الرئيسية / أبحاث / هل عندنا شهادات مبكرة عن يسوع؟ فحص الأدلة

هل عندنا شهادات مبكرة عن يسوع؟ فحص الأدلة

هل عندنا شهادات مبكرة عن يسوع؟ فحص الأدلة

هل عندنا شهادات مبكرة عن يسوع؟ فحص الأدلة
هل عندنا شهادات مبكرة عن يسوع؟ فحص الأدلة

هل عندنا شهادات مبكرة عن يسوع؟ فحص الأدلة

“إنا الأدلة التاريخية تقودنا إلى تأكيد اعتقادنا؛ والنتيجة أن الإيمان اللازم لملء الفجوة المتبقية إيمان معقول”.

كريج بلومبرج Craig Blomberg

الإنجيل حسب غير المسيحيين

سنة 66م قام اليهود في فلسطين بثورة ضد الحكم الروماني، وإن أردنا أن نعطيها وصفاً مخففاً، نقول إن الرومان لم يتوقعوها. ومن ثم أرسل الإمبراطور قوات بقيادة الجنرال فسبزيان Vespasian لقمع التمرد واستعادة السيطرة على مناطق المتمردين. وسنة 67 ضرب فسيزيان الحصار على مدينة يودفات Jotapata المتمردة في الجليل. وفي اليوم السابع والأربعين من ذلك الحصار، فضل أحد شباب الثورة أن يستسلم للجيش الروماني الأقوى على أن ينتحر، وهو المصير الذي اختاره الكثير من اهل بلده. ونال ذلك الشاب رضا فسيزيان ثم أخذه بعد ذلك الجنرال تيطس، ابن فسيزيان، إلى روما بعد أن دمر تيطس أورشليم والهيكل اليهودي سنة 70.

وكان ذلك الشاب فلافيوس يوسيفوس Flavius Josephus (حوالي 37 – حوالي 100) الذي أصبح أعظم مؤرخ يهودي في عصره. وقد بدأ يوسيفوس كتاباته التاريخية في روما أثناء عمله مؤرخاً للإمبراطور الروماني دوميتيان Domitian. وهناك كتب سيرته الذاتية وعملين تاريخيين كبيرين. وأحدهما عمله المشهور حالياً، وعنوانه “آثار اليهود” Antiquities of the Jews الذي انتهى منه حوالي سنة 93م. وفي الكتاب الثامن عشر من هذا العمل، في القسم الثالث من الفصل الثالث كتب يوسيفوس، الذي لم يكن مسيحياً، هذه الكلمات:

في ذلك الوقت [زمن بيلاطس] كان هناك رجل حكيم يدعى يسوع. كان سلوكه طيباً وعرف بفضيلته. والكثير من اليهود ومن الأمم الأخرى صاروا له تلاميذ. إلا أن بيلاطس حكم عليه بالصلب والموت. ولكن من صاروا له تلاميذ لم يهجروا تتلمذهم له. وقد رووا أنه ظهر لهم بعد صلبه بثلاثة أيام، وأنه كان حياً؛ وبناء عليه من المحتمل أنه كان المسيا الذي روى عنه الأنبياء الأعاجيب.

وهذه ليست المناسبة الوحيدة التي يشير فيها يوسيفوس[1] إلى يسوع.

ففي فقرة أخرى من كتاب “الآثار”، كشف يوسيفوس كيف استغل رئيس كهنة اليهود الجديد (حنان الصغير) الفراغ في الحكم الروماني لقتل يعقوب أخي يسوع. ففي سنة 62م مات الحاكم الروماني فستوس فجأة وهو لم يزل في منصبه. ولم يصل خليفته ألبينوس Albinus إلى اليهودية إلى بعد ثلاثة شهور. مما أتاح لحنان وقتاً كافياً للقيام بعمله الدنيء. ويصف يوسيفوس الحادثة على هذا النحو:

مات فستوس، وكان ألبينوس في الطريق لم يصل بعد، فجمع [حنان رئيس الكهنة] سنهدريم القضاة، وأحضر أمامهم أخا يسوع الذي يدعى المسيح، واسمه يعقوب، وأناساً آخرين [أو بعض رفاقه]، وعندما حَبَكَ تهمة ضدهم باعتبارهم خارجين على القانون، سلمهم للرجم.

لذا، هذه ليست مجرد إشارة أخرى إلى يسوع من القرن الأول، ولكنها أيضاً تأكيد أن يسوع كان له أخ يدعي يعقوب واضح أنه لم يكن محبوباً من السلطات اليهودية. هل من المحتمل أن يعقوب استشهد لأنه كان قائد كنيسة أورشليم كما هو متضمن في ؟[2]

ولكن كم عدد المصادر غير المسيحية التي تذكر يسوع؟ هناك عشرة كتاب غير مسيحيين معروفون، منهم يوسيفوس، يذكرون يسوع في غضون 150 سنة من حياته[3].

وخلافاً لذلك، نجد أنه على مدار هذه المائة والخمسين سنة هناك تسعة مصادر غير مسيحية تذكر طيباريوس قيصر، الإمبراطور في زمن يسوع. لذا، باستثناء كافة المصادر المسيحية، نجد أن المصادر التي تذكر يسوع تزيد عن التي تذكر الإمبراطور الروماني بمصدر. وإن أضفت المصادر المسيحية، تجد أن الكتاب الذين يذكرون يسوع يزيدون علن الذين يذكرون طيباريوس بنسبة 43 إلى 10![4]

وبعض هذه المصادر غير المسيحية، مثل سيلسوس Celsus، وتاسيتس Tacitus، والتلمود اليهودي يمكن أن تعتبر مصادر ضد المسيحية. ورغم أن هذه الأعمال لا تتضمن أي شهادة شهود عيان تتناقض مع الأحداث الموصوفة في وثائق ، فهي أعمال ألفها كتاب ضد المسيحية على خط مستقيم. فماذا نستنتج من مصادرهم ومن المصادر غير المسيحية الأكثر حيادية؟ نستنتج أنهم يعترفون بحقائق معينة عن المسيحية المبكرة تساعدنا على تجميع أحداث قصة تتوافق بشكل مدهش مع . وإن جمعنا كل المراجع العشرة غير المسيحية، نرى أن:

1 – يسوع عاش أثناء حكم طيباريوس قيصر.

2 – عاش حياة فاضلة.

3 – صنع عجائب.

4 – كان له أخ يدعى يعقوب.

5 – أُعْلِنَ أنه المسيا.

6 – صلب على عهد بيلاطس البنطي.

7 – صلب ليلة الفصح اليهودي.

8 – عند موته حدثت ظلمة وزلزلة.

9 – آمن تلاميذه أنه قام من الأموات.

10 – كان تلاميذه على استعداد أن يموتوا في سبيل عقيدتهم.

11 – المسيحية انتشرت بسرعة حتى وصلت إلى روما.

12 – تلاميذ يسوع أنكروا الآلهة الرومانية وعبدوا يسوع بصفته الله.

في ضوء هذه المراجع غير المسيحية يتضح أن النظرية التي تقول بأنه لم يكن هناك شخص اسمه يسوع، غير منطقية على الإطلاق. فكيف يكشف كُتاب غير مسيحيين مجتمعين أحداث قصة تتفق مع لو لم يكن هناك شخص اسمه يسوع؟

ولكن هذه الحقيقة تنطوي على مضامين أعمق. فماذا تعني بخصوص ؟ واضح أن المصادر غير المسيحية تؤكد . فبالرغم من أن الكتاب غير المسيحيين لا يقولون إنهم يؤمنون بالقيامة. فهم يسجلون أن التلاميذ آمنوا بها دون شك.

وبما أن الإعلان الطبيعي يؤكد وجود الله وإمكانية المعجزات كما أوضحنا، وبما أن مصادر غير مسيحية تؤكد الأحداث الرئيسية في قصة المسيح والكنيسة الأولى، فهل معجزات المسيح حدثت بالفعل كما يزعم التلاميذ؟ هل وثائق تسجل تاريخاً حقيقياً؟ هل من الممكن ألا تكون كتابات دينية متحيزة مليئة بالأساطير والحكايات كما يفترض الكثيرون في عالمنا الحديث. بل تصف أحداثاً وقعت بالفعل منذ حوالي ألفي عام؟ إن كان كذلك، فنحن في طريقنا إلى اكتشاف الدين الصحيح من بين الأديان التي تؤمن بالله الخالق.

وحتى نتأكد مما إذا كان سجلاً لتاريخ حقيقي، ينبغي أن نجيب عن سؤالين بخصوص الوثائق التي تشكل :

1 – هل لدينا نسخ دقيقة للوثائق الأصلية التي كتبت في القرن الأول؟

2 – هل تلك الوثائق تقول الحقيقة؟

حتى نصدق رسالة العهد الجديد، لا بد أن تكون إجابة كل من هذين السؤالين بالإثبات. فلا يكفي تقديم أدلة على أنه لدينا نسخة دقيقة من وثائق القرن الأول الأصلية (السؤال الأول) لأنه من المحتمل أن تلك الوثائق تسجل أكاذيب. ولكن يجب أن تتوافر لدينا نسخة دقيقة من الوثائق وأن يكون لدينا سبب لتصديق أن تلك الوثائق تصف ما حدث حقاً منذ ما يقرب من ألفي عام (السؤال الثاني). فلنبدأ بالسؤال الأول.

السؤال الأول: هل لدينا نسخة دقيقة؟

مؤكد أنك تتذكر لعبة الأطفال “التليفون”. في هذه اللعبة يعطى أحد الأطفال رسالة شفهية ليوصلها للطفل المجاور له، وهكذا دواليك. وعندما تصل الرسالة إلى آخر طفل في السلسلة تكون قد اختلفت عن الرسالة التي أعطيت لأول طفل. ويبدو للملاحظ غير المدقق أن هذا النوع من التشوه يمكن أن يطول الوثائق التي انتقلت من جيل إلى جيل على مدى ألفي عام.

ولكن من حسن الحظ أن العهد الجديد لم ينتقل بتلك الطريقة. فيما أنه لم يقال لشخص واحد أخبر به شخصاً أخر وهكذا، إذن مشكلة لعبة التليفون لا تنطبق على العهد الجديد. ولكن أعداداً كبيرة من البشر، كلاً منهم على حدة، شهدوا لأحداث العهد الجديد. والكثيرون منهم احتفظوا بها في الذاكرة، وتسعة من شهود العيان/ المعاصرين أولئك سجلوا ملاحظاتهم كتابة.

وهنا يجب أن نزيل مفهوماً خاطئاً شائعاً عن العهد الجديد. عندما نتحدث عن وثائق العهد الجديد لا نقصد كتاباً واحداً، بل حوالي 27 كتاباً. فوثائق العهد الجديد عبارة عن 27 وثيقة مختلفة كتبت على 27 درجاً مختلفاً بقلم تسعة كتاب مختلفين في فترة زمنية حوالي من عشرين إلى خمسين عاماً. وهذه الكتب الفريدة جمعت منذ كتابتها في كتاب واحد نطلق عليه اليوم الكتاب المقدس. إذن العهد الجديد ليس مجرد مصدر واحد، بل مجموعة مصادر.

ولكن أمامنا مشكلة واحدة: حتى الآن لم تكتشف ولا واحدة من وثائق العهد الجديد المكتوبة الأصلية. وليس لدينا إلا نسخ من الكتابات الأصلية يطلق عليها مخطوطات. فهل يمنعنا ذلك من معرفة ما تقوله الأصول؟

إطلاقاً. فالحقيقة أن كل كتابات العالم القديم القيمة أعيد إنشاؤها بما يطابق الشكل الأصلي عن طريق المقارنة بين الباقية. ولإعادة إنشاء الأصل. من المفيد أن يتوافر لدينا عدد كبير من التي كتبت بعد الأصل بفترة ليست طويلة. وكلما ازداد عدد وكلما كانت أقدم، عادة ما توفر لنا شهادة أكثر موثوقية وتمكننا من إعادة الإنشاء بمزيد من الدقة.

فما مدى مطابقة وثائق العهد الجديد لهذه القواعد؟ إنها تتطابق معها بدرجة كبيرة جداً، بل بدرجة تفوق بكثير أياً من وثائق العالم القديم. فالحقيقة أن مخطوطات وثائق العهد الجديد أكثر وأقدم ولها أدلة أوفر مقارنة بأفضل عشرة أعمال كلاسيكية مجتمعة. وإليك ما نعنيه:

مخطوطات أكثر: بين آخر إحصاء أن اليونانية المكتوبة بخط اليد تصل إلى ما يقرب من 5700 مخطوطة. علاوة على ذلك هناك أكثر من 9000 مخطوطة بلغات أخرى (مثل السريانية، والقبطية، واللاتينية، والعربية). وبعض هذه التي تبلغ زهاء 15000 مخطوطة عبارة عن كتاب مقدس كامل، والبعض الآخر عبارة عن أسفار أو صفحات، والقليل منها مجرد قصاصات غير مكتملة. وكما هو مبين في الشكل التالي، ليس هناك شيء من العالم القديم يقترب من هذا المستوى من تأييد لصحة النص. فأول عمل يقترب من هذا المستوى بعد العهد الجديد هو إلياذة هوميروس التي يبلغ عدد مخطوطاتها 643 مخطوطة. ومعظم الأعمال القديمة الأخرى تستند على أقل من اثنتي عشرة مخطوطة، ومع ذلك قليل من المؤرخين يشككون في تاريخية الأحداث التي تصفها تلك الأعمال.

مخطوطات أقدم: إن العهد الجديد لا يتمتع بالتأييد نتيجة لوفرة مخطوطاته فحسب، بل يتمتع أيضاً بمخطوطات كتبت بعد الأصول بفترة وجيزة. وأقدم مخطوطة لا خلاف عليها عبارة عن جزء من يوحنا 18: 31-33، 37، 38 وتعرف باسم قصاصة جون ريلاندز John Rylands Fragment (لأنها محفوظة في مكتبة جون ريلاندز John Rylamds Library في مانشستر بإنجلترا). ويحدد الدارسون تاريخها فيما بين 117-138م، ولكن البعض يقولون إنها أقدم من ذلك. وقد وجدت في مصر على البحر المتوسط مقابل المكان الذي يتوقع أنها كتبت فيه في آسيا الصغرى. مما يبين أن إنجيل يوحنا نسخ وانتشر في مساحة شاسعة بحلول مطلع القرن الثاني.

ولكن هناك تسع قصاصات عليها خلاف أقدم من قصاصة جون ريلاندز يترواح تاريخها من 50 إلى 70م، عثر عليها مع مخطوطات البحر الميت. ويعتقد بعض العلماء أن هذه القصاصات عبارة عن أجزاء من ستة أسفار من العهد الجديد تتضمن إنجيل مرقص، وسفر الأعمال، ورسالة رومية، ورسالة تيموثاوس الأولى، ورسالة بطرس الثانية، ورسالة يعقوب. ورغم أن علماء آخرين يعترضون على هذا الاستنتاج (ربما لأن الاعتراف به يقوض ميلهم الليبرالي إلى الاعتقاد بأن العهد الجديد كتب في مرحلة متأخرة عن ذلك)، فلم يمكنهم العثور على أي نصوص أخرى بخلاف العهد الجديد تتطابق مع هذه [5].

وقد وجدت القصاصات في كهف عرف فيما سبق أنه يحوي مادة من سنة 50ق. م إلى 50م. وأول عالم رصد هذه القصاصات المبكرة باعتبارها أسفاراً من العهد الجديد هو هوسية أوكالاهان Jose O’Callahan وهو عالم اسباني مشهور في خطوط الكتابة Paleographer. وقد أقرت مجلة نيويورك تايمز بتداعيات نظرة أوكالاهان إذ اعترفت أنها إذا كانت صحيحة «ستثبت أن واحداً من الأناجيل على الأقل، ألا وهو إنجيل القديس مرقص، كتب عقب موت يسوع ببضع سنوات قليلة”.

ولكنها حتى إن لم تكن قصاصات حقيقية من العهد الجديد وقصاصة جون ريلاندز هي فعلاً الأقدم، فالفاصل الزمني بين الأصل وأول نسخة باقية ما زال أقصر بكثير من أي شيء آخر من العالم القديم[6]. فثاني أقصر فاصل هو الذي يفصل بين أصل الإلياذة وأقدم نسخها، ويبلغ حوالي 500 سنة، ومعظم الأعمال القديمة الأخرى يبلغ عمرها 1000 سنة أو أكثر بعد الأصل. ولكن فجوة العهد الجديد حوالي 25 سنة وربما أقل. (وهذا لا يعني عدم وجود مخطوطات أخرى بين الأصل والنسخة الأولى، بل المؤكد أنه كان هناك مخطوطات. ولكنه يعني ببساطة أن تلك فنيت، أو دمرت، أو لم تكتشف بعد).

ما عمر أقدم الباقية لأسفار كاملة من العهد الجديد؟ التي تمثل أسفاراً كاملة من العهد الجديد باقية من حوالي سنة 200م. وماذا عن أقدم كاملاً؟ معظم العهد الجديد، بما فيه كل الأناجيل، باق من سنة 250، وهناك مخطوطة للعهد الجديد كله (وتتضمن عهداً قديماً يونانياً) يطلق عليها المخطوطة الفاتيكانية Codes Vaticanus باقية من حوالي سنة 325. وما زال عدد من الأخرى الكاملة باقياً من ذلك القرن. وتتميز تلك بسمات في الهجاء وعلامات الترقيم ترجح أنها تنمي لعائلة من يمكن إرجاعها إلى سنة 100-150م.

فإن كان هذا العدد الضخم من المخطوطات المبكرة كل ما يملكه العلماء، يمكنهم إعادة إنشاء العهد الجديد الأصلي بقدر كبير من الدقة. ولكنهم أيضاً يملكون أدلة داعمة وفيرة من العالم القديم تزيد من درجة اليقين في إعادة إنشاء العهد الجديد. فلنتناول هذه الفكرة فيما يلي.

مخطوطات مؤيدة بأدلة وفيرة: منذ شباط/ فبراير 303م أصدر الإمبراطور الروماني دقلديانوس ثلاثة مراسيم تقضي باضطهاد المسيحيين لأنه اعتقد أن وجود المسيحية يكسر العهد بين روما وآلهتها. وقد دعت المراسيم إلى تدمير الكنائس، والمخطوطات، والكتب، وقتل المسيحيين.

وهو ما أدى إلى تدمير مئات، إن لم يكن آلاف، المخطوطات في أنحاء الإمبراطورية الرومانية أثناء هذا الاضطهاد الذي استمر حتى سنة 311م. ولكن حتى إن كان دقلديانوس قد نجح في مسح كل المخطوطات الكتابية من على وجه الأرض، إلا أنه لم ينجح في تدمير قدرتنا على إعادة إنشاء العهد الجديد. لماذا؟ لأن آباء الكنيسة الأوائل الذين عاشوا في القرنين الثاني والثالث مثل يوستينوس الشهيد، وإيريناوس، وأكليمندس السكندري، وأوريجانوس، وترتليان وغيرهم، اقتبسوا من العهد الجديد بغزارة (36289 مرة بالضبط) حتى إنه يمكن إعادة إنشاء العهد الجديد كله ما عدا 11 آية من اقتباساتهم فقط. أي أنه يمكنك أن تزور مكتبتك العامة المحلية، وتستعير أعمال آباء الكنيسة الأوائل وتقرأ العهد الجديد كله تقريباً من اقتباساتهم منه فقط! إذن لسنا نملك آلاف المخطوطات فقط، بل آلاف الاقتباسات من تلك المخطوطات وهو ما يجعل إعادة إنشاء النص الأصلي عملية تكاد تكون يقينية.

ولكن ما مدى يقينيتها؟ كيف يعاد إنشاء الأصول، وما مدى دقة هذا العهد الجديد الذي أعيد إنشاؤه؟

كيف يعاد إنشاء الأصل؟

 هذه الحقائق الثلاث: مخطوطات كثيرة، مبكرة، مدعمة بالأدلة؛ تيسر على العلماء إعادة إنشاء الأصلية. فعملية مقارنة العدد الضخم من النسخ والاقتباسات تسمح بإعادة إنشاء الأصل بمنتهى الدقة حتى وإن حدثت أخطاء أثناء النسخ. كيف تسير هذه العملية؟ خذ المثال التالي، هب أن عندنا أربع مخطوطات مختلفة تحوي أربعة أخطاء مختلفة في آية واحدة مثل فيلبي 4: 13(«أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني»). إليك النسخ الافتراضية:

1 – أ#تطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني.

2 – أس#طيع كل شيء في المسيح الذي يقويني.

3 – أست#يع كل شيء في المسيح الذي يقويني.

4 – أستط#ع كل شيء في المسيح الذي يقويني.

هل من غموض حول ما يقوله الأصل؟ لا غموض على الإطلاق. فبمقارنة المخطوطات ومطابقتها ببعضها البعض يمكن إعادة إنشاء العهد الجديد الأصلي بدقة متناهية. بل إن إعادة إنشاء العهد الجديد أسهل من ذلك لأن الأخطاء في الحقيقية أقل بكثير من المبينة في هذا المثال.

ولنفترض لحظة أن العهد الجديد فعلاً كلمة الله. وعندئذ قد يسأل الشكوكيون: «إن كان العهد الجديد فعلاً كلمة الله، فلماذا لم يحفظ الله الأصل؟» لا يمكننا هنا إلا أن نخمن، ولكن أحد الاحتمالات هو أن كلمته يمكن أن تحفظ في النسخ أفضل مما تحفظ في الوثائق الأصلية. كيف؟ لأنه لو كان الأصل بحوزة أحد الأشخاص. قد يحرفه. ولكن إن كانت النسخ منتشرة في كافة أنحاء العالم القديم، فمن المستحيل أن يغير واحد من الكتبة أو الكهنة كلمة الله. وكما رأينا، عملية إعادة الإنشاء تسمح بتحديد التغييرات والتنوعات بين النسخ وتصحيحها بسهولة كبيرة. لذا من المدهش أن عدم وجود الأصول قد يحفظ كلمة الله على نحو أفضل مما لو كانت الأصول موجودة.

ما مدى دقة إعادة الإنشاء؟

لتناول قضية الدقة، علينا أن نجلو بعض المفاهيم الخاطئة عند الكثير من النقاد بخصوص “الأخطاء” في المخطوطات الكتابية. فقد قدر البعض أن هناك حوالي 200 ألف خطأ في . أولاً، هذه ليس “أخطاء” ولكنها قراءات متنوعة، وغالبيتها العظمى لغوية صرف (أي علامات ترقيم وهجاء). ثانياً، هذه القراءات موزعة على ما يقرب من 5700 مخطوطة، بحيث إن التنوع في هجاء حرف واحد في كلمة واحدة في آية واحدة في 2000 مخطوطة يحسب 2000 “خطأ”.

وقد قدر عالما الدراسات النصية Textual Scholars وسكوت Westcott وهورت Hort أن التنوعات ذات الأهمية تعادل فقط واحداً من ستين. وهو ما يعني نقاء النص بنسبة 98,33٪. وقد حسب فيليب شاف Philip Schaff أنه، من بين التنوعات المائة والخمسين ألفاً المعروفة في أيامه، 400 فقط هي التي غيرت معنى النص، وخمسون فقط من هذه الأربعمائة ذو قيمة حقيقية، وليس هناك ولا حتى واحد منها أثر على «أحد أركان الإيمان أو إحدى الوصايا؛ حيث إنها مؤيدة بالعدد من النصوص الأخرى التي لا يرقى إليها الشك، وبروح التعليم الكتابي ككل».

ما من كتاب آخر من العالم القديم يتمتع بهذا القدر من الدقة. وقد قدر أستاذ العهد الجديد البارز والأستاذ بجامعة برينستون، بروس متسجر Bruce Metzger أن نسخ كتاب المهابهاراتا Mahabharata الهندوسي دقيق بنسبة حوالي 90٪ فقط، وإلياذة هوميروس بنسبة حوالي 95٪. وبالمقارنة، قدر أن العهد الجديد دقيق بنسبة حوالي 99,5٪. وأيضاً الـ 0,5٪ المشكوك فيها لا تؤثر على تعليم واحد من تعاليم الإيمان المسيحي.

فردريك كنيون Fredric Kenyon الذي يعد حجة في المخطوطات القديمة، أوجز ببراعة وصع العهد الجديد في هذه السطور:

إن الكلمات تعجز عن تأكيد مدى دقة نص الكتاب المقدس في جوهره. وخاصة العهد الجديد. فعدد ، وترجماته المبكرة، واقتباسات أقدم كُتاب الكنيسة منه كبير جداً حتى أننا نكاد نجزم أن القراءة الصحيحة لكل نص مشكوك فيه محفوظة في واحدة أو أخرى من هذه المراجع القديمة الموثوقة. وهو ما لا يمكن أن يقال عن أي كتاب آخر من كتب العالم القديم.

إذن نحن نعلم أن العهد الجديد الذي بين أيدينا هو نفسه الذي كتب من 2000 سنة تقريباً. ولكن السؤال التالي أهم: هل هو نسخة دقيقة من الحق، أم أنه كذبة؟ أي هل العهد الجديد موثوق تاريخياً؟

السؤال الثاني: هل العهد الجديد موثوق تاريخياً؟

عندما نطرح سؤال: «هل العهد الجديد موثوق تاريخياً؟» نحن نحاول أن نكتشف ما إذا كانت الأحداث الكبرى التي تصفها وثائق العهد الجديد حدثت بالفعل أم لا. وتحديداً، هل كان هناك فعلاً رجل يهودي منذ 2000 عام تقريباً يدعى يسوع علم حقائق عميقة، وصنع معجزات، وصلب على يد السلطات الرومانية واليهودية لأنه زعم أنه الله، وظهر للكثير من الشهود عقب قيامته من الأموات بعد ثلاثة أيام؟

من المهم أن نلاحظ أننا هنا لا نحاول أن نكتشف ما إذا كان العهد الجديد خالياً من الأخطاء أو ما إذا كان “كلمة الله”. كل ما نحاول أن نكتشفه هو ما إذا كانت أحداث القصة الأساسية حقيقة، وليست خيالاً. وحتى نكتشف ذلك، يجب أن نتثبت من نوعية السجلات التي تؤلف العهد الجديد. هل هي وثائق كتبها شهود عيان عقب الأحداث بفترة وجيزة (أو كتبها أناس التقوا بشهود العيان شخصياً وتحدثوا معهم)، أم أنها وثائق كتبها أتباع متحيزون بعد الأحداث بفترة طويلة وأضافوا تفاصيل تجميلية عن حياة شخصية تاريخية حقيقية؟

ولكي نكتشف، سنفحص وثائق العهد الجديد في بضعة الفصول القادمة بمعايير غالباً ما يستخدمها المؤرخون ليحددوا صدق أو كذب أي وثيقة تاريخية. وسنشير إلى هذه المعايير باسم “الاختبارات التاريخية”. وهي تتكون من:

1 – هل عندنا شهادة مبكرة؟ بوجه عام، كلما كانت المصادر أقدم، كانت الشهادة أدق.

2 – هل عندنا شهادة شهود عيان؟ عادة شهادة شهود العيان أفضل وسيلة للتأكد مما حدث بالضبط.

3 – هل عندنا شهادة من شهود عيان متعددين ومستقلين عن بعضهم البعض؟ شهود العيان المتعددون والمستقلون عن بعضهم البعض يؤكدون أن الأحداث حدثت بالفعل (إنها ليس خيالاً)، ويدلون بتفاصيل إضافية قد تفوت المصدر الواحد. (المصادر الصادقة المستقلة عن بعضها البعض عادة ما تتفق في القصة الأساسية ولكنها تختلف في التفاصيل. وهو ما يطلق عليه المؤرخون أحياناً “الاتساق مع عدم التماثل” Coherence with dissimilarity).

4 – هل شهود العيان مصادر موثوقة؟ هل يجب أن تصدقهم؟ شخصية الإنسان الأخلاقية مهمة.

5 – هل لدينا أدلة داعمة من علم الآثار أو كتابات أخرى؟ هذا يقدم مزيداً من التأكيد.

6 – هل لدينا شهادات من أعداء؟ إن كان خصوم شهود العيان يعترفون بأشياء معينة يقول شهود العيان إنها صحيحة فهي غالباً صحيحة فمثلاً إن كانت أمك تقول إنك شجاع، قد يكون قولها صحيحاً، ولكنه غالباً يكون أكثر مصداقية إن كان عدوك اللدود يعترف به).

7 – هل الشهادات تتضمن أحداثاً أو تفاصيل محرجة للكُتاب؟ بما أن معظم الناس لا يحبون أن يسجلوا معلومات سلبية عن أنفسهم، فأي شهادة تسيء إلى صورة الكاتب غالباً تكون صحيحة.

وفي معظم الحالات، الوثائق التي تجتاز معظم هذه الاختبارات التاريخية، أو كلها، تعتبر موثوقة بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي. فما مستوى وثائق العهد الجديد بالنسبة لهذه الاختبارات؟ سنكتشف في هذا الفصل والفصول الثلاثة القادمة. ولكن قبل أن نبدأ في الاختبار التاريخي رقم 1 (الشهادة المبكرة)، يجب أن نرد على بعض الاعتراضات التي تمنع الكثير من الشكوكيين حتى من التفكير في صحة العهد الجديد.

اعتراضات شائعة على صحة العهد الجديد

التاريخ لا يمكن أن يعرف: أحدث حجة صيغت ضد حتى مجرد التفكير في صحة وثائق العهد الجديد هي التي تؤكد أننا لا نستطيع أن نعرف التاريخ. والمضحك أن هذا الاعتراض عادة ما يصدر من نفس الأشخاص الذين يقولون إنهم يعرفون أن الحياة الأولى تولدت تلقائياً من كيماويات غير حية، وأن كل الحياة اللاحقة تطورت من تلك الحياة الأولى دون تدخل ذكي. إنهم على يقين مطلق بشأن ذلك التاريخ رغم عدم وجود شهود عيان أو بيانات داعمة لتلك الأحداث. ومع ذلك فهم يؤكدون أن قيامة يسوع المسيح، وهي حدث يؤكده شهود عيان وبيانات داعمة، لا يمكن أن يعرف!

والتأكيد الذي يقول باستحالة معرفة التاريخ ضد الحس السليم تماماً. فهل نحن لسنا متأكدين أن جورج واشطن كان أول رؤساء الولايات المتحدة؟ وأن لينكون كان السادس؟ وأن اليابان ضربت بيرل هاربور Pearl Harbor يوم 7 كانون الأول/ ديسمبر 1941؟ وأن فريق نيويورك متس New York Mets لكرة البيسبول فاز ببطولة ورلد سيريز World Series سنة 1969؟ طبعاً متأكدون. إن الشكوكي مخطئ. فنحن نستطيع أن نعرف التاريخ، بل نعرفه بالفعل. والحقيقة أننا إن لم نكن قادرين على معرفة التاريخ، فيستحيل أن نرصد التحريف التاريخي Historical Revisionism أو الدعاية التاريخية الزائفة Historical Propaganda وكلتاهما تفترضان وجود تاريخ موضوعي يمكن معرفته.

لماذا لا يستطيع الشخص أن يعرف حدثاً من الماضي؟ قد يقول الشكوكي: «لأنك لا تمتلك كل الحقائق». وهو ما نرد عليه بالقول: «إذن العلماء أيضاً لا يستطيعون أن يعرفوا أي شيء لأنهم لا يملكون كل الحقائق». واضح أنه كلام عبثي. فرغم أننا لا نملك كل الحقائق، يمكننا أن نجمع ما يكفي منها حتى نصل إلى يقين معقول بشأن ما وقع من أحداث.

وينطوي هذا التشوش جزئياً على الفشل في تعريف كلمة “المعرفة”. فبما أننا لا نستطيع أن نعود بالزمن ونشهد الأحداث التاريخية مجدداً، فمعرفتنا التاريخية تقوم على الاحتمالية. وهو ما يعني أننا نستخدم نفس المقاييس التي تستخدمها هيئة المحكمة للجزم بما إذا كان المدعى عليه هو مرتكب الجريمة بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي. فإن كانت معرفة التاريخ مستحيلة، إذن لا يمكن لأي محكمة أن تصدر أي حكم! ففي كل الأحوال، هيئة المحكمة تحكم بإدانة المتهم أو براءته بناء على معرفتها بحدث ماض. والمؤرخون عليهم أن يكتشفوا أحداث الماضي مثلما يفعل رجال الشرطة وعلماء الأدلة الجنائية، أي بجمع الأدلة معاً والتحدث مع شهود العيان. وعندما يفعلون ذلك، غالباً ما يستخدمون الاختبارات التاريخية السبعة التي سردناها أعلاه.

وأخيراً، إن كنا لا نستطيع أن نعرف التاريخ، إذن الشكوكيون لا يستطيعون أن يزعموا أن المسيحية ليس صحيحة. فحتى يقول الشكوكي بأن المسيحية ليس صحيحة، عليه أن يعرف التاريخ. لماذا؟ لأن كل نفي يتضمن إثباتاً. فحتى يقول الشكوكي بأن يسوع لم يقم من الأموات (النفي)، يجب عليه أن يعرف ما حدث له فعلاً (الإثبات).

في النهاية يتضح أن الشكوكيين واقعون في مأزق. فإن قالوا إن معرفة التاريخ مستحيلة، لا يستطيعون أن يقولوا إن التطور صحيح والمسيحية خاطئة. وإن اعترفوا بأن معرفة التاريخ ممكنة، عليهم أن يتعاملوا مع العديد من أنواع الأدلة التاريخية على الخلق والمسيحية.

وثائق العهد الجديد تحتوي على معجزات: عادة ما يتعرض الشكوكيون قائلين: «العهد الجديد يحتوي على معجزات، إذن جزء كبير منه لا بد أن يكون أساطير». لقد أجبنا على ذلك الاعتراض. بما أن الله موجود، إذن المعجزات ممكنة. وكما سنرى في الفصل الثالث عشر، أحداث العهد الجديد تتم في إطار لم تكن فيه المعجزات ممكنة فحسب بل جاءت عنها نبوات. إذن وجود المعجزات لا ينفي تاريخية وثائق العهد الجديد، بل بالعكس قد يقوي تاريخيتها (لأنها تسجل أحداثاً تم التنبؤ بها).

كتاب العهد الجديد متحيزون: قال الشكوكي الكبير ديفيد هيوم إن الشهود لا بد أن يكونوا محايدين حتى يكونوا جديرين بالثقة. لذا، عندما ينظر الشكوكيون إلى وثائق العهد الجديد، غالباً ما يسألون: «كيف تستطيع أن تقول إنها جديرة بالثقة وقد كتبها المتحولون إلى المسيحية؟ إنها روايات منحازة كتبها أشخاص منحازون».

صحيح أن كتاب العهد الجديد كانوا أشخاصاً متحيزين ومتحولين إلى المسيحية. إلا أن هذا لا يعني أنهم كانوا يكذبون أو يبالغون. بل الحقيقة أن تحولهم للمسيحية وتحيزهم غالباً ما دفعاهم بالفعل لتحري المزيد من الدقة. فلنر سبب ذلك.

منذ بضع سنوات، على إحدى الفضائيات بدأ فيلم وثائقي مفترض أنه عن يسوع بهذا التعليق بصوت الراوي: «معظم ما نظن أننا نعرفه عن يسوع يأتي من أناجيل العهد الجديد: متى، ومرقص، ولوقا، ويوحنا. ولكننا لا نستطيع أن نثق في دقة المعلومات التي تقدمها تلك الأسفار لأن كتابها كانوا ممن تحولوا إلى المسيحية».

ما الخطأ في ذلك المنطق؟ الخطأ في ذلك المنطق أنه ينقصه طرح أهم سؤال: لماذا تحولوا إلى المسيحية؟ فالحقيقة أن أول وأهم سؤال ليس: «ماذا كانت عقائد كُتاب العهد الجديد؟» بل أول وأهم سؤال: «لماذا تحولوا إلى هذه العقائد الجديد؟» أي لماذا هجر كُتاب العهد الجديد موارد رزقهم بغتة وتقاليدهم الدينية التي كانوا يجلونها من أجل هذه العقائد الجديدة؟

طرحت (أنا فرانك) ذلك السؤال، أثناء مناظرة إذاعية من وقت ليس ببعيد، على اثنين ممن لا يؤمنون أن يسوع صلب، ومن ثم مستحيل أن يكون قد قام. وبناء على ذلك، سألتهما: «لماذا تحول كُتاب العهد الجديد فجأة من اليهودية إلى الإيمان بقيامة يسوع؟»

فقال أحدهما: «لأنهم أرادوا أن يكتسبوا سلطة على الشعب».

قلت: «ما السلطة التي اكتسبها كُتاب العهد الجديد بتأكيدهم أن يسوع قام من الأموات الإجابة أنهم “لم يكتسبوا أي سلطة على الإطلاق”. الحقيقة أنهم اكتسبوا ما هو عكس السلطة تماماً: الخضوع، والخدمة، والاضطهاد، والتعذيب، والموت”. فلم يجدا إجابة.

ثم سألتهما السؤال بطريقة مختلفة: «لو لم تكن قصة القيامة حقيقية، ترى ما الدافع الذي جعل كُتاب العهد الجديد يختلقونها؟»

ولم تكن عندهما إجابة أيضاً. لماذا؟ لأنهما بدأ يدركان أن كل الدوافع الأرضية كانت تدفع كُتاب العهد الجديد إلى إنكار القيامة لا إلى إعلانها. فلم يكن هناك أي دافع أو حافز يغريهم باختلاق قصة العهد الجديد. والحقيقة أننا دائماً ما نجد أن الوعد بالخضوع، والخدمة، والاضطهاد، والتعذيب، والموت لا يدفع أي شخص لاختلاق مثل هذه القصة.

مؤكد أن كُتاب العهد الجديد لم يكن عندهم سبب لاختراع دين جديد. بل علينا أن نتذكر أن جميعهم (ربما باستثناء لوقا) كانوا يهوداً آمنوا إيماناً راسخاً أن اليهودية هي الدين الوحيد الصحيح. وهذا الدين الذي بلغ عمره آنذاك زهاء ألفي عام أكد أنهم، أي اليهود، شعب الله المختار. فلماذا يخاطر اليهود الذين تحولوا إلى المسيحية بالاضطهاد، والموت، وربما الهلاك الأبدي، لأنهم أسسوا شيئاً 1) لم يكن صحيحاً، 2) رفع مكانة غير اليهود إلى العلاقة الوحيدة الصحيحة التي زعموا أنهم يتمتعون بها مع خالق الكون؟ ولو لم تكن القيامة قد حدثت بالفعل، لماذا يهجرون بشكل شبه فوري حفظ السبت، والختان، وناموس موسى، ومركزية الهيكل، والنظام الكهنوتي، وغير ذلك من تعاليم العهد القديم؟ لا شك أن كُتاب العهد الجديد شهدوا أدلة قوية جداً دفعتهم إلى إدارة ظهروهم لتلك العقائد والممارسات القديمة التي ميزتهم وآباءهم لمدة ما يقرب من ألفي عام.

الأشخاص المتحولون إلى إيمان آخر غير موضوعيين: هنا قد يعترض الشكوكيون قائلين: «ولكن بما أن كُتاب العهد الجديد كانوا أشخاصاً متحولين إلى المسيحية، يستحيل أن يكونوا موضوعيين». كلام فارغ. فالناس يمكن أن يكونوا موضوعيين حتى إن لم يكونوا محايدين. الطبيب مثلاً يستطيع أن يشخص تشخيصاً موضوعياً حتى إن كان يشعر بعواطف قوية تجاه المريض. أي أنه يقدر أن يكون موضوعياً رغم أنه غير محايد. فالحقيقة أن مشاعره نحو المريض قد تدفعه لمزيد من الدقة في التشخيص ثم معالجة المرض على النحو الصحيح.

وفي كتابتنا لهذا الكتاب، رغم أننا طبعاً غير محايدين، فنحن نقدم حقائق موضوعية. وكذلك الملحدون غير محايدين، ولكنهم أيضاً يستطيعون أن يقدموا حقائق موضوعية إن أرادوا. وكُتاب العهد الجديد أيضاً يقدرون أن يفعلوا ذلك.

وحقيقة الأمر أن كل الكتب تكتب لغرض، ومعظم الكُتاب يؤمنون بما يكتبون. إلا أن هذا لا يعني أن ما يكتبونه خطأ أو لا يحتوي على عنصر موضوعي. ولكن كما ذكرنا في تمهيد هذا الكتاب، الناجون من الهولوكوست الذين كتبوا خبراتهم، مؤكد أنهم لم يكونوا متفرجين محايدين. فقد آمنوا بكل قلوبهم بضرورة تسجيل تلك الأحداث لأنهم أرادوا ألا ينسى العالم أبداً الهولوكوست وتمنوا ألا يكرره أبداً. فرغم أن الولع بموضوع معين قد يدفع البعض إلى المبالغة، قد يدفع البعض الآخر إلى مزيد من الدقة والحرص حتى لا يفقد مصداقية وقبول الرسالة التي يبغي توصيلها.

وهذا التمييز بين الحياد والموضوعية عند كُتاب العهد الجديد نقطة في منتهى الأهمية. ففي أغلب الأحيان الوثائق التي تكوّن العهد الجديد ينظر إليها تلقائياً على أنها متحيزة وغير جديرة بالثقة. وهو أمر يثير السخرية لأن أصحاب هذا الموقف غالباً ما يكونون هم أنفسهم متحيزين. وهم متحيزون لأنهم لم يفحصوا أولاً وثائق العهد الجديد ولا الإطار الذي كتبت فيه حتى يمكنهم أن يبنوا تقييمهم لمصداقيتها على معلومات سليمة.

وكما سنرى بعد قليل، وثائق العهد الجديد ليست “دعاية كنيسية زائفة” ولا مجموعة كبيرة من الكتابات قصد بها الترويج للاهوت من صنع الكنيسة. فما هي إذن؟ هذا هو السؤال الذي سنتناوله في بقية هذا الفصل والفصول الثلاثة القادمة.

فلنبدأ. نعرف أن عندنا نسخة دقيقة مما كتبه كُتاب العهد الجديد. ولكن هل تلك الوثائق جديرة بالثقة؟ سؤالنا الأول يتناول الاختبار التاريخي: 1 – هل وثائق العهد الجديد من تاريخ مبكر؟

هل وثائق العهد الجديد من تاريخ مبكر؟

نعم. منذ متى؟

كل أسفار العهد الجديد كتبت قبل سنة 100م (بعد موت وقيامة يسوع بحوالي 70 سنة): كما يبين الجدول التالي ثلاثة من آباء الكنيسة الأوائل وهم أكليمندس وإغناطيوس وبوليكاريوس اقتبسوا نصوصاً من 25 سفراً من أسفار العهد الجديد السبعة والعشرين في رسائل مكتوبة بين سنة 95 وسنة 110م. والسفران الوحيدان اللذان لم يقتبسوا منها هما رسالة يهوذا ورسالة يوحنا الثانية، وهما من أصغر الأسفار، ولكن مؤكد أنهما كانتا قد كتبتا. (كان يهوذا قد كتب رسالته الصغيرة قبل هذا التاريخ لأنه حيث أنه كان أخاً ليسوع، نكاد نكون متأكدين أنه توفي قبل 100م، ويوحنا الثانية كانت قد كتبت لأنها تسبق يوحنا الثالثة التي كانت ضمن الخمسة والعشرين سفراً التي اقتبس منها آباء الكنيسة).

 

وثائق العهد الجديد اقتبسها:

أكليمندس

كتب من روما (حوالي سنة 95م)

إغناطيوس

كتب من سميرنا في آسيا الصغرى (حوالي سنة 107م)

بوليكاريوس

كتب من سميرنا في آسيا الصغرى (حوالي سنة 110م)

متى

مرقص

لوقا

رومية

كورنثوس الأولى

أفسس

 تيموثاوس الأولى

تيطس

العبرانيين

 يعقوب

بطرس الأولى

متى

مرقص

لوقا

يوحنا

أعمال الرسل

رومية

كورنثوس الأولى

كورنثوس الثانية

غلاطية

أفسس

 فيلبي

كولوسي

تسالونيكي الأولى

تيموثاوس الأولى

تيموثاوس الثانية

تيطس

فليمون

العبرانيين

يعقوب

بطرس الأولى

بطرس الثانية

يوحنا الأولى

يوحنا الثالثة

رؤيا يوحنا

متى

مرقص

لوقا

يوحنا

أعمال الرسل

رومية

كورنثوس الأولى

كورنثوس الثانية

غلاطية

أفسس

 فيلبي

كولوسي

تسالونيكي الثانية

تيموثاوس الأولى

تيموثاوس الثانية

العبرانيين

بطرس الأولى

يوحنا الأولى

بما أن أكليمدنس كان في روما وكان إغناطيوس وبوليكاريوس على بعد مئات الأميال في سميرنا، مؤكد أن وثائق العهد الجديد الأصلية كتبت قبل ذلك بوقت طويل، وإلا لما انتشرت عبر العالم القديم قبلما اقتبس منها آباء الكنيسة الثلاثة. ومن ثم يمكننا أن نقول بثقة إن العهد الجديد كله كُتب قبل سنة 100م وعلى الأقل الأسفار الموضحة في العمود الأيمن كتبت قبل سنة 95 بعدة سنوات.

ولكن هذا هو أحدث تاريخ يمكن أن تكون أسفار العهد الجديد قد كتبت فيه. فغالباً أن معظمه كتب في فترات مبكرة قبل ذلك بكثير. قبل ذلك بكم عام؟ معظمه، إن لم يكن كله، قبل سنة 70م.

معظم هذه الأسفار، إن لم يكن كلها، كُتب قبل سنة 70م (بعد موت وقيامة يسوع بحوالي 40 سنة): تخيل ذلك، أنت يهودي تقي في القرن الأول. وأورشليم، ولا سيما الهيكل يمثلان مركز حياتك القومية والاقتصادية والدينية. وقد ظل الحال هكذا في أمتك وعائلتك وكل العائلات اليهودية تقريباً على مدى ألف عام منذ أن بنى سليمان الهيكل الأول. وأحدث هيكل الذي بناه الملك هيرودس اكتمل معظمه عندما كنت طفلاً، ولكن أجزاء منه لا تزال تحت الإنشاء منذ سنة 19ق.م. وقد حضرت طيلة حياتك خدمات في الهيكل وقدمت ذبائح هناك للتكفير عما ارتكبت من خطايا ضد الله. لماذا؟ لأنك أن وأهل بلدك تعتبرون هذا الهيكل المسكن الأرضي لإله الكون صانع السماء والأرض، الإله الذي يحمل الاسم الكلي القداسة حتى إنك لا تجرؤ أن تنطقه.

وفي شبابك تبدأ في اتباع رجل يهودي يدعى يسوع يزعم أنه المسيا الذي طال انتظاره والذي تنبأت عنه الكتب المقدسة. وهو يصنع المعجزات، ويعلم حقائق عميقة، ويوبخ الكهنة المسؤولين عن الهيكل ويحيرهم. والغريب أنه يتنبأ عن موته وقيامته. وهو يتنبأ أيضاً أن الهيكل نفسه سيهدم قبل أن يمضي جيلك (مرقص 13: 2، 30).

ولكن المشين حقاً أن كهنة الهيكل يدينونه بتهمة التجديف ويصلب ليلة الفصح. أحد أقدس أعيادك. ويدفن في قبر يهودي، ولكن أنت وأتباع يسوع الآخرون ترونه حياً مثلما تنبأ. فتلمسونه، وتأكلون معه، ويستمر في صنع المعجزات، وآخرها صعوده إلى السماء. وبعد أربعين عاماً، يهدم هيكلك كما تنبأ يسوع، وتخرب المدينة بكاملها ويموت الآلاف من أبناء بلدك.

سؤال: إن كتبت أنت ورفاقك من أتباع يسوع روايات عن يسوع بعد خراب الهيكل والمدينة سنة 70م، ألن تذكروا على الأقل تلك المأساة القومية والإنسانية والاقتصادية والدينية غير المسبوقة، خاصة أن يسوع المقام تنبأ بها؟ طبعاً. وهنا تكمن المشكلة أمام من يقولون إن العهد الجديد كتب بعد سنة 70، والمشكلة هي أنه لا ذكر على الإطلاق لتحقيق هذه المأساة التي تنبأ عنها يسوع في أي موضع من وثائق العهد الجديد. وهو ما يعني أن معظم الوثائق إن لم يكن كلها كتبت قبل سنة 70م.

وقد يعترض البعض قائلين: «إنها حجة مبنية على الصمت[7] Argument from silence، وهي لا تثبت أي شيء». ولكن الحقيقة أنها ليست حجة مبنية على الصمت لأن وثائق العهد الجديد تتحدث عن أورشليم والهيكل، أو الأنشطة المرتبطة بهما كما لو أنهما ظلا في أمان دون أن يمسهما سوء أثناء زمن الكتابة[8]. ولكنها حتى لو كانت حجة مبنية على الصمت، فهذا لا يعني أنها خاطئة. خذ مثلاً هذه الأمثلة المشابهة من التاريخ الحديث. هب أن بحاراً سابقاً على متى السفينة يو إس إس أريزونا USS Arizona كتب كتاباً عن تاريخ تلك السفينة والكتاب ينتهي دون أي ذكر لغرق السفينة وموت 1177 من بحاريها في بيرل هاربور، فهل يخالجك أي شك أن الكتاب لا بد أن يكون قد كتب قبل 7 كانون الأول/ديسمبر 1941؟ أو لو أن أحد المستأجرين السابقين في مركز التجارة العالمي كتب كتاباً عن تاريخ تلك المباني، والكتاب ينتهي بأن هذه الأبراج لا تزال قائمة، دون أي ذكر على الإطلاق لتدمير الأبراج ومقتل 3000 شخص تقريباً على يد الإرهابيين، فهل يخالجك أي شك في أن الكتاب لا بد أن يكون قد كتب قبل 11 أيلول/سبتمبر 2001؟ بالطبع لا.

إن الكارثة التي وقعت سنة 70م كانت أكبر بما لا يقاس من كارثة بيرل هاربور وكارثة 11 سبتمبر من حيث حجم الخسائر في الأرواح، والممتلكات، والأثر القومي. لقد أنهت حرباً شعواء وصفها يوسيفوس بأنها “أعظم” حروب التاريخ كله، حتى أنه هو نفسه استسلم للرومان سنة 67. فاليهود لم يفقدوا مجرد سفينة واحدة ولا بضعة مبان عظيمة، ولكنهم فقدوا بلادهم بالكامل، وعاصمتهم، وهيكلهم الذي كان مركز حياتهم الدينية والسياسية والاقتصادية على مدار الألف سنة الأخيرة. وعلاوة على ذلك عشرات الآلاف من أبناء بلادهم لقوا حتفهم ومئات من قراهم حرقت حتى سويت بالأرض.

لذا، إن كنا نتوقع ذكر كوارث مثل هزيمة بيرل هاربور، وأحداث 11 سبتمبر في كتابات اليوم المتصلة بهذه الأحداث، مؤكد أنه يجب أن نتوقع الإشارة إلى أحداث سنة 70م في أي موضع من العهد الجديد (خاصة أن يسوع تنبأ بهذه الأحداث). ولكن بما أن العهد الجديد لا يذكر هذه الأحداث في أي موضع، ويوحي بأن أورشليم والهيكل كانا في مأمن من أي تخريب، فمن المنطقي أن نستنتج أن معظم وثائق العهد الجديد، إن لم يكن كلها، كتبت قبل سنة 70م.

قبلها بكم سنة؟

الكثير من أسفار العهد الجديد كتب قبل سنة 62م (بعد موت وقيامة يسوع بحوالي 30 سنة): تخيل هذا: أنت طبيب بشري تعيش في القرن الأول، وقد بدأت مشروعاً بحثياً لتسجيل أحداث الكنيسة الأولى. وهذا البحث يتطلب منك أن تجري لقاءات مع شهود عيان من الكنيسة الأولى وأن تسافر مع الرسول بولس في زياراته للكنائس الجديدة في أنحاء العالم القديم. وأنت تسجل الأحداث البارزة في حياة الكنيسة مثل الأعمال المبكرة التي قام بها يوحنا وبطرس، وكذلك استشهاد استفانوس ويعقوب (أخي يوحنا). وتسجل كل شيء في حياة بولس بدءًا بالعظات، والضربات، والمحاكمات، وانتهاءً بحوادث انكسار السفن والسجن عدة مرات. وتسجل أيضاً المجمع اللاهوتي الذي عقده مع بطرس ويعقوب أخي يسوع قائد كنيسة أورشليم.

وإذ تصف الكثير من هذه الأحداث، تعج روايتك بتفاصيل يفهم منها كل قارئ مُطَّلع أنك إما تستند على شهادة شهود عيان أو أنك أنت نفسك شاهد عيان. فمثلاً، بينما تتبع بولس في رحلاته تنتقل من استخدام الضمير “هم” إلى الضمير “نحن”، وتسجل بدقة أسماء الساسة المحليين، واللغة العامية المحلية، وأنماط الطقس المحلي، والتضاريس المحلية، والممارسات التجارية المحلية، بل إنك تسجل كذلك عمق المياه بدقة إذ تقول نحو ربع ميل من مالطة بينما كانت سفينتكم على وشك الرسو أثناء هبوب العاصفة! والحقيقة أنك تسجل ما لا يقل عن 84 من هذه التفاصيل في النصف الأخير من روايتك.

سؤال: بما أنه يتضح أنك مهتم بتسجيل كل هذه التفاصيل الفرعية، فلو كان موضوعك الرئيسي، ألا وهو الرسول بولس، قد أعدم على يد الإمبراطور الروماني نيرون، هل تظن أنك كنت ستسجل هذا الحدث؟ أو لو كان أخو يسوع، قائد كنيسة أورشليم، قد قتل على يد السنهدريم، وهو نفس المجمع اليهودي الذي حكم بموت يسوع، أتظن أنك كنت ستسجل هذا الحدث؟ بالطبع. وإن لم تدون هذه الأحداث الكبرى، نكون محقين عندما نفترض أنك كتبت روايتك قبل موتهما.

وهذا هو الوضع الذي نجده في العهد الجديد. فلوقا الطبيب يدون بمنتهى الدقة كافة التفاصيل في سفر الأعمال الذي يسجل تاريخ الكنيسة الأولى (في الفصل التالي قائمة تضم 84 معلومة تفصيلية ثابتة تاريخياً). إن لوقا يسجل موت شهيدين مسيحيين (استفانوس، ويعقوب أخي يوحنا)، ولكن روايته تنتهي باثنين من أبرز القادة (بولس، ويعقوب أخي يسوع) على قيد الحياة. وينتهي سفر أعمال الرسل فجأة بالرسول بولس قيد الإقامة الجبرية في روما، دون ذكر لموت يعقوب. ونعرف من أكليمندس الروماني Clement of Rome الذي كتب في أواخر القرن الأول، ومن غيره من آباء الكنيسة الأوائل، أن بولس أعدم أثناء حكم نيرون الذي انتهي سنة 68م. ونعرف من يوسيفوس أن يعقوب قتل سنة 62م. إذن يمكننا أن نستنتج بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي أن سفر الأعمال كتب قبل سنة 62م.

إن كنت غير مقتنع حتى الآن، خذ هذا المثال المشابه من تاريخنا الحديث: هب أن شخصاً كتب كتاباً يسجل الأحداث المرتبطة بالشخصيات الرئيسية في حركة الحقوق المدنية التي انطلقت في ستينات القرن العشرين. يبدأ الكتاب باغتيال الرئيس جون كنيدي ويتضمن تشريع الحقوق المدنية لسنة 1964، والمسيرات والاحتجاجات التي قادها مارتن لوثر كينج، وكذلك إلقاء القبض عليه وسجنه، وخطبته العظيمة “عندي حلم” I have a dream التي ألقاها في حديقة مول Mall في العاصمة واشنطن. سؤال: إن انتهى الكتاب بمارتن لوثر كينج، قائد الحركة شخصياً، على قيد الحياة، فما الاستنتاج الذي ستتوصل إليه بخصوص زمن كتابة الكتاب؟ واضح أنه قبل اغتياله في نيسان/أبريل 1968. وهو ما ينطبق على رواية لوقا. فكتابه ينتهي بالقادة الأساسيين على قيد الحياة، وهو ما يعني أنه انتهى من كتابته سنة 62 على أقصى تقدير (يسوق كولين همر Colin Hemer الباحث في اليونانية واللاتينية القديمة ثلاثة عشر سبباً إضافياً تعلل أن سفر الأعمال كتب سنة 62 على أقصى تقدير).

إن كان سفر الأعمال قد كتب سنة 62 على أقصى تقدير، إذن إنجيل لوقا كتب قبل ذلك. كيف نعرف هذا؟ لأن لوقا يذكر ثاوفيلس (الذي كان غالباً من كبار المسؤولين الرومان)، المتلقي الأصلي لسفر الأعمال أنه كتب له فيما سبق. فأول آية في سفر الأعمال تقول: «الكلام الأول أنشأته يا ثاوفيلس، عن جميع ما ابتدأ يسوع يفعله ويعلم به». “الكلام الأول” لا بد أن يكون إنجيل لوقا لأن لوقا يوجهه إلى ثاوفيلس أيضاً (لوقا 1: 1-4، انظر الشاهد أدناه).

فما الفارق الزمني بين إنجيل لوقا وسفر الأعمال؟ من المنطقي أن يكون تاريخ إنجيل لوقا سنة 60م أو قبلها. لماذا؟ لأن سنة 62 هي أقصى تقدير لتاريخ كتابة سفر الأعمال، ولا بد من وجود قارق زمني بين كتاب لوقا الأول إلى ثاوفيلس وكتابه الثاني. فإن كان سفر الأعمال كتب سنة 62م على أقصى تقدير (وغالباً قبل ذلك)، إذن من الواقعي أن يكون إنجيل لوقا قد كتب سنة 60 أو قبلها.

وهذا التاريخ منطقي أيضاً نظراً لأن بولس يقتبس من إنجيل لوقا. فبولس، وهو يكتب فيما بين سنة 62 وسنة 65م، اقتبس من لوقا 10: 7 وسماه “الكتاب” (1تيموثاوس 5: 18) إذن لابد أن إنجيل لوقا كان متداولاً قبل ذلك الوقت بفترة كافية تسمح لكل من بولس وتيموثاوس أن يعرفا محتواه ويعتبراه جزءًا من الكتاب المقدس. (بالمناسبة هذا الزعم الذي يقوله بولس ليس بالأمر الهين. فهو يعني أن بولس يؤكد تأكيداً جريئاً مفاده أن إنجيل لوقا موحى به تماماً مثل الكتاب المقدس اليهودي، أي العهد القديم الذي كان يقدره أيما تقدير).

فإن كان لوقا قد كتب سنة 60م على أقصى تقدير، إذن مرقص لا بد أن يكون قد كتب فيما بين منتصف وأواخر الخمسينات إن لم يكن قبل ذلك. لماذا؟ لأن لوقا يقول إنه جمع الحقائق من مصادر منسوبة لشهود عيان:

إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداماً للكلمة رأيت أنا أيضاً إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق أن أكتب على التوالي إليك أيها العزير ثاوفيلس لتعرف صح الكلام الذي علمت به (لوقا 1: 1-4).

يعتقد معظم الباحثين أن إنجيل مرقص كان أحد هذه المصادر المنسوبة لشهود عيان. وإن كانت قصاصات البحر الميت التي ذكرناها سلفاً تنتمي فعلاً للفترة بين سنة 50 وسنة 70م، إذن مؤكد أن مرقص أقدم من لوقا. ولكن حتى إن لم يكن مرقص قبل لوقا، فبما أننا نعرف بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي أن لوقا قبل سنة 62 وأنه غالباً قبل سنة 60م، إذن نحن عندنا شهادة شهود عيان مسجلة بمنتهى الدقة ومكتوبة في غضون 25 أو 30 سنة من موت يسوع ودفنه وقيامته. وهو وقت مبكر جداً بحيث يستحيل أن تكون الرواية مجرد أسطورة تقليدية. وهو ما يعني أيضاً أن المصادر المنسوبة لشهود العيان ترجع إلى تاريخ أقدم من ذلك. أقدم منه بمقدار كم سنة؟

بعض أسفار العهد الجديد كتب في الأربعينيات والخمسينيات، وبعض المصادر من الثلاثينيات (عقب موت يسوع بسنوات قليلة): على قدر يقيننا بخصوص تاريخ سجلات لوقا، فما من باحث، بما فيهم أكثر الباحثين ليبرالية، يشك أن بولس كتب رسالته الأولى إلى كنيسة كورنثوس (التي تقع في اليونان الحالية) بين عامي 55 و56م. ويتحدث بولس في هذه الرسالة عن مشكلات أخلاقية في الكنيسة. ثم ينتقل إلى مناقشة خلافات حول الألسنة والنبوات وعشاء الرب. وهو ما يبين طبعاً أن كنيسة كورنثوس كانت تختبر نوعاً من النشاط المعجزي وكانت تمارس عشاء الرب في غضون 25 سنة من القيامة.

ولكن أهم جانب في هذه الرسالة أنها تحوي أقدم وأصدق شهادة عن القيامة نفسها. ففي الأصحاح الخامس عشر من كورنثوس الأولى، يسجل بولس الشهادة التي تلقاها من الآخرين والشهادة التي تأكد صدقها عندما ظهر له المسيح:

فإنني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضاً: أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب. وأنه دفن، وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب. وأنه ظهر لصفا ثم للاثني عشر. وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمس مئة أخ أكثرهم باقٍ إلى الآن ولكن بعضهم قد رقدوا. وبعد ذلك ظهر ليعقوب ثم للرسل أجمعين. وآخر الكل كأنه للسقط ظهر لي أنا (1كورنثوس 15: 3-8).

من أين أتى بولس بما “قبله”؟ محتمل أنه قبله من بطرس ويعقوب عندما زارهما في أورشليم بعد تحوله للإيمان بثلاث سنوات (غلاطية 1: 18). ما أهمية ذلك؟ كما يشير جاري هابرماس Gary Habermas، معظم الباحثين (حتى الليبراليين) يعتقدون أن هذه الشهادة كانت جزءًا من قانون إيمان مبكر يعود تاريخه إلى القيامة نفسها، أي عقب القيامة بما يتراوح بين ثمانية عشر شهراً وثماني سنوات، ولكن البعض يقولون إنها أقدم من ذلك[9]. فمن المستحيل بأي حال أن تصف هذه الشهادة أسطورة لأنها تعود مباشرة إلى زمان ومكان الحدث نفسه[10]. فإن كان هناك مكان يستحيل أن تحدث فيه قيامة خيالية أسطورية، فهذا المكان هو أورشليم؛ لأن اليهود والرومان كانوا يتوقون إلى سحق المسيحية وكان يمكنهم أن يفعلوا ذلك بسهولة بأن يطوفوا شوارع المدينة بجسد يسوع.

لاحظ، بالإضافة إلى ذلك أن بولس يستشهد بأربعة عشر شاهد عيان معروفين بالاسم: الرسل الاثني عشر، ويعقوب، وبولس نفسه (“صفا”) وهو الترجمة الآرامية لبطرس)، ثم يشير إلى ظهور شهده أكثر من 500 آخرين دفعة واحدة. وكان من بين تلك الجماعات أحد الشكوكيين وهو يعقوب، وعدو لدود هو بولس نفسه. وإذ يعدد بولس كل هؤلاء الأشخاص الذين يثبتون ما يقول، يتحدى القراء الكورنثيين للتحقق من كلامه. هو ما يعبر عنه وليم ليلي William Lillie أستاذ الكتاب المقدس قائلاً:

ما يجعل من هذه القائمة حجة مرجعية خاصة باعتبارها دليلاً تاريخياً هو الإشارة إلى أن معظم الخمسمائة آخ باق إلى الآن. وكأن القديس بولس يقول: إن كنتم لا تصدقونني، يمكنكم أن تسألوهم”. إن هذا التصريح المذكور في رسالة أصلية دون أدنى شك، كتبت في غضون ثلاثين عاماً عقب الحدث، يمثل أقوى دليل يتمنى المرء الحصول عليه على حدث وقع ما يقرب من ألفي عام.

لو أن القيامة لم تحدث، لماذا يسرد بولس قائمة كهذه من شهود عيان افتراضيين؟ لو فعل ذلك لفقد مصداقيته فوراً عند قرائه الكورنثيين بسبب كذبة متبجحة كهذه.

وبالإضافة إلى كورنثوس الأولى، هناك العديد من وثائق العهد الجديد الأخرى التي كتبت في الخمسينات أو قبلها. غلاطية (48م)، وتسالونيكي الأولى (50-54)، ورومية (57-58) تدخل كلها ضمن هذه الفئة. والحقيقة (ونحن نعلم أننا قد نكون الآن في موقف خطير وليس أمامنا فرصة للتراجع) أن كل أعمال بولس لا بد أن تكون قد كتبت قبل موته الذي حدث نحو منتصف الستينيات.

ولكن ليس الباحثون المحافظون فقط هم من يعتقدون في هذه التواريخ المبكرة. بل حتى بعض النقاد الأشداء مثل الملحد جون أ. ت. روبنسون John A. T. Robinson يعترفون أن أسفار العهد الجديد كتبت مبكراً. ورغم أن روبنسون معروف بالدور الذي لعبه في إطلاق حركة “موت الله” Death of God، فقد كتب كتاباً ثورياً بعنون “إعادة تأريخ العهد الجديد”Redating the New Testament حيث قال بأن معظم أسفار العهد الجديد، بما فيها الأناجيل الأربعة جميعاً، كتبت بين سنة 40 وسنة 65م.

وعالم الآثار العظيم والليبرالي السابق وليم ف. أولبرايت William F. Albright بعد أن رأى مدى توافق العهد الجديد مع البيانات الأثرية والتاريخية، كتب: «يمكننا أن نؤكد فعلياً أنه لم يعد هناك أي أساس متين لتأريخ أي سفر من أسفار العهد الجديد بعد نحو سنة 80م». وقد قال أولبرايت في مناسبة أخرى «في رأيي كل سفر من أسفار العهد الجديد كتبه أحد اليهود الذي تحولوا إلى المسيحية بعد الأربعينيات والثمانينيات من القرن الأول (غالباً فيما بين نحو سنة 50 وسنة 75م)».

إذن نحن نعلم بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي أن معظم أسفار العهد الجديد، إن لم يكن كلها، ترجع لتاريخ مبكر. إلا أن الشكوكيين ما زالت عندهم بعض الاعتراضات.

محامي الشكوك

الوثائق ليست مبكرة بما يكفي

بعض الشكوكيين قد يعتقدون أن فجوة زمنية من 15 إلى 40 سنة بين حياة المسيح والكتابات التي تتحدث عنه واسعة جداً بحيث لا نستطيع أن نثق في مصداقية الشهادة. ولكنهم مخطئون.

فكر في الأحداث التي وقعت منذ 15 إلى 40 عاماً. عندما يكتب المؤرخون عن تلك الأحداث، لا نقول: «هذا مستحيل! لا يستطيع أحد أن يتذكر أحداثاً من هذا الزمن البعيد!» واضح أن هذه الشكوكية لا مبرر لها. فالمؤرخون اليوم يكتبون بدقة عن أحداث وقعت في سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين بالرجوع إلى ذاكرتهم، وذاكرة غيرهم من شهود العيان، وأي مصادر مكتوبة من هذا العصر.

وهي العملية نفسها التي استخدمها كُتاب العهد الجديد لتسجيل وثائقهم. فلوقا أجرى حوارات مع شهود عيان، مثل أي صحفي ماهر[11]. وكما سنرى في الفصل التالي، بعض كُتاب العهد الجديد كانوا هم أنفسهم شهود عيان. ومن ثم تمكنوا أن يتذكروا أحداثاً عمرها 15 إلى 40 سنة بسهولة شديدة، مثلك تماماً. لماذا تستطيع أن تتذكر جيداً أحداثاً معينة منذ 15 إلى 40 سنة، بل أكثر (إن كنت أكبر سناً)؟ قد تستطيع أن تتذكر أحداثاً معينة لأنها تركت فيك أثراً نفسياً كبيراً. (الحقيقة أن كبار السن منا يستطيعون أن يتذكروا بعض الأحداث منذ 30 سنة أفضل مما يتذكرون أحداثاً منذ 30 دقيقة).

أين كنت وماذا كنت تفعل عندما اغتيل الرئيس كنيدي؟ عندما انفجر المكوك الفضائي تشالنجر Challenger؟ عندما صدمت الطائرة الثانية البرج؟ لماذا تقدر أن تتذكر تلك الأحداث جيداً؟ لأنها تركت فيك أثراً نفسياً عميقاً. وبما أنه من المؤكد أن حدثاً مثل القيامة ترك أثراً نفسياً عميقاً في كُتاب العهد الجديد وغيرهم من شهود العيان الذين ربما استشارهم الكتاب. إذن من السهل أن نفهم لماذا يمكن تذكر تاريخ يسوع بسهولة بعد سنوات كثيرة. خاصة في ثقافة اعتمدت لزمن طويل على الشهادة الشفهية (مزيد حول هذا الموضوع أدناه).

علاوة على ذلك، إن كانت الأعمال الكبرى في العهد الجديد عبارة عن روايات شهود عيان كتبت في غضون جيلين من وقوع الأحداث، إذن ليس من المحتمل أن تكون حكايات أسطورية. لماذا؟ لأن البحث التاريخي يبين أن الأسطورة لا تقوى على إزاحة الحقائق التاريخية طالما شهود العيان باقون على قيد الحياة. ولذلك، يصف المؤرخ الروماني أ. ن. شروين-وايت A. N. Sherwin-White المنظور الأسطوري للعهد الجديد بأنه «غير قابل للتصديق». ويكتب وليم لين كريج قائلاً: «تبين الاختبارات أن جيلين وقت قصير جداً لا يسمح للميول الأسطورية أن تكتسح جوهر الحقيقة التاريخية الصلب». ففي هذين الجيلين، لا يزال شهود العيان أحياء مما يمكنهم من تصحيح أخطاء المحرفين التاريخيين.

ونحن نرى هذا الميل حالياً بخصوص الهولوكوست. ففي مطلع القرن الحادي والعشرين بدأنا نرى البعض يزعمون أن الهولوكوست لم يحدث مطلقاً. لماذا يحاول المحرفون أن يقولوا ذلك الآن؟ لأن معظم شهود العيان ماتوا. ولكن لحسن الحظ أننا سجلنا شهادة شهود العيان عن الهولوكوست كتابةً، وبذلك لم ينجح المحرفون في نشر أكاذيبهم على أنها الحقيقة. وهو ما ينطبق على العهد الجديد. إن كان العهد الجديد قد كتب خلال 60 سنة من الأحداث التي يسجلها، فمن المستبعد تماماً أن تكون تلك الأحداث أسطورية. وكما رأينا، كل وثائق العهد الجديد كتبت في خلال 60 سنة من الأحداث، والكثير منها كتب قبل ذلك بكثير.

لماذا لم تكتب قبل ذلك؟

وهنا قد يقول الشكوكي: «جميل. العهد الجديد يرجع لتاريخ مبكر، ولكنه ليس مبكراً كما كنت تتوقع. فلماذا لم يكتبوا شهادتهم قبل ذلك؟ لو رأيت ما يقولون إنهم رأوه، لما انتظرت 15 أو 20 سنة حتى أدونه».

هناك عدد من الأسباب المحتملة للانتظار

أولاً، بما أن كتاب العهد الجديد كانوا يعيشون في ثقافة الغالبية العظمى من أهلها أميون، لم تظهر حاجة ولا فائدة في البداية لتدوين الأحداث. فأهل فلسطين في القرن الأول تدربوا بالضرورة على تقوية ذاكرتهم حتى يتذكروا المعلومات وينقلوها. وفي هذا الصدد يكتب كريج:

في ثقافة شفيهة مثل ثقافة فلسطين في القرن الأول كان القدرة على حفظ واختزان كميات ضخمة من التقليد الشفهي مهارة قوية وتحظى بتقدير كبير. فمنذ الصغر كان الأطفال في البيت، والمدرسة الابتدائية، والمجمع يتعلمون أن يحفظوا التقليد المقدس بأمانة. وهو ما فعله التلاميذ مع تعاليم يسوع.

وفي مثل هذه الثقافة الشفهية، من المتوقع أن الحقائق المختصة بيسوع حفظت في قالب يسهل تذكره. ولدينا من الأدلة القوية ما يؤكد ذلك. فقد رصد جاري هابرماس واحداً وأربعين جزءًا صغيراً في العهد الجديد يبدو أنها إقرارات إيمان، أي مقولات موجزة يسهل تذكرها، وأغلب الظن أنها كانت تتداول شفهياً قبل أن تدون (ومنها ما ذكرناه آنفاً في 1كورنثوس 15: 3-8).

ثانياً، حيث أنه غالباً أن بعض كتاب العهد الجديد كانوا يأملون آمالاً كبيرة في أن يسوع سيأتي ثانية في حياتهم، لم يروا حاجة ملحة لكتابة أسفار العهد الجديد. ولكنهم عندما بدأوا يتقدمون في العمر، ربما رأوا أنه من الحكمة أن يدونوا ملاحظاتهم على البردي.

ثالثاً، عندما أخذت المسيحية تنتشر في أنحاء العالم القديم، أصبحت الكتابة أكثر الوسائل فاعلية في التواصل مع الكنيسة التي كانت تمتد سريعاً. وهو ما يعني أن الزمن والمسافة أجبرا كتاب العهد الجديد على كتابته.

ومن ناحية أخرى، من المحتمل أنه لم تكن هناك فجوة زمنية في حالة إنجيل واحد على الأٌقل. فإن كانت تلك القصاصات التي عثر عليها في مخطوطات البحر الميت فعلاً من إنجيل مرقص (والاحتمال الأكبر أنها كذلك)، إذن من المحتمل أن ذلك الإنجيل كتب في الثلاثينيات. لماذا؟ لأن القصاصات عبارة عن أجزاء من نسخ، وليست من الأصل. فإن كان عندنا نسخ من الخمسينيات، إذن لا بد أن الأصل أقدم[12].

فضلاً عن ذلك، يعتقد الكثير من الدارسين أنه كانت هناك مصادر قبل الأناجيل، ففي الحقيقة لوقا في الأعداد الأربعة الأولى من إنجيله يقول إنه رجع لمصادر أخرى، وإن كان من المحتمل أن بعضها أناجيل أسبق (مثلاً متى ومرقص)[13]. فهل كان إنجيل مرقص أحد مصادره؟ لسنا نعلم على وجه اليقين. ولكن من المؤكد أن لوقا يتحدث عن عدة مصادر أخرى مكتوبة، لأنه يقول «إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا» (لوقا 1: 1). فمن المحتمل أن لوقا رجع إلى إنجيل مرقص وغيره من الشهادات المكتوبة بما فيها سجلات المحكمة العامة المختصة بمحاكمة يسوع.

وفي النهاية، ليس المهم ما إذا كانت هناك مصادر مكتوبة تسبق العهد الجديد. ولا المهم ما إذا كان مرقص قد كتب في الثلاثينيات من القرن الأول. لماذا؟ لأن الوثائق المعروفة لدينا على وجه اليقين ترجع لتاريخ مبكر بما يكفي وتحتوي على مادة من مصادر مبكرة. وكما سنرى في الفصل التالي، الكثير من وثائق العهد الجديد إن لم يكن كلها كتبت بيد شهود عيان أو معاصريهم في خلال 15 إلى 40 سنة من حياة يسوع، وبعضها يتضمن شهادات أخرى مكتوبة أو شفهية تعود إلى تاريخ القيامة نفسها. أي أن القضية الأهم ليست تاريخ الكتابات، بل تاريخ المصادر المستخدمة في الكتابات.

لماذا لا نجد وثائق أكثر؟

قد يتساءل الشكوكيون: «إن كان يسوع قد قام حقاً من الأموات، أما كان يجب أن يكتب عنه أكثر من ذلك؟» ورداً على ذلك نقول إن عندنا بالفعل شهادات أكثر مما نتوقع، ومؤكد أنها أكثر من كافية لتأكيد ما حدث بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي. وكما رأينا، عدد الكتاب الذين يشيرون إلى يسوع يتجاوز بكثير عدد الكتاب الذين يشيرون إلى الإمبراطور الروماني في عصره (الكتاب الذين أشاروا إلى يسوع 43 مقابل 10 أشاروا إلى طيباريوس في غضون 150 سنة من حياتهما). وتسعة من أولئك الكتاب كانوا شهود عيان أو معاصرين للأحداث، وقد كتبوا 27 وثيقة، ومعظمها تذكر القيامة صراحة أو ضمناً. وهو أكثر من كاف لتأكيد تاريخية يسوع.

أما للذين ما زالوا يعتقدون أنه كان يجب أن يوجد المزيد من الوثائق المكتوبة عن يسوع، يقدم أستاذ العهد الجديد كريج بلومبرج أربعة أسباب تبين عدم منطقية هذا التوقع:

 1 – البدايات المتواضعة للمسيحية.

2 – موقع فلسطين النائي على الحدود الشرقية للإمبراطورية الرومانية.

3 – ضآلة أعمال المؤرخين اليونانيين الرومان القدماء التي ظلت باقية (وقد يرجع ذلك إلى الفقد، أو الفناء، أو التدمير، أو كل ما سبق).

4 – قلة اهتمام الوثائق التاريخية الباقية بالشخصيات اليهودية عموماً.

ومع ذلك، لا يزال بعض الشكوكيين يعتقدون أنه يجب أن تكون هناك شهادة من الخمسمائة الذين يقال إنهم رأوا المسيح المقام. ومنهم الشكوكي فارك تيل Farrell Till. فأثناء مناظرة عن القيامة كان لي (أنا نورم) معه سنة 1994، طالبني قائلاً: «اعرض لنا شهود العيان الخمسمائة أولئك أو أعطنا شيئاً كتبوه، وسنقبل ذلك باعتباره برهاناً أو دليلاً صادقاً».

إنه مطلب غير منطقي لعدة أسباب.

 أولاً، كما أشرنا سابقاً، فلسطين في القرن الأول كان ثقافة شفهية. فمعظم السكان كانوا أميين وكانوا يتذكرون المعلومات وينقلونها شفهياً.

ثانياً، كم من شهود العيان أولئك الذين كان معظمهم من الأميين كان سيكتب شيئاً حتى إن كان قادراً على الكتابة؟ وحتى اليوم، مع ارتفاع نسبة القراءة والكتابة وكل وسائل الكتابة الحديثة وأدوات البحث اليسيرة، كم شخصاً تعرفه كتب كتاباً أو حتى مقالاً في أي موضوع؟ كم شخصاً تعرفه كتب كتاباً أو مقالاً في أي حدث تاريخي معاصر، حتى وإن كان حدثاً جللاً مثل 11 سبتمبر؟ غالباً ليسوا كثيرين، ومؤكد أنهم أقل من 1 من 500. (هل كتب فارل تيل طيلة حياته مقالاً في حدث تاريخي كبير شهده؟)

ثالثاً، حتى إن كان بعض هؤلاء الخمسمائة شخص العاديين قد كتبوا ما رأوا، لماذا يتوقع الشكوكيين أن تبقى شهاداتهم لمدة 2000 سنة؟ العهد الجديد ظل باقياً بفضل آلاف المخطوطات التي نسخها الكتبة للكنيسة النامية على مر القرون. فالمؤلفات التاريخية لأعظم المؤرخين القدماء مثل يوسيفوس، وتاسيتس، وبلينيوس لم ييق منها إلا حفنة من النسخ، وتلك النسخ أحدث من الأصول بمئات السنين. فلماذا يظن الشكوكيون أن مجموعة من الفلاحين الجليليين الأميين القدماء يجب أن تكتب أي شيء، ناهيك عن أن يظل هذا الشيء باقياً؟[14]

وأخيراً، نحن نعلم على وجه اليقين أسماء الكثير من الخمسمائة، وشهادتهم مسجلة في العهد الجديد. فمنهم متى، ومرقص، ولوقا، ويوحنا، وبطرس، وبولس، ويعقوب، بالإضافة إلى تسعة مذكورين بالاسم في مواضع أخرى بصفتهم رسلاً (متى 10، أعمال 1).

إذن يجب ألا نتوقع شهادة أكثر مما عندنا عن يسوع. وما عندنا أكثر من كاف لإثبات تاريخيته.

الملخص والخلاصة

لدينا أمور أكثر من ذلك بكثير يجب فحصها بخصوص تاريخية العهد الجديد. ولكن يمكننا حتى الآن أن نتوصل إلى استنتاجين رئيسيين:

1 – لدينا نسخة دقيقة من وثائق العهد الجديد الأصلية:

  • رغم أن وثائق العهد الجديد الأصلي ليست باقية، أو لم تكتشف حتى الآن. فلدينا نسخ وفيرة ودقيقة من وثائق العهد الجديد الأصلية، أكثر بكثير من النسخ الباقية لأفضل عشرة أعمال مجتمعة من الكتابات القديمة. إضافة إلى ذلك، يمكن إعادة إنشاء الأصول بدقة تكاد تكون تامة وذلك عن طريق مقارنة آلاف النسخ من المخطوطات التي لا تزال باقية. وقد اكتشفنا قصاصات من المخطوطات ترجع إلى مطلع القرن الثاني وربما إلى منتصف القرن الأول، وليس هناك أي من كتابات العالم القديم يقترب من العهد الجديد من حيث قوة تأييد المخطوطات.
  • تتأكد صحة إعادة الإنشاء بعنصر آخر، ألا وهو آلاف الاقتباسات في كتابات آباء الكنيسة الأوائل. والحقيقة أن العهد الجديد كله، فيما عدا إحدى عشرة آية، يمكن إعادة إنشائه من اقتباساتهم منه فقط.

2 – وثائق العهد الجديد مبكرة وتحتوي على مادة من مصادر أسبق:

  • بما أن كتاباً آخرين استشهدوا بوثائق العهد الجديد قبل حوالي سنة 100م، إذن مؤكد أن هذه الوثائق كتبت قبل ذلك.
  • بما أن وثائق العهد الجديد تتحدث عن الهيكل والمدينة على أنهما ما زالا باقيين في زمن الكتابة، وليس هناك ذكر لاندلاع الحرب اليهودية ولا لتدمير الهيكل وأورشليم، إذن الاحتمال الأكبر أن معظم وثائق العهد الجديد كتبت قبل سنة 70م.
  • لدينا أدلة قوية جداً على أن سفر الأعمال كتب سنة 62 على أقصى تقدير، وهو ما يعين أن إنجيل لوقا أقدم.
  • لدينا مواد من مصادر يرجع تاريخها إلى الثلاثينيات. وكل المتخصصين تقريباً يتفقون على أن الشهادة الواردة في 1كورنثوس 15 عن موت يسوع ودفنه وقيامته ترجع إلى زمن تلك الأحداث أو في غضون بضع سنوات من وقوعها. بالإضافة إلى ذلك، هناك ما لا يقل عن 40 إقراراً آخر في العهد الجديد يبدو أن أصلها يرجع إلى تاريخ مبكر جداً.

إذن الوثائق من تاريخ مبكر والمصادر أسبق منها. ولكن هذا لا يكفي لإثبات التاريخية بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي. ولإثبات التاريخية علينا أن نتأكد أن هذه الوثائق تحوي فعلاً شهادة شهود عيان. فهل هذا هو الحال؟ هذا هو السؤال الذي سنبحثه فيما يلي.

[1] لماذا لم يشر يوسيفوس إلى يسوع أكثر من ذلك؟ يمكننا أن نخمن أن يوسيفوس بصفته مؤرخاً للإمبراطور كان لا بد أن يختار موضوعاته وكلماته بعناية. فقد كان دوميتيان شديد الارتياب من أي شيء قد يكون له ارتباط بالفتن. وهذه الطائفة الجديدة المسماة بالمسيحية ربما اعتبرت مثيرة للفتن؛ لأن المسيحيين كان عندهم هذه المنظومة العقائدية الجديدة الغريبة من رفض عبادة القيصر والآلهة الرومانية. ولذلك، من المؤكد أن يوسيفوس لم يرد إزعاج رئيسه أو مضايقته بالإفراط في كتابة الكثير من التعليقات الإيجابية عن المسيحية. ومع ذلك، هاتان الإشارتان تؤكدان وجود يسوع ويعقوب وتؤيدان روايات العهد الجديد.

 

 

[2] انظر أعمال 21: 17؛ 18؛ قارن 15: 13.

[3] المصادر العشرة غير المسيحية هي: يوسيفوس، والمؤرخ الروماني تاسيتس، والسياسي الروماني بلينيوس الأصغر Plins the Younger، وفليجون Phlegon وهو عبد معتق له مؤلفات تاريخية، وثالوس Thallus وهو مؤرخ من القرن الأول، والمؤرخ الروماني سويتونيوس Seutonius، ولوقيان Lucian الكاتب اليوناني الساخر، الفيلسوف الروماني سيلسوس، ومارابار سرابيون Mara Bar-Serapion وهو مواطن كتب لابنه، والتلمود اليهودي. وللاطلاع على قائمة كاملة بكل النصوص التي ذكرت المسيح من هذه المصادر، انظر Norman L.Geisler, Baker Encyclopedia of Christian Apologetics (Grand Rapids. Mick: Baker, 1999) 381-385. انظر أيضاً Gary Habermas, The Historical Jesus (Joplin, Mo.: College Prees, 1996) Chaper 9

[4] بما أن لوقا ذكر طيباريوس، يكون مجموع الكتاب الذين ذكروا طيباريوس هو 10، انظر Habermas and Licona. Case for the Resurrection of Jesus. أضفنا التلمود اليهودي لقائمة Habermas and Licona لأنه الأرجح كتب في مطلع القرن الثاني، في غضون 150 سنة من موت يسوع. لذا فنحن نعتبرهم 43 إلى 10 بدلاً من 42 إلى 9 التي اقترحوها.

[5] قليل من النقاد اقترحوا بدائل محتملة بخلاف العهد الجديد. ولكن حتى ينجحوا في ذلك كان عليهم أن يغيروا عدد الحروف التي يسعها السطر في النص القديم من العشرينات إلى الستينات في بعض الحالات. ولكن هذا العدد الكبير من الحروف غير محتمل بالمرة. انظر Geisler, Baker Encyclopedia of Christian Apologetics, 547.

[6] لاحظ أن هذا ليس فاصلاً بين الأحداث والكتابات الأصلية. فالفاصل بين الأحداث والكتابات الأصلية أقصر من الفاصل بين النصوص الأصلية والمخطوطات كما سنرى لاحقاً في هذا الفصل.

[7] مغالطة منطقية تستخدم في التاريخ، وهي تحاول أن تثبت خطأ زعم ما لعدم وجود أدلة تثبته. مثال: بما أنه ليس هناك ذكر للحثيين في المصادر اليونانية والرومانية، إذن لا بد أن إشارات الكتاب المقدس إلى الحثيين محض خيال Lange, John “The Argument form Silence” History and Theory, vol 5. No. 3. 1966. Pp. 288-301 (www.jstor.org/stable/2504447) تم الاطلاع عليه بتاريخ 27/ 11/2016 (المترجمة).

[8] انظر يوحنا 5: 2؛ 2تسالونيكي 2: 4؛ عبرانيين 5: 1-3؛ 7: 23، 27؛ 8: 3-5؛ 9: 25؛ 10: 1، 3، 4، 11؛ 13: 10، 11؛ رؤيا 11: 1، 2.

[9] معظم الباحثين، إن لم يكن كلهم، يرجعون أصل هذه المادة إلى ما قبل سنة 40م. انظر Gary Habermas, The Historical Jesus (Joplin, Mo: College Press, 1996), 152-157. انظر أيضاً Havermas and Licona, Case of the Restriction of Jesus, forthcoming). Chapter 7.

[10] فضلاً عن ذلك، عندما يكتب بولس “فإنني سلمت إليكم”، فهذا يعني أن يذكرهم بأنه أعطاهم تلك الشهادة من قبل. فرغم أنه كتب إليهم ريما سنة 56، لا بد أنه قالها شفاهة في زيارة سابقة له لكورنثوس، ربما سنة 51م. وهو ما يعني أيضاً أن بولس لابد أنه تسلمها قبل سنة 51 أي أن هذه المعلومة كانت موجودة قبل ذلك الوقت.

[11] إن كان لوقا قد تحاور فعلاً مع شهود عيان كما يزعم، إذن إنجيله يحوي شهادة شهود عيان مبكرة يجب أن نثق بها كما لو كان لوقا قد شهد الأحداث بنفسه. فشهادة شهود العيان تعتبر مادة من مصدر أساسي حتى لو سجلت فيما بعد على يد شخص آخر.

[12] يعتقد بعض الدارسين بوجود دليل عرضي آخر على أن مرقص كتب في الثلاثينيات. فمرقص يذكر رئيس الكهنة خمس مرات ولكنه لا يذكر اسمه. ولكن الأناجيل الثلاثة الأخرى تذكر أن اسمه قيافا. فلماذا لا يذكره مرقص بالاسم؟ ربما لأن قيافا كان رئيس الكهنة أثناء كتابة مرقص لإنجيله، لذا لم تكن هناك ضرورة لذكر اسمه. إن كان ذلك صحيحاً، إذن مرقص كتب قبل سنة 37م لأن هذا هو وقت انتهاء رئاسته للكهنوت (يوسيفوس، الآثار، 18: 3، 4).

[13] يعتقد بعض الدارسين أن كتاب العهد الجديد استخدموا سجلات مكتوبة تسبق الأناجيل. ويبدو أن لوقا 1: 1 يؤكد ذلك. إلا أن الكثير من الباحثين الليبراليين يرجحون أن الأناجيل ليس روايات شهود عيان ولكنها اشتقت من مصدر لم يكتشف بعد يعرف باسم “Q”. ولكننا سنرى في الفصل القادم ما يؤكد أن كتبة العهد الجديد كانوا بالفعل شهود عيان. للاطلاع على تحليل نقدي مهم للنقد الكتابي وفكرة وجود مصدر “Q” اقتبس منه كتاب العهد الجديد، راجع هذا الكتاب بقلم إتا لينمان Eta Linnemann أحد مؤيدي المصدر “Q” سابقاً Eta Linnemann, Biblical Criticism on Trial (Grand Rapids. Mich.: Kreged, 2001) انظر أيضاً Geisler, Baker Encyclopedia of Christian Apologetics, 618-621.

[14] على سبيل المصادفة أنه بالرغم من عدم وجود وثائق من الخمسمائة شخص، فإدراجهم مع شهود العيان الأربعة عشر المذكورين بالاسم يجعل رؤيتهم للمسيح المقام ليس اختراعاً من بولس. وسنناقش ذلك بمزيد من التفصيل في الفصل العاشر.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه في الكتاب المقدس

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه في الكتاب المقدس

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه في الكتاب المقدس المذيع محمود داود يُعلن إيمانه في الكتاب …