منهج الرب يسوع المسيح اللاهوتي نفسه

منهج الرب يسوع المسيح اللاهوتي نفسه

منهج الرب يسوع المسيح اللاهوتي نفسه
منهج الرب يسوع المسيح اللاهوتي نفسه

منهج الرب يسوع المسيح اللاهوتي نفسه

العمود الأول الذي يرتكز عليه تسويغ اللاهوت المسيحي كمادة تعليمية وفكرية، هو منهج المسيح اللاهوتي نفسه. ونظراً لمدى أهمية شهادة هذا العمود، سأتناوله بأكثر إسهاب من الأعمدة الأخرى.

يصف البشيرون الأربعة جميعهم يسوع المسيح الذي بعد قيامته في الجسد في اليوم الثالث أظهر “نفسه حياً ببراهين كثيرة” (أعمال 1: 3). وكان الله الآب قد وضع ختمه (إمبراماتور) على خدمته الأرضية من خلال إقامته من بين الأموات (غلاطية 1: 1؛ رومية 8: 11)، معلناً بذلك بقوة بأنه الكائن الإلهي، ابن الله (رومية 1: 4)، ومنعماً علينا بكل كلمة لابنه على اعتبار أنها حق أنا أصرح بأن البشيرين جميعهم يصفون المسيح الإلهي بأنه منخرط في العمق في أسفار العهد القديم المقدسة في القلب والفكر، طيلة فترة خدمته الأرضية.[1]

موقف يسوع من تاريخية العهد القديم

بات من المألوف اليوم انتقاد تاريخية العهد القديم وإعادة بنائه على أسس حرجة. ادعى “مارتن نث” مثلاً، بأنه من غير الممكن معرفة أي شيء بالتأكيد عن ماضي أمة إسرائيل قبل دخولها إلى كنعان عبر مراحل متنوعة.[2] “جون برايت”، ولئن يبدو أكثر اعتدلاً من “نث” في إعادة بنائه لتاريخ العهد القديم، ظل يشكك في تاريخية حقبة ما قبل الآباء للتاريخ الكتابي.[3] لكن، لم يكن هذا موقف يسوع من تاريخية العهد القديم. ففي الواقع، لحظ “ج. و. ونهام” ما يلي: “الغريب بما فيه الكفاية أن الروايات التي تحظى بأقل قدر من القبول لدى ما كان يعرف قبل جيل أو جيلين “بالفكر الحديث” هي نفسها تلك التي كان [يسوع] على ما يبدو أكثر ما يهوى اختيارها في سياق إيضاحاته.”[4] مثلاً، فيما يخص إنجيل متى وحده، نجد كيف أن يسوع يشير فيه إلى الأحداث التاريخية التالية. ومن الواضح كيف اعتبر أنه لا يرقى إليها أي شك من الزاوية التاريخية.

– خلق آدم وحواء بفعل مباشر من الله (متى 19: 4، 5).

– مقتل هابيل (متى 23: 23).

– أزمنة نوح وطوفان سفر التكوين (متى 24: 37).

– خراب سدوم وعمورة (متى 10: 15).

– كلمة الله التي جاءت إلى موسى (متى 28: 32).

– داود الذي أكل خبز التقدمة (متى 12: 3، 4).

– زيارة ملكة سبأ لسليمان (متى 12: 40).

– عملية رجم زكريا (متى 23: 35).

– ابتلاع الحوت ليونان (متى 12: 40).

– كرازة يونان وتوبة نينوى (متى 12: 41).

– الإشارات إلى شخصيات أخرى من العهد القديم من أمثال إبراهيم، واسحق، ويعقوب، وإشعياء، ودانيال (متى 8: 11؛ 13: 14؛ 15: 7، 8؛ 24: 15)[5].

موقف يسوع من وحي العهد القديم

يحوي إنجيل متى عدة مؤشرات على أن يسوع آمن وعلم أن أسفار العهد القديم كانت كلمات الله عينها. ففي متى 19: 5 علم يسوع أن الكلمات التي نطق بها آدم أو موسى (على الأرجح هذا الأخير) في تكوين 2: 24 صدرت بشكل نهائي أكثر عن الله (“الله خلق… وقال…”). كما أن يسوع في محاججته مع الصدوقيين بشأن قيامة الجسد (متى 22: 31، 32)، سألهم: “أفما قرأتم ما قيل لكم [هومن] من قبل الله القائل: أنا إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب؟” ثم ذكر كلمات كان الله قد وجهها إلى موسى (خروج 3: 6). إذاً، اعتبر يسوع أن هذه الكلمات من الكتاب المقدس هي كلمة الله الموجهة إلى كل من موسى ومعاصريه. إلى ذلك، بنى يسوع قضيته في الدفاع عن قيامة الجسد على فعل الكينونة “to be” في الزمن الحاضر: “أنا [إيمي] إله إبراهيم”، وليس “كنت إله إبراهيم”. الإشارة الضمنية هنا هي أولاً إلى أن إبراهيم كان لا يزال حياً وسيقام ذات يوم من الأموات، وثانياً كون كلمات الأسفار المقدسة كان الله قد أشرف على صياغتها في غاية الدقة، ما يمكن أحدنا من بناء حجة على زمن الفعل. وفي متى 22: 43-45 بنى يسوع حجته لكونه ابن الله على اقدام داود على دعوة ابنه بحسب الجسد ربه “بالروح”. المقصود هنا هو أن كلمات المزمور 110، ولئن كان داود قد دونها، فمصدرها في الأصل هو روح الله. أما التركيز هنا فهو على الانسجام الرائع بين الله والإنسان في انتاج الأسفار المقدسة (راجع 2بطرس 1: 20، 21). ومن جديد، يبني يسوع حجته على كلمة واحدة: اعتماد داود اللفظة “رب” (أدهن) لوصف ابنه.

موقف يسوع من سلطة العهد القديم

لا يستطيع أحد التشكيك بشكل جدي فيما كان يكتسبه العهد القديم من سلطة في نظر يسوع، في كل ما يؤكده. ففي العظة على الجبل، علم يسوع تلاميذه: “لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإني الحق أقول لكم: إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل” (متى 5: 17، 18). وفي لوقا 16: 17، صرح بأن أصغر جزء من الأحرف المكتوبة للأسفار المقدسة، لن يسقط أبداً. وقد اعتاد أن يشير مراراً وتكراراً إلى الناموس والأنبياء (متى 5: 17؛ 7: 12؛ 11: 13؛ 22: 40) مقتبساً منها لحسم مسألة ما (متى 12: 5؛ 15: 3-6؛ 21: 31، 42؛ 22: 42، 43).

إنه يشير ضمناً من خلال هذه العبارة إلى قانون ثابت من المواد التي لها سلطة، قاصداً بذلك العهد القديم برمته. في متى 4: 4-10، صد المجرب من خلال اقتباسه تثنية 8: 3؛ 6: 16و6: 13 بهذا الترتيب، مؤكداً في كل مرة إيمانه بنهائية سلطة العهد القديم من خلال تصديره اقتباسه صيغة الفعل التام باليونانية (أو بالأرامية “ما يعادله في القوة”): “مكتوب [ولا يزال ساري المفعول]” (راجع أيضاً متى 11: 10؛ 21: 13؛ 26: 24، 31). ويسوع من خلال جعله كلمة الله مقابل التقليد اليهودي في مرقص 7: 13، إنما أشار بذلك ضمناً إلى أن الله هو الذي يقف وراء سلطة العهد القديم بجملته. كرر مرات عدة سؤاله الاستفهامي: “أما قرأتم” (متى 12: 3؛ 19: 4؛ 21: 16؛ 22: 31). كما أنه أمر الأبرص الحاصل على التطهير، بضرورة إطاعته الشريعة الموسوية المتعلقة بحالات التطهير (متى 8: 4).

كذلك اتهم الصدوقيين بالضلال بشأن قيامة الجسد لأنهم لا يعرفون الكتب (متى 22: 29). أثنى على إطاعة الكتبة والفريسيين لشريعة التعشير مع أنه شجب إهمالهم أثقل الناموس: العدل، والرحمة، والإيمان (متى 23: 23). وفي متى 26: 53-56، أعرب يسوع عن تقديره الكبير للأسفار المقدسة النبوية برفضه طلب المساعدة من أكثر من اثني عشر جيشاً من الملائكة لإنقاذه من الصليب، بقوله: “أتظن أني لا أستطيع الآن أن أطلب إلى أبي فيقدم لي أكثر من اثني عشر جيشاً من الملائكة؟ فكيف تكمل الكتب: أنه هكذا ينبغي أن يكون؟”. وعند موته، كانت أفكاره مركزة على الأسفار المقدسة بما أنه اقتبس المزمور 22: 1 قبل لحظات فقط من موته (متى 27: 46). هذه المادة من إنجيل متى، إلى جانب الأناجيل الثلاثة الأخرى، تدعم المسألة نفسها، بما أنها تبرهن، بما لا يرقى إليه أي شك، بأن العهد القديم في نظر يسوع كان له سلطان من دون أي ريب.

موقف يسوع من الصفة النبوية لنبوات العهد القديم

ركز يسوع باستمرار على الصفة البنوية لنبوات العهد القديم. ففي متى 11: 10 علم كيف أن خدمة يوحنا المعمدان تممت ملاخي 3: 1. كما نبه إلى أن نبوة دانيال عن رجسة الخراب سرعان ما ستتم (متى 4: 15). كذلك نظر إلى موته هو، بصفته الحدث الافتتاحي لتتميم نبوة إرميا بشأن “العهد الجديد” (متى 26: 28). لكن أهم ما في الأمر أن يسوع استخرج من أسفار العهد القديم استخلاصات لاهوتية رائعة عن نفسه. ففي تسع وأربعين مناسبة مختلفة بحسب حساباتي، بعد إسقاط النصوص المتوازية من حساباتي، اقتبس يسوع في الأناجيل أو أشار إلى العهد القديم. كما أن العديد من هذه الاقتباسات طبقها على نفسه، كما يظهر في الأمثلة التالية:

بحسب لوقا 4: 16-21، يسوع وجاء إلى الناصرة حيث كان قد تربى. ودخل المجمع حسب عادته يوم السبت وقام ليقرأ، فدفع إليه سفر إشعياء النبي. ولما فتح السفر وجد الموضع الذي كان مكتوبا فيه: روح الرب علي، لأنه مسحني لأبشر المساكين، أرسلني لأشفي المنكسري القلوب، لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر، وأرسل المنسحقين في الحرية، وأكرز بسنة الرب المقبولة. ثم طوى السفر وسلمه إلى الخادم، وجلس. وجميع الذين في المجمع كانت عيونهم شاخصة إليه. فابتدأ يقول لهم: إنه اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم”. هنا ادعى يسوع بأنه مسيا العهد القديم.

بحسب يوحنا 5: 46، 47، أكد يسوع صراحة للقيادة الدينية اليهودية في أيامه في مناسبة أخرى: “لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدفونني، لأنه هو كتب عني. فإن كنتم لستم تصدقون كتب ذاك، فكيف تصدقون كلامي؟” هنا ادعى يسوع بأنه نبي كموسى. وفي يوحنا 10: 35 أعلن يسوع بعد اقتباسه المزمور 82: 6 دفاعاً عن كونه ابن الله “… ولا يمكن أن ينقض المكتوب”، أي بما أن الأسفار المقدسة لا تتغير لا يمكن ابطالها – وفي هذا إعلان مدهش عن مقدار ما اعتبر يسوع أن هذه الأسفار قالت الحق فيه.

بحسب لوقا 18: 31-33، وفي مناسبة أخرى بعد، أعلم يسوع تلاميذه بما يلي: “ها نحن صاعدون إلى أورشليم، وسيتم كل ما هو مكتوب بالأنبياء عن ابن الإنسان….” كذلك علم في متى 26: 24، 31، 53-56: “إن ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه… “كلكم تشكون فيّ في هذه الليلة، لأنه مكتوب: أني أضرب الراعي فتتبدد خراف الرعية…. أتظن أني لا أستطيع الآن أن أطلب إلى أبي فيقدم لي أكثر من اثني عشر جيشاً من الملائكة؟ فكيف تكمل الكتب: أنه هكذا ينبغي أن يكون”.

بحسب لوقا 22: 37، وفي مناسبة أخرى، يسوع وفي معرض اقتباسه إشعياء 53: 12، “وأحصي مع أثمة” علق على ذلك بالقول: “… إنه ينبغي أن يتم فيّ أيضاً هذا المكتوب… لأن ما هو من جهتي له انقضاء”. هنا ادعى يسوع بأنه عبد الله المتألم فيما يعرف بـ “النشيد الرابع للعبد” في إشعياء.

ثم بحسب لوقا 24: 26، 27 على طريق عمواس عشية قيامة الرب يسوع في الجسد من الأموات، مكتوب عن يسوع أنه “ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب”. (راجع أيضاً يوحنا 13: 18؛ 19: 24، 28، 36، 37؛ 20: 9). يسوع في انشغاله الذهني الواسع في تفسير الأسفار المقدسة، كان بذلك يقوم بنشاط لاهوتي، بأسمى ما في الكلمة من معنى. وبالمناسبة، أقول إن المسيحيين غالباً ما تمنوا لو يتسنى لهم الإصغاء إلى خطاب يسوع على طريق عمواس.

لكن، بإمكانهم التيقن من أن عظات الرسل المدونة في سفر أعمال الرسل كما رسائلهم الرسولية، تحمل طابع الخصائص الرئيسة لتفسير المسيح، وذلك من خلال الطريقة التي بها يفسرون العهد القديم من زاوية المسيح. إذاً، نعرف جوهر ما نطق به يسوع، حتى إن قلوبنا يجب أن تلتهب فينا، كما كان قد حصل مع قلبي ذينك التلميذين، عندما يفسر الروح الكتب المختصة بالرب. ثم بحسب لوقا 24: 44 في تلك العشية عينها، أعلن يسوع لتلاميذه الذين كانوا قد احتشدوا في العلية مع آخرين: وقال لهم: “هذا هو الكلام الذي كلمتكم به وأنا بعد معكم: أنه لا بد أن يتم جميع ما هو مكتوب عني في ناموس موسى والأنبياء والمزامير”.[6]

علم يسوع من خلال هذه الادعاءات أن العهد القديم بأكلمه تحدث عنه بصفته نسل المرأة، ونسل إبراهيم الفريد، والنبي الذي تكلم عنه موسى، والكاهن حسب رتبة ملكي صادق الذي تكلم عنه داود، وعمانوئيل المولود من العذراء، والابن الحامل الألقاب الرفيعة الأربعة “المشير العجيب”، و”الله القدير”، و”الأب الأبدي”، و”رئيس السلام”، والعبد المتألم، وكل هذا بحسب إشعياء، والغصن الذي تحدث عنه إرميا، وابن الإنسان في نبوءة دانيال، ومرسل العهد بحسب ملاخي. لذا بالنسبة إلينا، متى قرأنا العهد القديم بالشكل الصحيح، يجب أن يقرأ في ضوء خدمته وبصفته التتميم النبوي للوعد النبوي خلال عصر العهد القديم.[7]

يسوع ومصادقته المسبقة على كُتاب العهد الجديد

أخيراً، صادق يسوع على رسله كمعلمين للعقيدة أصحاب سلطة، وذلك بإعلانه لهم: “وأما المعزي، الروح القدس، الذي سيرسله الآب باسمي، فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم بكل ما قلته لكم” (يوحنا 14: 26). ثم علمهم: “إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. وأما متى جاء ذاك، روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية. [هنا المسيح يصادق مسبقاً على نبوات العهد الجديد]. ذاك يمجدني، لأنه يأخذ مما لي ويخبركم” (يوحنا 16: 12-14)[8].

إذاً المسيح نفسه هو الذي أرسى لكنيسته النمط والهدف من كل لاهوت صحيح. النمط؟ كيف يجب أن يكون عليه؟ لجعل من التفسير السليم للأسفار المقدسة الأساس للاهوتنا. وماذا عن الهدف من جهودنا اللاهوتية؟ ماذا يجب أن يكون عليه؟ أن نبلغ إليه في نهاية المطاف من خلال جهودنا التفسيرية[9].

 

[1] حتى معشر الدارسين المنقدين، يقرون بما يعرف بالمصادر في الأصل للأناجيل الأربعة، أور ماركس، Q, M, L، ويوحنا التي تظهر يسوع وهو يعلم بجدية تامة موثوقية العهد القديم، وسلطانه ووحيه.

[2] Martin Noth, The History of Israel (New York: Harper & Row, 1960)

[3] John Bright, A History of Israel (Philadelphia, Westminster, 1959.

[4] J. W. Wenham, Our Lord’s View of the Old Testament (London: Tyndale, 1953), 9.

[5] يجب الآن أن أتناول مسألة أزعجت العديد من الناس والمختصة بتأييد يسوع بالكامل لتاريخية أحداث العهد القديم: ألم يطلب الله، إله العهد القديم من شعبه الأمر عينه الذي يجده المسيحيون بغيضاً ومثيراً للاشمئزاز اليوم في أديان أخرى – قتل كائنات بشرية أخرى، وذلك لدواع دينية؟ كان بوسعي الإسهاب أكثر في الكلام عما يعرف “بالمعضلة الأدبية” في العهد القديم (للمساعدة هنا، رجاء الرجوع إلى James Orr, The Problem of the Old Testament). يصر المنتقدون على أن الله، إله العهد القديم طلب فعلاً من الشعب أحياناً تدمير أعدائهم. مهما كان السبب. كيف كان باستطاعته فعل ذلك إن كان هو إله المحبة؟ أليست مزامير صب اللعنات (من الأفضل الحديث عن “اللعنات في المزامير”) (5: 10؛ 10: 15؛ 55: 15؛ 69: 23-25؛ 109: 9-13) من هذه الروح نفسها؟ إن كان يسوع قد أيد تاريخية العهد القديم، ألم يؤيد بذلك القيام بهكذا نشاط؟

صحيح أن الله في العهد القديم دعا من حين إلى آخر إلى تدمير إحدى المدن، وذلك عملاً بمبدأ العهد القديم المعروف بـ حرم (“مكرس” للرب وبالتالي “محظور”). مثلاً، في معرض قهر سيحون، ملك الأموريين، أخذ الشعب القديم “كل مدنه في ذلك الوقت، وحرمنا من كل مدينة الرجال والنساء والأطفال. لم نبق شارداً” (تثنية 2: 34)، “محرمين (ححاريم) كل مدينة: الرجال والنساء الأطفال” (تثنية 3: 6). لماذا؟ كان موسى قد وعد: “لا نميل إلى حقل ولا إلى كرم ولا نشرب ماء بئر. في طريق الملك نمشي حتى نتجاوز تخومك” (عدد 21: 22). لكن سيحون لم يرفض أن يسمح للشعب بالمرور في نطاق مملكته وحسب، بل عمل تعبئة عامة بين صفوف جيشه وحارب الشعب (عدد 21: 23) مهدداً بذلك استمرار شعب الله وتتميم الوعد لإبراهيم. وهكذا نشهد الأمة القديمة في تطبيقها لمبدأ حرم، القرار المبرم القاضي بتقديس الأشخاص والأشياء للرب، غالباً من طريق قتلهم. بالطبع، اللاهوتيون الليبراليون والمفكرون الأحرار، وجدوا هذا المبدأ كريهاً ومقيتاً، الأمر الذي دفعهم إلى استخلاص أن الله، إله العهد القديم، هو بربري إلى آخر حدود تتحكم به آداب بعيدة كل البعد عن المسيحية. ولا يتطابق بالتالي بأي شكل من الأشكال مع “الله وأبو ربنا يسوع المسيح” المحب.

لكن “ميريدث كلاين” يعلن عن حق في كتابه (“معاهدة الملك العظيم”)

Treaty of the Great King (Grand Rapids, Eerdmans, 1963)

“في الواقع يتعلق الشعور بالإساءة هنا بلاهوت وديانة الكتاب المقدس ككل. فالعهد الجديد أيضاً يحذر الناس من مكابدة اللعنة الأبدية حيث الأشرار الذين جُعلوا للغضب يلزمهم تعظيم العدل الإلهي الذين كانوا قد كرهوه. دينونات الجحيم هي مبدأ حرم في العهد القديم وهو يتجلى في ملء وآخر مظهر له…”

أما فيما يخص اللعنات في بعض المزامير، فلا يستطيع أحدنا، بل لا يجوز له صرف النظر عنها لكونها تعكس ببساطة مستوى أدبياً متدنياً في العهد القديم، وبالأخص عندما يتذكر أحدنا كيف أن العهد القديم يمنع الأخذ بالثأر (لاويين 19: 17، 18)، كما أنه يعلم أن الله يكره العنف (المزمور 5: 6)، ويصر على ضرورة ترك النقمة له (المزمور 7: 4). عندما يلحظ أحدنا أن كل اللعنات هي صلوات فيها يستودع المرنم مشكلته لله تاركاً له الانتقام. وليست، وليست تصريحات لنوايا المرنم، فهي تظهر إيماناً مطيعاً بالله وقصداً لا يبتغي الثأر من الإنسان. كما أنها تعبر عن غضب مقدس حيال تباهي أعدائهم بتدنيس اسم الله القدوس، وفيها تبرئة لاسم الله وتعبير عن كراهية لأعدائهم، كراهية من الصنف الكامل والنقي أدبياً، وليس غير الكامل (المزمور 139: 21، 22). إلى ذلك، أيد يسوع إنزال عقوبة الإعدام بالشخص الذي يلعن والديه (متى 15: 4) وصب لعنات على أعدائه (متى 23: 13 والأعداد التالية). كذلك بولس التمس من الله أن ينزل لعنته على الذين شوهوا إنجيله (غلاطية 1: 8، 9؛ راجع أيضاً رؤيا 6: 10؛ 19: 20). إذاً، تشكل أخلاقية العهدين القديم والجديد، قطعة واحدة هنا: فكلا العهدين يعكسان ببساطة الحق القائل إن الله سوف يدين أعداءه بعقاب أكيد وعادل إلى حد ما في هذه الحياة وبالكامل في الحياة العتيدة: راجع

Louis Berkhof, Principles of Biblical Interpretation (Grand Rapids: Baker, 1966), 157.

[6] التقسيم الثلاثي للعهد القديم الذي يشير إليه يسوع هنا، إنما يعكس قانون العهد القدي للديانة اليهودية الفلسطينية. فيهود فلسطين لم يقبلوا أبداً أسفار الأبوكريفا المنتحلة، بل قانونهم هو نفسه قانون البروتستانت للعهد القديم. (راجع Josephus, Against Apion, 1. 41: Babylonian Talmud, Yomah 9b, Sota 48 b, Sahedrin 1Ia).  ولا يسوع أو كتاب العهد الجديد اقتبسوا قط هذه الأسفار. إذاً، عندما أعلن بوسل أن اليهود كان عندهم “أقول الله” (رومية 3: 2)، كان يقصي ضمناُ الأسفار المنتحلة من هذه “الأقوال”. Merrill F. Unger, Introductory Guide to the Old Testament (Grand Rapids: Zondervan, 1956), 81-114، يعالج ظاهرة الأبوكريفا بطريقة تظهر أن هذه الأسفار ليس من نتاج الوحي بالروح القدس. راجع أيضا، R. Laird Harris Inspiration and Canonicity of the Bible (Grand Rapids: Zondervan, 1957). Chapters 6, 8, and Roger Beck with, The Old Testament Canon of the New Testament Church ans Iths Background in Early Judaism (Grand Rapids: Eerdmans, 1986), 338-437.

[7] عليّ أن أصرح بالمناسبة أن رفض العالم اليهودي اليوم ليسوع بصفته المسيح. إنما مرده بالتحديد إلى كونهم لا يفهمون أسفارهم المقدسة بشكل صحيح. يعلن بولس في 2كورنثوس 3: 7-16 أن “برقعاً” (كألما) غير مرفوع يغطي قلوب اليهود غير المؤمنين لدى قراءتهم موسى، أي العهد القديم، هذا البرقع الذي يرفع فقط بواسطة المسيح. العمى الذي اختبرته إسرائيل لدى معاينتها وجه موسى الذي كان يلمع. يكتب بولس، أنه يستمر “إلى هذا اليوم” كبرقع على قلوبهم لدى قراءتهم العهد القديم. لذا، فإن اليهود لن يتسنى لهم اليوم ولا فيما بعد إلى الأبد أن يقرأوا العهد القديم بالشكل الصحيح ما داموا يقرؤونه بمعزل عن تتميمه في يسوع المسيح وفي عمله الخلاصي. هم لا يدركون أن مجد الله الذي كانوا قد بحثوا عنه في التوراة قد تخطاه المجد الأعظم المتجلي في المسيح الذي هو صورة الله. الأمر الذي يحتم ضرورة قراءة العهد القديم من زاوية المسيح، أي في ضوء التتميم الراهن له في شخص المسيح. حقيقة الأمر الفعلية هي أن لا أحد، يهودياً كان أم أممياً، سمع عن المسيا وعن عمله الخلاصي الفدائي ومن ثم رفضه، يفهم العهد القديم.

[8] المسيح أيضاً علم تلاميذه “ألا يهتموا كيف أو بما يتكلمون” لدى القبض عليهم واحضارهم أمام مجالس وولاة وملوك. “لأنكم تعطون في تلك الساعة ما تتكلمون به. لأن لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم” (متى 10: 19، 20؛ مرقص 13: 10). كذلك وعدهم يسوع في ظروف كهذه “لأني أنا أعطيكم فماً وحكمة لا يقدر جميع معانديكم أن يقاوموها أو يناقضوها” (لو 21: 35).

[9] كل هذا يعني أن المسيح، بما أنه الوحيد الذي باستطاعتنا معرفة أي شيء عنه بشكل واثق، هو الذي يتحدث عنه العهدان القديم والجديد. لذا، من الضروري ألا يفصل أحدنا شهادة العهدين القديم والجديد حوله عن شهادة المسيح الإله حول هذين العهدين، أو فصل شهادة المسيح الإله حول هذين العهدين عن شهادة العهدين القديم والجديد بشأنه. فكل شهادة تصادق على صحة الشهادة الأخرى. بالطبع، ثمة أدلة أخرى تصادق على ذلك إلى جانب شهادة المسيح الإلهية حول الأسفار المقدسة والتي بموجبها “تبرهن حقاً بوفرة عن نفسها كونها كلمة الله”. هذا ما يدعوه “بنجامين ب. وارفيلد” المؤشرات الإلهية التي تدخل في صلب الأسفار المقدسة. وهي من صنف: “الطابع السماوي للمادة، وفعالية العقيدة، سمو الأسلوب، تماسك جميع الأقسام، مجال الموضوع بأكمله (وهو إعطاء كل المجد لله)، الاكتشاف [الكشف] بالكامل المعروض عن السبيل الأوحد لخلاص الإنسان، الكمالات العديدة الأخرى التي لا تضاهى، والكمال بالتمام لمضمونها (Westminster Confession of Faith, I/v) (اعتراف الإيمان “وستمنستر”). بكلام آخر، يبرهن الكتاب المقدس بحد ذاته على كونه كلمة الله، كما أنه يثبت ذلك بحد ذاته، ويصادق على ذلك بحد ذاته. وكي لا يتفق أحدنا مع هذا التصريح، فإنه يلزمه امتلاك مصدر سلطوي للمعلومات عن الله غير الكتاب المقدس.

لنأخذ مثلاً العقيدة الكتابية المختصة بالفداء. إن كان لا يوجد في حيازة أحدنا مصدر سلطوي آخر للمعلومات حولها، فكيف يعرف إن كان تعليم الكتاب المقدس مغلوطاً؟ لكن رب سائل: “كيف يعرف أحدنا إن كانت عقيدة الكتاب المقدس على حق؟ الجواب الأول في كتاب (“الاعتراف هو التالي: إن سلطة الأسفار المقدسة، والتي على أساسها يجب الإيمان بها وإطاعتها، لا تعتمد على شهادة أي إنسان أو كنيسة، بل بالكامل على الله (الذي هو الحق نفسه)، مؤلفها؛ وبالتالي يجب قبولها لأنها كلمة الله” (iv/I أما الجواب الثاني في البند التالي فهو: “إن اقتناعنا وتأكدنا بالكامل من الحق المعصوم من الخطأ ومن السلطان الإلهي [للعهدين القديم والجديد] يرتكزان على عمل الروح القدس في داخلنا، إذ يشهد من خلال الكلمة ومعها في قلوبنا”. بكلام آخر، الله نفسه هو الذي يجعل أحدنا يؤمن بأن الكتاب المقدس هو كلمته. هذا الإيمان هو بعمله في قلوب المختارين، وبواسطة هذا الإيمان “يؤمن المسيحي بأن كل ما هو معلن في الكلمة هو حق، بما أن سلطان الله نفسه هو المتكلم فيها” (Confession XIV.2). أعلن المرنم: “طوبى للذي تختاره وتقربه ليسكن في ديارك. لنشبعن من خير بيتك، قدس هيكلك”. غردن هـ كلارك” في كتابه:

 What do Presbyterians Believe? (Philadelphia: Presbyterian and Refomed, 1965, 18)

أحسن عندما لحظ ما يلي:

منطقياً، ليست عصمة الكتاب المقدس بمثابة نظرية [اقتراح مستنتج من اقتراحات أخرى؛ حق بالإمكان برهانه] يجب استنتاجها من بديهية سابقة [حق واضح وجلي بحد ذاته مسلم به كأساس للاستنتاجات]. تعد عصمة الكتاب المقدس البديهية التي منها تستنتج العقائد المتعددة كنظريات. فكل ديانة وكل فلسفة يجب تأسيسها على مبدأ أول ما. وبما أن المبدأ الأول هو الأول، لا يمكن

“برهانه” أو “تثبيت صحته” على أساس أي شيء سابق.

المبدأ الأول في المسيحية هو هذا: الله موجود وقد خاطبنا بشكل معصوم عن الخطأ في كلمته ومن خلالها.

مقالات ذات صلة