الرئيسية / مشاهير / الرد على أبي عمر الباحث / دخول يسوع إلى الهيكل وطرد الصيارفة أم لعن شجرة التين ، أيهما حدث أولاً؟ – الرد على أبي عمر الباحث

دخول يسوع إلى الهيكل وطرد الصيارفة أم لعن شجرة التين ، أيهما حدث أولاً؟ – الرد على أبي عمر الباحث

دخول إلى الهيكل وطرد الصيارفة أم لعن شجرة التين ، أيهما حدث أولاً؟ – الرد على أبي عمر الباحث

دخول يسوع إلى الهيكل وطرد الصيارفة أم لعن شجرة التين ، أيهما حدث أولاً؟ - الرد على أبي عمر الباحث
دخول إلى الهيكل وطرد الصيارفة أم لعن شجرة التين ، أيهما حدث أولاً؟ – الرد على أبي عمر الباحث

دخول إلى الهيكل وطرد الصيارفة أم لعن شجرة التين ، أيهما حدث أولاً؟ – الرد على أبي عمر الباحث

نص الشبهة:

بدأ أبو عمر بسرد قصة سوسنة والنبي دانيال. ثم بعد ذلك إعتبر ما فعله دانيال النبي مع شيوخ بني إسرائيل هو المقياس الذي سيحتكم إليه في الحكْم على كتبة الأناجيل. وبحسب هذه الطريقة (التي سماها بالعبقرية)، سيستطيع الحكم على وحي الأناجيل من عدمه، فالوحي يقتضي عدم وجود تناقضات بين سرد الأحداث، وإلا سيصبح كتبة الأناجيل مثل شيوخ بني إسرائيل (الفجار) متناقضي السرد.

يقول هذا “الباحث” أن ترتيب الأحداث في إنجيل متَّى يذكر أن دخل إلى الهيكل وطرد الصيارفة والباعة ثم بعد ذلك في اليوم التالي، لعنَ شجرة التين. (مت ٢١: ١١-٢٠)، بينما في إنجيل مرقس، يقول إن لعنَ شجرة التين أولاً ثم بعد ذلك دخل الهيكل وطرد الصيارفة وباعة الحمام. (مر ١١: ١٠-١٨). ثم بعد ذلك، وجه لنا سؤالاً: “أيهما حدثَ أولاً؛ دخول الهيكل وطرد الصيارفة أم لعن شجرة التين؟!” فبحسب أبو عمر، هناك تناقض بين إنجيلي متَّى ومرقس، هذا التناقض الصارخ الذي يقتضي تكذيب أحد الإنجيلين أو كليهما!!

 

تحليل الشبهة:

بدايةً، تطبيق مقياس دانيال النبي يقتضي أن كلا الإنجيلين يعرضا سياق الأحداث بتسلسل زمني (رغم أنه لم يعطي دليلاً واحداً على هذا، إلا بقراءة الإنجيل المقدس)، أي، لكي يكون تطبيق ما فعله دانيال النبي، فلابد وحتما أن يصرح كتبة الاناجيل أنهم يروون هذه الأحداث بترتيب زمني، فهناك فارق كبير بين أن أذكر لك ما فعله دون أن أشترط على نفسي أن أذكر هذه الأحداث بالترتيب الذي حدثت به، وبين أن أذكر لك الأحداث بترتيبها التي حدثت به. لكن، هذا الباحث، افترض دون دليل من النص أن الإنجيلين إنما يذكرون كل الأحداث بترتيب حدوثها، وبالطبع هذا غير حقيقي على الإطلاق، حيث أن البشائر لم تهدف على الدوام أن تلتزم الترتيب الزمني للأحداث [1].

حيث يقول كارسون في مقدمته لإنجيل متَّى:

بعض المواد منظمة بطريقة موضوعية، والبعض بحسب ترتيب زمني غير محدد…. فالنتيجة ليست لاهوتية أو تاريخية أو بيوجرافية أو خطاباً، لكنها في بعض النواحي كل هذا [أي كل ما سبق]. إنه ” إنجيل “، عرْض ” للأخبار السارة ” أن هو المسيا [2]

يقول داريل بوك:

فعلى الرغم أن الأناجيل تعرض الخطوط العريضة لحياة وإرسالية ، متضمنة ترتيباً زمنياً للمادة المعروضة، إلا أنه في مرحلة ما، كل إنجيلي غطَّى تعاليم على أساس موضوعي وليس زمني. [3]

يقول دونالد هيجنر:

جزء جيد من فترة الإنجيل تظهر كأنها تَتابُع غير ملحوم للأحداث، عروض متعاقبة لكلمات يسوع التي عادةً كانت تُجمَع وتُرَتَب موضوعياً – نادراً ما يوجد إهتمام بالتسلسل الزمني – لمصلحة التأثير [أي أدبياً] على القارئ. [4]

 يقول أيضاً وليم هندريكسن:

متَّى يتعامل مع قصته بشكل موضوعي، أما مرقس فبتسلسل زمني.[5]

إذن، خلاصة هذه النقاط:

  • الأناجيل الإزائية تملك ترتيباً زمنياً للخطوط العريضة لحياة يسوع.
  • ولا واحد من الأناجيل يحوي عرضاً زمنياً خالصاً للأحداث، بمعنى أنه لا يوجد أي إنجيل يقدم ترتيبًا في حدث ذكره عن حياة يسوع.
  • الأناجيل الثلاثة جميعها احتوت على بعض الأحداث المرتبة زمنياً والبعض الآخر موضوعياً إنشائياً.
  • مرقس ولوقا يميلان إلى كونهما متعلقين بالترتيب الزمني بشكل عام (خصوصاً مع تطابق تسلسل الأحداث في كليهما) أكثر من متَّى، الذي هو عادةً يقدِم عرضاً موضوعياً بهدف توجيهي.

 

تحليل سياق الأحداث:

مرقس ١١

متَّى ٢١

٨ وَكَثِيرُونَ فَرَشُوا ثِيَابَهُمْ فِي ٱلطَّرِيقِ. وَآخَرُونَ قَطَعُوا أَغْصَانًا مِنَ ٱلشَّجَرِ وَفَرَشُوهَا فِي ٱلطَّرِيقِ. ٩ وَٱلَّذِينَ تَقَدَّمُوا، وَٱلَّذِينَ تَبِعُوا كَانُوا يَصْرُخُونَ قَائِلِينَ: «أُوصَنَّا! مُبَارَكٌ ٱلْآتِي بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ! ١٠ مُبَارَكَةٌ مَمْلَكَةُ أَبِينَا دَاوُدَ ٱلْآتِيَةُ بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ! أُوصَنَّا فِي ٱلْأَعَالِي!».

١١ فَدَخَلَ يَسُوعُ أُورُشَلِيمَ وَٱلْهَيْكَلَ، وَلَمَّا نَظَرَ حَوْلَهُ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ إِذْ كَانَ ٱلْوَقْتُ قَدْ أَمْسَى، خَرَجَ إِلَى بَيْتِ عَنْيَا مَعَ ٱلِٱثْنَيْ عَشَرَ.

١٠ وَلَمَّا دَخَلَ أُورُشَلِيمَ ٱرْتَجَّتِ ٱلْمَدِينَةُ كُلُّهَا قَائِلَةً: «مَنْ هَذَا؟». ١١ فَقَالَتِ ٱلْجُمُوعُ: «هَذَا يَسُوعُ ٱلنَّبِيُّ ٱلَّذِي مِنْ نَاصِرَةِ ٱلْجَلِيلِ». ١٢ وَدَخَلَ يَسُوعُ إِلَى هَيْكَلِ ٱللهِ … ١٤ وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ عُمْيٌ وَعُرْجٌ فِي ٱلْهَيْكَلِ فَشَفَاهُمْ. ١٥ فَلَمَّا رَأَى رُؤَسَاءُ ٱلْكَهَنَةِ وَٱلْكَتَبَةِ ٱلْعَجَائِبَ ٱلَّتِي صَنَعَ، وَٱلْأَوْلَادَ يَصْرَخُونَ فِي ٱلْهَيْكَلِ وَيَقُولُونَ: «أُوصَنَّا لِٱبْنِ دَاوُدَ!». غَضِبُوا ١٦ وَقَالُوا لَهُ: «أَتَسْمَعُ مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ؟». فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «نَعَمْ! أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ: مِنْ أَفْوَاهِ ٱلْأَطْفَالِ وَٱلرُّضَّعِ هَيَّأْتَ تَسْبِيحًا؟». ١٧ ثُمَّ تَرَكَهُمْ وَخَرَجَ خَارِجَ ٱلْمَدِينَةِ إِلَى بَيْتِ عَنْيَا وَبَاتَ هُنَاكَ.

١٢- وَفِي ٱلْغَدِ لَمَّا خَرَجُوا مِنْ بَيْتِ عَنْيَا جَاعَ، ١٣فَنَظَرَ شَجَرَةَ تِينٍ مِنْ بَعِيدٍ عَلَيْهَا وَرَقٌ، وَجَاءَ لَعَلَّهُ يَجِدُ فِيهَا شَيْئًا. فَلَمَّا جَاءَ إِلَيْهَا لَمْ يَجِدْ شَيْئًا إِلَّا وَرَقًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ ٱلتِّينِ. ١٤ فأجاب يَسُوعُ وَقَالَ لَهَا: «لَا يَأْكُلْ أَحَدٌ مِنْكِ ثَمَرًا بَعْدُ إِلَى ٱلْأَبَدِ!». وَكَانَ تَلَامِيذُهُ يَسْمَعُونَ.

١٨ وَفِي ٱلصُّبْحِ إِذْ كَانَ رَاجِعًا إِلَى ٱلْمَدِينَةِ جَاعَ، ١٩ فَنَظَرَ شَجَرَةَ تِينٍ عَلَى ٱلطَّرِيقِ، وَجَاءَ إِلَيْهَا فَلَمْ يَجِدْ فِيهَا شَيْئًا إِلَّا وَرَقًا فَقَطْ. فَقَالَ لَهَا: «لَا يَكُنْ مِنْكِ ثَمَرٌ بَعْدُ إِلَى ٱلْأَبَدِ!». فَيَبِسَتِ ٱلتِّينَةُ فِي ٱلْحَالِ. ٢٠ فَلَمَّا رَأَى ٱلتَّلَامِيذُ ذَلِكَ تَعَجَّبُوا قَائِلِينَ: «كَيْفَ يَبِسَتِ ٱلتِّينَةُ فِي ٱلْحَالِ؟».

١٥ وَجَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ. وَلَمَّا دَخَلَ يَسُوعُ ٱلْهَيْكَلَ ٱبْتَدَأَ يُخْرِجُ ٱلَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِي ٱلْهَيْكَلِ، وَقَلَّبَ مَوَائِدَ ٱلصَّيَارِفَةِ وَكَرَاسِيَّ بَاعَةِ ٱلْحَمَامِ. ١٦ وَلَمْ يَدَعْ أَحَدًا يَجْتَازُ ٱلْهَيْكَلَ بِمَتَاعٍ. ١٧ وَكَانَ يُعَلِّمُ قَائِلًا لَهُمْ: «أَلَيْسَ مَكْتُوبًا: بَيْتِي بَيْتَ صَلَاةٍ يُدْعَى لِجَمِيعِ ٱلْأُمَمِ؟ وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ». ١٨ وَسَمِعَ ٱلْكَتَبَةُ وَرُؤَسَاءُ ٱلْكَهَنَةِ فَطَلَبُوا كَيْفَ يُهْلِكُونَهُ، لِأَنَّهُمْ خَافُوهُ، إِذْ بُهِتَ ٱلْجَمْعُ كُلُّهُ مِنْ تَعْلِيمِهِ. ١٩ وَلَمَّا صَارَ ٱلْمَسَاءُ، خَرَجَ إِلَى خَارِجِ ٱلْمَدِينَةِ.

٢٣ وَلَمَّا جَاءَ إِلَى ٱلْهَيْكَلِ …. 12… وَأَخْرَجَ جَمِيعَ ٱلَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِي ٱلْهَيْكَلِ، وَقَلَبَ مَوَائِدَ ٱلصَّيَارِفَةِ وَكَرَاسِيَّ بَاعَةِ ٱلْحَمَامِ ١٣ وَقَالَ لَهُمْ: «مَكْتُوبٌ: بَيْتِي بَيْتَ ٱلصَّلَاةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ!».

23 …. تَقَدَّمَ إِلَيْهِ رُؤَسَاءُ ٱلْكَهَنَةِ وَشُيُوخُ ٱلشَّعْبِ وَهُوَ يُعَلِّمُ، قَائِلِينَ: «بِأَيِّ سُلْطَانٍ تَفْعَلُ هَذَا؟ وَمَنْ أَعْطَاكَ هَذَا ٱلسُّلْطَانَ؟». ٢٤ فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «وَأَنَا أَيْضًا أَسْأَلُكُمْ كَلِمَةً وَاحِدَةً، فَإِنْ قُلْتُمْ لِي عَنْهَا أَقُولُ لَكُمْ أَنَا أَيْضًا بِأَيِّ سُلْطَانٍ أَفْعَلُ هَذَا: ٢٥ مَعْمُودِيَّةُ يُوحَنَّا: مِنْ أَيْنَ كَانَتْ؟ مِنَ ٱلسَّمَاءِ أَمْ مِنَ ٱلنَّاسِ؟». فَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ قَائِلِينَ: «إِنْ قُلْنَا: مِنَ ٱلسَّمَاءِ، يَقُولُ لَنَا: فَلِمَاذَا لَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ؟ ٢٦ وَإِنْ قُلْنَا: مِنَ ٱلنَّاسِ، نَخَافُ مِنَ ٱلشَّعْبِ، لِأَنَّ يُوحَنَّا عِنْدَ ٱلْجَمِيعِ مِثْلُ نَبِيٍّ». ٢٧ فَأَجَابُوا يَسُوعَ وَقَالُوا: «لَا نَعْلَمُ». فَقَالَ لَهُمْ هُوَ أَيْضًا: «وَلَا أَنَا أَقُولُ لَكُمْ بِأَيِّ سُلْطَانٍ أَفْعَلُ هَذَا.

٢٠- وَفِي ٱلصَّبَاحِ إِذْ كَانُوا مُجْتَازِينَ رَأَوْا ٱلتِّينَةَ قَدْ يَبِسَتْ مِنَ ٱلْأُصُولِ، ٢١ فَتَذَكَّرَ بُطْرُسُ وَقَالَ لَهُ: «يَا سَيِّدِي، ٱنْظُرْ! اَلتِّينَةُ ٱلَّتِي لَعَنْتَهَا قَدْ يَبِسَتْ!». ٢٢ فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «لِيَكُنْ لَكُمْ إِيمَانٌ بِٱللهِ. ٢٣ لِأَنِّي ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ قَالَ لِهَذَا ٱلْجَبَلِ: ٱنْتَقِلْ وَٱنْطَرِحْ فِي ٱلْبَحْرِ! وَلَا يَشُكُّ فِي قَلْبِهِ، بَلْ يُؤْمِنُ أَنَّ مَا يَقُولُهُ يَكُونُ، فَمَهْمَا قَالَ يَكُونُ لَهُ.

٢١ فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ وَلَا تَشُكُّونَ، فَلَا تَفْعَلُونَ أَمْرَ ٱلتِّينَةِ فَقَطْ، بَلْ إِنْ قُلْتُمْ أَيْضًا لِهَذَا ٱلْجَبَلِ: ٱنْتَقِلْ وَٱنْطَرِحْ فِي ٱلْبَحْرِ فَيَكُونُ. ٢٢ وَكُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ فِي ٱلصَّلَاةِ مُؤْمِنِينَ تَنَالُونَهُ».

 

 

نأتي الآن لسياق الأحداث بين القديسين متَّى ومرقس. فلاحظ الاتي:

  • مرقس ذكر دخول لأورشاليم والهيكل مرتين في حادثتين منفصلتين. في الأولى، خرج من الهيكل دون ردة فعل علانيةً، بينما في الثانية، قلب موائد الصيارفة.
  • وعلى العكس، دمج متَّى الحادثتين في حادثة واحدة فقط لتركيزه على جمع الأحداث التي تمت في الهيكل، مع الإشارة إلى ما فعله من قلب لموائد الصيارفة، لأنها الحدث الأشهر هنا.
  • مرقس ومتَّى ذكرا خروج من بيت عينيا مرة واحدة فقط وبعد هذا الخروج يذكر البشيران لعن شجرة التين.
  • إذن، فكل ما فعله متَّى الرسول هو دمج قصتين، كل منهما تحتوي على حدثين منفصلين:

 

القصة الأولى: عدد مرات دخول إلى الهيكل. حيث يذكر مرقس الدخول الأول ولا يذكر أحداث فعلها في هذه المرة من الدخول (مرقس 11: 11) إلا أنه يذكر أن نظر من حوله ما كان يجري هناك في الهيكل، مما قد يشير إلى استياء من عمليات البيع والشراء والمضاربة واللصوص الذين يترقبون فرصة ليسرقوا الأموال والبضائع، ثم إكتفى مرقس بهذه المعلومة فقط. بينما ركز متَّى على ما فعله بناء على ما رآه في هذه المرة الأولى التي ذكرها مرقس هذه، فذكر القديس متَّى رد فعل في المرة الأولى والثانية من دخوله الهيكل، حيث أن :

  • في المرة الأولى التي ذكرها مرقس بشكل مختصر، قد أجاب رؤساء الكهنة الذين تضايقوا من هتاف الناس للمسيح وقالوا له أن يسكتهم، فرد عليهم المسيح بأنه مكتوب “من افواه الاطفال والرضّع هيأت تسبيحا” ثم تركهم ولعن التينة بعدها، ثم،
  • في المرة الثانية: دخل الهيكل (بعدما رأى ما رآه في المرة الأولى من المتاجرة داخل الهيكل) وطرد الباعة وقلب موائدهم ومنعهم من المتاجرة في الهيكل، وهو ما ذكره القديس مرقس في الدخول الثاني للهيكل، وهنا اغتاظ رؤساء الكهنة أكثر وسألوه عن سلطانه الذي به يفعل ويقول كل هذا.

فنجد هنا أن القديس متَّى ركز على وحدة الموضوع في السرد، بينما ركز مرقس على الترتيب الذي حدث فيه هذا السرد وليس الوحدة الموضوعية له.

 

القصة الثانية: لعن شجرة التين. حيث يذكر القديس مرقس الحادثة التي لعن فيها الرب شجرة التين فقط، بينما يذكر اكتشاف التلاميذ أن الشجرة قد يبست من أصولها بعدما خرجوا من الهيكل في المرة الثانية، أي بعد أن قلب المسيح موائد الصيارفة في الهيكل. بينما دمج القديس متَّى أيضًا الحدثين، أي حادثة اللعن نفسها وحادثة اكتشاف التلاميذ لهذا، في سياق واحد فأورد ما قاله التلاميذ في بعد خروجهم من الهيكل في المرة الثانية، في سياق سرده لحادثة اللعن نفسها. بكلمات أُخر، دمج القديس متَّى حادثة لعن شجرة التين التي حدثت قبل طرد من كانوا بالهيكل، مع حادثة اكتشاف التلاميذ لهذا، التي حدثت بعد طرد من كانوا في الهيكل، في قصة واحدة ليذكر كل ما يتعلق بموضوع “لعن التينة” دفعة واحدة.  الجدير بالذكر هنا، أن القديس متى عندما قال أن التينة قد يبست في الحال (عدد 20) لم ينسب هذه المعرفة للتلاميذ في هذا الوقت، أي أنه لم يقل مثلا: فرأى التلاميذ ان التينة قد يبست في الحال. بل وأيضًا، في إنجيل مرقس، فإنه يذكر رؤية التلاميذ ليبوس التينة من أصلها، أي من منبتها من الأرض.

 

لكن، لماذا دمجَ القديس متَّى حادثتي الهيكل معاً ووضعهما في ترتيب مختلف عن مرقس؟!

كما أشرنا سابقاً لقول دونالد هيجنر [6]، بأن كلمات يسوع كانت عادةً تُجمَع وتُرَتَب موضوعياً. فبشارة القديس متَّى تتميز أكثر من غيرها من البشائر الأخرى بخاصيتها التعليمية. فالقديس متَّى يضم تعاليم السيد المسيح وأقواله التي تدور حول موضوع بعينه في نفس المكان [في الإنجيل].[7] فهذا نمط شائع في إنجيل متَّى فهو يسجل تعليم المسيح بحيث تليها سلسلة من الأحداث المتعلقة بهذا التعليم والمرتَّبة موضوعياً. فإنجيل متَّى يملك مادة أكثر بكثير عن تعاليم المسيح، لكن أقل من مرقس من ناحية التسلسل الزمني. لكن على النقيض، نجد أن مرقس يتكلم أكثر بكثير بناءاً على تاريخية أفعال المسيح.

ونظراً لحقيقة أن هناك علاقة وتشابه كبير بين تطهير الهيكل ولعن شجرة التينة [8]، فقد استخدم يسوع لعن شجرة التين كرمز لتوصيل رسالة مماثلة لتطهير الهيكل. فليس من الصعب تخيل أن متَّى دمج الحادثتين معاً بشكل إنشائي خصوصاً بسبب وجود علاقة بين الحدثين كما ذكرنا سابقاً في أسلوب القديس متَّى.

 

حيث يقول “Tasker”:

حيث أن تطهير الهيكل هو استنكار رمزي من قِبَل المسيا لعبادة إسرائيل القديمة، لذا فيبوس شجرة التين (نتيجة اللّعن) كان استنكار رمزي من قِبَله للشعب اليهودي كشعب المختار.[9]

 

إذن، ما هو الدليل على أن مرقس كتب هنا في هذا السياق بتسلسل زمني، أما متَّى فكتب موضوعياً؟

بقراءة بسيطة لسياق كلا الإنجيلين، يتضح الاتي:

  • في كل سياق الإنجيل، القديس مرقس يستخدم تعبيرات لوصف عن التسلسل الزمني في سرد الأحداث. لاحظ: “ولما قربوا من اورشليم” (عدد 1)، “إذا كان الوقت قد أمسى” (عدد ١١)، “وفي الغد” (عدد ١٢)، “ولما صار المساء”(عدد ١٩)، “وفي الصباح” (عدد 20).
  • على النقيض، فالقديس متَّى لم يستخدم أي كلمات تدل على تسلسل زمني محدد للأحداث كلها المذكورة في هذا الأصحاح كوحدة واحدة، بل بالأكثر استخدم واو العطف لربط الأحداث.

 

هل يمكن ترتيب الأحداث الواردة في هذين الأصحاحين ترتيبًا زمنيًا صحيحًا بحيث لا يتعارض مع أي من المعلومات المذكورة في الأصحاحين؟ الإجابة: بالطبع.

  1. عندما اقترب الرب يسوع المسيح من أورشليم عند بيت فاجي، طلب من تلاميذه أن يأتوا له بآتان وجحش، ففعلا.
  2. ثم دخل أورشليم في المرة الأولى وسط فرحة الناس به وصياحهم “أوصانا يا ابن داود” وفرشوا ملابسهم وأغصان من الأشجار تحت رجليه.
  3. ثم لما رأى رؤساء الكهنة كل هذا، تضايقوا وقالوا للمسيح أن يُسكت هؤلاء الجموع الذين ينادوا بمثل هذه الأقوال لأنه هؤلاء الكهنة لم يؤمنوا أن يسوع هو المسيح بن داود المخلص، فأجابهم المسيح بأن هذا هو ما قد كُتب عنه في العهد القديم، وفي هذا اليوم رأى عمليات المضاربة والبيع والشراء والمتاجرة في الهيكل فتضايق، ثم خرج من الهيكل ومن أورشليم ورجع إلى بيت عنيا ونام.
  4. ثم في اليوم التالي كان في طريقه إلى أورشليم للمرة الثانية، وجاع فأتى شجرة التينة فلم يجد فيها ثمر فلعنها فذبلت في الحال، ثم أكملوا طريقهم إلى أورشليم ودخل المسيح والتلاميذ الهيكل.
  5. ثم طرد المسيح الباعة من الهيكل وقلب موائد الصيارفة ومنعهم من الإتجار في الهيكل، فاغتاظ أكثر وأكثر رؤساء الكهنة وسألوه عن السلطان الذي به يفعل كل هذا، فحاورهم المسيح وحاصرهم في سؤال فلم يستطيعوا اجابته، فتركهم وخرج مرة أخرى من أورشليم ومن الهيكل.
  6. وفيما هم في الطريق خروجًا من أورشليم، رأوا شجرة التين وقد يبست من أصلها، فتذكر بطرس وقال للمسيح أن الشجرة التي قد لعنها قد يبست.

 

 الخلاصة:

فكل ما فعله القديس متى أنه دمج دخول المسيح الأول للهيكل بالحدث الأشهر الذي تم هناك في المرة الثانية لدخوله، ألا وهو طرد الباعة (واخرج جميع الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل وقلب…إلخ)، ثم عاد وذكر الحدث الأقل شهرة وهو كلام المسيح مع رؤساء الكهنة عن عدم سكوت الذين يصيحون له (عدد 15، 16)

إذا درسنا طريقة سرد متَّى في العموم، سنجد أنه أحياناً يرتب أحداثه بشكل موضوعي بدلاً من التسلسل الزمني التام الذي غالباً ما يميز إنجيلي مرقس ولوقا.[10] فالقديس متَّى لم يولي اهتمامًا كبيرًا -كما كان مرقس مهتمًا- باليوم الفعلي من الأسبوع الذي حدث فيه [تطهيرالهيكل] … وبالتالي، سرد متَّى حاول تبسيط سرد مرقس [11] وحذف بعض التفاصيل…[12]وإضافة أخرى بحسب ما تقتضيه الوحدة الموضوعية للحدث.

جدير بالذكر أيضاً أن هناك تفسيراً آخراً، يتلخص في أن المسيح طهر الهيكل على يومين متتاليين، وبالتالي مرقس يذكر الزيارة الثانية للهيكل مع لعن شجرة التين في اليوم الثاني (من دخول المسيح لأورشاليم)، بينما متَّى يذكر تطهير الهيكل في اليوم الأول فقط، ويذكر لعن شجرة التين في اليوم الثاني مثل مرقس (ولكنه لا يذكر تطهير الهيكل في اليوم الثاني). لكن في الحقيقة، الرأي الأول جدير بالاهتمام أكثر، حيث أنه ليس من السهل قبول أن يسوع قد طهر الهيكل على يومين متتاليين وفي كل مرة استخدم نفس العبارة بالضبط: ” مكتوب: بيتي بيت الصلاة يُدعى… “.[13]

وأخيراً، يوجه هذا “الباحث” للأخ رشيد ولكل مسيحي نصيحة بعدم محاولة الرد عليه بالإجابة (التي أسماها مضحكة) والموجودة على المواقع “النصرانية” المسيحية. فما هي يا تُرى هذه الإجابة المضحكة؟! يُكمل هذا “الباحث” ويقول: “أن كل واحد من كتبة الأناجيل كتب حسب رؤيته وفهمه”، لأن هذا الفهم -كما يدعي المعترض- لا يُجيب على السؤال؛ لأن في النهاية مستحيل يكون يسوع “عمل اللي موجود في إنجيل مرقس بنفس الترتيب، وعمل اللي موجود في إنجيل متَّى بنفس الترتيب، مستحيل يكون يسوع عمل اللي في الإنجيلين مع بعض… “.

وللإجابة على هذا الاعتراض الطفولي، نقول إن سبب المشكلة هو قراءة الخاطئة للنص، فهو يفترض أنه طالما يقرأ النص رقم 1 ثم بعده النص رقم 2 فـ3 فـ4، فالأحداث الموجودة في النص 1 تسبق الأحداث الموجودة في النص 2 الذي تسبق أحداثه تلك الموجود في النص 3 وهكذا! وهذا لا دليل عليه، فمعروف لكل ذي عقل أن ترتيب الذكر لا يعني ترتيب الحدوث. فلو قال قائل، لدي إبنان: مينا وكيرلس، فهل يعني هذا أن مينا أكبر من كيرلس؟ أو هل يعني هذا أن كيرلس أكبر من مينا؟ بالطبع لا، فليس هناك أي معلومة في هذه الجملة تفيد من الأكبر الذي جاء إلى عالمنا أولاً، بل غاية ما يمكن التوصل إليه من هذه العبارة هو مجرد المعلومة أن هذا الشخص لديه إبنان، وهما مينا وكيرلس. لكن لو قال هذا الشخص أن مينا قد وُلد أولا ثم وُلد كيرلس، فهنا نعرف من الأكبر فيهما ومن الأصغر. فليس ترتيب الذِكر يعني ترتيب الحدث، اللهم إلا لو نص الكاتب على أي من الأدوات اللغوية المستخدمة في الترتيب، مثل: ثم، فـ …إلخ.

فكما رأينا أن القديس متى لم يشترط ولم يذكر أن ما سيكتبه هو الترتيب لما حدث، بل يذكر الأحداث تباعا ويربط فيما بينها بالعطف المباشر “و” ليضعها في وحدة واحدة دون ترتيب. بينما قام القديس مرقس بترتيب جزء كبير مما ذكره.

هل رأيتم مدى ضحالة فكر هؤلاء، الذين يسمون أنفسهم “باحثين” ويوجهون أسئلة “لا حل لها”!! فهي بالفعل لا حل لها، طالما مع مِثل هذه العقول.

 

 

[1]  الدكتور موريس تاوضروس، المدخل إلى العهد الجديد، الطبعة الرابعة، ص ٢١.

[2] D. A. Carson, “Intro to Matthew”, Expositors Commentary, Vol.8, (Zondervan, 1984), p.38, 39.

[3] Darrell Bock, “The Words of Jesus in the Gospels: Live, Jive, or Memorex”, in Jesus Under Fire, (Zondervan, 1995), p.84.

[4] Donald Hagner, Matthew 1-13: Word Biblical Commentary, (Dallas: Word Books, 1995), p. liii.

[5] William Hendriksen, Exposition of the Gospel According to Mark, (Baker, 1975), p.440See

[6] See, ff. 4.

[7]  الدكتور موريس تاوضروس، المدخل إلى العهد الجديد، الطبعة الرابعة، ص ٢٤.

 

[8] Crossway Bibles. (2008). The ESV Study Bible Notes, (Mk 11:12-21).

[9] R. V. G. Tasker, Matthew, (Eerdmans, 1961), p.201.

[10]Gleason L. Archer, New International Encyclopedia of Bible Difficulties, (Zondervan).

[11] حيث أن أغلب العلماء يعتقدون أن إنجيل مرقس كان أحد مصادر إنجيلي متَّى ولوقا.

[12] David Hill, The New Century Bible Commentary: The Gospel of Matthew, (Eerdmans, 1972), p.178.

[13] Gleason L. Archer, New International Encyclopedia of Bible Difficulties, (Zondervan).

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على …