مواضيع عاجلة

من الخلية إلى الإنسان مرورًا بالحيوان؟ عرض ونقد

من الخلية إلى الإنسان مرورًا بالحيوان؟ 

من الخلية إلى الإنسان مرورًا بالحيوان؟ 
من الخلية إلى الإنسان مرورًا بالحيوان؟ 

من الخلية إلى الإنسان مرورًا بالحيوان؟

 

“في المدرسة الثانوية علَّموني أن الضفدع الذي يتحول إلى أمير قصة خيالية.

وفي الجامعة علَّموني أن الضفدع الذي يتحول إلى أمير قصة حقيقية.”

“رون :كارلسون” Ron Carlson

 

في فيلم “اتصال” Contact، تلعب جودي فوستر Jodie Foster دور عالِمة ضمن فريق برنامج “البحث عن ذكاء من خارج الأرض” (“ستي”) Search for Extra-Terrestrial Intelligence (SETI). وبرنامج “ستي”، الذي هو عبارة عن منظمة حقيقية، يضم علماء يمكنهم مسح الفضاء للعثور على علامات صريحة تبين وجود حياة ذكية. فممَّ تتألف العلامة الصريحة على وجود حياة ذكية؟ من رسالة. هذا صحيح. شيء من قبيل “أَخْرِج القمامة-ماما”.

وفي الفيلم تشتعل جودي حماسةً عندما يلتقط الهوائي موجات راديو يبدو أنها تتسم بنمط ذكي، وتقول مندهشة: “واحد، اثنان، ثلاثة، خمسة، سبعة،11…أولية!” (تقصد أعدادًا أولية). “مستحيل أن تكون ظواهر طبيعية!”

فعلاً، موجات الراديو العشوائية يمكن إنتاجها طبيعيًا، ولكن الموجات التي تحوي رسالة دائمًا ما تأتي من مصدر ذكي. والأعداد الأولية، من واحد إلى 101 بالترتيب، تشكل رسالة لا تصدر إلا من كائن ذكي.

وجودي الآن واثقة أنها عثرت على شيء من خارج الأرض، فتعلن عن اكتشافها. ومن ثم يتجه مسؤولون من الحكومة والجيش إلى مكان عملها. ويسألها أحدهم بنبرة ساخرة: “لو كان هذا مصدرًا ذكيًا، فلماذا لا يتحدث الإنجليزية؟”

فتجيب جودي بحزم: “لأن الرياضيات هي اللغة العالمية الوحيدة!”

وهي بالطبع على صواب. ففي الحقيقة الأبجديات، وبالتالي اللغة نفسها، يمكن اختزالها نهائيًا إلى أعداد. ولذلك الأبجدية الإنجليزية متماثلة رياضيًا مع الأبجدية الوراثية للـDNA ، وتشبيه معلومات الخلية بالموسوعات يمثل علاقةٌ تامةُ التطابِق وليس مشابهة جزئية.

ورغم أن جودي وزملاءها يكتشفون فيما بعد رسالة أكثر تعقيدًا متضمَّنة في موجات الراديو، فهم على يقين تام أن الأعداد الأولية وحدها تبرهن على أن الرسالة صادرة من حياة ذكية. ولكن ما سِرُ يقينهم؟ السر هو أن الملاحظات المتكررة تخبرنا أن الكائنات الذكية فقط هي مَنْ تخلُق رسائل، وأن القوانين الطبيعية لا تفعل ذلك أبدًا. فعندما نرى سلسلة من العداد الأولية، ندرك أنها تتطلب مسببًا ذكيًا تمامًا مثل رسائلك “أَخْرج القملمة-ماما”،” ماري تحب سكوت”.

ومن المضحك أن فيلم “اتصال” مأخوذ عن رواية للراحل كارل ساجان Carl Sagan، وهو تَطَوُّري متشدد آمن بالتوليد التلقائي ولعب دورًا فعالاً في إطلاق برنامج “سيتي” في الواقع. والمضحك في الأمر أن ساجان كان مقتنعًا تمامًا أن سلسلة بسيطة من الأعداد الأولية تبرهن على وجود كائن ذكى، ولكن ما يعادل 1000 موسوعة في الحياة الأولى وحيدة الخلية لا يبرهن على ذلك. إن عدم الاعتقاد في الله يتطلب قدرًا كبيرًا من الإيمان. أكبر مما نملك!

علاوة على ذلك، ساجان هو من كتب عن المخ البشري:

المحتوى المعلوماتي للمخ البشري مُعبَّرًا عنه بوحدات البِت[1] غالبًا ما يعادل مجموع عدد الاتصالات فيما بين العصبونات (الخلايا العصبية أو النيورونات neurons)، حوالي مائة تريليون بِت. ولو كُتِبَت هذه المعلومات بالإنجليزية لملأت حوالي عشرين مليون مجلدًا، وهو ما يعادل ما تحويه أكبر مكتبات العالم. إن ما يعادل عشرين مليون كتابًا يسكن داخل رأس كلٍّ منا. فالمخ هو مكان كبير جدًا في مساحة صغيرة جدًا. … والكيمياء العصبية للمخ مشغولة على نحو يثير الإندهاش. إنها عبارة عن مجموعة دوائر كهربية لماكينة تفوق في روعتها كل ما هو من صُنْع البشر.

من المحتمل أن تقدير ساجان لمحتوى المخ المعلوماتي بعشرين مليون كتابًا هو تقدير أقل من الواقع. ومع ذلك حتى هذا الرقم مذهل. وحتى تُكوِّن عنه تصورًا، تخيل نفسك في الصالة الرئيسية لمُجَمَّع ماديسون سكوير جاردن Madison Square Garden قبل بدء مباراة كرة سلة بعد ساعات. وليس هناك أحد غيرك في الساحة، وأنت تنظر إلى ما يقرب من 20 ألف مقعد فارغ تحيط بك جميعًا. فكم عدد الكتب التي يجب أن تضعها فوق بعضها البعض على كل مقعد بحيث تضع عشرين مليون كتاب في تلك الساحة؟

يجب أن تضع 1000 كتاب فوق بعضها على كل مقعد على حدة حتى تستطيع أن تُدخل عشرين مليون كتاب في ماديسون سكوير جاردن. فكِّر فيها. فارتفاع السقف لا يكفي هذا العدد من الكتب. لذان ستضطر لتفجير السقف حتى تستمر في تكويم الكتب فوق بعضها! هذه هي كمية المعلومات المحددة والمعقدة الموجودة فيما بين أذنيك. وبالحقيقة أصاب ساجان في قوله إن المخ مكان كبير جدًا في مساحة صغيرة جدًا، وهو شيء أكثر تعقيدًا بما لا يقاس من كل ما هو من صُنع البشر.

فلنراجع الحقائق: أدرك ساجان أن المخ البشري يضم محتوى من المعلومات يبلغ عشرين مليون كتاب. وقد أدرك أيضًا أن هذا المحتوى أكثر تحديدًا وتعقيدًا بما لا يقاس من سلسلة أعداد أولية. إذَن لماذا اعتقد أن الرسالة الأبسط تتطلب كائنًا ذكيًا ولكن رسالة طولها عشرين مليون كتاب لا تتطلب ذلك؟ ويمكننا أيضًا أن نسأل ساجان وإخوانه الداروينيين سؤالاً آخر بنفس الأهمية تقريبًا: إن كان البشر الأذكياء لا يستطيعون أن يصنعوا أي شيء يقترب من المخ البشري، فلماذا نتوقع من القوانين الطبيعية غير الذكية أن تفعل ذلك؟

عادةً ما تشتمل إجابة الداروينيين على فكرة “الانتخاب الطبيعي”. فهل هذا يكفي لتفسير الشكال الجديدة من الحياة؟ فمهما كان، المسافة بين خلية واحدة والمخ البشري مسافة طويلة.

ماذا عن الأشكال الجديدة من الحياة؟

قبل أن نناقش أصل الأشكال الجديدة من الحياة، يجب أن نراجع مشكلة أصل أول حياة. مؤكد أن المسافة طويلة بين خلية واحدة والمخ البشري، ولكن المسافة بين المواد الكيميائية غير الحية وأول خلية قد تكون أطول بكثير. وهذه هي أصعب مشكلة تواجه الداروينيين. فمن أين أتت أول حياة؟

هل ترى ضخامة هذه المشكلة التي تواجه الداروينيين؟ فإن لم يكن عند الداروينيين تفسير لأول حياة، فما الفائدة من الحديث عن أشكال جديدة من الحياة؟ فعملية الماكرو تطور، إن كانت ممكنة أصلاً، لا يمكنها حتى أن تبدأ إلا إذا كانت هناك حياة سابقة الوجود.

ولكن كما رأينا في الفصل السابق، هذه المشكلة لا تثني الداروينيين. فهم يسيرون عكس كل الأدلة التجريبية والجنائية، ويختلقون قصة “بلا دليل” عن التولد التلقائي أو “البانسبرميا” تعطيهم، بشكل سحري، الحياة الأولى التي يحتاجونها. وهذا ليس علمًا، بل نكتة. وهو فعليًا يُذَكِّرنا بنكتة، فقد اعتاد ستيف مارتن Steve Martin  أن يقول: “أَعْرِف كيف يمكنك أن تصبح مليونيرًا دون أن تدفع ضرائب أبدًا! أولاً، احصل على مليون دولار، والآن…”.

بل إن موقف الداروينيين ينطوي على إشكالية أكبر عندما تأخذ في اعتبارك أنهم لا يملكون حتى تفسيرًا لمصدر المواد الكيميائية غير الحية، فما بالك أن يجدوا تفسيًرا للحياة. وكما رأينا في الفصل الثالث، من أعمق الأسئلة التي يمكننا أن نطرحها: “إن لم يكن الله موجودًا، فلماذا يوجد شيء بدلاً من العدم؟” وقد رأينا أن الملحدين لا يملكون إجابة معقولة على هذا السؤال. فاقتراحهم لبعض الاحتماليات الممكنة ليس كافيًا، ولكن عليهم أن يقدِّموا دلائل إن أرادوا أن يكونوا علميين. إلا أنه من الواضح أنهم لا يعلمون من أين أتى الكون. وسطح العلبة (المنظور الفلسفي للحياة) يجب أن يتمكن من تقديم تفسير معقول لكل البيانات. فإن لم يتمكن من الإجابة عن الأسئلة الأساسية المختصة بأصل العالم أو صل الحياة، فهو لا يصلح أن يكون سطح علبة. وعندئذٍ يجب البحث عن بديل.

ورغم أننا نرى أن سطح العلبة الدارويني معيب في أساسه، يجب أن ننظر في بضعة مزاعم يطلقها الداروينيين بخصوص أصل الأشكال الجديدة في الحياة. ونظريتهم هي الماكرو تطور.

الميكرو تطور مقابل الماكرو تطور

لعلك تتذكر الماكرو تطور: من الخلية إلى الإنسان مرورًا بالحيوان. وهو يتلخَّص في الاعتقاد بأن كل أشكال الحياة انحدرت من سَلَف مشترك، هو الكائن الأول وحيد الخلية، وكل هذا حدث بعمليات طبيعية دون أي تدخل ذكي. فالله لا يدَّ له في هذا الموضوع. ولكنها عملية عمياء تمامًا.

ويقول الداروينيون إن هذا حدث بالانتخاب الطبيعي. ولكن مصطلح “الانتخاب الطبيعي” تسمية خاطئة. فبما أن عملية تخلو من الذكاء بطبيعة الحال، فهي لا تنطوي على أي “انتخاب” على الأطلاق. إنها عملية عمياء. ولكن مصطلح “الانتخاب الطبيعي” يعني ببساطة أن أصلح الكائنات هي التي تبقى على قيد الحياة. ما الجديد الذي أتت به هذه الفكرة؟ هذا صحيح بطبيعة الحال، فالأصلح هو الذي يبقى على قيد الحياة (وهذا ما نسميه تكرارًا مخلاً؛ حجة دائرية لا تُثبت أي شيء). فمنطقيًا، هذه الكائنات مجهَّزة جيدًا من الناحية الوراثية أو البنيوية للتعامل مع الظروف البيئية المتغيرة (ولذلك تبقى على قيد الحياة).

ومن أمثلة “الانتخاب الطبيعي” ما يحدث للبكتيريا التي تهاجمها المضادات الحيوية. عندما تنجو البكتيريا من إحدى هجمات المضادات الحيوية وتتكاثر، وهذه المجموعة الناجية من البكتيريا قد تكون مقاوِمة لذلك المضاد الحيوي. والبكتيريا الناجية مقاوِمة لذلك المضاد الحيوي لأن البكتيريا الأم كانت تمتلك القدرة الوراثية على المقاومة، أو طفرة بيوكيميائية نادرة ساعدتها بشكل ما على البقاء (نقول “نادرة” لأن الطفراتِ ضارة في كل الأحوال تقريبًا). وبما أن البكتيريا الضعيفة تموت، فالبكتيريا الناجية تتكاثر وتسود.

ويقول الداروينيون عن البكتيريا الناجية إنها تطورت. فبما أن البكتيريا الناجية تكيَّفت على البيئة، فهي تقدِّم لنا مثالاً للتطور. موافقون، ولكن أي نوع من ؟ الإجابة التي سنقدِّمها حرجة جدًا. فالحقيقة أنه بصرف النظر عن الافتراضات الفلسفية التي رفعنا عنها الستار، نجد أن تعريف “” قد يمثل أكثر الأفكار إرباكًا في مجادلة والتطور. وهنا تبدأ الأخطاء والمزاعم الداروينية الزائفة في التكاثر مثل البكتيريا لو لم يوقفها مَن يؤمنون بأهمية الملاحظة للعلم. وإليك ما تخبرنا به الملاحظة: البكتيريا الناجية تظل دائمًا بكتيريا. فهي لا تتطور إلى كائن من نوع آخر، وإلا أصبح هذا ماكرو تطور. ولكن الملاحظة لم تُثْبِت أبدًا أن الانتخاب الطبيعي خلق أشكالاً جديدة من الحياة.

ومع ذلك فالماكرو تطور هو بالضبط ما يزعمه الداروينيون من البيانات المتاحة. فهم يقولون إن هذه التغيرات الدقيقة micro  القابلة للملاحظة يمكن تعميمها لإثبات حدوث الماكرو تطور غير القابل للملاحظة. فهم لا يميزون بين الميكرو تطور microevolution  والماكرو تطور، ومن ثم يستخدمون أدلة الميكرو لإثبات الماكرو. وإذ يتجاهل الداروينيون هذا الفرق الحيوي، يمكنهم أن يخدعوا العامة للاعتقاد بأن أي تغير قابل للملاحظة في أي كائن حي يبرهن على أن كل الحياة تطورت من الكائن الأول وحيد الخلية.

ولذلك من الضروري أن نميز جيدًا بين الأمور وأن نكشف كل الافتراضات الخفية عند مناقشة الجدل بين والتطور. لذا إن سألك أحد: “ها تؤمن بالتطور؟” عليك أن تسأله: “ماذا تقصد بالتطور؟ هل تقصد الميكرو أم الماكرو تطور؟” الميكرو تطور ثَبَتَ بالملاحظة، ولكن لا يمكن استخدامه دليلاً على الماكرو تطور الذي لم يَثْبُت بالملاحظة أبدًا.

والداروينيون خبراء في تعريف مصطلح “” تعريفًا عامًا يسمح باعتبار الأدلة في مجالٍ ما أدلة في مجال آخر. ولكن من سوء حظهم أن العامة بدؤوا يدركون هذه الخطة. ويرجع معظم الفضل في ذلك للأعمال الشهيرة لفيليب جونسون أستاذ القانون في بركلي Berkeley. فقد فضح جونسون أولاً هذا النوع من خفة اليد الداروينية بكتابه غير المسبوق “داروين أمام المحكمة” Darwin on Trial. وهو يشير في هذا الكتاب إلى أنه: “ما من “برهان” واحد ]على الانتخاب الطبيعي[ يقدِّم أي سبب مقنع للاعتقاد بأن الأنتخاب الطبيعي قادر على إنتاج أنواع بيولوجية جديدة، أو أعضاء جديدة، أو غيرها من التغيرات الكبرى، أو حتى التغيرات الصغرى الدائمة”. ويتفق معه عالِم الأحياء جوناثان ولز Johnathan Wells عندما يكتب قائلاً: “الطفرات البيوكيميائية لا تستطيع أن تفسر التغيرات واسعة النطاق التي تحدث في الكائنات الحية التي نراها في تاريخ الحياة.

فلماذا لا يستطيع الانتخاب الطبيعي أن يقوم بهذه الوظيفة؟ إليك خمسة اسباب تمنعه من ذلك:

  • الحدود الوراثية Genetic Limits: يقول الداروينيون إن الميكرو تطور الذي يتم داخل شكل واحد من أشكال الحياة يُثْبِت حدوث الماكرو تطور. فإن كانت هذه التغيرات الصغيرة يمكن أن تحدث على مدار فترة قصيرة من الزمن، تَخيَّل ما يستطيع الانتخاب الطبيعي أن يفعله على مدار فترة طويلة من الزمن.

ولسوء حظ الداروينيين، يبدو أن الحدود الوراثية جزء أصيل في بنية الأشكال الأساسية للحياة. فمثلاً، المتخصصون في تربية الكلاب يصطدمون دائمًا بالحدود الوراثية عندما يستخدمون ذكاءهم لتخليق سلالات جديدة من الكلاب. فقد تتباين الكلاب في الحجم من التشيواوا إلى الكلب الدنماركي الكبير، ولكن بالرغم مما يقوم به المربون الأذكياء من محاولات مستميتة، تظل الكلاب دائمًا كلابًا. وبالمثل، رغم أفضل ما يبذله العلماء الأذكياء من جهود للتحكم في ذبابة الفاكهة، فتجاربهم لم تسفر مطلقًا عن شيء سوى المزيد من ذباب الفاكهة (وعادةً ما تكون معوَّقة أيضًا). وهو أمر ذو أهمية خاصة لأن حياة ذبابة الفاكهة القصيرة تتيح للعلماء أن يختبروا سنوات كثيرة من التنوع الوراثي في فترة زمنية قصيرة.

 

 

والأهم من ذلك كله أن مقارنة الانتخاب الطبيعي بالانتخاب الصناعي الذي يقوم به المتخصصون في تربية الحيوانات مقارنة لا تصلح إطلاقًا، كما يتبين من الجدول 6-1. والفرق الأكبر هو أن الانتخاب الطبيعي يتم توجيهه بالذكاء، وهو ما لا ينطبق على الانتخاب الطبيعي.

الفروق الجوهرية

الانتخاب الصناعي

الانتخاب الطبيعي

الهدف

الهدف (الغاية) معروف

ليس هناك هدف (غاية) معروف

العملية

عملية موجَّهة بالذكاء

عملية عمياء

الاختيارات

اختيار ذكي لسلالات معينة

لا اختيارات ذكية للسلالات

الحماية

السلالات محمية

من العمليات المدمِّرة

السلالات ليست محمية

من العمليات المدمرة

الصفات الغريبة

يحتفظ بالصفات الغريبة المرغوبة

يقضي على معظم الصفات الغريبة

المقاطعات

مقاطعات مستمرة

لتحقيق الغاية المرجوة

ليس هناك مقاطعات مستمرة

لتحقيق أي غاية

البقاء

بقاء تفضيلي

بقاء غير تفضيلي

 

إن الخلط بين العمليات الذكية وغير الذكية خطأ شائع عند الداروينيين. وهو ما حدث عندما ناظرتُ (نورم) الفيلسوف الإنساني بول كرتس Paul Kurtz  سنة 1986  في موضوع . والمناظرة التي كان يديرها المدافع التليفزيوني جون آنكربرج John Ankerberg  أسفرت عن هذا الحوار بخصوص الماكرو تطور:

جايسلر: قال ]تشاندرا[ ويكراماسينغ ]الملحد[: “الاعتقاد بأن الحياة أتت بالصدفة كالاعتقاد بأن طائرة بوينج 747 نتجت من إعصار هَبَّ على ساحة خردة”. إن تصديق هذا الأمر يتطلب المثير من الإيمان.

كرتس: حسنًا، طائرة البوينج 747 تطورت. يمكننا أن نعود إلى الأخوين رايت Wright brothers  ونرى أول نوع خلقاه من الطائرات…

جايسلر: خلقاه؟

كرتس: نعم، لكن …

آنكربرج: بالذكاء أم بالصدفة؟ ]ضَحِكْ[

كرتس: كان هناك فترة من الزمن تغيرت فيها هذه الأشكال…

آنكربرج: ولكن ألم يخلقا تلك الطائرات باستخدام الذكاء؟

كرتس: كنتُ أستخدم المشابَهة التي استخدمها الدكتور جايسلر.

جايسلر: حسنًا، أنت تساعدني في حجتي! ] ضحك [عليك أن تجد لنفسك مشابَهة أخرى!

كرتس: لا، لا، أظن أن المعنى الذي أقصده مهم لأنه حدثت تغيرات في الطائرات من الأبسط إلى الأعقد.

جايسلر: نعم، ولكن تلك التغيرات تَمَّتْ بتدخل ذكي!

مؤكد أن التغيير الاتجاهي الذي يسير في اتجاه محدد directional change  في الطائرات بواسطة الذكاء لا يُثبت أي شيء عن إمكانية حدوث تغيير اتجاهي في الكائنات الحية دون ذكاء. وكما سنرى في الجزء التالي، التغيير الاتجاهي في الكائنات الحية بواسطة الانتقاء الطبيعي لم يَثْبُت بالملاحظة. واستخدام الذكاء لإحداث تغيير اتجاهي في الكائنات الحية يصطدم بالحدود الوراثية. لذا، حتى إن كان موجَّهًا بالذكاء، فهو يصطدم بحوائط. أي أنه حتى عندما يتحكم العلماء بذكاء الكائنات لتحقيق غاية محددة، ألا وهي الأطروحة المضادة للعملية الداروينية العمياء، لا ينجح الماكرو تطور! فإن كان العلماء الأذكياء لا يستطيعون اختراق الحدود الوراثية، فكيف نتوقع الانتخاب الطبيعي غير الذكي أن يفعل ذلك؟

  • التغير التكراري Cyclical Change: لا يقتصر الأمر على وجود حدود وراثية للتغيير داخل النوع الواحد، بل التغيير داخل النوع الواحد يبدو تكراريًا. اي أن التغيرات لا تتجه نحو تكوين أشكال جديدة من الحياة، كما تتطلب نظرية الماكرو تطور، ولكنها تتحرُك جيئة وذهابًا في نطاق محدود. فمثلاً، عصافير داروين كانت تتفاوت في أحجام مناقيرها طبقًا لحالة الطقس. فالمناقير الكبيرة كانت تساعد على تكسير بذور أكبر حجمًا وأشد صلابًة أثناء مواسم الجفاف، والمناقير الصغيرة كانت مناسبة عندما كانت الأمطار تأتي بكمية وفيرة من البذور الصغيرة اللينة. فعند حلول موسم الجفاف، كانت نسبة العصافير ذات المناقير الكبيرة تنمو مقارنةً بالعصافير ذات المناقير الصغيرة. ولكن النسبة كانت تنعكس بعد حلول موسم ممطر طويل. لاحظ أنه لم تظهر للوجود أي أشكال جديدة من الحياة (العصافير ظلت عصافير)، كل ما تَغَيَّر هو نسبة العصافير كبيرة المناقير إلى العصافير صغيرة المناقير. لاحظ أيضًا أن الانتخاب الطبيعي لا يستطيع أن يفسِّر كيف أتت العصافير إلى الوجود أصلاً. أي أن الانتخاب الطبيعي قد يتمكن من تفسير بقاء النوع، ولكنه لا يستطيع أن يفسر مجيء النوع.
  • التعقيد غير القابل للاختزال Irreducible Complexity: سنة 1859 كتب تشارلز داروين “إن ثَبَت وجود أي عضو معقَّد لم يتكون بالعديد من التغيرات الطفيفة المتوالية، فنظريتي ستنهار لا محالة”. ونحن الآن نعرف أن هناك الكثير من الأعضاء، والأجهزة، والعمليات في الحياة تتناسب مع ذلك الوصف.

ومنها الخلية. وقد كانت الخلية في أيام داروين “صندوقًا أسود”، جزءًا صغيرًا غامضًا في الحياة لم يتمكن أحد من رؤية ما فيه. ولكننا الآن بعد أن تمكنَّا من النظر في أعماق الخلية، نرى أن الحياة على المستوى الجزيئي أكثر تعقيدًا بما لا يقاس مما كان يحلم به داروين. فهي في الحقيقة معقّدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال. والجهاز المعقد تعقيدًا لا يقبل الاختزال ” يتركب من عدة أجزاء متفاعلة ومتناسقة تساهم في الوظيفة الأساسية، بحيث إن نَزْعَ أي من هذه الأجزاء يوقف وظيفة الجهاز فعليًا”.

وهذه هي كلمات مايكل بيهي أستاذ الكيمياء الحيوية في جامعة ليهاي Lehigh University صاحب الكتاب الثوري “صندوق داروين الأسود: التحدي البيوكيميائي للتطور” Darwan’s Black Box: The  Biochemical Challenge to Evolution. ويؤكد بحث بيهي أن الكائنات الحية مملوءة حَرْفيًا بماكينات جزيئية تؤدي العديد من وظائف الحياة. وهذه الماكينات الجزيئية معقّدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال، وهو ما يعني أن كل أجزاء كل ماكينة لا بد أن تتكون بالكامل، في الأماكن الصحيحة، وبالأحجام الصحيحة، وبنظام قابل للعمل، وفي وقت واحد حتى تعمل الماكينة.

ويُعَدّ محرك السيارة مثالاً لجهاز معقد تعقيدًا لا يقبل الاختزال. فإن حدث تغيير في حجم المكبس، سيتطلب ذلك تغييرات موازية في عمود الكامات، والبلوك، والمبرد، وحجرة المحرك، وغيرها، وإلا لن يعمل المحرك الجديد.

ويبين بيهي أن الكائنات الحية معقَّدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال مثل محرك السيارة. فهو يبين بالتفصيل الممل أن وظائف عديدة في الجسم مثل تجلَط الدم، وأهداب الخلايا (الأجزاء المحرِّكة للخلية)، والبصر، كلها تتطلب أجهزة معقدة تعقيدًا غير قابل للاختزال، فلا يمكن أن تتكون بالطريقة الداروينية المتدرجة. لماذا؟ لأن المراحل المتوسطة intermediates لن تتمكن من أداء الوظيفة. وكما هو الحال في محرك السيارة، يجب أن تكون كل الأجزاء الصحيحة في أماكنها، وبالأحجام الصحيحة، في وقت واحد، حتى تتمكن من القيام بوظيفة أصلاً. فيمكنك أن تُكَوِّن المحركَ جزءًا جزءًا (وهو أمر يتطلب ذكاء)، ولكن لا يمكنك أن تقود السيارة إلى مكان عملك بجزء من المحرك. ولا يمكنك أن تقود السيارة إلى مكان عملك إذا أجريت تعديلات على جزء أساسي من المحرك، ولم تُجْر هذه التعديلات على باقي الأجزاء. وهكذا الأجهزة الحية تتعطل فورًا عن أداء وظيفتها إن أُجْرِيَت عليها تعديلات قطعة قطعة.

إن درجة التعقيد غير القابل للاختزال في الكائنات الحية تُذهب العقل. تَذَكَّر أن أبجدية الـDNA الوراثية تتكون من أربعة حروف: أ، ث، س، ج. في كل خلية بشرية يوجد حوالي 3000 مليون زوج من تلك الحروف. فجسمك يحتوي على تريليونات الخلايا، وينتج ملايين الخلايا الجديدة كل ثانية، وعلاوة على ذلك كل خلية معقَّدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال وتحتوي على أجهزة فرعية معقدّة تعقيدًا لا يقبل الاختزال!

إن اكتشافات بيهي تسدِّدُ ضربة قاضية للداروينية. فالتعقيد غير القابل للاختزال يعني أنه لا يمكن أن تأتي حياة جديدة إلى الوجود بالطريقة الداروينية التي تتكون من تغيرات طفيفة متتالية على مدار فترة طويلة من الزمن. والداروينية تشبه القوى الطبيعية التي تُنتج دون أي ذكاء محرك سيارة يعمل (أي الأميبا) ثم تُعَدَّل ذلك المحرك المعقَّد تعقيدًا لا يقبل الاختزال وتحوّله إلى محركات متوسطة متتالية حتى تُنتجُ تلك القوى الطبيعية أخيرًا المكوك الفضائي (أي الإنسان). ولكن الداروينيون لا يستطيعون أن يفسروا مصدر المواد اللازمة لصنع المحرك، فما بالك بتفسير كيفية وجود أي محرك معقَّد تعقيدًا لا يقبل الاختزال. ولا يمكنهم كذلك أن يبينوا العملية غير الذكية التي تطوَّر بها أي محرك حتى وصل إلى مكوك الفضاء وهو يُنتجُ قوة دافعة في كل خطوة من الخطوات المتوسطة. وهذا واضح من الغياب التام للتفسيرات الداروينية لكيفية نشوء الأجهزة المعقدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال نشوءًا تدريجيًا. وقد كشف بيهي مزاعم الداروينيين الفارغة عندما كتب قائلاً:

فكرة الجزيئي الدارويني لا تقوم على العلم. فليس هناك أي منشورات في الكتابات العلمية، كالصحف المتخصصة أو الكتب، تقدّم وصفًا مؤكَّدًا لكيفية حدوث تطور جزيئي لأي جهاز بيوكيميائي حقيقي معقَّد، أو حتى وصفًا احتماليًا غير مؤكد. إنهم يؤكدون حدوث هذا ، ولكن ولا واحد من كل تأكيداتهم مدعوم بتجارب أو حسابات. وبما أنه لا مرجعية لهذه المزاعم المعرفية، يمكننا أن نقول بحق إن تأكيد الجزيئي الدارويني محض استعراض فارغ.

إن محاولات الداروينيين الواهنة للتعامل مع التعقيد غير القابل للاختزال تكشف ضخامة المشكلة التي تواجه نظريتهم. وقد قال الدارويني كِن ميلر Ken Miller بأن التعقيد غير القابل للاختزال غير صحيح لأنه يستطيع أن يُثْبِت أن مثال بيهي على التعقيد غير القابل للاختزال-ألا وهو مصيدة الفئران- ليس بالفعل معقَّدًا بما لا يقبل الاختزال. وفقًا لما يقوله بيهي جميع الأجزاء الخمسة لمصيدة الفئران التقليدية يجب أن تكون في مكانها وفي وقت واحد وبنظام قابل للعمل حتى تعمل. فلا يمكنك أن تصطاد الفئران بالقاعدة والزنبرك مثلاً. ولكن ميلر يعتقد أنه يستطيع أن يفند فكرة بيهي بصنع مصيدة مشابهة بأربعة أجزاء فقط. (طَرَحَ ميلر هذه الفكرة فعليًا أثناء مناظرة تليفزيونية على محطة بي.بي.إس PBS في أواخر التسعينيات).

ولكن نقد ميلر يخفق فعليًا في إصابة الهدف. فهو أولاً، مِثْل أي دارويني، يتجاهل أن صُنْع مصيدته يتطلب ذكاء. ثانيًا، بيهي لا يقول إنك تحتاج خمسة أجزاء لأي مصيدة فئران، ولكنه يتحدث عن المصيدة التقليدية. وهكذا يتضح أن مصيدة ميلر ليست مرحلة مادية سابقة تطورت منها مصيدة بيهي التقليدية. أي أن تحويل مصيدة ميلر إلى مصيدة بيهي يتطلب أكثر من خطوة عشوائية (أي داروينية)، فهو يتطلب إضافة جزء آخر محدَّد جدًا وعدة تعديلات محدّدة للأجزاء الموجودة (وهذا يتطلب ذكاء). ثالثًا، وحتى لو أمكن بشكل ما إجراء تلك التغييرات بعمليات عديمة العقل، فالمصيدة لن تعمل أثناء المرحلة الإنتقالية. ولكن حتى تكون الدراوينية صحيحة، لا بد من الحفاظ على الأداء الوظيفي في كل المراحل لأن الكائنات الحية لا تستطيع أن تبقى على قيد الحياة لو، مثلاً، لم تؤدِ أعضاؤها الأساسية وظيفتها المعتادة أثناء المراحل الانتقالية الداروينية البطيئة التي تقوم على المحاولة والخطأ.[2] وفي النهاية مصيدة الفئران ليست سوى مثال توضيحي. ولكن الأنظمة الحية أعقد بما لا يقاس من مصيدة الفئران. لذا، واضح أن ميلر يفنِّد فكرة بيهي، ولم يفندها أي دارويني غيره.

وفي مؤتمر عن التصميم الذكي عُقِدَ في تموز/يوليو 2002 تحدَّثت فيه أنا (فرانك) وبيهي، كان أحد الداروينيين عنيفًا نوعًا ما في فقرة الأسئلة والأجوبة بعد المحاضرات. لذلك أردت أن أقلب الطاولة وأساله بضعة أسئلة، فحرصتُ أن أجلس بجواره على الغداء.

فسألْتُه فيما بين شرائح البيتزا: “ماذا تفعل بحجة بيهي عن التعقيد غير القابل للاختزال؟”

فدار بعينيه مستاءً وقال: “هذه ليست مشكلة كبيرة. هناك سقالات بيوكيميائية تُبنى حول الجهاز لتسمح له بالتطور التدريجي”.

وعندما رأيت بيهي بعدئذٍ في اليوم نفسه، أخبرته بتفسير الدراويني. فاوضح قائلاً، وكان محقًا: 1) ليس هناك دليل على هذه “السقالات”، 2) وهي فعليًا تُعَقِّد الأمور على الدراوينيين، بمعنى أنه إن وُجِدَت هذه ” السقالات” بحق، فمَن الذي يبنيها باستمرار في أماكنها الصحيحة؟ إنها عملية تتطلب ذكاء.

لقد حاول آخرون أن يجدوا طرقًا داروينية للتهرب من التعقيد غير القابل للاختزال، ولكنهم فشلوا جميعًا. وهو ما يؤكده بيهي عندما يقول قطعيًا: “ليس لدينا حاليًا أي دليل تجريبي يبين أن الانتخاب الطبيعي يستطيع أن يتهرب من التعقيد غير القابل للاختزال”.

ويبيِّن بيهي الأهمية الجوهرية التي يتضمنها التعقيد غير القابل للاختزال وغيره من الاكتشافات بخصوص تعقيد الحياة. فهو يكتب قائلاً: “إن نتيجة هذه الجهود المتراكمة لفحص الخلية، أي لفحص الحياة على المستوى الجزيئي، هي صرخة عالية مدوية تعلن عن “التصميم”! إن النتيجة في غاية الوضوح وفي غاية الأهمية حتى إنه لا بد من احتسابها ضمن أعظم الإنجازات في تاريخ العلم. إنه اكتشاف ينافس اكتشافات نيوتن وأينشتاين”.

  • عجز الأشكال الانتقالية عن الحياة Nonviability of Transitional Forms: هناك مشكلة أخرى تهاجم معقولية الفكرة القائلة بأن الانتخاب الطبيعي يخلق أشكالاً جديدة من الحياة. وتتمثل هذه المشكلة في أن الأشكال الانتقالية لا تقدر أن تبقَ على قيد الحياة. فكِّر مثلاً في تأكيد الداروينيين أن الطيور تطوَّرت تدريجيًا من الزواحف على مدار فترات زمنية طويلة. وهو ما يتطلب مرحلة انتقالية من الحراشف إلى الريش. فكيف يمكن لكائن أن يعيش بلا حراشف ولا ريش؟ إن الريش معقَّد تعقيدًا لا يقبل الاختزال. فكائن بأنصاف ريش لا يقدر أن يطير، مما يجعله فريسة سهلة على الأرض، وفي المياه، وفي الهواء. وفي منتصف الرحلة بين مرحلتي الزواحف والطيور، غالبًا لن يتمتع بالمهارة اللازمة للعثور على الغذاء أيضًا. إذَن يواجه الدراوينيون مشكلة مزدوجة: أولاً، ليس عندهم آلية صالحة للانتقال من الزواحف إلى الطيور. ثانيًا، حتى إن اكتُشِفَت آلية صالحة، فعلى أي حال لا يُحتَمَل للأشكال الانتقالية أن تعيش.

 

 

  • الانعزال الجزيئي Molecular Isolation: غالبًا ما يقول الدراوينيون إن دليل الانحدار من سلف مشترك يكمن في أن كل الكائنات الحية تحتوي على DNA . فمثلاً ريتشارد دوكينز يقول: “السبب الذي يجعلنا موقنين أن هناك صلة تجمع بيننا جميعًا، بما في ذلك البكتيريا، هو شمولية الشفرة الوراثية وغيرها من الأساسات البيوكيميائية”. يعتقد الدراوينيون أن نسبة تشابه الـDNA بين القردة العليا والبشر مثلاً، التي يُقَدِّر البعض أنها تتراوح بين 85 وأكثر من 95%، تشير بقوة إلى سلف مشترك.

ولكن هل هذا دليل على سلف مشترك أم على خالق مشترك؟ يمكن تفسيره بالطريقتين. فقد يكون الداروينيون محقّين، وقد يكون لنا شفرة وراثية genetic code مشتركة لأننا جميعًا انحدرنا من سلف مشترك. ولكن يمكن أن يكونوا أيضًا مخطئين بالقدر نفسه، فربما الشفرة الوراثية المشتركة بيننا جميًعا ترجع إلى خالق مشترك صمَّمَنا أن نعيش في نفس الغلاف الحيوي. فلو كان كل كائن حي مختلفًا عن غيره من الناحية البيوكيميائية، ربما لن توجد سلسلة غذائية. ومن المحتمل أنه لا يمكن وجود حياة بتكوين بيوكيميائي مختلف. حتى إن كان ذلك ممكنًا، فربما لا يمكنها أن تستمر في هذا الغلاف الحيوي.

          فكِّر في الشكل 6-3. هل التشابه والتدرج يُثبِتان أن الغلاية تطورت من ملعقة الشاي؟ لا. إن التشابه والتدرج لا يعنيان أوتوما تيكيًا سلفًا مشتركًا. وفي هذه الحالة نعرف أنهما يعنيان خالقًا أو مصممًا مشتركًا. وهو ما ينطبق على الكائنات الحية الحقيقة.

 

كما ذكرنا آنفًا، قدرة أبجدية الـDNA الوراثية على احتواء رسالة تساوي قدرة الأبجدية الإنجليزية على احتواء رسالة (الفرق الوحيد هو أن أبجدية الـDNA لا تضم إلا أربعة حروف مقابل ستة وعشرين حرفًا في الأبجدية الإنجليزية). فبما أن كل الكائنات الحية تحوي DNA بقواعده الأربعة التي تحتوي على النيتروجين (الممثَّلة بالحروف أ، ث، س، ج)، من الطبيعي أن نتوقع درجة عالية من التشابه في المعلومات بين الكائنات سواء أكانت متصلة بسلف واحد أم لا.

ولنستخدم مثالاً من اللغة الإنجليزية لتوضيح ما نقصده. إليك جملتين مكونتين من الحروف نفسها:

Charles Darwin was a scientific god. كان تشارلز داروين إلهاً علميًا.

Charles Darwin was a scientific dog. كان تشارلز داروين كلبًا علميًا.

رغم أن حروف الجملتين متماثلة وترتيب الحروف يكاد يكون متماثلاً (بدرجة تزيد عن 90%)، فالفرق الضئيل في الترتيب يؤدي إلى معنيين متضادين. وهكذا أي فرق ضئيل في ترتيب الحروف (أ، ث، س، ج) في الكائنات الحية قد يؤدّي إلى كائنات بعيدة جدًا عن بعضها البعض على شجرة التطور الافتراضية. فمثلاً بينما تبين بعض الدراسات أن تشابه الـDNA بين البشر والقردة العليا الأقرب شبهًا بالإنسان قد يصل إلى حوالي 90% تبين دراسات أخرى أن تشابه الـDNA بين البشر والفئران يبلغ أيضًا حوالي 90%. ولكن هذه التشابهات محل خلاف وليست مفهومة على نحو كامل. فيجب القيام بمزيد من البحث في هذا المجال. ولكن إن كان التشابه الوراثي بين الفئران والبشر يعادل التشابه بين القردة العليا والبشر، فإن هذا من شأنه أن يُعَقَّد أي تفسير دارويني تعقيدًا كبيرًا.

ولكن نفترض أن مزيدًا من الدراسات سيُظهر يومًا ما أن  DNA القردة العليا أكثر شبهًا بالبشر من DNA سائر الكائنات. فهذا لن يُثبِت ما يخلص إليه الدراوينيون بخصوص السلف المشترك. فقد يرجع التشابه إلى خالق مشترك لا إلى سلف مشترك. لذا علينا أن نجد دليلاً آخر على المستوى الجزيئي يساعدنا في اكتشاف ما إذا كانت الشفرة الوراثية المشتركة دليلاً على سلف مشترك أم خالق مشترك.

وقد وُجِدَ ذلك الدليل الآخر بمقارنة سلاسل البروتين. البروتينات هي الوحدات الأساسية لبنية الحياة. وهي تتكون من سلاسل طويلة من الوحدات الكيميائية التي يُطلَق عليها الأحماض الأمينية. ومعظم البروتينات تحوي في بنيتها أكثر من 100 حمض أميني يجب أن يكون لها ترتيب محدد جدًا. والـDNA هو ما يحتوي على تعليمات الأحماض الأمينية في البروتينات، والترتيب مسألة حرجة لأن أي تغيير عادةً ما يؤدي إلى خلل في وظيفة البروتين.

وإليك أين تنشأ المشكلة أمام الدراوينيين. لو كانت كل الأنواع تشترك في سلف واحد، يجب أن نتوقع أن نجد سلاسل برويتينية في شكل انتقالي transitional form، أي مثلاً أثناء المرحلة الانتقالية من الأسماك إلى البرمائيات، أو من الزواحف إلى الثدييات. ولكن ليس هذا ما نجده على الأطلاق. بل نجد أن الأشكال الأساسية منعزلة جزيئيًا عن بعضها البعض، وهو ما ينفي أي نوع من الصلة بسلف واحد. ويقول مايكل دنتون:

          ليس هناك أي أثر على المستوى الجزيئي للانتقال التطوري من الأسماك        البرمائيات الزواحف           الثدييات. فالبرمائيات، التي دائمًا ما تُعتبر تقليديًا شكلاً متوسطًا بين الأسماك      وغيرها من الفقاريات البرية، تبعد جزيئيًا عن الأسماك بُعْد أي مجموعة من الزواحف أو الثدييات عن الأسماك! إن النتيجة مدهشة حقًا للعارفين جيدًا بالصورة التقليدية لتطور الفقاريات.

لذا، رغم أن كل الكائنات الحية تشترك في شفرة وراثية واحدة بدرجات متفاوتة من التشابه، فتلك الشفرة رتبت الأحماض الأمينية في البروتينات على نحو يجعل الأشكال الأساسية منعزلة جزيئيًا عن بعضها البعض. فليس هناك من مراحل انتقالية داروينية، كل ما هنالك فجوات جزيئية متمايزة. والدراوينيون يعجزون عن تفسير وجود هذه الفجوات الجزيئية باستخدام الانتخاب الطبيعي، تمامًا كما يعجزون عن تفسير وجود فجوات ضخمة في سجل الحفريات وهو ما سنتحدث عنه في الجزء التالي).

ماذا عن سجِلّ الحفريات؟

لنراجع سريعًا ما رأيناه حتى الآن. إليك الأدلة الخمسة التي تبين أن الانتخاب الطبيعي ما كان ليمكنه أن يُنتج أشكالاً جديدة من الحياة:

  • الحدود الوراثية
  • التغير التكراري
  • التعقيد غير القابل للاختزال
  • عجز الأشكال الانتقالية عن الحياة
  • الانعزال الجزيئي

ولكن ألا يؤيد سجلُ الحفريات النظريةَ الدراوينية؟ لنلقِ نظرة.

نظرًا لعدم توافر التكنولوجيا الحديثة في عصر تشارلز داروين، لم يتمكَّن من إدراك المشكلات التي تواجه نظريته على مستوى الخلية. إلا أنه أدرك أن سجل الحفريات يمثل مشكلة كبيرة لنظريته لأنه لا يُظهِر تدرجًا. وهو ما دفعه أن يكتب: “فلماذا لا يزخر كل تكوين جيولوجي وكل طبقة جيولوجية بمثل هذه الحلقات المتوسطة؟ مؤكَّدٌ أن الجيولوجيا لا تكشف عن أي سلسلة عضوية متدرجة. ويبدو أن هذا هو أوضح وأخطر الاعتراضات التي يمكن أن تثار ضد نظريتي”.

إلا أن داروين اعتقد أن مزيدًا من الاكتشافات الأحفورية سيكشف عن صحة نظريته. ولكن الزمن أثبت أنه مخطئ. وعلى عكس ما تسمع في وسائل الإعلام العامة، سجل الحفريات اتضح أنه سبب إحراج هائل للداروينيين. فإن كانت الداروينية صحيحة، لوجدنا حتى الأن آلاف، إن لم يكن ملايين الحفريات الانتقالية. ولكن كما يقول الراحل ستيفن جاي جولد Stephen Jay Gouldعالم الحفريات في جامعة هارفارد (وهو تطوري):

يتميز تاريخ معظم الأنواع البيولوجية المتحجَرة بخاصيتين تتعارضان بشكل خاص مع فكرة التطور التدريجي لهذه الأنواع: 1) السكون Stasis: معظم الأنواع البيولوجية لا يحدث فيها تغير يسير في اتجاه معين اثناء وجودها على الأرض. ويظل شكلها كما هو تقريبًا منذ أن تظهر في سجل الحفريات وحتى تختفي، أي أن التغير التركيبي عادة ما يكون محدودًا ولا يسير في اتجاه محدد. 2) الظهور المفاجئ Sudden appearance: في أي منطقة لا ينشأ النوع البيولوجي تدريجيًا بحدوث تغير مطرد في أسلافه، ولكنه يظهر بغتةً ويكون “مكتمل التكوين”.

أي أن جولد يعترف أن الأشكال الأحفورية تظهر فجأة، مكتملة التكوين، وتظل كما هي حتى تنقرض دون أي تغير اتجاهي، وهو تمامًا ما يتوقع المرء أن يجده إن كان صحيحًا.

ولكن بدلاً من أن يتبنى جولد نظرية ، رفض التطور التدريجي الدارويني وصاغ نظرية أطلق عليها “التوازن المتقطع” Punctuated Equilibria (PE). وترجّح نظرية التوازن المتقطع أن الأنواع البيولوجية تطورت أسرع على مدار فترة زمنية أقصر، وهو ما يفسّر الفجوات الأحفورية الكبيرة. ولكن جولد لم يبين أي ألية طبيعية لحدوث هذا الأمر، ولكن بما أنه كان ملحدًا كان عليه أن يفسر سجل الحفريات بأي شكل. وهو ما يمثل نموذجًا كلاسيكيًا على السماح للتحيزات بالتشويش على الملاحظات.

ولكن هذا يخرجنا عن موضوعنا. فنقطتنا الأساسية هنا هي أن سجل الحفريات أقرب للخلق فوق الطبيعي منه للماكرو تطور. فالحقيقة أن المفقود من السجل ليس حلقات، بل سلسلة كاملة!

ليس هناك سلسلة؛ لأن كل المجموعات الرئيسية من الحيوانات المعروفة تقريبًا تظهر في سجل الحفريات فجأة وكاملة التكوين في طبقات العصر الكامبري Cambrian period (الذي يُقَدِّر الكثير من العلماء أنه وُجِدَ منذ حوالي 600 إلى 500 مليون سنة). ويكتب جوناثان ولز قائلاً: “الدليل الأحفوري قوي جدًا، والحَدَث مفاجئ وضخم جدًا، حتى إنه عُرِفَ باسم “الانفجار الكامبري” the Cambrian explosion، أو “الانفجار البيولوجي الكبير” biology’s big bang”.

وهذا الدليل بالطبع يتعارض تمامًا مع الداروينية. فكل المجموعات الحيوانية تظهر منفصلة عن بعضها البعض، مكتملة التكوين، وفي وقت واحد. وهو ما لا يدل على تطور تدريجي بل على خلق لحظي. إذَن الشجرة الداروينية التي اعتدنا أن نراها كثيرًا لا تمثل سجل الحفريات الحقيقي تمثيلاٍ صحيحًا. والحقيقة أنه كما يشير ولز: “لو كانت هناك أي مشابَهة نباتية مناسبة، لكانت حوض نباتات، لا شجرة”. ولكان ذلك الحوض يحتوي على رُقَع من الحشائش أو النباتات المختلفة التي تفصلها عن بعضها البعض مساحات شاسعة لا شيء فيها سوى التراب.

والآن لعلك تفكِّر: “ولكن ماذا عن تدرج الجمجمة الذي اعتدنا دائمًا أن نراه؟ ألا يبدو أن الإنسان تطور من القردة العليا؟”

منذ عدة سنوان ناظرتُ (أنا نورم) داروينيًا رصَّ جماجم بجوار بعضها على منضدة ليبين أن التطور حدث بالفعل. وصرح قائلاً: “السيدات والسادة، إليكم الدليل على التطور”.

أمرك غريب، كيف تتجاهل الحفريات؟ الجماجم تبدو متدرجة. يبدو أنها متصلة بسلف واحد. هل هذا دليل جيد على الداروينية؟ لا، إنه ليس أفضل من الدليل على أن الغلاية الكبيرة تطورت من ملعقة الشاي.

مشكلة الداروينيين أن سجل الحفريات لا يستطيع أن يُثْبِت أي ارتباط بسلف واحد. لمَ لا؟ لأنه كما يقول مايكل دنتون: “99% من التكوين البيولوجي لأي كائن حي يكمن في تشريح أنسجته soft anatomy، وهو ما يستحيل عمله في الحفرية”. أي أنه من الصعب جدًا اكتشاف التكوين البيولوجي للكائن بالنظر إلى بقاياه الأحفورية. ويشير جوناثان ولز إلى أن “الدليل الأحفوري يقبل الكثير من التفسيرات لأن النوع البيولوجي الواحد يمكن أن يُعاد بناؤه بطرق متنوعة، ولأن سجل الحفريات لا يمكنه إثبات سلف مشترك يربط بين كل الكائنات”.

إلا أن هذا لا يردع الداروينيين. فبما أن الداروينية ينبغى أن تكون صحيحة نظرًا لولائهم الفلسفي المسبق، إذَن ينبغي أن يجدوا أدلة تؤيدها. فبدلاً من ان يعترفوا بأن الحفريات لا تستطيع أن تُثبت ارتباط الكائنات بسلف مشترك، يأخذون الواحد في المائة الذي تخبرهم به الحفريات ويستخدمون التسعة والتسعين في المائة من هامش الحرية المتبقي لهم لتصوير اكتشافاتهم الأحفورية على أنها تسد كل الثغرات كما يحلو لهم . ومع هذا الهامش الفسيح وغياب الحقائق التي تقيّدهم، توفرت لهم الحرية في ابتداع “حلقات مفقودة” بأكملها من بقايا أحفورية في منتهى التفاهة. ولذلك، الكثير مما يسمى “حلقات مفقودة” انكشف فيما بعد أنه مزيف أو خاطئ. وقد كتب هنري جي  Henry Geeأحد الكُتَّاب العلميين الرئيسيين في جريدة نيتشر Nature: “إن أخذ تسلسل معيَّن من الحفريات والزعم بأنه يمثِّل سلالة واحدة ليس فرضية علمية قابلة للاختبار، ولكنه تأكيد تتساوى صلاحيته مع قصص قبل النوم، مسلٍّ، وقد يقدّم معلومات مفيدة، ولكنه ليس علميًا”.

إن سجل الحفريات لا يكفي لإثبات العلاقة بسلف مشترك، وفي ضوء ما نعرفه حاليًا عن طبيعة الأنظمة البيولوجية المعقدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال، يتضح أن سجل الحفريات لا يمت بصلة للقضية. وتَشابُه البنية أو التشريح بين الأشكال (يطلق عليه أحيانًا التماثل homology) لا يخبرنا أيضًا بأي شيء عن وجود سلف مشترك. فمايكل بيهي يكتب قائلاً:

التشريح ببساطة لا يمت بصلة لمسألة ما إذا كان حدوث التطور على المستوى الجزيئي ممكنًا أم لا. وهو ما ينطبق على سجل الحفريات أيضًا. فلم يُعد مهمًا ما إذا كان هناك فجوات كبيرة في سجل الحفريات أم أن السجل متصل مثل سجل رؤساء الولايات المتحدة. وإن كانت هناك فجوات، لا يهم ما إذا كان يمكن تفسيرها تفسيرًا معقولاً. فسجل الحفريات ليس عنده ما يخبرنا به عما إذا كانت التفاعلات بين الريتينال-سي تي إس-11  11- cts-retinalوالرودبسين rhodopsin والترانسدوسين transducin والفوسفودايسترس ]phosphodiesterase  أنظمة معقدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال[ قد تكونت خطوة خطوة أم لا.

إذَن وفقًا لما يقوله بيهي، البيولوجيا تتفوق بامتياز على التشريح في تحديد معقولية الماكرو تطور. فكما أن محتويات الكتاب تقدِّم معلومات تتجاوز كثيرًا ما يقدمه غلاف الكتاب، هكذا التكوين البيولوجي للكائن يزودنا بكمية معلومات تزيد كثيرًا عن المعلومات التي يوفرها لنا تكوينه العظمي. ومع ذلك طالما حاجَّ الدارويبنيون بأن تشابه التكوين بين القردة العليا مثلاً والإنسان دليل على السلف المشترك (أو الانحدار من أصل واحد). فهل يخطر على بالهم ابدًا أن تشابه البنية قد يدلل على مصمم مشترك لا سلف مشترك؟[3] فمهما كان، في عالم محكوم بقوانين فيزيائية وكيميائية معينة، ربما أن عدد البنى التشريحية التي ستسفر عن حيوانات مصمَّمة لتمشي على ساقين سيكون محدودًا جدًا، وبما أننا جميعًا يجب أن نعيش في نفس الغلاف الحيوي، ينبغي أن نتوقع تشابه بعض الكائنات في التصميم.

علاوة على ذلك، رغم أن بنية القردة العليا قد تتشابه مع بنية البشر، الحقيقة المهملة غالبًا هي أنه ليس هناك أي وجه شبه بين القردة العليا والبشر من ناحية والثعابين، والفطريات، والأشجار من ناحية أخرى. ولكن وفقًا للداروينية كل الكائنات الحية تطورت من سلف واحد. وإن قَبِلتَ الداروينية، يجب عليك أن تتمكن من تفسير الاختلاف الشاسع بين الكائنات الحية. يجب عليك أن تفسّر مثلاً كيف أن النخلة، والطاووس، والأخطبوط، والجرادة، والخفاش، وفرس النهر، والقنفد، وفرس البحر، وخَنَّاق الذباب، والإنسان، وفطر العفَن؛ انحدرت جميعًا من أول حياة معقدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال، دون تدخل ذكي. وعليك أيضًا أن تفسر كيف أتت أول حياة وكيف أتى الكون إلى الوجود. فبلا تفسيرات مقبولة منطقيًا، وهو ما يفشل الداروينيون في تقديمه، فإن الاعتقاد في الداروينية يتطلب إيمانًا مفرطًا. ولذلك لسنا نملك الإيمان الكافي للتحول إلى الداروينية.

هل التصميم الذكي بديل ذكي؟

يمكننا أن نقول المزيد والمزيد عن الماكرو تطور، ولكن المجال لا يسمح لنا أن نتوسع أكثر من ذلك. إلا أنه يمكننا استخلاص استنتاج معقول من البيانات التي بحثناها في هذا الفصل. ففي ضوء سجل الحفريات، والانعزال الجزيئي، واستحالة حدوث مراحل انتقالية، والتعقيد غير القابل للاختزال، والتغير التكراري، والحدود الوراثية (وعجز الداروينيين عن تفسير أصل الكون أو أول حياة)، قد تظن أن الداروينيين سيعترفون أخيرًا أن نظريتهم لا تتفق مع ما لوحظ من أدلة. ولكن الداروينيون ما زالوا يقدمون قصصًا “بلا دليل” وبلا أساس، وتتناقض فعليًا مع الملاحظة العلمية. فهم ما زالوا يصرّون أن التطور حقيقة، حقيقة، حقيقة!

إننا نتفق أن التطور حقيقة، ولكن ليس بالمعنى الذي يقصده الداروينيون. فإن كنت تُعَرِّف التطور بأنه “تغيُّر”، عندئذٍ من المؤكد أن الكائنات الحية قد تطوَّرت. ولكن هذا التطور حدث على المستوى الميكرو، لا الماكرو. وكما رأينا لا يوجد دليل على الماكرو تطور، بل إن عندنا أدلة تؤكد أنه لم يحدث.

فإن لم يكن الماكرو تطور صحيحًا، ما البديل؟ إن لم يكن هناك تفسير طبيعي لأصل الأشكال الجديدة من الحياة، إذَن لا بد من وجود تفسير ذكي. هذا هو الخيار الوحيد المتبقي. فليس هناك مرحلة انتقالية بين الذكاء واللاذكاء. إما ذكاءً تدخل في الأمر أو لا. ولكن الداروينيون لا يحبون هذا الخيار. فما إن تنفذ قدرتهم على الدفاع عن موقفهم بكفاءة باستخدام أدلة علمية محايدة (وهو ما يحدث بسرعة شديدة)، حتى يصوبوا عادةً أسلحتهم على أنصار التصميم الذكي، نحن المؤمنين بذكاء وراء الكون والحياة. وإليك اعتراضاتهم المعتادة وردودنا:

الاعتراض: التصميم الذكي ليس علمًا.

الرد: كما رأينا، العلم بحث عن المسببات، وليس هناك إلا نوعان من المسببات: الذكية وغير الذكية (الطبيعية). وزَعْم الداروينيين بأن التصميم الذكي ليس علمًا مبني على تعريفهم للعلم، وهو تعريف متحيز. ولكن هذه حجة دائرية![4] فإن كان تعريفك للعلم يستبعد المسببات الذكية مسبقًا، إذَن لن تعتبر أبدًا التصميم الذكي علمًا.

إلا أن المضحك في أمر الداروينيين هو أنه: إن لم يكن التصميم الذكي علمًا، فالداروينية مثله. لماذا؟ لأن كلاً من الداروينيين وعلماء التصميم الذكي يحاولون اكتشاف ما حدث في الماضي. والأسئلة المختصة بالأصل أسئلة أدلة جنائية، ومن ثم تتطلب استخدام مبادئ علم الأدلة الجنائية التي ناقشناها. والحقيقة أن استبعاد الداروينيين للتصميم الذكي من مجال العلم يعني أنهم يستبعدون أنفسهم ويستبعدون علم الآثار، وعلم الشفرة السرية، والأبحاث الجنائية المستخدمة في الجرائم والحوادث، والبحث عن ذكاء من خارج الأرض. كل هذه علوم أدلة جنائية مشروعة تفحص الماضي للتوصل إلى مسببات ذكية. إذَن لا بد أن التعريف الدارويني للعلم ينطوي على خطإً ما.

جدول 6-2 يبين الفرق بين العلم التجريبي وعلم الأدلة الجنائية:

العلم التجريبي

(الذي يدرس العملية الحالية Operation)

علم الأدلة الجنائية

(الذي يدرس الأصل Origin)

يدرس الحاضر

يدرس الماضي

يدرس الأحداث المنتظمة regularities

يدرس الأحداث الانفرادية singularities

يدرس المتكرِّر

يدرس غير المتكرِّر

يمكن إعادة الحدث

يستحيل إعادة الحدث

يدرس كيف تعمل الأشياء

يدرس كيف بدأت الأشياء

يُختبَر بتكرار التجريب

يُختبَر بالنمطية

يسأل: كيف يعمل الشيء؟

يسال: ما أصل الشيء؟

أمثلة:

كيف تسقط المياه؟

كيف تتآكل الصخور؟

كيف يعمل المحرك؟

كيف يلتصق الحبر بالورق؟

كيف تعمل الحياة؟

كيف يعمل الكون؟

أمثلة:

ما أصل المحطة الكهرومائية؟

ما أصل جبل رَشمور؟

ما أصل المحرك؟

ما اصل هذا الكتاب؟

ما أصل الحياة؟

ما أصل الكون؟

 

الجدول 6-2

الاعتراض: التصميم الذكي يرتكب مغالطة إله الفجوات.

الرد: تحدث مغالطة إله الفجوات عندما يعتقد المرء خطأً أن الله سبَّب الحدث رغم أنه في الواقع نتج بسبب ظاهرة طبيعية لم تُكتشَف. فمثلاً، كان الناس يعتقدون أن الله هو المسبب المباشر للبرق. فقد كانت هناك فجوة في معرفتنا بالطبيعة، فنَسَبْنا الأثر لله. ويؤكد الداروينيون أن المؤمنين بالله الخالق يفعلون الشيء نفسه عندما يزعمون أن الله خلق الكون والحياة. فهل هم على صواب؟ لا، لعدة اسباب.

أولاً، عندما نخلص إلى أن ذكاءً خلق أول خلية أو المخ البشري، لا نقول ذلك لمجرد إننا نفتقر لأدلة تشير إلى تفسير طبيعي؛ ولكن لأننا أيضًا نمتلك أدلة إيجابية يمكن رصدها تجريبيًا على وجود مسبب ذكي. فالرسالة (التعقيد المحدد) يمكن رصدها تجريبيًا. وعندما نرصد رسالة، مثل “أَخْرِج القمامة-ماما” أو 1000 موسوعة، نعرف أنه من المؤكد أنها أتت من كائن ذكي لأن كل خبراتنا القائمة على الملاحظة تخبرنا أن الرسائل لا تأتي إلا من كائنات ذكية. فكلما نلاحظ رسالة، نجد أنها آتية من كائن ذكي. ونحن ندمج هذه البيانات مع حقيقة أننا لا نلاحظ أبدًا قوانين طبيعية تنشيء رسائل، ونعرف أنه لا بد أن يكون المسبب كائنًا ذكيًا. وهذا استنتاج علمي مقبول بناءً على الملاحظة والتكرار. فهي ليست محاجة تقوم على الجهل، ولا تقوم على أي “فجوة” في معرفتنا.

ثانيًا، علماء التصميم الذكي يقبلون كلاً من المسببات الطبيعية والذكية. فهم لا يعارضون البحث المستمر عن تفسير طبيعي لأول حياة. ولكن كل ما في الأمر أنهم يلاحظون أن كل التفسيرات الطبيعية المعروفة تبوء بالفشل، وكل الأدلة التي يمكن رصدها تجريبيًا تشير إلى مصمم ذكي.

والآن يمكننا أن نتساءل عن الحكمة وراء الاستمرار في البحث عن مسبب طبيعي للحياة. وسأل وليم دمبسكي الذي نشر أبحاثًا موسعة في التصميم الذكي قائلاً: “متى يتحول الإصرار ]على إيجاد مسبب طبيعي[ إلى صلابة دماغ حمقاء؟ … إلى متى يجب أن نستمر في البحث حتى يحق لنا أن نتوقف عن البحث ونعلن أنه لا جدوى من استمرار البحث، بل أيضًا أن موضوعَ البحثِ نفسَه لا وجود له؟”

فكِّر في مضامين سؤال دمبسكي. هل يجب أن نستمر في البحث عن مسبب طبيعي لظواهر مثل جبل رَشمور أو رسائل مثل “أَخْرِج القمامة-ماما”؟ متى يُغلَق هذا الملف؟

والتر برادلي Walter Bradley، المشارك في تأليف كتاب الأثر بعنوان “سر أصل الحياة” The Mystery of life’s Origin يعتقد أنه “لا يبدو أن هناك أي إمكانية للعثور على ]تفسير طبيعي[” لأصل الحياة. وهو يضيف قائلاً: “أظن أن مَن يعتقدون أن الحياة نشأت طبيعيًا يحتاجون إلى قدر من الإيمان يفوق بكثير إيمان من يستدلون منطقيًا على مصمم ذكي”.

بصرف النظر عما إذا كنت تعتقد أنه علينا أن نستمر في البحث عن تفسير طبيعي أم لا، فالنقطة الرئيسية هي أن علماء التصميم الذكي يقبلون كلاً من المسببات الطبيعية والذكية. ولكن اتضح أن المسبب الذكي هو أكثر ما يتفق مع الأدلة.

ثالثًا، استنتاج التصميم الذكي يمكن تخطيئه. أي أن التصميم الذكي يمكن إثبات خطئه إذا اكتُشِف يومًا ما أن القوانين الطبيعية خلقت التعقيد المحدد. إلا أن هذا لا يمكن أن ينطبق على الموقف الدارويني. فالداروينيون لا يسمحون بتخطيء “قصة ” الخاصة بهم لأنهم، كما أشرنا، لا يسمحون بالتفكير في أي قصة خلق أخرى. وذلك لأن “عِلمهم” ليس مبدئيًا يقبل المراجعة أو التصحيح، ولكنه أضيق أفقًا من تعاليم الكنيسة المتصلبة التى يحلو للداروينيين انتقادها.

وأخيرًا، الحقيقة أن الداروينيين هم من يرتكبون مغالطة إله الفجوات. فداروين نفسه اتُّهِم ذات مرة بأنه يعتبر الانتخاب الطبيعي “قوة عاملة أو الله” (انظر الفصل الرابع من كتاب “أصل الأنواع” Origin of Species). ولكن يبدو ان الانتخاب الطبيعي هو فعلاً الله أو “إله الفجوات” عند الداروينيين اليوم. فعندما يفشلون تمامًا في معرفة كيف وًجِدَت الأنظمة البيولوجية الغنية بالمعلومات والمعقدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال، يسدون فجوتهم المعرفية بأن يزعموا أن الانتخاب الطبيعي، والزمن، والصدفة فعلت ذلك.

إن قدرة هذه الآلية على خلق أنظمة بيولوجية غنية بالمعلومات تناقض الأدلة التي ثبتت بالملاحظة. فالطفرات ضارة في كل الحالات تقريبًا، والزمن والصدفة ليسا في صالح الداروينيين كما شرحنا في الفصل الخامس. والانتخاب الطبيعي في أحسن الأحوال قد يكون مسؤولاً عن تغيرات طفيفة في الأنواع الحية، ولكنه لا يستطيع أن يفسر أصل الأشكال الأولى من الحياة. فالانتخاب الطبيعي لكي يحدث أصلاً يحتاج إلى كائن حي يبدأ به عمله. ولكن، بالرغم مما يتضح من مشكلات في الآلية الداروينية، يصر الداروينيون على أنها تسد أي فجوة في معرفتهم. وإضافة إلى ذلك، يتجاهلون عمداً الأدلة الإيجابية المرصودة بالتجريب على وجود كائن ذكي. أن هذا ليس علمًا بل عقيدة جامدة لدين علماني. فالداروينيون مثل معارضي جاليليو يسمحون لديانتهم أن تتغلب على الملاحظات العلمية!

الاعتراض: التصميم الذكي مدفوع بالدين.

الرد: هذا الاعتراض له شقان. الأول هو أن بعض أنصار التصميم الذكي قد يكونون مدفوعين بالدين. وما العيب في ذلك؟ هل هذا يجعل التصميم الذكي خاطئًا؟ هل الدافع الديني عند بعض الداروينيين يجعل الداروينية خاطئة؟ لا، الحق لا يكمن في دوافع العلماء، بل في جودة الأدلة. فدافع العالِم أو تحيزه لا يعني بالضرورة أنه مخطئ. فمن الممكن أن يكون متحيزًا ومع ذلك صائبًا. التحيز أو الدافع ليس هو القضية الأساسية، ولكن الحق هو القضية.

واحيانًا ما يقال الأعتراض بهذه الطريقة: “لا يمكنك أن تصدق أي شيء يقوله عن الأصول لأنه خَلْقيّ”. على أي حال، إن كان السيف يقطع، فهو يقطع على الجانبين. أي أنه يمكننا أيضًا أن نقول: “لا يمكنك أن تصدق أي شيء يقوله عن الأصول لأنه دارويني”.

لماذا تُعتبَر الاستنتاجات الخَلْقية فورًا متحيزة وتُعتبَر الاستنتاجات الداروينية تلقائيًا موضوعية؟ لأن الأغلبية لا تدرك أن الملحدين لديهم منظور فلسفي للحياة مثلهم مثل الخَلْقيين. وكما نرى منظور الملحدين الفلسفي ليس محايدًا وهو يتطلب فعليًا قدرًا من الإيمان يزيد عن إيمان الخلقيين.

وكما ذكرنا آنفًا، إن التحيزات الفلسفية او الدينية تمنع المرء من تفسير الأدلة تفسيرًا صحيحًا، عندئذٍ يحق لنا أن نشك في استنتاجاته. وفي الموضوع الذي نحن بصدده، يبدو أن الداروينيين هم أكثر من يواجهون تلك المشكلة. إلا أن النقطة الرئيسية هي أنه حتى إن كان المرء مدفوعًا بالدين أو الفلسفة، يمكنه تصحيح استنتاجاته بنظرة مخلصة للأدلة. فالعلماء على الجانبين قد يصعب عليهم أن يكونوا محايدين، ولكنهم إن كانوا أمناء، يمكنهم أن يكونوا موضوعيين.

أما الشق الثاني في هذا الأعتراض هو الاتهام القائل بأن مؤيدي التصميم الذكي ليس لديهم أدلة على موقفهم، كل ما في الأمر أنه يرددون كلام الكتاب المقدس ترديدًا ببغائيًا. وهذا الشق من الاعتراض لا ينجح أيضًا. فمعتقدات التصميم الذكي قد تتوافق مع الكتاب المقدس، ولكنها لا تقوم على الكتاب المقدس. ولكن كما رأينا، التصميم الذكي استنتاج يقوم على أدلة مرصودة تجريبيًا، لا على نصوص مقدسة. وكما أشار بيهي “الحياة على الأرض أساسها، وفي مكوناتها الجوهرية نتاج نشاط ذكي. واستنتاج التصميم الذكي ينبع تلقائيًا من البيانات نفسها، لا من كتب مقدسة أو معتقدات دينية”.

التصميم الذكي ليس “عِلمًا خَلْقيًا” أيضًا. علماء التصميم الذكي لا يزعمون مزاعم المدعوين “علماء ”. فهم لا يقولون أن البيانات تؤيد بكل وضوح منظور سفر التكوين ذا الأيام الستة التي يتكون كل منها من أربع وعشرين ساعة، ولا طوفانًا غطى العالم كله. ولكنهم يعترفون أن البينات المؤيدة للتصميم الذكي لا تقوم على عمر أو تاريخ جيولوجي محدد للأرض. وعلماء التصميم الذكي يدرسون في الطبيعة نفس الأشياء التي يدرسها الداروينيون، وهي الحياة والكون نفسه، ولكنهم يتوصّلون لاستنتاج أكثر منطقية بخصوص مسبِّب تلك الأشياء. باختصار، بصرف النظر عما يقوله الكتاب المقدس في هذا الموضوع، الداروينية مرفوضة لأنها لا تتوافق مع البيانات العلمية، والتصميم الذكي مقبول لأنه متوافق مع البيانات.

الاعتراض: التصميم الذكي خاطئ لأن المدعو تصميمًا لا يتسم بالكمال.

الرد: طالما حاجَّ الداروينيون أنه لو وُجِد مصمِّم، لصمَّم المخلوقات على نحو أفضل. وهو ما أشار إليه ستيفن جاي في كتابه “إبهام الباندا”  The Panda’s Thumb حيث استشهد بالتصميم غير المثالي للبروز العظمي الذي يقوم مقام الإبهام عند حيوان الباندا.

إن مشكلة الداروينيين أن هذا ينقلب إلى حجة لمصلحة المصمم لا حجة ضده. أولاً، وصف جولد لشيءٍ ما بأنه تصميم غير مثالي يعني ضمنيًا أنه يعرف التصميم المثالي. لأنه لا يمكنك أن تعرف شيئًا ما غير مثالي إلا إذا كنت تعرف المثالي. إذَن ملاحظة جولد لتصميم غير مثالي تمثل اعترافًا ضمنيًا بأنه يمكن رصد تصميم في إبهام الباندا. (بالمناسبة، هذا سبب آخر يجعل الداروينيين مخطئين عندما يؤكدون أن التصميم الذكي ليس علمًا. فعندما يزعمون أن شيئًا ما ليس مصممًا بشكل صحيح، يقصدون ضمنًا أنهم يستطيعون أن يحددوا التصميم الصحيح. وهو ما يثبت ما يقوله علماء التصميم الذكي منذ زمن بعيد، ألا وهو أن التصميم الذكي علمًا لأنه يمكن رصده تجريبيًا).

ثانيًا، التصميم غير المثالي لا يلغي وجود تصميم. وهو ما يعني أنه حتى إن حَكمْتَ أن شيئًا ما ليس مصممًا بالشكل المثالي، لا يعني هذا أنه ليس مصمَّمًا على الإطلاق. فسيارتك ليست مصممة بالشكل المثالي، ومع ذلك فهي مصممة، مؤكد أنها لم تتكون بالقوانين الطبيعية.

ثالثًا، حتى تقول إن شيئًا غير مثالي، لا بد أن تعرف أهداف المصمم أو أغراضه.فإن كان جولد لا يعرف ما كان يقصده المصمم، فلا يمكنه أن يقول إن التصميم يَقْصُر عن بلوغ تلك المقاصد. فكيف يعرف جولد أن إبهام الباندا ليس هو بالضبط ما كان في عقل المصمم؟

جولد يفترض أن إبهام الباندا يجب أن يكون مجاورًا للسبابة كما هو الحال في الإنسان. ولكن ربما أن المصمم أراد إبهام الباندا بالشكل الذي هو عليه. وبالرغم من كل شيء، فإبهام الباندا يؤدي غرضه بامتياز في مساعدة الباندا على تقشير نباتات البامبو حتى يصل إلى جزئه الداخلي الذي يمكن أكله. من المحتمل أن الباندا لا يحتاج إبهامًا مجاورًا للسبابة لأنه لا يحتاج أن يكتب كتابًا مثل جولد، ولكن كل ما يحتاجه هو تقشير البامبو. لذا، لا يمكن لجولد أن يخَطِّئ مصمم ذلك الإبهام إن كان الغرض منه لا يزيد عن تقشير البامبو.

أخيرًا، في عالم مقيَّد بالواقع الفيزيائي، يتطلب التصميم كله تحقيق نوع من التوازن. فحسابات اللاب توب لا بد أن تُوازِن بين الحجم، والوزن، والأداء. والسيارات الكبيرة قد توفر مزيدًا من الأمان والراحة، ولكن التحكم فيها أصعب وتستهلك كمية أكبر من الوقود. السقوف العالية تُزيد الغرف فخامةً، ولكنها تستهلك أيضًا مزيدًا من الطاقة. ونظرًا لاستحالة التخلص من التوازنات في هذا العالم، على المهندسين أن يبحثوا عن حلول وسطية تحقق الأغراض المرجوة بأفضل ما يمكن. فمثلاً، لا يمكنك أن تعيب على تصميم سيارة صغيرة لأنها لا تكفي خمسة عشر راكبًا. فالهدف هو أن تحمل أربعة ركاب لا خمسة عشر راكبًا. وذلك لأن مصنع السيارات ضحى بالحجم في سبيل توفير الوقود وحَقَّقَ الغرض المرجو. وهكذا، ربما يُعَدّ تصميم إبهام الباندا حلاً وسطًا يحقق الأغراض المرجوة. فالإبهام مناسب جدًا لتقشير البامبو. ربما لو صُمِّمَ الإبهام بأي شكل آخر، لأعاق الباندا في مجال آخر. فنحن لا نعرف إلا إذا عرفنا أهداف المصمم. ولكن ما نعرفه بالتأكيد أن انتقادات جولد لا تنجح دون معرفة تلك الأهداف.

إذَن لماذا يوجد داروينيون حتى الآن؟

إن كانت أدلة التصميم الذكي بهذه القوة، إذَن لماذا يوجد داروينيون حتى الآن؟ فمهما كان، هؤلاء الأشخاص ليسوا سُذَّجًا، بل أسماؤهم عادةً ما تكون مسبوقة بلقب دكتور!

أول ما يجب ملاحظته أن المسألة ليست مجرد قضية فكرية حيث ينظر الداروينيون إلى الأدلة نظرة متجردة من المشاعر الشخصية ثم يتوصلون إلى استنتاج عقلاني. فقد كتب ريتشارد دوكينز هذه الكلمات المشهورة: “إن التقيتَ بشخص يزعم أنه لا يؤمن بالتطور، تستطيع أن تقول بكل إرتياح وثقة إنه جاهل، أو غبي، أو مجنون (أو شرير، وإن كنت لا أفضل أن آخذ هذا الوصف في الحسبان)”. وطبعًا تعليق دوكينز خاطئ بكل بساطة. وذلك لأن هناك عباقرة حملة دكتوراه يؤمنون بالتصميم الذكي. ولكن السؤال الحقيقي هو: لماذا الإهانات؟ لماذا الانفعال؟ لماذا العداوة؟ كنت أظن أن الموضوع علمي. لا بد أن هناك شيئًا آخر.

نعم. لنرجع إلى كلام ريتشارد ليونتِن الذي اقتبسناه في الفصل السابق. تَذَكَّر تأكيده أن الداروينيين يؤمنون بما يؤمنون به من عبث لأن “المادية مطلقة لأننا لا نستطيع أن نسمح بدخول قَدَم إلهية من الباب”. هذه هي القضية الحقيقية! إبقاءُ الله خارجًا. ولكن لماذا لا يريد الداروينيين “قدمًا إلهية في الباب”؟ نقترح أربعة أسباب رئيسية.

أولاً، اعتراف الداروينيين بالله يعني الاعتراف بأنهم ليسوا السلطة المرجعية العليا للحق. فحاليًا في هذا العالم المتقدِّم تكنولوجيًا، تنظر العامة إلى العلماء باعتبارهم السلطة المرجعية الموقَّرة، إنهم الكهنة الجدد الذين بِيَدِهم إمكانية تحسين الحياة والذين يشكلون المصدر الوحيد للحق الموضوعي. ولكن السماح بإمكانية وجودِ الله يعني التنازل عن زعمهم بأنهم أصحاب السلطة العليا.

ثانيًا، اعتراف الداروينيين بالله يعني الاعتراف أنهم ليسوا أصحاب السلطة المرجعية المطلقة في تفسير المسببات. بمعنى أنه إن كان الله موجودًا لا يمكنهم أن يفسروا كل حدث باعتباره نتيجة لقوانين طبيعية يمكن التنبؤ بها. وهو ما عَبَّرَ عنه ريتشارد ليونتن على هذا النحو: “الاحتكام إلى إله كلي القدرة يعني السماح بخرق منتظِمات الطبيعة في أي لحظة، والسماح بالمعجزات”. وكما أشار جاسترو أنه عندما يحدثُ ذلك “يفقد العالِم السيطرة” ويتركها لله بالتأكيد، وربما للاَّهوتي.

ثالثًا، اعتراف الداروينيين بالله يعني المخاطرة بأمانهم المادي وإعجاب الناس بهم على المستوى المهني. كيف؟ بسبب الضغط الشديد من المجتمع الأكاديمي لنشر مواد تؤيد التطور. هات موضوعًا مهمًا، وقد تجد نفسك على غلاف مجلة ناشونال جيوجرافك National Geographic أو موضوع حلقة خاصة على محطة بي. بي. إس PBS. وإن لم تجد شيئًا مهمًا، قد تجد نفسك خارج وظيفتك، أو قد تفقد الأموال الممنوحة لك، أو تفقد على الأقل رضا زملائك المؤمنين بالفلسفة المادية. إذَن المال، والأمان الوظيفي، والمركز الاجتماعي كلها دوافع لتأييد المنظور الدارويني.

أخيرًا، وربما الأهم، اعتراف الداروينيين بوجودِ الله يعني الاعتراف بأنهم لا يملكون سلطةَ تعريفِ الصواب والخطإ بأنفسهم. فاستبعاد الداروينيين لما هو فائق للطبيعة يُمَكِّنهم من تجنب إمكانية وجود ممنوعات أخلاقية. لأنه إن لم يكن هناك إله، يكون كل شيء مشروعًا، كما قالت إحدى الشخصيات في رواية للكاتب دوستويفسكي. (سنتناول الارتباط بين الله والأخلاق في الفصل القادم).

والحقيقة أن الراحل جوليان هَكسلي Julian Huxleyأحد قادة الداروينيين في إحدى الفترات، اعترف أن الحرية الجنسية دافع شائع وراء العقيدة التطورية. وعندما سأله مرف جريفن Merv Griffin مضيف البرامج الحوارية: “لماذا يؤمن الناس بالتطور؟” أجاب بصدق قائلاً: “سبب قبولنا للداروينية، حتى دون برهان، هو أننا لم نُرِدْ أن يتدخل الله في أعرافنا الجنسية”. لاحظ أنه لم يستشهد بأدلة على التولد التلقائي ولا من سجل الحفريات. والدافع الذي لاحظ انتشاره بين التطوريين يقوم على استحسانات أخلاقية، لا أدلة علمية.

ويكشف الملحد السابق لي ستروبِل Lee Strobel أن إيمانه بالداروينية يرجع إلى هذا الدافع. فهو يكتب: “كنتُ سعيدًا أن أتعلق بالداروينية كذريعة للتخلص من فكرِة الله حتى أتمكن من تحقيق أغراضي في الحياة بلا خجل دون أي محاذير أخلاقية”.

وقد اعترف بعض الداروينيين أيضًا بذلك للكاتب والمحاضر رون كارلسون. ففي إحدى المناسبات، بعد أن ألقى محاضرة في جامعة كبرى عن مشكلات الداروينية وأدلة التصميم الذكي، تناول العشاء مع أستاذ علم الأحياء حَضَرَ عَرْضَه.

فسأله كارلسون: “ما رأيك في محاضرتي؟”

فبدأ الأستاذ كلامه قائلاً: “رون، كلامك صحيح ومعقول جدًا. ولكني سأستمر في تدريس الداروينية على أي حال”.

فتحير كارلسون وسأله: “لماذا؟”

أجاب الأستاذ: “بصراحة يا رون لأن الداروينية مريحة أخلاقيًا”.

فسأل كارلسون بإلحاح: “مريحة أخلاقيًا؟ ماذا تقصد؟”

أجاب الأستاذ: “أقصد إن كانت الداروينية صحيحة، أي أن لم يكن الله موجودًا وكلنا تطورنا من طحالب خضراء لزجة، يمكنني أن أنام مع من أريد. في الداروينية لا مُساءلة أخلاقية”.

إنها لحظة صدق تام. طبعًا هذا لا يعني أن كل الداروينيين يفكرون بهذه الطريقة أوأن كل الداروينيين غير أخلاقيين، فلا شك أن البعض يعيشون حياة أخلاقية أفضل من الكثيرين ممن يُدْعَون مسيحيين. ولكنه يكشف ببساطة أن بعض الداروينيين مدفعون لا بالأدلة بل برغبة في أن يظلوا أحرارًا مما يضعه الله من محاذير أخلاقية معروفة. وهذا الدافع قد يؤدي بهم إلى إخماد الأدلة على وجود خالق حتى يواصلوا حياتهم بالطريقة التي تحلو لهم. (وبهذا المعنى لا تختلف الداروينية عن الكثير من أديان العالم الأخرى من حيث إنها تقدم طريقة للتعامل مع الذنب الذي ينتج من السلوك غير الأخلاقي. الفرق هو أن بعض الداروينيين بدلاً من أن يُقِرَوا بالذنب ويقدموا طرقًا للتكفير عنه أو قواعد لتجنبه، يحاولون أن يتجنبوا أي إشارة للذنب بتأكيد أنه ليس هناك سلوك غير إخلاقي حتى نكون مذنبيين بارتكابه).

هذه الدوافع الأربعة التي اقترحناها يجب ألا تدهشنا. فالجنس والسلطة هما الدافعان اللذان يشكلان أساس الكثير من مناقشتنا الثقافية الأشَدّ حدةً، مثل تلك المختصة بالإجهاض والمثلية الجنسية. ففي أغلب الأحيان يتخذ الناس في تلك المجادلات المواقف التي تتماشى مع رغباتهم الشخصية فحسب بدلاً من أن يفكروا في الأدلة.

وكذلك الاعتقاد في الداروينية غالبًا ما يكون مسألة إرادية أكثر منه مسألة عقلية. وأحيانًا يرفض الناس ما يعرفون أنه حقيقي بسبب ما سيُحدثه من تأثير على حياتهم الشخصية. وهو ما يفسر اقتراح بعض الداروينيين لهذه التفسيرات العبثية “المناقضة لما هو واضح”، التفسيرات التي “تخالف الحس العام”. فالبرغم من الأدلة الصريحة على التصميم، هؤلاء الداروينيون يخشون تدخل الله في حياتهم الشخصية أكثر مما يخشون أن يكونوا مخطئين في استنتاجتهم العلمية.

وهو ما لا يعني أن كل الداروينيين لديهم هذه الدوافع وراء معتقداتهم. فالبعض قد يعتقدون فعلاً أن الأدلة تؤيد نظريتهم. ونظن أنهم يكَوِّنون هذا المفهوم الخاطئ لأن معظم الداروينيين نادرًا ما يدرسون أبحاثًا في مجالات أخرى. والنتيجة أن عددًا قليلاً جدًا هو من يرى الصورة كاملة.

وهو ما ينطبق بوجه خاص على علماء الأحياء. فعالِم الأحياء الخلوية والجزيئية جوناثان ولز يشير إلى أن “معظم علماء الأحياء أمناء ومجتهدون وحريصون على تقديم الأدلة بدقة، ولكنهم نادرًا ما يغامرون بالخروج من مجالاتهم”. وهو ما يعني أنه بالرغم من أنهم أمناء في عملهم، فهم لا يرون إلا قطعة اللغز التي تخصهم. وبما أن معظم علماء الأحياء تعلموا أن سطحَ علبة اللغزِ الداروينيَّ صحيح بوجه عام (فقط تلك التفاصيل المزعجة هي التي لم يوجد لها حل حتى الآن)، إذَن هم يفسرون قطعة اللغز التي تخصهم بناءً على سطح العلبة الذي في عقولهم، مفترضين صدق المنظور الدارويني ومفترضين أن أقوى الأدلة على الداروينية موجودة في مجال آخر من مجالات علم الأحياء. لذا، حتى إن كانوا لا يرون أدلة على التولد التلقائي أو الماكرو تطور في قطعة اللغز التي تخصهم، فمن المؤكد أن الدليل موجود في مجال آخر في علم الأحياء لأن سطح العلبة الدارويني يستلزم أن تكون الأمور صحيحة. وهذه الظروف تجعل علماء الأحياء لا يَشُكّون في النموذج التطوري.

ما اهمية عمر الكون؟

لا نستطيع أن نترك مناقشة التطور والخلق دون أن نذكر على الأقل عمر الكون. وبما أن الآراء تتعدد حول هذا الموضوع، وخاصةً في الدوائر المسيحية، فالمجال هنا لا يسمح بتناول كل هذه الآراء (ولكنها مشروحة بالتفصيل في “موسوعة بيكر للدفاعيات المسيحية واللاهوت النظامي، الجزء الثاني” Baker Encyclopedia  of Christian Apologetics and Systematic Theology, Volume 2).

إلا أننا نريد أن نؤكّد أنه رغم أن عمر الكون مسألة لاهوتية مهمة، فالأهم ليس متى خُلِقَ الكون ولكن أنه خُلِقَ. وكما رأينا الكون انفجر إلى الوجود من العدم، وقد ضُبِطَ ضبطًا دقيقًا ليدعم الحياة على الأرض. وبما أن هذا الكون، بما فيه مُتَصَّل الزمكان time-space continuum كله، له بداية، إذَن يتطلب بادئًا بغضِّ النظر عن الوقت الذي حدثت فيه هذه البداية. وهكذا، بما أن هذا الكون مصمَّم، إذَن هو يتطلب مصمِّمًا بغض النظر عن الوقت الذي تم فيه هذا التصميم.

يمكننا أن نناقش مدة أيام سفر التكوين، أو ما إذا كانت الافتراضات التي تقوم عليها أساليب تحديد عمر الأرض افتراضات صحيحة. ولكننا عندما نفعل ذلك، لا بد أن نحترس من التشويش على الفكرة الأهم، ألا وهي أن هذه الخليقة تتطلب خالقًا.[5]

 

الملخص والخلاصة

 

والآن نصل إلى فصل القول. ليس هناك فعليًا إلا احتمالان: إما أن الله خَلَقَنا، أو أننا خَلَقْنا الله. إما أن الله موجود فعلاً، أو أنه من نسجِ عقولنا. وكما رأينا الداروينية حيث لا إله هي نتاج العقل البشري. ولا بد أن تتمتع بقدر كبير من الإيمان حتى تصبح داروينيًا. وعليك أن تؤمن أنه بدون تدخل ذكي:

1- شيء نشأ من لا شيء (أصل الكون).

2- النظام نشأ من الفوضى (تصميم الكون).

3- الحياة نشأت من اللاحياة (أي أن الذكاء نشأ من اللاذكاء، والشخصية من اللاشخصية).

4- الأشكال الجديدة من الحياة نشأت من أشكال حياة موجودة رغم الأدلة التي تُثْبت العكس مثل:

(1) الحدود الوراثية

(2) التغير التكراري

(3) التعقيد غير القابل للاختزال

(4) الانعزال الجزيئي

(5) عجز الأشكال الانتقالية عن الحياة

(6) سجل الحفريات

 

أذَن الأدلة ليست في صالح الماكرو تطور. ولكن ماذا عن الماكرو تطور الخَلقي؟ ربما ما لا يمكن تفسيره طبيعيًا يصبح له معنى إن أدخلت الله في الصورة.

لماذا هذا الاقتراح؟ لأنه إن وُجِدَت أدلة على الله وعلى الماكرو تطور، إذَن قد نجد سببًا لدمج الاثنين معًا. ولكن كما رأينا، ليس هناك أدلة على الماكرو تطور. فالأمر ليس أن عندنا أدلة متضاربة: بعضها يشير إلى الماكرو تطور، وبعضها يدحضه. فإن كان عندك مثلاً سجل حفريات يحوى ملايين الأشكال الانتقالية من ناحية، وعندك من ناحية أخرى مخلوقات معقَّدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال، ربما يمكنك أن ترجح أن الله وَجَّهَ التطور أثناء تلك الفجوات التي لا يربط بينها ارتباط. ولكن بما أن الحال ليس هكذا، يبدو أنه لا حاجة أن يوجِّه الله الماكرو تطور لأنه ليس هناك دليل على حدوث الماكرو تطور أصلاً!

أخيرًا نلقي نظرة على الأدلة من منظور سؤال آخر: ما نوعية الأدلة المطلوبة لإثبات صحة الخلق (التصميم الذكي)؟ ماذا عن:

1- الكون انفجر إلى الوجود من العدم

2- الكون الذي يحوي أكثر من 100 ثابت مضبوطة ضبطًا دقيقًا وتُمَكِّن الحياة من الوجود على هذا الكوكب النائي شديد الصغر الذي يُطلَق عليه الأرض

3- الحياة التي:

  • لوحظ أنها لا تنشأ من حياة موجودة (لم يُلحَظ أبدًا أنها نشأت تلقائيًا)
  • تتكون من آلاف بل ملايين الموسوعات من التعقيد المحدد المرصود تجريبيًا (ومِن ثم فالحياة أعظم من المواد الكيميائية غير الحية التي تحويها)
  • تتغير تكراريًا وفي نطاق محدود
  • لا يمكن بناؤها أو تعديلها تدريجيًا (أي أنها معقدة تعقيدًا لا يقبل الاختزال)
  • منعزلة جزيئيًا فيما بين الأشكال الأساسية (ليس هناك تدرج ينحدر من سلف واحد على المستوى الجزيئي)
  • تترك سجل حفريات يحوي كائنات مكتماة التكوين تظهر فجأة، ولا تتغير، ثم تختفي فجأة.

إن نظرة متجردة إلى الحقائق ترجِّح أن الخلق هو الصحيح، وليس الماكرو تطور. وكما رأينا الملحدون عليهم أن يبذلوا جهدًا كبيرًا حتى ينكروا الواضح. ولذلك فهم يحتاجون إلى إيمان أكبر بكثير مما نحتاج إليه.

 

أخيرًا، نقدم مقترحًا في حل الجدل الدائر في هذا البلد بشأن ما يجب تدريسه في المدارس الحكومية عن الخلق والتطور. ما الخطأ في تدريس ما تناولناه من الفصل الثالث إلى السادس؟ لاحظ أننا لم نقتبس آيات من الكتاب المقدس لإثبات أفكارنا. ولكننا استشهدنا بأدلة علمية. إذَن فهي ليست معركة بين العلم والدين، ولكنها معركة بين العلم السليم والعلم الركيك. وحاليًا معظم أبنائنا يدرسون علمًا ركيكًا لأنهم يدرسون إلا التطور. ولكن الأمور يجب ألا تسير هكذا. فما هو ضد الدستور في تدريس أدلة SURGE، أو تعريف الأطفال بتعقيد أبسط أشكال الحياة، أو إظهار الفرق بين الميكرو والماكرو تطور وبين علم الأدلة الجنائية والعلم التجريبي، أو كشف المشكلات التي تشوب الماكرو تطور؟ لا شيء. فلماذا نستمر في حقن أبنائنا بنظرية معيبة متهرئة تقوم على افتراضات فلسفية مسبقة أكثر مما تقوم على الملاحظات العلمية؟ لماذا لا نطرح على أبنائنا كل الأدلة العلمية، المؤِّيدة والمضادة، ونترك لهم الاختيار؟ ألا يجب أن نعلِّمهم أن يفكِّروا بأنفسهم تفكيرًا نقديًا؟ بالطبع، علينا أن نفعل ذلك. ولكن الداروينيون سيفعلون كل ما بوسعهم للحيلولة دون هذا الأمر. فالداروينيون يفضلون إخماد الدليل على تقديمه بشكل منصف. لماذا؟ لأن هذا هو المجال الوحيد الذي يفتقر فيه الداروينيون للإيمان، فهم لا يملكون الإيمان بأن أبناءنا سيستمرون في تصديق نظريتهم إذا رأوا كل الأدلة.

 

 

 

 

 

[1]    Bit اختصار binary digit وتستخدم كوحدة قياس للمعلومات الرقمية. (المترجمة)

[2]  يتفق ميلر مع بيهي في أن الانتخاب الطبيعي لا يستطيع أن يفضّل تطور جهاز لا يعمل. ولكنه يفند الحجة باقتراحه أن المصيدة في المرحلة الإنتقالية، عندما لا تقدر على اصطياد الفئران، يمكن أن تعمل كمشبك ربطة عنق أو سلسلة مفاتيح (انظر http://www.millerandlevine.com/km/evol/DI/Mousetrap.htm!). وهو ما يخطئ الهدف طبعًا. فالكائنات الحيّة المعقدة لا يمكنها أن تستبدل عشوائيًا وظيفة بوظيفة آخرى وتظل على قيد الحياة. ولكن الكائن الحي يموت لو فشلت أجزاؤه الأساسية في أداء وظيفتها الأولية، حتى إن كانت تؤدي وظيفة أخرى أثناء مرحلته الانتقالية الداروينية. أي أن المهم هو فقدان الوظيفة الأساسية، وليس أن الجهاز المتوسط قد يتمكن من فعل شيء آخر في المرحلة المتوسطة!

[3]  كما رأينا، ينطبق ذلك على تشابه الـDNA الذي يمكن أن يكون أيضًا نتيجة لمصمم مشترك تمامًا كما يمكن أن يكون نتيجة لسلف مشترك.

[4]  انظر الحاشية السفلية ص 144. (المترجمة)

[5]  بعض المسحيين يخشون من أن التسليم بفترات زمنية طويلة يُزيد من معقولية الماكرو تطور. ولكن هذا ليس صحيحًا كما رأينا في الفصل الخامس.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

ترجمات الكتاب المقدس العربية قبل الإسلام - الأب سهيل قاشا

ترجمات الكتاب المقدس العربية قبل الإسلام – الأب سهيل قاشا

ترجمات الكتاب المقدس العربية قبل الإسلام – الأب سهيل قاشا ترجمات الكتاب المقدس العربية قبل …