الرئيسية / أبحاث / تفويض المسيح كنيسته ضرورة تلمذة الأمم وتعليمهم

تفويض المسيح كنيسته ضرورة تلمذة الأمم وتعليمهم

تفويض المسيح كنيسته ضرورة تلمذة الأمم وتعليمهم

تفويض المسيح كنيسته ضرورة تلمذة الأمم وتعليمهم
تفويض المسيح كنيسته ضرورة تلمذة الأمم وتعليمهم

تفويض المسيح كنيسته ضرورة تلمذة الأمم وتعليمهم

العمود الثاني الذي يرتكز عليه تسويغ اللاهوت المسيحي كمادة تعليمة وفكرية، هو تفويض المسيح المقام كنيسته ضرورة تلمذة الأمم وتعليمهم. فالمسيح الممجد، وبعد تحديده لكنيسته النمط والغرض من كل عملية لاهوتية صحيحة، عاد وأمر كنيسته أن يتلمذوا الأمم ويعمدوهم ويعلموا أتباعه أن يحفظوا جميع ما أوصاهم به (متى 28: 18-20). كما أن وعده بأن يلازم تلاميذه “كل الأيام إلى انقضاء الدهر”، فيه الإشارة الضمنية إلى أنه كان يتوقع أن يبقى هذا التفويض ساري المفعول ويستمر إلى ما بعد حياة معاصريه. إذاً، المأمورية العظمى التي نطق بها المسيح، حملت كنيسته مسؤولية القيام باستمرار بثلاثة متطلبات أو واجبات فكرية: الواجب التبشيري الذي يتطلب منها البلوغ بفعالية بالرسالة المختصة بالمسيح لكل جيل ولكل ثقافة. ثم هناك الواجب التعليمي الذي يفترض ربط معلومات الكتاب المقدس المتشعبة ضمن نظام متماسك، ومن ثم تطبيق هذه المعرفة المنظمة على كل أطوار التفكير والسلوك البشريين لتتميم التفويض الثقافي. وأخيراً، عندنا الواجب الدفاعي لتسويغ، أمام عالم معاد، وجود المسيحية بصفتها الديانة الوحيدة المعلنة من الله، وأيضاً لصون رسالتها من أي غش أو تشويه (راجع تيطس 1: 9).

لتنفيذ هذه المتطلبات الحسية للمأمورية العظمى – هذه المهمة التي أوكد لكم أنها ليس بالسهلة على الإطلاق – نشأ علم اللاهوت المسيحي كمادة تعليمية وفكرية، واستمر طيلة حياة الكنيسة. سأكتفي هنا بذكر بعض القوم الذين تجاوبوا مع توصية المسيح، أقصد بذلك المجموعات الثلاثة من الكنيسة القديمة والتي تبدأ أسماؤها بالإنكليزية بحرف A. Apostolic Fathers (الآباء الرسوليون) (برنابا الاسكندري، هرمس، إقليمندس الروماني، بوليكاريوس، بابياس من هيرايابوليس، وإغناطويس الإنطاكي). Apologists (الدفاعيون) (يوستينوس الشهيد، تاتيان، إيريناوس، أثيناغوراس، وثاوفيلس الأنطاكي). Antignostic Fathers (الآباء الذين ردوا على التيار الغنوصي) (إيرينايوس وترتليانوس)، وقد تلاهما أوريجانوس الإسكندري، وأثناسيوس، و”العظماء الثلاثة الكبدوكيون” أي باسيليوس والشخصان الحاملان اسم غريغوريوس، وأيضاً أغسطينوس الذي من هيبو.

ثم في العصور الوسطى، ظهر الراهبان الأغسطينيان غوتستشوك وتوماس برادواردين، وقد تلاهما في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، جون وكلف وجون هس. بعد هذا، ظهر في القرن السادس عشر، المصلحون العظماء مارتن لوثر، فيليب ملانكتن، وليم فاريل، جون كالفن، مارتن بوسر، أولريخ زوينغلي، جوهان هاينريخ بولينجر، ثيودور بيزا، جون نوكس، كاسبر أولفيانوس، وزكرياس أورسينوس. في القرن الثامن عشر، جوناثان إدواردس الذي سيطر على الساحة اللاهوتية الأمريكية، وفي القرن التاسع عشر، جايمس بانرمان، جايمس بوكانان، وليم كانغام، روبرت لويس دابني، جايمس هنلاي ثورنويل، تشارلس وأ. أ. هودج. وفي القرنين العشرين والحادي والعشرين، ابراهام كوبير، وهرمن بافينك، ب. ب. وارفيلد، غرهاردس فوس، غريت س. بركوفر، لويس برخوف، جون موراي، لوران بوتنر، غردون هـ. كلارك، كارل ف. هـ. هنري، روجيه نيكول. جايمس باكر، هنري بلوشيه، جيرالد براي، دونالد أ. كارسن، وأو. بالمر روبرتسن.

يعوزني الوقت إن أخبرت عن أكثر من حفنة من جملة الآلاف من الرعاة – اللاهوتيين الموقرين من أمثال تشارلس سبرجن، مارتن لويد – جونس، جايمس مونغومري بويس، وبيتر ماسترس إلى جانب العدد الذي لا يحصى من المرسلين الذين تجاوبوا مع مأمورية المسيح خلال الحركة الإرسالية الحديثة في القرن التاسع عشر من أمثال وليم كاري والمعمدانيين في إنكلترا، هنري فن وكنيسة إنكلترا، أدونيرام جدسن، هدسن تايلر، دايفد لفنغستون وكنيسة اسكوتلندا، وفي أيامنا د. جايمس كنيدي، مؤسس “الإنفجار التبشيري”. هذا مع العلم أن هؤلاء كانوا، في معظمهم، كالفينيين في لاهوتهم، إلى جانب كونهم أيضاَ رابحي نفوس عظماء.

هل من متهور بهذا المقدار حتى يوحي بأن هؤلاء العمالقة اللاهوتيين أضاعوا وقتهم ومواهبهم عن جهل بصفتهم خداماً للمسيح؟ لذا، باقتفائنا لآثار هؤلاء القوم من خلال طاعتنا المستمرة لمأمورية المسيح، علينا نحن اليوم أن نقتني الحق الذي أعلنه الله في الأسفار المقدسة عن نفسه وعن العالم الذي خلقه والناس الساكنين فيه. ونشرح هذا الحق ونذيعه. وننشره، وندافع عنه بشكل منطقي ومتماسك. إننا بفعلنا هذا، نمارس اللاهوت المسيحي.

النموذج الرسولي

العمود الثالث الذي يرتكز عليه تسويغ اللاهوت المسيحي كمادة تعليمية وفكرية، هو النموذج الرسولي. إن نشاطاً كهذا أدى في نهاية المطاف إلى انخراط الكنيسة في اللاهوت، لا يقتصر على تعليم المسيح ومثاله ومأموريته العظمى، بل يتعدى ذلك ليشمل أيضاً العهد الجديد بأكمله. فلقد نشط الرسل جميعهم في حقل اللاهوت. فبطرس استنتج من ذاكراته الحية عن المسيح المقام الذي كان قبل خمسين يوماً قد نفخ على تلاميذه في العلية، أن المسيح الذي صعد إلى السماء هو الذي نفخ بروحه القدوس على الكنيسة في اليوم الخمسين. وبولس بدوره، لم يضيع أي وقت بعد معموديته، بل راح حالاً “يبرهن” من العهد القديم لجماعته اليهود أن يسوع هو ابن الله ومسيا العهد القديم (أعمال 9: 20-22). ثم لاحقاً، وكمرسل صاحب خبرة، دخل المجمع في تسالونيكي و”حاج” معهم على مدى ثلاثة سبوت من الأسفار المقدس شارحاً ومبيناً أنه كان على المسيا أن يتألم ويقوم من الأموات (أعمال 17: 2، 3). كما أن أبلوس الضليع من الشؤون الدينية، أفحم اليهود باشتداد خلال مناظرة علنية، مبيناً بالكتب أن يسوع كان هو المسيا (أعمال 18: 28).

لم يكن نشاط بولس اللاهوتي مقتصراً على المجمع. فبينما كان سيلا وتيموثاوس في أثينا، لم “يجادل” بولس في المجمع مع اليهود واليونانيين الخائفين الله فقط عن يسوع والقيامة، بل أيضاً مع جميع الذين كان يصادفهم في السوق (أعمال 17: 17، 18). على أثر ذلك، دعي إلى أريوس باغوس حيث عرض هناك “الصورة الكبيرة” حتى يفهمها الفلاسفة الأبيقوريون والرواقيون المحتشدون هناك، لكن من دون إدخال أي تعديل على رسالته حتى تتلاءم مع ما كانوا على استعداد للإيمان به. ثم، إلى جانب فترة الثلاثة أشهر التي قضاها في أفسس مجاهراً في المجمع ومحاجاً بشكل مقنع حول ملكوت الله (أعمال 19: 8)، كان يحاور الناس يومياً داخل قاعة للمحاضرات تخص تيرانس، حيث لم يتردد قط، كما سيذكر لاحقاً في محضر شيوخ أفسس الذين كان قد جمعهم في ميليتس، لم يتردد في الكرازة لهم بكل ما كان مساعداً لهم، أو في تعليمهم جهاراً ومن بيت إلى بيت كل مشورة الله، معلناً لكل من اليهود واليونانيين عن ضرورة رجوعهم إلى الله بالتوبة، وإلى يسوع المسيح بالإيمان (أعمال 20: 20، 21). من الواضح أن بولس لم يكن مجرد رسول وحسب، بل مرسلاً لاهوتياً أيضاً.

نرى أيضاً في رسالة بولس إلى رومية كلاً من شرحه اللاهوتي لعقيدة التبرير بالإيمان، فقط مع المنهج اللاهوتي الذي اعتمده. من الضروري ملاحظة “الجريان اللاهوتي” البارع في رسالته إلى كنيسة رومية، وكيف أنتقل بشكل منطقي ونظامي من المحنة الرهيبة التي يتخبط فيها البشر (رومية 1: 18- 3: 20)، مستعيناً بالعهد القديم لتوصيل نقطته (رومية 3: 10-18)، حتى بلوغه تدبير الله للخلاص في المسيح، أي التبرير بالإيمان فقط بالمسيح، وذلك بمعزل عن أعمال الناموس (رومية 3: 21-31). وقد استشهد أيضاً بإبراهيم كأفضل مثال من العهد القديم (رومية 4). ومن ثم انتقل لعرض نتائج التبرير (رومية 5). كما تطرق إلى الاعتراضين الرئيسين اللذين كان يواجههما باستمرار بخصوص عقيدة التبرير، بمعنى أن عقيدته للتبرير بالإيمان فقط، تمنح الناس الحرية لكي يخطئوا (رومية 6-8)، وأيضاً كون عقيدته التبرير بالإيمان فقط، تبطل المواعيد التي كان الله قد قطعها لشعبه (رومية 9-11). وقد رد على كلا الاعتراضين بتفسيره لكتب العهد القديم. وأخيراً وصل إلى الأخلاق المسيحية التي تنبع من هذه العقيدة المركزية للإيمان المسيحي (رومية 12-16).

لا يقلل بأي شكل من “وحي” كتابات بولس (راجع 1تسالونيكي 2: 13؛ 2تيموثاوس 3: 16؛ 2بطرس 3: 15، 16) إقراره بأنه خلال بسطه لإدراكه العقيدي لإنجيل الله تحت إشراف الروح القدس. تأمل في خلاصاته اللاهوتية ودعمها في سياق أبحاثه، بالاستناد إلى خلاصات سابقة، وإلى تاريخ من العهد القديم، وحتى إلى علاقته الشخصية بالمسيح. يجد أحدنا هذه التأملات اللاهوتية والاستنتاجات المنطقية راسخة في رسالة رومية، وبالتحديد في صلب بعض أكثر التصريحات تطرفاً التي أدلى بها الرسول. مثلاً، بولس وبعد بلوغه نقطة محددة في سياق تطويره لحجته، يسأل عشر مرات: “فماذا نقول؟” (رومية 3: 5، 9؛ 4: 1؛ 6: 1، 15؛ 7: 7؛ 8: 31؛ 9: 14، 30؛ 11: 7)، ثم بناء على مراجع جيدة وضرورية، يقدم على استنتاج خلاصات لاهوتية يريد لقرائه تبنيها. أيضاً في رومية 4، يصل إلى الخلاصة اللاهوتية عن عدم ضرورة الختان لنيل بركة التبرير، وكيف أن إبراهيم يعد الأب الروحي للمؤمن غير المختون من الأمم، وذلك استناداً إلى الملاحظة البسيطة المبنية على تاريخ العهد القديم حيث نقرأ: “فأمن بالرب فحسبه له براً” (تكوين 15: 6) وذلك قبل نحو أربع عشرة سنة على حصوله على الختان (تكوين 17: 24).

يا لها من استنتاجات مدهشة حقاً يقدم عليها الرسول ضمن محيطه الديني والثقافي مستنداً في ذلك ببساطة إلى العلاقة “قبل وبعد” بين حدثين تاريخيين! ثم بولس، ولبرهان كيف أن في “الزمان الحاضر أيضاً قد حصلت بقية حسب اختيار النعمة” (رومية 11، 5)، يكتفي بالرجوع إلى موقعه الخاص كيهودي مسيحي (رومية 11: 1). أمامنا هنا تصريح لاهوتي مدهش يستخلصه بولس ببساطة من حقيقة إيمانه الشخصي بيسوع.

هذا النموذج الرسولي لشرح الأسفار المقدسة لاهوتياً، والتأمل فيها لاهوتياً، والخروج منها باستنتاجات لاهوتية، إنما يدعم حاجتنا الراهنة إلى الانخراط في العملية اللاهوتية. وفي حال أردنا مساعدة جيلنا على فهم الأسفار المقدسة ورسالتها الخلاصية، نحتاج نحن أيضاً إلى ترتيب خلاصات لاهوتية واستنتاجها مما نكتسبه من جهودنا في مجال تفسير الأسفار المقدسة، قبل وضعها في أطر تحت شكل وعظ أو تعليم، مع استعدادنا “للتحاور” لاهوتياً مع هذا الجيل. متى فعلنا هذه الأمور، نحن بذلك نقوم بعمل لاهوتي!

إقرأ أيضاً: