثيني Athenagoras of Athens
الأثيني Athenagoras of Athens

الأثيني Athenagoras of Athens

كان معاصراً لتاتيان، لكنه يختلف عنه وعن يوستينوس على حد سواء، فرأيه في الفلسفة والحضارة اليونانية كان أخف وطأة من رأي تاتيان، لكنه من ناحية أخرى يُظهر قدرات أكبر بكثير من قدرات يوستينوس، وذلك من حيث اللغة والأسلوب الأدبي وترتيب المحتوى. وهو بالفعل وبكل تأكيد أكير المدافعين المسيحيين القدامى بلاغة، فهو يحب الاقتباسات المأخوذة من الشعراء والفلاسفة، ويستخدم مصطلحات وعبارات فلسفية. ويمكن أن نرى في كل من أسلوب الأدبي وإيقاعه أنه قد درس بمدرسة للبلاغة، وأنه قد قصد الكتابة وفقاً لأسلوب الأتيكيين (Atticists) البلاغي والأدبي.

ونحن لا نكاد نعرف أي شيء عن حياة ، لأنه قد ذُكر في الأدب المسيحي القديم مرة واحدة (Methodius De ressurrectione. 1: 36: 6 – 37: 1). وكان (Th. Zanh) يرى أن هو نفسه الذي أهدى إليه “بويثوس” (Boethos) الفيلسوف الأفلاطوني، كتابه المُعنون بـ “عن المصطلحات الصعبة عند أفلاطون” كما ذكر فوتيوس في (Bibl. Cod. 154f). وقد لقب في عمله المعنون بـ “التوسل من أجل المسيحيين” بلقب “الفيلسوف المسيحي الأثيني”. وبالإضافة إلى هذا العمل، كتب مقالة عن قيامة الأموات.

كتابات

أولاً: التوسل من أجل المسيحيين

كتب “التوسل من أجل المسيحيين” حوالي عام 177م، ووجهه أثيناغوراس إلى الإمبراطور ماركوس أوريليوس أنطونينوس ولوكيوس أوريليوس كومودوس. وكان هذا الأخير ابناً لماركوس أوريليوس الذي منحه لقب “إمبراطور” عام 176م. ولقد كُتب هذا العمل في لهجة هادئة، وهو مرتب بشكل جيد.

وتحتوي مقدمة هذا العمل (الفصول 1-3) على العنوان، وتذكر صراحة الهدف من كتابته “سوف تعرفون من هذا الخطاب أننا نتألم ظلماً ومخالفة لكل القوانين والمنطق، مما سوف يحتم على الحكام أن يُبطلوا بقوة القانون هذه المعاملة المُهينة”.

ثم يفند أثيناغواس في الفصول (4-36) التهم الثلاث التي وجهها الوثنيون إلى المسيحيين، وهي الإلحاد، وأكل لحوم البشر، وارتكاب زنى المحارم مع الأم:

  1. ليس المسيحيون ملحدين، فبالرغم من أنهم لا يؤمنون بالآلهة الوثنية إلا أنهم يؤمنون بالله، فهم يعبدون الإله الواحد. ويمكن للمرء أن يجد الميل إلى التوحيد حتى عند بعض الشعراء والفلاسفة الوثنيين، لكن لم يحدث أبداً أن اتهم أحد ما هؤلاء الرجال بالإلحاد بالرغم من أنهم لم يعطوا سوى أدلة ضعيفة على صدق أفكارهم. لكن المسيحيين قد تلقوا إعلاناً وتعليماً إلهياً بخصوص هذا الأمر من أنبيائهم، هؤلاء الذين أوحي إليهم بالروح القدس. إضافة إلى هذا، توجد لدى المسيحيين إثباتات منطقية لإيمانهم، فالمفهوم المسيحي عن الله أكثر نقاوة وكمالاً من الذي للفلاسفة، وهذه حقيقة يُظهرها المسيحيون، لا بالكلام فقط، بل بالأفعال أيضاً: “مَن مِن هؤلاء الفلاسفة اليونانيين قد طهر روحه حتى إنه بدلاً من أن يكره أعداءه أحبهم؛ وبدلاً من أن يتفوه بكلام بزيء عمن لعنوه باركهم؛ وصلى من أجل الذين يتآمرون على حياته؟… لكنكم سوف تجدون بيننا رجلاً غير متعلمين، وحرفيين، ونساء عجائز، هؤلاء الذين وإن لم يستطيعوا بالكلام أن يثبتوا فائدة تعاليمنا، إلا أنهم بأفعالهم يظهرون فائدة امتلاكهم للحق الذي بها”. (Aplo. 11) وللسبب نفسه، أي كونهم يعبدون إلهاً واحداً، فإن المسيحيين لا يعبدون آلهة متعددة، ولهذا ليست لديهم ذبائح مثل الوثنيين، ولا يؤمنون بالآلهة الوثنية. والأكثر من ذلك أنهم لا يحبون العالم الذي هو أكبر من أي وثن، لكنهم يعبدون خالقهم.
  2. ليس المسيحيون مدانين بجريمة أكل لحوم البشر. إنهم لا يقتلون أحداً، والأكثر هو أنهم لا يشهدون جريمة قتل وهي تتم، بالرغم من أن هذا الأمر يعد متعة خاصة عند الوثنيين كما تدل عروض المصارعين. كذلك يحترم المسيحيون الحياة البشرية أكثر من الوثنيين، ولهذا السبب يدينون جريمة التخلي عن الأطفال وإهمالهم. إن إيمانهم بقيامة الأجساد كاف وحده لجعلهم يمتنعون عن أكل لحوم البشر.
  3. اتهام المسيحيين بارتكاب الزنى مع أمهاتهم – عقدة أوديب[1] – ليس إلا نتيجة للكراهية، فالتاريخ يظهر أن الرذيلة كان دائماً تضطهد الفضيلة. إن المسيحيين بعيدون جداً عن ارتكاب مثل هذه الجرائم حتى أنهم لا يسمحون بارتكاب خطية ضد طهارة الفكر. كما أن الأفكار المسيحية فيما يتعلق بالزواج والعذرية تدل على شدة احترامهم للعفة.

وخاتمة الدفاع (الفصل 37) عبارة عن توسل من أجل محاكمة عادلة: “والآن، بعد أن فندت التهم العديدة، وأثبت أننا صالحون، ولطفاء، وودعاء بالروح؛ أحنيا رأسيكما الملكيتين في موافقة. لأن من يستحق أن يأخذ ما يسأل، أكثر من هؤلاء الذين مثلنا يصلون لأجل حكومتكما، لكي يكون، وهو الأكثر إنصافاً، أن تسلم المملكة للابن من الأب، و(يصلون) حتى تزيد مساحة إمبراطوريتكما ويضاف إليها، وحتى يخضع البشر جميعهم تحت سلطانكما؟ أيضاً من مصلحتكما أن نعيش حياة سلامية هادئة، وأن نفعل بطيب خاطر كل ما عهد إلينا به”.

ثانياً: عن قيامة الأموات

يتكلم أثيناغوراس في نهاية الدفاع (فصل 36) عن خطبة عن قيامة الأموات، وقد حفظت لنا تحت عنوان “عن قيامة الأموات” (##). وتذكر مخطوطة “أريثاس”، التي تعود لعام 914م، صراحة أن هذه الخطبة بقلم أثيناغوراس، وهي تأتي مباشرة بعد دفاعه. والطابع الفلسفي موجود بوضوح في هذه المقالة، كما أنها تثبت قيامة الأموات مستخدمة المنطق.

وتتكون المقالة من قسمين: الأول (فصول 1-10) يتناول موضوع الله والقيامة، مظهراً أن حكمة الله، وقدرته الكلية، وعدالته، لا تتعارض مع قيامة الأموات، بل أنها في تناغم معها.

أما القسم الثاني (فصول 11-25) فيتناول موضوع الإنسان والقيامة. وقيامة الأموات ضرورة تقتضيها الطبيعة البشرية:

  1. لأن الأنسان قد خلق من أجل الأبدية (فصول 12-13).
  2. لأن الإنسان يتكون من جسد ونفس. وعلى هذه الوحدة التي دمرها الموت أن تجدد بواسطة القيامة حتى يتمكن الإنسان من أن يعيش للأبد. (فصول 14-17).
  3. سيكافأ الجسد والروح على حد سواء، لأن كليهما كان خاضعاً للنظام الأخلاقي، هكذا سيكون من الظلم أن تترك الروح تعاقب وحدها على ما فعلته مدفوعة من الجسد، هكذا أيضاً، على نحو مماثل، سيكون من الظلم ألا يكافأ الجسد على الأعمال الصالحة التي تمت بالتعاون معه. (فصول 18-23).
  4. خُلق الإنسان لينال السعادة، تلك السعادة التي لا يمكنه أن يبلغها في هذه الحياة الأرضية، لكنه سيبلغها في حياة أخرى (فصول 24-25).

سمات الفكر اللاهوتي لأثيناغوراس

  1. كان أثيناغوراس هو أول من حاول أن يثبت وحدانية الله علمياً. هفو، في سبيل تحقيق هذا الهدف، حاول أن يُثبت وحدانية الله، التي شهد لها الأنبياء، باستخدام أسلوب التفكير التأملي. وهو يقوم بهذا عن طريق دراسة العلاقة القائمة بين الله والمكان: “إذاً، فيما يتعلق بالتعليم الذي يقول بأنه من البداية كان هناك إله واحد، خالق هذا الكون، تفكرا فيه بالحكمة التي تجعلكما عارفين بالأساس الجدلي الذي تأسس عليه إيماننا. فإن إن كان هناك منذ البدء إلهان أو أكثر، فإما أن يكونا في المكان الواحد نفسه أو أن كلا منهما كان في مكانه الخاص المنفصل عن الآخر. ولا يمكن أن يكونا في المكان الواحد نفسه. لأنهم إن كانوا آلهة فهم غير متشابهين؛ لأن غير المخلوقين غير متشابهين. الأشياء المخلوقة تشبه من خلقت على مثاله؛ لكن غير المخلوقين غير متشابهين، لأنهم لم يولدوا من أحد ولم يخلقوا على مثال أحد…. لكن لو كان الأمر على العكس من هذا، وكان كل منهم في مكانه منفصلاً عن الآخر، وبما أن هذا الإله الذي خلق العالم يسكن فوق الأشياء التي خلقها ورتبها، أين إذن يمكن أن يوجد الإله الآخر أو الآلهة الأخرى؟ لأنه إن كان العالم قد خلق دائرياً، محدوداً بدائرة السماء، وخالق العالم يسكن فوق الأشياء التي خلقها، مدبراً إياها بعنايته الإلهية، أي مكان إذن قد بقي لإله آخر أو آلهة أخرى؟”
  2. أثيناغوراس أكثر وضوحاً من القديس يوستينوس وأقل تحفظاً منه في تعريفه للاهوت اللوغوس ووحدته مع الآب. فهو يتجنب الخضوعية التي نادى بها اليونانيون الآخرون كما يمكننا أن نرى في الفقرة التالية: “لكن إذا حدث وطلبتما أن تعرفا بذكائكما الفائق معنى “الابن”، فسوف أقول باختصار إنه ناتج من الآب، ليس كمن أُحضر إلى الوجود، لأنه من البدء، كان الله، الذي هو العقل (##) الأزلي، لديه اللوغوس في نفسه، كونه منذ الأزل مفعم باللوغوس. لكن ما إن صدر ليكون هو الفكرة والقوة المنشطة لكل الأشياء المادية، تلك التي كانت خامدة كطبيعة بلا أي صفة مميزة، وأرضاً غير نشطة، حتى اختلطت الأجزاء الأثقل بالأجزاء الأخف. والروح النبوي أيضاً يتفق مع أقوالنا، فهو يقول: “الرب جعلني أول طرقه لأجل أعماله”. (Apol. 10.ANF 2. 133).
  3. أما بخصوص الروح القدس، فيقول أثيناغوراس: “نحن نؤكد أيضاً أن الروح القدس، العامل في الأنبياء، ينبثق من الله، ويفيض منه، ثم يعود إليه مرة أخرى مثل شعاع من الشمس” (Apol. 10).
  4. واحدة من أفضل الفقرات اللاهوتية الموجودة في الدفاع، هو ذلك التعريف الماهر لعقيدة الثالوث المسيحية، والذي يعد، بالنسبة لزمن ما قبل مجمع نيقية، متطوراً بشكل مدهش: “لقد أظهرت بما يكفي أننا لسنا ملحدين، كوننا نعبد إلهاُ واحداً، فمن إذن لا يصيبه الذهول عندما يسمع أن الرجال الذين يتكلمون عن الله الآب، الله الاين، والروح القدس، معلنين اتحادهم في القوة وتمايزهم في الترتيب، يلقبون بالملحدين؟” (Apol. 10. Ibidem).
  5. وهو يقول في الفصل نفسه بشأن وجود الملائكة: “نحن نعترف أيضاً بوجود جماهير من الملائكة والخدام الذين وزعهم الله، صانع العالم ومخططه، وحدد لهم مهامهم المتعددة بواسطة كلمته، ليعتنوا بالعناصر، والسماء، والعالم، والأشياء التي به، والتدبير الجيد لهم جميعاً.”
  6. كما أن أثيناغوراس هو شاهد ممتاز لعقيدة الوحي: “لأن الشعراء والفلاسفة قد أتبعوا طريق الحدس في هذا الأمر كما في كل الأمور الأخرى، فتحرك كل واحد منهم بروحه، بسبب انجذابه للإلهام الذي من الله، ليجرب ما إذا كان سيكتشف الحقيقة ويدركها أم لا. لكنهم لم يكونوا أهلاً بشكل كامل ليدركوها، لأنهم ظنوا أنه من المناسب ألا يتعلموا من الله عن الله، بل أن يُعلم كل واحد نفسه، هكذا توصل كل واحد منهم إلى استنتاج خاص به عن الله، والمادة والشكل، والعالم. لكن، نحن لدينا شهود على الأمور التي ندركها ونؤمن بها، إنهم الأنبياء، وهم رجال قد تكلموا عن الله وأمور الله مسوقين بروح الله. أنتما أيضاً ستعترفان… بأنه سيكون من غير المنطقي بالنسبة لنا أن نكف عن الإيمان بالروح الذي من الله، الذي قد حرك أفواه الأنبياء مثل آلات موسيقية، ونكترث لمجرد آراء بشرية”. (Aplo. 7. ANF 2. 132).
  7. وهو يرفع من شأن البتولية كواحدة من أجمل ثمار الأخلاق المسيحية: “سوف تجدان بيننا رجالاً ونساء قد كبروا ولم يتزوجوا رغبة في شركة أعمق مع الله”. (Apol. 33) وبهذه الكلمات يحدد أثيناغوراس بشكل جيد الهدف الإيجابي من البتولية المسيحية.
  8. وفيما يتعلق بالمفهوم المسيحي عن الزواج يقول أثيناغوراس في نفس الفصل: “ولأننا لدينا رجاء في الحياة الأبدية، نرفض كل أمور هذه الحياة، حتى مُتع النفس، فكل واحد منا يعتبر المرأة التي تزوجها بحسب القوانين التي وضعناها زوجة له، وهذا فقط بغرض إنجاب الأطفال. لأنه كما أن المزارع ينثر البذور في الأرض ينتظر الحصاد ولا ينثر المزيد منها، هكذا أيضاً بالنسبة لنا إنجاب الأطفال هو مقياس انغماسنا في الشهوة الغريزية”. وتدل كلمات أثيناغوراس بكل وضوح على أن الأطفال هو الهدف الأولى والأخير من الزواج، وبالمثل، تُظهر فقرة أخرى الصراع الذي كان على المسيحيين الأوائل أن يخوضوه في سبيل الدفاع عن حق الأطفال الذين لم يولدوا بعد في الحياة. فبينما كان الوثنيون يتهمون المسيحيين بارتكاب جرائم قتل أثناء عبادتهم، رد أثيناغوراس على هذا الاتهام كالتالي: “حينما نقول إن أولئك النسوة اللائي يتعاطين العقاقير ليجهضن أنفسهن يرتكبن جريمة قتل وسوف يعطين حساباً أمام الله عن هذا، على أي أساس يمكننا نحن أنفسنا أن نرتكب جريمة قتل؟ لأنه لا يمكن لنفس الشخص أن يعتبر الجنين في بطن أمه كائناً مخلوقاً ومن ثم موضعاً لعناية الله، ثم يقتله عندما يخرج إلى الحياة؛ ولا أن يترك رضيعاً – لأن من يهملونهم متهمون بقتل الأطفال – ثم عندما يكبر يقتله. لكننا في كل الأمور (مواقفنا) واحدة لا تتغير، مُخضعين أنفسنا للعقل لا مهيمنون عليه”. (Apol. 35. ANF 2. 147). وإشارة أثيناغوراس هنا للجنين باعتباره “كائناً مخلوقاً” هي على جاب كبير من الأهمية، فوفقاً للقانون الروماني في ذلك الوقت، لم يكن الجنين يعتبر “كائناً” على الإطلاق، ولم يكن له حق في الوجود.
  9. وأثيناغوراس مقتنع للغاية باستحالة انفصام الزواج، لدرجة أنه، بحسب رأيه، حتى الموت لا يمكنه أن يفصم الرابطة الزوجية. كما أنه يذهب إلى أبعد من هذا بإطلاقه على الزواج الثاني لقب “الزنى المهذب”: “على المرء إما أن يبقى كما ولدته أمه أو أن يكتفي بزيجة واحدة، لأن الزواج الثاني ما هو إلا زنى مهذب…. لأن من يفصم نفسه عن زوجته الأولى، حتى لو كانت ميتة، فهو زان مقنع، ويقاوم يد الله، لأنه من البدء خلق الله رجلاً واحداً وامرأة واحدة”. (Apology. 33. ANF 2. 146 f).

 

[1] عقدة أوديب هي مفهوم أنشأه سيجموند فرويد واستوحاه من أسطورة أوديب الإغريقية وهي عقدة نفسية تطلق على الذكر الذي يحب والدته ويتعلق بها ويغير عليها من أبيه ويكرهه، وهي المقابلة لعقدة إليكترا عند الأنثى. (المراجع)

إقرأ أيضاً: