العظة الثامنة للقديس مقاريوس الكبير – حالات الصلاة ودرجة الكمال – د. نصحى عبد الشهيد

عظات القديس مقاريوس الكبير - د. نصحى عبد الشهيد - بيت التكريس لخدمة الكرازة

العظة الثامنة للقديس مقاريوس الكبير – حالات الصلاة ودرجة الكمال – د. نصحى عبد الشهيد

العظة الثامنة للقديس مقاريوس الكبير – حالات الصلاة ودرجة الكمال – د. نصحى عبد الشهيد
العظة الثامنة للقديس مقاريوس الكبير – حالات الصلاة ودرجة الكمال – د. نصحى عبد الشهيد

العظة الثامنة للقديس مقاريوس الكبير – حالات الصلاة ودرجة الكمال – د. نصحى عبد الشهيد

“في الأشياء التي تحدث للمسيحيين وقت الصلاة، وعن درجات الكمال- وهل من الممكن للمسيحيين أن يصلوا إلى حالة الكمال”.

قد يدخل الإنسان (إلى المخدع) ويركع، ويمتليء قلبه بالحرارة الإلهيّة، وتفرح نفسه مع الرب كما تفرح العروس مع عريسها حسب كلمة إشعياء النبي الذي يقول وكفرح العريس مع العروس يفرح بك إلهك” (إش 62: 5) وقد يحدث أن هذا الشخص الذي يكون مشغولاً النهار كله يعطي نفسه للصلاة لمدة ساعة، ويخطف الإنسان الباطن في الصلاة إلى العمق الذي ليس له قرار، عمق ذلك العالم الآخر، وهو في حالة عظيمة حتى أن عقله كله يتغرّب، إذ يرفع وينقل وينفصل مبتعدًا عن الأشياء الأرضيّة.

وفي أثناء هذه الفترة تحصل له حالة نسيان للاهتمامات والتفكير الأرضي. لأن أفكاره تكون مملوءة ومأسورة بالأمور الإلهيّة السماويَّة، والأشياء التي لا نهاية لها والتي تفوق الإدراك، الأشياء العجيبة الأكيدة التي لا يستطيع لسان بشري أن يُعبِّر عنها، حتى أنه يصلي ويقول في تلك الساعة “يا ليت نفسي تخرج مع صلاتي!”.

النعمة بين الاشتعال والتراجع:

سؤال: هل يستطيع كل واحد أن يدخل إلى هذه الأشياء في كل وقت؟

الجواب: إن النعمة حاضرة بلا انقطاع- وهي متأصلة فينا وممتزجة بنا مثل الخميرة منذ أول عمرنا إلى أن تصير ثابتة في الإنسان كطاقة طبيعية فيه وكأنها قد صارت جوهرًا واحدًا معه. ولكنها ترشد الإنسان بطرق متنوعة لأجل خيره وخلاصه بحسب تدبير النعمة. فأحيانًا تشتعل النار وتضطرم بشدة زائدة، وفي أحيان أخرى تكون خفيفة ولطيفة في اشتعالها، وكذلك النور الذي تعطيه يشتعل أحيانًا بلهيب وبريق زائد، وفي أوقات أخرى تخف شدة البريق وتضعف.

فالمصباح (أي قنديل النعمة) هو مشتعل ومضيء دائمًا، ولكن حينما يتألق ويتوهج، فإنه يشتعل كأنه سكران بمحبة الله، ثم يخفت أيضًا بتدبير الله، ورغم أن النور يكون موجودًا حتى عندما يخفت، إلاَّ أنه بالمقارنة بأوقات التوهج فإنه يُعتبر مظلمًا بعض الشيء.

والبعض (أثناء الصلاة) ظهرت لهم علامة الصليب مضيئة بنور والتصقت بالإنسان الباطن. وفي مرة أخرى حصل لإنسان ذهول في وسط الصلاة، فوجد نفسه واقفًا عند المذبح في الكنيسة، وقد قُدمت له ثلاثة أرغفة مخمَّرة بزيت، وكان كلما أكل منها، ازدادت وكثرت. وفي مرة أخرى أُحضر له مثل ثوب لامع مضيء، لا مثيل له على الأرض في هذا العالم، ولا تستطيع أيدي بشريَّة أن تصنع مثله، فكما حدث حينما صعد الرب إلى الجبل مع بطرس ويوحنا، تغيَّرت هيئة لباسه، وصار يلمع بالنور، هكذا الحال أيضًا مع هذا الثوب، وكان الإنسان الذي يلبسه، متعجبًا ومنذهلاً منه.

وفي مرة أخرى، فإن النور المضيء في القلب كشف عن النور الداخلي العميق المختفي، حتى أنه لما ابتلع من حلاوة التأمل، لم يعد يضبط نفسه، بل كان كأحمق أو جاهل بالنسبة لهذا العالم، وذلك بسبب المحبة والحلاوة الفائقة الحد، وبسبب الأسرار المخفية، حتى أن الإنسان في هذا الوقت، يصير في حريّة ويصل إلى درجة من درجات الكمال، ويكون نقيًا وحرًا من الخطية، ولكن بعد هذا كله تتراجع النعمة في تدفقها، ويقابله حجاب القوة المعادية، ولكن بالرغم من ذلك تظهر النعمة ذاتها جزئيًا، ويقف هو على الدرجة الأولى والسفلى من درجات الكمال.

ويمكن أن نقول، إنه توجد اثنتي عشرة درجة، يعبر بها الإنسان قبل أن يصل إلى الكمال: وقد يصل الإنسان إلى هذا المقياس ويدخل في حالة الكمال ويكون فيها لفترة ما، وبعد ذلك ترتخي النعمة عنه فينزل درجة واحدة إلى أسفل ويقف على الدرجة الحادية عشر.. وأما الإنسان الغني في النعمة فيظل دائمًا، ليلاً ونهارًا في حالة الكمال، في حريّة ونقاوة، مأسورًا دائمًا ومأخوذًا إلى فوق في السمو.

فالآن إن هذا الإنسان الذي تُكشف له تلك الأشياء العجيبة ويختبرها اختبارًا حقيقيًا، لو أنها كانت حاضرة معه كل حين بلا انقطاع فإنه لن يستطيع أن يقوم بتدبير الكلام ولا أن يحمل مسئولية أي عمل، ولا يستطيع أن يسمع أو أن يهتم بأي شيء عادي يختص بنفسه، أو بالغير، بل إنما يجلس في زاوية في حالة علو وسكر روحاني ولهذا السبب لم تُعطَ درجة الكمال بصورة مستمرة للإنسان، حتى يستطيع الإنسان أن يهتم بإخوته، ويهتم بخدمة الكلمة، ومع ذلك فإن حائط السياج المتوسط قد نقض” (أف 2: 14) والموت قد انغلب.

وتشبه هذه الحالة سحابة معتمة حول مصباح، تحجبه بخفة كالهواء الكثيف، رغم أن المصباح مشتعل ومضيء طول الوقت، مع وجود الحجاب المحيط بنور المصباح. هكذا هذا الإنسان، فإنه يعترف ويقول أنه ليس كاملاً وليس حرًا تمامًا من الخطية. وهو يقول إن حائط السياج المتوسط قد نقض وهدم، ومع ذلك يقول إن بعض أجزاء منه لم تهدم تمامًا أو لم تهدم في كل الأوقات. ففي بعض اللحظات تشتعل النعمة وتعزي وتريح وتنعش بدرجة عالية، وفي لحظات أخرى ترتخي ويخفت نورها ويصير معتمًا (بعض الشيء). وذلك بحسب تدبير النعمة نفسها، لما فيه منفعة الإنسان.

ولكن من هو الإنسان الذي وصل إلى الدرجة الكاملة في أزمنة النعمة الخاصة، وقد تذوق ذلك العالم (العلوي) واختبره اختبارًا مباشرًا؟ إني لم أبصر حتى الآن إنسانًا مسيحيًا كاملاً، إنسانًا يحيا في حريّة كاملة تمامًا. طبعًا يوجد هنا وهناك (مسيحيون) يقيمون براحة في النعمة، ويدخلون إلى الأسرار والإعلانات وإلى الحلاوة العظيمة التي للنعمة، ولا تزال الخطية حاضرة في الداخل.

والناس يعتبرون أنفسهم أحرارًا وكاملين بسبب النعمة الكثيرة والنور الذي فيهم، ولكنهم ينخدعون بسبب قلِّة الخبرة. هم تحت تأثير النعمة، ولكني لم أرَ واحدًا قط، حرًا تمامًا. وأنا نفسي وصلت جزئيًا إلى هذه الدرجة في بعض الأحيان، وقد تعلَّمت وعرفت أن ما وصلت إليه ليس هو حالة الكمال.

عمل النعمة في الإنسان:

سؤال: أخبرنا- إن شئت- ما هي الدرجات التي أنت فيها؟

جواب: بعد (رشم) علامة الصليب. تفعل النعمة هكذا: إنها تهديء كل الأعضاء وتهديء القلب، حتى أن النفس من كثرة الفرح، تظهر كأنها طفل بريء، ولا يعود الإنسان يدين الوثني ولا اليهودي، ولا الخاطيء ولا الإنسان العالمي. بل أن الإنسان الباطن ينظر كل الناس بعين نقيّة، ويفرح الإنسان بالعالم كله، ويودّ أن الجميع يصيرون محبين ويعبدون الله معًا يهود وأمم.

وفي لحظة أخرى يكون مثل ابن ملك، إذ يثق بابن الله كأب له، وتفتح له الأبواب فيدخل إلى منازل كثيرة (يو 14: 2) في الداخل، وبقدر ما يتعمق إلى الداخل، تفتح له أبواب أكثر فأكثر- مئات منازل تقود إلى مئات منازل بعدها، ويصير غنيًا، وعلى قدر ما يزداد غنى، تكشف له عجائب كثيرة أخرى، ويؤتمن كابن ووارث على أشياء لا يستطيع لسان أو فم بشري أن يعبِّر عنها أو ينطق بها.

المجد لله. آمين.

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !

مقالات ذات صلة