لتكن لا إرادتي بل ارادتك : هل يعني هذا أن ارادة المسيح مخالفة لإرادة الآب؟

لتكن لا إرادتي بل ارادتك : هل يعني هذا أن إرادة مخالفة لإرادة الآب؟

لتكن لا إرادتي بل ارادتك : هل يعني هذا أن إرادة المسيح مخالفة لإرادة الآب؟
لتكن لا إرادتي بل ارادتك : هل يعني هذا أن إرادة مخالفة لإرادة الآب؟

لتكن لا إرادتي بل ارادتك : هل يعني هذا أن إرادة مخالفة لإرادة الآب؟

في الوقت الذي سبق تسليم يهوذا الخائن للمسيح له المجد، حيث كان يصلي في بستان جثسيماني إلى أن كان عرقه يتصبب كقطرات دم، صلى إلى الآب حيث يخبرنا القديس متى (26: 39):

39 ثم تقدم قليلا وخرّ على وجهه وكان يُصلّي قائلًا: يا أبتاه إن امكن فلتعبر عني هذه الكأس. ولكن ليس كما أُريد أنا بل كما تُريد أنتَ.

ومن هذا النص، ظهر فكر ينادي بأن للآب مشيئة، وللإبن أخرى، وكلتاهما تعارض الأخرى، لأن المسيح له المجد يقول “مشيئتي” و”مشيئتك”، أو بتعبيرات القديس متى “أريد أنا” و “تريد أنت”، فيقول البعض: ها لدينا إرادتين، إرادة الآب وإرادة الإبن.

وقد أثير هذا الفكر منذ قرون وردَّ عليه الآباء بتفصيل، ونذكر من ردودهم الآتي[1]:

يقول العلاّمة أوريجينوس:

من المستحيل أن ابن الإنسان كان يقول: يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عنِّي هذه الكأس، تحت إحساس بالخوف!… فالرب لا يستعفي من ذبيحة الموت حتى تصل نعمة الخلاص للجنس البشري كله[2].

 

يقول القدّيس جيروم:

“نفسي حزينة جدًا حتى الموت”. لنقدّم الشكر أن ليسوع جسد حقيقي ونفس حقيقيّة، فلو أن الرب لم يأخذ الطبيعة الإنسانيّة بكاملها لما خلّص البشريّة. لو أنه أخذ جسدًا فقط بلا نفس لخلص الجسد دون النفس مع أننا نحتاج إلى خلاص النفس أكثر من خلاص الجسد. لقد أخذ الجسد والنفس معًا ليخلّصهما، يخلّص الإنسان بكامله كما خلقه[3].

 

يقول القدّيس أمبروسيوس:

بكونه الذي لبس جسدًا قام بدور الضعف الجسدي حتى لا يوجد عذر لدى الأشرار مُنكري التجسّد. فمع قوله هذا إذا بأتباع ماني لا يصدّقون، وفالنتيوس ينكر التجسّد، ومرقيون يَدَّعي أنه كان خيالاً… لقد أظهر نفسه أنه يحمل جسدًا حقيقيًا[4].

ويرى القديس أمبروسيوس أن ما حدث يؤكد أن السيد المسيح حمل جسدًا حقيقيًا، وأنه جاء نيابة عن البشرية يحقق إرادة الآب[5].

ويقول أيضًا: لا توجد إرادة للآب تختلف عن إرادة الابن، بل لهما مشيئة واحدة، لاهوت واحد، ومع ذلك تعلم الخضوع لله[6].

 

يقول القديس كيرلس الكبير:

كما بكى على لعازر في ترفُّق بالجنس البشري كلّه بكونه صار فريسة للفساد والموت، هكذا نقول أنه حزن هنا إذ رأى أورشليم، وقد أحاطت بها المآسي الكبرى، ولم يعد لمصائبها علاج[7]. لم تكن آلامه عملاً تحقّق بغير إرادته، لكن من جانب آخر كانت خطيرة، إذ تؤدي إلى رفض مجمع اليهود وخرابه. لم تكن إرادته أن يكون إسرائيل قاتلاً لربِّه، معرِّضًا نفسه للدينونة واللوم والحرمان من عطايا … بينما كانوا قبلاً شعبه، وحدهم كانوا شعبه ومختاريه وورثة![8]

 

ويقول القديس أغسطينوس:

أنه قادر أن يحضر جيوش من الملائكة ليهلك أعداءه، لكنه كان يجب أن يشرب الكأس التي يريد الآب أن يقدمها له. بهذا يقدم نفسه مثالاً لشرب هذه الكأس، مسلمًا إياها لتابعيه معلنًا نعمة الصبر بالكلمات كما بالعمل[9].

               

ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم[10]:

أولاً: لا يمكن القول بأن السيد المسيح كان يجهل إن كان ممكنًا أن تعبر عنه الكأس أم لا، بقوله “إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس”. [المعرفة الخاصة بآلامه ليست أعظم من المعرفة الخاصة بجوهر طبيعته، الأمر الذي هو وحده يعرفه تمام المعرفة وبدقة، إذ يقول كما أن الآب يعرفني وأنا أعرف الآب (يو 10: 15). ولماذا أتكلم عن ابن الوحيد، فإنه حتى الأنبياء يبدو أنهم لم يجهلوا هذه الحقيقة (أي آلام المسيح وصلبه) بل عرفوها بوضوح، وقد سبق أن أعلنوا عنها قبلاً مؤكدين حدوثها تأكيدًا قاطعًا.]

ثانيًا: لا يمكن فهم هذا القول: “إن أمكن أن تعبر عني هذه الكأس” بمعنى الرغبة في الهروب من الصليب. [لقد دعا (بطرس) ذاك الذي وُهب إعلانًا من الآب وقد طوّبه ووهبه مفاتيح ملكوت السماوات، دعاه “شيطانًا”، ودعاه “معثرة”، واتهمه أنه لا يهتم بما لله… هذا كله لأنه قال له: حاشاك يا رب لا يكون هذا لكأي لا يكون لك أن تصلب. فكيف إذن لا يرغب في الصليب، هذا الذي وبخ التلميذ وصبّ عليه هذا القدح إذ دعاه شيطانًا بعدما كان قد مدحه، وذلك لأنه طلب منه أن يتجنب الصليب؟ كيف لا يرغب في الصليب ذاك الذي رسم صورة للراعي الصالح معلنًا إياها كبرهان خاص بصلاحه، وهي بذله لنفسه من أجل خرافه، إذ يقول أنا هو الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف (يو 10: 11)… انظر كيف يُعجب منه بسبب إعلانه هذا “أنه يبذل نفسه”، قائلاً: “الذي كان في صورة الله لم يُحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه، آخذًا صورة عبد، صائرًا في شبه الناس، فإذ وُجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه، وأطاع حتى الموت موت الصليب” (في 2: 6-8)؟ وقد تكلم عن نفسه مرة أخرى فقال… “لهذا يحبني الآب لأني أضع نفسي لآخذها أيضًا” (يو 10: 17)… وكيف يقول الرسول بولس مرة أخرى: “واسلكوا في المحبة كما أحبنا المسيح أيضًا، وأسلم نفسه لأجلنا” (أف 5: 2)؟. وعندما اقترب السيد المسيح من الصلب قال بنفسه: “أيها الآب قد أتت الساعة، مجد ابنك” (يو 17: 10). لقد تكلم هنا عن الصليب كمجد، فكيف يستعفي عنه، وها هو يستعجله؟]

ثالثًا: أن هذه العبارة قد سجلها لنا الإنجيلي لتأكيد تجسده ودخوله فعلاً تحت الآلام. [لهذا السبب أيضًا كانت قطرات العرق تتدفق منه، وظهر ملاك ليقويه، وكان حزينًا ومغتمًا، إذ قبل أن ينطق بتلك الكلمات (ليس كما أريد أنا، بل كما تريد أنت) قال: نفسي حزينة جدًا حتى الموت. فإنه بعد هذا كله قام الشيطان بتكلم على فم كل من مرقيون الذي من بنطس وفالنتينوس وماني الذي من فارس وهراطقة كثيرين، محاولين إنكار تعاليم التجسد، ناطقين بكلمات شيطانية، مدعين انه لم يأخذ جسدًا حقيقيًا، ولا التحف به إنما كان له جسد خيالي وهمي… لقد أعلن المشاعر البشرية الحقيقية بوضوح، تأكيدًا لحقيقة تجسده وتأنسه.]

رابعًا: بجانب تأكيده للتجسد قدم لنا نفسه مثالاً عمليًا بهذا التصرف الحكيم. [هناك اعتبار آخر لا يقل عنه أهمية… وهو أن السيد المسيح جاء على الأرض، راغبًا في تعليم البشرية الفضائل، لا بالكلام فقط وإنما بالأعمال أيضًا. وهذه هي أفضل وسيلة للتدريس… إنه يقول: من عمل وعلّم فهذا يُدعى عظيمًا في ملكوت السموات” (مت 5: 19)… لقد أوصى (تلاميذه) أن يصلوا: “لا تدخلنا في تجربة”، معلمًا إياهم هذه الوصية عينها بوضعها في صورة عملية، قائلاً: “يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس”. هكذا يعلم كل القديسين ألا يثبتوا بأنفسهم في المخاطر، غير ملقين أنفسهم بأنفسهم فيها… فماذا؟ حتى يعلمنا تواضع الفكر، وينزع عنا حب المجد الباطل… صلى كمن يعلم الصلاة، ولكي نطلب ألا ندخل في تجربة” ولكن إن لم يسمح الله بهذا، نطلب منه أن يصنع ما يحسن في عينيه، لذلك قال: “ولكن ليس كما أنا أريد بل كما تريد أنت”، ليس لأن إرادة الابن غير إرادة الآب، إنما لكي يعلم البشر أن يقمعوا إرادتهم في إرادة الله ولو كانوا في ضيق أو اضطراب، حتى وإن أحدق بهم الخطر، ولو لم يكونوا راغبين في الانتقال من الحياة الحاضرة.]

 

لكن، ما نقدمه في هذه المقالة، هو كيفية المحاجّة المنطقية التي تعتمد على النصوص، حيث أن هناك فئة من البشر لا يمكنها أن تفهم كلام الآباء السابق، بل سيريدون إثباتات من نوع آخر، ولهؤلاء نقول أنه يمكننا إثبات وحدة مشيئة المسيح وإرادته مع مشيئة الآب وإرادته عن طريق عرض كلام المسيح في سبب مجيئه بل ونبواته عن نفسه قبل الصلب عما سيحدث تفصيلًا له.

 

لكي نعرف، بالحقيقة، هل إرادة المسيح، بل الهدف الأول والأخير لمجيء المسيح لأرضنا، تطابق إرادة الآب أم لا، علينا ألا نأخذ نص واحد لنسقط عليه فهمنا، بل علينا بقراءة كلام المسيح نفسه عن هذه القضية، وعندها فقط، سنعرف أن ما قاله الآباء ليس كلاما بغرض تغيير الحقيقة، بل أنهم ولأنهم يعرفون الحقيقة التي في كل كلام المسيح، قد قالوا ما قالوه.

وإذا أردنا أن نضع سؤالا صريحًا ونقول: لماذا أتى المسيح إلى أرضنا؟ فنجد أن المسيح له كل المجد يجيبنا في إنجيل يوحنا 12: 27 ويقول صراحة:

27 الآن نفسي قد اضطربت. وماذا اقول. ايها الآب نجني من هذه الساعة. ولكن لاجل هذا أتيت الى هذه الساعة.

فإذا كان المسيح بنفسه يقول أنه لأجل هذه الساعة (ساعة الصليب) قد أتى، فكيف تكون إرادته ومشيئته مخالفة لإرادة ومشيئة الآب؟!

نص آخر يُظهر لنا سبب مجيء إبن الإنسان، المسيح، إلى عالمنا الأرضي، حيث يقول فيه عن نفسه (متى 20: 28):

28 كما ان ابن الانسان لم يأت ليخدم بل ليخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين

 

إذن، فالرب بنفسه يوضح مرة أخرى أنه جاء لأجل الفداء حرفيًا، فكيف يسوغ بعد إذ عرفنا هذا أن نشك في أن له إرادة ومشيئة مغايرة للآب بحسب لاهوته بل بحسب سبب إرساليته إلى الأرض من الآب؟

 

ليس هذا وحسب، بل أن المسيح كان ينبئ تلاميذه كثيرا عما ينبغي أن يحل به، وأنه سيُسلَّم إلى أيدي الأمم ليجلدونه ويستهزئون به، ويصلبونه ويقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم كما جاء في مواضع كثيرة (متى 16: 21؛ متى 17: 22-23؛ متى 20: 19؛ مرقس 9: 31؛ لوقا 9: 22). وليس أن هذا هو هدف مجيء فقط إلى أرضنا، بل أنه عندما إنتهره بطرس وقال له “حاشاك يارب، لا يكون لك هذا” فكان ردَّ المسيح له المجد عليه قويًا جدا، حيث دعى بطرس بالشيطان، قائلًا له “اذهب عني يا شيطان” وأنه “معثرة للمسيح” وأنه “لا يهتم بما لله بل للناس”، وكل هذه الشدة في الرد كانت على كلمة قالها بطرس تخص عدم موت المسيح، فكان هذا هو رد المسيح عليه (راجع متى 16: 21 – 24). فهل يمكن بعد كل هذا التمسك من المسيح بالصلب والفداء ووضوح هدفه أمامه، أن يكون له إرادة مخالفة لإرادة الآب الذي يريد أيضًا خلاص الجميع؟

بل أن المسيح وهو في العشاء الأخير، قُبيل خروجه وصلاته في جثسيماني، أكد لتلاميذه أن مسألة موته مسألة محتومة وأنها مُتنبأ عنها بين الأنبياء (راجع لوقا 22: 19-22)، فكيف يقول لتلاميذه في آخر ساعاته قبل الصلب أن مسألة صلبه وموته هي مسألة مُعد لها منذ سنوات ومُتنبأ عنها ومسألة محتومة، ويكون لا يعرف أنها ستتم؟ بل كيف يكون يعرف كل هذا ويدافع عن مسألة قتله وصلبه وموته وقيامته وفداؤه للإنسان، ثم يكون له إرادة مخالفة لإرادة الآب؟

وإلى ههُنا نكون قد أبنّا -عمليًا- أن إرادة الإبن والآب لهي إرادة واحدة.

 

 

[1] جميع الاقتباسات الآبائية الآتي ذكرها، منقولة عن تفسير القمص تادرس يعقوب ملطي للعهد الجديد، فنشكر أبينا القمص.

[2] Ad Martyr. 4.

[3] On Ps hom 35.

[4] Of Christian Faith 2:5.

[5] Of Christian Faith 5.

[6] In Luc 22: 39: 53.

[7] In Luc. 146.

[8] In Luc.  147.

[9] Reply to Faustus 22: 76.

[10]  الحب الإلهي، 1967،  ص367-392.

زر الذهاب إلى الأعلى