فحص السياق – كيفية فحص السياق لمعرفة ما يقصده الكتاب المقدس؟

فحص السياق – كيفية فحص السياق لمعرفة ما يقصده ؟

فحص السياق - كيفية فحص السياق لمعرفة ما يقصده الكتاب المقدس؟
فحص السياق – كيفية فحص السياق لمعرفة ما يقصده ؟

فحص السياق – كيفية فحص السياق لمعرفة ما يقصده ؟

المبدأ الإرشادي: قم بفحص السياق القريب: المقطع ككل؛ والسفر ككل.

كما رأينا، المصدر الأساسي لفهم خلفية مقطع ما هو سياقه. وأهم عنصر في دراسة كلمة هو استخدام تلك الكلمة في سياقها. مرة أخرى، فإن الغموض الذي قد يتواجد في البنية النحوية غالباً ما يتم حسمه من خلال الرجوع إلى السياق. في الإرشادات التي سنقوم بدراستها الآن. سيكون السياق جوهرياً، سواء تضمن لغة مجازية، أو أمثال، أو شعر عبري. وفي الحقيقة، يمكننا أن نقول إن “السياق هو الملك”. فمن خلال سياق أي مقطع، في التحليل النهائي، نستطيع أن نحدد المعنى.

لقد استخدمنا في الفصل الخامس مصطلح “السياق” بمعناه الواسع، مشيرين إلى الخلفية التاريخية والأدبية كلها التي كان المؤلف يكتب فيها. بهذا المعنى الواسع، يُشتق سياق الكاتب من حقيقة أن قد قام بشر بكتابته. وقد استخدمنا هذا المصطلح بمعنى آخر في الفصل الثاني عندما تحدثنا عن الأشخاص الذين يقتربون من من وجهة نظر النسبية الثقافية. واكتشفنا مستويات متنوعة من “تكييف السياق”. وذلك الاستخدام الأضيق للمصطلح تم ذكره مرة أخرى في الفصل الثامن، عندما ناقشنا الخلفية الثقافية، أو السياق الثقافي.

وحيث أننا سنستخدم كلمة “سياق” بالطريقة التقليدية في هذا الفصل، فيمكننا أن نقسمها إلى ثلاثة عناصر: الغرض من السفر الكتابي؛ وتخطيط السفر؛ والسياق القريب (المباشر).

الغرض من السفر

رغم أننا ندرك أن كل سفر من الكتاب المقدس يشترك في غرض واحد مع بقية الأسفار وهو إعلان وخلاصه، إلا أن كل سفر غالباً في الكتاب المقدس يختلف في هدفه عن بقية الأسفار الأخرى. لذلك فمن الأهمية البالغة أن نعرف لماذا كتب المؤلف سفره الخاص. بعض الأسفار يبدو وكأن لها أكثر من هدف واحد – بل حتى عدة أهداف. لكن معظم الأسفار يكون لها هدف رئيسي، أو موضوع محوري.

كيف يمكن للمرء أن يكتشف الهدف من سفر من أسفار الكتاب المقدس؟ عدد قليل من الأسفار تكشف بوضوح عن هدفها. فمثلاً، يقول سفر يوحنا: “وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن هو ابن ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه” (يوحنا 20: 31). تساعدنا العديد من العناصر المفتاحية في هذا الهدف على فهم سفر يوحنا. فكلمة “هذه” تشير إلى المصطلح الذي يستخدمه يوحنا لوصف المعجزات، ويطلق عليها “آيات” (عدد 30). فهي ليست مجرد أعمال عظيمة مدهشة، لكن لها هدف. فهي آيات تشير إلى ألوهية : “أن هو ابن ” (عدد 31). وهذا يعني أن يوحنا كان ينتقي بصورة خاصة في اختياره للمعجزات التي أدرجها. فالحقيقة أنه دون كيف استخدمها لكي يعلم حقائق محددة.

يبدو أن هذا كان أسلوبه في كل أنحاء السفر. فأولاً، يكتب عن إعطاء “آية” (مثلاً، إطعام الخمسة آلاف)؛ ثم يتبع رواية المعجزة بتفسير للمعنى الذي تشير إليه هذه “الآية”. في هذه الواقعة، كان المعنى هو حديثه الرائع عن نفسه كخبز الحياة. الأكثر من ذلك، تنبهنا عبارة يوحنا الخاصة بتوضيح الهدف إلى موضوع مزدوج – أي ألوهية ومعنى الإيمان. فبدون شك، كل من ألوهية ومعنى الإيمان يتم تعليمهما بوضوح في سفر يوحنا أكثر مما يحدث في أي مكان آخر من الكتاب المقدس. وهكذا فإن فهم هدف يوحنا من كتابة إنجيله يساعدنا على فهم معنى مقاطعه المحددة.

لكن كيف يمكن للمرء أن يحدد هدف السفر إن لم يكن مذكوراً بوضوح؟ في معظم أسفار الكتاب المقدس، لا يذكر الهدف المفتاحي أو المحوري بكلمات كثيرة. لذلك قد يكون من الضروري قراءة السفر بأكلمه بتركيز، مع تتبع مسار الفكرة، والبحث عن الموضوع. بهذه الطريقة، يكون من الممكن في معظم الأحيان تمييز الهدف من السفر.

فمثلاً، في غلاطية يركز بولس على مشكلة التأثيرات اليهودية على الكنيسة في غلاطية. وكان تصحيح هذا الخطأ واحداً من الأهداف الواضحة للكتابة إليهم. وذلك الهدف، بدوره، يؤثر على تفسير مقاطع معينة. فمثلاً، إلى أي شيء تشير كلمة “ناموس” في غلاطية؟ لا بد أنها ترتبط بنظرة المتهودين. لذلك فإن الناموس في الرسالة إلى كنيسة غلاطية لا يمكن أن يشير إلى أي ناموس، أو إلى جميع النواميس بصفة عامة. وهكذا فإن هدف السفر يساعدنا على فهم المعاني المحددة للكلمات.

كما توجد مفاتيح أخرى مفيدة لتمييز الهدف. ففي الرسائل يمكننا أن ندرس الشكر الافتتاحي، والتحية والسلام (رو 1: 1-7؛ كو 1: 2؛ 1تس 1: 1-4؛ يع 1: 1)، والوصف الختامي (رو 15: 14-16؛ يع 5: 19-20). وفي الأناجيل أيضاً، قد يكون هناك مفاتيح في البداية وفي النهاية. أما في الأسفار التي يكون بها مجموعة من المواد المختلفة، فقد يكون للسفر موضوعاً، مثل الحكمة العملية (الأمثال)، أو تسبيح (المزامير)، ولكن الهدف من كل وحدة (مثلاً، من كل مزمور) يجب أن يكون هو الدليل في السعي نحو الفهم.

في بعض الأحيان يقوم المؤلف بتوضيح المناسبة التي تمت فيها الكتابة، ويمكن أن يكون هذا مفتاحاً لتمييز هدفه. لكن يجب مراعاة الحذر، فمثلاً، كتب بولس رسالة شكر للكنيسة في فيلبي، وكانت هذه هي مناسبة الكتابة. فمن ناحية، يمكن أن يكون هذا هو هدفه من الكتابة، لكن من الصعب أن نرى هذا على أنه الهدف الأسمى الذي كان في ذهن بولس أثناء كتابته للسفر بأكمله. لهذا السبب يكون علينا أن نبحث عن موضوع، أو تركيز محوري، للتعليم. فموضوع “الفرح في الآلام”، وهو الموضوع الذي كان بولس يعود إليه من وقت إلى آخر، يبدو أنه هو الموضوع السائد في رسالة فيلبي.

الأسفار التي لها أكثر من هدف واحد

في بعض الأحيان يكون للسفر عدة أهداف، كما في حالة الرسالة الأولى إلى كورنثوس، التي تتعامل مع سلسلة من القضايا. في مثل هذه الحالات، يجب التعرف على كل هدف، ويجب عدم فرض أي هدف رئيسي على مقطع معين بطريقة تتعدى على المعنى الواضح في السياق المباشر.

لذلك فمن المهم أن نسعى لفهم الهدف من خلال القراءة المباشرة للسفر قبل الرجوع إلى آراء الآخرين. لكن سيكون من الخطأ أن نتخذ القرار النهائي بدون الرجوع إلى ما استنتجه المتخصصون. فإذا كان هناك كتاب عن مقدمة للكتاب المقدس، ودليل للكتاب المقدس، ومقدمة للسفر الكتابي، في واحد أو اثنين من التفاسير يتفقون جميعاً على هدف السفر، يمكن للمرء أن يتابع بنوع من الثقة على هذا الأساس أثناء دراسته للسفر. لكن إن لم يكن هناك اتفاق عام بين المتخصصين، فربما يرجع ذلك إلى أنه لم يكون هناك هدف محدد واضح تماماً. في تلك الحالة، لا يجب استخدام أي هدف كمبدأ إرشادي لتفسير مقطع معين، إلا بطريقة عامة.

لكن هناك استثناءات. فمثلاً، يوجد رأيان شديدا التباين بشأن الهدف من سفر نشيد الأنشاد، فالحقيقة أن سفر نشيد الأنشاد ربما يكون هو السفر الوحيد في الكتاب المقدس الذي يوجد خلاف كثير حوله. فهل كتبه سليمان كأنشودة محبة. موضحاً فيه جمال العلاقة الكتابية الحبية بين الزوج وزوجته؟ أم أنه كتبه خصيصاً لكي يعلم حقيقة روحية خفية؟ فإن تفسير كل أصحاح، وتقريباً كل عدد، سيتحدد بواسطة الإجابة على ذلك السؤال الأولي الأساسي المتعلق بالهدف.

في مثل هذه الحالة، من الضروري أن نفحص السبب في التباين. فيجب على الدارس أن يبحث في السفر عن أي تلميح كان مقصود به أن يكشف عن معنى روحي. فإن كان السفر نفسه يظهر أنه يتحدث عن أنشودة محبة جميلة، فيجب إذاً أن يكون هناك دليل خارجي دامغ يجعلنا نفترض هدفاً آخر له.

كما يجب على السياق أن يقرر الهدف. فهل يخبرنا سليمان، في أي موضع من السفر، أن معناه يعبر عنه برموز روحية؟ إن لم يكن كذلك، يجب ألا يفرض المفسر رموزه الروحية باعتبارها هدف السفر، ثم يستمر في تفسيره على هذه الضوء.

أما بالنسبة لسفري أخبار الأيام الأول والثاني، فإنهما يهدفان إلى ما هو أكثر من مجرد رواية لتاريخ شعب الله. فقد كان هدفهما تقديم تفسير للمعنى الروحي للأحداث التاريخية. فغالباً يقوم الكاتب بتقديم “القصة من الداخل”، أي رؤية الحدث من وجهة نظر الله. وهذا أمر مفيد ليس فقط في تفسير الأحداث كما هي مدونة في أخبار الأيام الأول والثاني، بل أيضاً في إعطاء فهم أعمق لنفس الأحداث التي في أغلب الأحيان يتم تقديمها بصورة أكثر “موضوعية” في روايات صموئيل الأول والثاني، وملوك الأول والثاني. على سبيل المثال، تسجيل كلمات داود الأخيرة بخصوص الهيكل وتحميل مسؤوليته إلى سليمان (1أخ 28-29) يقدم بعداً روحياً غير موجود في رواية صموئيل. كما أن النهضة التي حدثت في عهد حزقيا (2أخ 29-31) وتقييم الله لحزقيا (2أخ 32) مملوءان بالفهم لوجهة نظر الله.

وهكذا فإن الهدف الذي يكون في ذهن المؤلف عند كتابته للسفر يؤثر في كل مقطع من مقاطع هذا السفر. وعندما يمكن تمييز هدفه، فإن ذلك يقدم السياق الأوسع الذي يجب أن يوضع فيه كل مقطع قبل التوصل إلى النتائج النهائية بشأن المعنى الذي يقصده المؤلف. كما أنه من المنطقي أن نفترض أن تفسير كل مقطع يجب أن يتفق مع هدف السفر ككل.

تخطيط السفر

إن العقل البشري، الذي يعمل بحسب نموذج الله في التفكير، يسعى للفهم عن طريق تفسير الأشياء بطريقة متسقة ومترابطة، أي بإظهار العلاقات بينها. تلك العلاقات قد تكون تتابع أحداث تاريخي بسيط، أو ترتيب شعري للجمال أو للتأثير العاطفي، أو حديث لاهوتي منطقي مباشر. لكن يمكن للمؤلف ببساطة أن يكتب مجموعة من الحكم التي لا ترتبط ببعضها البعض، أو ينظم أشعار ليست لها علاقة ببعضها البعض. كما يمكن للسفر أن يكون عبارة عن سلسلة من الرؤى. وقد يكون ترتيب الأحداث مسلسلاً زمنياً أو مسلسلاً بحسب ترتيب آخر لكي يؤدي إلى تأثير معين. بعض المؤلفين يكونون منطقيين بعناية في عرض أفكارهم، بينما آخرون قد تكون أفكارهم غير مترابطة. ويمكن لأحد المؤلفين أن يستخدم عدداً من الخطط أو الصيغ الأدبية، فيجب على المفسر أن يسعى لفهم كل مقطع بما يتفق مع الصيغة التي اختارها المؤلف.

على سبيل المثال، يبدو أن سفر الأمثال ليست له خطة كلية عامة. فأن نقوم بفرض مسار للفكر أو رابطة بين عدد معين والعدد التالي له، هذا الأمر قد يقود المفسر إلى الضلال بعيداً عن المعنى المقصود. فإن كان الأرجح ألا يكون هناك اتصال وعلاقة بين الأعداد وبعضها البعض، يجب اعتبار تلك الأعداد مستقلة عن أحدها الآخر.

تبدو خطة إنجيل متى أنها تعنى بالموضوع أكثر مما تعنى بالترتيب الزمني للأحداث. لذلك فعندما يسعى المفسر للربط بين حدثين كما لو أن أحدهما قد قاد أو سبب الآخر، أو عندما يفسر كما لو كان في السياق التاريخي لذلك المقطع الذي يسبقه أو يتبعه، فإنه قد يضل في تفسيره. فإنجيل متى لم يكتب بتسلسل زمني دقيق، لكن هذا لا يعني أن متى لم تكن لديه خطة. فهو غالباً يقوم بتجميع الأحداث أو الأمثال للإشارة إلى علاقاتها الموضوعية أو اللاهوتية. تلك المقاطع مفيدة في فهم المعنى الداخلي للأحداث والعلاقة بين تعاليم المتنوعة.

تأثير خطة المؤلف

تؤثر خطة السفر على التفسير. فالفكرة الفردية لا يمكن تفسيرها بمعزل عن ارتباطها بالأفكار المجاورة لها. فمثلاً خطة بولس في رومية كان أن يبني فكرة على أخرى، فيقوم بترتيب المبدأ الأساسي نظامياً في ترتيب منطقي. فلا يمكن أن تنتزع فكرة واحدة وتعامل بمفردها عندما نتعامل مع رسالة رومية، وإلا فإن المعنى الذي يقصده بولس يصاب بالتشويه.

لتوضيح هذا المبدأ، دعونا نفكر في تفسير 1كورنثوس 12: 31 “ولكن جدوا للمواهب الحسنى” فما هي المواهب الحسنى؟ في عدد 28 يصف هذه المواهب: “فوضع الله أناساً في الكنيسة أولاً رسلاً ثانياً أنبياء ثالثاً معلمين ثم قوات وبعد ذلك مواهب شفاء أعوناً تدابير وأنواع ألسنة” يعتقد البعض أن “أولاً… ثانياً… ثالثاً” هو ترتيب بحسب التسلسل الزمني؛ بأنه أولاً يأتي مبتدئو الكنيسة الرسوليون، ثم يأتي الأنبياء المتجولون، وأخيراً يأتي المعلمون المقيمون. لكن بحسب خطة السفر، لن يثبت هذا التفسير. فمقطع 1كورنثوس 12-14 بأكمله تمت كتابته لتصحيح إساءة حدثت في كنيسة كورنثوس. وكانت هذه الإساءة تركز على موهبة معينة (الألسنة) التي قال بولس أنها لم تكن شديدة الأهمية. المقطع بأكمله إذاً، يتعامل مع الأهمية المتأصلة للمواهب المتنوعة. فعندما يتحدث بولس عن “المواهب الحسنى”، فإنه يقصد أن بعضاً من المواهب أكثر أهمية من غيرها. وهذا واضح تماماً عندما يتم التفكير في السياق. في هذه الحالة، يعني “السياق” سياق السفر بأكمله. فأن ننتزع من ذلك القسم عدد يقول “أولاً، وثانياً، وثالثاً” ونجعله يعني شيئاً آخر مختلف عن موضوع السفر بأكمله، فهذا معناه أن نفقد النقطة الأساسية التي يقصدها المؤلف.

التصميم

لكي نميز خطة السفر، نحتاج أن نقوم بعمل تصميم له. وهذا أمر مهم فقط بالنسبة للخطة الكلية للسفر لكن أيضاً بالنسبة للمقطع المحدد الذي نقوم بدراسته. فكيف يمكن للمرء أن يقوم بتصميم مقطع أو سفر من الكتاب المقدس؟

أولاً، تحذير: لا تستخدم التقسيم بحسب الأصحاحات والأعداد. فهذه التقسيمات ليست موضع سلطة أو ثقة بالنسبة للفكرة، فهي لم تكن في النص الأصلي، ولكن تم إضافتها بعد ذلك بكثير. إن فائدتها الكبيرة هي أنها تمكن جميع الناس الذين يتعاملون مع الكتاب المقدس من تحديد نفس المقطع. لكن عند تصميم مسار الفكرة، لا تكون الأصحاحات والأعداد مفيدة دائماً.

فمثلاً، المقطع الرائع عن المحبة الذي يبدأ بيوحنا الأولى 4: 7 لا ينتهي بنهاية أصحاح 4. فالحقيقة أن القارئ يجد تعريفاً مفتاحياُ في أصحاح 5: 3 “وهذه هي محبة الله ان نحفظ وصاياه” فإذا أنهى المرء دراسته بنهاية الأصحاح الرابع، فسوف يفقد الجزء المكمل لتحليل يوحنا للمحبة، بما فيه هذا التعريف.

كيف يمكن للمرء إذاً أن يقوم بتصميم مسار الفكرة؟ ببساطة، بأن يبحث الشخص عن التغيير. فإن كان هناك تغير في الأحداث، بأن تنتهي مثلاً قصة ما وتبدأ قصة أخرى، فإن التصميم يكون شديد البساطة. لكن في الأناجيل، يجب على المرء أن يكون حذراً لكي يدمج الوعظ أو التعليق التالي مع الحدث نفسه. قد يكون من السهل تتبع تغير الحدث، لكن تغير الفكرة، رغم أنه أكثر صعوبة، إلا أن أهميته أعظم بكثير.

في رسالة أفسس، الفاصل بين الأصحاحين 3، 4 واضح للغاية. فقد كان بولس يتعامل مع أمور تختص بالعقيدة، وخاصة بالكنيسة. وفي أفسس 3: 21، يختتم صلاته بالقول: “له المجد في الكنيسة في إلى جميع أجيال دهر الدهور. آمين”، والعدد التالي (4: 1) يقول: “فأطلب إليكم أنا الأسير في الرب أن تسلكوا كما يحق للدعوة التي دعيتم بها”. لقد انتقل بولس بوضوح هنا من المبدأ إلى الممارسة العملية، تاركاً القسمين الرئيسيين للسفر متميزين بوضوح.

أما بالنسبة للتغيرات الأٌقل جذرية في الفكرة، والتي فيها قد تتداخل فكرة واحدة تدريجياً مع فكرة أخرى، فيكون تمييزها أكثر صعوبة. وتشكل التقسيمات الفرعية تحت التصميم الأساسي. ففي حالة رسالة أفسس، على سبيل المثاال، قد يتعرض المرء لإغراء أن يقوم بعمل فاصل بين أصحاحين 5 و6، لأن أصحاح 5 يتعامل مع الأزواج والزوجات، بينما أصحاح 6 يبدأ بالعلاقة بين الأبناء والوالدين. ومع ذلك، فالنظر إلى العلاقة بين الأصحاحين تفترض وجود موضوع مشترك، وهو الخضوع لبعضنا البعض.

وهكذا يمكن للمرء أن يبدأ بأية نقطة في النص ويتحرك منها للخلف أو للأمام للبحث عن تغيير في الفكرة. فإذا بدأ الشخص بنهاية الأصحاح الخامس في أفسس واتجه للوراء، فسوف يجد الموضوع يتركز على العلاقة بين الزوجات والأزواج كتشبيه لعلاقة الكنيسة بالمسيح. هناك فاصل واضح بين العددين 21 و22، لأن عدد 21 يتحدث عن خضوعنا بعضنا لبعض في مخافة . لذلك فإن معظم الترجمات تقوم بعمل مقطع جديد عند هذه النقطة. المقطع الجديد هو بلا شك مشروع، لكن العلاقة بين خضوعنا لبعضنا البعض في عدد 21، والتعليم الذي يبدأ في عدد 22، بأن الزوجات يجب أن يخضعن لأزواجهن، من الواضح أن بينهما علاقة ما.

عندما نعود إلى 6: 1، ونبدأ بالنظر في اتجاه مضاد بتغيير الفكرة، فإننا نجد في الحال مثالاً آخر للخضوع. هذه المرة نجد خضوع الأبناء للوالدين. وبتتبع مسار الفكرة أكثر، يحدث فاصل بين 4: 4 و6: 5، حيث يتغير الموضوع من الأبناء والوالدين إلى العبيد والسادة. ومع ذلك، يستمر خيط الفكرة في أن العبيد يجب أن يخضعوا لسادتهم. حتى نصل إلى عدد 10، حيث نجد انفصالاً كاملاً عن الفكرة الأصلية للخضوع لبعضنا البعض في مخافة المسيح. وعندما نقوم بتصميم مسار الفكرة بهذه الطريقة، فإننا نجد أن هذا يلقي بالضوء بوضوح شديد على مقطع عليه كثير من الخلاف.

وفيما يلي إحدى التصميمات الممكنة لرسالة أفسس، مع إعطاء قدر كبير من التفصيل للقسم الثاني منها:

مقدمة (1: 1-2)

1 – عقيدة: وضع ومقام المؤمن (1: 3 – 3: 21).

2 – الممارسة العملية: مسيرة المؤمن (4: 1 – 6: 20)

      أ) الحياة والخدمة (4: 1 – 6: 9)

      1-6. ستة موضوعات (4: 1 – 5: 20)

  1. الخضوع المتبادل (5: 21 – 6: 9)

               أ – الزوجة / للزوج (5: 22 – 33)

               بـ – الابن / للوالدين (6: 1 – 4)

               جـ – العبيد / للسادة (6: 5 – 9)

      ب) الحرب الروحية (6: 10 – 20)

الختام (6: 21 – 24).

لاحظ أن نقطة التقسيم بين العقيدة والممارسة العملية تمثل تغييراً رئيسياً في الفكرة، وهي شديدة الوضوح. وقد ميزنا هذه القسمين برقمي 1، 2. وداخل القسم الثاني (2) نجد التغيير من فكرة لأخرى أكثر مهارة وأقل تحديداً. لكن يوجد على الأقل موضوعان متميزان (الحياة والخدمة (أ)؛ والحرب الروحية (ب)). وقد وضعناهما معاً تحت تقسيم رئيسي واحد (2) لأن كل منهما يشتركان في فكرة الحياة الفعلية – وليس المقام اللاهوتي او علاقة المؤمن بالله (1). مرة أخرى، داخل قسم “الحياة والخدمة” توجد عدة موضوعات. وقد قمنا بتقسيمها إلى نقاط فرعية لأنها متميزة عن بعضها البعض (1 – 7). وداخل النقطة الفرعية “الخضوع المتبادل”، نجد ثلاثة أمثلة أو تطبيقات لنفس المبدأ، لذلك فقد قمنا بتجميعها تحت عنوان واحد، لكننا عرفنا كل منها بطريقة منفصلة (أ، بـ، جـ).

باستخدام التصميم السابق، أصبح مسار الفكرة واضحاً بإظهار التقسيمات الأساسية والفرعية، أو التغيير في الفكرة. نتيجة لذلك، يمكن للمفسر أن يستخدم تلك البنية في تحليل معنى أي مقطع كتابي محدد. يتضح من ذلك أن تصميم بنية سفر بكل المقاطع التي يحتويها أهم بكثير من مجرد تقديم إطار للفكرة لتذكير المحتوى بسهولة. إنها وسيلة منظمة لتتبع مسار الفكرة. ولذلك فإن مسار الفكرة، بالتالي، له أهمية عظيمة في تفسير كل فكرة داخل السفر ككل.

السياق القريب (المباشر)

إن تمييز هدف وخطة سفر يفيد في وضع كل مقطع في سياقه الأوسع. لكن السياق المباشر هو أهم وسيلة إرشادية لتحديد معنى المقطع؛ ومما يثير السخرية، إن هذا الأمر ربما يعتبر من أكثر الأمور التي يتم تجاهلها. لكن دراسة السياق المباشر يساعد القارئ على فهم المعنى الذي قصده المؤلف بصورة أفضل، كما سنرى في دراسة ثلاثة مقاطع مختلفة من غلاطية ورومية وتسالونيكي.

غلاطية 5: 4: السقوط من النعمة

عندما تحدث بولس عن السقوط من النعمة (غلاطية 5: 4)، هل كان يتحدث عن شخص فقد خلاصه؟ إن الفحص السريع للسياق يوضح أن هذا أبعد ما يكون عن المعنى الذي يعبر عنه هذا المقطع. لقد كان بولس يتحدث عن جماعة الختان (اللذين كانوا يسعون للإتيان بالمؤمنين تحت عبودية )، وكان يحذر أهل غلاطية أنه إذا سعى الشخص للتبرير من خلال إطاعة الناموس، فإنه يكون قد رفض طريق النعمة، وهكذا يكون قد سقط من النعمة.

رومية 14: 13 – 15: 1 القوي والضعيف

ربما نظن أن الشخص القوي هو الشخص الذي يكون قوياً في آرائه أو معتقداته او شخصيته أو في روحانيته. والشخص الضعيف هو الذي يكون ضعيفاً في واحد أو أكثر من هذه المجالات. هذه نظرة مشروعة، لكن هل هذا هو ما كان بولس يقارن بينه في رومية 14، عندما تحدث عن القوي والضعيف؟ يجب على السياق أن يقرر ذلك. لقد كان بولس يتحدث عن الشخص القوي أو الضعيف في الإيمان. فالشخص القوي في الإيمان لديه ثقة في أنه يستطيع أن يأكل أي شيء. أما الشخص الضعيف في الإيمان فإنه يفتقر إلى تلك الثقة. في حالة بولس هذه، كان بولس هو الشخص القوي والكتابي في اقتناعاته. ومع ذلك، فمن الممكن جداً أن يكون الشخص قوياً ولكن على خطأ. فمثل هذا الشخص قد يكون ضعيفاً في الشخصية أو ضعيفاً روحياً، ولكنه لا يزال “قوياً” بالمعنى الذي استخدم به بولس هذا المصطلح هنا.

من المهم بالنسبة لمفسر المقطع بأكمله أن يعرف من السياق ما هو المعنى المقصود. وها هو على سبيل المصادفة، مثال جيد آخر لكيفية امتداد السياق إلى ما هو أبعد من تقسيم الأصحاحات. ففي رومية 15: 1 نجد حثاً إضافياً وتضاداً بين القوي والضعيف: “فيجب علينا نحن الأقوياء أن نحتمل أضعاف الضعفاء ولا نرضي أنفسنا” ثم يقدم لنا بولس المسيح كمثال لكي يظهر لنا أن الوصايا الصعبة يمكن إطاعتها – كل هذا في أصحاح آخر تماماً ولكنه يعتبر جزء من نفس الفكرة.

تسالونيكي الأولى 5: 2: يوم الرب

هنا يخبرنا بولس أن يوم الرب سيأتي كلص في الليل. فكيف يأتي اللص في الليل؟ يتعامل الكثيرون من الناس مع هذا المقطع ليك يوضحوا أن الرب سوف يأتي بصورة خفية أو متلصصاً. لكن مرة أخرى، يجب على السياق أن يتحكم في المعنى. فالعدد التالي يستخدم رمزاً آخر، فالطريقة التي تلد بها المرأة تأتي فجأة، وبدون إنذار. إذاً في عدد 4، يستخدم التضاد بين النهار والليل بطريقة أخرى، ولكنها طريقة تلقي بالضوء على طبيعة اللص بحسب استخدام بولس لها: “وأما أنتم أيها الإخوة فلستم في ظلمة حتى يدرككم ذلك اليوم كلص”. نجد هنا بولس يتحدث مرة أخرى عن اللص الذي يقتحم أو يأتي فجأة. لذلك فإنه يبدو من السياق أن سمة الص الذي يأتي في الليل لا تشير إلى الخفاء أو السرية، كما لا تشير أبداً إلى السلوك غير الأخلاقي للص، بل إلى فجائية وعدم توقع مجيئه.

لمزيد من النور، يبدو السياق السابق أنه يقول عكس التلصص أو السرية تماماً: “لأن الرب نفسه بهتاف بصوت رئيس ملائكة وبوق الله سوف ينزل من السماء والأموات في المسيح سيقومون أولاً”. (1تس 4: 16). فإن كان 1تسالونيكي 5: 2، يؤخذ بمعنى أن مجيء اللص يشير إلى السرية، فلا بد إذاً أن هذين العددين يشيران إلى حدثين مختلفين، ولكان سيتم تدعيم التفسير بأن “يوم الرب” و”مجيء الرب” هما حدثان مختلفان. لكن إن كان تشبيه اللص بمجيء المسيح لا يمت بصلة إلى سمة اللص إلا بأن مجيئه غير متوقع، عندها إذاً يتفق العددان معاً تماماً. لقد استخدمت العديد من الوسائل الإرشادية في تحليل هذه العبارة، لكن السياق أساساً هو الذي حدد فهماً أكثر دقة للمعنى.

ملخص

لقد رأينا أمثلة للأهمية الاستراتيجية للفحص الدقيق للسياق، حيث أن كلاً من هدف وتخطيط السفر، وتدفق مسار الفكرة في مقطع معين، والسياق المباشر، في التحليل النهائي، هو الذي يحدد ويقرر المعنى: إن أشهر أخطاء التفسير الشائعة هي التعدي على المبدأ البسيط والأساسي القائل بأن “السياق هو الذي يجب أن يتحكم في المعنى.

وحيث أن السياق هو الذي يحب أن يتحكم، فإننا يجب أن نبدأ بالغرض الذي كان في ذهن المؤلف عندما كتب سفره.  ويجب أن نسمح لغرضه وهدفه، وليس لأهدافنا وأغراضنا نحن، أن تتحكم في التفسير. وعندها، لكي نفهم أين يمكن أن يتفق المقطع مع مسار الفكرة، فإننا يجب أن نقوم بتصميم بنية للسفر، وأن نعطي أهمية عظمى للتغيرات الواضحة في الفكرة التي تقع قبل وبعد المقطع مباشرة. وأخيراً، يجب أن نركز على السياق المباشر، وأن نسمح له بأن يتحكم في التفسير. ونستطيع أن نقوم بذلك عندما نرفض أن نقحم معنى على كلمة، أو عبارة، أو وحدة فكر، بما يتعدى على أي معنى واضح للسياق.

ليست فقط الوسيلة الإرشادية الخاصة بالسياق هي أكثر الوسائل وضوحاً وبساطة، ولكنها وسيلة عندما يتم التعدي عليها تكون عواقب ذلك بعيدة المدى. وذلك لأن الشخص الذي يتجاهل السياق دون مبالاة أثناء إعداده لعظة مثلاً أو لتخطيط لدراسة، يكون قد عصى الوصية القائلة: “اجتهد أن تقيم نفسك لله مذكى عاملاً لا يخزى مفصلاً كلمة الحق بالاستقامة” (2تيمو 2: 15). إنه لأمر مخجل أن نتجاهل السياق بإهمال. أما أن نتعمد التعدي على السياق فهو أمر أكثر من مخجل، إنه خطية، لأنه استبدال متعمد لكلمة الله بكلامنا نحن الشخصي.

إن دارس الكتاب المقدس، رغم أنه قد لا يفهم اللغات الأصلية، إلا أن لديه تحت تصرفه أهم أداة للفهم – السياق. فليته يستخدمها باجتهاد!

مراجع مختارة لمزيد من الدراسة

– كيشولم، روبرت بي. Interpreting the Minor Prophets. Grand Rapids: Zondervan, 1990.

– جولدنجاي، جون. Approaches to Old Testament Interpretation. Downers Grove, 1II.: InterVarsity, 1981.

– لونجمان، تريمبر، Literary Approaches to Biblical Interpretation . Grand Rapids: Zondervan, 1987.

– ماكنايت، سكوت، محرر. Introducing New Testament Interpretation. Grand Rapids: Baker, 1990.

– مارشال، آي هوارد. New Testament Interpretation: Essays on Principles and Methods. Grand Rapids: Eerdmans, 1977.

– شريندر، توماس آر. Interpreting the Pauline Epistles. Grand Rapids: Baker, 1990.

– ستيوارت، دوجلاس Old Testament Exegesis: A primer for Students. and Pastors. Philadelphia: Westminster, 1980.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة لمنع الإعلانات - برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة AdBlock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock