الرئيسية / أبحاث / المخلص الموعود به من الله – القيامة

المخلص الموعود به من الله – القيامة

المخلص الموعود به من الله – 

المخلص الموعود به من الله - القيامة
المخلص الموعود به من الله – 

المخلص الموعود به من الله – 

 

اتفق جميع كتاب العهد الجديد على أن يسوع أقيم من الأموات في اليوم الثالث بعد موته. وسيعتمد تصرفنا إزاء هذا بالطبع إلى حد كبير على افتراضاتنا الأساسية المسبقة بالنسبة للأمور الخارقة للطبيعة. فإذا اعتقدنا أن أموراً مثل إقامة شخص ميت تعد مستحيلة، علينا إذاً أن نجد تفسيراً آخر لما اعتقد المسيحيون الأوائل بخصوص قيامة يسوع من الأموات. وإذا كنا على استعداد لتوقع أمور خارقة للطبيعة. فبالتالي يستحق أن نفحص بعين الناقد بعض أقوال العهد الجديد.

وفي هذا الكتاب أخذنا الأقوال التي سجلتها الوثائق التي جاءت عليه. وقد اعتبرنا أن تصديق حدوث أمور خارقة للطبيعة يعد أمراً وارداً ومقبولاً. وهذا لا يعني بالطبع أن كل شيء قيل عن يسوع يمكن قبوله على أساس افتراضاتنا. وإنما يعني أنه بمقدورنا أن نفحص الأدلة دون حرج بنتائج بحثنا، مهما كان ما ستظهر عليه هذه النتائج.

وبالنسبة للقيامة، فإن أهم ما يتعلق بها هو أن المسيحيين الأوائل كانوا على قناعة تامة أن حدث ، أو الأحداث المركبة، كانت أمراً حقيقياً، تشكل حدثاً تاريخياً في عالمهم. وكان له تأثير عميق على حياتهم. وسبق أن عرفنا أنه ليس من السهل أن نعرف مدى انتشار الاعتقاد في ولادة يسوع من عذراء. فعلى سبيل المثال، لا نعرف ما الذي كان يعرفه بولس عن هذا. ونحن بكل تأكيد نعرف بالفعل أنه لا هو ولا أي واحد آخر ادعى أن الإيمان بالميلاد العذراوي كان يشكل جزءًا لا غنى عنه في كون الإنسان مسيحياً.

ولكن كانت شيئاً مختلفاً تماماً. ولقد تحدث بولس للكنيسة الأولى كلها حين أعلن أنه إذا أنكر قيامة يسوع سوف يصبح الإيمان المسيحي بلا معنى: “وإن لم يكن المسيح قد قام فباطل إيمانكم. أنتم بعد في خطاياكم”[1]. وبسبب هذا الاعتقاد يواصل بولس كلامه في نفس الفقرة حيث يقدم قائمة بالشهود الذين يستطيعون تأكيد أن يسوع قد قام من الأموات. ومن الواضح أنه كان ينظر إلى حدث كأمر يمكن تأكيده بواسطة شهود، وهو حدث عام خارجي، وليس اختياراً دينياً خاصاً. ومع ذلك فإنه من اللافت للنظر جداً أن العهد الجديد لا يقدم في أي موضع منه شهوداً لواقعة حدث من الأموات، بل قدم فقط شهوداً لنتائج هذا العمل في ظهورات يسوع المقام. وحقيقة أن قبره وجد فارغاً.

والدليل نفسه يمكن ترتيبه في أربعة أجزاء:

إيمان الكنيسة الأولى

إن أقدم دليل متوافر لدينا عن القيامة يرجع في الأغلب إلى الوقت الذي أعقب الزعم بأن حدث القيامة قد وقع. وهذا هو الدليل الذي تضمنته العظات الأولى الموجودة في سفر أعمال . وهي موجودة في شكلها الحالي في وثيقة جمعت بعد ثلاثين سنة على الأقل بعد موت يسوع، وربما بعد ذلك خمسين سنة. وبلا شك أنه في الأصحاحات القليلة الأولى من سفر أعمال ، سجل الكاتب مادة من مصادر مبكرة جداً.

فلقد اكتشف الباحثون أن اللغة المستخدمة في الحديث عن المسيح في هذه الأقوال المبكرة في سفر الأعمال تختلف تماماً عن تلك التي استخدمت في الوقت الذي جمع فيه السفر في صيغته الأخيرة. بل هي مختلفة بالكلية حتى عن رسائل بولس، والتي من المؤكد أنها كتبت قبل سفر أعمال ولذلك قد نكون واثقين أنه لدينا هنا مصادر مبكرة جداً.

تظهر الأقوال الأولى السمة المنتشرة للمسيحية اليهودية، التي تعتنق مجموعة من المعتقدات عن المسيح، وتقدم صورة دقيقة بوجه عام عما حدث فعلاً في الأيام الأولى للكنيسة، وطبقاً لهذه الصورة، فإن الملمح الرئيسي لرسالة الكنيسة المسيحية الأولى هي قصة يسوع نفسه، وكيف أنه أتم مواعيد الله وكيف مات على الصليب وكيف قام ثانية. ورسالة المسيحيين الأوائل كانت متناغمة حتى أن البروفسور “دود” استطاع أن يجد نموذجاً منتظماً من الأقوال التي ذكرت عن يسوع في بداية الأزمنة الأولى. وقد أطلق على هذا النمط من الأقوال اسم “Kerygma” أي الكرازة. وهذه الكلمة يونانية معناها “الإعلان”. وكل قصة حقيقية في الرسالة المسيحية تتضمن هذه الأقوال:

– أوفي يسوع بمواعيد العهد القديم.

– كان الله عاملاً في حياته، وموته، وقيامته.

– رفع يسوع إلى السماء.

– أعطى الروح القدس للكنيسة.

– سيعود يسوع قريباً في مجد.

– كل من يسمع الرسالة من الرجال أو النساء ينبغي أن يستجيب لدعوتها.

وإذا أبعدنا القيامة من هذا الإعلان (أو الكرازة) لن يصبح لها في غالبيتها أي معنى. ووجود الكنيسة الأولى كله قام على اعتقاد بأن يسوع لم يعد ميتاً بعد بل هو حي.

ويبدو أيضاً طبقاً للدليل المأخوذ من رسائل بولس ومن سفر أعمال أيضاً، أن المؤهل المعترف به للكارز الرسولي هو أن يكون قد رأي يسوع المقام[2]. ومن الواضح أن هذا جعل شرطاً حين شرع في تعيين واحداً بدلاً من يهوذا الإسخريوطي. وقال بولس أيضاً إن رؤياه ليسوع في الطريق إلى دمشق يعطيه نفس وضع الأكبر منه[3].

برهان بولس [4]

الجزء الثاني من البرهان الرئيس على قيامة يسوع قدمه لنا بولس نفسه. وإذا كان هناك مجال لآراء مختلفة بالنسبة لأهمية البرهان الموجود في سفر أعمال ، فليس هناك مجال لمثل هذا في برهان بولس. ومن المؤكد أنه كان يكتب هذه الرسالة ليس بعد أكثر من خمس وعشرين سنة من صلب يسوع، وقد شكلت أقواله أول جزء من الدليل الخاص بالإيمان أن يسوع قد قام من الأموات. وإذا قرأنا كورنثوس الأولى 15، وتفحصنا سياقه، سنجد أن قصد بولس الرئيس لم يكن تقديم حجة مبررة للإيمان بقيامة يسوع، بل كان في الواقع يحاول مساعدة قرائه المسيحيين على التغلب على مجموعة من المشاكل كانت قد ظهرت في كنيستهم المحلية. والمعلومات التي يقدمها لنا عن كيفية قيامة المسيح من الأموات هي معلومات عارضة تقريباً، وهذا ما يجعلها مثيرة بالأكثر، لأنه يذكر أهل كورنثوس أن ما يقوله هو شيء كانوا دائماً يعرفونه. ومع ذلك، فهو يفعل ذلك في عبارات قليلة، ويبين أنه في تاريخ مبكر جداً كان المسيحيون – حتى في اليونان – يعرفون تماماً القصة الكاملة التي تبين كيف مات يسوع ثم قام من الأموات.

وفي هذا الصدد يشير بولس إلى مناسبة رأى فيها يسوع المقام أكثر من خمسمائة أخ دفعة واحدة، ومعظمهم كان على قيد الحياة حين كتب هذا، وبمقدورهم أن يؤكدوا ما ذكره. كما ذكر أيضاً أنه ظهر ليعقوب، ثم يضمن أقواله لقاءه هو مع الرب المقام والذي كان سبب تجديده[5]، وكان ذلك في مجال ذكره بظهورات يسوع الأخرى بعد القيامة. والأناجيل لا تذكر شيئاً عن ظهورات يسوع المقام هذه. ومع ذلك فلربما تكون قد كتبت في وقت سابق رسالة بولس إلى كورنثوس. ولا بد وأن تكون حقيقة قيامة يسوع كانت حقيقة يؤمن بها الناس على نطاق واسع حتى إن الذين كتبوا قصص الإنجيل لم يروا أنه من المهم ذكر كل الدلائل المتعلقة بها. وكما هو الحال بالنسبة لبقية قصصهم، لم يستخدموا إلا مختارات قليلة من المادة التي كانت متاحة لهم.

تقاليد الإنجيل

حين نفكر في القيامة، من الطبيعي أننا نفكر أولاً في القصص الموجودة في خاتمة كل من الأناجيل الأربعة. وهناك بعض السمات البارزة المعنية تتعلق بهذه القصص.

ç جميعها تؤكد حقيقتين أساسيتين: أن قبر يسوع وجد فارغاً، وأن يسوع المقام رآه أناس مختلفون، وفي مناسبات مختلفة. وكل من هذين الجزئين من الدليل له أهميته. وحقيقة القبر الفارغ في حد ذاته لا تثبت شيئاً فيما عدا أن جسد يسوع لم يكن هناك. غير أنه بدون القبر الفارغ، لا تثبت الرؤى شيئاً موضوعياً، على الرغم من أنها قد تعطينا بعض المعلومات عن حالة النفسية. إلا أن الجمع بين الحقيقتين، إذا ما كانتا صحيحتين بالفعل، يشكل دليلاً قوياً لتأييد القول بأن يسوع قام من الأموات.

ç وإذا تصفحنا الأناجيل بشكل صحيح، نلاحظ أنه بالمقارنة بالقصص الكثيرة الأخرى عن يسوع، نجد أن القصص المتعلقة بقيامته قد ذكرت بشكل بسيطة للغاية. فهي لا تحتوي على أية رموز تتطلب بصيرة خاصة لفهمها. ولا نجد فيها إشارات للعهد القديم. بل ولا تبذل أية محاولات لتوضيح المغزى اللاهوتي للأحداث التي تصفها. إذا ما قارناها من هذه الناحية مع القصص التي تبين كيف تعمد يسوع فإن الفرق يكون ملحوظاً حقاً.

لماذا تختلف القصص

على الرغم من حقيقة أن المعلومات الموجودة في الأناجيل ذكرت بطريقة بسيطة، إلا أنه ليس من السهل التوفيق بين قصص الإنجيل المختلفة. ومع أن أناساً كثيرين حاولوا ذلك، إلا أنه في الواقع لم ينجح منهم أحد في تقديم “رأي متفق عليه” عن كيفية حدوث هذا كله. ومن غير المحتمل أن ينجح أحد في ذلك مستقبلاً. فطوال عملهم كان كتبة الأناجيل يميلون إلى الانتقاء، فلم يستعملوا سوى القصص والتعاليم التي تنفع قراءهم الأوائل. وهذا أحد أسباب وجود أربعة أناجيل. ومن الواضح أن عملية الانتقاء هذه طبقت على قصص القيامة، وهذا ما تستطيع أن تلمسه من حقيقة أن بولس ذكر بعض المعلومات التي لم يتضمنها أي من الأناجيل.

وهذا قد يبدو للوهلة الأولى أنه حجة على أن القيامة لم تحدث على الإطلاق. ولكن الحقيقة هي أن هذه دليل قوي على عكس ذلك. فشهود العيان كثيراً ما تختلف أقوالهم بالنسبة لما رأوا ولا سيما حينما يرون أموراً لا تتفق ومفهوم حياتهم، فالتلاميذ أنفسهم – مثلي ومثلك – لم يكونوا يتوقعون أن يقوم شخص من الأموات. وطبقاً لما ذكره مرقص (9: 9-10) لم تكن لديهم أية فكرة عما يمكن أن تعنيه القيامة، فقد كانت أمراً غريباً على أسلوب تفكيرهم. ولذلك ليس لنا أن نبدي دهشتنا أن لم يذكروا قصة منطقية متماسكة. وقصة شخص قام من الأموات سيكون تصديقها أكثر صعوبة لو أن الأناجيل الأربعة ذكرت نفس القصة بالضبط. ومع ذلك وبالرغم من بعض الاختلافات البسيطة في التفاصيل، إلا أنها جميعها تتفق في الأجزاء الرئيسية في القصة. فجميعها تقول بأن القبر كان فارغاً وأن يسوع ظهر للتلاميذ.

وفي إنجيل مرقص، وهو أقدم إنجيل، تنتهي القصة عند 16: 8 وما تبع ذلك (كما هو في بعض الترجمات الإنجليزية (مثل 16: 9-20)، يعد بصفة عامة إضافة لاحقة لكتاب مبتور أو غير منته بعد. وفي هذه القصة، نقرأ أن بعض النسوة اللواتي أتين إلى القبر صباح الأحد لإتمام تحنيط جسد يسوع وجدن أن كتلة الحجر التي استخدمت كباب للقبر الصخري – كانت قد دحرجت (مرقص 16: 6-7). وقد شعرن بالفزع لدى رؤيتهن شاباً جالساً داخل القبر بحلة بيضاء. وقال هذا الشاب: “لا تندهشن. أنتن تطلب يسوع الناصري المصلوب. قد قام ليس هو ههنا. هذا هو الموضع الذي وضعوه فيه. لكن اذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس إنه يسبقكم إلى الجليل. هناك ترونه كما قال لكم” وقد هربت النسوة من عند القبر وهن مذعورات وبسبب خوفهن لم تخبرن أحداً بما رأين أو سمعن.

نقرأ في إنجيل لوقا أن تلميذين كانا في الطريق إلى قريتهما “عمواس” قابلا يسوع المقام دون أن يعرفاه. وتحدثا معه عن النسوة اللواتي قمن بزيارة القبر، وأنهن رأين منظر ملائكة أكدوا لهن أن يسوع حيّ (لوقا 24: 22-24). ولا نجد هنا إشارة إلى الرسالة المطلوب إرسالها إلى الجليل. ولعل النسوة لم تسلمن الرسالة الخاصة بالجليل لسبب بسيط كما ذكره مرقص: هو أنهن كن خائفات من الذهاب إلى هناك لأنهم اعتقدن أن ملك تلك الجهة هو هيرودس أنتيباس، سيكون الآن على استعداد للتخلص من أي من أتباع يسوع ممن يجدهم هناك.

أما “متى” فيكرر قصة مرقص مع إضافة بعض التفاصيل، مثل الزلزلة العظيمة التي حدثت صباح الأحد، والرعدة التي تملكت حراس القبر (متى 28: 1-4). وقد تركت النسوة القبر ومشاعرهن ممزقة بين الخوف والفرح، وقد قابلهن يسوع نفسه، حيث كرر لهن الرسالة الخاصة بالذهاب إلى الجليل (متى 28: 5-10). وطبقاً لما ذكره متى، يبدو أن نفذوا هذه الرسالة في الحال، وعلى جبل الجليل كلفهم يسوع بالكرازة بالإنجيل لجميع الأمم وتلمذتهم (متى 28: 16-20). وظهور يسوع هذا يبدو أنه ليس نفس قصة الصعود التي ذكرها لوقا. وعلى الرغم من أن يسوع ذكر بعض الأقوال المماثلة، إلا أن الصعود لم يتم في الجليل، بل على مقربة من أورشليم (لوقا 24: 44-53؛ أعمال 1: 6-11). ويأتي متى بالقصة التي بدأها مرقص إلى غايتها المنطقية: ظهور يسوع في الجليل وتكليفه بإعلان الأخبار السارة عنه.

وتختلف قصة لوقا عن قصة مرقص في بعض أشياء معينة:

كان هناك ملاكان في القبر. كما جاء ذكر الجليل، ليس على أنه المكان الذي سيتقابل فيه يسوع مع تلاميذه في وقت لاحق، بل على أنه المكان الذي سبق أن تنبأ فيه أساساً عن موته وقيامته (لو 24: 1-11). وحين أخبرت النسوة بقصتهن، لم يصدقوهن. وفي بعض المخطوطات القديمة لإنجيل لوقا، نجد عند هذه النقطة قصة تبين كيف زار بطرس ويوحنا القبر للتأكد من صحة ما قالته النسوة. إلا أنه ربما كان هذا جهداً تم في وقت لاحق للتناغم بين قصة لوقا والحدث الذي سجل في يوحنا 20: 1-10. وبعد الإشارة إلى كيفية تقابل يسوع مع التلميذين في الطريق إلى عمواس، ثم بعد ذلك مع كل في علية في أورشليم. (لوقا 24: 13-43). ويواصل لوقا كلامه فيسجل الصعود على الطريق إلى بيت عنيا، كما لو كان ذلك بعد القيامة مباشرة (لوقا 24: 44-53). أما في سفر الإعمال فهو يوضح أن الصعود تم بعد فترة بلغت أربعين يوماً (أع 1: 3).

ومن ناحية أخرى نجد أن إنجيل يوحنا يصف ظهورات يسوع سواء في أورشليم أو في الجليل. وبالنسبة للنسوة التي ذكرت في الأناجيل الأخرى أنهم اكتشفن القبر الخالي، فلم يذكر منهم في إنجيل يوحنا سوى مريم المجدلية (يو 20: 1). إلا أن حقيقة أن مريم تكلمت بصيغة الجمع في وصفها الحدث لبطرس توحي بأن الأخريات كن معها (يو 20: 2). لقد وجدن القبر خالياً ثم عدن ليخبرن . بعد ذلك توجه بطرس ويوحنا إلى القبر ووجدا الأكفان موضوعة دون أن يمسها أحد، وهذا دليل على أن القبر لم يسرق (يوحنا 20: 3-10). وعند هذه النقطة رأت مريم ملاكين في القبر، وحياها يسوع الذي اعتقدت خطأ أنه البستاني (يو 20: 11-18). بعد ذلك تأتي قصة ظهور يسوع مرتين لتلاميذه في أورشليم. وفي أول هذين الظهورين نفخ يسوع في وأعطاهم الروح القدس (يو 20: 19-29).

والأصحاح الأخير من يوحنا، والذي يعتبره كثيرون من الباحثين أنه إضافة لاحقة – أضافها نفس الكاتب – تصف ظهور يسوع للتلاميذ على شاطئ بحيرة الجليل، وكيف أنه تناول طعام الإفطار معهم قبل أن يعيد تكليف بطرس.

يتمثل الجزء الرابع والأخير من البرهان على صحة حدث القيامة في الحقيقة التي لا تقبل الجدل، وهي أن جماعة صغيرة من التلاميذ خائري الهمة، والذين بحسب كل معايير الاحتمالات التاريخية لا بد وأنهم كانوا حزانى محبطين نتيجة صلب سيدهم، وفي خلال سبعة أسابيع صاروا ضمن جماعة شهود تتميز بالقوة والشجاعة، وتحولوا إلى نواة كنيسة. وجوهر حقيقة شهادتهم هي أن يسوع كان حياً وعاملاً ولم يعتريهم أي تردد في أن ينسبوا التغيير الذي حدث في حياتهم إلى قيامته من الأموات. ومن الواضح أنهم هم أنفسهم كانوا على قناعة أن هذا هو ما وقع بالفعل. لأن القيامة لم تكن مجرد شيء يتحدثون عنه، بل هو أمر كانوا على استعداد للموت في سبيله. والناس ليسوا على استعداد للموت من أجل شيء إلا إذا كانوا موقنين بصحته.

الحقائق والإيمان بالنسبة للقيامة

وبعد أن ذكرنا الكثير عن الدليل، ما هو موقفنا نحن منه؟ ولكي ندرك أهميته، علينا أن نتذكر ثلاثة أشياء:

ç لا يوجد دليل على أن يسوع المقام ظهر لأي أحد خلاف تلاميذه، مع أنه محتمل أنه فعل ذلك. والذين كتبوا الأناجيل كانوا يكتبون لقراء معينين. وفي كل حالة كانوا يوجهون كلامهم إلى قراء مسيحيين. وكان اهتمامهم الأول مركزاً على ما حدث حين قابل المسيحيون ربهم المقام.

ç الدليل المتعلق بشخص ظهر ثم اختفى في حجرة كانت مغلفة، من الواضح أنه ليس بالدليل الذي يتناوله المؤرخون، وهو لا يتناعم مع القواعد العادية المتعلقة بالأدلة.

ç حقيقة أن مريم المجدلية، والتلميذين الآخرين اللذين كانا في الطريق إلى عمواس، والتلاميذ على شاطئ بحيرة الجليل، قد أخفقوا في التعرف على يسوع، على الرغم من أنهم كانوا يعرفونه جيداً، وكانوا قد رأوه منذ أيام قليلة مضت، توحي بأن مظهره البدني قد تغير، بطريقة من المؤكد أنها كانت مربكة لأي شاهد عادي عند الإدلاء بشهادته.

فما الذي تم تأكيده فعلاً بعد فحص الدليل؟ بمقدورنا القول بتأكيد تام بأن الكنيسة الأولى كانت تؤمن أن يسوع عاد إلى الحياة ثانية. وأدرك التلاميذ وأتباعهم أنه قد حدث شيء غير مجرى حياتهم بعد صلب سيدهم، وقد فسروا هذا التغيير بأنه جاء نتيجة قيامته من الأموات. وكل قارئ للعهد الجديد عليه أن يتقبل هذا، لأن حقيقة التغيير في حياة التلاميذ قد ترسخت بشكل لا يقبل أي شك على الإطلاق.

ولكن الكلام عن “إيمان القيامة” شيء، والكلام عن “حقيقة القيامة” شيء آخر مختلف تماماً. وعلاقة الحقائق بالإيمان نوقشت بمزيد من التفصيل في الفصل الأخير من الباب الثالث. أما هنا فلسنا بحاجة سوى أن نذكر أنه لا بد وأنه كان هناك “شيء” بوسعنا أن نسميه “حقيقة القيامة” الأمر الذي ولّد في التلاميذ “إيمان القيامة”. ولكن ماذا كان هذا الشيء؟ وهنا تخطر على الذهن عدت تفسيرات محتملة.

“حقيقة القيامة” كانت اختباراً شخصياً

رد فعلنا الطبيعي تجاه الدليل الخاص بالقيامة، هو افتراض أن ما أطلق عليه “ظهورات القيامة” لم يكن سوى أمر شخصي تماماً. قد يسميها الأتقياء “رؤى”، أما علماء النفس يميلون أكثر إلى أن يسموها “مجرد هذيان”. وإذا استطعنا افتراض أن هذا هو ما حدث، فإن هذا سيحل لنا المشكلة. غير أنه توجد حقائق كثيرة تدحض هذا التفسير.

حقيقة أن القبر كان خالياً، وأنه لا صديق ولا عدو جاء بجسد يسوع، أكدت الأناجيل وبقوة أن هذا أمر يجب الأخذ به. ومن الواضح أن كل من اليهود والرومان كانت لهم مصلحة كبيرة في وجود الجسد.

“حقيقة القيامة” كانت وليدة فكر لاهوتي

كان هناك من يحتجون بأن “إيمان القيامة” جاء نتيجة أن بعض التلاميذ رأوا أن سبباً لاهوتياً تطلب ذلك، فبالنظر إلى أنهم كانوا يؤمنون أن يسوع هو مسيح الله، فإن يكون من الطبيعي لشخص يدعي لنفسه هذا الوضع أن يقوم من الأموات، ولكن هذا التفسير لا يمكن قبوله أيضاً.

ç ومن بين أسباب ذلك، أنه لا يتوفر لنا أي دليل من أي مصدر آخر على الإطلاق يشير إلى أن المسيح كان متوقعاً له أن يقوم من الأموات. بل أن اليهود كانوا يتوقعون أن المسيا سيقتل الناس الآخرين! فإذا ما تألم ومات هو نفسه، فهو إذاً ليس من نوعية المسيح الذي كان معظم اليهود يريدون أن يعرفوه.

ç يعبر العهد القديم عن موقف سلبي للغاية بالنسبة لفكرة القيامة. وكثيرون من اليهود لا يؤمنون ببساطة أن هذا أمر ممكن. ويبدو أن التلاميذ أنفسهم لم يكونوا قد عرفوا ماذا كانت تعنيه القيامة في وقت مبكر من خدمة يسوع[6].

ç من الصعب أيضاً معرفة كيف يمكن أن تكون فكرة القيامة قد جاءت من تفسير توقعات العهد القديم، بالنظر إلى أن قصص القيامة لا نجدها إطلاقاً في الاقتباسات المأخوذة عن العهد القديم. وبالنسية لهذه النقطة هناك تناقض صارخ مع قصص الصلب، التي نجدها عامرة بهذه الاقتباسات.

وقد قدمت اقتراحات خيالية كثيرة أخرى بين وقت وآخر لتبرير “حقيقة القيامة”. إلا أن الثقل الغالب للدليل بأكمله يشير إلى أنه مهما كان الوصف الذي توصف به اللغة العلمية فإن حقيقة القيامة حدث تاريخي واقعي، وما من نظرية أخرى تعطي دليلاً مناسباً لقصة القيامة.

ماذا تعني القيامة

التحدث عن وصف “حقيقة القيامة” بلغة علمية يأخذنا بعيداً عن نوعية فكر التلاميذ الأوائل. ومن أبرز الأمور المتعلقة بالدليل المستمد من العهد الجديد هو أن التلاميذ لم يكن لهم اهتمام بالمرة في فحص المبررات والأسباب الكامنة وراء “حقيقة القيامة”. وكانوا يعرفون أنها حقيقة واقعة، وذلك بسبب ما اختبروه عن شخص يسوع المسيح والدليل القائم على القبر الخالي. وهذا كل ما احتاجوا أن يعرفوه. ولذلك لا نجد وصفاً في أي من السجلات عن الكيفية التي تمت القيامة بها فعلاً. وبعض المسيحيين في القرن الثاني اعتبروا هذا نقصاً في العهد الجديد، وقدموا وصفهم الرائع عما كان عليه جسد يسوع، وكيف خرج من القبر، وكيف تأثر أولئك الذين رأوه.

إلا أنه بالنسبة للشهود الأوائل لم تكن هذه التفصيلات موضع اهتمامهم الأساسي. فالقيامة بالنسبة لهم لم تكن مجرد نهاية سعيدة لقصة يسوع، بل كانت الذروة الطبيعية لحياته بكاملها، وتبريراً للأقوال السامية التي قالها عن نفسه أثناء خدمته. ثم إنها أيضاً كانت تشكل ضماناً على أن حياة يسوع وتعليمه لم تكن مجرد فصل في تاريخ التفكير البشري. بل كانت الطريق الذي يستطيع من خلاله الإنسان أن يأتي إلى معرفة الله. وهذا هو السبب في أن حقيقة قيامة المسيح من الأموات أصبحت الجزء الرئيسي من الرسالة التي أعلنها التلاميذ لجميع أنحاء العالم المعروف.

ولكن لماذا كانت القيامة مهمة للغاية؟ ولماذا قال بولس إنه بدون قيامة يسوع لما كان للرسالة المسيحية بجملتها أي معنى؟ إن أفضل طريقة للإجابة على هذا السؤال هو أن تضعه بالصيغة الإيجابية. علينا أن نسأل ما هو الوضع الإيجابي الذي كانت تتمتع به القيامة في معتقدات المسيحيين الأوائل. فحين نطرح السؤال على هذا النحو نجد أن ثلاثة أمور قد ذكرت عن القيامة في العهد الجديد.

ç بالقيامة ظهرت صحة كل ما قاله يسوع عن نفسه إنه ابن الله. وقد قال بطرس في يوم الخمسين إن القيامة كانت تشكل دليلاً واضحاً على أن “الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه رباً ومسيحاً”[7]. وكتب بولس إلى أهل رومية “تعين ابن الله من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات”[8]. وعلى الرغم من أن يسوع بلا خطية، وبالرغم من السلطان الذي أظهره في تعليمه وفي أعماله، وبالرغم من معجزاته، وأقواله الواضحة عن دوره الأساسي في خطة الله، فإنه لولا القيامة لربما كان يكتفي بالاعتقاد على أنه رجل تقي وعظيم. ولكن بعد قيامته من القبر عرف أتباعه – وعن يقين انه هو بالفعل حسب ما قاله عن نفسه. فبوسعهم الآن أن يفهموا ويقدروا كل حياته على الأرض بطريقة جديدة وتامة، باعتبارها حياة الله نفسه عائشاً بين الناس.

ç غير أن القيامة كانت أكثر من مجرد نور جديد على حياة يسوع المصلوب. فقد تم التأكد من العهد الجديد كله. وبصفة خاصة بواسطة بولس، على أن القيامة والصليب أيضاً كانا يشكلان جزءًا لا يتجزأ من عمل الله في إقامته للمجتمع الجديد.

كان المسيحيون الأوائل أناساً عمليين قبل أن يكونوا لاهوتيين. وما كانوا يريدونه هو شيء ينفع في الحياة العادية الحقيقية. وكانوا يتطلعون إلى علاقة مع الله تغيرهم، فهم أرادوا أن يتصالحوا مع الله بطريقة جذرية وأن يتخلصوا من أنانيتهم حتى يكونوا أناساً أفضل.

وأدركوا أنه ليس بمقدورهم تحقيق هذا، سواء بالممارسات الدينية أو بجهودهم الذاتية لتحسين أنفسهم. والشيء الوحيد الذي يمكن أن يغير المسؤولية البشرية هو مركز وقوة حياة جديدة.

ولقد وجد بولس قوة الحياة الجديدة هذه في يسوع – يسوع الذي قام من الأموات – وكان حياً في العالم الحقيقي، ويعيش بفعالية في حياة بولس نفسه. وكانت هذه حقيقة رائعة في حياة بولس اليومية حتى إنه استطاع أن يقول: “فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ”[9]. ولم تكن هذه مجرد تقوى دينية، ذلك أن بولس كان يعني حقاً ما قاله: فيسوع كان حينئذ فيه بكل ما في هذه الكلمة من معنى حرفي. وكان ذلك بدرجة أن حياة بولس بكل تفاصيلها كان يتم توجيهها ليس بواسطته هو بل بربه الحيّ.

وفي محاولته توضيح ما كان يعنيه استخدام بولس صورة شبه فيها المعمودية بموت يسوع وقيامته[10]. وقال إنه حين يغمر الماء المسيحيين في المعمودية، ثم يخرجون من الماء فإن هذه الممارسة تمثل صورة مادية لشيء يجب أن يحدث لهم داخلياً وروحياً. فإن تغطيسهم في الماء يشبه الدفن (مثل يسوع)، وخروجهم من الماء يشبه كونهم قاموا من الموت ثانية (مثل يسوع). وجوهر فهم بولس لهذه الأحداث هو أنه لكي يكون الإنسان مسيحياً، عليه أولاً أن يكون على استعداد لأن “يموت للتخلص من حياته القديمة التي كانت تتسم بالأنانية. بعد ذلك بمقدورهم أن “يقاموا” ثانية وقد حصلوا على وجود جديد، وهو حياة يسوع المسيح نفسه عائشاً معهم.

وهكذا كانت قيامة يسوع شيئاً جوهرياً. فلو كان يسوع قد مات على الصليب فقط، فإنه ربما قد يكون عمل بالفعل الأشياء التي ادعاها اللاهوتيون وهي أنه ربما كان قد مات بالفعل كعقوبة بسبب الخطية، أو ليدفع فدية حريتنا. غير أنه في هذه الحالة ما كان سيصبح لآلامه أية قوة تؤثر في حياتنا. وكان بولس على يقين تام أنه لولا القيامة لكان الصليب مجرد نقطة لاهوتية مثيرة، ويعجز عن أن يكون له أي تأثير دائم في حياة الناس العاديين. غير أنه بسبب القيامة، اكتشف بولس حياة جديدة “لأن لي الحياة هي المسيح”[11]. وكان على ثقة من أن هذا سيصبح الاختبار العادي لكل من هو مسيحي: فيسوع المسيح يعيش بالفعل في أولئك الذين يكرسون أنفسهم له.

لكن قيامة يسوع لها تداعيات أخرى بالنسبة لأولئك الذين فيهم حياة المسيح بالفعل. فهناك جزء هام من تعاليم يسوع هو أن تلاميذه يشاركون في “الحياة الأبدية”[12]. وهذه الحياة الأبدية تتضمن أمرين: فمن ناحية تشير العبارة إلى أن المسيحيين يتمتعون بنوعية جديدة من الحياة. “فالحياة الأبدية” هي حياة الله. وحين كتب بولس عن اختباره الشخصي كاختبار المسيح الذي يحيا فيه، كان بكل أمانة يفسر تعليم المسيح نفسه.

إلا أنه لكي تكون لك نوعية الحياة التي لله، فليس هذا معناه أن للمسيحيين فعالية جديدة للحياة في هذا العالم فحسب، بل أن هذا يعني أيضاً أن للمسيحيين حياة لا تنتهي إطلاقاً. وهذا جزء آخر من تعليم يسوع دعمه بولس وأكده بقوله إن يسوع المقام “صار باكورة الراقدين”[13] وهو يقصد بهذا أن قيامة المسيح هي عربون ووعد بأن تلاميذه أيضاً سينقذون من الموت. فالذين يشاركون آلام المسيح وقيامته بمعنى روحي، لهم يقين حياة بعد القبر، وهي حياة يسيطر عليها وجود الله مثل حياتهم الحاضرة. ولكنها ستكون أيضاً حياة مميزة وجديدة، لأن للمسيحيين أن يتوقعوا المشاركة في الحقيقة الكاملة لنوعية الحياة التي ليسوع الآن – حياة تم فيها قهر الموت والخطية إلى الأبد، واستبدلت بالغلبة التي أعطاها لهم الله “بربنا يسوع المسيح”[14].

ولكي نفهم المضامين الكاملة لذلك، علينا الآن أن نتأمل تعليم يسوع عن طبيعة مجتمع الله الجديد “ملكوت الله”.

 

[1] 1كورنثوس 15: 17.

[2] أعمال 1: 21-22.

[3] غلاطية 1: 11-17.

[4] 1كورنثوس 15.

[5] 1كورنثوس 15: 6-8.

[6] مرقص 9: 9-10.

[7] أعمال 2: 36.

[8] رومية 1: 4.

[9] غلاطية 2: 20.

[10] رومية 6: 1-11.

[11] فيلبي 1: 21.

[12] يوحنا 3: 15؛ 4: 14؛ 17: 3.

[13] 1كورنثوس 15: 20.

[14] 1كورنثوس 15: 57.

إقرأ أيضاً: