أعمالنا الجسدية واليومية: هل الله طالبنا أن نتخلى عن حياتنا الجسدية ؟

سلام في الرب

هناك الكثيرين في عدم نضوج روحي وبلا إدراك واعي للمقاصد الإلهية في حياتهم الشخصية، يندفعون حينما يسمعون عن حياة بعض القديسين الذين تخلوا عن حياتهم الجسدية ليصبحوا رهباناً أو مكرسين لله الحي، أو كارزين.. الخ، أو بكون هناك مصاعب في حياتهم الشخصية العئلية أو وسط المجتمع عموماً، فأنهم بهذا التأثر يتسرعون في نذر أنفسهم لله ويتخلون عن حياتهم الأرضية بالتمام ليعتكفوا باقي أيام عمرهم في الصلاة أو تقديم الخدمة، وهذا كله قبل أن يمكثوا عند قدمي المخلص في مخادعهم مصلين في الروح القدس منتظرين أن يسمعوا دعوة الله لهم وطريقة خدمتهم التي يريدها منهم، لأن عادةً المستعجل برجليه يُخطئ، والدعوة الإلهية دائماً ما تأتي في وقتها حسب مسرة مشيئة الله وتدبيره لتلك النفس، أما الترك والتخلي فهو يأتي حسب نداء الله وطلبه من النفس، وليس حسب فكر الإنسان بحجة أنه يتخلى عن الأرضيات والفانيات، لأن مثلاً لو أن الأرضيات غير مهمة فلماذا نأكل ولماذا نشرب ولماذا نلبس !!! ولماذا أعطانا الله النباتات وغيرها لكي نأكل ونشرب ونسدد حاجات الجسد الطبيعية !!!

هناك قصة آبائية حلوة توضح معنى كلامي:
[ أتى أحد الآباء الرهبان المتقشفين – صباحاً – لدير والتقى بالأب الروحي ونظر ووجد الرهبان يعملون بجد ونشاط في الزراعة والخبيز وغيرها من أعمال البناء … الخ الخ .. فبكتهم على أنهم يقضون وقت طويل في كل ما يخص الجسد ويسعون للعالم الفاني وطلب منهم أن يعملوا للطعام الباقي لأجل ملكوت الله، وبعد نهاية حديثة وتبكيته لهم، قال للأب الروحي أنه يريد مكان ينفرد فيه ليُصلي ويقرأ، فأرشده أب الدير لمكان يختلي فيه في قلاية أحد الإخوة افرغوها له خصيصاً …
مر وقتاً طويلاً جداً إلى أن انتهى النهار وجاع هذا الأب الراهب أخيراً لأنه أتى من سفر طويل ولم يأكل منذ أن غادر ديره الذي يعيش فيه، فالتقى بالأب الروحي وسأله قائلاً:
ألم يأكل الإخوة في الغذاء، فرد الأب الروحي وقال: أكلوا
وقال الأب الراهب للأب الروحي، ألم يأكلوا في العشاء أيضاً، فرد الرب الروحي وقال: أكلوا
فقال للأب الروحي: إذن فلماذا لم يستدعيني أحد لآكل معكم
فقال له الأب الروحي: أنت رجل روحاني لا تعمل لأجل الطعام الفاني للجسد ولا تهتم بتسديد احتياجاته لأنك ارتقيت فوق هذا المستوى الضعيف؛ أما نحن فجسديون لم نصل بعد لمستوى قامتك الروحية فأكلنا …
فندم الأب وطالب من الأب الروحي الصفح والغفران لأنه لم يتعلم بعد ويحتاج أن يتعلم ]

هذه القصة توضح لكل من بتسرع ويحكم على أعمال الجسد الطبيعية بالخطأ ويسعى أن يتخلص منها ويبكت من يفعلها كأنها هي من تفصلنا وتبعدنا عن الله الحي وبها تتعثر حياتنا الروحية، لأن الأعمال الجسدية بالروح القدس تتقدس وتصير أعمالاً لأجل تمجيد الله القدوس الحي، وبخاصة ان كانت تؤدى بإتقان وبكل إخلاص وأمانة، والله لم يطالب من الإنسان أن يتخلى عن دراسته أو جميع احتياجاته الأرضية بحجة الخدمة، أو تحت مسمى التخلي عن الأرضيات والفانيات، هذا كلام لا يصح أن يُقال إطلاقاً، لأن كل عمل يُصب في المعرفة، وكل معرفة في النهاية تُصب في عمل الله وتمجيد اسمه القدوس، فلو تخيلنا لو المؤمن الحي بالله لم يتعلم أي علم يخص الأرضيات، من علوم متنوعة ومختلفة، فكيف ينمو العالم وتتوسع المجتمعات، وأين الأطباء والمهندسين والتجاريين، والذين في روضة الأطفال والمحامين الذين يدافعون عن المظلوم وغيرهم … الخ الخ، أليست هذه كلها خدمات ممكن تُستغل في الخدمة وتكون لأجل تمجيد اسم الله وخدمة الكنيسة !!!

ولو تخيلنا مثلاً طالب في طب وانشغل في الخدمة وترك المذاكرة بحجة أنه تخلى عن الأرضيات لأجل السماويات، فمن أين لفقير أن يبحث عن دكتور محباً لله يخدمه بالمجان ويعالجة ويساعده، أليست المذاكرة وزنة من الوزنات التي سنحاسب عليها أيضاً، وألم نقرأ عن الأغنياء الذين يعيلون أسر وينقذوهم من الجوع والتشرد، وألم نرى مهندسين يبنون كنائس لنصلي بها، أو دار أيتام أو دار مسنين أو بيوت للفقراء والعجزة، ألم نرى محامين دافعوا بكل قوتهم عن الفقراء المظلومين، ألم نرى المدرسين الذين يخدمون غير المتعلمين ويعلموهم، ألم نرى زراعيين وفلاحين يخدمون الأرض ويزرعون لأجل أن يعينوا الجوعى، ألم نرى المصممين للملابس الذين يعملون على كساء الفقراء … الأمثلة كثيرة لا تعد ولا تحصى … وياترى أليس هذا كله عمل لأجل تمجيد اسم الله وأعظم من تضيع الوقت بحجة الخدمة !!! ]
فهل أحد فينا يظن أن الله يطالب بالتخلي عن واجبتنا الأساسية، أم أنها حقل حلو لتمجيد اسمه القدوس، وهل القديس بولس تخلى عن دراسته ومعرفته التي تربى بها أم أنها توجهت بالروح القدس وخدم بها أعظم خدمه، وهل الآباء الذين درسوا وتعلموا تخلوا عن دراستهم أم أكملوها وتتمموها بكل أمانة…
عموماً 
وبكل هذه الأمثلة السابقة ينبغي أن نستوعب الخدمة بروح الإنجيل وخدمة الله القدوس، ولا نحتقر أعمال الآخرين في الجسد مهما ما كانت أعمالهم، ولا بنبغي أن نتسرع في حمل نير أي خدمة، أو نتخلى عن أموالنا وأعمالنا أن لم نصغي أولاً ونفهم ونعرف ماذا يريد الله منا لكي نتمم مشيئته لا مشيئتنا.. كونوا معافين

 

مقالات ذات صلة