العظة الخامسة للقديس مقاريوس الكبير – الخليقة الجديدة وبيت الروح الأبدي – د. نصحى عبد الشهيد

عظات القديس مقاريوس الكبير - د. نصحى عبد الشهيد - بيت التكريس لخدمة الكرازة

العظة الخامسة للقديس مقاريوس الكبير – الخليقة الجديدة وبيت الروح الأبدي – د. نصحى عبد الشهيد

العظة الخامسة للقديس مقاريوس الكبير – الخليقة الجديدة وبيت الروح الأبدي – د. نصحى عبد الشهيد
العظة الخامسة للقديس مقاريوس الكبير – الخليقة الجديدة وبيت الروح الأبدي – د. نصحى عبد الشهيد

العظة الخامسة للقديس مقاريوس الكبير – الخليقة الجديدة وبيت الروح الأبدي – د. نصحى عبد الشهيد

 

“الخليقة الجديدة التي للسميحيين والفرق العظيم بينها وبين أهل هذا العالم.

فأولئك الذين لهم العالم، هم مربوطون بقلوبهم وعقولهم بالرباطات الأرضيّة..

أما الذين لهم روح المسيح، فإنهم يشتاقون لمحبة الآب السماوي، واضعينه

أمام عيونهم بمحبة كثيرة”..

إن عالم المسيحيين من جهة طريقة حياتهم، وعقلهم، وكلامهم وعملهم هو شيء مختلف تمامًا عن طريقة حياة أهل هذا العالم وعقلهم وكلامهم وعملهم. فأولئك شيء وهؤلاء شيء آخر والفرق بين هؤلاء وأولئك فرق عظيم.

حالة أهل هذا العالم:

فسكان الأرض أي أبناء هذا الدهر، هم مثل القمح الذي يُلقى في غربال هذه الأرض، فيغربلون بالأفكار القلقة التي لهذا العالم، وتتقاذفهم- بلا انقطاع- أمواج الأمور الأرضيّة والشهوات والتصورات الماديّة المتشابكة، بينما يحرِّك الشيطان نفوسهم، إذ أنه يغربل في هذا الغربال- أي غربال الهموم الأرضيّة- كل الجنس البشري الخاطيء، وذلك منذ أن سقط آدم بتعدي الوصية وصار تحت سلطان رئيس الشر.

ومنذ ذلك الوقت الذي حصل فيه الشيطان على هذا السلطان إلى الآن، فإنه لا يفعل شيئًا سوى أن يغربل أبناء هذا الدهر بأفكار الخداع والتهيّج ويقذف بهم بعنف على غربال هذه الأرض.

فكما أن القمح في الغربال يقلبه المغربل ويرتج دائمًا من جهة إلى أخرى متحركًا ومتصادمًا في داخل الغربال، كذلك فإن رئيس الشر يمسك كل الناس بواسطة الأمور الأرضيّة، وعن طريقها يرجّهم ويقلِّبهم ويهيِّجهم، ويضربهم بأفكار التخيلات الباطلة والرغبات الدنيئة، ورباطات العالم الأرضيّة، وهو يقوم دائمًا بأسر كل جنس آدم الخاطيء عن طريق إثارتهم وإغرائهم، كما سبق الرب وحذَّر الرسل كيف أن الشرير سيقوم ضدهم: “هوذا الشيطان قد طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة ولكني طلبت من أجلكم لكي لا يفنى إيمانكم” (لو 22: 31-32).

فالكلمة التي قيلت لقايين من خالقه، وذلك القصاص الذي نطق به الله له “تائهًا وهاربًا تكون في الأرض”، بالإضافة إلى معناه الظاهر فهو نموذج ومثال لما يحدث لكل الخطاة في السرّ في باطنهم (أي أنين وارتعاد واضطراب). فإن جنس آدم بعد أن سقط من الوصية ودخل في الحالة الخاطئة، أصبحت له تلك الصورة في الإنسان الخفي، فتتقاذفه أفكار متقلبة من الخوف والرعب وكل أنواع الاضطراب إذ أن رئيس هذا العالم يقلب كل نفس على أمواج من كل نوع وصنف من أنواع اللذَّة والشهوة، إلاَّ إذا كانت مولودة من الله، وكما أن القمح يتحرك بلا انقطاع في الغربال، هكذا فإن الشرير يحرِّك أفكار الناس ويقلِّبهم في اتجاهات مختلفة ويرجهم ويغويهم جميعًا بواسطة الشهوات العالمية ولذات الجسد والمخاوف والاضطرابات.

لقد أظهر الرب أن أولئك الذين يتبعون خداعات ورغبات الشرير، يحملون صورة شر قايين، وذلك حين وبخهم وقال “وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا. وذاك كان قتَّالاً للناس منذ البدء ولم يثبت في الحق” (يو 8: 44)، حتى إن كان جنس آدم الخاطيء قد حصلوا على هذا الحكم في باطنهم، وهو الأنين والرعب والتقليب في غربال هذه الأرض بيد الشيطان. فكما أنه من آدم انتشر كل جنس البشر على الأرض، هكذا فإن نوع واحد من الأهواء الشريرة سرى وتعمق في جنس البشر الخاطيء حتى أن رئيس الشر يمكنه أن يغربلهم جميعًا بغربلة التصورات الماديّة المقلقة.

فكما أن ريحًا واحدًا تكفي لتحريك وهزّ كل النباتات والزروع، أو كما أن ظلم الليل الواحد يعم على كل الأرض المسكونة، هكذا فإن رئيس الشر هو نفسه الظلام الروحي- ظلام الخطية والموت- وهو ريح عاصف، وإن كان خفيًا، فإنه يهز كل جنس البشر على الأرض ويقودهم بالأفكار القلقة الطائشة ويغوي قلوب الناس بشهوات العالم، ويملأ كل نفس بظلام الجهل والعمى والنسيان، إلاّ أولئك الذين قد وُلدوا من فوق وانتقلوا بقلوبهم وعقولهم إلى عالم آخر كما هو مكتوب “إن مدينتنا هي في السموات” (في 3: 20).

الخليقة الجديدة التي تميِّز المسيحيين الحقيقيين:

فهذا هو ما يشكِّل الفرق بين المسيحيين الحقيقيين وبين بقية البشر، والفرق بين الاثنين فرق عظيم كما قلنا سابقًا. فقلب المسيحي وعقله وطريقة تفكيره هي دائمًا في المجال السماوي، فالمسيحيون الحقيقيون ينظرون الخيرات الأبديّة كما في مرآة، وذلك بسبب حصولهم على الروح القدس وشركته، لسبب كونهم مولودين من الله من فوق ولأنهم نالوا الامتياز أن يصيروا أولاد الله بالحق وبالفعل، إذ يصلون- بعد حروب وأتعاب لفترة طويلة- إلى حالة ثابتة مستقرة من الحريّة والتحرر من الاضطراب، حالة الراحة، فلا يعودون يغربلون ويموجون بالأفكار القلقة الباطلة.

بهذا هم أعظم وأفضل من العالم لأن عقلهم واهتمام نفسهم هو في سلام المسيح ومحبة الروح فعن مثل هذا تكلم الرب حينما قال “إنهم قد انتقلوا من الموت إلى الحياة” (يو 5: 24) فالعلامة المميزة للمسيحيين ليست هي في الأساليب والأشكال الخارجيّة فكثيرون يظنون أن الفرق الذي يميِّزهم عن العالم إنما هو في الشكل أو الأساليب الظاهرة، ويا للأسف فإنهم في عقولهم وتفكيرهم هم مثل العالم إذ أنهم يُقلبون ويهتزون بقلق الأفكار غير الثابتة مثل أهل العالم وهم مثلهم أيضًا في عدم الإيمان والحيرة والاختلاط والخوف مثل كل الناس الآخرين.

وقد يختلفون عن العالم في الشكل الخارجي والمظهر، ويختلفون عن العالم أيضًا إلى حدٍ ما في الممارسات الدينية، ولكن في القلب والعقل هم مربوطون بالرباطات الأرضيّة إذ لم يحصلوا أبدًا على الراحة في الله وسلام الروح السماوي في قلبهم، لأنهم لم يطلبوها من الله ولم يؤمنوا أنه سيمنح لهم هذه الأشياء.

فإن ما يميّز الخليقة الجديدة التي للمسيحيين عن كل أهل العالم هو: تجديد القلب، وسلام الأفكار، والمحبة والشهوة السماويَّة للرب. وهذا هو الغرض الذي لأجله جاء الرب إلى العالم، أن يهب هذه البركات لأولئك الذين يؤمنون به حقًا. فإن المسيحيين لهم مجد وجمال وغنى سمائي يفوق الوصف والتعبير، وهذه تُكتسب بالآلام والعرق والتجارب ومحاربات كثيرة ولكن الكل يتحقق بنعمة الله.

فإن كان منظر ملك أرضي يصير موضوع اشتهاء كل الناس، حتى أن كل من يسكن في مدينة الملك يرغب في الحصول على نظرة خاطفة لجماله، وبهاء ملابسه ومجد أرجوانه، وجمال لآلئه، ولمعان تاجه البهيّ وكرامة حاشيته الجذابة- فيما عدا الناس الروحانيين، فإنهم لا يعتبرون كل هذه الأشياء، بسبب حصولهم على اختبار مجد آخر هو مجد سماوي وخارج عن الجسد ولأنهم جُرحوا بجمالٍ آخر لا يُنطق به، وصار لهم اهتمام وانشغال بغنى آخر وقد شعروا في الإنسان الباطن بروح آخر وصاروا شركاء له- فإن كان أهل هذا العالم الذين لهم روح العالم يرغبون بشدة أن يلقوا ولو نظرة على الملك الأرضي بكل جماله ومجده- بسبب أن نصيبه من الخيرات المنظورة أكبر من غيره من الناس، وهكذا فإن رؤيته هي امتياز وموضوع اشتهاء للجميع، وكل إنسان يقول في نفسه سرًا “ليت أحدًا يعطيني ذلك المجد والجمال والعظمة”، وينسب السعادة لذلك الإنسان- أي الملك، رغم أنه مثله من الأرض وله شهوات مثله ومائت أيضًا، ولكنه موضوع اشتهاء بسبب الجمال والمجد واللذان يتزين بهما لفترة محدودة من الزمن.

وأقول أيضًا إن كان الناس الجسديين يشتهون مجد ملك أرضي، فكم بالأكثر أولئك الذين تساقط عليهم ندى روح الحياة، أي ندى اللاهوت، وجرح قلوبهم بحب إلهي للمسيح الملك السماوي، وارتبطوا بذلك الجمال وبذلك المجد الفائق الوصف والحسن غير المائت، والغنى الذي يفوق التصور، غنى المسيح الملك الحقيقي الأبدي، وبرغبة يشتاقون نحو ذلك الذي أسرهم بحبه واستعبدهم، وبكل كيانهم يميلون إليه، ويشتهون نوال تلك الخيرات التي تفوق الوصف، التي يرونها بالروح كما في مرآة.

ومن أجله يعتبرون كل بهاء الملوك والرؤساء على الأرض ومحاسنهم وأمجادهم وكرامتهم وغناهم، كلها كلا شيء بالمرة، لأنهم مجروحون بالجمال الإلهي وقد تساقطت قطرات حياة الخلود السماويَّة على نفوسهم. لذلك فإن شهوتهم موجهة نحو محبة الملك السماوي، ويضعونه أمام عيونهم بحب عظيم، ومن أجله يتخلون عن كل محبة عالمية، ويبتعدون عن كل رباط أرضي حتى تكون لهم الحريّة دائمًا في أن يحفظوا في قلوبهم تلك الشهوة وحدها، ولا يخلطون بها شيئًا آخر.

بيت الروح الأبدي:

ويخبرنا الرسول المبارك بولس بما ينبغي لكل واحد منا أن يسعى للحصول عليه في هذه الحياة إذ يقول “إننا نعلم أنه إن نُقض بيت خيمتنا الأرضيفلنا بناء من الله، بيت غير مصنوع بالأيدي، بل هو أبدي في السموت” (1 كو 5: 1) لذلك يجب علينا جميعًا أن نجتهد ونسعى بكل نوع من الفضيلة، وأن نؤمن أننا سنقتني ذلك البيت ونمتلكه منذ الآن. لأنه إن كان بيت جسدنا ينقض فليس لنا بيت آخر للنفس لكي تدخل فيه. يقول الرسول “وإن كنا لابسين لا نوجد عراة” (2 كو 5: 3) أي عراة من شركة الروح القدس والاندماج فيه، هذا الروح الذي فيه وحده تستطيع النفس المؤمنة أن تجد راحة.

لهذا السبب فإن المسيحيين الذين هم مسيحيون بالحق وبالفاعليّة يكون لهم ثقة ويفرحون عند خروجهم من الجسد لأن لهم ذلك البيت غير المصنوع بالأيدي، ذلك البيت الذي هو قوة الروح الساكن فيهم. لذلك فحتى إن نقض بيت الجسد فلا يخافون لأن لهم البيت السماوي بيت الروح والمجد الذي لا يفسد، ذلك المجد الذي سوف يبني بيت الجسد أيضًا ويمجِّده في يوم القيامة كما يخبرنا الرسول “فالذي أقام المسيح من الأموات سيحيي أجسادكم المائتة أيضًا بروحه الساكن فيكم” (رو 8: 11)، وقال أيضًا “لكي تظهر حياة أيضًا في جسدنا المائت” (2 كو 4: 11)، وأيضًا “لكي يُبتلع المائت من الحياة” (2 كو 5: 4).

فلنسعَ إذن بالإيمان والحياة الفاضلة لكي نقتني ذلك اللباس هنا، حتى حينما نخلع الجسد لا نوجد عراة، إذ لا يكون هناك شيء في ذلك اليوم يجعل جسدنا ممجد. لأن كل واحد بقدر ما يُحسب أهلاً- بواسطة الإيمان والاجتهاد ليصير شريكًا للروح القدس بقدر ذلك يتمجد جسده في ذلك اليوم. فكل ما خزنته النفس في داخلها في هذه الحياة الحاضرة، سوف يعلن حينئذٍ وينكشف من الخارج ظاهرًا في الجسد.

وكما أن الأشجار التي تجوز موسم الشتاء، حينما تدفئها الحرارة غير المنظورة التي للشمس والرياح، ينمو من باطنها كساء من الأوراق ويغطيها، وكما أنه في ذلك الموسم تخرج زهور العشب من باطن الأرض وتتغطى الأرض وتكتسي بها، ويكون العشب مثل تلك الزنابق التي قال عنها الرب “إنها ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منها” (مت 6: 29) وكل هذه أمثال ونماذج ورموز عن المسيحيين في القيامة.

كذلك كل النفوس التي تحب الله أعني المسيحيون الحقيقيون فإنه يأتيهم أول الشهور الذي يسمى نيسان: الذي هو يوم القيامة. وبقوة شمس البر يخرج مجد الروح القدس من الداخل فيكسو ويغطي أجساد القديسين- ذلك المجد الذي كان لهم سابقًا، ولكنه كان مخفيًا في داخل نفوسهم. فإن ما يكون للإنسان الآن، سوف يظهر بعينه خارجًا من الداخل وينكشف في جسده.

يقول الرب “هذا الشهر سيكون أول شهور السنة” (خر 12: 2)، وهو يجلب الفرح للخليقة كلها فإنه يكسو الأشجار العالية ويفتح الأرض وهو يبهج جميع الكائنات الحيَّة ويعطي المرح للكل، هذا بالنسبة للمسيحيين هو نيسان أول الشهور الذي هو موسم القيامة، الذي فيه ستتمجَّد أجسادهم بواسطة النور الفائق الوصف الذي هو فيهم منذ الآن- وأعني به قوة الروح القدس- والذي سوف يصير لهم فيما بعد كساءً وطعامًا وشرابًا وبهجة وفرحًا وسلامًا، ورداءً وحياة أبدية، لأن كل جمال البهاء والبريق السماوي سوف يصير لهم من روح اللاهوت ذلك الذي حُسبوا أهلاً لقبوله في هذه الحياة الحاضرة.

فكم ينبغي إذن لكل واحد منا أن يؤمن ويجتهد وأن يجد في كل سيرة فاضلة، وبرجاء كثير وصبر نطلب أن نحسب أهلاً ونحن في هذا العالم، لنوال تلك القوة من السماء ومجد الروح القدس في نفوسنا في الداخل، حتى حينما تنحل أجسادنا يكون عندنا حينئذٍ ما سوف يكسونا ويحيينا. كما يقول الرسول “وإن كنا لابسين لا نوجد عراة” (2 كو 5: 3)، وأيضًا إنه “سيحيي أجسادنا المائتة أيضًا بروحه الساكن فينا” (رو 8: 11).

لأن موسى النبي المبارك أرانا في مثال- بواسطة مجد الروح الذي سطع على وجهه الذي لم يستطع أحد أن يتفرس فيه- كيف أنه في قيامة الأبرار ستتمجد أجساد أولئك المستحقين، بمجد تحصل عليه منذ الآن النفوس المقدسة الآمينة إذ تُحسب أهلاً لاقتناء هذا المجد في داخلها، في الإنسان الباطن. لأن الرسول يقول: “ونحن ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف- أي في الإنسان الباطل- كما في مرآة نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد” (2 كو 3: 18).

وكذلك كُتب عن موسى أنه لمدة أربعين يومًا وأربعين ليلة “لم يأكل خبزًا ولم يشرب ماءً” (خر 24: 18) ولم يكن ممكنًا بطبيعة جسده أن يعيش طوال هذه المدة بدون طعام إن لم يكن قد اشترك في نوع آخر من الطعام الروحاني، هذا الطعام هو الذي تشترك فيه نفوس القديسين منذ الآن بموهبة الروح بطريقة غير منظورة.

لذلك فإن موسى المبارك بيَّن بطريقتين ما هو مجد النور وما هي أطعمة الروح اللذيذة غير الماديّة التي سيحصل عليها المسيحيون الحقيقيون في القيامة، والتي تُمنح لهم منذ الآن بطريقة خفيَّة، ولذلك فسوف تظهر حينئذٍ وتنكشف أيضًا على أجسادهم، لأن المجد الذي يحصل عليه القديسون الآن في نفوسهم- أي في الحياة الحاضرة- هو بعينه، كما قلنا سابقًا سوف يغطي ويكسو أجسادهم العارية ويختطفهم إلى السماء، فنستريح هناك مع الرب في ملكوته جسدًا ونفسًا إلى الأبد.

فإنه حينما خلق الله آدم لم يزوده بأجنحة جسدية مثل الطيور ولكن قصد له في الأصل أن تكون له أجنحة الروح القدس، تلك الأجنحة التي قصد أن يعطيها له في القيامة لترفعه وتختطفه إلى حيث يشاء الروح- هذه هي الأجنحة التي تنال النفوس المقدسة امتياز الحصول عليها منذ الآن، وتطير في عقولها إلى المجال السماوي.

فالمسيحيون لهم عالم مختلف خاص بهم، ومائدة أخرى وثوب آخر ونوع آخر من التمتع والتنعم، وشركة أخرى وطريقة أخرى للتفكير والعقل، ولهذا السبب فإنهم يتميزون عن باقي البشر. إذ أن لهم الامتياز أن ينالوا قوة هذه الأمور في داخل نفوسهم منذ الآن بواسطة الروح القدس. لذلك فإن أجسادهم تُحسب أهلاً في القيامة للاشتراك في خيرات الروح الأبديّة هذه، وسوف تختلط بذلك المجد الذي قد عرفته نفوسهم بالاختبار في هذه الحياة.

لذلك يجب على كل واحد منا أن يجتهد ويسعى ويجد في كل فضيلة، وأن يؤمن ويطلب من الرب لكي يجعل الإنسان الباطن شريكًا في ذلك المجد هنا منذ الآن وأن تصير للنفس شركة في قداسة الروح، لكي ما نتطهر من أدناس الشر وليكون لنا في القيامة ما نكسو به عري أجسادنا عند قيامتها وما نغطي به عيوبها، وما يحييها وينعشها إلى الأبد في ملكوت السموات لأن المسيح سوف ينزل من السماء، ويقيم نسل آدم كله الذين رقدوا من بدء العالم، حسب الكتب المقدسة وسيقسمهم جميعًا إلى قسمين.

فأولئك الذين يحملون علامته أي ختم الروح سيدعوهم إليه باعتبارهم خاصته وسيقيمهم عن يمينه، كما يقول “لأن خرافي تسمع صوتي- وخاصتي تعرفني” (يو 10: 14، 27) وحينئذٍ تلتحف أجساد هؤلاء بالمجد الإلهي من أعمالهم الصالحة، ويمتلئون من مجد الروح، وهكذا إذ نتمجد في النور الإلهي ونختطف إلى السماء لنلاقي الرب في الهواء حسب المكتوب (انظر 1 تس 4: 17)، فإننا نكون كل حين مع الرب مبتهجين معه إلى دهر الدهور بلا نهاية.

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !

مقالات ذات صلة