الرئيسية / أبحاث / اللاهوت المسيحي كمادة تعليمية ذهنية

اللاهوت المسيحي كمادة تعليمية ذهنية

المسيحي كمادة تعليمية ذهنية

اللاهوت المسيحي كمادة تعليمية ذهنية
المسيحي كمادة تعليمية ذهنية

المسيحي كمادة تعليمية ذهنية

أود البدء بلمسة من التاريخ الشخصي؛ وأنت سرعان ما ستكتشف السبب وراء ذلك. فلدى التوقيع على كتبي للذين يلتمسون ذلك منى، دأبت لسنين طويلة أن أذيل توقيعي بالشاهد الكتابي من المزمور 71: 17، 18:

اللهم، قد علمتني منذ صباي، وإلى الآن أخبر بعجائبك وأيضاً إلى الشيخوخة والشيب يا الله لا تتركني، حتى أخبر بذراعك الجيل المقبل، وبقوتك كل آت.

افتكرت لبعض الوقت أن كلمات المرنم هذه قد تصفني إلى حد ما. إنها بكل تأكيد تعبر عن رغبة قلبي. والآن على مدى خمسة وتسعين فصلاً دراسياً، ناهيك بفترات الشتاء والصيف، وفي خمس كليات لاهوت أميركية، ونحو اثنتي عشرة كلية لاهوت دولية، علمت المصلح وأعلنته. إلا أني لم أعلمه أو أعلنه لأن في ذلك هوايتي. كلا، فأنا لم أكن أمارس هواية، هذه السبع والأربعين سنة الأخيرة. لكن المصلح المدهش، والمملوء رهبة وروعة، ولئن أسلم بأنه موضوع حبي على صعيدي حياتي الروحية وحياتي المهنية كمدرس، فهو أيضاً كما أنا مقتنع، تعليم الرب الإله نفسه. لذا بالنسبة إلي، فإن الترويج له بنعمة الله هو بمثابة شغف وإرسالية وحده، الأسفار المقدسة وحدها، لمجد الله وحده – كل هذه مسائل تتوقف عليها الحياة الأبدية أو الموت الأبدي لشعوب هذا العالم. بناء على اتفاقي مع المصلحين الوقورين، بت أفهم بنعمة الله بالطبع، في وقت باكر من أيامي في الكلية وخلال عملي كمدرس، الحقائق التالية:

– الرجل الوحيد من باستطاعة الله القدوس بشكل لامتناه أن يكون في شركة مباشرة معه، هو ، الوسيط الأوحد “بين الله والإنسان” (1تيمو 2: 5). على قدر ما نحن، أنا وأنتم كأناس خطاة، نضع ثقتنا في عمل المسيح الخلاصي على الصليب، لا يعود يرانا الله “في آدم” بل “في المسيح”. وعندئذ فقط يقدر الله المثلث الأقانيم أن يكون شركة معنا (هذا هو مبدأ الخلاص المعروف باسم سولس خريستس أو “بالمسيح وحده”).

– السبيل الوحيد لصون الـ سولس خريستس والـ سولا غراسيا (“بالنعمة وحدها”) للخلاص، يكون من خلال الإصرار على سولا فيدي (“بالإيمان وحده”) كالأسلوب والأداة للتبرير. كما أن السبيل الوحيد لصون الـ سولا فيدي كالأسلوب والأداة للتبرير يكون من خلال الإصرار على الـ سولس خريستس وعلى الـ سولا غراسيا للخلاص.

– السبيل الوحيد لصون كل من الـ سولس خريستس والـ سولا غراسيا للخلاص والـ سولا فيدي للتبرير، يكون من خلال الإصرار على الـ سولا سكريبتورا (بالأسفار المقدسة وحدها) كالسلطة الوحيدة التي تملكها الكنيسة في هذه المسائل.

– التبرير بالإيمان يجب عدم جعله مقابل التبرير بالأعمال، بل بالأحرى مقابل التبرير بأعمالنا نحن. فالتبرير يجد أساسه فعلاً في اطاعة المسيح الجزائية بالنيابة عنا، من طاعته هذه نتبارك بها بالإيمان وحده.

المخلص يجب توجيهه فقط نحو عمل المسيح وموته. ولا يجوز أبداً توجيهه بأي شكل من الأشكال نحو أعمال المؤمن الصالحة أو اختباره الداخلي.

– بر المسيحي أمام الله اليوم هو في السماء عن يمين الله بيسوع المسيح، وليس على الأرض داخل المؤمن.

– أساس تبريرنا هو عمل المسيح البديلي لأجلنا، وليس عمل الروح القدس بالنعمة فينا.

– البر بالإيمان:

– ليس هو شخصياً بل بديلياً.

– لا يسكب فينا بل ينسب إلينا.

– ليس هو اختيارياً بل شرعياً.

– ليس هو نفسياً بل قانونياً.

– ليس منا بل هو بر المسيح، البر الذي ليس من هذه الأرض.

– لا يكتسب بل يُعطى لنا من خلال بالمسيح، هذا الذي هو بحد ذاته هبة بالنعمة.

– يعود الفضل في خلاص المختارين إلى نعمة الله وحدها (سولا غراسيا) والتي لها وحدها يعود كل الحمد لخلاصهم (سولي ديو غلوريا).

بما أني قبلت التحدي بشكل جدي قبل عدة سنوات لفعل هذا، أدركت أيضاً في وقت مبكر من مهنتي أن حقائق الإصلاح العظمى هذه مع فرائد الإصلاح، تتطلب أن يصار إلى الدفاع أمام عالم منتقد عن النظام المسيحي كمادة تعليمية ذهنية، هذا النظام برمته حيث تشكل هذه الحقائق جزءًا مركزياً منه. وهكذا وجدت نفسي مضطراً إلى مواجهة المسألة الأكثر أساسية عن الحاجة إلى تسويغ أي عمل لاهوتي مسيحي بحد ذاته، بما في ذلك انخراطي فيه. لكن، كيف عساي الإقدام على ذلك؟ كنت على أهبة الاستعداد للرجوع إلى معلومات من خارج مستخدماً حججاً من صنف (أد هومينم) أي تلك التي أتناول فيها شخص غير المؤمنين، وذلك بموجب مضمون الآية من أمثال 26: 5 “جاوب الجاهل حسب حماقته لئلا يكون حكيماً في عيني نفسه”. والقصد من ذلك إظهار لهم عجزهم عن العيش بانتظام بموجب نظرتهم إلى العالم وإلى الحياة[1].

لكن عدت وأدركت كيف أن هذا الأسلوب لا يستطيع بحد ذاته تسويغ المسيحي منطقياً أو ببراهين تؤكد صحته في المطلق. عرفت أن أسلوباً كهذا لن يتمكن في أفضل حالاته من تقديم سوى احتمالات فقط، بما في ذلك إمكانية أن تأتي خلاصاتي نفسها مشوبة بالخطأ، فأكابد في نهاية المطاف مصير التشكيك الكامل والذي لا يلين. لذا بحثت عن تسويغ المسيحي كمادة تعلمية ذهنية، بما في ذلك انخراطي في هذه المهمة حيث لا يمكن إثارة أي تساؤل أو أدنى شك حول صحته أو يقينيته. أنا أحتاج في هذه الحال إلى نقطة مرجعية أرخميديسية، إن صح التعبير، خارج نطاق الكون. وأين كان ذلك؟ في المعلومات الموجودة داخل كلمة الله الموحى بها والمعصومة عن الخطأ، والتي بلغت إلينا من عالم آخر، وبالاستناد إلى مراجع جيدة وضرورية منها.

إذ نبدأ دراستنا لعلم الدفاع، أبغي تناول مسألة تسويغ لاهوتنا بحد ذاته، ذلك لأنه مناسب وضروري تفسير لماذا نؤمن بشرعية ما نقوم به داخل كليات المصلحة عندنا، ولماذا نقدم تدريباً أكاديمياً في مجال المسيحي. دعونا في البداية نواجه بعض الأسئلة العويصة. فكم من تلامذة لاهوت عبر السنين تساءلوا: “ماذا أنا فاعل هنا في كلية ؟ لماذا عليّ دراسة ؟ ترى، هل أضيع وقتي ومالي في دراسة المسيحي؟ وهل المسيحي ينفع لشيء في العالم اليوم؟ وهل كان انتقالي مع عائلتي إلى هذا المكان عملاً متهوراً؟ ولماذا أقوم بهذه التضحية المكلفة والشاقة علي وعلى عائلتي من خلال التحاقي بكلية ؟”

هكذا أسئلة، أنا أحاجج، ليس تناولها بمثابة إضاعة للوقت، ذلك لأنه علينا التسليم بأن المسيحي يمر بأزمنة صعبة في جيلنا. دعوني أوضح ما أقصد قوله، من خلال سردي لحدثين، أستعير أحدهما فيما يندرج الأخر من ضمن اختباري الشخصي.

أولاً، فيما يخص الحدث المستعار. يتحدث الدكتور “مارتن لويد جونس” في أحد كتبه عن مؤتمر ديني ضخم كان قد انعقد في مدينة “غلاسكون” في اسكوتلندا، وحضره هو شخصياً. وكما يحصل غالباً، ولسبب ما فوق العادة، لدى انعقاد هكذا مؤتمرات، يدعى إليها السيد عميد المدينة إلى حضور اللقاء الافتتاحي للترحيب بالحضور ومخاطبتهم لبضع دقائق. فيما يلي جوهر ما قاله، كما يذكر “الدكتور”:

جميعكم أنتم الحاضرين هنا اليوم من اللاهوتيين الضليعين، وأنا أعترف بأني لست كذلك، بل مجرد إنسان عادي. أنا رجل أعمال ولا أفهم لاهوتكم وكل هذه الأمور الكنسية. في الواقع، لست مهتماً بلاهوتكم، كما أني أعتقد شخصياً أنكم تضيعون الكثير من الوقت عندما تتحاججون فيما بينكم حول لاهوتكم. ما أبغي أنا معرفته – بل في الواقع ما يود أناس كثيرون مثلي معرفته – هو ببساطة هذا: كيف بوسعي أن أحب قريبي؟ هذا ما نريد معرفته منكم. لا يهمنا لاهوتكم العظيم. نحن نريد أن نعرف فقط – فعلاً الإنسان العادي يريد ببساطة معرفة – كيف باستطاعتي أن أحب قريبي؟

الآن، إن كان أحدنا قد درس مساقاً في المسيحية الشخصية والآداب الاجتماعية في كلية لاهوت مصلحة جيدة، سيدرك فوراً جهل هذا الرجل بالكامل لشؤون العقيدة، وذلك من جراء علمه كيف أن واللاهوت يرتبطان بشكل مباشر باهتمامه بمحبة القريب. في الواقع، هو يعرف أنه ما لم تقم سلطة إلهية متسامية ومطلقة بإلزامنا ضرورة محبة قريبنا، على أن نفعل ذلك مهما كلفنا الأمر، ما من سبب آخر بالإمكان تقديمه لإرغام أي واحد منا على القيام بأي شيء لأي كان غير أنفسنا. لكن، ليس هذا هو السبب وراء ذكري لهذا الإيضاح عند هذا الحد. لكني أبغي بالحري توضيح نقطتي الراهنة. فبالنسبة إلى هذا الرجل، الكنيسة وكتابها المقدس ولاهوتها، جميع هذه ليست على الإطلاق ذات صلة به ما لم تتناول ما يريد هو معرفته، أي ما يشكل في نظره المسألة الدنيوية بالكامل والتي تتلخص بما يلي: “كيف عسانا العيش بسلام مع القريب”.

الآن لننتقل إلى الحدث الثاني والمتعلق بي بشكل مباشر: قبل عدة سنوات، قررت وزوجتي النزول بواسطة السيارة إلى “كي وست” لقضاء عطلة نهاية الأسبوع، وأخذ قسط من الراحة والانشراح ليوم أو يومين. وعلى جزيرة منخفضة قريبة، هناك كنيسة أرثوذكسية مشيخية. والواعظ فيها “بل ولزيان”، الفنان الذي يتكلم وهو يرسم بواسطة الطبشور، يقصد “مالوري بيير” عند الناحية الغربية من الجزيرة عشية كل اثنين، وأربعاء، وجمعة (كان قد درب أحد أعضاء الكنيسة على الذهاب إلى هناك في أيام الثلاثاء، والخميس، والسبت، لكنه غالباً ما ينضم إليه أيضاً). فهناك يتجمع مئات السائحين لمشاهدة الشمس وهي تغيب في الغرب. هو يجذب حشداً كبيراً حوله بفنه، ويكرز بالإنجيل بينما يرسم.

وإذ علمنا بهذا، قررنا التواجد هناك عشية يوم الجمعة. وهكذا وقفنا مع الحشد وصلينا لأجله فيما راح يرسم ويعلن الإنجيل للجمع. في نحو منتصف العرض، إذا برجل كان يشق طريقه عبر الحشود في محاولته لجذب انتباه الحضور حتى آخر الرصيف، راح يصيح مخاطباً الواعظ بغضب شديد: “ماذا تظن أنت فاعله هنا؟ لماذا لا تذهب بحثاً عن وظيفة حقيقية؟”. أمل أنك ترى نقطتي: كانت تعليقات هذا الرجل تقطر بسخرية لاذعة. في نظر هذا الرجل وفي نظر الكثيرين مثله. لا جدوى مما يقوم به القس “ولزيان”. أراد أن يوحي بأنه كان بوسعه أن يقضي وقته بشكل أنفع بكثير لو أنه درس ليصبح طبيباً، أو مهندساً، أو مديراً لمدرسة أو لمؤسسة، أو طاهياً، أو مهندس بيئة، أو مربياً – أجل وحتى محامياً – وكل ذلك أفضل من انخراطه في الخدمة المسيحية.

ثم هناك “سورين كركيغارد” في عرضه الساخر للاهوتي على أنه “الأستاذ لحقيقة كون شخص آخر قد تألم، من أن يتألم هو”[2]، بينما يُذكرنا “جاروسلاف بيليكان” بأن معشر الكتبة والفريسيين هم أقرب ما يعادل اللفظة “لاهوتي” في [3]. إن هكذا تذكيرات لا تجعل الكنيسة ولا العالم ككل، ينجذبان إلى عمل الشخص اللاهوتي. حقاً، فعلى قدر ما أصبح عالم الغرب أكثر فأكثر “مدينة دنيوية”، ازداد بذلك عدد الرجال والنساء داخل الكنيسة وخارجها، الذين يحاججون في كونه من المستحيل حتى التلفظ بأي شيء له معنى عن الله. وعليه، استهل “غوردن هـ كلارك” كتابه In Defense of Theology (“في معرض الدفاع عن اللاهوت”) بعرضه التقويم التالي:

دراسة اللاهوت الذي كان في وقت من الأوقات ينظر إليه بإكبار لكونه “ملك العلوم”، بات اليوم بالجهد يرتقي إلى مصاف العلم الوضيع؛ إنه غالباً محط احتقار، وينظر إليه بريب، أو بتم تجاهله ببساطة[4].

إن كان “كلارك” على حق في حكمه هذا، فطلبة اللاهوت في هذه الحال قد يستخلصون من كل هذا أن عليهم التخلص نهائياً من اللاهوت المسيحي كمادة تعلمية تثقيفية لكي يخصصوا وقتهم لمسعى ذهني ما، يعدهم بالفوز بقدر أكبر من التقدير وبحظوة جيدة بين الناس. لكني آمل إظهار كيف أن خلاصة كهذه هي مغلوطة بشكل ملحوظ. المسألة أمامنا يمكن صياغتها بشكل مركز هكذا: كيف بالإمكان تفسير اللاهوت المسيحي كمادة تعليمية تثقيفية تستحق أن توليها الكنيسة، كما العالم، أعلى قدر من الاهتمام والاحترام؟ وكيف يمكن تسويغ عملنا طول عمرنا كوعاظ ومعلمين لذلك اللاهوت؟ والآن بأكثر تركيز: لماذا عليك أنت كمسيحي أن تشغل نفسك طيلة حياتك بالتأمل بذهنية الباحث في مضمون الرسالة المسيحية وفي إعلانها؟ ولماذا تحتاج أن تشغل نفسك بالطريقة المحددة التي كانت الكنيسة في أفضل أوقاتها، في نظري، قد اعتمدتها في إطار صياغتها للاهوتها في الماضي، أي بواسطة القوانين التاريخية/ اللغوية/ واللاهوتية لتفسير الأسفار المقدسة بعهديها القديم والجديد؟ أنا أعرض الأعمدة الخمسة التي، في نظري، يرتكز عليها بثبات تسويغ اللاهوت المسيحي كمادة تعليمية وفكرية، هذه الأعمدة التي تدفعني إلى استخلاص أنه يترتب علينا جميعنا مواصلة انخراطنا في العملية اللاهوتية.

 

[1] راجع الملحق أ “الرد على الجاهل الكتابي”.

[2] Soren Kierkegaad, Journals, edited and translated by Alexander Dru. (Oxford: University Press, 1938), no, 1362.

[3] Jaroslav J. Pelikan, “The Function of Theology” in Theology in the Life of the Church, edited by Robert M. Bertram (Philadelphia: Fortress, 1963), 3.

[4] Gordon H. Clark, In Defense of Theology (Milford, Michigan: Mott, 1984), 3.

إقرأ أيضاً: