الرئيسية / أبحاث / هل نستطيع التعامل مع الحق؟

هل نستطيع التعامل مع الحق؟

هل نستطيع التعامل مع الحق؟

هل نستطيع التعامل مع الحق؟
هل نستطيع التعامل مع الحق؟

هل نستطيع التعامل مع الحق؟

 

“يتعثر الناس في الحق من آن لآخر، ولكن معظمهم ينهضون ويركضون بعيداً عنه وكأن شيئاً لم يكن”.

                                                                      “وينستون تشرتشل”Winston Charchill

في فيلم “القليل من الرجال الصالحين” A Few Good Men يلعب “توم كروزTom Cruise دور محامٍ في البحرية الأمريكية يستجوب عقيد مشاة، يقوم بدوره “جاك نيكولسون Jack Nicholson بخصوص مقتل أحد رجال “نيكولسون”. ويتحول مشهد قاعة المحكمة الدرامي إلى مباراة للصياح عندما يتهّم “كروز” “نيكولسون” بالتورط في جريمة القتل:

كروز: سيادة العقيد، هل أعلنت حالة الطوارئ؟

القاضي: لست مضطراً لإجابة ذلك السؤال!

نيكولسون: سأجيب عن السؤال…. أتريد إجابات؟

كروز: أظنها من حقي.

نيكلوسون: تريد إجابات!

كروز: أريد الحق!

نيكولوسن: لن تستطيع التعامل مع الحق!

ربما كان :نيكولسون” يصيح في أمريكا بأسرها وليس في “كروز”، لأنه يبدو أن الكثيرين في بلدنا لا يستطيعون التعامل مع الحق. فنحن من ناحية نريد الحق في كل مجالات حياتنا تقريباً. فنحن مثلاً نطلب الحق من:

  • أحبائنا (لا أحد يريد أكاذيب من شريكة حياته أو أبنائه).
  • الأطباء (نريدهم أن يصفوا لنا الدواء الصحيح ويُجروا لنا العمليات الصحيحة).
  • سماسرة البورصة (نريدهم أن يخبرونا بالحق عن الشركات التي ينصحون بها).
  • المحاكم (نريدها ألا تحكم إلا على المذنبين حقيقةً).
  • أصحاب الأعمال (نريدهم ان يخبرونا بالحق ويدفعوا أجورنا بالعدل).
  • الخطوط الجوية (نريد طائرات آمنة بحق وطيارين جادين بحق).

ونتوقع كذلك أن نجد الحق عندما نطالع أحد المراجع، أو نقرأ مقالاً، أو نشاهد خبراً. ونريد الحق أيضاً من المُعلِنين، والمدرسين، والساسة. ونحن نفترض ان اللافتات المرورية، وزجاجات الأدوية، والمعلومات المُبيًنة على عبوات الطعام تكشف الحق. إننا في الواقع نطالب بالحق في كل نواحي الحياة تقريباً التي تؤثر على أموالنا، أو علاقاتنا، أو أماننا، أو صحتنا.

ولكننا من ناحية أخرى، لاغم إصرارنا على الحق في تلك المجالات، لا نكترث بالحق في مجال الأخلاق والدّين. بل إن الكثيرين يرفضون رفضاً قاطعاً فكرة أن أي دين يمكن أن يكون حقاً.

ومؤكًد أنك لاحظت ما في هذا الموقف من تناقض كبير. لماذا نطالب بالحق في كل شيء ما عدا الأخلاق والدّين؟ لماذا عندما نتكلم عن الأخلاق أو الدين نقول: “هذا حق بالنسبة لك ولكن ليس بالنسبة لي”، رغم أن هذا الكلام الفارغ لا يخطر لنا ببال عندما نتحدث إلى سمسار في البورصة عن أموالنا أو إلى طببيب عن صحتنا؟

إن رفضنا للحق الديني والأخلاقي غالباً ما يرجع لأسباب إرادية أكثر منها فكرية، وإن كان القليلين هم الذين يعترفون بهذا. فنحن لا نريد أن نحاسَب بمقتضى أي معايير أخلاقية أو عقيدة دينية. وهو ما يجعلنا نقبل كالعميان مزاعم الحق التي تُفنّد نفسها بإثبات عكس ما تريد أن تُثبته self-defeating  التي يطلقها المُفكّرون ذوو الكياسة الاجتماعية عندما يخبروننا أنه لا يوجد حق، كل شيء نسبي، ليس هناك مطْلقات، إنها مسألة رأي، لا تحكم، الدين يختص بالإيمان لا بالحقائق. وربما اصاب أغسطينوس حين قال إننا نحب الحق عندما ينيرنا، ولكننا نكرهه عندما يُبكّتنا. من المحتمل أننا لا نستطيع التعامل مع الحق.

وحتى نعالج هذا الانفصام الثقافي، علينا أن نجيب عن أربعة أسئلة بخصوص الحق:

  1. ما هو الحق؟
  2. هل معرفة الحق ممكنة؟
  3. هل معرفة الحق المختص بالله ممكنة؟
  4. ماذا يعنينا؟ مَن يهتم بالحق؟

سنناقش هذه الأسئلة في هذا الفصل والفصل القادم.

ما هو الحق؟ حقيقة الحق

ما هو الحق؟ الحق بمنتهى البساطة هو “قول الشيء كما هو”. فالوالي الروماني بيلاطس عندما سأل يسوع: “ماهو الحق؟” منذ قرابة ألفي عام، لم ينتظر ليسمع إجابة يسوع، ولكنه سرعان ما تصرّف وكأنه يعرف على الأقل شيئاً من الحق. فقد قال عن يسوع: “أنا لست أجد فيه علة واحدة” (انظر يو18 :38). وبإعلان بيلاطس براءة يسوع كان “يقول الشيء كما هو”.

ويمكن تعريف الحق أيضاً بأنه “ما يتوافق مع موضوعه” أو “ما يصف الواقع”. فقد كان حكم بيلاطس صحيحاً لأنه كان يتفق مع موضوعه، ووصف الواقع وصفاً دقيقاً. فيسوع كان بريئاً بالفعل.

وخلافاً لما يُدَرّس في الكثير من المدارس الحكوميةن الحق مطلق وليس نسبياً. فإن كان شيء ما صحيحاً، فهو يصح لكل الناس، وفي كل وقت، وفي كل مكان. كل مزاعم الحق مطلقة، وضيقة، وإقصائية. خذ مثلاً الزعم القائل بأن “كل الأشياء حق”. إنه زعم مطلق، ضيق، إقصائي. فهو يقصي عكسه (أي أنه يزعم أن الجملة التي تقول إن “ليست كل الأشياء حقاً” جملة خاطئة). والواقع أن أي حق يقصى كل ما هو ضده، حتى الحق الديني.

وهو ما تبين على نحو مضحك منذ عدة سنوات عندما كنتُ (أنا “نورم”) أناظر المفكر الإنساني الديني[1] “مايكل قسطنطين كولندا” Michael Constantine Kolenda . وكان من الملحدين القلائل الذين ناظرتهم ممن قرأوا كتابي “الدفاعيات المسيحية” Christian Apologetics قبل المناظرة.

وعندما حان دوره ليتكلم رفع كتابي قائلاً: “هؤلاس المسيحيون ضيقو الأفق للغاية. لقد قرأت كتاب الدكتور “جايسلر”. أتعرفون ما يؤمن به؟ يؤمن أن المسيحية صحيحة وكل ما يتعارض معها خطأّ هؤلاء المسيحيون ضيقوا الأفق للغاية!”.

“كولندا” أيضاً ألَّف كتاباً قراته قبل المناظرة. وكان عنوانه: “دين بدون الله” Religion without God (مثل قصة حب بدون محبوب!). وعندما حان دوري للكلام رفعت كتاب “كولندا” قائلاً: “هؤلاء الإنسانيون ضيقوا الأفق للغاية. لقد قرات كتاب الدكتور “كولندا”. أتعرفون ما يؤمن به؟ يؤمن أن الإنسانية صحيحة وكل ما يتعارض معها خطأ! هؤلاء الإنسانيون ضيقوا الأفق للغاية!”.

فضحك الجمهور لأنهم فهموا القصد. إن مزاعم الحق الإنسانية ضيقة ضيق مزاعم الحق المسيحية، لأنه إن كانت المسيحية صحيحة، فقك ما يتعارض مع الإنسانية خطأ. وبالمثل، إن كانت المسيحية صحيحة، فكل ما يتعارض مع المسيحية خطأ.

وهناك الكثير من الحقائق الأخرى عن الحق. وإليك بعضها:

  • الحق يُكتشف ولا يُخترع. فهو يوجد بالاستقلال عن معرفة اي شخص به. (الجاذبية كانت موجودة قبل”نيوتن”).
  • الحق يشمل كل الثقافات. أي أنه غن كان شيء ما حقاً، فهو حق عند كل الناس، وفي كل الأماكن، وفي كل الأوقات (2+2=4 عند الجميع، وفي كل مكان، وفي كل وقت).
  • الحق لا يتغير رغم أن معتقداتنا عن الحق تتغير. (عندما بدأنا نعتقد أن الأرض كروية بعد ان كنا نعتقد أنه مسطحة، الحق بخصوص الأرض لم يتغير. ما تغيَّر هو اعتقادنا بخصوص الأرض).
  • المعتقدات لا تستطيع أن تغير حقيقة، مهما كان صدق أصحابها في اعتناقهم لها. (فيمكن أن يعتقد شخص ما بصدق أن الأرض مسطحة، ولكن هذا الاعتقاد لا يفعل شيئاً سوى أنه يجعل الشخص مخطئاً بصدق).
  • الحق لا يتأثر بحالة الشخص الذي يعلنه. (فإن كان الشخص مغروراً، غروره لا يجعل الحق الذي يعلنه خاطئاً. وإن كان الشخص متواضعاً، تواضعه لا يجعل الخطأ الذي يعلنه حقاً).
  • كل الحق هو حق مطلق. وحتى الحق الذي يبدو نسبياً هو في الحقيقة مطلق. (مثلاً جملة “أنا فرانك تورك أشعر بالدفء يوم 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2003” قد تبدو حقاً نسبياً، ولكن شعور “فرانك تورك” بالدفء في ذلك اليوم هو أمر حقيقي بصفة مطلقة بالنسبة لكل شخص في كل مكان).

وإيجازاً نقول إن وجود معتقدات متضادة أمر وارد، ولكن وجود حقائق متضادة مستحيل. يمكننا أن نعتقد أن كل شيء صحيح، ولكننا لا نستطيع أن نجعل كل شيء صحيحاً.

هذه الأفكار تبدو واضحة وضوحاً كافياً. ولكن كيف نتعامل مع الفكر الحديث الذي يدعي أنه لا يوجد حق؟ يمكننا أن نستعين باثنتين من الشخصيات الكارتونية لمساعدتنا.

خطة رود رَنَر

إن قال لك أحدهم: “عندي لك فكرة ستُحدث قطعاً تغييراً جذرياً في قدرتك على سرعة التعرف على العبارات الخاطئة والفسلفات الخاطئة التي تنتشر في ثقافتنا وتُمكّنك من تحديدها بوضوح”، هل ستهتم أن تعرف الفكرة؟ هذا ما سنفعله هنا. والحقيقة اننا إن أردنا أن نختار أقيَم قدرة فكرية تعلمناها أثناء سنوات دراستنا الطويلة في كلية اللاهوت والدراسات العليا، سنختار القدرة على تحديد ودحض الجمل المتناقضة التي تُفنِّد نفسها self-defeating statements ونورد هنا موقفاً من برنامج إذاعي حوراي يوضح ما نعنيه بالعبارات التي تُفَنًّد نفسها.

كان “جيري” Jerry مقدِّم البرنامج الليبرالي يستقبل مكالمات هاتفية في موضوع الأخلاق. وبعد أن سمعه العديد من المتصلين يزعمون بجرأة ان موقفاً أخلاقياص بعينه هو حق، انبرى أحد المتصلين قائلاً: “جيري… جيري، ليس هناك شيء اسمه الحق”.

فأسرعت (أنا “فرانك”) أبحث عن الهاتف وبدأت أطلب الرقم وقد استشطتُ غضباً. مشغول. مشغول. مشغول. أرد أن أتصل بالبرنامج وأقول “جيري، أوجه سؤالي للرجل الذي قال “ليس هناك شيء اسمه الحق” : هل ما تقوله حق؟”.

ولكني لم أتمكن أبداً من إجراء المكالمة. وبالبطبع اتفق “جيري” مع المتصل، دون أن يدرك مطلقاً أن إدعاءه يستحيل أن يكون صحيحاً لأنه يفنَّد نفسه.

العبارة التي تفند نفسها هي عبارة تعجز عن التوافق مع المعيار الذي تحدده. ومؤكد أنك أدركت أن عبارة المتصل التي تقول “لا يوجد شيء اسمه الحق” تدعي أنها حق، ومن ثم تفنَّد نفسها. إنها تشبه من يقول: “لا أتحدث كلمة واحدة بالعربية”. إن قال أحدهم ذلك، لا بد أنك ستجيب قائلاً: “لحضة من فضلك! بالتأكيد عبارتك خاطئة لأنك قلتها باللغة العربية!”.

التصريحات المنتاقضة التي تفند نفسها تُطلق باستمرار في ثقافة ما بعد الحداثة التي نشهدها اليوم، وما إن تشحذ قدرتك على رصدها حتى تتمكن من الدفاع عن الحق بمنتهى الجرأة. فلا شك أنك سمعت أشخاصاً يقولون مثلاً: “كل الحق نسبي”، “ليس هناك مطلقات”. ولكنك الآن ستتسلح بالسلاح اللازم لدحض هذه العبارات السخيفة بسهولة بأن تكشف عجزها عن بلوغ ما وضعتْه من مقاييس. أي أنك عندما تقلب العبارة المتناقضة على نفسها يمكنك أن تكشف خواءها.

ونحن نطلق على عملية قلب العبارة المتناقضة على نفسها خطة “رود رَنَر” Road Runner Tactic لأنها تذكرنا بالشخصيتين الكارتونيتين “رود رَنَر” و”وايل إي. كويوت[2]Qile E. Coyote. وربما تَذْكُر من أفلام الكارتون التي كانت تُعرض صباح السبت أن الكويوت كان شغله الشاغل وهَمَّه الأوحد أن يطارد “رود رَنَر” السريع ويتناوله على العشاء. ولكن “رود رَنَر” شديد السرعة وحاد الذكاء. فحالما يحرز الكويوت نوعاً من الانتصار، يتوقف “رود رَنَر” فجأة على حافة الجُرف ويترك الكويوت الذي يركض وراءه معلقاً في الهواء على لا شيء. وما إن يدرك الكويوت أنه لا أرض تحته يقف عليها حتى يهوي إلى قاع الوادي ويسقط في كومة من الرمال.

وهذا هو بالضبط ما تستطيع خطة “رود رَنَر” أن تفعله مع النسبيين وما بعد الحداثيين في يومنا هذا. إنها تساعدهم أن يدركوا أن حججهم أضعف من أن تحملهم. ولذلك، يهوون إلى القاع ويسقطون في كومة من الرمال. وهو ما يجعلك تبدو في منتهى العبقرية! فلنأخذ خطة “رود رَنَر” إلى الجامعة ونشرح لك ما نقصده.

العدَّاء رود رَنَر يذهب إلى الجامعة

إن اكثر من يحتاجون اليوم لخطة “رود رَنَر” هم طلاب الجامعات. لماذا؟ لنك إن استمعت للكثير من أساتذة جامعاتنا، ستجدهم يقولون لك إنه لا يوجد حق. ولكن المدهش أن الآباء والأمهاب في العالم أجمع ينفقون فعلياً آلاف الدولارات على التعليم الجامعي حتى يتعلم أبناؤهم وبناتهم ولكن المدهش أن الآباء والأمهاب في العالم أجمع ينفقون فعلياً آلاف الدولارات على التعليم الجامعي حتى يتعلم أبناؤهم وبناتهم “الحق” القائل بعدم وجود حق، ناهيك عن غير ذلك من التصريحات المتناقضة التي تفند نفسها مثل: “كل الحق نسبي” (هل هذه الجملة حق نسبي؟)، “ليس هناك مُطْلَقات” (هل أنت متأكد بصفة مطلقة؟)، “إنه حق بالنسبة لك ولكن ليس بالنسبة لي” (هل هذه العبارة حق بالنسبة لك فقط، أم أنها حق بالنسبة للجميع؟)| حق بالنسبة لك ليس بالنسبة لي” هي الشعار الببغائي العصري، ولكن الواقع أن العالم لا يسير هكذا. جرِّب مثلاً أن تردد هذا الشعار لصَرَّاف البنك، أو ضابط الشرطة، أو مصلحة الضرائب وانظر إلى أين يؤدي بك؟

وهذه الشعارات الحديثة خاطئة بالطبع لأنها تفنِّد نفسها بسبب تناقضها. ولكننا نريد أن نوجِّه بضعة أسئلة لمن لا يزالون يقبلونها قبولاً أعمى: إن لم يكن هناك أي حق، فلماذا تحاولون أن تتعلموا أصلاً؟ ما الذي يضطر أي طالب أن يستمع لأستاذه؟ فمهما كان، الأستاذ لا يملك الحق. ما معنى الذهاب إلى المدرسة أو الجامعة، وبالأحرى دفع مصروفاتها؟ وما معنى الابتعاد عن الممنوعات الأخلاقية التي يحدِّدها الأستاذ من الغش في الامتحانات والسرقة الفكرية في الأبحاث الدراسية؟

الأفكار لها عواقب. الأفكار الصالحة تأتي بعواقب صالحة، والأفكار السيئة تأتي بعواقب سيئة. والحقيقة أن الكثير من الطلاب يدركون تداعيات هذه الأفكار السيئة لما بعد الحداثة ويتصرفون بناءً عليها. فإن علَّمنا طلابنا أنه لا يوجد صواب ولا خطأ، لماذا نندهش عندما يطلق اثنان من الطلاب الرصاص على زملائهم، أو عندما تترك أمٌّ مراهِقةٌ رضيعها في صندوق القمامة؟ لماذا يجب أن يفعلوا “الصواب” ونحن نُعلمِّهم أنه ليس هناك “صواب”؟

لقد كشف “سي. إس. لويس” C.S.Lewis عبثية انتظار الفضيلة من أناس تعلّموا أنه لا توجد فضيلة: “بنوع من السذاجة المقيتة نستاصل العضو ونطالب بأداء وظيفته. نصنع رجالاً بلا قلب وننتظر منهم الفضيلة وحسن السلوك. نستهزئ بالشرف ونُصْدم عندما نكتشف خونة فيما بيننا. إننا كمن يخصي خيله ويتوقع منها أن تتكاثر.

إن حقيقة الأمر أن: الأفكار الخاطئة عن الحق تؤدي إلى أفكار خاطئة عن الحياة. وفي الكثير من الأحيان هذه الأفكار الخاطئة تبرِّر ظاهرياً سلوكيات غير أخلاقية بالمرَّة. لأنك إن قتلت مفهوم الحق، عندئذٍ يمكنك أن تقتل مفهوم أي ديانة صحيحة أو أي أخلاق صحيحة.

وقد حاول الكثيرون في ثقافتنا أن يفعلوا ذلك، والأربعون سنة الماضية من الانحدار الديني والأخلاقي تشهد على نجاحهم. فللأسف أن العواقب الوخيمة التي ترتبت على جهودهم ليست صحيحة بالنسبة لهم فقط، ولكنها صحيحة بالنسبة لنا جميعاً.

إذَن الحق موجود. ولا يمكن إنكاره. ومَن ينكرون الحق يزعمون هذا الزعم المتناقض عن الحق الذي يقول بعدم وجود حق. وهم يشبهون في ذلك “الدب ويني” Winnie the Pooh يجيبون قارع الباب قائلين: “لا أحد في البيت”.

فلنرَ الآن كيف يمكن أن تساعدنا خطة “رود رَنَر” في الرد على الزعم المتشكك في الحق الذي يقول إنه “يستحيل أن نعرف الحق”.

هل معرفة الحق ممكنة؟ قَرَعات على الباب….

يؤمن المسيحون بأن عليهم أن يطيعوا وصية يسوع حين قال: “فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم” (مت28: 19). ولمساعدة المسيحيين في القيام بهذه “المأمورية العظمي”، ابتكر “دي جيمز كينيدي” D.James Kennedy أسلوباً كرازياً يعتمد على قرع أبواب البيوت، يطلق عليه “انفجار الكرازة” Evangelism Explosion (EE). وإن كنت مسيحياً، أسلوب “انفجار الكرازة” يتيح لك أن تحدِّد بسرعة موقع الشخص روحياً. فبعد أن تقدِّم نفسك، تسأل من يفتح لك الباب أسئلة من قبيل:

  1. هل لي أن أسألك سؤالاً روحياً؟
  2. إن انتهت حياتك الليلة ووقفت أمام الله، وسألك الله، “لماذا أُدْخِلك إلى سمائي؟” بم ستجيب؟

معظم الناس لديهم من الفضول ما يجعلهم يرُدّون بالإيجاب على السؤال الأول. (إن قالوا: “ماذا تقصد بالسؤال الروحي؟” تنتقل إلى السؤال الثاني). أما عن السؤال الثاني، فدليل “انفجار الكرازة” يتوقع أن غير المسيحي عادة ما يقدم إجابة “الأعمال الصالحة”. فهو يقول شيئاً مثل: “الله سيقبلني لأني شخص صالح في الأساس. لم أقتل أحداً. أذهب إلى الكنيسة. أعطي الفقراء….” في هذه الحالة يخبرك دليل “انفجار الكرازة” أن تجيبه بالإنجيل (يعني حرفياً “الخبر السار”): أن الجميع (بما فيهم أنت) قَصُروا عن بلوغ مستوى كمال الله، وما من أعمال صالحة يمكنها أن تمحو حقيقة أنك ساقط فعلياً في الخطية، لكن الخبر السار أنه يُمكِنك أن تخلص من العقاب بأن تثق في المسيح الذي تَحَمَّل العقاب نيابةً عنك.

ورغم ما حقَقه هذا الأسلوب من نجاح ملحوظ، بعض غير المسيحيين لا يجيبون عن السؤالين كما هو متوقع. فمثلاً، قررتُّ (أنا “نورم”) ذات ليلة أن أستخدم أسلوب “انفجار الكرازة” في الشوارع مع أحد إخوتي من أعضاء الكنيسة. وإليك ما حدث:

قَرَعنا الباب.

“من الطارق” (فتح رَجُل الباب).

رفعت يدي محيياً وقلت: “مساء الخير. اسمي “نورم جايسلر”، وهذا صديقي رولاند. نحن من الكنيسة الواقعة في نهاية الشارع”.

أجاب الرجل وهو يتفحصنا بعينيه: “أنا “دون” Don“.

فبادرته فوراً بالسؤال الأول: ” “دون” هل عندك مانع أن نسألك سؤالاً روحياً؟”

أجاب “دون” بثقة وكأنه يتوق لتناول لَكْمة كتابية بدلاً من حلوى العشاء: “لا، تفضل”.

فطرحت عليه السؤال الثاني: ” “دون”، إذا انتهت حياتك الليلة ووقفت أمام الله، وسألك الله: “لماذا أُدْخلك إلى سمائي؟” بم ستجيب؟”.

فأجاب “دون” غاضباً: “سأقول لله: “ولماذا لا تُدخلني إلى سمائك؟”

مفاجأة … لا يُفترض أن يقول ذلك! أقصد هذه الإجابة ليست في الكتيب!

بعد لحيظة من الارتباك رفعتُ صلاة سريعة وأجبت: ” “دون”، إن قرعنا بابك وأردنا الدخول إلى بيتك، فقلت لنا: “لماذا أُدخلكم إلى بيتي؟” فقلنا: “ولماذا لا تُدْخلنا؟” ماذا تقول؟”

أشار “دون” بإصبعه نحو صدري وأجاب بحزم: “سأخبركما إلى أين تذهبان!”

فرددتُّ فوراً: “هذا بالضبط ما سيقوله الله لك!”

صُعِق “دون” لحظة ولكنه بعدئذ ضيَّق عينيه وقال: “الحقيقة أنا لا أؤمن بالله. أنا ملحد”.

“أنت ملحد؟”

“بالضبط”.

فسألته: “هل أنت متيقن يقيناً مطلقاً أن الله غير موجود؟”

فصمت ثم قال: “لا لستُ متيقناً يقيناً مطلقاً. أظن أنه من المحتمل أن يكون هناك إله”.

فأخبرته: “إذاً أنت لستَ ملحداً حقيقياً. أنت لا أدري، لأن الملحد يقول “أنا أدري أن الله غير موجود”. واللاأدري يقول: “لستُ أدري إن كان الله موجوداً”.

فاعترف قائلاً: “آه… وهو كذلك. إذاً أظن أني لا أدري”.

يا له من تقدُّم! بسؤال فقط انتقلنا من الإلحاد إلى اللاأدرية! ولكن بقي عليَّ أن أكتشف نوع اللاأدريين الذي ينتمي إليه “دون”.

فسألته: ” “دون”، أي نوع من اللاأدريين أنت؟”

فسألني ضاحكاً: “ماذا تقصد؟” (محتمل أنه كان يقول لنفسه “منذ دقيقة واحدة كنتُ ملحداً. لا أعلم أنا أي نوع من اللاأدريين الآن!”)

فشرحت قائلاً: ” “دون” اللاأدريون نوعان. الأول هو اللاأدري العادي الذي ييقول إنه لا يعرف أي شيء على وجه اليقين، والثاني هو اللاأدري العنيد الذي يقول إنه لا يستطيع أن يعرف أي شيء على وجه اليقين”.

أجاب “دون” واثقاً: “أنا من النوع العنيد. لا تستطيع أن تعرف أي شيء على وجه اليقين”. وهنا رأيت أن زعمه متناقض يفند نفسه، فأطلقت خطة “رود رَنَر” وسألته: ” “دون”، إن كنت تقول إنك لا تستطيع أن تعرف أي شيء على وجه اليقين، فكيف تعرف ذلك على وجه اليقين؟”

فقال متحيراً: “ماذا تقصد؟”

فشرحتُ له باسلوب مختلف قائلاً: “كيف تعرف على وجه اليقين أنك لا تستطيع أن تعرف أي شيء على وجه اليقين؟”

لاحظت بريق الفهم بدأ يطل من عينيه، لكني قرَّرت ان أضيف نقطة أخرى: “ثم إنك يا “دون” لا تستطيع أن تتشكك في كل شيء لآن هذا يعني أنك لابد أن تتشكك في الشك، ولكنك كلما شككت في الشك، ازداد يقينك”.

فبدأ يلين، وقال: “أظن أني فعلاً أستطيع أن أعرف شيئاً على وجه اليقين. مؤكد أني لا أدري عادي”.

وهنا بدأنا فعلاً نصل إلى نقطة محددة. فبالقليل من الأسئلة انتقل “دون” من الإلحاد مروراً باللاأدرية العنيدة إلى اللاأدرية العادية.

فاستطردتُ قائلاً: ” مادمت تعترف الآن أنك تستطيع أن تعرف، لماذا لا تعرف إن كان الله موجوداً؟”

فهز كتفيه قائلاً: “أظن لآنه ما من أحد بيَّن لي أي أدلة”.

وهنا سألته سؤالاً بمليون دولار: “هل ترغب في الاطلاع على بعض الأدلة؟”

فأجاب: “بالتأكيد”.

وهذا هو أفضل نوع من الأشخاص يمكنك أن تتحدث إليه: شخص يريد أن ينظر نظرة صادقة للأدلة. فالإرادة ضرورية لأن الأدلة لا تستطيع أن تقنع مَن لا يريد.

وبما أن “دون” كانت له الإرادة، أعطيناه كتاباً بقلم “فرانك موريسون” بعنوان “من دحرج الحجر” Who Moved the Stone  وقد كان “موريسون” شكوكياً عزم أن يكتب كتاباً يفند فيه المسيحية، ولكنه بدلاص من أن يكتب الكتاب اقتنع بالأدلة أن المسيحية صحيحة بالفعل. (والحقيقة أن الفصل الأول من كتاب “من حرَّك الحجر؟” “عنوانه ” الكتاب الذي أبى أن يُكتب” “The Book That Refused to Be Written” ).

ثم زرنا “دون” بعد فترة قصيرة. ووصف الأدلة التي قدمها “موريسون” بأنها “مقنعة جداً” وبعد عدة أسابيع في دراسة لإنجيل يوحنا، قَبِل “دون” يسوع المسيح رباً ومخلصاً شخصياً.

اليوم “دون” يخدم في إحدى الكنائس المعمدانية بالقرب من “سانت لويس” في ولاية ميزوري. وعلى مدى سنوات وهو يقود حافلة الكنيسة صباح الأحد ليأتي بأطفال الحي الذين لا يذهب آباؤهم وأمهاتهم إلى الكنيسة. وخدمته تُمثِّل لي (أنا “نورم”) قيمة خاصة لأن رَجلين مثل “دون” (مستر “كوستي” Costie ومستر “سويتلاند” Sweetland) أخذاني إلى الكنيسة بالحافلة أكثر من 400 مرة، كل يوم أحد منذ سن التاسعة حتى السابعة عشر. وقبولي للمسيح في سن السابعة عشر يرجع الفضل الأكبر فيه لخدمة الحافلة هذه. أظن أن المثل القائل “كما تزرع تحصد” مثل صحيح، حتى إن كانت حافلة مدرسة الأحد.

هل يمكن أن تكون كل الديانات صحيحة؟

الدرس الذي نستخلصه من قصة “انفجار الكرازة” هو أن اللاأدرية التامة أو الشكوكية التامة تفنِّد نفسها. فاللاأدريون والمتشككون يزعمون زعماً بخصوص الحق يقول إننا لا نستطيع أن نزعم أي شيء بخصوص الحق. وهم يقولون إننا لا نستطيع أن نعرف الحق، ولكنهم بعدئذ يزعمون أن موقفهم هذا حق، ولكن من المستحيل أن يجمعوا بين الاثنين.

لذا فقد أثبتنا أن معرفة الحق ممكنة. بل إن الحق لا يمكن إنكاره. ولكن ألا يمكن أن تكون كل الديانات صحيحة؟ مما يؤسَف له أن اللغط المرتبط بهذا السؤال لا يقتصر على الدوائر العلمانية فحسب، بل حتى بعض قسوس الكنائس متحيرون في هذا السؤال.

وقد سمع البروفسور “رونالد ناش” Ronald Nash الأستاذ بكلية اللاهوت عن مثال جيد على ذلك. فقد أخبرنا عن أحد طلابه منذ بضع سنوات ذهب لقضاء عطلة الكريسماس في بيته في مدينة “بولينج جرين” Bowling Green بولاية كنتاكي. وأثناء العطلة قرّر هذا الطالب الذي يؤمن بالكتاب المقدس أن يغامر ويحضر خدمة الأحد في كنيسة لم يذهب إليها من قبل. ولكن ما إن نطق القس بأول جملة في عظته، حتى أدرك الطالب خطأه، فقد كانت القس يناقض الكتاب المقدس.

وهكذا بدأ  القس: “موضوع عظتي هذا الصباح أن كل المعتقدات الدينية صحيحة!” وأخذ الطالب يتلوى في مقعده، بينما استمرّ القس يؤكِّد لكل شخص في الحاضرين أن كل ما لديه من عقائد دينية “حق”!

وبعد إنتهاء العظة أراد الطالب أن يَنسَل خارجاً دون أن يلحظه أحد، ولكن القس، ضخم الجثة، وقف بردائه على الباب يحتضن كل شخص بقوة عند خروجه.

فحيّا القس الطالب وساله بصوت جهوري: “من أين أنت يا ابني؟”

“أنا من “بولينج جرين”، سيدي. أتيت من كلية اللاهوت لقضاء العطلة مع أسرتي”.

“كلية اللاهوت! ممتاز. إذاً ما هي معتقداتك الدينية يا بُنَيّ؟”

“سيدي، أُفضِّل أن أحتفظ بها لنفسي”.

“لماذا يا بُنَيّ؟”

“لأني لا أريد أن أؤذيك، سيدي”.

“لا يا بُنَيّ. لن تؤذيني. وأياً كاننت معتقداتك فهي صحيحة. بمَ تؤمن إذاً؟”

فأذعن الطالب وقال: “حسناً”. ومال نحو القس وأحاط فمه بيده وهمس: “سيدي، أنا أؤمن أنك ذاهب إلى الجحيم!”.

اشتعل وجه القس حمرة وهو يحاول أن يجد إجابة، ثم قال: “أنا، آه، أظن أني …. أخطأت! لا يمكن أن تكون كل المعتقدات الدينية صحيحة لأنه مؤكد أن معتقداتك لسيت صحيحة”.

بالطبع، كما أدرك القس، يستحيل أن تكون كل المعتقدات الدينية صحيحة لأن الكثير من المعتقدات الدينية متناقضة، أي أنها تُعلِّم مفاهيم عكس بعضها البعض. فمثلاً المسيحيون المحافظون يؤمنون أن من لم يقبل المسيح مخلِّصاً اختار جهنم مصيراً أبدياً له. والكثير من المسلمين أيضاً يؤمنون أن غير المسلمين ذاهبون إلى جهنم، إلا أننا غالباً ما نتجاهل ذلك. والهندوس عموماً يؤمنون أن الجميع، بصرف النظر عن معتقداتهم، محبوسون في دائرة لا نهائية من تناسخ الأرواح حسب أعمالهم. وهذه المعتقدات المتناقضة لا يمكن أن تكون كلها صحيحة.

والحقيقة أن الأفكار المتناقضة في ديانات العالم تزيد عن الأفكار المتوافقة فيها. والفكرة القائلة بأن كل الديانات في جوهرها تُعلّم نفس التعاليم، لذا علينا أن نحب بعضنا بعضاً، تنم عن سوء فهم خطير لديانات العالم. فمعظم الديانات تتشابه في قانونها الأخلاقي نوعاً ما: لأن الله زرع الصواب والخطأ في ضمائرنا (سنناقشُ ذلك في الفصل السابع)، إلا أنها تختلف في كل القضايا الرئيسية تقريباً، بما فيها طبيعة الله، وطبيعة الإنسان، والخطية، والخلاص، والسماء، وجهنم، والخليقة!

فكّر فيها: طبيعة الله، طبيعة الإنسان، الخطية، الخلاص، السماء، جهنم، الخلييقة. تلك هي الموضوعات الكبيرة! وإليك بعضاً من تلك الاختلافات الكبيرة:

  • اليهود والمسيحيون والمسلمون يؤمنون، بصور مختلفة، بالله الخالق الحافظ، بينما يؤمن معظم الهندوس وأتباع العصر الجديد أن كل الموجودات جزء من قوة غير شخصية impersonal متوحجة مع الوجود pantheistic يطلقون عليها “الله”.
  • كثير من الهندوس يعتقدون أن الشر وَهْمٌ محضْ، في حين أن المسيحيين والمسلمين واليهود يؤمنون أن الشر حقيقة.
  • المسيحيون يؤمنون أن الإنسان يخلص بالنعمة في حين أن سائر الديانات جميعاً، إن كانت تؤمن بالخلاص أصلاً، تُعلِّم بنوع خاص من الخلاص على أساس الأعمال الصالحة (وتختلف فيما بينها اختلافاً كبيراً في تعريف “الصلاح” وفيما يخلص منه الإنسان).

وهي مجرد أمثلاة قليلة على الكثير من الاختلافات الجوهرية. اختلافات أكبر من استيعاب الفكرة القائلة بأن كل الديانات تتفق جوهرياً في تعاليمها.

 

 

الحق مقابل قبول الاختلاف

رغم أن معظم الديانات تحوي بعض المعتقدات الصحيحة، لا يمكن أن تكون كل المعتقدات الدينية صحيحة لأنها تقصي بعضها البعض، أي أنها تحوي تعاليم مضادة لبعضها البعض. وهو ما يعني أن بعض المعتقدات الدينية لا بد أن تكون خاطئة. ولكنك لا يجب أن تقول هذا الكلام في أمريكا اليوم. يجب أن “تقبل الاختلاف” بين كل المعتقدات الدينية. وفي ثقافتنا اليوم لم يعد “قبول الاختلاف” tolerance يعني أن تجبر نفسك على تحمُّل شيء تراه خاطئاً (طبيعي أنك لا تجبر نفسك على تحمُّل ما تتفق معه). ولكن قبول الاختلاف الآن يعني أنك يجب أن تقبل كل معتقد باعتباره صحيحاً! وهو ما يُعرف في المجال الديني باسم العددية الدينية، وتعني الاعتقاد بأن كل الديانات صحيحة، إلا أن هذا التعريف الجديد لقبول الاختلاف ينطوي على عدد من المشكلات.

أولاً، لابد أن نسجِّل امتناننا لما ننعم به من حرية دينية في هذا البلد، وأننا لا نؤمن بفرض ديانة بقوة القانون (انظر كتابنا “تشريع الأخلاق” Legislating Morality ). فنحن واعون تماماً بمخاطر عدم قبول الاختلاف الديني، ونؤمن أنه علينا أن نقبل مَن يختلفون عنا في العقائد الدينية ونحترمهم. إلا أن هذا لا يعني أنه علينا أن نعتنق شخصياً الفكرة المستحيلة القائلة بأن كل المعتقدات الدينية صحيحة. فيما أن المعتقدات الدينية المتضادة، يستحيل أن تكون كلها صحيحة، فلا معنى للتظاهر بأنها صحيحة. والحقيقة أن هذا التظاهر خطير على المتسوى الفردي. فإن كانت المسيحية صحيحة، فعدم إيمانك بها يهدِّد مصيرك الأبدي. وكذلك، إن كان الإسلام صحيحاً، فعدم إيمانك به يهدّد مصيرك الأبدي.

ثانياً، الزعم الذي يقول إنه “يجب ألا تتساءل في صحة المعتقدات الدينية لأي شخص” هو نفسه يمثِّل معتقداً دينياً يعتنقه التعدديون. ولكن هذا المعتقد في حد ذاته يتساوي في إقصائه للمعتقدات الأخرى وفي “رفضه للاختلاف” مع اي معتقد ديني يؤمن به المسيحي أو اليهودي. بمعنى أن التعدديين يرون أن كل المعتقدات غير التعددية خاطئة. لذا، فالتعدديون متصلبو الفكر ومنغلقو العقل، مثلهم مثل غيرهم ممن يطلقون مزاعم عن الحق في سوف الأفكار، ويريدون مِن كل مَن يختلف معهم أن يرى الأمور كما يرونها هم.

ثالثاً، منع التساؤل في صحة المعتقدات الدينية يُعبِّر أيضاً عن موقف أخلاقي مطلق. ما المانع أن نتسائل في صحة المعتقدات الدينية؟ هل هذا الفعل ضد الأخلاق؟ وإن كان كذلك، فمن الذي وضع هذا المعيار؟ هل يملك التعدديون أسباباً وجيهة تؤيد اعتقادهم بأننا يجب ألا نتساءل في صحة المعتقدات الدينية، أم إنه مجر راي شخصي يريدون أن يفرضوه علينا جميعاً؟ فإن لم يتمكنوا من أن يقدِّموا لنا أسباباً وجيهة لهذا المعيار الأخلاقي، لماذا نسمح لهم بفرضه علينا؟ ولماذا يحاول التعدديون فرض ذلك الموقف الأخلاقي علينا بأي حال؟ فهم بهذا لا “يقبلون الاختلاف”.

رابعاً، الكتاب المقدس يأمر المسيحيين أن يتساءلوا في صحة المعتقدات الدينية (مثلاً تث13: 1-5، 1يو4: 1، غل1: 8، 2كو11: 13، وغيرها). وبما أن التساؤل في صحة المعتقدات الدينية يدخل ضمن المعتقدات الدينية للمسيحيين، إذاً التعدديون يجب أن يقبلوا هذا المعتقد المسيحي أيضاً، وفقاً للمعيار الذي وضعوه بأنفسهم. ولكنهم لا يقبلونه طبعاً، فمن المضحك أن التعدديين، أنصار المفهوم الجديد لقبول الاختلاف، لا يقبلون الاختلاف على الإطلاق. فهم لا “يقبلون” إلا مَن يفق معهم، وهو ما لا يُعد قبولاً للاختلاف، أياً كان تعريف قبول الاختلاف.

خامساً، زَعْم التعدديين بأنه يجب ألا نتساءل في صحة المعتقدات الدينية مشتق من الحظر الثقافي الخاطء على إصدار الأحكام. إنَّ حظر إصدار الأحكام هو حظر خاطئ لأنه يعجز عن التوافق مع المعيار الذي يضعه: عبارة “يجب ألا تحكم” هي نفسها حكم! (التعدديون يسيئون تفسير كلام يسوع عن إصدار الأحكام (مت7: 1-5). فيسوع لم يمنع هذا النوع من إصدار الأحكام، ولكنه منَعَ فقط الحكم المرائي). بل الواقع أن الجميع، من تعددييين ومسيحيين وملحدين ولاأدريين، يصدرون أحكاماً. فالقضية ليست في إصدار الأحكام أو عدمه، ولكن في إصدار الأحكام الصحيحة.

وأخيراً، هل التعدديون مستعدون لقبول المعتقدات الدينية التي تعتنقها بعض الجماعات الإرهابية باعتبارها صحيحة، وخاصة عندما تقول تلك المعتقدات إن كل من لا يؤمنون بعقائدهم (ومنهم التعدديون) يجب قتلهم؟ هل هم مستعدون لقبول المعتقدات الدينية لمن يؤمنون بذبائح الأطفال أو غيرها من الأعمال الوحشية باعتبارها صحيحة؟ نتمنى لا.

صحيح أنه يجب علينا أن نحترم حقوق الآخرين في أن يؤمنوا بما يشاؤون، إلا أننا نكون أغبياء وغير محبين للآخرين إن قَبِلْنا ضمناً كل عقيدة دينية باعتبارها صحيحة. لماذا نكون غير محبين إن فعلنا ذلك؟ لأنه إن كانت المسيحية صحيحة، فإن أوحينا لأي شخص أن معتقداته الدينية المخالفة للمسيحية أيضاً صحيحة نكون غير محبين له. فتأكيد ما عنده من خطأ قد يبقيه في طريق الهلاك الأبدي. ولكن إن كانت المسيحية صحيحة، علينا أن نُعَرِّفه الحق بلطف، لأن الحق فقط هو الذي يستطيع أن يحرِّره.

كنت أعمى والآن أبصر

بم تخبرنا التعددية المذهلة للمعتقدات الدينية عن الحق الديني؟ للوهلة الأولى قد يظهر أن تعدد المعقدات المتناقضة يؤكد مَثَل الفيل الذي ذكرناه في المقدمة، أي أن الحق الديني لا يمكن معرفته. ولكن الحقيقة أن العكس هو الصحيح.

وللتذكِرة، نرى في هذا المثل ستة رجال مكفوفين يتفحصون فيلاً. وكل رجل يتحسس جزءاً مختلفاً من الفيل، ومن ثم يتوصل إلى استنتاج مختلف بخصوص الشيء الموجود أمامه. يمسك أحدهم بالناب ويقول: “هذا رمح!” ويمسك آخرُ الخرطومَ ويقول: “إنه ثعبان!” أما مَن يحتضن الساق يقول: “هذه شجرة!” والأعمى الذي يمسك الذيل يقول: “معي حبل!” ومن يتحسس الأذن يقول “إنها مروحة!” ومن ينحني على جانب الفيل يقول واثقاً” “إنه حائط!” ويقال إن هؤلاء الرجال العمليان يمثلون ديانات العالم لأن كلاً منهم يتوصل إلى استنتاج مختلف عما يتحسسه. ويقال لنا إنه ما من دين واحد يمتلك “الحق” بأل التعريف، مثل كل رجل من الستة العمي. فالحق الديني نسبي يختص بالفرد. إنه ذاتي، وليس موضوعاً.”

وقد يبدو هذا الكلام مقنعاً حتى تسأل نفسك سؤالاً واحداً: “ما منظور الشخص الذي يروي هذا المثل؟” حسناً، لنرَ الشخص الذي يروي هذا المثل… يبدو أن منظوره موضوعي للعملية كلها لأنه يدرك أن الرجال العميان مخطئون. بالضبط. والحقيقة أنه ما كان ليَعرف أن الرجال العميان مخطئون إلا إذا كان عنده منظور موضوعي لما هو صائب!

فإن كان راوي المثل يمكنه أن يدرك الأمر من منظور موضوعي، لِمَ لا يستطيع الرجال العمي ذلك؟ بإمكانهم ذلك، فإن تمَكَّن الرجال العمي من أن يروا فجأة، سيتمكنون هم أيضاً من إدراك خطئهم في البداية. سيدركون أن الكائن الموجود أمامهم فيل وليس حائطاً، ولا مروحة، ولا حبلاً.

 ونحن أيضاً نستطيع أن نرى الحق الديني. ولكن للأسف الكثير منَّا ممن ينكرون وجود حق في الدين ليسوا عمياناً فعلياً ولكنهم عميان عمداً. فقد لا نريد أن نعترف بوجود حق في الدين لن ذلك الحق سيُبَكِّتنا. ولكننا إن فتحنا أعيننا وتوقفنا عن الاختباء خلق هذا الكلام الفارغ الذي يفنِّد نفسه زاعماً أن معرفة الحق غير ممكنة، سنتمكن من رؤية الحق. ولن نرى الحق في المجالات التي نريده فيها فقط، كالمال، والعلاقات، والصحة، والقانون…. إلخ، بل الحق الديني أيضاً أيضاً. ونقول مع الأعمى الذي شفاه يسوع:” كنت أعمى والآن أبصر”.

وقد يقول المتشكك: “لحظة من فضلك! من المحتمل أن مَثَل الفيل ليس مُوفَّقاً، إلا أن ذلك لا يُثْبِت أن معرفة الحق الديني ممكنة. لقد أثْبَتَّ أن معرفة الحق ممكنة، ولكن ليس بالضرورة الحق الديني. أوَ لم يدحض “ديفيد هيوم” David Hume وكذلك “إيمانيول كانط” Immanuel Kant  فكرة الحق الديني؟”

بالقطع لا، وسنناقش السبب في الفصل التالي.

المخلص والخلاصة

  1. رغم ما تنضحه ثقافتنا من نسبية، فالحق مطلق، وإقصائي، وقابل للمعرفة. وإنكار الحق المطلق وإمكانية معرفته هو افتراض يفنِّد نفسه بإثبات عكس ما يريد أن يُثْبِت.
  2. خطة “رود رَنَر” تقلب الجملة على نفسها وتساعد في كشف الجُمَل المفنِّدة لنفسها (التي هي بالتالي خاطئة) التي أصبحت واسعة الانتشار اليوم. ومن هذه الجُمَل: “ليس هناك حق” (هل تلك الجملة حق؟)، “كل الحق نسبي” (هل تلك الجملة حق نسبي؟)، “لا يكنك أن تعرف الحق” (فكيف عرفت ذلك إذاً؟). في الأساس أي جملة لا يمكن تأكيدها (لأنها تناقض نفسها) لا بد أن تكون خاطئة. فالنسبيون يهزمون أنفسهم بمنطقهم.
  3. الحق لا يعتمد على مشاعرنا ولا استحساناتنا. فالشيء يكون صحيحاً سواء أعْجَبَنا أم لا.
  4. خلافاً للرأي الشائع، ديانات العالم الرئيسية لا “تُعَلِّم جميعاً تعاليم واحدة”. بل إنها تختلف فيما بينها اختلافات جوهرية ولا تتفق إلا في أمور سطحية. فلا يمكن أن تكون كل الديانات صحيحة لأنها تُعَلِّم تعاليم متناقضة.
  5. بما أنه يستحيل منطقياً أن تكون كل الديانات صحيحة، لا نستطيع أن نقبل التعريف الحديث لقبول الاختلاف الذي يطالبنا بقبول الفكرة المستحيلة القائلة بأن كل المعتقدات الدينية صحيحة. لذا، علينا أن نحترم معتقدات الآخرين، ولكن نخبرهم بالحق بمحبة. فمهما كان، إن كنتَ تحب الناس حقاً وتحترمهم، ستخبرهم بالحق المتعلق بمعلومات قد تَجُرّ عواقب أبدية.

 

[1]  مصطلح “الإنساني” humanist يُستخدم اليوم للإشارة إلى من يسعى ليعيش حياة صالحة دون اعتماد على معتقدات دينية أو خرافية (humanism.org.uk/humanism/humanism-today/non-religious-beliefs)، تم الاطلاع على الرابط بتاريخ 13تموز/يوليو2016. (المترجمة).

[2]  Road runner تعني عَدَّاء المسافات الطويلة وهو في هذا الفيلم الكارتون اسم لطائر سريع جداً، أما  “الكويوت” Coyote فهو حيوان من فصيلة الكلاب البرية أو الذئاب ويعيش في أمريكا الشمالية وأحياناً ما يسرق الطعام أو يقتل الحيوانات المنزلية الصغيرة. (المترجمة)

إقرأ أيضاً: