كتاب الراعي لهرماس – اعداد: lll athenagoras lll

كتاب الراعي لهرماس

كتاب الراعي لهرماس
كتاب الراعي لهرماس

لا توجد كتابة خارج قانون العهد الجديد قبل القرن الرابع الميلادي أكثر شهرة من كتاب الراعي لهرماس والذي لاحقا صار غير معروف في الشرق بينما استمر شائعا في الغرب في الترجمة اللاتينية خلال القرون الوسطى.

النص اليوناني لكتاب الراعي كان مجهولا في الأزمنة الحديثة حتى اكتشاف مجلد اثوس (Codex Athous) ونص كتاب الراعي محفوظ في أربع مخطوطات رئيسية وهي:

 

أولا مجلد اثوس ويعود للقرن الخامس عشر يتضمن كل النص تقريبا 95% اكتشفت أوراق هذا المجلد في عام 1855م. على جبل اثوس وصدرت له نسخة طبق الأصل نشرت عام 1907م. وكان يعتقد أن النص معاد ترجمته من اللغة اللاتينية إلا انه لاحقا وبعد اكتشاف النص اليوناني لكتاب الراعي بالمخطوطة السينائية والتي تعود للقرن الرابع الميلادي صار مجلد اثوس أحد نسخ النص الأصلي اليوناني.

 

ثانيا المخطوطة السينائية (Sinaiticus Codex) وتعود للقرن الرابع الميلادي وقد اكتشفها العالم تشيندورف في دير سانت كاترين في سيناء ويقع نص كتاب الراعي بعد رسالة برنابا عقب سفر الرؤيا أخر قانون العهد الجديد. ثالثا بردية ميتشجن 129 وتعود لمنتصف القرن الثالث الميلادي وقد نشرت في عام 1934م. وتتضمن أجزاء من كتاب الراعي مع بعض الفراغات. رابعا بردية بودمر 38 وتعود لأواخر القرن الرابع أو أوائل القرن الخامس والنص في البردية مرتبط بعمل سابق بعنوان رؤيا دوروثيوس وأيضا النص اليوناني في البردية أقرب للمخطوطة السينائية عنه من مجلد اثوس وقد نشرت البردية عام 1991م.

 

إضافة الى ما سبق فيوجد نص كتاب الراعي في واحد وعشرين قصاصة يونانية وترجمتين لاتينيتين تقترب أحداهما من مجلد اثوس وبعض قصاصات باللغة القبطية باللهجة الإخميمية والصعيدية تعود للقرن الرابع والخامس وقد اقتبس البابا اثناسيوس في عظته الفصحيّة الحادية عشر عام 339م. من كتاب الراعي (الفقرة الأولى من قسم الوصايا) “أول كل شيء لنؤمن أن الله واحد الذي خلق كل الأشياء ووضعها في نظام وجعل كل شئ من لا شيء الذي يحوي كل الأشياء لكنه نفسه غير محوى” هذا إضافة الى ترجمة أثيوبية تعود للقرن الرابع مما يشهد لانتشار شعبية كتاب الراعي في الكنيسة المبكرة.

 

ويتكون نص كتاب الراعي من ثلاثة أقسام وهي: خمسة رؤى واثنا عشر وصايا وعشرة تشبيهات والرؤية الخامسة من القسم الأول تمثل بالفعل مقدمة لقسم الوصايا الثاني. أقدم أب استخدم كتاب الراعي في الشرق هو كليمندس السكندري وأوريجانوس اقتباسا من الثلاثة أقسام وأقدم أب استخدم كتاب الراعي من الغرب هو ترتليان واقتبس من قسم الرؤى والوصايا وذلك حسب تقسيم المخطوطات اللاتينية مما يعني انه بنهاية القرن الثاني الميلادي كان نص كتاب الراعي منتشرا في مصر وشمال أفريقيا.

 

وتناول آباء الكنيسة كتاب الراعي بشكل إيجابي ماعدا ترتليان عارض بسبب اختلافه مع كتاب الراعي بخصوص تصالح الزوجين بعد ندم أحد الطرفين في حالة الزنا وقد دعاه ترتليان كتاب “محب الزناة” و “راعي الزناة” حيث يقول كتاب الراعي:

“فقلت له يا سيد اسمح لي ان أسألك بعض الأسئلة الأخرى فقال تكلم قلت إذا كان رجلا متزوجا امرأة مؤمنة في الرب ووجدها في مواضع زنا فهل يخطئ اذا استمر مقيما معها؟ فقال اذا كان بغير علم فلا يخطئ أما اذا كان الزوج يعرف خطيتها والزوجة غير تائبة لكن متمسكة بفجورها واستمر الزوج مقيما معها فقد صار مسئولا عن خطيتها وشريكا في زناها فقلت يا سيد ماذا يفعل الزوج اذا استمرت الزوجة في هذه الشهوة؟ قال ليطلقها وليبقى الزوج مقيما بمفرده ولكن بعد طلاق زوجته تزوج بأخرى فقد ارتكب الزنا هو أيضا فقلت اذا تابت الزوجة بعد طلاقها وأرادت أن تعود لزوجها ألا تعود؟ قال بالتأكيد فاذا لم يرجعها الزوج فقد اخطأ ويجلب خطية عظيمة على نفسه في الحقيقة الذي يخطئ ويتوب يجب أن يرد لكن بغير تكرار لانه يوجد توبة واحدة لعبيد الله ولأجل احتمالية توبتها فان الزوج لا يتزوج هذا النهج يخص الزوجة والزوج” وجدير بالذكر أن ترتليان رفض كتاب الراعي بعد صار تابعا للهرطقة المونتانية (Montanist).

 

هناك رفض آخر لكتاب الراعي يوجد في الكتاب الأبوكريفي القبطي رؤيا بطرس بمكتبة نجع حمادي الذي يدعو شخصا يسمى هرماس بانه “بكر الشرير” لكن سياق النص غامض ولا يهاجم كتاب الراعي مباشرة ولكن بسبب الأصل المصري لكتاب رؤيا بطرس والشعبية الهائلة لكتاب الراعي في مصر في القرون الأولى يجعل الارتباط وارد.

 

لا يوجد شك أن كتاب الراعي كانت له منزلة كبيرة في الكنيسة المبكرة فقد استخدم في الصلوات الكنسية الليتورجية في بعض الاماكن فنجد ان ايرينيئوس يقتبس من كتاب الراعي ويقدمه ككتاب مقدس (γραφη) إلا انه لم يكن الاقتباس الوحيد في سياق النص فالقديس ايرينيئوس يقتبس بهذا الترتيب من (الراعي وملاخي ثم من الرسول بولس ثم من كلام الرب يسوع في إنجيل متى) ونلاحظ انه لم يذكر اسم كتاب الراعي ولم يذكر اسمه صاحبه وغير واضح بالضبط كيفية تقدير قانونيته.

“Irenaeus’ quotation of Shepherd of Hermas in Adversus haereses introduces it as χραφή, ordinarily understood as scripture, but the order of references (Hermas, Malachi, Paul, Jesus) indicates a recognition of the text as authoritative, even if it is not clear exactly how he would value its authority.” – (Osiek, C., & Koester, H. Shepherd of Hermas)

 

أيضا كليمندس السكندري اقتبس بكثرة من نص الراعي وأشار إليه كإلهام إلهي إلا انه لم يذكر شيء عن مدي قانونيته وارتباطه بالأسفار القانونية.

Θείως τοίνυν ἡ δύναμις ἡ τῷ Ἑρμᾷ κατὰ ἀποκάλυψιν λαλοῦσα (“the power that spoke divinely to Hermas by revelation”)

أوريجانوس أيضا استخدم كتاب الراعي بحرية في سنواته المبكرة لكن قل ذلك بمرور الوقت ويرجع ذلك الى انتقاله من الإسكندرية الى قيصرية حيث لم يكن كتاب الراعي معروفا أو مقدرا كما أن أوريجانوس قد ربط بين هرماس صاحب كتاب الراعي وشخصية هرماس المذكور في رسالة رومية 16: 14.

 

توجد قائمة كتابية بالأسفار القانونية في المخطوطة الغربية كلارومنتانوس ثنائية اللغة (تعود للقرن السادس) تضع بين رسالة فليمون والعبرانيين قائمة لاتينية للاسفار الكتابية تنتهي برسالة برنابا والراعي لهرماس وأعمال بولس ورؤيا بطرس إلا انه يبدو أن هذه القائمة مستقلة تماما عن المخطوطة نفسها وربما تعود للقرن الثالث الميلادي.

 

القانون الموراتوري الشهير يأخذ اتجاه على النقيض ناحية صرف النظر عن القيمة القانونية للنص بينما يشير الى فائدة القراءة السرية الشخصية للكتاب وهنا يقترن رفض القانون الموراتوري لقراءة كتاب الراعي في الكنيسة مع استحسان قراءته سريا بصورة شخصية أما السبب المقرر لرفض القراءة العلنية أو الاستخدام الشعبي للنص هو انه كتب لاحقا بيد أخو الأسقف بيوس ويظهر للكتاب كونه جاء من حقبة أخرى وهكذا استمر الرفض القانوني واستمرت القراءة السرية للكتاب.

coming from another era(Osiek, C., & Koester, H. Shepherd of Hermas)

 

ويعترف كل من يوسابيوس القيصري والقديس جيروم والبابا أثناسيوس بفائدة قراءة كتاب الراعي حيث يقول البابا أثناسيوس أن كتاب الراعي الأكثر فائدة (ὠφελιμωτάτη) بينما يعلن يوسابيوس إن كتاب الراعي ضروري (ἀναγκαιότατον) للبعض بالرغم من رفض الاخرين له. وربما تأثر يوسابيوس بربط أوريجانوس بين كتاب الراعي وشخصية هرماس المذكور في (رومية 16: 14).

 

يقول كل من يوسابيوس وأثناسيوس وجيروم إن كتاب الراعي مازال مستخدما في الصلوات الدينية بينما يضع روفينوز كتاب الراعي بين كتب الكنسية ولكن ليس بين الكتب القانونية لكي يقرأ ولكن ليس للاستخدام في المجادلات اللاهوتية.

 

“In the New Testament the little book which is called the Book of the Pastor of Hermas, [and that] which is called The Two Ways, or the Judgment of Peter; all of which they would have read in the Churches, but not appealed to for the confirmation of doctrine” – (Schaff, P. The Nicene and Post-Nicene Fathers Second Series Vol. III.)

 

وقد استمرت نسخ من كتاب الراعي منتشرة في مصر حتى القرن السادس الميلادي ثم انحسر الانتشار الشرقي حتى اكتشاف مجلد اثوس في القرن الخامس عشر بينما يبدو أن كتاب الراعي لم يختفي تماما في الغرب. وكانت الكتب المقدسة تنتشر متضمنة الكتب الأبوكريفية (أو المعروفة بالقانونية الثانية) مع الكتابات القانونية فنجد أن كتاب الراعي كونه كتاب أبوكريفي موضوع بين سفر طوبيا والمكابيين وفي حالة ثانية بعد سفر حكمة سليمان وفي حالة ثالثة بين المزامير والأمثال.

Antonio Carlini, “Tradizione testuale e prescrizione canoniche: Erma, Sesto, Origene,”

 

إن الإشارة الى مدينة روما نفسها ونهر التيبر والطريق الى روما هي مواضع محلية ولا يمكن التفسير بوضوح لماذا استخدمت هذه الأماكن إذا كان كتاب الراعي نسخ أول مرة في مكان أخر غير روما هناك أيضا العديد من التلميحات الى زراعة الكروم التي تتناسب مع وسط إيطاليا. الموضع الجغرافي الوحيد الذي لا يناسب وسط إيطاليا هو “اركاديا” والتي يجب أن ينظر إليها كأسطورة. فقد نشأ الكتاب إذن في روما وضواحيها فالكاتب متآلف مع بعض المناطق القروية وليس الحضرية فقط.

 

إن تاريخ كتابة الراعي يعتبر مسألة معقدة حيث يدور البحث في عدة محاور يتعلق بها تاريخ الكتابة وهي كما يلي: الشاهد المذكور في (رومية 16: 14) والذي يتحدث عن شخصية تعرف باسم هرماس. من المستحيل أن يكون هرماس هذا الذي عاش في النصف الثاني من القرن الأول وذكره الرسول بولس هو نفسه هرماس أخو بيوس أسقف روما الذي عاش في النصف الأول من القرن الثاني الميلادي. وان ما قاله أوريجانوس بخصوص هرماس المذكور في (رومية 16: 14) ما هو إلا رأيه الخاص كمحاولة لوضع كتاب الراعي في مرحلة مبكرة قدر الإمكان كون أوريجانوس يعتبر الراعي مكتوب بإلهام إلهي. ولكن إذا كان يوسابيوس يعرف الهوية الموراتورية لكاتب الراعي وصلته بأخو بيوس كان سيدرك التضارب الزمني مع رأي أوريجانوس. هذا الصمت من جانب يوسابيوس يقوي فرضية تأخير القانون الموراتوري لما بعد يوسابيوس.

 

نقطة أخرى، القانون الموراتوري يؤرخ كتابة الراعي متأخرا في النصف الأول من القرن الثاني الى شخصية هرماس أخو بيوس والذي حسب يوسابيوس القيصري كان مشهورا في كنيسة روما في أربعينات القرن الثاني. وهنا تكمن المشكلة فالقانون الموراتوري يستخدم كنقطة انطلاق لتحديد تأريخ كتاب الراعي وشخصية هرماس تستخدم كنقطة انطلاق لتحديد تاريخ للقانون الموراتوري!!! أي أن البحث يدور في حلقة مفرغة فيما يعرف بالجدل الدائري.

 

ويفترض كرومبي (Crombie) إن هرماس واخوه بيوس كانا أحفاد هرماس المذكور في رسالة رومية وان الشعبية المبكرة لكتاب الراعي ترجع لهذه الهوية ولعدم وجود إجماع لي التأريخ فإن غالبية الدارسين يضعون زمن كتابة الراعي خلال النصف الأول من القرن الثاني.

وعليه فإن أفضل افتراض لتأريخ كتاب الراعي في الفترة الزمنية من نهاية القرن الأول حتى منتصف القرن الثاني الميلادي.

كتاب الراعي لهرماس

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !

مقالات ذات صلة