العظة العاشرة للقديس مقاريوس الكبير – الشركة والاتحاد بالعريس السماوي – د. نصحى عبد الشهيد

عظات القديس مقاريوس الكبير - د. نصحى عبد الشهيد - بيت التكريس لخدمة الكرازة

العظة العاشرة للقديس مقاريوس الكبير – الشركة والاتحاد بالعريس السماوي – د. نصحى عبد الشهيد

العظة العاشرة للقديس مقاريوس الكبير – الشركة والاتحاد بالعريس السماوي – د. نصحى عبد الشهيد
العظة العاشرة للقديس مقاريوس الكبير – الشركة والاتحاد بالعريس السماوي – د. نصحى عبد الشهيد

العظة العاشرة للقديس مقاريوس الكبير – الشركة والاتحاد بالعريس السماوي – د. نصحى عبد الشهيد

“مواهب النعمة الإلهيّة تحفظ وتزاد باتضاع القلب والاهتمام الجاد، ولكنها تضيع بالكبرياء والكسل”.

المحبة الحارة للمسيح:

إن النفوس التي تحب الحق وتحب الله، وتشتهي برجاء كثير وإيمان أن تلبس المسيح كلية، لا تحتاج كثيرًا إلى تذكرة من الآخرين، بل أنها لا تحتمل ولا إلى لحظة، أن تكون محرومة من حبها المشتعل للرب واشتياقها السمائي له بل بالحري إذ يكونون مسمرين تمامًا وكلية في صليب المسيح، فإنهم يشعرون بإحساس النمو والتقدم الروحي نحو العريس الروحاني، وإذ يكونون مجروحين بالشوق السماوي، وجائعين إلى بر الفضائل، فلأنه يكون لهم رغبة عظيمة لا تنطفيء في إشراق وإنارة الروح..

العطش والشوق المتزايد:

وحتى إذا نالوا بواسطة إيمانهم، امتياز معرفة الأسرار الإلهيّة وحتى إذا جُعلوا شركاء في بهجة النعمة السماويَّة، فإنهم مع ذلك لا يضعون ثقتهم في أنفسهم، ولا يظنون أنهم شيء، بل بقدر ما يحسبون أهلاً لنوال المواهب الروحيَّة، بقدر ما يزدادون عطشًا للشهوة السماويَّة، ويزدادون في طلبها باجتهاد وسهر.

وبقدر ما يشعرون في أنفسهم بالتقدم الروحاني، فإنه يزدادون جوعًا وعطشًا إلى شركة النعمة وازديادها.. وبقدر ما يزدادون في الغنى الروحاني، فإنهم بقدر ذلك يعتبرون أنفسهم فقراء، إذ أنهم لا يشبعون من الشوق الروحاني الحار إلى العريس السماوي، كما يقول الكتاب “الذين يأكلون يعودون إليَّ جائعين، والذين يشربونني يعطشون” (ابن سيراخ 24: 21)..

التحرر من الشهوات وشركة الروح السرّية:

فمثل هذه النفوس، التي تحب الرب حبًا حارًا لا ينطفيء، تكون أهلاً للحياة الأبديّة، ولهذا السبب تُمنح لهم نعمة التحرر من الشهوات وينالون إشراق الروح القدس بالتمام، وحضوره الذي يفوق الوصف والشركة السرية معه في ملء النعمة.. ولكن بعض النفوس تتراخى ولا يكون لها همَّة وجراءة، فلا تطلب وهي هنا على الأرض في الجسد، أن تنال- بصبر وطول أناة- تقديس القلب، ليس جزئيًا بل تقديسًا تامًا، إذ هي لم تتوقع أبدًا أو تترجى أن يكون لها شركة كاملة في الروح المعزي بكل ثقة ويقين، وبكل إحساس واعٍ، ولم تتوقع أبدًا أن تتحرر من شهوات الشر بقوة الروح، أو ربما تكون، بعد أن نالت نعمة الله مرة، قد انخدعت بالخطية وأسلمت ذاتها للإهمال والتكاسل..

فهؤلأء إذ قد نالوا نعمة الروح، وحصلوا على بعض عزاء النعمة، في الراحة والشوق والحلاوة الروحانيّة، فإنهم يتكلون على هذا، ويتشامخون، ثم يصيرون مهملين، ولا يكون لهم انسحاق قلب، ولا عقل متضع، فلا هم يصلون إلى الدرجة الكاملة- درجة الحريّة من الشهوات- ولا هم ينتظرون ويطلبون الامتلاء التام بالنعمة بكل اجتهاد وسهر وإيمان، بل إنهم يشعرون بالاكتفاء، ويخلدون إلى الراحة قانعين بالعزاء القليل الذي نالوه من النعمة.. فالنمو القليل الذي حصلت عليه هذه النفوس كانت نتيجته الكبرياء بدلاً من التواضع ولذلك فإنهم على المدى الطويل يتجردون من كل نعمة أعطيت لهم، بسبب احتقارهم وإهمالهم، وبسبب خداعهم لأنفسهم بالعجرفة الباطلة.

الشركة السرّية مع العريس السماوي:

والنفس التي تحب الله والمسيح حقيقة، حتى إذا عملت عشرة آلاف من أعمال البر، فهي تعتبر ذاتها أنها لم تعمل شيئًا، بسبب حبها المشتعل الذي لا يخمد من نحو الله.. وبالرغم من أنها تجهد الجسد بأصوام، وبأسهار إلاَّ أنها في نظرتها إلى الفضائل تعتبر نفسها كأنها لم تبدأ بعد بأي عمل جَدِّي لأجلها..

وبالرغم من مواهب الروح المتنوعة، والاستعلانات والأسرار السماويَّة التي ينعم بها عليها، فهي تشعر في ذاتها أنها لم تحصل على شيء بالمرة، وذلك بسبب حبها غير المحدود، والذي لا ينطفيء من نحو الرب..

إنها تشتاق طوال النهار وتجوع وتعطش بالإيمان والمحبة وبمداومة الصلاة، وهي تستمر في شوق بلا شبع لأسرار النعمة، ولتتميم كل فضيلة. وهي تكون مجروحة بحب حار مشتكل حب الروح السماوي، ويتحرك في داخل نفسها باستمرار بالنعمة إلهام وشوق حار للعريس السماوي، راغبة أن تدخل دخولاً كاملاً إلى الشركة السرّية الفائقة الوصف معه، بتقديس الروح.

رؤية العريس السماوي في نور الروح:

وإذ يرتفع الحجاب عن وجه النفس، فإنها تحدّق في العريس السماوي وجهًا لوجه في نور الروح الذي لا يُعبَّر عنه، وتختلط به بملء الثقة، وتتشبه بموته، وترقب دائمًا بشوق عظيم أن تموت لأجل المسيح، وهي تثق بيقين شديد أنها ستنال بقوة الروح انعتاقًا كاملاً من الخطية ومن ظلمة الشهوات، حتى إذا ما اغسلت وتطهرت بالروح، وتقدَّست نفسًا وجسدًا يسمح لها حينئذٍ أن تكون إناءً طاهرًا معدًا لاستقبال المسحة السماويَّة، وحلول المسيح الملك الحقيقي وحينئذٍ تؤهل للحياة الأبديّة إذ تكون قد صارت منذ تلك الساعة مسكنًا طاهرًا للروح القدس.

الأتعاب والتجارب في طريق الملكوت:

5. ولكن النفس لا تصل إلى كل هذه الدرجات مرة واحدة أو بدون امتحان.. فبأتعاب كثيرة ومجاهدات، ووقت طويل واهتمام جاد، وبامتحانات وتجارب متنوعة، تنال النمو والتقدم الروحاني إلى أن تصل إلى درجة الحريّة الكاملة من الأهواء والشهوات، حتى إذا احتملت كل تجربة يجرِّبها بها الشرير، بصبر وشجاعة، فإنها حينئذٍ تتمتع بامتياز الحصول على الكرامات العظيمة، والمواهب الروحيَّة وكنوز الغنى السماوي، وهكذا تصير وارثة للملكوت السماوي بالمسيح يسوع ربنا الذي له المجد والقدرة إلى الأبد آمين.

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !

مقالات ذات صلة