الرئيسية / أبحاث / قانونية الأسفار التي يدور حولها جدل

قانونية الأسفار التي يدور حولها جدل

الأسفار التي يدور حولها جدل

قانونية الأسفار التي يدور حولها جدل
الأسفار التي يدور حولها جدل

الأسفار التي يدور حولها جدل

“لئلا يظهر أننا نصدق أكثر من اللزوم ما أسماه “ج. أ. لسنغ” “خندق التاريخ الواسع والبشع”، أي بما أن الماضي بحكم طبيعته، لا يكون في أفضل حالاته متوافراً إلا بشكل غير مباشر للأجيال اللاحقة، من غير الممكن إرساء اليقينية الدينية على الأساس المتزعزع للأبحاث التاريخية (هذا الموقف المبدئي الذي أوافق عليه). لكن لا يزال بالإمكان، بل يجب التطرق هنا إلى الدليل التاريخي على ما يعرف “بالأسفار السبعة التي يدور حولها جدل” في العهد الجديد. أنا أعرض هذه المادة من دون السعي بأي شكل من الأشكال للتقليل من موقفي الأساسي الذي كنت قد أعلنته في هذا الفصل، أعني كيف أن العناية الإلهية شكلت القوة المرشدة في إطار عملية وضع .

يشير “ردربس” فعلاً إلى “الدليل على رسولية (وبالتالي ) بعض الكتابات” و”الحجج المؤيدة لبعض الكتابات الأخرى”، هذا مع كونه يشك، عن حق، في اعتبارها السبب الرئيس وراء إيمان الكنيسة. وفيما يتعلق بما يسمى “الأسفار السبعة التي يدور حولها جدل” في العهد الجديد، كان من دون شك سيخطر على باله “أدلة” و”حجج” كالتالية:

الرسالة إلى يعقوب

من المرجح جداً أن يكون يعقوب “العادل”، الأخ غير الشقيق لربنا، هو الذي كتب رسالة العهد الجديد الحاملة اسمه. وعندما نتساءل مَنْ مِن جملة الرجال الأربعة المدعوين يعقوب في العهد الجديد، كان يتوقع أن يظهر بأنه هو كاتب الرسالة لدى اكتفائه بالتعريف عن نفسه على أنه “يعقوب، عبد الله والرب يسوع المسيح” (يعقوب 1: 1)، وكان بوسعه مخاطبة المسيحيين من أصل يهودي بكل سلطان، كما يفعل في هذه الرسالة. وحيث أننا لا نعرف أي شيء مبدئياً عن الثلاثة الآخرين، كل هذا من شأنه إقناعنا بأن يعقوب، أخا الرب غير الشقيق، بلغ هو وحده مركز القيادة هذا بين المسيحيين اليهود بشكل عام، الأمر الذي يسوغ إقدام الكتاب على تقديم نفسه بهذا الشكل غير المحدد في هذه الرسالة.

بما أن هذا الأمر يبدو أنه غير قابل للجدال، عندما يتذكر أحدنا أولاً، كيف أن يسوع في أحد ظهوراته بعد قيامته، ظهر ليعقوب بالتحديد (1كورنثوس 15: 7)، في هذا الظرف الذي فيه من المفترض أن يكون قد دعا أخاه غير الشقيق إلى الإيمان به، وإلى خدمته مدى الحياة في كنيسة أورشليم. عندما نتذكر ثانياً، كيف أن يعقوب تحرك بكل تأكيد ضمن دوائر الرسل (أعمال 15؛ غلاطية 2: 9)، وكيف جعله هذا يفوز “بدعم الرسولية” له عندما يتكلم أو يكتب، وثالثاً عندما يتحدث بولس عن يعقوب بصفته “رسولاً” و “عموداً” في الكنيسة (غلاطية 1: 19؛ 2: 9)، ورابعاً، كيف أن يعقوب قام بدور رئيس خلال مجمع أورشليم الذي حضره أيضاً كل من بطرس وبولس، وهو المسؤول عن تلخيص الحجة الرسولية وأعد بنفسه، على الأرجح، المقررات الصادرة عن هذا المجمع (أعمال 15: 13-21). أمام كل هذا، هل يبقى بمقدور أي كان التشكيك في إقدام الرسل الآخرين على الإقرار بوضوح بسلطة يعقوب كشاهد لقيامة المسيح، وكناطق باسم كنيسة الختان؟ وعلى هذا الأساس، رب الكنيسة قاد كنيسته إلى الاعتراف بالقانونية التي تنعم بها رسالة يعقوب بشكل طبيعي.

قانونية الرسالة إلى العبرانيين

الشيء الوحيد تقريباً الذي يسمعه أحدنا اليوم عن مسألة تحديد هوية كاتب الرسالة إلى العبرانيين، هو رأي “أوريجانوس” فيها، ومفاده أن الله وحده يعرف حقيقة الأمر. بالمقابل، لا يوجد إدراك، على وجه العموم، لكون الخلفية وراء ملاحظته هذه، توحي بأن الرسالة في نظره هي لبولس، في مضمونها، إن لم نقل إنها جاءت بقلم بولس نفسه. يكتب: “إن كنت أبدي رأيي، عليّ التصريح بأن الأفكار هي أفكار الرسول… لذا، إن كانت أية كنيسة تعتبر أن هذه الرسالة هي لبولس، فهي تستحق الثناء على موقفها هذا. فالأقدمون لم يروا من دون سبب أن بولس هو كاتبها” (هذا الأمر مذكور في “التاريخ الكنسي” لـ “يوسابيوس” 6، 25، 14).

إن الرسالة، كما هو مسلم به، مجهولة الكاتب. لكن من الواضح أن الذين جرى توجيه الرسالة إليهم في الأصل، كانوا يعرفون كاتبها، بما أنه يدعوهم للصلاة لأجله لكي يرد إليهم بسرعة (13: 18-24). هل بإمكان بولس أن يكون هو الكاتب؟ ففي مصر وإفريقيا الشمالية، يبدو أنه لم ينشأ أي جدال جدي حول بولس بصفته هو الكتاب. لكن هذه المسألة أثيرت في إيطاليا، وفي روما بالتحديد. كدليل على الاحتمال الأول، نعرف عن بولس أنه كان في كل رسائله يفصح عن اسمه، إلا أن “يوسابيوس” (“التاريخ الكنسي” 6. 14) يخبرنا أن “إقليمندوس الإسكندري” (155-215) أعلن أن بولس كتب الرسالة إلى المسيحيين العبرانيين بالعبرانية، وأن لوقا ترجمها بكل اهتمام إلى اليونانية ونشرها بين المسيحيين الناطقين باليونانية، وأن بولس حذف اسمه احتراماً لربه الذي كان ينظر إليه كالرسول الحقيقي للعبرانيين (3: 1؛ راجع رومية 15: 8) ولتجنب أن تتولد لدى اليهود أية أفكار مسبقة ضد الرسالة، الأمر الذي كان سيحصل بالتأكيد في حال عرفوا أنه هو الذي كتبها. ولئن جرى حذف هذه الرسالة من “القانون الموراتوري” (ربما بسبب حالة الفساد المتفشي في نص ذلك القانون). ضم “يوسابيوس” نفسه هذه الرسالة إلى مجموعة “الأربع عشرة” رسالة لبولس (“التاريخ الكنسي”، 3,3). تعكس هذه الملاحظة، بلا شك، رأي سابق كما ورد (1) في المخطوطة P46 (نحو عام 200) والتي تجعل الرسالة إلى العبرانيين بين رومية وكورنثوس الأولى، (2) وفي سلف المخطوطة “فاتيكانوس” حيث جعلت بين غلاطية وأفسس، و(3) على صعيد معظم النسخ اليونانية التي تجعلها بعد 2تسالونيكي. جميع هذه المواقع الثلاثة، تشير ضمناً إلى أن الكتاب هو بولس. إلى ذلك، كل من “جيروم” (أورشليم) وأغسطينوس (افريقيا الشمالية) يقتبسانها على اعتبار أنها بقلم بولس. يدعم الدليل الداخلي أيضاً شرعية اقتراح أنه من المحتمل أن يكون بولس هو الكاتب. يظهر طابع بولس بكل تأكيد عليها من خلال التماسه من قرائه أن يصلوا لأجله (راجع 1تسالونيكي 5: 25؛ رومية 15: 30، 31؛ أفسس 6: 19، 20). كما أن إشارة الكاتب إلى “أخينا تيموثاوس” (13: 23) تذكرنا ببولس بكل تأكيد (راجع 1تسالونيكي 3: 2؛ 2كورنثوس 1: 1؛ كولوسي 1: 1؛ فليمون 1: 1). إلى ذلك، ثمة تجانس حقيقي في اللغة ما بين الرسالة ورسائل بولس. لنلاحظ المقارنات التالية:

† عبرانيين 1: 4: “بمقدار ما روث اسماً أفضل منهم….”، مع فيلبي 2: 9: “وأعطاه [الله] اسماً فوق كل اسم”.

† عبرانيين 2: 2: “إن كانت الكلمة [أي الناموس] التي تكلم بها ملائكة….”، مع غلاطية 3: 19: [الناموس] مرتباً بملائكة…”.

† عبرانيين 2: 10: “الذي من أجله الكل وبه الكل…”، مع رومية 11: 36: “لأن منه وبه وله كل الأشياء…”.

† عبرانيين 7: 18: “…فإنه يصير إبطال الوصية السابقة من أجل ضعفها…”، مع رومية 8: 3: “الناموس عاجزاً عنه، فيما كان ضعيفاً بالجسد…”.

† عبرانيين 7: 27: “…قدم نفسه…”، مع أفسس 5: 2: “… وأسلم نفسه لأجلنا، قرباناً وذبيحة لله رائحة طيبة…”.

† عبرانيين 8: 13: “… فإذ قال “جديداً” عتق الأول…”، مع كورنثوس 3: 11: “لأنه إن كان الزائل [الناموس] في مجد، فبالأولى كثيراً يكون الدائم [العهد الجديد] في مجد!”.

† عبرانيين 10: 1: “… لأن الناموس، إذ له ظر الخيرات العتيدة…”، مع كولوسي 2: 17: [ناموس الطقوس] ظل الأمور العتيدة…”.

† عبرانيين 10: 33: “من جهة مشهورين بتعييرات وضيقات…”، مع 1كورنثوس 4: 9: “… لأننا صرنا منظراً للعالم…”.

† عبرانيين 11: 13: “… وأقروا بأنهم غرباء ونزلاء على الأرض…”، مع أفسس 2: 19: “… فلستم إذاً بعد غرباء ونزلاً…”.

† عبرانيين 12: 18-22: “لأنكم لم تأتوا إلى جبل [سيناء]، بل قد اتيتم إلى جبل صهيون…، على أورشليم السماوية….”، مع غلاطية 4: 25، 26: “لأن هاجر جيل سيناء وأما أورشليم العليا، التي هي أمنا جميعاً…”.

أخيراً، يحتل شخص المسيح وعمله مكانة مركزية هنا، كما في رسائل بولس.

في نظري، أعطي التصريح في 2: 3 أهمية أكثر بكثير من اللزوم “… إن أهملنا خلاصاً هذا مقداره؟ قد ابتدأ الرب بالتكلم به، ثم تثبت لنا من الذين سمعوا” على اعتبار أنه “النقطة الأهم” ضد اعتبار أن بولس هو الكاتب[1]. من المفترض أن التصريح بحسب هذه التركيبة، يعلم حقيقة كون الكاتب مسيحياً من “الجيل الثاني”، وقد سمع الإنجيل من الرسل، وكان قد اهتدى نتيجة كرازتهم. هذا الأمر يستبعد أن يكون بولس هو الكتاب بما أنه يدعي في غلاطية 1: 12 أنه تسلم الإنجيل من المسيح مباشرة (راجع أعمال 9: 1-9). لكن الآية من عبرانيين 2: 3 لا تؤكد بتركيبتها، هذا الأمر. فهي لا تذكر أن الكاتب كان قد سمع الإنجيل من الرسل، واهتدى. لكنها تقول بالحري إن رسالة الخلاص كانت قد تثبتت (إبيبايأوثي) من الذين سمعوا الرب. أمامنا هنا إشارة ضمنية إلى أن الكاتب كان على علم من قبل بهذه الرسالة، في وقت تثبتها له. وقد يكون هذا ما فعله الرسل لبولس بمناسبة زيارته الثانية إلى أورشليم، والتي يأتي على ذكرها في غلاطية 2. من المؤكد أن ما فعله الرسل، كما يصفه بولس في غلاطية 2، يوحي بأنه “نشاط للتثبيت”.

أما فيما يتعلق بأسلوب الرسالة وقواعد اللغة فيها (سبق لي أن درست الرسالة في العمق في اللغة الأصلية، اليونانية، في عدة مناسبات) ومضمونها العقيدي، أسلم بأن هذه المسائل تختلف بشكل جذري في بعض النواحي عن رسائل بولس الأخرى التي كان قد خص بها كنائس أو أفراداً بالتحديد. غير أن المرسل إليهم بالتحديد في هذه الرسالة، كما محتواها، والقصد منها، واستعانة بولس بكاتب لتحريرها (لوقا، على الأرجح)، قد يكون لهذه جميعها تأثيرها في أسلوب الرسالة ومفرداتها. لا شيء في مضمون الرسالة، ما كان بمقدور بولس كتابته. ومن الصعب إدراك لماذا أقدمت الكنيسة الأولى على قبول هذه الرسالة لكونها قانونية، إن لم يكن الرب قد قاد كنيسته في نهاية المطاف إلى استخلاص أنها كتبت بواسطة رسول كان قد أوحي إليه[2].

قانونية رسالة يهوذا

الأسباب التي تحمل على التشكيك في كون يهوذا هو الكاتب، هي قليلة. ويهوذا هذا هو أخو يعقوب، والأخ الأصغر غير الشقيق ليسوع نفسه. كما أن هذه الأسباب هي محتملة، كما يكتب “سلموند”: أي مزور كان عليه اختيار اسم مغمور بهذا الشكل كاسم يهوذا لكي يختبئ وراءه”[3]. فقربة الدم التي تربط يهوذا بكل من يسوع ويعقوب، مع كونها لا تضفي بحد ذاتها الطابع القانوني على الرسالة، ساهمت بلا شك في قبولها. أدرج “يوسابيوس” هذه الرسالة بين الكتب “التي جرى التكلم ضدها” بما أن عدداً كبيراً من الآباء الأوائل لم يأت على ذكرها. إلا أنه يسلم بأن بعضاً منهم أقدم على ذلك. يصرح “جيروم” بأنها كانت محط تساؤل في بعض الأوساط من جراء، على ما يبدو، اقتباسها سفر أخنوخ، “إلا أنها اكتسب سلطة بسبب قدمها ومدى استخدامها، وهي محسوبة بين الأسفار المقدسة” (راجع الفصل الرابع من كتابه “فهرس الكتاب الكنسيين” Catalog of Ecclesiastical Writers). إلا أنه من غير المؤكد كون يهوذا يقتبس أخنوخ، إذ لعله اعتمد على التقليد اليهودي عينه، وذلك على غرار سفر أخنوخ. إلى ذلك، فإن كتاباً آخرين للكتاب المقدس، من لا تثار أية شكوك حول وحي كتاباتهم وسلطتهم، يقتبسون أيضاً مصادر غير موحى بها، من دون تعريض قانونية كتاباتهم للخطر[4]. لذا، يجب عدم استخدام هذه الحقائق ضد قانونية رسالة يهوذا. وعلى أحدنا استخلاص أن الله بعنايته، قاد كنيسته للاعتراف بالطابع القانوني لهذه الرسالة كشهادة موحى بها على “الأيمان المسلك مرة للقديسين”. من هنا، فإن مجمع لاودكية المنعقد خلال العامين 363 و397. أقدم على ضمها إلى أسفار العهد الجديد في ذلك الوقت.

قانونية رسالة بطرس الثانية

يعرف الكاتب عن نفسه على أنه “سمعان بطرس عبد يسوع المسيح ورسوله” (1: 1)، ويصرح بأن الرب كان قد كلمه عن اقتراب موته (1: 14؛ راجع يوحنا 21: 18، 19). كذلك يدعي بأنه كان شاهد عيان وشاهداً لما سمع خلال حادثة تجلي المسيح (1: 16-18). وبأنه كتب لقرائه رسالة سابقة (3: 1)، ويشير ضمناً إلى معرفته بـ “أخينا الحبيب بولس” (3: 15، 16). كل هذا يعرض دليلاً داخلياً متيناً بشكل استثنائي على كون بطرس هو كاتب 2بطرس. ومع هذا، شكل 2بطرس، على الأرجح، أكثر سفراً من العهد الجديد أثير حوله جدل خلال القرون الثلاثة الأولى من الحقبة المسيحية. وفي غياب أي دليل على أن جزءًا من الكنيسة الأولى أقدم قط على اعتبار هذه الرسالة “مزيفة”[5]، فإن “يوسابيوس” (“تاريخ الكنيسة” 3: 3) مع كونه يوضح أن “غالبية [الدارسين] قبلوا الرسالة على اعتبار أنها صحيحة”[6]، عاد وأدرجها ضمن قائمة الكتب “التي هي محط جدل” (“الأنتيليغومينا”)، بما أن “الشيوخ الأقدمين” لم يقتبسوها، ولعله قصد بذلك أنهم لم يقتبسوها بالاسم”.

كيف علينا تفسير ظاهرة عدم اقتباس آباء الكنيسة هذه الرسالة إلا قليلاً؟ لماذا لم يصر إلى اقتباسها على نطاق أوسع خلال القرون الأولى من الحقبة المسيحية؟ بالإمكان عرض أمور عدة في سياق الإجابة عن هذا السؤال. أولاً، طبيعة الرسالة وقصرها، قد يفسر جزئياً لماذا جرى اقتباسها قليلاً. وكما يكتب “تشارلس بغ”: “أنها تحوي عدداً قليلاً جداً من العبارات القابلة للاقتباس. لذا، نادراً ما تقتبس حتى في يومنا الحاضر”[7]. ثانياً، كانت الكنيسة في القرنين الثاني والثالث قد غمرت بمجموعة عديدة من الكتابات الحاملة أسماء مستعارة وتدعي بأن بطرس كتبها. من الطبيعي إذاً أن تثار بعض الشكوك على أية رسالة تدعي أنها بقلم بطرس[8]. ثالثاً، وكما يقترح “أ. هـ. بلامبتر”: “معشر المعلمين الكذبة المدانين في الرسالة، سيبذلون قصار جهدهم لتشويه سمعتها وإخفائها[9]. وأخيراً، وكما يقترح “إفريت ف. هاريسن” بما أنها رسالة عامة، بمعنى أنها لم تكن موجهة إلى أية جماعة معينة. “ما من جماعة واحدة التزمت صونها والمحافظة عليها والترويج لها على نطاق أوسع”[10]. هذه الأسباب قد تفسر التردد في قبول هذه الرسالة في بعض أوساط الكنيسة.

إلا أنه يجب ملاحظة وجود أسباب للاعتقاد أن يهوذا استعان بمواد منها، متعاملاً معها على أنها صاحبة سلطة. إلى ذلك، فإن “يوستينوس الشهيد” اقتبسها بشكل يدل على أنه اعتبرها صاحبة سلطة؛ كما أن “مليتو من ساردس” يظهر اعتماداً على 2بطرس 3: 5-7، 10-12؛ و”ثاوفيلس الأنطاكي” في كتابه (أد أوتوليكوم) (الكتاب الثاني، 13) أشار إلى 2بطرس 1: 19؛ “إيرينايوس” في كتابه (ضد الهرطقات)، (الكتاب الثالث، 1؛ الكتاب الرابع، 36,4؛ الكتاب الخامس، 28,3) أشار أيضاً إلى الرسالة؛ و”أقليمندوس الإسكندري، الذي كان قد أعلن تمسكه “بتلك الكتب فقط التي وجد في كل مكان تمسكاً بها كما لو أنها صادرة عن الرسل”[11]، كتب تفسيراً لرسالة 2بطرس. “فيرميليان” في آسيا الصغرى، بدوره اقتبسها كرسالة لها سلطة لبطرس “الرسول المبارك”، وذلك في سياق كتابته إلى “كبريانوس” في أفريقيا الشمالية، الأمر الذي يوحي من موقعي الذي كتب والذي استلم، الاتفاق على هوية الكاتب على صعيد كوني. “أوريجانوس”، اقتبسها ست مرات، على الأقل، كرسالة لبطرس، وكواحدة من جملة الأسفار المقدسة. الصيغتان العظميان المصريتان من القرن الثالث، “البحيرك”، و”الساحدك”، شملاها مع سائر الأسفار المقدسة. المخطوطة P32 قبلتها مع الأسفار المقدسة، وكذلك الأمر مع “جيروم” الذي قبلها في “الفولقاطة”. وأخيراً، نجد كيف أن آباء الكنيسة “أثناسيوس”، و”إبيفانيوس”، و”أمبروزيوس”, و”كيريلوس الأورشليمي”، و”هيلاري من بواتييه”، و”غريغوريوس النازيانزي”، و”باسيليوس الكبير”، و”أغسطينوس، أسقف هيبو”، جميع هؤلاء قبلوا رسالة بطرس على أنها رسالة قانونية.

قانونية رسالة يوحنا الثانية

تقد رسالة يوحنا الثانية ما قبل أقصر رسالة في العهد الجديد. كما أنها لجهة محتواها، تبدو نسبياً خالية من أية أهمية بما أنه يرجح أنها من صنف “الرسالة التمهيدية” الموجهة إلى الكنيسة (السيدة المختارة)، والتي كان قد أرسل إليها يوحنا كلاً من إنجيله ورسالته الأولى الأطول. ولئن يدرجها “يوسابيوس” (“التاريخ الكنسي” (3: 25) مع الأسفار التي يدور حولها جدل (الإنتيليغومينا)، إلا أن الدليل الخارجي على كون الرسول يوحنا هو الذي كتبها، عظيم الشأن، كما أن “إيرينايوس” (نحو 140-203)، يقتبسها مرتين في كتابه “ضد الهرطقات”. كذلك، يتحدث “اقليمندوس الإسكندري” (نحو 155-215)، في كتابه “ستروماتا” (2: 15) عن “رسالة يوحنا الأطول”، مقراً بذلك أن يوحنا كان عنده رسالة واحدة، على الأقل، أقصر. والقانون “الموراتوري” (تقريباً 170)، وبعد إشارته إلى 1يوحنا وارتباطها بالإنجيل الرابع، يتحدث عن “رسالتين ليوحنا المذكور قبلاً”، ما يبين أن 2يوحنا و3يوحنا كانتا معروفتين في روما قبل نهاية القرن الثاني. كما أن “كبريانوس”، أسقف “قرطاجة” (نحو 200-258)، في كتابه “حول معمودية الهراطقة”، روى عن “أوريليوس” أسقف “شلابي” أنه اقتبس 2يوحنا 10، 11 خلال مجمع قرطاجة في 256، كما أن مجمع قرطاجة الثالث في 397، أقر بكل تأكيد بقانونية هذه الرسالة. يعرض “ألفرد بلامر” عن حق الملاحظة التالية: “…. بالتحديد، هؤلاء الشهود الأقرب إلى القديس يوحنا، هم مع الصفة الرسولية لكتابتها [2يوحنا]، ولا يراعون بشأنها أي رأي آخر”[12].

قانونية رسالة يوحنا الثالثة

تعد 3يوحنا الرسالة الأقصر في العهد الجديد. وجهت إلى غايس، على الأرجح راعي الكنيسة التي كانت قد استلمت إنجيل يوحنا ورسالته الأولى. قصد منها يوحنا أن تكون ملحوظة خصوصية من الإرشاد والتحية تلي المحتوى الأساسي لتعليم يوحنا المتضمن في إنجيله وفي 1يوحنا. اعتبر “إدغار ج. غدسبيد” أن رسائل يوحنا الثلاثة كانت تنتقل من مكان إلى آخر كمجموعة واحدة، الأمر الذي جعل الكنيسة القديمة تشير إليها بشكل مختلف كرسالة واحدة، أو رسالتين، أو ثلاث رسائل[13]. رأي هو أيضاً في 2يوحنا و3يوحنا “رسالتين تمهيديتين” لكل من إنجيل يوحنا و1يوحنا. وكان يوحنا قد بعث بهما إلى كل من الكنيسة والراعي اللذين كانا سيتسلمان إنجيله و1يوحنا. مضمونها المختصر، وعدم أهميته نسبياً، أضف إلى ذلك حقيقة كونها ذات طابع خصوصي، أديا إلى عدم قراءتها على نطاق واسع في الكنائس. ومع هذا، أصبحت 3يوحنا معروفة على نطاق واسع، وبفضل العناية الإلهية وصلت إلى مرتبة الأسفار . وفي هذا، الشهادة على صحة التقليد الذي كان قد نسبها منذ أبكر الأزمنة إلى الرسول يوحنا.

قانونية رؤيا يوحنا

ومن جراء طابع هذا السفر الرمزي والمبهم، وغموض محتواه، وبسبب الاعتبارات العقيدية المناهضة للملك الألفي والمعبر عنها في أنحاء الكنيسة، جرى إدراج رؤيا يوحنا في البدء مع الأسفار التي يدور جدل حولها (الأنتيليغومينا). لكن “بابياس” علق على رؤيا 12، ويوستينوس الشهيد (نحو 100-165) في كتابه “حوار مع تريفو”، 81، والمكتوب في نحو 155-160، صرح بأن الرسول يوحنا كان قد تسلم هذه النبوة من المسيح. في كتابه “ضد الهرطقات” اقتبس “إيرينايوس” (مات عام 202)، كل فصل تقريباً من الكتاب، وقبله كأحد الأسفار المقدسة ، ونسب الكتاب إلى “يوحنا، تلميذ الرب” (4: 11؛ 5. 26. 1). اقتبسه “ترتوليانوس” (نحو 150 – نحو 225) باستمرار، وقبله كعمل الرسول يوحنا. كذلك، “اقليمندوس الاسكندري”، (155-215) مع “أوريجانوس” (185-253) قبلاً الرؤيا كواحد من الأسفار المقدسة الموحى بها بقلم الرسول يوحنا؛ ويذكره القانون “الموراتوري” (نحو 170) كسفر مقبول على صعيد كوني في روما. بعد 215، لم يحصل أي تشكيك جدي في قانونية هذا السفر في الكنيسة الغربية. كما أنه مع نهاية القرن الرابع، اختفت وتوارت أية مقاومة لهذا السفر على صعيد الكنيسة الشرقية.

يتبين لنا من هذه المعلومات وجود أسباب وجيهة، من الزاوية البشرية، بالإمكان عرضها دعماً “لرسولية”، وبالتالي قانونية جميع هذه الأسفار “التي يدور حولها جدل” في العهد الجديد. بالطبع، لن يبني المسيحي في نهاية المطاف إيمانه بشكل حاسم على هذه المعلومات، بل بالحري بكل ثقة على افتراض أن الله قاد كنيسته خلال القرون الأربعة الأولى لتمييز تلك الأسفار التي قصد لها أن تكون مشمولة من ضمن . إني أعني بذلك الأسفار السبعة والعشرين المقبولة على وجه العموم، هذه الأسفار التي كان قد أوحى بها هو، والتي بوسعها الشهادة لأحداث الإيمان المسيحين المركزية والتاريخية المتعلقة بالفداء. هذه الأسفار التي أراد للكنيسة أن تصونها لاستمرار صحتها الروحية.

[1] (Grand Rapids: Baker, 1994), 7. Simon J. Kistemaker, Exposition of the Epistle to the Hebrews.

[2] أوصي القارئ بأن يراجع الكتاب

  1. Laird Harris, Inspiration and Canonicity of the Bible (Grand Rapids: Zondervan, 1957), 263-70.

يتناول هذا الكتاب بإسهاب دليل الآباء ويستخلص أن العبرانيين “رسالة حقيقية لبولس الذي استعان ببرنابا كسكرتير له” (269)، مع أنه يسلم بأن شخصاً آخر قد يكون بولس قد استعان به لكتابتها (لوقا، برأيي، هو الأكثر احتمالاً). يرى بعضهم أن برنابا قد يكون الكتاب في الأصل، لأنه ولكونه لاوياً (أعمال 4: 36) كان ملماً بطقوس الهيكل. ولكونه، من جهة أخرى، “ابن الوعظ [التعزية]” (13: 22) لعله هو الذي كتب “كلمة الوعظ” (13: 22). إلا أن “دونالد غثري” يستخلص في محله أن أية معلومات ملزمة ومقنعة عن كون برنابا هو الكاتب “غير متوافرة عملياً”

(New Testament Introduction [Fourth Edition; Downers Grove, I11.: InterVarsity Press, 1990], 675).

[3] S. D. F. Salmond, “The Genral Epistle of Jude” in The Pulpit Commentary (Grand Rapids: Eerdmans, 1950), 22, vi.

[4] يقتبس بولس “أراتس من صقلية (أعمال 17: 28)، “إبيمنيدس الكريتي (تيطس 1: 12) مع “منندر”، كاتب الكوميديا اليونانية ثايس (1كورنثوس 15: 35).

[5]Donald Guthrie, New Testament Introduction [Third Edition; Downers Grove, I11.: InterVarsity, 1970], 819.

[6] Guthrie, New Testament Introduction, 817.

[7] Charles Bigg, Epistles of St Peter and St Jude (ICC: Edinburgh: T. & T. Clark, 1902), 211.

[8] Guthrie, New Testament Introduction 818.

[9] E. H. Plumptre, The General Epistles of St. Perter and St. Jude (Cambridge: University Press, 1879), 81.

[10] Everett F. Harrison, Introduction to the New Testament (Grand Rapids: Eerdmans 1971), 415.

[11] Benjamin B. Warfield, “The Canonicity of Second Peter” in Selected Shorter Writings of Benjamin B. Warfiede, edited by John Meeter (Nutley, N. J. Presbyterian And Reformed, 1973) II, 51.

أنا أوصي بقراءة مقال

  1. M. B. Green’s Second Peter Reconsidered (London: Tyndale, 1961).

هذه الدراسة الرائعة ثمر بحث أصلي حيث برع الكاتب في دحض المزاعم بأن 2بطرس هي “عمل تزوير تقوي” (إنه في نظري، يحاجج بشكل مغلوط في معرض حديثه عن أولوية رسالة يهوذا على 2بطرس). عندما أيضاً الدفاع الموجز لكن العميق، عن كون بطرس هو كاتب 2بطرس، بقلم “غليسن ل. أرشر الابن” في:

Encyclopedia of Bible Difficulties (Grand Rapids: Zondervan, 1982), 425-27.

[12] Alfred Plummer, The Epistles of St. John (Cambridge: University Press, 1889), 53.

[13] Edgar J. Goodspeed, An Introduction to the New Testament (Chicago: University Press, 1937), 324.

إقرأ أيضاً: