مواضيع عاجلة

روح المطالبة لاري كراب

روح المطالبة لاري كراب [1] 

روح المطالبة لاري كراب
روح المطالبة لاري كراب

روح المطالبة لاري كراب

في هذا الفصل (من الكتاب) لا أريد أن أستكشف خطيتنا الخارجية ولا صراعاتنا (النفسية) الداخلية، بل أريد أن أفضح في قلوبنا، ولكن بأكثر دقة من أولئك الذين يفكرون في الداخلية كميل نحو نفاذ الصبر أو روح الانتقاد من وقت لآخر… المشكلة في قلوبنا أردئ بكثير مما يعتقد الكثيرون، عندما ننظر إلى الداخل، فإننا سوف نصطدم بما هو أكثر من الذكريات السيئة والمشاعر الأليمة. إن النظرة الأمينة سوف تفضح في النهاية وفي كل حالة شيئاً قبيحاً بشكل مريع… شيئاً أريد أن أدعوه روح المطالبة.

نحن أناس ذو مطالب، ولأننا نتخطى بعناد ينبوع المياه الذي أعده الله لكي نحفر لأنفسنا آبارنا الخاصة، فإن بقاءنا على قيد الحياة يتوقف في نهاية المطاف على العثور على الماء… وعندما نحفر يجب على مجهوداتنا للحماية الذاتية أن تؤدي دورها. عندما نتحمل المسؤولية عن التعامل مع عطشنا، فإن البقاء على قيد الحياة يتوقف على نجاحنا في مجهودات الحفر

نحن نطالب بأن يستجيب شريك الحياة لاحتياجاتنا، وأن يُظهر أطفالنا ثمار تدريبنا لهم في التقوى، وأن تكون كنائسنا حساسة لاهتماماتنا بتقديم خدمات معينة، وأن يخرج السائقون البطيؤون من مسار حركة المرور، وألا يؤلمنا شخص مرة أخرى بنفس الطريقة التي جرح بها مشاعرنا من قبل، كما نطالب بالاستمتاع بالملذات المشروعة التي طالما أنكرناها.

كم يحمل ذلك قدراً كبيراً من السخف! هل يمكنك أن تتصور جيشاً يقوم فيه المجندون الجدد بإصدار الأوامر، أو شركة يصنع ساستها السعاة؟! ومع ذلك، فإن أناس عاديون يصدرون الأوامر للعالم… ومثل هذا الهراء هو النتيجة الحتمية لتحمل المسؤولية عن ضمان سعادتنا وهو عبء من الواضح أنه أثقل من أن تتحمله كواهلنا عندما نتحمل مسؤولية ما نطلبه باستماته، ولكننا لا نستطيع السيطرة عليه فنحن نطالب بأن تنجح مجهوداتنا بطريقة غير عقلانية.

إن المرض القبيح للروح المطالبة منتشر في نفوسنا العطشى والتغيير من الداخل إلى الخارج يتطلب أن نواجه مشكلة كثرة المطالب وأن نفعل شيئاً بخصوصها. إن روح المطالبة يجب التعرف عليها، ومعرفتها بكل ما فيها من قبح، والتخلي عنها عن طريق التوبة.

 فكر معي في المشكلة من ثلاث زوايا:

1 – كيف يرى الله المشكلة.

2 – كيف تتطور المشكلة.

3 – ما الذي يفعله الله بها.

كيف يرى الله المشكلة

في سفر العدد (9: 15-23) يخبرنا الكتاب المقدس كيف اقتيد الإسرائيليون في البرية. كان عليهم مراقبة سحابة خاصة في السماء (سحابة أصبح كرة من النار بالليل لضمان الرؤية) للرحيل عندما كان السحابة تتوقف كانوا يقيمون الخيام مرة أخرى. الهدف من القصة لا يصعب فهمه، عندما كان تتحرك السحابة، كانوا يرتحلون، وعندما كانت تتوقف كانوا يتوقفون… يبدو أن جملتين أو ثلاث جمل كانت تكفي تماماً لبيان الكيفية التي كانت تسير بها الأمور… وتؤيد طبعة “الريدرز دايجست” الموجزة للكتاب المقدس تلك الفكرة. إن الأعداد التسعة التي تروي القصة في النص الكامل مختزلة في عدد واحد في الطبعة الموجزة… إن الرسالة الضرورية متضمنة في عدد واحد كما في الأعداد التسعة. أو هل هي متضمنة بالفعل؟

يجب أن نستنتج أنه إما أن كاتب سفر العدد كان بحاجة إلى محرر أفضل للكتابة، أو أنه توجد رسالة في الفقرة لا تستطيع الكلمات الأقل أن تحملها. إن وجهة النظر السامية للوحي الكتابي تسلم بالرأي الثاني. ما الرسالة إذاً؟

فكر فيما كان يمكن أن يحدث بالفعل: آلاف الإسرائيليين يمشون مشياً طويلاً مجهداً في صحراء جافة، ومن المرجح أن بعضهم كانوا مرضى، وكان آخرون مملوئين نشاطاً، ومع ذلك كان يشعر آخرون بالانزعاج والقلق بسبب تقلصات السيقان. أستطيع أن أتصور أباً في منتصف العمر في حالة بدنية سيئة لديه أربعة أطفال، يلهث طوال الطريق، ويصرخ في أطفاله ليكفوا عن الشجار… مؤكد أنه يشعر بالقلق بشأن آلام الصدر التي تزداد سوءًا مع كثرة المشي، إنه ينظر إلى أعلى بانتظام إذا أظهرت السحابة أي علامة تدل على الإبطاء، ويشعر بالضيق عندما يلاحظها وهي تطفوا مسرعة فوق رأسه.

إنه يتذمر بصوت خفيض جداً بحيث لا يسمعه أحد وهو يقول: «من الذي يجعل السحابة تطفو هكذا؟ لا شك أنه لا يعرف ما أنا فيه، أو أنه لا يأبه لشيء… إن زوجتي لا تستطيع التعامل مع الأطفال، وخناق الصدر يجعل الأنفاس تكاد تنقطع… نحن بحاجة لوقت من الراحة، على أن أتوقف وإلا سوف أنهار، أرجوك يا رب أوقف السحابة ولكنها تظل تتحرك.»

تمر ساعة أو ساعتان، ولفرط دهشته تتوقف آلام صدره، إنه يشعر بطاقة من النشاط، ونوع من الروح المعنوية العالية التي يتميز بها العداء…. ابنه الأكبر يحمل الابن المتعب الذي يتعلم المشي حديثاً… إنه ينظر إلى زوجته وهي تبتسم ابتسامة عريضة «ربما كان يعرف الله أن السير المتواصل كان أفضل شيء لنا جميعاً» إنه يشعر بوثبة جديدة في خطواته – وعندئذ فقط تتوقف السحابة.

ينظر الرجل إلى أعلى باشمئزاز، وهو غير قادر على فهم ما يحدث… «عندما أكون متعباً جداً لدرجة عدم القدرة على مواصلة السير، يجعلني الله أتقدم إلى الأمام، وعندما أحب أن أقطع المسافات سيراً على قدمي، يطلب منى أن أستريح

إنه يتوقف مع بقية الجمهور مطيعاً، ويفرغ حمولة الحيوانات، ويقيم الخيمة… وعندما يستلقي على بطانية، يبدأ في إدراك مقدار احتياجه الشديد للراحة، لقد أخذ التعب منه… وهو يتثاءب شاكراً ويغلق عينيه. وحالما يغفو بسلام في المراحل الأولى من نوم عميق، تهزه زوجته موقظة إياه: «بدأت السحابة تتحرك… علينا أن نواصل المسيرة من جديد

ربما تكون قصتي غريبة نوعاً ما (من المؤكد أن النص الكتابي لا يتضمن سرداً من هذا القبيل)، ولكن مع عدد الناس الذي توجه السحابة إيقاع خطواتهم، لا بد أنه كان هما على الأقل عدد قليل، وربما كبير يشعرون بأنهم عوملوا معاملة تعوزها الحساسية.

إن الطريقة التي يرى بها الله الأمور في بعض الأحيان تبدو مصممة خصيصاً لإحباطنا: إطار السيارة يفرغ من الهواء في الطريق إلى المستشفى، بالوعة الحوض تنسد ساعة قبل وصول فريق العمل الليلي، صديق يخذلك في الوقت الذي كنت فيه في أشد الحاجة للعون، وتصاب فجأة بالتهاب الحنجرة في يوم تقديم عرضك لمشترين هامين. في أوقات الإحباط، يبدو رئيس كهنتنا – في بعض الأحيان – أكثر قسوة وأقل تعاطفاً مع احتياجاتنا.

نحن نصلي طالبين من الله أن يسمع صرختنا، متضرعين له ألا يجعل شيئاً آخر يمضي في الاتجاه الخاطئ… إنني أتساءل عم إذا كانت الحرارة في صلواتنا تعكس في بعض الأحيان روح المطالبة وليس تقديم الالتماس… وبما أن الإحباط هو التربة الممتازة لنمو روح المطالبة لذلك فمن الأهمية بمكان أن نتعامل مع الصعاب جيداً، ونسمح لها أن تجعلنا ننضج بدلاً من أن تدفعنا نحو المطالبة، تردد الفقرة الواردة في سفر العدد موضوعاً واحداً مراراً وتكراراً: عندما تتحرك السحابة… تحرك، وعندما تتوقف السحابة… توقف، إنني أتساءل عما إذا الله يقول شيئاً كهذا:

«إنا أعلم أن طريق تبدو وكأنها تتجاهل اهتماماتك في بعض الأحيان… ولكني أريدك أن تثق بي عندما تشعر أنك متعب بشكل غير عادي وأدعوك أن تنهض، أريدك أن تثق بي عندما تكون شغوفاً للقيام بالخدمة وعندما أضعك أيضاً في قائمة الانتظار، ولكن لن يمكنك أن تتعلم أن تثق بي حتى تكون تحت أمرتي، لا يمكن للثقة أن تنبعث من روح متسمة بالمطالبة. دعنا نبدأ بتفاهم واضح: أنا أصدر الأوامر وأنت تفعل ما تؤمر به، وإن كانت البداية هكذا، سوف تتذوق في النهاية صلاحي وثراء الشركة معي، وتثق بي ثقة وطيدة

ليس هناك أي درجة من المكروه الشخصي سواء كان تقلصات في الساق في مسيرة طويلة أو انهيار العائلة بعد سنوات من الجهد المسؤول، يمكن أن تبرر المطالبة، فالمشكلات يمكن أن تهب روح المطالبات ولكنها لا تبررها أبداً، إن الله مقاوم على طول الخط لاتجاه المطالبة من جانب خلائقه بغض النظر عن مقدار شدة ألمهم. إن أذنيه مفتوحتان لسماع صرخات الرثاء والتوسلات طلباً للعون، ولكنه لن يأتي إلى مائدة المفاوضات للتفكير في شروط من قبل أناس غاضبين… وعلى الرغم من أن الله يقاوم المستكبرين الذين يطالبون، إلا أنه يعطي نعمة للمتواضعين الذين يعبرون عن آلامهم وجراحهم.

كيف تتطور المشكلة

لأننا أناس ساقطون نبحث عن الإشباع من خلال مجهوداتنا الخاصة فإن كلاً منا يحمل عدوى المطالبة بداخله، وسواء انتشرت العدوى ودمرت الحياة الروحية أو ضعفت وتحولت إلى حمى بسيطة تثور من آن لآخر، فإن ذلك يتوقف على مجموعة من العوامل المختلفة… إن سجل ألم “أيوب” يقدم مثالاً واضحاً على أن احتمال مطالب الهاجع لمدة طويلة في حياته، يمكن أن يتحول إلى مرض يتطلب تدخلاً مباشراً من الله. إن دراسة موجزة لحياة أيوب تعد بمثابة خلفية جيدة لملاحظة الأحوال التي يمكن أن تترعرع فيها المطالبة بشكل جيد.

عند بداية القصة الكتابية، يصاب “أيوب” بسلسلة من الكوارث المدمرة.

الأولى: تقتل ثيرانه وحميره جنباً إلى جنب مع الخدم الذين يحرسونها بواسطة الناهبين الأشرار.

الثانية: قبل أن يكمل الرسول الذي أخبر “أيوب” بالخبر السيئ تقريره، يندفع رسول آخر ليعلن أن ناراً من السماء قد أحرقت غنم “أيوب” والمزيد من الغلمان.

الثالثة: يقاطع رسول ثالث الرسول الثاني ليخبر “أيوب” أن مجموعة أخرى من الغزاة سرقوا جماله وقتلوا غلمانه الذين يحرسونها.

الرابعة: بينما كان “أيوب” يترنح من هول هذه التقارير الثلاثة من الأخبار المرعبة، يظهر شخص رابع يأتي بخبر أن البيت الذي يستمتع فيه أولاد “أيوب” وبناته بوليمة العشاء قد انهار، ودفن كل أولاده تحت الركام.

فجأة دُمر “أيوب” مالياً وفقد أولاده، كان رد فعله تجاه الكارثة أنه سقط على الأرض وسجد وهو يقول: «عرياناً خرجت من بطن أمي، وعرياناً أعود إلى هناك. الرب أعطى والرب أخذ، فليكن اسم الرب مباركاً» (أي 1: 21).

ولكن المزيد من المصائب كانت تنتظره؛ فنعرف من الأصحاح التالي أن إلهه سمح على وجه التحديد للشيطان أن يضيف حزناً على حزن بأن جعل جسد “أيوب” يُضرب بقروح رديئة من هامة رأسه إلى قدميه. لقد كان “أيوب” رجل عائلة صحيحاً معافياً، وثرياً، ومستقيماً… ولكنه أصبح رجلاً مريضاً وقد افتقر ودفن للتو جميع أولاده العشرة… وكل ذلك حدث بإذن محدد من الله.

إن كانت حياة إنسان تفتقر إلى الصحة، والثروة، والسعادة فقد كان ذلك يتمثل في حياة “أيوب”… أضف إلى ذلك التوتر الزوجي، فقد عانت زوجته كثيراً. لقد شجعته لكي يلعن الله ربما على أمل أن يضربه الله ويميته… لقد كان اعتقادها أن الموت وحده يبدو هو الراحة المناسبة لزوجها…

ولكن “أيوب” رد عليها ردأ ينم عن نضج غير عادي: «تتكلمين كلاماً كإحدى الجاهلاتّ! ألخير نقبل من عند الله، والشر لا نقبل؟ في كل هذا لم يخطئ أيوب بشفتيه» (أي 2: 10)، هكذا يخبرنا الكتاب المقدس بنوع خاص… ليست هناك إشارة لروح التذمر ورثاء الذات المرير المتسم بكثرة المطالب في رد أيوب المبدئي على المأساة.

وهكذا تسير الأمور غالباً… عقب الأوقات العصبية، نتمكن من تعبئة مواردنا والتعلق بالله ونحن نمضي قدماً في الطريق، ولكنني أتساءل قائلاً، عندما تكون قوة التعامل مع الأوقات العصيبة يساندها أحياناً الرجاء الصامت، والقوة في نفس الوقت بأن الاستجابة الجيدة منا سوف تأتي بنهاية أسرع لمحاولاتنا والعودة إلى أوقات أفضل: «يا الله… لقد تعلمت الدرس من هذه الصعوبات، فهل ترى كيف أتعامل معها بنضج؟ إن الظروف مهيأة الآن لأن تجعل الأمور أسهل بالنسبة لي»… ويبدو صحيحاً أنه كلما تحتم علينا أن يطول انتظارنا لانفراج الأزمة ازدادت حدة الصراع داخلنا لأجل الوثوق في صلاح الله.

ثلاثة من أصحاب “أيوب” جاءوا لتقديم المواساة، ولم يقدموا له طيلة أسبوع كامل سوى حضورهم، جالسين بهدوء في صمت تأييداً له، وكأن بؤس “أيوب” أشد بكثير مما تستطيع مجرد الكلمات أن تخففه.

بعد سبعة أيام من الشرود المشوب بالحزن، كسر أيوب الصمت بالتعبير عن اللوعة التي يشعر بها داخل نفسه، من الجيد أن نسكب أمام شخص آخر الحزن والألم اللذين نشعر بهما في أعماق نفوسنا. ولقد عبر المرنمون عن العويل النابع من قلوبهم، فقد اختبر ربما ألماً شديداً في البستان لدرجة أن الدم تفجر من جلده. وعبر “أيوب” عن ألمه بقوله إن حياته كانت كريهة إلى أقصى حد، لدرجة أنه كان من الأفضل له لو لم يولد. كان الرجل يتألم بعمق، ولكي يصف ألمه بحماسة استند إلى مفهوم عميق ولكنه حقيقي. لقد خُلق “أيوب” للبركة (مثلنا جميعاً) ولكنه اختبر تجربة قاسية.

عندما نواصل النظر إلى أسلوب “أيوب” في التعامل مع مشكلاته، فإننا بحاجة لأن نضع في اعتبارنا مبدأ مهماً: عندما لا تمضي الأمور على ما يرام – وبنوع خاص لمدة طويلة – وعندما تمتلئ قلوبنا بالألم من اختبارها للفرح، فإن الإغراء بأن نجعل رغبتنا في الارتياح مطلباً ملحاً يكون في أوج قوته… وكلما ازداد الألم حدة، أصبح الإغراء أشد قوة.

أول صديق “لأيوب” رجل يدعى “أليفاز التيماني”، هذا الرجل شجع الميل الكامن في “أيوب” على تقديم المطالب حين اقترح عليه أن يأخذ طلبه ويضعه أمام الله (أي 5: 8) من المفهوم أن أيوب كان يريد تخفيفاً للألم، ولكن لم يكن لدينه وسيلة للحصول على ذلك… لقد زرع “أليفاز” فكرة في ذهن أيوب تطورت في النهاية لتصبح رجاء كاذباً، ومطلباً. كان رد فعل “أليفاز” على آلام “أيوب” هو البحث عن تفسير يستطيع أن يفهمه، لابد من وجود سبب للمآسي المفاجئة التي حلت بـ “أيوب” وإذا أمكن العثور على هذا السبب، ربما يقترح ذلك طريقة لقلب الأوضاع واستعادة الراحة. إن ذلك السبب – على ما أعتقد – كان ما حمل “أليفاز” على الاعتقاد بأن “أيوب” كانت له قضية يعرضها أمام الله… تناقش مع الله في محكمته الإلهية.

الذين يطلبون تخفيف المعاناة باستماته، يتمسكون بشغف باستراتيجيات يمكنهم أن يعترفوا بأنها حمقاء في لحظات التأمل الأكثر اتزاناً. كان أيوب معرضاً لجاذبية استراتيجية البحث عن الارتياح النفسي: «يا ليت طلبتي تأتي ويعطيني الله رجائي!» (أي 6: 8).

أكمل “بلدد الشوحي” – صاحب أيوب الثاني – الموضوع بأن أكد لـ “أيوب” أنه إذا تضرع إلى الله من قلب مستقيم فإن الله سوف ينتبه له ويعيد الأمور إلى نصابها الصحيح (أي 8: 5-6)… أما “صوفر النعماني” – أكد له أنه إذا تخلص من خطيئته وأعاد تسليم حياته لله فمن المؤكد أن الرب سوف يزيل عاره (أي 11: 9-11). لاحظ أن جزءًا كبيراً مما قاله الأصدقاء الثلاثة جيد، ولكن لم يكن أحد منهم حساساً تجاه مشكلة المطالبة. كان كل واحد منهم يبحث عن طريقة ما لتحسين حالة “أيوب” دون اتخاذ الاحتياطات المسبقة ضد إذكاء روح المطالبة، قالوا: «إذا فعلت هذا، فإن الله سوف يعطيك ذاك.» تأمل “أيوب” النصيحة، ثم رفضها في يأس: «إن شاء أن يحاجه، لا يجيبه عن واحد من ألف» (أي 9: 3). كان “أيوب” يقول: «أسف أيها الرجال المهذبون… لن يصلح هذا، أنتم تقترحون على أن أتحدى الله، ولكن إذا كان على أن أدخل مع الله في حوار شفوي فلن أستطيع أن أكسب جولة واحدة من ألف جولة… وحتى لو كانت قضيتي خالية من أي نقاط ضعف، فلا أستطيع أن أتصور أنه بإمكاني أن أحاجج الله.»

ولكن ألم “أيوب” تواصل… ولا شيء يكون أكثر إزعاجاً من ألم مزمن لا يصاحبه وعد بالتخفيف من المعاناة. عندما يذبل الأمل، تتآكل ثقة المريض لتتحول إلى مطالبات عديدة، دليلاً على أن ما اعتبر ثقة ربما كان أكثر قليلاً من ثقة زائفة بأن الله سوف يعطينا في نهاية المطاف (في خلال شهر؟ سنة؟ سنتين؟) ما أردناه بشدة عندما تظل صلواتنا بدون استجابة لمدة أطول مما توقعنا، تهتز ثقتنا أحياناً، وقد تنفصل القشرة الخارجية للثقة لكي نكشف عن روح المطالبة وهي تنمو بهدوء تحت السطح.

ومنذ عدة سنوات مضت، تلقيت خطاباً من شابة تشكرني لأجل المساعدة التي تلقتها من خلال أحد كتبي، قالت لي إن زوجها قد هجرها دون سابق إنذار، تاركاً إياها وحيدة لرعاية ثلاثة أطفال صغار والعناية بهم. وعندما قرأت الكتاب شعرت بقدر كبير من التشجيع بسبب فكرة أن المسيح فيه الكفاية لكل ما نحن بحاجة إليه.

بعد أشهر كثيرة من استلامي لذلك الخطاب، اقتربت مني شابة خلال استراحة في إحدى ندواتي وأخبرتني أنها الزوجة المهجورة التي كتبت الخطاب، وخلال الدقائق القليلة الأولى من محادثتنا… وجدت نفسي أشعر بعدم ارتياح غريب تجاه حماستها الواثقة وهي تتحدث عن فرح الثقة بالرب.

كان رد فعلي تجاه عدم ارتياحي أن سألتها: «لقد شعرت بالتشجيع بسبب حقيقة أن المسيح كاف، ولكن ساعديني على أن أفهم ما الذي تقصدينه بالضبط من أن المسيح فيه الكفاية لأي شيء؟» أجابت بسرعة مع ابتسامة: «نعم، لكل شيء أحتاجه».

«ما الذي تحتاجينه؟ ما الذي تتوقعين من الرب أن يفعله؟»

«أن يرجع لي زوجي بالطبع، فبناتي الثلاث الصغيرات بحاجة إلى أب، وأنا أريد زوجاً. أنا أعلم تماماً أن الله سوف يعمل بكل وسيلة لإرجاع زوجي… أنا لا أعرف ولكنني أعرف أن ذلك سوف يحدث».

عندما انتهت من الحديث، كان صوتها ينم عن الغضب الشديد… غضب الروح المطالبة، كانت امرأة تتألم بشدة (ألم في القلب) وكان من الواضح الآن أنها تشعر بالمرارة (خطية في السلوك)، ولكن جوهر المشكلة الذي كان بحاجة للانتباه هو روح المطالبة (خطية في القلب). لم تكن ثقتها في الله متأصلة في ثقة غير مشروطة في شخصه وخطته السامية، بل في الرجاء بأنه سوف يخفف ألمها بالطريقة التي كانت ترغبها. وكلما طال وقت تحقيق ذلك، أصبحت أكثر مطالبة وهي “تنتظر الله”.

الألم الذي لا يهدأ يعد أنسب وسط لنمو روح المطالبة. لاحظ ما حدث لـ “أيوب” عندما استمر حزنه دون التخفيف من لوعته «أريد أن أكلم القدير، وأن أحاكم إلى الله» (أي 13: 3) إن ذلك يعد تحولاً في حياة رجل رفض من قبل فكرة الجدال مع الله كشيء عدم الجدوى، وهو الآن يبدو مقتنعاً أن لديه قضية بالفعل! إن ذلك الاعتقاد دليل على روح المطالبة، وللإصرار على شيء علينا أولاً أن نقنع أنفسنا أن ما نريده مستحق ومشروع، وأن لدينا أساساً راسخاً لمطالبنا. لا شيء يقنعنا تماماً بأن نفوسنا المتعبة تستحق فترة راحة أكثر من الألم المتواصل. فبعد سنوات من تحمل زوج غير مراع لحقوق ومشاعر الآخرين، وقليل التواصل، قد تعتقد الزوجة أن طلبها لرفيق أفضل مبرر تماماً. إن الخط الفاصل بين الرغبة المشروعة والمطلب غير المشروع ضئيلاً ويسهل اجتيازه.

أصبح “أيوب” مقتنعاً أن لديه قضية. وما أن صلى طالباً تخفيف المعاناة حتى أصبح على استعداد للمطالبة بذلك، إن قوة هذه القناعة منعكسة في عبارته الشهيرة: «هوذا يقتلني. لا أنتظر شيئاً»، ويتخذ هذا العدد كمثال على الثقة المتوهجة. ولكن لاحظ النصف الثاني من العدد: «فقط أزكى طريقة قدامه» (أي 13: 15)، ثم يمضي ليقول: «ها أنذا قد أحسنت الدعوى. أعلم أني أتبرر. من هو الذي يخاصمني حتى أصمت الآن وأسلم الروح؟» (أي 13: 18-19) أبعد ما يكون عن الخضوع بتواضع لقرارات إله عال، يؤكد “أيوب” بشدة أنه يستحق معاملة أفضل من تلك التي تلقاها. إذا أخذ الله حياته، يتعهد “أيوب” بان يذهب إلى قبره مقتنعاً بأنه إذا عرفت الحقائق، سوف يتضح للجميع أنه تعرض لمعاملة سيئة.

لقد أصبح كل منا ضحية لما ارتكبه شخص آخر من الإثم. لقد أُسيئت معاملتنا وليس ذلك من العدل في شيء، ولكن عندما يدفعنا الألم الذي سببه لنا الآخرون إلى عدم الثقة في تعاطف الله مع مطالبنا يجعله يبدو أبعد ما يكون عن الصديق المهتم بنا وأكثر شبهاً بالعدو القاسي… استمع إلى تصور “أيوب” عن الله «إنه الآن ضجرني… خربت كل جماعتي، قبضت عليّ، وجد شاهد، قام عليّ هزالي يجاوب في وجهي. غضبه افترسني واضطهدني. حرف عليّ أسنانه. عدوي يحدد عينيه عليّ.» (أي 16: 7-9)

ولذا فإن عدداً كبيراً من المسيحيين يقولون إنهم يواجهون مشكلة في الاعتقاد بأن الله يحبهم حقاً، ويتحدث آخرون بحماس عن محبة المسيح الرائعة، ولكن بالمزيد من التأكيد في أصواتهم عنه في نفوسهم الملتهبة… لماذا يبدو الله غير مبال وبعيداً جداً عن الصراعات التي نخوضها؟

ربما يكمن جزء من المشكلة في أن لدينا خططاً محددة لتحقيق السعادة، أو على الأقل للعثور على الراحة. تلك الخطط متأصلة في طرق التفكير عن الحياة والتي تعد مغروسة فطرياً في خلقتنا لدرجة أننا لا يمكن أن نفكر أبداً في التشكيك فيها، نحن نميل لقياس محبة شخص ما بمقدار تعاونه مع خططنا. إن رفض الله بأن يساعدنا في تحقيق أهدافنا (وإصراره على خضوع خططنا لخططه) يجعله غير مهتم بسعادتنا في نظرنا، وعندئذ تتحول السماوات إلى سقف لا تستطيع صلواتنا أن تصعد فوقه.

يخترع فكرنا صورة عن الله وهو يجلس دون حراك لألمنا ولا يشعر بالضيق لشكوانا. إن توسلاتنا الحارة له لكي يفعل ما تتطلبه وجهة نظرنا عن الصواب والشفقة تذهب دون اكتراث. فقناعة “أيوب” بأن ثقل الفضيلة كان إلى جانبه أصبح أقوى، لقد بدا أنه يتصور أن الحجج التي في صفه يمكن أن تقنع أي أحد، حتى الله ذاته… إن الإجراءات التصحيحية العاجلة بدت مشروعة، ولكن الله ظل بلا حراك دون تأثر بمطالب “أيوب”…. وفي النهاية صاح “أيوب”: «ها إني أصرخ ظلماً فلا أُستجاب. أدعو وليس حكم» (أي 19: 7).

عندما تزداد المشكلات الصعبة سوءًا، فهذا يغرينا بأن نكف عن الاعتماد على الله… وعندما يرفض المصدر النهائي للسلطة أن يتولى قضيتنا العادلة، فكل ما هو مطلوب لكي نجد الراحة يبدو مبرراً تماماً. كيف يمكنك أن تلوم رجلاً يتضور جوعاً – خاصة إن كان ذلك دون ذنب جناه – إذا سرق تفاحة؟ إن الصراع المتواصل يضع غشاوة على حدود تمييزنا الأخلاقي. إن الأشياء التي من الواضح أنها خطأ تصبح أقل اعتداء على ضمائرنا عندما تقدم لنا رجاءنا الوحيد في الراحة.

لاحظ أيضاً المشكلة المحورية: إنها ليست الألم في نفوسنا (لا بأس بالألم) ولا الرغبة في الراحة والإشباع (لا بأس بالعطش) إنها المطالبة، عندما نطالب بتخفيض ألم ظمئنا الآن نكون في خطر الانزلاق بعيداً عن المبادئ الأخلاقية الكتابية والاندفاع نحو المبادئ الخلقية البراجماتية (فلسفة الذرائع): كل ما يخفف ألمنا مبرر، النتيجة غالباً تكون تنازلاً أخلاقياً صارخاً وحياة محطمة، آخرون ممن يتألمون ويطلبون في نفس الوقت قد لا يعطون ظهورهم لله بالحياة في ظل خطية واضحة، ولكنهم يواصلون التعامل معه من منطلق أن مطالبهم جديرة بالاهتمام.

الذين يتألمون يكرهون أن يفقدوا الرجاء. ولكن وسيلة دعم الرجاء قد تكون لدعم الاقتناع بأنه يوماً ما (قبل الوصول للسماء) سوف يجعل الله الحياة أكثر سهولة. إنه بطريقة ما سوف يرتب الأمور حتى نحصل على “ما نعرف” أنه ضروري لسعادتنا. ربما يترك الزوج زوجته ليتزوج امرأة أخرى، مما يحررها لكي تتزوج “كتابياً” الرجل الذي أحبته في صمت سنوات طوال. ربما يلمس الله بنتنا المراهقة في معسكر للشباب، ويعلم الله أن صلواتنا ترتفع من قلب ممزق بسبب وجومها المتسم بالتحدي… إننا ببساطة لا نستطيع أن نأخذ أكثر من ذلك.

ومع ذلك نظل “ننظر إلى الله” لأجل الراحة المطلوبة، وتصبح المهمة هي أن نكتشف كيف يمكن أن نقنع الله بمعقولية مطالبنا. يا ليتنا نستطيع إقناع الله بأن الأب الصالح يجب أن يعطي أولاده المتألمين قسطاً من الراحة! عندما صرخ بنو إسرائيل في ضيقهم في مصر سمع الله وخلصهم… لماذا لا يستجيب لألمنا؟ لا بد من وجود طريقة لجعله يرى الأشياء من وجهة نظرنا.

استمع إلى “أيوب” وهو يعبر عن رغبته في أن يلتقي بالله ويوضح وجهة نظره في حضور الله: «فأجاب أيوب وقال اليوم أيضاً شكواي تمرد؟ ضربتي أثقل من تنهدي من يعطيني أن أجده، فأتي إلى كرسيه، أحسن الدعوى أمامه، وأملأ فمي حججاً، فأعرف الأقوال التي بها يجيبني، وأفهم ما يقوله لي؟ أبكثرة قوة يخاصمني؟ كلا. ولكنه كان ينتبه إليّ. هناك كان يحاجه المستقيم وكنت أنجو إلى الأبد من قاضي» (أي 23: 1-7)

معظمنا بطريقة أو بأخرى قد اجتاز في نفس هذا التخيل…. يا ليت هذا اللقاء مع الله يتاج لي! فكر في الفرص التي يمكن للمواطن البريطاني أن يستمتع بها لو تمكن من الحديث مباشرة مع الملكة! ولكن لا زال هناك وعي مستكين أنه حتى الزيارة الشخصية لله قد لا تأتي بالنتائج المرجوة… لقد صرح “أيوب” بضجر بأن الله أكثر استقلالية من أن تؤثر فيه توسلاتنا: «أما هو فوحده، فمن يرده؟ ونفسه تشتهي فيفعل. لأنه يتمم المفروض عليّ، وكثير مثل هذه عنده. من أجل ذلك ارتاع قدامه. أتأمل فأرتعب منه.» (أي 23: 13-15).

إن اعتراف “أيوب” كان في صالحه. الشخص الذي يقر بأن الله قد لا يفعل لأجله ما يبدو أنه صواب أكثر تقدماً في فهمه عن الله من الشخص الذي يتوقع فرحاً أن الله يجعل كل شيء يؤول إلى حال أفضل… فالمتفائل الساذج يفضل القصة الرومانسية على السيرة الذاتية الواقعية…. لابد أنه يفعل ذلك. إن حقائق التجربة تعصف بما لديه من فرح وسرور. إن إيمان المتفائل السعيد مثل طبقة الحلوى على الكعكة: إنها حلوة ومزخرفة ولكن ينقصها تماماً التغذية المطلوبة للصحة.

لم يكن “أيوب” متفائلاً تافهاً، لقد كان أبعد ما يكون عن ذلك، وكان ذلك القدر من البعد عن السطحية جيداً، ولكن اعترافه الواقعي أن الله قد لا يقبل توسلاته لم يقده إلى الإيمان الخاشع بإله يفعل كل شيء بناء على مشورة إرادته الكاملة، بل إلى المطالبة التي خلقت يأساً غاضباً: «قد لا يهب الله لنجدتي، ومن المحتمل ألا يفعل ذلك ولكنه يجب عليه!» نحن ملتزمون التزاماً تاماً بسعادتنا لدرجة أن أي شخص يقف حائلاً بيننا وبين الفرح الذي نرغب فيه يصبح موضعاً لغضبنا ونحن نعاني من الحزن النبيل «كيف يمكنه أن يعاملني هكذا؟ إن ذلك خطأ… حسناً، سوف أواصل المسيرة حتى إن كنت أتألم.»

هذا الموقف بغيض تماماً لدى الله…. إنه قبيح… إن المرض الذي لا أعراض له سيء بما فيه الكفاية، ولكن المرض الأكثر سوءًا، هو الذي يُزيد من إحساسنا بتمام الصحة في الوقت الذي يدمر فيه صحتنا ببطء.

إن المطالبة مشكلة خطيرة جزئياً لأنها نادراً ما يبدو أنها مشكلة. قد نشعر فعلاً بأننا أقوى وأكثر حيوية عندما نتتبع ما تمليه علينا مطالبنا ونكرر لذواتنا مصداقية هذه المطالب. من الممكن أن نحس بفورة مفاجئة من روحانية الزيف، عندما نقترب إلى الله ولدينا اتجاه قوي للتضرع المشحون بروح المطالبة: «يا إلهي الحبيب أنت تعلم مقدار ألمي بسبب ما أنا فيه من توتر عائلي… ما أنا آتي إليك الآن بإيمان موقناً أنك سوف تستجيب صلواتي لاستعادة أفراحي العائلية… قدني يا ربي وأنا أحاول تولي زمام مسؤولياتي كزوج وأب.» قد تكون الصلاة جديرة حقاً، وقد يكون نتيجتها الهدوء والقوة عندما يحاول الرجل أن يحب عائلته كما ينبغي، أو قد تعكس مطلباً أساسياً بأن يعيد الله وحدة عائلته، وهو مطلب يعطي الرجل الثقة وهو يتقرب من عائلته إذا نشأت التوترات العائلية، وقد تصبح مشاعر الرجل الجيدة استياء متسماً بالبر الذاتي تجاه الله الذي سمح بالمشكلة الإضافية.

هذا ويتطلب النمو المسيحي أن نكشف الميل للمطالبة، ويجب أن يتم التعرف عليه، وأن يفتضح بكل ما فيه من قبح، ويترك، وإلا فإن التغيير الكلي لن يحدث.

ما الذي يفعله الله تجاه روح المطالبة؟

تقدم الأصحاحات الأخيرة القليلة من سفر “أيوب” واحداً من أكثر القصص الدراماتيكية في الكتاب المقدس عن الله وهو يتدخل تدخلاً مباشراً في حياة شخص ما. إن حواراً جديراً بالملاحظة هو ذلك الذي نجد فيه تعامل الله مع روح المطالبة.

في خضم الكوارث المريعة، والأحداث التي سمح الله بحدوثها على وجه التحديد، نشأت لدى “أيوب” روح المطالبة وأخيراً، أصبح مقتنعاً بصحة مطالبه حتى كان يرغب بشدة في الحصول على الفرصة للتحدث عن دعواه مباشرة إلى الله. وقد حقق الله أمنيته، ولكن المقابلة لم تمض كما توقع “أيوب”، واستمع مرة أخرى إلى ما اعتقد أنه سوف يحدث إذا وافق الله على التعامل معه: «أحسن الدعوى أمامه، وأملا فمي حججاً، فأعرف الأقوال التي بها يجيبني، وأفهم ما يقوله لي؟ أبكثرة قوة يخاصمني؟ كلا، ولكنه كان ينتبه إلى هناك كان يحاجه المستقيم، وكنت أنجو إلى الأبد من قاضيّ» (أي 23: 4-7).

من الواضح أن “أيوب” توقع أن يستمع الله إلى ما اضطر أن يقوله، ثم يجيب قائلاً: «يا أيوب شكراً لأجل مشاركتك بتقديم وجهات نظرك في الأمور… معك حق، لكني صراحة لم أر الأشياء بنفس الطريقة التي تراها أنت. اسمع، إني ارتكبت خطأ ولكني سوف أصلحه بطريقة أو بأخرى على أي حال.»

بكل صراحة إن سخف هذا الكلام واضح ولكن روح المطالبة تخفي تفكيرها السخيف في ثياب التوسلات الحارة. في أصحاح 38 نحصل على فرصة نادرة لرؤية الله وهو يستجيب مباشرة لمطالب أيوب ونتعلم كيف أنه من المحتمل أن يستجيب لمطالبنا أيضاً.

«فأجاب الرب أيوب من العاصفة» (أي 38: 1) لم يكن هناك صوت رقيق يخفف من حدة آلام أيوب، ولم تكن هناك دعوة دافئة لتهدئة قلبه المضطرب بالتفكير في قصور قيد الإنشاء في عالم أفضل.

عندما يسكب قديس متألم أوجاع نفسه، يكشف ربنا عن ذاته كرئيس كهنته العظيم والمحامي الذي يهتم به ويتأثر بصراعاته، ولكن عندما يتخفى ذلك الحزن في روح المطالبة المرة، فإن عويله يقابل بالنظرة الفولاذية لجراح على استعداد لاستئصال المرض بمشرط لامع. إننا نسمع صوت الله يهدد كالرعد متحدياً: «أشدد الآن حقويك كرجل. فإني أسألك فتعلمني» (أي 38: 3). دعني أستطرد لحظة للتأكيد على وجهة النظر الكامنة في كلمات الله. عندما كنت طالباً في الكلية أخذت عدة فصول دراسية لدى أستاذ فلسفة بارع كان ملحداً مشهوراً. بعد حصولي على أول فصل دراسي، عينت نفسي كممثل للمسيحية لدى هذا الرجل، على أمل أن أقدم له الإنجيل عندما دافعت بوضوح عن حقيقة كلمة الله.

وعند تذكري لما حدث وقتئذ، لم يكن صعباً عليّ رؤية أن طريقتي لم تكن حكيمة. وخلال العمل في فصل دارس آخر مع هذا المعلم، جلست في الصف الخلفي من حجرته الدراسية وأنا أنصت في شغف بحثاً عما في منطقه، وعندما اعتقدت أني اكتشفت أحد تلك العيوب، رفعت يدي بسرعة لأناقش حجة. في ذلك الوقت افترضت أنه أعجب بعقلي المستفسر وعلقت نفسي باعتقادي أني قد استملته بتفكيري المقنع، والآن وبعد أن أصبحت أنا أستاذاً عليّ أن أتحمل من وقت لآخر طلبة على شاكلتي، أعتقد أنه يستحسن أن أفهم ما كان من المؤكد أنه يشعر به.

وعندما اقترب نصف العام الدارس من النهاية، لمست مدى صبر مدرسي بعد تصنيف حر للملاحظات القاطعة، وأخيراً وبعد أن تحمل منى بما فيه الكفاية، نفذ صبره عندما رفع يدي مرة أخرى وقف فجأة ونظر إليّ بشراسة معتدلة، وتحدث بحدة مدروسة وهو يقول: «يا كراب، هات كرسيك واصعد إلى المنصة معي، سوف نقضي بقية الحصة وكل فترة ما بعد الظهر إذا لزم الأمر، في تأمل اعتراضاتك على مواقفي، لقد حان الوقت لتسليط الضوء على كل شيء

لقد تصادف أن أستاذي كان فيلسوفاً ذا شهرة لامعة وكان موضع إعجاب ليس فقط لدى طلاب الصف قبل الأخير في الكلية الذين كانوا يدرسون أفكار “كانت” و”هيجل” لأول مرة، ولكن أيضاً لدى الزملاء في معاهد ذات أهمية بالغة، إذ كانوا يحترمون نقده للعديد من المنظومات الفكرية.

لم أكن أقصد أبداً أن أناظر الرجل حقاً، كنت فقط أريد أن أضع أمامه عدداً قليلاً من الأفكار للتأمل فيها، أو هكذا كان تفكيري عندما عرضت تلك الأفكار عليه. أما هو، فقد تعرف وبطريقة صحيحة على مداخلاتي التي تشبه الطعنات الحادة، كمجهود أبذله للتقليل من شأن كل منظومته الفكرية كي أستبدل بها منظومتي الفكري الخاصة بي.

عندما استدعاني إلى المنصة بسلطة هادئة، انتابني الرعب، كنت أعلم أني بمنأي عن بقية زملائي إذ شعرت بخوف شديد عندما تحداني عالم ألمعي غير مؤمن للدخول معه في حوار في منطقة نفوذه وخبرته. تصور مقدار الخوف الذي حتماً شعر به أيوب عندما استدعاه رب الخليقة صاحب السلطان المطلق الكيل القدرة للدفاع عن موقفه بأن الكون كان يدار إدارة غير مناسبة.

ربما تكون الخطوة الأولى في تعلم التواضع هي أن نفكر ملياً من الذي يجب أن يتغير. إن المطلب الذي ينادي بتغير الأوضاع يمثل شكاية ضد الله واتهاماً بأنه مدان بسوء الإدارة وإهمال واجباته.

لقد بدأ الله في وضع الأمور في نصابها الصحيح بالنسبة لأيوب حين طالبه بتقديم أوراق اعتماده للحوار مع الخالق، وأن ينجح في الاختبار كمحام “عليه أن يثبت كفاءة في عرض القضية.”

السؤال الأول: أيوب «أين كنت حين أسست الأرض؟ أخبر إن كان عندك فهم من وضع قياسها… أخبر إن كانت عندك فهم» (أي 38: 4-5).

«أوه، لست متأكداً أني أعرف، هل يمكنني التفكير في ذلك الأمر وأعود إليه فيما بعد؟»

واصل الله حديثه: «هل في أيامك أمرت الصبح. هل عرفت الفجر موضعه؟» (أي 38: 12). وبمعنى آخر: يا أيوب، هل تخبر الشمس بوقت شروقها، أم أنك فقط تضبط المنبه الخاص بك لإيقاظك عندما تشرق؟ هل أنت الخالق والعائل والمتسلط على الكون أم أنك مجرد إنسان زائل؟

السؤال الثاني: «أي الطرق إلى حيث يسكن النور؟ والظلمة أي مقامها؟…. تعلم لأنك حينئذ كنت قد ولدت وعدد أيامك كثير» (أي 38: 19، 21).

كلمات ساخرة، وثاقبة – مثل نصل حاد يقطع بعمق. تحت قيادة اليد الثابتة لكبير الجراحين انتهى الامتحان الأول عندما أصدر الله التحدث القائل: «هل يخاصم القدير موبخه أم المحاجج الله يجاوبه؟!» (أي 40: 2)

إن توجيه السؤال وتوضيح الفكر الشخصي المتسم بالمطالبة الذي كان من المتوقع من قبل أن يملأ فمه بالحجج، قد أصبح خاشعاً. إن كلمات أيوب تدل على اتجاه حقيقي نحو الخشوع، تماماً كما تمثل الجراحة النصف المكتملة تقدماً طيباً نحو الصحة. إنه اتجاه ولكنه غير كاف، إنه تقدم ولكنه ليس الشفاء. استمع إلى إنسان متغير: «ها أنا حقير فماذا أجاوبك؟ وضعت يدي على فمي. مرة تكلمت فأجيب ومرتين فلا أزيد» (أي 40: 4-5). كان أيوب يتغير من الداخل إلى الخارج، إن روحه المطالبة قد ضعفت، الآن حان الوقت للضربة المميتة.

عندما يبدأ الله بإجراء التغيير في النفس البشرية، فهو لا يتوقف عند نصف الشفاء، فحين يقول جراحك: استأصلت معظم الورم السرطاني، فلا يعد ذلك تقريراً مسبباً للارتياح. إن الله يغزو الأعماق السحيقة من قلبك الخادع ليكشف بلا هوادة عما يجب أن يتغير، إن قبوله لنا على أساس الجلجثة وفهمه لألمنا يقدم السياق لعمله في قلوبنا، ولكن فضحه الذي لا يرحم لمطالبنا المتسمة بالغرور والغطرسة يعمل على بداية الشفاء. عندما نتعلم التعرف على روح المطالبة وننكرها، ونتخلى عنها، ونسلم للرب أعمق أشواقنا، فإن ما بداخل الكأس والصحفة ينظف.

لقد واصل الله فضح مطالب أيوب من خلال امتحان ثان، فبينما تعامل الأول أكثر مع المقارنة بين قوة الله وضعف أيوب، بدأ الثاني في التحول إلى التركيز على موضوع الجانب الأخلاقي.

قال الله: «أشدد حقويك كرجل» وبمعنى آخر، أنا لم أفرغ منك، لا يمكنك الانصراف بعد، لقد رسبت تماماً في الامتحان الأول ولم تستطع أن تجيب ولا على سؤال واحد. الآن دعنا نرى ماذا ستفعل في امتحان ثان؟

أكد الله بعدئذ الفكرة التي أراد أن يوضحها بأن سأله:

«لعلك تناقض حكمي، تستذنبني لكي تتبرر أنت» (أي 40: 8)

الموضوع الذي أثاره هو هذا: من الذي بمركز يبيح له أن يشرع ما الصواب وما الخطأ؟ يمكن أن يكون الألم شديداً، ولكن أي مستوى من الألم لا يعطينا الأحقية في تقرير الطريقة التي يجب أن نعامل بها، كما أنه مهما اشتد الألم، فإن أي استراتيجيات خاطئة للعثور على تخفيف وطأة المعاناة لا تصبح مقبولة، وبغض النظر عن كم الارتياح من الألم الذي لا يحتمل والذي يمكن للحماية الذاتية أن تقدمه، فنحن لا يمكننا أبداً أن نخل بالمحبة دون أن نخطئ.

أنهى الله الامتحان الثاني بعبارة غريبة: «(الله) ملك على كل بني الكبرياء» (أي 41: 34). المتكبرون كثيرو المطالب. إنهم يزعمون أن لهم ذلك الحق، ولكن الله وضع قاعدة مستقيمة: ليس هناك أحد يؤهله تقديره العالي لنفسه أن يخبر الله بما يفعل. وهذه النقطة النهائية تؤكد على مبدأ جوهري للمعيشة في عالم الله: الأساس الضروري لأي علاقة مع الله، هو الاعتراف بأن الله هو الله ونحن لسنا كذلك. ولذلك نحن ليس لنا الحق في المطالبة بأي شيء من أي واحد بغض النظر عن مقدار شوق نفوسنا للارتياح من الألم. من الخطأ أن تطالب في داخلية نفسك أن يصبح من تحبه مسيحياً، أو يكف شريك حياتك عن الشراب، أو أن يكون تحليل العينة المأخوذة من نسيجك الخلوي سلبية، أو أن يصبح طفلك المتمرد مستقيماً. أن تثق بالله يعني ألا تطالب بشيء.

وصلت الرسالة لأيوب. قام الجراح مرة أخرى بعمله خير قيام. استمع إلى كلمات الرجل الذي تغير قلبه. وإلى الكلمات التي تعكس التغيير من الداخل إلى الخارج «وقد نطقت بما لم أفهم. بعجائب فوقي لم أعرفها… بسمع الأذن قد سمعت عنك والآن رأتك عيني. لذلك أرفض وأندم في التراب والرماد.» (أي 42: 5-6)

تذكر كيف تكلم أيوب قبل التغيير

“أسيب شكواي” (أي 10: 1)

“قائلاً لله لا تستذنبني” (أي 10: 2)

“أريد أن أكلم القدير وأن أحاكم إلى الله” (أي 13: 3)

“أزكي طريقي قدامه” (أي 13: 15)

“ها إني أصرخ ظلماً فلا أستجاب. أدعو وليس حكم” (أي 19: 7)

“أحسن الدعوى أمامه وأملاً فمي حججاً” (أي 23: 4)

“من لي بمن يسمعني. هوذا إمضائي… ومن لي بشكوى كتبها خصمي” (أي 31: 35)

عندما تعامل الله مع روح المطالبة لدى أيوب بفضح قبحها، أدرك أيوب أن مطالبة أي إنسان بأي شيء من الله يعد جنوناً محضاً، إنه شيء غريب على نحو مضحك. إن بداية النضح هو تقدير المرء للذات، مما يجعل من المطالبة أمراً غير وارد، ويتطور ذلك التقدير عندما نواجه حقيقة من هو الله ومن نحن.

سئل قديس مشهور قبل موته بمدة وجيزة عن كيفية تعامله مع حقيقة أن الله كان يسمح له أن يموت على الرغم من صوات ألوف الناس لأجل شفائه، وكانت إجابته هكذا: «عندما أكون في حضرة الله، يبدو انه من غير اللائق تماماً أن أطلب لأي شيء آخر».

«رأس الحكمة مخافة الرب» (مز 111: 10). أن تقف في رهبة من الله حتى عندما تكون الأمور عصيبة، فهذا شيء مهم كما أنه صعب. عندما نقيس أنفسنا مقابل الله، فإننا نبدأ في فهم شخصي ونتحرر من المطالبة بأي شيء، بما في ذلك الارتياح من الألم الذي نرغب بشدة في الحصول عليه. كوننا نطالب بإلحاح وحماس، ونبكي في ألم، ونلتمس الراحة شيء، وأن نطالب أن تكون مشيئة القدير متناقضة مع مشيئتنا شيء آخر تماماً.

يقال لنا إن أيوب تاب، عن ماذا؟ لقد تخلى أيوب عن مطالبته بالتخفيف من الألم، مدركاً أنه من غير اللائق تماماً أن يطالب الله بأي شيء.

التغيير من الداخل إلى الخارج نادر، وقليلون جداً من يكونون على استعداد أن يتقبلوا إحباطهم، والأقل منهم – عندما يكونون قد واجهوا إحباطهم وامتثلوا بالألم الموجع والحزن – يكونون على استعداد أن يقولوا بثبات: «ألمي ليس هو المشكلة، المشكلة هي تصميمي على التخفيف من ألمي بأي طريقة أقدر عليها.»

إن التغير على أعمق مستوى يتطلب الاعتراف بأننا نرى أنفسنا كرجال ضعفاء، ونساء متضررات.

إذا واجهنا بأمانة حزن الحياة في عالم ساقط، فإن رجاءنا في المسيح فقط يمكن أن يحفظنا من الجنون أو الإقدام على الانتحار.

جانب كبير من حياتنا اليومية مخصص لإخفاء رعب المعيشة بمعزل عن الله، إن غير المؤمنين غالباً يمضون في الحياة بشكل جيد تماماً، ويبدو المسيحيون بالاسم (غالباً الأكثرية) أكثر سعادة من المسيحيين الملتزمين تماماً، ويبدو الأمر كما لو لم يكن هناك ميزة حقيقية في التسليم الكلي لله، ويستحسن عدم التأكيد على فكرة التسليم والاستمتاع بالاكتفاء بأن نكون “مسيحيين جيدين نسبياً”. إن اللطفاء يتدبرون أمورهم جيداً، أما الأصوليون فيقعون في قدر كبير من المتاعب. يبدو أننا نعتقد أن المفتاح الحقيقي للحياة هو أن نستمتع بالأمور في الوقت الذي نتبع فيه الله بقدر كبير من قلبنا ونفسنا وفكرنا وقوتنا!

إن هذه النسخة الواهنة من المسيحية يمكن أن تؤدي دورها إذا رفضنا أن نواجه حون الحياة الكاسح وغير المحتمل بدون الله، ولكن عندما نستطيع أن نقبل رواية أن الحياة محتملة في أسوأ حالاتها ومرضية تماماً في أحسن حالاتها، فإننا نضحي بالتقدير المفترض لنقطتين محوريتين من إيماننا: صليب المسيح ومجيئه الثاني، فالصليب يصبح الوسيلة التي يخلصنا بها الله من شيء ليس مريعاً حقاً، والمجيء الثاني ما هو إلا فرصة لمجرد الاستمتاع بنوعية حياة معدلة، ويصبح العشاء الرباني عندئذ مجرد طقس “أصنعوا هذا لذكري”، ومجرد دعوة تلهمنا القليل من الحماس لأن الصليب الذي علينا أن نتذكره هو مجرد من قيمته التي تبعث الرهبة في النفوس، والمجيء الثاني الذي علينا أن نتوقعه يصبح فقط مجرد خطوة إلى الأمام.

الفرح الذي يمكن أن نعرفه في هذا العالم الحاضر يعتمد تماماً على ما عمله الرب يسوع المسيح وما سوف يعمله. فمن دون الصليب والمجيء الثاني، فإن كل فرح يكون مجرد وهم، وهم مخادع يبعدنا عن التعلق بالمسيح بروح العبادة الحقة والتوقع الحماسي. قال لي مؤخراً أحد الطلاب: «لقد شعرت بالإحباط في كل علاقة لي، ولكنها كانت فقط مجرد إزعاج لي، لكن لم يفقدني ذلك توازني.» معظمنا لم يختبر هذا الشعور، إن المؤمنين يتعاونون مع غير المؤمنين للحفاظ على المظهر بأن الأمور ليست في غاية السوء. ومن أحد الجوانب، فإن ذلك صحيح. فالزيجات قد تكون مشبعة في بعض الأحيان، والناس يمكنهم أن يكونوا رحماء ومعاونين بدرجة غير عادية، هناك وظائف هادفة ومجزية في بعض الأحيان، ولكن لا شيء من هذه الأمور الحسنة عن الحياة يمكن أن يقدم لنفوسنا الإشباع الذي نرغبه. وحتى نفهم كم نحن نتوجه بعمق لما ليس لدينا، فإن استمتاعنا بمميزات الحياة سيظل نوعاً من أنواع الحماية الذاتية. إننا سوف نعتمد عليها لكي نخفي فراغ نفوسنا، ووفقاً للدرجة التي نشعر فيها بشدة الألم والإحباط الناجم عن عدم إشباع أشواقنا، نستطيع ألا نطلب المزيد من متع الحياة بأكثر مما تستطيع أن تقدمه، وعندئذ يمكننا أن نستمتع بها في الواقع كميول مشروعة من مائدة الوليمة التي أعدها لنا الله من قبل.

إن الوهم بأن الحياة في عالم ساقط شديدة السوء وهم يجب الإطاحة به، وعندما نكتشف أن أفضل جوانب الحياة ماهي إلا تزييف محزن لما يجب أن تكون عليه الأمور، فإن الحقيقة تدفعنا إلى مستوى من الحزن يهدد بتحطيم آمالنا نهائياً، ولكن عندما نكون على حافة الانهيار الشخصي، نكون في أفضل وضع يساعدنا على تغيير اتجاه نفوسنا من أسلوب الحماية الذاتية إلى المحبة الواثقة. كلما كنا أكثر إدراكاً لحقيقة أن الحياة بدون الله هي مجرد قفر موحش، كنا أكثر استعداداً للاتجاه نحوه.

لا يوجد مكان يبدو حلواً في حياة المؤمن الجاد. الحياة محزنة بشكل لا يوصف، ولكننا أكثر من منتصرين على كل ما يدعو للحزن. إن التوبة تعني قبول حقيقة أن الحياة بدون الله ليس حياة بالمرة، ومن ثم يجب اتباع الله بكل حماس الشخص الذي تم إنقاذه من رعب لا يمكن تصوره. عندما تتسلل علامات الحزن إلى نفوسنا لا يصح أن نهرب منها كأن نتجه نحو أفكار سعيدة، أو نحو محاولات نلهي بها ذواتنا أو نروح بها عن نفوسنا. إن التفكير الشديد في الحزن لدرجة التملك منا يمكن أن يقودنا لتغيير عميق في اتجاه كياننا من الحفاظ على النفس إلى العبادة الشاكرة.

إن أعظم حب في عالمنا هذا ينمو في تربة الإحباط غير المحتمل من الحياة. وعندما ندرك أن الحياة لا يمكن أن تعطينا ما نريد، يمكننا أن نكف بصورة أفضل عن المطالب الحمقاء التي يمكن أن تقود لذلك الإحباط، فنمضي في القيام بأعمال المحبة النبيلة كما ينبغي. ولن نكون فيما بعد بحاجة لطلب المزيد من الحماية من الإحباط. إن أعمق تغيير سوف يحدث في حياة الشخص الواقعي الجريء الذي يتعلق بالله بحرارة، لا يمكن أن يتولد سوى عن طريق تقييمه الواقعي للحياة.

لاري كراب

من كتاب “التغيير من الداخل… البداية”.

[1] أخطأت الترجمة العربية لهذا الكتاب لـ “لاري كراب” خطأ كبيراً في استبدال تعبير “روح المطالبة Demandingness”، والذي استخدمه الكاتب في اللغة الإنجليزية، بتعبير “كثرة المطالب” (وهو ما صححناه هنا) مما يصنع تحريفاً تاماً للمعنى الذي يتحدث عنه الكاتب، ولذا لزم التنويه.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

المذيع المسلم محمود داود يعترف: المسيح مات وقام من الأموات

المذيع المسلم محمود داود يعترف: المسيح مات وقام من الأموات

المذيع المسلم محمود داود يعترف: المسيح مات وقام من الأموات المذيع المسلم محمود داود يعترف: …