مواضيع عاجلة
الرئيسية / أبحاث / العلم ووجود الله – صراع بين منظورين فلسفيين – جون ليونكس

العلم ووجود الله – صراع بين منظورين فلسفيين – جون ليونكس

ووجود الله – صراع بين منظورين فلسفيين –

العلم ووجود الله - صراع بين منظورين فلسفيين - جون ليونكس
ووجود الله – صراع بين منظورين فلسفيين –

ووجود الله – صراع بين منظورين فلسفيين –

 

 

 

«يستحيل مصالحة والدين.»

“بيتر أتكينز” Peter Atkins

 

«كل دراساتي العلمية…. أكدت إيماني.»

السير “جيليان برانس” Ghillean Prance

زميل الجمعية الملكية

 

«عندما يقول لك أي شخص شيء ما إنه حق، اقترح أن تقول له:

“ما الدليل على ذلك؟” وإن عجز عن تقديم إجابة شافية،

فأرجوا أن تفكر ملياً قبل أن تصدق كلمة واحدة مما يقول.»

“ريتشارد دوكينز” Richard Dawkins

زميل الجمعية الملكية

 

 

إقرأ أيضًا: 

العلم ووجود الله – نطاق العلم وحدوده – جون ليونكس

العلم ووجود الله – الاختزال الاختزال الاختزال – جون ليونكس

 

 

المسمار الأخير في نعش الله؟

من الانطباعات السائدة والرائجة حالياً أن كل تقدم علمي جديد يمثل مسماراً جديداً في نعش الله، وهو انطباع يستمد قوته من المفكرين العلميين المؤثرين. فها هو “بيتر آتكينز” Peter Atkins أستاذ الكيمياء بجامة أكسفورد، يكتب قائلاً: «على البشرية أن تقبل أن قضى على أي داع للاعتقاد في غرض كوني، وأنه وجدت أي بقية من غرض فهي مجرد إيحاء عاطفي.»[1] ولكن كيف يمكن للعلم، الذي لا يفترض فيه التعامل مع مسألة الغرض (الكوني) أصلاً، أن يفعل ذلك؟ فهذا أمر غير واضح كما سنرى فيما بعد. ولكن الواضح أن “آتكينز” يختزل الإيمان بالله بكل بساطة إلى مجرد عاطفة، وعاطفة معادية للعلم. ولكن “آتكينز” ليس وحده. بل إن “ريتشادر دوكينز” Richard Dawkins يتفوق عليه ويخطو خطوة أبعد معتبراً الإيمان بالله شراً يجب القضاء عليه، وذلك عندما قال: «يشيع حالياً الكلام عما يهدد البشرية من أخطار فيروس الإيدز، ومرض “جنون البقر” والكثير غيرهما، ولكني أظن أن الإيمان يمثل واحداً من الشرور العظمى في العالم، يضاهي فيروس الجدري، ولكن القضاء عليه أصعب، فالإيمان، من حيث إنه اعتقاد لا يقوم على دليل هو الرذيلة الأساسية في أي دين»[2].

ومؤخراً أصبح “دوكينز” يرى أن الإيمان ارتقى (إن كان هذا هو المصطلح الصحيح) من مرتبة الرذيلة إلى مرتبة الوهم. فهو يستشهد في كتابه “وهم الإله”[3] The God Delusion يقول “روبرت بيرسيج” Robert Pirsig مؤلف “الزن وفن صيانة الدرجات البخارية” Zen and the Art of Motorcycle Maintenance الذي قال: «عندما يعاني أحد الأشخاص من وهم، يطلق على هذه الحالة جنون. ولكن عندما يعاني كثيرون من هوم، يطلق عليها دين.» والله ليس مجرد وهم، بل وهم مميت.

وتمثل هذه الآراء الحد الأٌقصى الأكثر تطرفاً ضمن مجموعة ضخمة من الآراء التي نخطئ لو اعتبرناها متماثلة. فالكثير من الملحدين غير راضين عما تتميز به هذه الآراء من لهجة حادة عدائية، بل قمعية واستبدادية. ولكن كما هو الحال دائماً، هذه الآراء المتطرفة هي التي تجذب الاهتمام الجماهيري والإعلامي، مما يؤدي إلى اطلاع الكثيرين عليها وتأثرهم بها. ولذلك من الحماقة أن نتجاهلها. ولكن علينا أن نأخذها مأخذ الجد.

ويتضح مما يقوله “دوكينز” أنه من العوامل التي أشعلت عداءه ضد الإيمان بالله هو الانطباع الذي تكون لديه (للأسف) بأنه بينما «تقوم القناعة العلمية على دليل يمكن التحقق منه وإعلانه للجميع، يفتقر الإيمان الديني للدليل، بل إن استغناءه عن الأدلة هو سر نشوته التي يصدح بها بأعلى صوته.»[4] أي أنه يعتبر أن كل الإيمان الديني إيمان أعمى. وإن كان الأمر كذلك، فربما يستحق فعلاً أن يوضع في فئة الجدري. ولكننا عملاً بنصيحة “دوكينز” نطرح هذا السؤال: ما الدليل على أن الإيمان الديني لا يقوم على دليل؟ وهنا لا بد أن نعترف أنه للأسف بعض من يعلنون إيمانهم بالله يعادون والتنوير. وهو موقف يدعو للأسف ويسيء للإيمان بالله. ويبدو أن “ريتشارد دوكينز” منى بمقابلة عدد كبير جداً من أصحاب هذا الموقف.

ولكن هذا لا ينفي أن التيار العام في المسيحية يؤكد أنه لا انفصال بين الإيمان والدليل. بل إن الإيمان عبارة عن تجاوب مع الدليل، وليس ابتهاجاً بغياب الدليل. والرسول يوحنا يكتب في سيرة حياة يسوع قائلاً: «وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا….»[5] أي أنه يدرك أن يكتبه هو جزء من الأدلة التي يقوم عليها الإيمان. والرسول بولس يقول ما آمن به الكثير من رواد العلم الحديث، ألا وهو إن الطبيعة نفسها تمثل جزءًا من الدليل على : «لأن أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى إنهم بلا عذر.»[6] فالإيمان الذي لا يقوم على دليل ليس له أي أساس في الكتاب المقدس. والإيمان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعقل والدليل كما هو الحال في العلم. ومن ثم، فتعريف “دوكينز” للإيمان بأنه “إيمان أعمى” يتناقض تماماً مع التعريف الكتابي. والغريب أنه لا يدرك هذا التباين. فهل هذا ناتج عن إيمانه الأعمى؟

وهكذا فإن تعريف “دوكينز” الفريد للإيمان يمثل نموذجاً صارخاً لنوع التفكير الذي يزعم أنه يمقته، ألا وهو التفكير الذي لا يقوم على دليل. وذلك لأن التناقض المروع الذي وقع فيه يتمثل في عجزه عن تقديم دليل على ادعائه بأن غيار الدليل هو سر نشوة الإيمان. ولا يصف اكتشاف عجزه عن تقديم الدليل، وذلك لأن الدليل غير موجود أصلاً. ولسنا بحاجة لبذل جهد جبار في البحث لنتحقق من أن تعريف “دوكينز” للإيمان لا يلقى تأييد أي من أساتذة الكتاب المقدس أو المفكرين المسيحيين الجاديين. ويقول “فرانسيس كولينز” Francis Collins عن تعريف “دوكينز” إنه بالتأكيد «لا يصف إيمان معظم المؤمنين الجادين على مر التاريخ، ولا إيمان غالبية من أعرفهم شخصياً.»[7]

وفكرة “كولينز” مهمة لأنها تبين أن الملحدين الجدد New Atheists في رفضهم للإيمان كله باعتباره إيماناً أعمى يسددون ضربة قوية لمصداقيتهم كما يقول “جون هوت” John Haught: «إن غراباً واحداً أبيض كاف لإثبات أن ليس كل الغربان سوداء. ولذلك، من المؤكد أن وجود عدد لا نهائي من المؤمنين يرفضون تعريف الملحدين الجدد الساذج للإيمان كاف للتشكيك في مدى انطباق تحليلاتهم النقدية على فئة كبيرة جداً من المتدينين.»[8]

ويوضح “أليستر ماجراث”[9] Alister McGrath في تقييمه الذي صدر مؤخراً لموقف “دوكينز”، وهو تقييم سهل الفهم، أن “دوكينز” لم يتعامل مطلقاً مع مفكرين مسيحيين جادين. فما حكمنا إذن على مقولته العظمية: «عندما يقول لك أي شخص عن شيء ما إنه حق، اقترح أن تقول له: “ما الدليل على ذلك؟” وإن عجز عن تقديم إجابة شافية، فأرجو أن تفكر ملياً قبل أن تصدق كلمة واحدة مما يقول؟»[10] ومقولة “دوكينز” عينها تغرينا أن نطبقها عليه شخصياً ولا نصدق كلمة مما يقول.

ولكن “دوكينز” ليس الوحيد الذي يعتنق هذه الفكرة المغلوطة من أن الإيمان بالله لا يقوم على أي دليل. فالخبرة تثبت أنه اعتقاد شائع بين العلماء، حتى وإن اختلفت أساليب صياغته. فمن العبارات التي كثيراً ما نسمعها أن الإيمان «الإيمان بالله يختلف عن الإيمان الذي نمارسه في العلم»، أي أنه باختصار «إيمان أعمى.» وسوف نتناول هذه القضية بمزيد من التفصيل في الفصل الرابع في الجزء الخاص بإمكانية فهم الكون بشكل عقلاني.

ولكننا سنبدأ بإلقاء نظرة سريعة على الإيمان بالله أو عدم الإيمان به في الوسط العلمي. ومن الدراسات المثيرة التي أجريت في هذا المجال دراسة مسحية أجراها “إدوارد لارسن” Edward Larsen بالتعاون مع “لاري ويذام” Larry Witham سنة 1996 ونشرت في جريدة “نيتشر” Nature[11]. وذلك لأن دراستهما كانت تكراراً لدراسة مسحية أجراها البروفسور “ليبا” Leuba سنة 1916 حيث سأل 1000 عالم (اختيروا عشوائياً من نسخة 1910 من دليل العلماء American Men of Science) عما إذا كانوا يؤمنون بإله يستجيب الصلاة وبخلود الإنسان، وهو إيمان محدد يختلف عن مجرد الإيمان بوجود كائن إلهي. وكانت نسبة من أجابوا عن السؤال 70٪، منهم 41,8٪ قالوا نعم، و41،5٪ أجابوا لا، و16،7٪ لا أدريون[12]. وسنة 1996 كانت نسبة من أجابوا 60٪، منهم 39,6٪ أجابوا بنعم، و45,5٪ قالوا لا، و14,9٪ لا أدريون*. وقد قدمت الصحافة تفسيرات مختلفة لهذه الإحصائيات وفقاً لمبدأ نصف الكوب المملوء ونصفه الفارغ. فقد استخدمها البعض دليلاً على بقاء الإيمان، في حين استخدمها البعض الآخر دليلاً على استمرارية عدم الإيمان. ولكن ربما أكثر ما يلفت النظر هو ما طرأ من تغير طفيف نسبياً على نسبة المؤمنين مقابل غير المؤمنين على مدى ثمانين سنة شهدت فيها المعرفة العلمية معدلات نمو هائلة، وهو ما يتناقض تناقضاً حاداً مع النظرة السائدة.

وقد أظهرت دراسة مشابهة أن نسبة الملحدين تزداد في المستويات العلمية الرفيعة. فقد بين “لارسن” وزميله “ويذام” سنة [13]1998 أنه من بين أكبر العلماء في الأكاديمية القومية للعلوم National Academy of Sciences في الولايات المتحدة الأمريكية ممن أجابوا عن السؤال، كان 72,2٪ ملحدين، و7٪ يؤمنون بالله، و20,8٪ لا أدريون. ولكن للأسف ليس لدينا إحصائيات مشابهة في سنة 1916 لنرى ما إذا كانت تلك النسب قد تغيرت أم لا، إلا أننا نعلم أن أكثر من 90٪ من مؤسسي الجمعية الملكية Royal Society في إنجلترا كانوا مؤمنين بالله.

أما تفسير هذه الإحصائيات فهو مسألة معقدة. فعلى سبيل المثال اكتشف “لارسن” أيضاً أن نسبة الإيمان بالله تهبط هبوطاً حاداً بين من يزيد دخلهم على 150 ألف دولار سنوياً، أي أن هذا الاتجاه لا يقتصر على الأوساط العلمية فحسب.

ولكن أياً كان معنى هذه الإحصائيات، فلا شك أنها تقدم دليلاً كافياً على أن “دوكينز” قد يكون محقاً في تقديره لمدى صعوبة مهمته المروعة الاستبدادية المتمثلة في القضاء على الإيمان بالله بين العلماء. وذلك، لأنه بالإضافة إلى ما يقرب من 40٪ من العلماء المؤمنين وفقاً للإحصائية العامة، كان وما زال هناك علماء بارزون يؤمنون بالله، ومن أشهرهم “فرانسيس كولينز” مدير مشروع الجينوم البشري Human Genome Project، والبروفسور “بيل فيليبس” Bill Phillips الحائز على جائزة نوبل للفيزياء سنة 1997، والسير “برايان هيب” Brian Heap زميل الجمعية الملكية ونائب رئيس الجمعية الملكية سابقاً، والسير “جون هوتن” John Houghton زميل الجمعية الملكية ومدير مكتب الأرصاد الجوية البريطاني British Meteorological Office سابقاً، وأحد رؤساء اللجنة الحكومية للتغيرات المناخية Intergovernmental Panel on Climate Change سابقاً وهو حالياً مدير مبادرة جون راي للبيئة John Ray Initiative on the Environment، وهذا على سبيل المثال لا الحصر.

وبالطبع لا يمكن الإجابة عن سؤالنا بالإحصائيات، مهما كانت أهميتها. فالمؤكد أن وجود علماء بارزين يعترفون بإيمانهم بالله ليس له أي تأثير على اللهجة الحادة التي يتحدث بها “آتكينز” وكذلك “دوكينز” وغيرهما وهم يشنون حربهم على الله باسم العلم. ولعل الأدق أن نقول إنهم مقتنعون ليس أن العلم في حرب مع الله، بل أن الحرب انتهت وحُسمت لصالح العلم. ولم يبق إلا أن يعرف العالم، كما قال “نيتشه” Nietzsche، أن الله مات وأن العلم دفنه. ويكتب “بيتر أتكينز” في هذا الاتجاه قائلاً: «يستحيل مصالحة العلم والدين، وعلى البشرية أن تحترم قدرة طفلها وتهزم كافة محاولات التوفيق بين العلم والدين. فقد أخفق الدين، وإخفاقاته لا بد أن تُفضح. أن العلم يما يحققه حالياً من نجاحات تؤكد كفاءته الشاملة في تفسير أصغر أجزاء الكون، هو بهجة العقل العليا، ويجب الاعتراف به ملكاً.»[14] يا لها من لغة انتصارية! ولكن هل يمكن الحفاظ على هذا الانتصار؟ فأي دين هو الذي أخفق، وعلى أي مستوى؟ ورغم أن العلم هو بالفعل بهجة، هل هو فعلاً بهجة العقل العليا؟ هل الموسيقا والفن والأدب والحق لا علاقة لها بالعقل؟ إني أسمع الآن نغمات الاحتجاج تتعالى من حناجر الإنسانية.

بل أن بعض العلماء يبدون أنهم في حرب مع الله، فهذا لا يعني أن العلم نفسه في حرب مع الله. فبعض الموسيقيين مثلاً ملحدون عتاة. فهل هذا يعني أن الموسيقى نفسها في حرب مع الله؟ بالطبع لا. إذن يمكن التعبير عن الفكرة هكذا: التصريحات التي يطلقها العلماء لا تعبر بالضرورة عن تصريحات العلم. ويمكننا أن نضيف أنها ليست بالضرورة صحيحة، وإن كانت غالباً ما تقبل على أنها صحيحة نظراً للمكانة العلمية التي يتمتع بها أصحابها. فمثلاً، عبارات “آتكينز” وكذلك “دوكينز” التي بدأنا بها تقع ضمن هذه الفئة. فهي ليست تصريحات العلم ولكنها تعبيرات عن معتقد شخصي، وهو في الواقع معتقد إيماني، لا يختلف في جوهره عن (وإن كان أقل تسامحاً بمرامل من) الكثير من التعبيرات الإيمانية التي يتمنى “دوكينز” القضاء عليها. إلا أن هذا لا يعني أن تصريحاتهما خاطئة، ولكنه يعنى أنه لا يجب التعامل معها باعتبارها مرجعية علمية. وما يجب التحقق منه هو الفئة التي تنتمي إليها هذه التصريحات، والأهم من ذلك أن نتحقق من صحتها.

وقبل الانتقال لفكرة أخرى علينا أن نوازن كفتي الميزان قليلاً فنذكر بعضاً من أقوال العلماء البارزين الذين يؤمنون بالله. فمثلاً السير “جون هوتن” زميل الملكية يكتب قائلاً: «العلم الذي نعمل فيه هو علم الله. الله هو المسؤول عن قصة العلم بكاملها… فالترتيب المذهل، والاتساق، والثبات، والتعقيد المبهر الذي يميز التوصيف العلمي للكون ليس إلا انعكاساً ما يتميز به النشاط الإلهي من ترتيب، واتساق، وثبات، وتعقيد.»[15] والسير “جيليان برانس” زميل الجمعية الملكية والمدير السابق لحدائق كيو Kew Gardens يعبر عن إيمانه بنفس هذا الوضوح فيقول: «لقد آمنت سنوات طويلة أن الله هو المصمم العظيم وراء الطبيعة كلها… وكل دراساتي العلمية منذ ذلك الحين أكدت إيماني. وإني أعتبر الكتاب المقدس مرجعيتي الأساسية والنهائية.»[16]

وهذه العبارات أيضاً ليست بالطبع عبارات علمية، ولكنها تعبر عن معتقد شخصي. ولكن يجب أن ننتبه أنها تلمح إلى الدليل الذي من شأنه تأييد ذلك المعتقد. فمثلاً السير “جيليان برانس” Ghillean Prance يقول صراحة إن العلم نفسه هو الذي يؤكد إيمانه. وهكذا نجد أنفسنا أمام موقف مثير حيث المفكرون الطبيعيون يخبروننا بأن العلم قضى على الله، ومن ناحية أخرى يقول لنا المؤمنون بالله إن العلم يؤكد إيمانهم بالله. وكلا الفريقين علماء أكفاء. فما معنى هذا؟ معناه بالتأكيد أن الافتراض بأن العلم والإيمان بالله خصمان لهو سذاجة قصوى، ويبين أن الأمر يستحق استكشاف العلاقات الفعلية بين العلم والإلحاد وبين العلم والإيمان بالله. والسؤال الذي يجب طرحه تحديداً إن كان العلم يؤيد أياً من هذين المنظورين المتضادين – الإيمان والإلحاد – فأيهما يؤيد؟

ولنتناول أولاً تاريخ العلم.

جذور العلم المنسية

يقوم العلم كله في جوهره على قناعة مفادها أن الكون مرتب. ودون هذه القناعة العميقة يصبح العلم مستحيلاً. ولذلك من حقنا أن نسأل: من أين تأتي هذه القناعة؟ يحاول “ملفين كالفين” Melvin Calvin الحائز على جائز نوبل في الكيمياء الحيوية استكشاف مصدر هذه القناعة قائلاً: «عندما أحاول التوصل إلى مصدر تلك القناعة، أظنها موجدة في فكرة أولية اكتشفت منذ 2000 أو 3000 سنة، وأعلنت في العالم الغربي على يد العبرانيين القدماء: ألا وهي أن الكون محكوم بإله واحد، وليس نتاج نزوات آلهة كثيرين، يحكم كل منهم إقليمه الخاص وفقاً لقوانينه الخاصة. ويبدو أن هذه النظرة التوحيدية تمثل الأساس التاريخي للعلم الحديث.»[17]

وهي فكرة تسترعي الانتباه مقارنة بما اعتدنا قراءته من إرجاع جذور العلم المعاصر للإغريق في القرن السادس قبل الميلاد ثم الإشارة إلى أن العلم حتى يتقدم كان لا بد من تخليص النظرة الإغريقية من فكرة تعدد الآلهة. وسوف نعود لهذه النقطة الأخيرة فيما يلي. ولكن كل ما نرجو توضيحه هنا أنه رغم أن الإغريق كانوا بكل تأكيد أول من اشتغلوا بالعلم كما نفهمه اليوم، فمعنى ما يقوله “ملفين كالفين” أن النظرة الفعلية للكون التي قدمت أكبر العون للعلم، ألا هو النظرة العبرانية بأن الله هو من خلق الكون وهو من يحفظه، هي أقدم كثيراً من النظرة الإغريقية.

وأظن أن هذه الفكرة يجب أن “ينادى بها على السطوح” على حد تعبير “دوكينز” (الذي استعاره هو شخصياً من العهد الجديد!) باعتبارها فكرة مضادة لرفض الله دون تدبر ولا ترو. لأنها تعني أن الأساس الذي يقف عليه العلم، والقاعدة التي انطلق منها إلى آخر الكون تشتمل على بعد إيماني قوي.

وممن لفتوا النظر لهذا البعد قبل “ملفين كالفين” بكثير هو مؤرخ وعالم الرياضيات البارز السير “ألفريد نورث وايتهد” Alfred North Whitehead. فقد لاحظ أن أوروبا في العصور الوسطة سنة 1500 عرفت أقل مما عرفه أرشميدس في القرن الثالث قبل الميلاد، ولكن سنة 1700 كان نيوتن قد كتب رائعته “الأسس الرياضية” Principia Mathematica. وعندنا سأل “وايتهد” سؤالاً واضحاً: كيف حدث هذا الانفجار المعرفي في هذه الفترة القصيرة نسبياً؟ وكانت إجابته: «لا بد أن ينبثق العلم الحديث من فكرة عقلانية الله التي كانت راسخة ومؤكدة في العصور الوسطى… وتفسيري أن الإيمان بإمكانية العلم (ذلك الإيمان الذي نشأ قبل ظهور نظرية العلم الحديث) هو إفراز لا إرادي للاهوت العصور الوسطى.»[18] ويجدر بنا هنا أن نشير إلى صياغة “سي. إس. لويس” C. S. Lewis الموجزة الثاقبة لرأي “وايتهد”: «أصبح الناس يؤمنون بالعلم ويدركونه لأنهم توقعوا وجود قانون في الطبيعة، وتوقعوا قانوناً في الطبيعة لأنهم آمنوا بوجود مشرع للقانون.» وهذه القناعة هي ما قادت “فرانسيس بيكون” Francis Bacon (1561-1626)، الذي يعتبره الكثيرون أبي العلم الحديث، إلى أن يعلم بأن الله أعطانا كتابين: كتاب الطبيعة، والكتاب المقدس، وأنه إن أراد المرء أن يتعلم تعليماً صحيحاً عليه أن يكرس عقله لدراسة الكتابين معاً.

وقد اتفق معه الكثيرون من عمالقة العلم، فعلماء مثل جاليليو (156401642)، كبلر Kepler (1571-1630)، باسكال Pascal (1623-1662)، بويل Boyle (1627-1691)، نيوتن (1642-1727)، فاراداي Faraday (1791-1867)، بابج Babbage (1791-1871)، مندل Mendel (1822-1884)، باستير Pasteur (1822-1895)، كلفين Kelvin (1824-1907)، كلرك ماكسويل Clerk Maxwell (1831-1879) كانوا مؤمنين بالله، وكان معظمهم مسيحيين حقيقيين. وإيمانهم بالله لم يقف عائقاً أمام علمهم على الإطلاق، بل كان هو ما يدفعهم نحوه ولم يخجلوا من التصريح بذلك. فمثلاً القوة التي دفعت عقل جاليليو الشغوف بالبحث هي قناعته الداخلية العميقة بأن الخالق الذي «منحنا الحواس، والقدرة على التفكير، والعقل» أرادنا أن لا «نهمل استخدامها ويعطينا هو المعرفة التي كان يمكننا الحصول عليها باستخدام هذه الملكات.» وقد وصف يوهانس كبلر Johannes Kepler ما يدفعه نحو العلم بهذه الكلمات: «يجب أن يكون الهدف الأساسي من كل أنشطة البحث والاستقصاء للعالم الخارجي هو اكتشاف النظام المنطقي الذي فرضه الله على هذا العالم والذي كشفه لنا بلغة الرياضيات.»[19] وقد بلغ هذا الاكتشاف عند كبلر ما عبر عنه في مقولته الشهيرة «التفكير فيما يفكر فيه الله على طريقته.»

وكم كان رد فعل الصينيين في القرن الثامن عشر مختلفاً، كما يسجل عالم الكيمياء الحيوية البريطاني “جوزيف نيد” Joseph Needham عندما بلغتهم عن طريق المرسلين اليسوعيين أخبار ما أحرزه العلم من تقدم في الغرب. فقد بدت لهم فكرة كون الكون محكوماً بقوانين بسيطة يمكن للبشر أن يكتشفوها، وقد اكشفوها بالفعل فكرة في منتهى الحماقة. فثقافتهم لم تتمكن من استقبال هذه الأفكار.[20]

إلا إن عدم إدراك النقطة التي نتناولها هنا قد يؤدي إلى تشويش. فنحن لا نزعم أن كافة جوانب الدين بوجه عام والمسيحية بوجه خاص ساهمت في تقدم العلم. ولكن ما نطرحه هو أن التعليم بإله فريد خالق مسؤول عن الوجود والترتيب الظاهر في الكون لعب دوراً مهماً. ونحن لا نزعم أن الدين لم يعاد العلم مطلقاً. بل إن “ت. ف. تورانس”[21] T. F. Torrance يوضح في تعليقه على تحليل “وايتهد” أن تقدم العلم غالباً ما كان «يواجه معوقات عسيرة من الكنيسة حتى عندما كانت بوادر الأفكار الحديثة تنشأ في أحضانها.» وهو يورد على ذلك مثال اللاهوت الأوغسطيني الذي ساد أوروبا على مدى 1000 سنة وكان له من التأثير والجاذبية ما قدم إسهامات عظمى للفنون في العصور الوسطى، ولكن تعليمه عن «الأخرويات الذي قال بفكرة اضمحلال العالم وانهياره واعتبر أن الخلاص هو فداء من هذا الوضع حول الاهتمام من العالم إلى ما هو أسمى من العالم والأرض، في حين أن نظرته للكون القدسي لم تقدم سوى فهم رمزي للطبيعة، واستخدمتها استخداماً دينياً وبغرض شرح حقائق معينة» وهكذا « قدس وأعلى شأن نظرة كونية معينة كان لا بد من استبدالها إن أردنا أي تقدم علمي.» ويقول “تورانس” أيضاً إن ما أعاق التفكير العلمي إعاقة كبرى كان غالباً «النظرة المتصلبة للسلطة وعلاقتها بالفهم الذي كان يرجع لعصر أوغسطينوس… مما أنتج شكاوى مرة ضد الكنيسة.»[22] ويعتبر جاليليو نموذجاً على ذلك كما سنرى لاحقاً.

إلا أن “تورانس” يؤيد الفكرة العامة في أطروحة “وايتهد” تأييداً قوياً بقوله: «بالرغم من التوتر المؤسف الذي كثيراً ما نشأ بين تقدم النظريات العلمية والفكر الكنسي التقليدي، ما زال اللاهوت قادراً على أن الزعم بأنه تبنى المعتقدات والحركات الأساسية التي تمخض عنها العلم التجريبي الحديث بوجه خاص على مر قرون طويلة، فإيمان اللاهوت الراسخ بثبات الله الخالق وجدارته بثقتنا وبمعقولية خليقته هو أقل ما يؤهله لهذه المهمة.»

ولكن “جون بروك” John Broche أول أستاذ للعلوم والدين في أكسفورد يبدو أكثر حذراً من “تورانس” إذ يقول: «في الماضي كانت المعتقدات الدينية تمثل فرضية مسبقة للمشروع العلمي لدرجة أنها كانت تصادق على التوافق بين الدين والعلم… فتعليم الخلق كان يضفي حالة من الاتساق على السعي العلمي بقدر ما كان يعنى ضمناً وجود نظام ثابت يمكن الوثوق به وراء حركة الطبيعة… غلا أن هذا لا يعني أنه دون اللاهوت ما كان للعلم أن ينطلق، ولكنه يعني أن المفاهيم العلمية التي آمن بها الرواد الذين اكتشفوها غالباً ما كانت تثريها معتقدات لاهوتية وميتافيزيقية وتؤسس لها.»[23]

ومؤخراً أشار “بيتر هاريسون” Peter Harrison خليفة “جون بروك” في أكسفورد إلى فكرة مبهرة، ألا وهي أنه من الملامح السائدة في صعود العلم الحديث هو التوجه البروتستانتي في تفسير نصوص الكتاب المقدس الذي أنهى المنهج الرمزي المتبع في العصور الوسطى.[24]

وإنها طبعاً مهمة عسيرة للغاية أن نعرف «ماذا يحدث لو….»، ولكن بالتأكيد لن نكون مبالغين إن قلنا إن تقدم العلم كان سيتراجع كثيراً لولا تعليم لاهوتي بعينه، ألا هو تعليم الخلق، وهي عقيدة تشترك فيها كل من اليهودية والمسيحية والإسلام. ولكن “بروك” يصدر تحذيراً صحياً من إعطاء القضية أكبر من حجمها، أي أنه إن كان بعينه يؤيد العلم فهذا لا يثبت صحة ذلك الدين. وبالتالي ينطبق المبدأ نفسه على الإلحاد.

لقد كان تعليم الخلق ضرورياً لصعود العلم بفضل ما ينطوي عليه من فكرة ترتيب الكون. إلا أن ضرورته تنبع من سبب آخر أشرنا إليه في المقدمة. فحتى يتقدم العلم، كان لا بد من تحرير الفكر من المنهج الأرسطي الذي ساد العالم والذي يقوم على استنتاج ما يجب أن يكون عليه الكون بناء على مبادئ ثابتة، والانتقال إلى منهجية تسمح للكون أن يفصح عن نفسه مباشرة. ومما يسر هذا التحول الجوهري في المنظور هو الاعتقاد بخليقة مرهونة بإرادة خالقها Contingent، أي أن الله الخالق كان يمكنه أن يخلق الكون بأي شكل يحلو له. ومن ثم، إن أردت أن تكتشف ماهية الكون أو الكيفية التي يعمل بها تحديداً، فلا بديل عن أن تستكشف وترى بعينيك. فلا يمكنك أن تستنتج الكيفية التي يسير بها الكون بمجرد أن تعمل عقلك بناء على مبادئ فلسفية بديهية مفترضة مسبقاً a priori. وهذا هو بالضبط ما قاله جاليليو، ومن بعد كبلر وغيرهما: فقد بحثوا ورأوا بأنفسهم، وأحدثوا ثورة علمية. ولكن كما نعرف جميعاً، دخل جاليليو في صراع مع كنيسة روما الكاثوليكية. ولذلك، علينا أن نعود لقصته لنرى ماذا يمكننا أن نتعلمه منها.

أساطير الصراع: جاليليو وكنيسة روما الكاثوليكية، “هكسلي” والأسقف “ويلبرفورس”:

من الأسباب الرئيسية التي تستدعي التمييز بين تأثير عقيدة الخلق وتأثير جوانب أخرى من الحياة الدينية (ولنقل السياسة الدينية) على صعود تيار العلم هو أن نصل إلى فهم أفضل لروايتين تاريخيتين لنمطين غالباً ما تستخدمان لتأييد الانطباع السائد بين عموم الناس بأن العلم كان دائماً في حرب مع الدين، وهي فكرة غالباً ما يشار إليها باسم “أطروحة الصراع” “Conflict thesis“. تتصل هاتان الروايتان باثنتين من أشهر المواجهات في التاريخ: أولاهما، هي ما ذكرته آنفاً، بين جاليليو وكنيسة روما الكاثوليكية. والثانية، هي المناظرة بين “هكسلي” Huxley والأسقف “ويلبرفورس” Wilberforce حول موضوع كتاب تشارلز داروين Charles Darwin الشهير “أصل الأنواع” The Origin of Species. إلا أن البحث الدقيق يكشف أن هذه القصص تعجز عن تأييد أطروحة الصراع، وهو ما يمثل مفاجأة للكثيرين، ولكن هذا هو ما يثبته التاريخ.

ويجب أولاً أن ننتبه لحقيقة واضحة، وهي أن جاليليو واحد من العلماء الذي آمنوا بالله. فهو لم يكن لاأدرياً ولا ملحداً في صراع مع الإيمان بالله الخالق الحافظ theism** في عصره. والكتابة “دافا سوبل” Dava Sobel تكشف ببراعة زيف هذا الانطباع الخرافي عن جاليليو في كتابها الرائع “ابنه جاليليو”[25] Galileo’s Daughter، ذلك الانطباع الذي يصور جاليليو على انه «شخص انشق عن الإيمان واحتقر الكتاب المقدس.» فالحقيقة أن جاليليو كان يؤمن بالله والكتاب المقدس إيماناً راسخاً، وظل هكذا طيلة حياته. وكان يعتقد أن «قوانين الطبيعة مكتوبة بإصبع الله بلغة رياضية» وأن «العقل البشري هو أحد أعمال الله، بل من أكثرها براعة.»

علاوة على ذلك، حظي جاليليو بقدر كبير من دعم المفكرين المؤمنين، على الأقل في البداية. فعلماء الفلك في المؤسسة التعليمية اليسوعية المرموقة المعروفة آنذاك باسم Collegio Romano صادقوا في البداية على اكتشافاته الفلكية وكرموه عليها. ولكنه واجه معارضة عنيفة من الفلاسفة العلمانيين الذين استشاطوا غضباً بسبب نقده لأرسطو.

وكان لا بد أن يثير هذا الموقف حالة من الاضطراب. ولكن لا بد أن نؤكد أن بداية المشكلات لم تكن مع الكنيسة، على الأقل من وجهة نظر جاليليو شخصياً. لأنه في مقاله الشهير “خطاب للدوقة العظمى كرستينا” Letter to the Grand Duchess Christina (1615) يوضح أن الأساتذة الجامعيين هم من عارضوه بشدة لدرجة أنهم كانوا يحاولون التأثير على السلطة الكنسية لتقف ضده. أما سر خوف الأساتذة واضح؛ فالحجج العلمية التي قدمها جاليليو كانت تهدد الفلسفة الأرسطية التي علمت بها الجامعات وسادت كافة الأرجاء.

لقد أراد جاليليو، رغبه منه في دفع العلم الحديث، أن يضع نظريات الكون بناء على الدليل، وليس على أساس مسلمات بديهية، وبالأخص مسلمات الفلسفة الأرسطية. ولذلك، نظر إلى الكون من خلال تلسكوبه، وما رآه حطم بعضاً من أهم الاستنتاجات الفلكية التي توصل إليها أرسطو. فقد رأى جاليليو بقعاً شمسية Sunspots لطخت وجه “الشمس الكاملة” “Perfect Sun” التي قال بها أرسطو. وفي عام 1604 رأى نجماً متفجراً Supernova، مما أثار تساؤلات حول “السماوات غير القابلة للتغيير” “Immutable Heavens” التي علم بها أرسطو.

لقد كان الفلسفة الأرسطية هي المنظور السائد للعالم، ولم تكن مجرد إطار يتحرك العلم داخل حدوده، ولكنها كان منظوراً للعالم بدأ يتصدع فضلاً عن ذلك، كان الإصلاح البروتستانتي يتحدى سلطة روما. ومن ثم، أصبح الأمن الديني يواجه خطراً متزايداً من وجهة نظر روما. ولذلك كان هذه الحقبة في غاية الحساسية. وكنيسة روما التي استعدت للمعركة وكانت آنذاك تتبنى الفلسفة الأرسطية التي تبناها الجميع تقريباً شعرت أنها غير قادرة على السماح بأي تحد حقيقي لفلسفة أرسطو رغم ظهور بعص الأصوات (ولا سيما بين اليسوعيين) التي بدأت تنادي بأن الكتاب المقدس نفسه لا يؤيد أسطو في كل شيء. ولكن هذه الأصوات لم تكن قد قويت بعد بما يكفي لمنع المعارضة العنيفة التي واجهها جاليليو من الوسط الأكاديمي ثم من كنسية روما. ولكن حتى في ذلك الحين لم تكن أسباب المعارضة مجرد أسباب فكرية وسياسية. ولكن الغيرة، وكذلك ضعف الحس الدبلوماسي عند جاليليو كانا من العوامل المساعدة. فقد أثار حفيظة النخبة في عصره عندما نشر أعماله بالإيطالية بدلاً من اللاتينية حتى يزود الناس العاديين بشيء من الكفاءة الفكرية. فقد أخذ على عاتقه ما عرف فيما بعد باسم فهم العامة للعلم.

وكذلك اعتاد جاليليو على سلوك قصير النظر ولم يكن معيناً له، ألا هو التنديد بمن كان يختلف معه بلغة لاذعة. هذا بالإضافة إلى أنه لم يدرج حجة صديقه السابق مؤيديه البابا أوريان الثامن (مافيو بربريني) Urban VIII (Maffeo Berberini) في كتابه “حوار حول النظامين الأساسيين للعالم” Dialogue Concerning the Two Principal Systems of the World بطريقة تجعلها نافذة كما لو كانت أمراً رسمياً. إلا أنه فعل ذلك من باب الخضوع والاحترام، ولكنه وضع هذه الحجة على لسان شخصية ساذجة في كتابه أطلق عليها “سيمبليسيو” Simplicio (الساذج). وتقول هذه الحجة أنه ما دام الله كلي القدرة، فهو يستطيع إنتاج أي ظاهرة طبيعية بطرق مختلفة، ومن ثم فإن زعم الفلاسفة الطبيعيين بأنهم توصلوا إلى الحل الفريد يعد ضرباً من الغرور. ولكنه آذى نفسه بنفسه عندما ذكرها بهذه الطريقة.

ومع ذلك فكنيسة روما لم يكن لها أي عذر في استخدام سلطة محاكم التفتيش لقمع جاليليو، ولا لإنفاق مئات السنين بعده في محاولة “لإعادة تأهليه”. إلا أنه لا بد أن ننوه ثانية أن جاليليو لم يتعرض مطلقاً للتعذيب كما يشاع، وحتى “الإقامة الجبرية” التي فرضت عليه فيما بعد قضى معظمها في مساكن أصدقائه الخاصة الفاخرة.[26]

ويمكننا استخلاص دروس مهمة من قصة جاليليو: الدرس الأول لمن يحترمون رواية الكتاب المقدس، وهو أنه من الصعب أن نتخيل أنه هناك أي شخص اليوم يؤمن بأن الأرض مركز الكون والكواكب والشمس تدور حولها. أي أن هؤلاء يقبلون نظام كوبرنيكوس الذي يقوم على مركزية الشمس Heliocentric الذي حارب من أجله جاليليو ولا يرون تعارضاً بينه وبين الكتاب المقدس، رغم أن الجميع تقريباً في عصر كوبرنيكوس وما قبله كانوا مثل أرسطو يعتقدون أن الأرض مركز الكون واستخدموا قراءتهم الحرفية لأجزاء من الكتاب المقدس لدعم تلك الفكرة. فكيف حدث هذا التغيير؟ لقد أصبحوا يقرأون الكتاب المقدس بنظرة أعمق وأكثر إدراكاً للفروق الدقيقة[27]، وأدركوا أنه عندما يقول الكتاب المقدس مثلاً إن الشمس “تشرق”، فهو يتحدث من وجهة ظواهرية، أي أنه يقدم وصفاً للظاهرة كما تبدو لعيني الناظر، ولا ينوه إطلاقاً إلى نظرية بعينها تختص بالشمس أو بالكواكب. وهذا بالضبط ما يفعله العلماء اليوم، فهم أيضاً يقولون في حواراتهم العادية إن الشمس تشرق، ولا يتهمهم أحد بأنهم أرسطيون رجعيون.

فالدرس المهم هو أننا لا بد أن نتحلى بالتواضع الذي يجعلنا نميز بين ما يقوله الكتاب المقدس وتفسيراتنا له. فالنص الكتابي قد يكون أعقد وأعمق مما نظن. لذلك، لا بد أن نحترس لئلا نستخدمه لتأييد أفكار لم يقصد مطلقاً أن يقولها. وهذا ما اعتقده جاليليو في عصره، وقد أثبت التاريخ صحته.

وأخيراً، درس آخر في اتجاه مختلف، ولكن نادراً ما يلتفت إليه، وهو أن جاليليو الذي آمن بالكتاب المقدس هو من قدم فهماً علمياً أفضل للكون ليس فقط ضد رجعية بعض رجال الكنيسة،[28] كما رأينا، بل (في المقام الأول) ضد مقاومة (ورجعية) الفلاسفة العلمانيين في عصره الذين كانوا تلاميذ أرسطو المقتنعين بنظرياته، تماماً مثل رجال الكنيسة. واليوم أيضاً يحتاج الفلاسفة والعلماء أن يتحلوا بالتواضع أمام الحقائق، حتى لو كان من يلفت نظرهم لهذه الحقائق هو شخص يؤمن بالله. فعدم الإيمان بالله لا يضمن الدقة العلمية أكثر مما يضمنها الإيمان بالله. فمن الواضح سواء في عصر جاليليو أو في عصرنا أن نقد النموذج العلمي السائد مهمة محفوفة بالمخاطر أياً كان من يقوم بها. وفي النهاية نخلص إلى أن “مسألة جاليليو” لا تؤكد مطلقاً ذلك الرأي الساذج عن وجود صراع بين العلم والدين.

المناظرة بين “هكسلي” والأسقف “ويلبرفورس” في أكسفورد سنة 1860:

ولا تؤكده أيضاً تلك الواقعة التي كثيراً ما يشار إليها، ألا وهي المناظرة التي جرت في 30 حزيران/ يونيو 1860 في الجمعية البريطانية للنهوض بالعلم British Association for the Advancement of Science التي عقدت في متحف التاريخ الطبيعي Natural History Museum في أكسفورد بين “ت. هـ. هكسلي” T. H. Huxley (حارس داروين الأمين Darwin’s bulldog) والأسقف “صامويل ويلبرفورس” Samuel Wilberforce (الملقب باسم “سام الصابوبي” Soapy Sam.***) وقد أتت المناظرة نتيجة محاضرة أفاها “جون دريبر” John Draper عن نظرية التطور لداروين بعد نشر كتاب “أصل الأنواع” بسبعة شهور. وقد شاع تصوير هذه المواجهة على أنها صدام بسيط بين العلم والدين حيث انتصر العالم الكفء بجدارة على القس الجاهل. إلا أن مؤرخي العلم أظهروا أن هذه الرواية أيضاً أبعد ما تكون عن الحقيقة.[29]

أولاً، “ويلرفورس” لم يكن رجلاً جاهلاً. فبعد شهر من هذا اللقاء التاريخي، نشرة نقداً من خمسين صفحة لكتاب داروين (في دورية “كوارترلي رفيو” Quarterly Review)، اعتبره داروين معالجة «عبقرية، نجحت في التقاط أكثر الأجزاء المشكوك فيها، وقدمت طرحاً وافياً لكافة الصعوبات. إنها معالجة تتحداني بامتياز.» وثانياً، لم يكن “ويلرفورس” رجعياً. بل إنه كان مصراً على ألا تجري المناظرة بين العلم والدين، بل تكون مناظرة علمية، عالم مقابل عالم على أسس عليمة، وهو ما يتضح بجلاء في موجز نقده: «كان اعتراضنا على الآراء التي تناولناها يقوم على أسس علمية بحتة. وفعلنا ذلك بناء على قناعة راسخة بأن الأمر يجب أن يسير على هذا النحو لأن هذه الحجج لا بد أن تخضع للاختبار للتحقق من صحتها أو زيفها. ونحن لا نتعاطف مع من يعترضون على أي حقائق أو حتى على الحقائق المزعومة في الطبيعة، أو على أي استدلال منطقي يتم التوصل إليه من هذه الحقائق لمجرد أنهم يعتقدون أنها تتناقض مع ما يظنون أنه تعلموه بالوحي. بل إننا نعتقد أن كل هذه الاعتراضات تعكس شعوراً بالخوف يتناقض كلية مع الإيمان إن كان ثابتاً وموثوقاً.»[30] إن جرأة هذا التصريح قد تكون مفاجئة للكثيرين ممن انخدعوا وصدقوا القصة الشائعة تاريخياً عن هذه المواجهة. ولعلنا نلمح في لهجة “ويلبرفورس” أثراً من جاليليو.

كما أنه ليس حقيقياً أن نظرية داروين لم تلق اعتراضات إلا من الكنيسة. فمثلاً السير “ريتشارد أون” Richard Owen رائد علم التشريح آنذاك (الذي تصادف أن ويلبرفورس سأله عن رأيه) كان ضد نظرية داروين، وقد عارضها أيضاً العالم البارز “كلفين” Kelvin.

أما عن الروايات المعاصرة عن هذه المناظرة، يقول “جون بروك”[31] إن الحدث في البداية لم يثر ضجة كبير: «لا بد أن نلاحظ أن الصدام الشهير بين “هسكلي” والأسقف لم ينشر في صحيفة واحدة من صحف لندن آنذاك فالواقع أنه ليس لدينا أي سجلات رسمية عن هذا اللقاء. وقد أتت معظم الأخبار من أصدقاء “هكسلي”. كما أن “هكسلي” نفسه كتب عن «حالة ضحك عارمة بين الجمهور» على خفة ظله وكتب أيضاً «أنا أعتقد أني كنت الرجل الأكثر شعبية في أكسفورد على مدى أربع وعشرين ساعة كاملة بعد المناظرة.» ومع ذلك فالأدلة تؤكد أن المناظرة لم تكن من طرف واحد على الإطلاق. فقد نشرت إحدى الصحف فيما بعد أن واحداً ممن تبعوا نظرية داروين تراجع عن رأيه بعدما شهد المناظرة. وعالم النباتات “جوزيف هوكر” Joseph Hooker عبر عن استيائه لأن “هكسلي” لم «يضع المسألة في شكل أو إطار يكسبه تأييد الجمهور.» لذا، اضطر أن يتظاهر بالفوز. وقد كتب “ويلبرفورس” بعد ثلاثة أيام من المناظرة لعالم الآثار “تشارلز تيلور” Charles Taylor يقول: «أظن إني هزمته هزيمة ساحقة.» وتحقيق مجلة “أثنيم” The Athenaeum أعطى الانطباع بأن المستوى كان متساوياً تقريباً، فقد ورد فيه أن كلاً من “هكسلي” والأسقف “ويلبرفورس” «صنعا لأنفسهما أعداء يلقون بمكانتهما وصلابة شخصيتيهما.»

ويرجع “فرانك جيمز” Frank James المؤرخ في المؤسسة الملكية Royal Institution بلندن أن الانطباع السائد بأن “هكسلي” كان هو الطرف الفائز ربما مرجعه أن “ويلرفورس” لم يكن محبوباً، وهي حقيقة مفقودة من معظم الروايات: «لو كان “ويلبرفورس” محبوباً في أكسفورد وله شعبيته، لكان هو من حقق النصر وليس “هكسلي”.»[32] وهنا أيضاً نرى فيه أثراً من روح جاليليو!

وعليه نرى أن التحليل الدقيق يثبت أن اثنتين من الدعائم الرئيسية التي شاع استخدامها لتأييد أطروحة الصراع تتلاشيان. فالواقع أن البحث نجح في تقويض تلك الأطروحة لدرجة أن مؤرخ العلم “كولن رسل” Colin Russell توصل إلى هذه النتيجة: «الاعتقاد الشائع أن … العلاقة الفعلية بين الدين والعلم على مدى القرون القليلة الماضية تميزت بعداء عميق ومستديم… هو اعتقاد خاطئ تاريخياً، بل إنه مبالغة عبثية في منتهى السخافة، لدرجة أن ما حظي به هذا الاعتقاد من احترام أمر مثير للاندهاش.»[33]

ومن ثم يتضح أن عدداً من القوى لعبت دوراً مؤثراً في تفسير مدى تجذر أسطورة الصراع في أذهان العامة. والمؤكد أنه كانت هناك عدة عوامل كما في حالة جاليليو حيث لم تكون القضية الحقيقية مدى صحة أو خطأ نظرية عملية من الناحية الفكرية. ولكن في هذه الحالة أيضاً لعبت السلطة المؤسسية دوراً محورياً. فقد كان “هكسلي” يشن حملة تأكيد تفوق طبقة العلماء المتخصصين الجديدة الناشئة ضد أصحاب المناصب الكنسية وامتيازاتهم، مهما كانت قدراتهم الفكرية. فقد أراد أن يضمن أن العلماء هم من يمسكون بمقاليد السلطة. وكانت قصة أسقف مهزوم يلقى مصرعه على يد عالم متخصص تناسب تلك الحملة، وقد استغلت أقصى استغلال.

إلا أنه يبدو أن الأمر لم يقف عند هذا الحد. فقد اشتملت حملة “هكسلي” على عنصر جوهري نبه إليه “مايكل بول”[34] Michael Poole. فقد كتب قائلاً: «في خضم هذا السجال كان لفظ
الطبيعة” “Nature” يكتب بحرف N كبير capital وكان المفهوم يعامل كما لو كان كائناً عاقلاً، بل إن “هكسلي” أسبغ على “السيدة طبيعة” “Dame Nature“، كما كان يدعوها، صفات تنسب لله، وهو أسلوب اتبعه آخرون بعده بحماسة شديدة. ولم يلحظ أحد أن فكرة إرجاع الفضل للطبيعة (كل ما هو موجود من أشياء مادية) في التخطيط لكل ما هو موجود من أشياء مادية وخلقه هي فكرة تنطوي على قدر هائل من الغرابة المنطقية. فطبقاً لهذا المبدأ، “السيدة طبيعة” كان لها مقر تسكن فيه مثل بعض إلاهات الخصب القدامى، وهي الأم التي تطوق بذراعيها الفلسفة الطبيعية العلمية الفيكتورية.» إذن، يتضح أن هذا الصراع الوهمي كان (وما زال) يستثار ويستخدم على نحو مخجل في معركة أخرى، ألا وهي المعركة بين الفلسفة الطبيعية naturalism والإيمان بالله الخالق، وهذه هي المعركة الحقيقية.

الصراع الحقيقي: الفلسفة الطبيعية مقابل الإيمان بالله الخالق:

وهنا نصل إلى واحدة من النقاط الرئيسية التي نرجو إبرازها في هذا الكتاب، ألا وهي أنه بالفعل يوجد صراع، وهو صراع حقيقي جداً. ولكنه ليس صراعاً بين العلم والدين على الإطلاق. لأنه لو كان الأمر كذلك، فالمنطق البسيط يقول إن كل العلماء لا بد أن يكونوا ملحدين وغير العلماء فقد هم المؤمنون بالله، ولكننا رأينا أن الواقع يخالف ذلك. ولكن الصراع الحقيقي هو بين منظورين متناقضين تماماً: الفلسفة الطبيعية، والإيمان بالله الخالق وهما فلسفتان لا بد أن تكونا في حالة صدام.

وللتوضيح أقول إن الفلسفة الطبيعية ترتبط بالفلسفة المادية Materialism، ولكنها ليست مرادفاً لها. وإن كانا أحياناً يصعب الفصل بينهما. تقول موسوعة The Oxford Companion to Philosophy إن تعقيد مفهوم المادة جعل «مختلف الفلسفات المادية تميل للاستعاضة عن “المادة” ببعض الأفكار مثل «كل ما يمكن دراسته بمنهجيات العلم الطبيعي» وهكذا حولت المذهب المادية إلى مذهب طبيعي، ولكن لا يمكن أن نقول إن الاتجاهين أصبحا متماثلين.»[35] فدعاة الفلسفة المادية ينتمون للفلسفة الطبيعية. ولكن بعض أتباع الفلسفة الطبيعية يرون أنه يجب الفصل بين العقل والوعي من ناحية والمادة من ناحية أخرى. فهم يعتبرون العقل والوعي من الظواهر الـ “ناشئة” “emergent” أي أنها تعتمد على المادة ولكنها حادثة على مستوى أعلى لا يمكن أن يهبط إلى خواص المادة الأدنى. وبعض الطبيعيين يرون أن الكون يتكون من “عقل” محض. إلا أن العامل المشترك بين الفلسفة الطبيعية والفلسفة المادية أن كلتيهما ترفض الإيمان بما هو فائق للطبيعية Supernaturalism، وتؤكد أن «عالم الطبيعة هو المجال الوحيد الموجود ولا تتدخل في إدارته أي نفوس أو أرواح، إلهية كانت أم بشرية.»[36] ومن ثم، مهما كانت الاختلافات بين الفلسفة المادية والطبيعية، فالاثنتان في جوهرهما إلحاديتان.

ويجب أن نلاحظ أيضاً أن الفلسفة المادية أو الطبيعية تأخذان أشكالاً مختلفة. فمثلاً “إي. أو. ويلسون” E. O. Wilson يميز بين اثنين من هذه الأشكال. أولهما هو ما يطلق عليه السلوكية السياسية Political Begaviourism: «تقول إن المخ لوح أبيض، والإنسان يولد به خالياً من أي نقوش فيما عدا الأفعال المنعكسة والبواعث الجسمية البدائية، وما زالت هذه النظرة مقبولة في الدول الماركسية اللينينية التي تنهار انهياراً سريعاً. وبناء على هذه النظرة، فإن العقل يكاد يتشكل كله بفعل التعلم، وهو نتاج ثقافة تتطور هي نفسها عن طريق الظرف التاريخي**** Historical Contingency. وبما أنه لا توجد «طبيعة بشرية» تقوم على أساس بيولوجي، إذن يمكن قولبة الناس على أفضل نظام سياسي واقتصادي ممكن، ألا هو الشيوعية، وهي الفكرة التي طرحت على العالم معظم سني القرن العشرين. وقد وضع هذا المعتقد موضع الاختبار العملي في السياسة ولسنوات طوال وثبت فشله بعد أن حدث من انهيارات اقتصادية وموت عشرات الملايين في عدد من الدول الفاشلة.» أما الشكل الثاني الذي يمثل رأي “ويلسون” نفسه يطلق عليه الإنسانية العلمية Scientific Humanism، وهو منظور يرى أنه «يجفف مستنقعات الدين وعقيدة اللوح الأبيض.» ويعرفه كما يلي: «ما زال هذا الشكل مقبولاً بين أقلية صغيرة في العالم، وهو يعتبر أن البشرية أحد الأنواع البيولوجية التي نشأت وتطورت على مدى ملايين السنين في عالم بيولوجي واكتسبت ذكاء غير مسبوق ولكنه ما زال يسير وفقاً لعواطف معقدة موروثة وقنوات تعلم متحيزة. ولكن الطبيعة البشرية موجودة وقد كونت نفسها بنفسها. واشتراك البشر جميعاً في استجابات وميول موروثة هو ما يجعلهم نوعاً واحداً.» ويؤكد “ويلسون” أن هذه النظرة الداروينية هي التي «تفرض على الفرد عبئاً ثقيلاً هو عبء الاختيار الذي يصاحب الحرية الفكرية.»[37]

والاختلافات الدقيقة بين هذه الاتجاهات وغيرها تقع خارج نطاق هذا الكتاب. ولكن ما يعنينا هنا هو التركيز على العناصر الأساسية المشتركة بينها، وهو ما عبر عنه عالم الفلك “كارل ساجان” Carl Sagan بإيجاز مبهر في افتتاحية برنامجه التلفزيوني ذائع الصيت “الكون” Cosmos، إذ يقول: «لا يوجد ولم يوجد ولن يوجد أي شيء سوى الكون.» وهذا هو جوهر الفلسفة الطبيعية. أم “سترلينج لامبرت” Sterling Lamprecht يعطي تعريفاً أطول للفلسفة الطبيعية ولكنه يستحق الانتباه. فهو يعرفها بأنها: «موقف فلسفي، ومنهج تجريبي يعتبر أن كل ما هو موجود أو حادث محكوم في وجوده أو حدوثه بعوامل عشوائية داخل نظام واحد شامل في الطبيعة.»[38] وبالتالي، لا يوجد شيء سوى الطبيعة. فهو نظام مغلق يتألف من المسبب والأثر، وليس هناك عالم متجاوز لذلك العالم المادي أو فائق للطبيعي. ليس شيء “خارج” هذا النظام.

أما رؤية الكون انطلاقاً من الإيمان بالله فهي تناقض تماماً مع الفلسفة الطبيعية والمادية، وتنعكس بكل وضوح في افتتاحية سفر التكوين: «في البدء خلق الله السماوات والأرض.»[39] وهو ما يؤكد أن الكون ليس نظاماً مغلقاً ولكنه خليقة، إنه صنعة عقل الله وهو الذي يحفظه ويصونه. وهذا الإعلان هو إجابة عن السؤال: لماذا يوجد الكون؟ لأن الله أوجده.

إن عبارة سفر التكوين هي تصريح عقائدي، وليس تصريحاً علمياً، كما أن تصريح “ساجان” ليس تصريحاً علمياً ولكنه تعبير عن عقيدة شخصية. ولذلك، أكرر أن القضية المحورية لا تكمن في العلاقة بين العلم واللاهوت، بل علاقة العلم بمختلف الفلسفات الحياتية التي يعتنقها العلماء، ولا سيما علاقته بالفلسفة الطبيعية والإيمان بالله الخالق. لذا، عندما نسأل ما إذا كان العلم قد قتل الله، فنحن نتحدث على مستوى تفسير العلم. ولكن السؤال الفعلي الذي نطرحه هو: أي الفلسفتين يؤيدها العلم، الطبيعة أم فلسفة الإيمان بالله الخالق؟

“أي. أو. ويلسون” ليس لديه أدنى شك في إجابته التي يقول فيها: الإنسانية العلمية هي «المنظور الوحيد الذي يتوافق مع المعرفة العلمية المتزايدة بالعالم الحقيقي وبقوانين الطبيعية.» وعالم الكيمياء الكمية “هنري ف. شيفر الثالث” Henry F. Schaeffer III أيضاً لا يخالجه أي شك في إجابته، إذ يقول: «لا بد من وجود خالق. نظرية الانفجار الكبير تنتشر (1992) وما يعقبها من اكتشافات علمية يشير بوضوح لخلق من العدم، وهو ما يتفق مع أولى آيات سفر التكوين.»[40]

وحتى نستخلص العلاقة بين مختلف الفلسفات والعلم، علينا أن نسأل سؤالاً في منتهى الصعوبة؟ ما هو العلم على وجه التحديد؟

[1] “Will Science ever fail?” Now Scientist. 8 Aug 1992, pp. 32-35.

[2] “Is Science a religion?” The Humanist, Jan/Feb 1997, PP. 26-39.

[3] London, Bantam press 2006.

[4] Daily Telegraph Science Extra, Spt 11, 1989.

[5] يوحنا 20: 31.

[6] رومية 1: 20.

[7] The Language of God, New York, Free Press, 2006 p. 164.

[8] God and the New Atheists, Louisville, Westminster John Knox Press, 2008, P.62.

[9] Dawkins’ God, Oxford, Blackwell, 2004.

[10] A Devills Chaplain, London, Weidenfeld and Nicholson, 2003, p. 248.

[11] 3 April 1997, 386: 435n6.

[12] Larry Witham, Where Darwin Meets the Bible, Oxford, Oxford University Press 2002, p272.

* من يعتقدون بأنه يستحيل على الإنسان أن يجزم ما إذا كان الله موجوداً أم لا (المترجم).

[13] Scientific American, September 1999, pp. 88n93.

[14] Naturefs Imagination n The Frontiers of Scientific Vision , Ed. John Cornwell, Oxford, Oxford University Press, 1995 p. 132.

[15] The Search for God n Can Science Help? Oxford, Lion, 1995 p.59.

[16] God and the Scientists, compiled by Mike Poole, CPO 1997.

[17] Chemical Evolution, Oxford, Clarendon Press, 1969, p. 258.

[18] Science and the Modern World, London, Macmillan, 1925, p.19.

[19] Cited in Morris Kline, Mathematics: The Loss of Certainty, (Oxford Universitey)

[20] Press, New York, 1980, p. 31. Science and Society in East and Westf, The Great Titration, Allen and Unwin, 1969.

[21] Theological Science, Edinburgh, T & T Clark, 1996 p. 57.

[22] المرجع السابق نفسه، ص 58.

[23] John Brooke, Science & Religion: Some Historical Perspectives, Cambridge, Cambridge University Press, 1991, p. 19.

[24] The Bible Protestantism and the Rise of Science, Cambridge, Cambridge University press, 1998.

** الإيمان بالله الخالق الحافظ theism هو منظور يؤمن بوجود الله باعتباره خالق الكون المادي وحافظه باستمرار، وبحريته في التدخل في الطبيعة كما يشاء. والإيمان بوجود الله الخالق الحافظ يقبل التدخلات الإلهية التي تبدو “فائقة للطبيعة” والتي تغير طبيعة المادة (http://www.sawtonline.org.evolution-creation-dictionary) تم الاطلاع عليه بتاريخ 24/6/2015 وسيشار للمصطلح فيما بعد في هذا الكتاب باسم “الإيمان بالله الخالق” للتخفيف. (المترجم)

[25] London, Fourth Estate, 1999.

[26] The Reader interested in more detail should consult the excellent chapter on Galileo in Reconstructing Nature, John Brooke and Geoffrey Cantor, Edinburgh, T& T Clark, 1998.

[27] أشار جاليليو إلى هذه الفكرة في خطابه الشهير للدوقة العظمى كرستينا دوقة توسكني (1615) عندما وجه نقداً لاذعا لمن عجزوا عن إدراك “المعنى المختلف الذي قد يكمن تحت المعنى السطحي لهذا النص [الكتابي].”

[28] جدير بالذكر أنه في سنة 1559 أصدر البابا بولس الرابع أول دليل رسمي روماني للكتب الممنوعة Roman Index of Prohibited Books لحظر الكثير من الكتب، ومن بينها ترجمات الكتاب المقدس إلى اللغات الحديثة، مما يدفعنا أن نتساءل: في أي معسكر وقفت الكنيسة؟

*** لقب بهذا الاسم لأنه كان دائماً ما ينتهج نهجاً دبلوماسياً وسطياً في المناظرات العامة، وخاصة المتعلقة بخلافات في مسائل دينية (http://boodhamsbulletin.co.ul/OldArticles/SamuelWilbet force.htm) تم الاطلاع عليه بتاريخ 17/12/2015 (المترجم)

[29] See, for example, The Wilberforce- Huxley Debate: Why Did It Happen? By J. H. Brooke, Science and Christian Belief, 2001, 13, 127-41.

[30] See Wilberforce and Huxley, A Legendary Encounter, Lucas J. R. The Historical Journal, 22 (2), 1979, 313n30.

[31] Science and Religion Some Historical Perspectives, Cambridge, Cambridge University Press, 1991 p. 71.

[32] See David M. Knight and Matthew D. Eddy, Science and Beliefs: from Natural Philosophy to Natural Science 1700n1900, London, Ashgate, 2005.

[33] The Conflict Metaphor and Its Social Original, Science and Christian Belief, 1, 3626, 1989.

[34] Beliefs and Values in Science Education, Buckingham, Open University Press, 1995, p. 125.

[35] Ed. Honderich, Oxford University Press, 1995, p530.

[36] Oxford Companion to Philosophy. P 604.

**** المقصود كل ما يقع في التاريخ من أحداث تتم بشكل لا يمكن التنبوء به وليس بناء على خطة مسبقة. (المترجم نقلاً عن الكاتب).

[37] Intelligent Evolution, Harvard Magazine. November 2005

[38] Power Lamprecht Sterling, The Metaphysics of Naturalism. New York, Appleton Century-Crofts, 1960. P 16.

[39] تكوين 1: 1

[40] “The Big Bang. Stephen Hawking, and God”, in Science: Christian Perspectives for the New Millennium, Addison Texas and Norcross, Georgia, CLM and RZIM Publishers 2003.

هل لديك تعليق؟

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

أصل المعلومات - جون ليونكس

أصل المعلومات – جون ليونكس

أصل المعلومات – جون ليونكس أصل المعلومات – جون ليونكس     في البدء كان …