مواضيع عاجلة

المسيّا في نبوة ميخا 5: 2 (أما أنت يا بيت لحم أفراتة) – رؤية رابينيّة (حاخاميّة) ومسيحيّة – ترجمة عفيف ديمتريوس

المسيّا في نبوة ميخا 5: 2 (أما أنت يا بيت لحم أفراتة…منك يخرج لي الذي يكون متسلطا على إسرائيل) – رؤية رابينيّة (حاخاميّة) ومسيحيّة – ترجمة عفيف ديمتريوس

طلاب يهود اورثوذكسيون في اليشيفا (المعهد) يدرسون الأدب الرابيني والتوراة
طلاب يهود اورثوذكسيون في اليشيفا (المعهد) يدرسون الأدب الرابيني والتوراة

المسيّا في نبوة ميخا 5: 2 (أما أنت يا بيت لحم أفراتة…منك يخرج لي الذي يكون متسلطا على إسرائيل) – رؤية رابينيّة (حاخاميّة) ومسيحيّة – ترجمة عفيف ديمتريوس

كعمل تبشيري، تؤمن مجموعة “الكتاب المقدس من أجل إسرائيل” أن يشوع (يسوع) هو المسيّا. لدينا هذه القناعة بسبب وجودِ نبوءات مثل ميخ 5: 2 (5: 1 في التناخ) والتي يبدو أنها تُحدّد بيتَ لحمَ مكاناً لميلاد المسيّا.

وعلى مدى ألفي عام، أشار المسيحيّون واعتمدوا على هذه النبوءة كأحد الأدلة لإثبات حقيقة الهوية الروحية ليشوع.

لكن هل هذا حقاً ما يتنبّأُ عنه ميخا النبي؟

جاء في نبوءة ميخا: “أمّا أنتِ يا بيت لحمُ إفراثا، وأنتِ صغيرةٌ أن تكوني ألوف يهوذا، فمنكِ يخرجُ لي الذي يكونُ متسلطاً على إسرائيل، ومخارجُه منذ القديم، منذ أيام الأزل” (ميخا 5: 2 في الكتاب المقدس المسيحي و 5: 1 الكتاب المقدس اليهودي).

في هذا المقال، سنرى ماذا يقول الرابيّون اليوم و حكماءُ اليهود في الماضي عن بيت لحم والمسيّا في هذه الآية. ومن ثَمّ سنرى كيف تجاوب معها المسيحيّون عبر القرون.

لكن أولاً دعونا نرى من هو النبي ميخا.

ميخا يحضُّ الاسرائيليّين على التوبة (1865) - نقش من عمل غوستاف دوريه
ميخا يحضُّ الاسرائيليّين على التوبة (1865) – نقش من عمل غوستاف دوريه

مخيا: من مثلُ يهوه؟

اسم ميخا (מִיכָה) هو شكل مُختصر لاسم “ميخاياهو” (מִכָיָהוּ). في نهايةِ سفرِه، يُبيّن ميخا اسمَه ليوضّح أمانة الله في خلاصِ شعبٍ غيرِ مؤمن.

يسألهم: من (مي) مثل (خا) الله (ياهو)؟

يتحدث ميخا في بداية سفره عن منشأه: قرية مورَشت الزراعية في مملكة يهوذا وتبعد 25 ميلاً (~ 40 كم) إلى الجنوب الغربي من أورشليم. (ميخا 1: 1)

تنبأ قبل 737 – 696 ق.م لمملكتي إسرائيل ويهوذا كلتيهما. ولكن في البداية تنبأ من مكان إقامته القُروي في يهوذا إلى الفقراء والمحرومين.

وفي نفس الوقت كان النبيُّ أشعياء ساكناً في بلاط العاصمة، أورشليم. في الحقيقة رسالةُ ميخا متوافقةٌ مع رسالةِ أشعياء لدرجة أنَّ بعضَ العُلماء يعتقدون أنّه كان تلميذاً لأشعياء.

مثلاً حذّر ميخا قائلاً:

“ويلٌ للمُفتكرين بالبُطل، والصانعين الشر على مضاجعِهم! في نورِِ الصباحِ يفعلونَه لأنّه في قُدرةِ يدهِم” (ميخا 2: 1)

وعلى ذات المنوال أعلن أشعياءُ:

“لأنَّ العاتي قد بادَ، وفنيَ المستهزئُ، وانقطعَ كلُّ الساهرين على الإثمِ” (أشعياء 29: 20 – انظر أيضاً أشعياء 32: 6 و 33: 15)

النبي أشعياء (1968) بيد مارك تشاغال
النبي أشعياء (1968) بيد مارك تشاغال

حكماءُ اليهود: القرنُ الأول

قبل ميلادِ “يشوع”، اعتقد بعضُ الكهنةِ اليهودِ، وترجمةٌ واحدةً موثوقةٌ على الأقل، أنَّ ميخا عنى في 5: 2 أنّ المسيّا يأتي من بيت لحم اليهودية، التي كانت تُدعي قديماً أفراثا. (نجد هذه البلدة اليهودية في سفر التكوين 35: 16، 35: 19، و 48: 7).

هذه الترجماتُ للأسفارِ المقدسة إلى لغة الناس العامّة – الآرامية – كانت تُسمى “ترجوم” (Targum). هناك ترجمةُ للتَناخ (العهد القديم) تُثبّت أنَّ العديد من العُلماء القدماء آمنوا أن المسيّا سوف يولد في بيت لحم.

لا يزال الرابيّون اليوم يرون أن الترجوم هو ترجمةٌ موثوقةٌ، مُسلّطين الضوءَ على أفكارِ القادةِ اليهود في تلك الفترة.

لنُلقى نظرةً على هذه الترجمة التي تُنسب إلى جوناثان (يوناثان) بن عوزيل، 50 ق.م.

ترجوم يوناثان: القرن الأول قبل المسيح

“وأنتِ يا بيتَ لحم إفراثا.. منكِ سيخرج المسيّا الذي يحكم على اسرائيل”

في وقت ولادة يشوع في بيت لحم، بعد حوالي خمسين سنة من قراءة الترجمة أعلاه لأول مرّة في المجمع، كان مفهوماً القادةِ الدينيين والشعبِ الإسرائيلي عموماً أن المسيّا يأتي من بيت لحم اليهوديّة. نقرأ هذا في إنجيلي متّى ويوحنّا.

بيت لحم تبعد ستة أميال (~ 10 كم) عن أورشليم
بيت لحم تبعد ستة أميال (~ 10 كم) عن أورشليم

بريت تشاداشاه (العهد الجديد): القرن الأول بعد المسيح

بشارةُ متّى، ولو أنها كُتبت بعد حياةِ وموتِ وقيامةِ يشوع، تُوردُ محادثةً هيرودوس والمجوسِ الآتين من المشرق باحثين عن ملكِ اليهود:
“فلمّا سمع هيرودسُ الملكُ اضطربَ وجميعُ أورشليمَ معه. فجمع كلَّ رؤساءِ الكهنة وكتبةِ الشعبِ، وسألهم: «أين يولدُ المسيحُ؟»
فقالوا له: «في بيت لحمَ اليهوديّة. لأنّه هكذا مكتوبٌ بالنبيّ: وأنتِ يا بيت لحمُ، أرضُ يهوذا لستِ الصُغرى رؤساء يهوذا، لأنّ منكِ يخرجُ مدبّرٌ يرعى شعبي إسرائيل” (متى 2: 3- 6)

بعد ثلاثين عاماً من ميلاد يشوع، وقف العامّةُ قبالته عند الهيكل وأكّدوا هذا الفهم حين قالوا: “ألم يقلِ الكتابُ إنّه من نسل داود، ومن بيت لحم، القرية التي كان داودُ فيها، يأتي المسيحُ؟”

هذا الاعتقادُ من العلماءِ وعامّة الناس على حدّ سواء، أنّ المسيّا يُولد في بيت لحم، بقيَ ثابتاً لقرنين على الأقل بعد موتِ (وقيامةِ) يشوع.

فلمّا رأوا النجمَ فرحوا فرحاً عظيماً (متى 2: 10)
فلمّا رأوا النجمَ فرحوا فرحاً عظيماً (متى 2: 10)

مدراش راباه (Midrash Rabah): القرنان الأول والثاني

في الأدبِ اليهوديِّ النمطيّ، القصةُ التالية و التي تُعرف ب “مدراش” كُتبت لتُعبّر عن مُعتقدات يهوديّة هامّة.
هي تُطمئن الاسرائيليّين أنّه حين تقع كارثةٌ ما، فإنّ ليس بعيداً. وحتى أنّ الغريبَ عرَف أن المُعزّي يأتي من بيت لحم.

“القصةُ هذه تدعمُ ما قاله الراباي جودان على اسم الراباي أيبو: حدثَ أنْ كان الرجلُ يحرِث ، عندما كان أحدُ ثيرانه يخورُ. مرَّ عربيٌّ وسألَ: “من أنت؟”
قال: أنا يهودي
قال له: “أطلق ثوركَ وفُكَّ محراثَك” [كعلامة حداد]
‘لماذا ؟ ‘ سأل
“لأن معبد اليهود دُمِّر”
سأل: “من أين تعرف هذا؟”
قال: أنا أعلمُ ذلك من خِوار ثورِك
بينما كان يتحدّثُ معه ، خارَ الثورُ مرةً أُخرى
فقال له العربيُّ: اربُط ثورَك واربط محراثك ، لأنه وُلد مُخلّص اليهود
سأل: ما اسمُه؟
فأجاب: اسمُه “المُعزي”
“ما اسمُ والده؟”
قال: حزقيا
‘أين يعيشان؟’
فأجاب: “في بريّة عَرَبَة في بيت لحم اليهودية” (مدراش رباح ، مَراثي 1: 51).

المدراشُ أعلاه هو فقط جزءٌ من قصّةِ أكبر.

يُناقشُ الرابيّون – الذين يُسمع صوتُهم في طول المدراش كلِّه – ما هو اسمُ المسيّا. بعضُهم يقول أنه يُدعي “المُعزي” وآخرون يقولون “شيلوه”، “مناحم”، “يانون”، أو “داود” من دون الوصولِ إلى إجماع.
يظهرُ هذا الموضوع جليّاً في نقاشاتهم كجزءٍ أساسيٍّ فيها. و بالإشارة إلى مكان ميلاد المسيّا، واضحٌ أن الرابيّين توقعوا أنه يُولد في بيت لحم.

ومع تسلسلِ أحداثِ القصّة، يبيع هذا المزارعُ ما كان يملكُه، ويبدأُ عملاً جديداً في بيع ألبسةِ الأطفال، ويمضي من قريةٍ إلى قرية باحثاً عن ذلك الطفلِ، مُنهياً رحلتَه في بيتِ لحم.

على طول الثمانمائة (800) سنةٍ اللاحقة، هذا الاعتقادُ بأن المسيّا يُولد في بيت لحم سوف يتغيّر جذريّاً.

حُكماء اليهود: القرون الوسطى

لم يعتقد الكاتبُ الغزير الانتاج الراباي شلومو اسحاقي (1040 – 1105) – والمعروف بالاسم المُختصر راشي – أن المسيّا يُولد في بيت لحم.
بدلاً من ذلك اعتقد أنّه سيكون من نسلِ داود الذي وُلد في بيت لحم. في تعليقه على ميخا 5: 2، حصر بيت لحم بداوود فقط هكذا:
“وأنتِ يا بيتَ لحمُ إفراثا: من حيثُ انبثق داود ، كما جاء في (صموئيل الأول 17: 58): ابنُ عبدكَ يسّى البيْتلحميّ. وبيتُ لحم كانت تُدعى إفراثا، حيث جاء في (تكوين 48: 7): فِي طريق إفراثا التي هي بيتُ لحم” (براشوت 5ِأ)

الراباي داود كيمهي (1160 – 1235) المعروف باسم راداك، عاش في العصور الوسطى وهو مفسّرٌ للكتاب المقدس وفيلسوفٌ و ولغويّ.
هو أيضاً ربطَ بيت لحم بداود، مُعتقداً أن المسيّا يأتي من نسل داود الذي كان من بيت لحم:
“أطلق ميخا عليها (إفراثا) لتوضيح عن أيِّ بيتِ لحم يتكلم. ΄منكِ يخرج لي مدبّرٌ ليحكم في اسرائيل’. هذا هو المسيّا الملكُ، والتفسير هو أنكِ ستُحسبين مدن آلاف يهوذا. أنتِ صغيرةٌ بالنسبة لهم لكن ومع ذلك سيخرج لي منكِ المسيّا، لأنّه يكون من نسلِ داود الذي كان من بيت لحم” (الكتاب المقدس العظيم – Mekra’ot Gadolot – تعليق “راداك” على ميخا)

مع أن راداك كان يؤمن أن “مدبّر إسرائيل” هذا هو المسيّا، يُتابع أن يشوع لا يُمكنُ أن يكون المسيّا لأنه لم يحكم اسرائيل بل حُكم من إسرائيل – خاصةً من مجمع السنهدرين (مجلسِ اليهود الحاكم).
اتهم السنهدرين يشوع بالتجديفِ وأعلنَ: “لقد مارسَ السِّحر وأضلّ الاسرائيليّين” و الحكمُ كان: “هو مستحقٌّ الموت” (سنهدرين 43أ، متى 26: 65- 66)

يشوع في مُحاكمة أمام السنهدرين، بيد ويليم هول (1846 - 1917)
يشوع في مُحاكمة أمام السنهدرين، بيد ويليم هول (1846 – 1917)

الرابيّون اليهود، العلماء، الكتّاب: العصر الحديث

يتخلّى اليوم العديدُ من المفكرين اليهود عن الفهم الذي كان سائداً الكهنةِ وعامةِ النّاس الذين اعتمدوا على الترجوم، و بريت تشاداشاه والمدراش لفهم هذه الآية.
وعوضاً عن ذلك، يتبنّون أفكارَ راشي و راداك أن المسيّا لن يولد في بيتِ لحم ولكن يأتي من نسل داود الذي كان من بيت لحم.

نرى وجهةَ النظر هذه سائدةً في معظم الأدب اليهودي حاليّاً، كما في كتابات المؤلف جيرالد سيغال:
“هذه الآيةُ (ميخا 5: 2) تدلُّ على المسيّا الذي من نسل داود. ولو أنَّ داود جاء من بيت لحم، لا تتحدث نبوءةُ ميخا أن بيت لحم هي منشأُ المسيّا”
“النص لا يعني بالضرورة أن المسيّا يُولد في تلك البلدة، بل أن عائلتَه تنحدرُ من هناك. من عائلة داود القديمة يأتي المسيّا، الذي مجيئُه المُحدد معلومٌ عند الله منذُ البدء”

طلاب يهود اورثوذكسيون في اليشيفا (المعهد) يدرسون الأدب الرابيني والتوراة
طلاب يهود اورثوذكسيون في اليشيفا (المعهد) يدرسون الأدب الرابيني والتوراة

اعتقادٌ مسيحيٌّ مُعاصر:

لم يسبق أن تعرّض المسيحيون لأفكار راشي وراداك أو الرابيّين المُعاصرين فيما يخص ميخا 5: 2، ما يُفسّر اعتقادهم المُستمر بما ورد في الأناجيل و ترجوم يوناثان، وما آمن به الكهنةُ وعامّةُ الناس: بيتُ لحم هي مكانُ ميلاد المسيّا.

ينظرُ المسيحيون إلى الأفكار المُستحدثة على مدى الألف سنة الفائتة بطرق مختلفة:
أولاً: يتفقون مع حكماءِ اليهود من الألفية الأخيرة أن المسيّا من نسلِ الملك داود. هذا مؤكّدٌ في كتبٍ مقدسةٍ عديدة، والتي سوف نتحدثُ عنها على طول سلسلة النبوءات. مع ذلك لا تعني هذه الحقيقة أن المسيّا لم ولا يمكن أن يُولد في بيت لحم.

ثانياً: الـ “بريت تشانداشاه” (العهد الجديد) يُلقي الضوء على معتقداتِ كهنةِ الهيكلِ وعامةِ الناس في أيام يشوع: لقد آمنوا أن المسيّا يُولد في بيت لحم (متى 2: 1-6، لوقا 2: 4-7، يوحنا 7: 41-42)

أمٌّ وطفلُها
أمٌّ وطفلُها

ثالثاً: فكرةُ راداك أن يشوع لا يمكن أن يكون المسيّا فقط لأنه لم يملك على اسرائيل (بل هم ملكوا عليه)، يجب فهمُها بالنظر إلى شيئين:
1- العنفُ في التاريخ المسيحي (يُقصد به الحروب الصليبية للكنيسة البابوية) أدّت إلى مُضاعفة العداء اليهودي ضد الإيمان المسيحي، واعتبروه هجوماً على إيمانهم وحياتهم، ما أدّى إلى زيادةِ حدّة مُعارضة الرابيّين في العصور الوسطى أن يشوع هو المسيّا.
2- يرى راداك أن يشوع رجلاً ومعلّماً كاذباً.

من الناحيةِ الأخرى يقبلُ المسيحيّون ويؤمنون أن يشوع أتى إلى العالم كما ورد في نبوءة أشعياء المسيانية:
“لأنّه يُولدُ لنا ولدٌ ونُعطى ابناً، وتكونُ الرياسةُ على كتفهِ، ويُدعى اسمُه عجيباً، مُشيراً، إلهاً قديراً، أباً أبدياً، رئيسَ السّلام” (اشعياء 9: 6 / او 9: 5 في الكتاب المقدس اليهودي)
مع مُراعاةِ ما ورد هنا والعديدِ من النبوءات المسيانيّة الأُخرى، يُؤمن المسيحيّون أن المسيّا هو إلهٌ وقد ملكَ على جميعِ الناس بمن فيهم إسرائيل، أولاً روحيّاً وقريباً بشكل ملموس.

إقرأ أيضاً: