الرئيسية / روحيات / إلهي إلهي لماذا تركتني – علاء أنيس رزق الله

إلهي إلهي لماذا تركتني – علاء أنيس رزق الله

لماذا تركتني – علاء أنيس رزق الله

إلهي إلهي لماذا تركتني - علاء أنيس رزق الله
لماذا تركتني – علاء أنيس رزق الله

لماذا تركتني – علاء أنيس رزق الله

مُقدمة:

بالإشارة إلى النبذات التي سبق وأصدرناها والتي تدور حول لاهوت السيد المسيح ومع إيماننا المطلق بأنه الله الظاهر في الجسد، إلا أنه قد يكون لدينا أحياناً بعض التساؤلات وفي احتياج  لفهم بعض العبارات التي صدرت عن رب المجد في مواقف متعددة منها على سبيل المثال “وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في في السماء ولا الابن إلا الآب” (مر13: 32)، و “أبي أعظم مني” (يو14: 28) [سبق إصدارها]، و”لماذا تدعوني صالحاً” (مر10: 18) [سبق إصدارها]، و “ لماذا تركتني” (مت27: 46) وهذه الأخيرة موضوع تأملنا.

الموضوع:

فلنبدأ تأملنا أولاً في بعض هذه المواقف في حوار السيد المسيح مع تلاميذه والتي كان يتكرر معها عدم الفهم بصورة متعددة منها على سبيل المثال “وأما هم فلم يفهموا ما هو الذي كان يكلمهم به” (يو10: 6)، وفي موقف آخر يكلمهم السيد المسيح ويهيئ أذهانهم لصلبه وآلامه “إن ابن الإنسان سوف يسلم إلى أيدي الناس، وأما هم فلم يفهموا هذا القول” (لو9: 45،44)، وأيضاً عندما يكلمهم عن سر الإفخارستيا وعن الحياة بتناول جسده ودمه “لأن جسدي مأكلٌ حق ودمي مشربٌ حق .. فمن يأكلني يحيا بي” (يو6: 55-57) يتسائل تلاميذه “أن هذا الكلام صعب. من يقدر أن يسمعه؟!” (يو 60:6). ويرجع عدم الفهم هذا لسبب واضح أفصح عنه السيد المسيح في بشارة يوحنا “إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق” (يو1: 13،12). بمعنى أن الفهم سيكون مرتبطاً بحلول الروح القدس المرشد والمعلم متى جاء.

غير أن هناك دافعاً أخر رئيسياً وراء عدم الفهم لبعض العبارات التي أعلنها رب المجد أو بعض المواقف الأخرى التي كان يقفها وتثير دهشة الجميع، من حيث أنها كانت تتوالى إتماماً لأقوال الأنبياء وأقوال الكتب، وما أكثر العبارات التي وردت على مستوى البشائر بهذا الصدد منها على سبيل المثال “لكي يتم ما قيل بإشعياء النبي” (مت4: 14)، و “لكي يتم ما قيل بالأنبياء” (مت2: 23)، و “يتم فيّ أيضاً هذا المكتوب” (لو22: 37)، و “ليتم الكتاب القائل” (يو19: 36). ولنتأمل الآن في بعض هذه المواقف:

  • موقف جدير بالذكر، أثناء هروب يوسف به من وجه هيرودس هو وأمه من أرض إسرائيل، ثم عودتهم وخوف يوسف على من أرخيلاوس الذي ملك عوض أبيه قاتل أطفال بيت لحم، أُوحِيَ إإليه في حلم أن ينصرف نواحي الجليل. ترى ما كان الدافع؟ كان الدافع جلياً كما يوّضحه الشاهد التالي “وَأَتَى وَسَكَنَ فِي مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا نَاصِرَةُ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالأَنْبِيَاءِ: «إِنَّهُ سَيُدْعَى نَاصِرِيّاً»” (مت 32:2).
  • الكم الهائل من الأمثال التي كان يستعرضها رب المجد مفسراً من خلالها تعاليمه للجموع، حتى أنه “بِدُونِ مَثَلٍ لَمْ يَكُنْ يُكَلِّمُهُمْ. لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالنَّبِيِّ: «سَأَفْتَحُ بِأَمْثَالٍ فَمِي وَأَنْطِقُ بِمَكْتُومَاتٍ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ»” (مت 34:13-35).
  • موقف آخر، وهو المسافات الطويلة التي كان رب المجد يقطعها سيراً على الأقدام، نذكر منها سفره من اليهودية إلى الجليل مروراً بالسامرة حيث ذُكر عنه أنه “تعب من السفر” (يو4: 6) بينما في موضع آخر وهو يمثل مسافة قريبة للغاية بين بيت عنيا وأورشليم، حيث قطعها راكباً على الأتان ويوضح لنا الغرض معلمنا مار متى البشير على وجه التفصيل “فَكَانَ هَذَا كُلُّهُ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالنَّبِيِّ:. «قُولُوا لاِبْنَةِ صِهْيَوْنَ: هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِيكِ وَدِيعاً رَاكِباً عَلَى أَتَانٍ وَجَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ». (مت 4:21-5).

كانت تلك بعض المواقف أو الأحداث على سبيل المثال وليس الحصر التي توالت إتماماً لأقوال الأنبياء، على أن نعي تماماً أن تحقيقها لم يكن عن عمد لهذا الإتمام، بل كان الكثير منها يتوالى تلقائياً في توافق وإنسجام تام مع نبوات وأقوال أولئك الأنبياء الذين تكلموا “مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (2بطرس 21:1).

والآن نقترب من الصليب ونتمعن في بعض العبارات التي قالها رب المجد مع ضرورة الربط بين كل ما ذُكر على مستوى البشائر الأربع أثناء واقعة الصلب وأيضاً بناءً على إتمام أقوال الأنبياء.

في بشارة معلمنا متى مذكور “ونحو الساعة التاسعة صرخ بصوت عظيم قائلاً إيلي إيلي لما شبقتني أي لماذا تركتني. فقوم من الواقفين هناك لما سمعوا قالوا إنه ينادي إيليا وللوقت ركض واحد منهم وأخذ إسفنجة وملأها خلاً وجعلها على قصبة وسقاه” (مت27: 46-48) وهنا يتبادر إلى أذهاننا تساؤل: كرد فعل من وجهة نظر صالبيه الخاصة، ترى ما علاقة طلبه لمساندة إيليا له، بأن يركض واحد منهم ويملأ إسفنجة خلاً ليسقيه؟!! من الواضح وجود فراغٍ ما في تلك الواقعة!!!

يملأ هذا الفراغ ويجيب على هذا التساؤل معلمنا مار يوحنا البشير “بعد هذا رأى أن كل شئ قد كمُل فلكي يتم الكتاب قال أنا عطشان وكان إناءً مملوءً خلاً. فملأوا إسفنجة من الخل ووضعوها على زوفا وقدموها إلى فمه” (يو19: 29،28).

إذاً فمن خلال الشمول والرؤيا المتكاملة على مستوى البشائر قدموا له خلاً عندما قال “أنا عطشان” (يو19: 28) وكان الدافع لقوله هذا يلي عبارة “فلكي يتم الكتاب” (يو19: 28) حيث لم يكن أساس معاناة رب المجد هو مجرد شعور بالعطش بعد كل ما تعرض له من جلدات وحشية مزقت جسده، وإكليل شوك يوخز رأسه، ثم مسامير غُرست في يديه وقدميه الطوباوية، بل كان الدافع كما أشرنا “لكي يتم الكتاب” (يو19: 28).

فلبلورة الصورة ولتحديد معالمها بالتمام نرتب من خلال البشائر ككل الشواهد التي تستعرض واقعة الصلب على النحو التالي: “بعد هذا رأى أن كل شئ قد كمُل فلكي يتم الكتاب قال” (يو 28:19) “ لماذا تركتني” (مت27: 46)، “أنا عطشان” (يو19: 28)، “يا أبتاه في يديك أستودع روحي” (لو23: 46) ثم “قد أُكمل” (يو19: 30).

ولكن ما هو الكتاب الذي أتم من خلاله رب المجد قوله “” (مت27: 46). كان هذا الكتاب هو ما افتتح به داود النبي المزمور الثاني والعشرين والذي يُعَد من أبرز المزامير الغنية بنبوات قاطعة شاهدة بآلام وصلب ربنا المسيح. كما يجدر بالذكر إشارة السيد المسيح نفسه في ظهوره بعد القيامة لتلاميذه إلى المزامير بقوله “هذا هو الكلام الذي كلمتكم به وأنا بعد معكم، أنه لابد أن يتم جميع ما هو مكتوب عني في ناموس موسى والأنبياء والمزامير” (لو24: 44).

 

والآن نقوم بمطابقة المكتوب في المزمور الثاني والعشرين وما قيل وتم أثناء واقعة الصلب على مستوى البشائر:

المزمور 22

البشائر

” (ع1)

” (مت27: 46)

“كل الذين يرونني يستهزئون بي” (ع7)

“وكانوا يجثون قدامه ويستهزئون به قائلين السلام لك يا ملك اليهود” (مت27: 21)

“يفغرون الشفاه وينغضون الرأس” (ع7)

“وكان المجتازون يجدفون عليه وهم يهزون رؤوسهم..” (مر15: 29)

“قد اتكل على الرب فلينجه، لينقذه لأنه سُر به” (ع8)

“قد اتكل على الله فلينقذه الآن إن اراده” (مت27: 43)

“ثقبوا يدي ورجلي” (ع16)

“ولما مضوا به إلى الموضع الذي يُدعى جمجمة صلبوه هناك” (لو23: 33)

“وهم ينظرون ويتفرسون فيّ” (ع17)

“وأيضاً يقول كتاب آخر سينظرون إلى الذي طعنوه” (يو19: 37)

“يقسمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعون” (ع18)

“ولما صلبوه اقتسموا ثيابه مقترعين عليها لكي يتم ما قيل بالنبي اقتسموا ثيابي بينهم وعلى لباسي ألقوا قرعة” (مت27: 35)

 

تفسير أباء الكنيسة لعبارة “؟!”

كتاب “كلمات السيد المسيح على الصليب” – مثلث الرحمات قداسة البابا شنوده الثالث

يرى الكثير من المفسرين أن الرب بقوله “” إنما كان يُذَكِّر اليهود بالمزمور الثاني والعشرون الذي يبدأ بهذه العبارة.  فهم كانوا “يضلون إذ لا يعرفون الكتب” (متى 29:22)، بينما كانت هذه الكتب “هي التي تشهد لي” (يوحنا 39:5)، فأحالهم السيد المسيح إلى هذا المزمور بالذات.

تُرى ما في هذا المزمور عنه؟

أنه يتضمن “ثقبوا يدي وقدمي، وأحصوا كل عظامي..  وهم ينظرون ويتفرَّسون فيَّ.  يقسمون ثيابي بينهم، وعلى قميصي يقترعون” (ع18،17).  وواضح أن داود النبي الذي قال هذا المزمور، لم يثقب أحد يديه ولا قدميه، ولم يقسم أحد ثيابه، ولم يقترعوا على قميصه..  وإنما هذا المزمور، قد قيل بروح النبوة عن المسيح … وكأن المسيح على الصليب يقول لهم: اذهبوا واقرأوا مزمور “؟!” وأنظروا ما قيل عني..  فقد قيل فيه عني أيضًا: “عارٌ عند البشر، ومحتقر الشعب.  كل الذين يرونني يستهزئون بي، يفغرون الشفاه وينغضون الرأس قائلين: اتكَل على الرب فليُنَجه، ليُنْقِذَهُ لأنه سُرَّ به!” (ع6-8). يمثل هذا المزمور صورة واضحة لآلام المسيح على الصليب، وجَّههُم إليه، وفتح أذهانهم ليفهموا الكتب (لوقا 45:24).

كل نص المزمور بدأ يتحقق، لذلك قال بعد حين “قد أُكْمِل”.  ولكن لم يقل “قد أكمل” مباشرة بعد “ألهي ألهي لماذا تركتني؟”، لأنه هناك عبارة أخرى في المزمور لم تكتمل بعد وهي عبارة “يبست مثل شقفة قوّتي، ولصق لساني بحنكي” (ع15). إن هذه العبارة أيضًا ستتحقق بعد حين عندما يقول: “أنا عطشان”.  لذلك قال بعدها “قد أُكْمِل”.

كذلك لا تعني هذه العبارة أن لاهوته قد ترك ناسوته، ولا أن الآب قد ترك الابن.. فهي لا تعني الانفصال، وإنما تعني أن الآب تركه يستوفي الألم والعذاب نائباً عن البشرية. فهي لم تكن نوعًا من الاحتجاج أو الشكوى إنما كانت مجرد تسجيل لآلامه، وإثبات حقيقتها. فمن جهة علاقته بالآب، لم يتركه الآب “لأنه في الآب والآب فيه” (يوحنا 11:14). وعليه فالترك، لم يكن تركًا أقنوميًا، بل تركًا تدبيريًا..  تركه بحب إذ “سُرَّ أن يسحقه بالحزن” (إشعياء 10:53).

أخيراً “إلهي إلهي لماذا تركتني” (مت27: 46) قيلت لكي يتم ما بالكتاب، في حين أننا نؤمن ونعلن “أن لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين” (القداس الإلهي)، له كل مجد وكرامة من الآن وإلى الأبد، آمين.

بقلم / علاء أنيس رزق الله

إقرأ أيضاً: