العظة الثانية عشر للقديس مقاريوس الكبير – نار الروح وفداء المسيح للنفس – د. نصحى عبد الشهيد

عظات القديس مقاريوس الكبير - د. نصحى عبد الشهيد - بيت التكريس لخدمة الكرازة

العظة الثانية عشر للقديس مقاريوس الكبير – نار الروح وفداء المسيح للنفس – د. نصحى عبد الشهيد

العظة الثانية عشر للقديس مقاريوس الكبير – نار الروح وفداء المسيح للنفس – د. نصحى عبد الشهيد
العظة الثانية عشر للقديس مقاريوس الكبير – نار الروح وفداء المسيح للنفس – د. نصحى عبد الشهيد

العظة الثانية عشر للقديس مقاريوس الكبير – نار الروح وفداء المسيح للنفس – د. نصحى عبد الشهيد

“عن حالة آدم قبل تعديه وصية الله، وحالته بعد أن فقد صورته السماويَّة.. وتحتوي هذه العظة أيضًا على بعض أسئلة نافعة جدًا”.

 

إن آدم بتعديه الوصية، حدثت له كارثة مزدوجة.. فهو فقد نقاوة طبيعته التي كان حاصلاً عليها، والتي كانت جميلة على صورة الله ومثاله، ومن الجهة الأخرى فقد أيضًا تلك الصورة عينها التي كان سيرث بها كل الميراث السماوي بحسب الوعد..

فإذا افترضنا أن عملة ذهبية، عليها صورة الملك، قد خُتمت بختم مزيف، فإن العملة الذهبية تُعَد زائفة، والصورة التي كانت عليها تصبح بلا قيمة. هكذا كانت الكارثة التي حلَّت بآدم.. وإذا تصورنا ضيعة كبيرة تدر خيرات كثيرة: في أحد أركانها كرم مزدهر، وفي مكان آخر منها حقول مثمرة، وفي غيره مواشي وقطعان غنم، وفي موضع آخر ذهب وفضة، هكذا كانت ضيعة آدم. ثمينة جدًا قبل العصيان، وأقصد بالضيعة، إناء آدم الخاص.. ولكنه حينما قبل مقاصد وأفكار الشر ورحب بها، هلك من أمام الله..

ولكننا مع ذلك لا نقول إن كل شيء قد ضاع وتلاشى ومات.. بل أنه مات عن الله، ولكنه ظل حيًا بالنسبة إلى طبيعته.. فها عالم البشر كله كما نراه، يسعى في الأرض، يشتغل ويعمل.. ولكن الله ينظر إلى أفكارهم وتصوراته فيصرف النظر عنهم وليس له شركة معهم، لأنهم لا يفكرون فيما يرضي الله، وكما أن الأتقياء إذا مروا أمام البيوت ذات السمعة القبيحة، والأماكن التي ترتكب فيها الفحشاء والفسق، فإنهم ينفرون منها ويرفضون مجرد النظر ناحيتها.

لأن هذه الأمور هي موت في نظرهم. هكذا فإن الله يغض النظر عن أولئك الذين تمردوا على كلمته وعصوا وصيته فتعبر عينيه عليهم ولكنه لا يكوق في شركة معهم.. ولا يستطيع الرب أن يجد راحة في داخل أفكارهم..

النعمة والمسكنة بالروح:

سؤال: كيف يستطيع الإنسان أن يكون مسكينًا بالروح وخاصة حينما يشعر في نفسه أن حياته قد تغيَّرت وحصل له نمو روحي، وحصل على معرفة وفهم لم يكن يملكها قبل ذلك؟.

الجواب: قبل أن يحصل الإنسان على هذه البركات وينمو في النعمة لا يكون مسكينًا بالروح.. ولكنه يظن أنه شيء، ولكن حينما يأتي إلى الفهم الروحي وينمو ويتقدم فإن النعمة نفسها تعلمه أن يكون مسكينًا بالروح، وهذا معناه أن هذا الإنسان رغم كونه بارًا ومختارًا من الله، فهو لا يحسب نفسه شيئًا، بل يحفظ نفسه في اتضاع وإنكار لذاته، كأنه لم يعرف شيئًا ولا يملك شيئًا رغم أنه يعرف ويملك.. وهذا قانون طبيعي ثابت في عقل البشر.. ألا ترى كيف أن أبانا إبراهيم، المختار من الله وصف نفسه بأنه “تراب ورماد” (تك 18: 27)، وداود بعدما مسح ملكًا، وكان الله معه ماذا قال؟ لقد قال: “أما أنا كدودة لا إنسان. عار عند البشر ومحتقر الشعب” (مز 22: 6)..

روح واحد وطريق واحد:

لذلك أولئك الذين يريدون أن يكونوا وارثين مع هؤلاء ومواطنين معهم في المدينة السماويَّة، وأن يكونوا ممجدين معهم، ينبغي أن يكون لهم تواضع العقل هذا، ولا يظنوا أنفسهم شيئًا بل يحتفظوا بقلبٍ منسحق.. ورغم أن النعمة تعمل بطريقة خاصة في كل مسيحي على حدة، وتعمل أعمالاً متنوعة في الأعضاء، إلاَّ أن جميع الأعضاء هم من مدينة واحدة، ولهم فكر واحد وقلب واحد، ولسان واحد، ويعرفون بعضهم بعضًا..

وكما أن الجسد له أعضاء كثيرة، ولكن نفسًا واحدة تعمل في جميع الأعضاء وتحركها، كذلك أيضًا فإن الروح الواحد يعمل أعمالاً متنوعة في جميع الأعضاء ويحركها، ولكنهم جميعًا من مدينة واحدة، وطريق واحد.. فكل الأبرار سلكوا الطريق الضيق الكرب، واضطُهدوا وعُذِّبوا وشُتِموا، “وطافوا في جلود غنم وجلود ماعز تائهين في مغاير وشقوق الأرض (عب 11: 37-38).. والرسل أيضًا قالوا “إلى هذه الساعة نجوع ونعطش ونُعرى ونُلكَم وليس لنا إقامة” (1 كو 4: 11)، والبعض منهم قُطعت رؤوسهم وبعضهم صُلبوا وآخرون عُذبوا بطرقٍ مختلفة.. بل أن الرب نفسه.

رب الأنبياء والرسل. كيف كانت سيرته في هذا العالم.. لقد سلك وكأنه قد نسى مجده الإلهي.. وصار مثالاً لنا، وألبسوه إكليل الشوك باستهزاء وعار، واحتمل البصق واللطم والصلب..

فإن كان الله قد سلك هكذا على الأرض فينبغي عليك أنت أن تتمثل به.. والرسل والأنبياء هكذا سلكوا أيضًا، ونحن إذا أردنا أن نكون مبنيين على أساس الرب ورسله، فينبغي أن نتمثل به، فقد قال الرسول بالروح القدس: “تمثلو بي، كما أنا أيضًا بالمسيح” (1 كو 11: 1)..

ولكن إن كنت تحب كرامات البشر، وتود أن يسجد لك الناس وتطلب الراحة، فإنك تتحول تمامًا عن الطريق.. إنه يليق بك أن تُصلب مع المصلوب، وتتألم مع ذلك الذي تألم لكي تتمجد أيضًا معه.. لأنه لابد للعروس أن تتألم مع العريس، وهكذا تصير شريكة ووارثة مع المسيح.. بدون الآلام وبغير الضيقة الكربة، لا يكون دخول إلى مدينة القديسين حيث الوجود في الراحة والمُلك مع المَلك ذاته إلى أبد الدهور..

الروح القدس وخلقة الإنسان:

سؤال: لقد قلت إن آدم فقد صورته الخاصة والصورة السماويَّة أيضًا.. فهل كان فيه الروح القدس حينئذٍ لأنه كان مشتركًا في الصورة السماويَّة؟..

الجواب: طالما أن كلمة الله كان معه وكانت له الوصية، فقد كان له كل شيء.. والكلمة نفسه كان ميراثًا له، وكان لباسًا له، وكان هو (الكلمة) مجده الذي يغطيه ويستره (إش 4: 5).. وكان هو معلمه.. فقد ألهمه أن يعطي أسماء لكل الأشياء “تدعو هذه السماء، وهذه الشمس، وهذا القمر، وهذه الأرض، وهذا طير، وذلك وحش، وهذه شجرة” وكما كان آدم يتعلَّم من الكلمة هكذا سمَّى الأشياء جميعها..

سؤال: ولكن هل كان لآدم اختبار الروح وشركته؟.

الجواب: الكلمة نفسه بحضوره مع آدم، كان كل شيء بالنسبة له، سواء كان معرفة أو اختبارًا، أو ميراثًا أو تعليمًا وإرشادًا.. إذ ماذا يقول يوحنا عن الكلمة؟ “في للبدء كان الكلمة” فأنت ترى أن الكلمة هو كل شيء وكائن قبل كل شيء.. فإن كان لآدم (قبل السقوط) مجد خارجي حاضر معه فلا نستغرب أو نعثر من ذلك عندما يقول الكتاب: أنهما كانا عريانين وهما لا يخجلان فلما تعديا الوصية انفتحت أعينهما ورأيا أنهما عريانان فخجلا واختبئا من الله (تك 2: 25-3: 7، 10)..

سؤال: فهل كانا قبل السقوط لابسين مجد الله عوضًا عن ثوب؟

الجواب: كما كان الروح يجري عمله في الأنبياء ويعلِّمهم وكان في داخلهم ويظهر لهم من الخارج، هكذا أيضًا كان الحال مع آدم.. فالروح، حسبما يشاء، كان يحضر معه ويعلِّمه، ويشير عليه “تكلم هكذا” وهكذا كان يسير ويتكلم.. لأن الكلمة كان له كل شيء، وطالما كان ثابتًا في الوصية فقد كان صديقا لله.. ولكن لماذا نستغرب أنه بالرغم من كل هذه الأحوال التي كان فيها آدم، فقد تعدَّى الوصية؟ فإن أولئك الذين يمتلئون الآن بالروح القدس، لا تزال تأتيهم أفكار من طبيعتهم، ولهم الإرادة أن يطيعوها، فكذلك آدم رغم أنه كان حاضرًا مع الله في الفردوس فقد تعدَّى الوصية بإرادته وأطاع الجانب الشرير.. ولكن بعد عصيانه لا تزال عنده معرفة..

المعرفة بعد السقوط:

سؤال: أي نوع من المعرفة هذه؟

الجواب: حينما يحضر المجرم إلى ساحة القضاء وتبدأ المحاكمة ويسأله القاضي قائلاً “حينما ارتكبت هذه الشرور ألم تكن تعلم أنك ستكون معرضًا لأن تجازى عنها ويُحكم عليك بالموت؟”.. فإنه لا يكون له وجه أن يقول لا.. فإنه كان يعرف، وحينما تبدأ العقوبة يتذكر كل شيء ويقر به جهرًا، والزاني أيضًا ألا يعرف أنه يفعل شرًا؟ والسارق ألا يعلم أن ما يفعله خطيئة؟ إذن فحتى من خارج الكتب المقدسة يعرف الناس بالضمير الطبيعي الذي فيهم أن الله موجود.. إنهم لا يستطيعون أن يقولوا في ذلك اليوم (يوم الدينونة) “نحن لم نكن نعرف أنك أنت الإله” فهو يقول لهم: “ألم تعرفوا البروق والرعود التي من السماء، وإنه يوجد إله فوق كل الخليقة؟” وإلاَّ فلماذا إذن تصرخ الشياطين “أنت هو ابن الله لماذا أتيت قبل الوقت لتعذبنا؟” (مت 3: 11-8: 29) وحتى الآن فإن الشياطين يصرخون عند قبور الشهداء قائلين “أنتم تحرقوننا، أنتم تحرقوننا” فآدم وحواء قبل السقوط لم يكونا قد عرفا شجرة معرفة الخير والشر، ولكن معصية آدم جعلت له هذه المعرفة..

أن كل واحد يبدأ أن يسأل ويستقصي عن حالة آدم التي كان فيها قبل سقوطه، وماذا حدث له؟

إن آدم نفسه نال معرفة الخير والشر.. فنحن نعرف من الكتاب المقدس، إنه كان في حالة كرامة ونقاوة، ولكنه بتعدِّي الوصية طُرد من الفردوس وحل عليه غضب الله.. وهكذا بدأ يتعلم ما هي الأشياء الصالحة له وما هي الأشياء الشريرة لكي يحترس منها، حتى لا يعود يخطيء أكثر ويسقط في دينونة الموت.. والآن نحن نعرف أن كل الخليقة هي تحت حكم الله.. فهو الذي خلق السماء والأرض والحيوانات والزحافات والوحوش.. ونحن نرى كل هذه المخلوقات، ولكننا لا نعرف عددها.. وأي إنسان يستطيع أن يعرف عددها؟ إن الله وحده الذي هو في كل شيء هو يعرف حتى أجنة الحيوانات التي لم تولد بعد، أفلا يعرف بالأحرى الأشياء التي تحت الأرض والتي فوق السموات؟..

عجز العقل عن إدراك أعماق الله:

فلنترك إذًا هذه الأمور، ونطلب بالحري- مثل التجار- كيف نحصل على الميراث السماوي ونمتلكه، ونحصل على النصيب والميراث الذي لا يضيع أو ينزع منا، بل يدوم معنا.. فإن كنت وأنت مجرد إنسان تفتش في أفكار الله لتفحصه وتقول “لقد اكتشفت شيئًا وأدركته” فبذلك تجعل عقلك البشري فائقًا على أفكار الله.. ولكنك في هذا الأمر تخطيء خطأً عظيمًا، وبقدر ما تشتهي أن تبحث وتفتش لتدخل إلى أعماق المعرفة، بقدر ذلك تخرج من العمق وتفشل في أن تفهم شيئًا..

إن هذه التساؤلات التي تتحرك في عقلك من نحو العمل، الذي يعمله الله يومًا فيومًا وكيف يعمله، إنما هي أمور تفوق كل تعبير وكل إدراك، وأنك لا تستطيع أن تفعل شيئًا سوى أن تقبل عطاياه بقلب شاكر وبإيمان.. هل استطعت أن تعرف شيئًا عن روحك منذ وقت ولادتك حتى الآن؟.. إن كان كذلك فأعلن لي الأفكار التي تنبع في داخلك من أول الصباح إلى المساء.. أخبرني بأفكارك كلها خلال ثلاثة أيام متتالية.. إنك لا تستطيع هذا.. فإن كنت لا تستطيع أن تدرك أفكار نفسك الخاصة، فكيف تستطيع أن تفحص وتدرك أفكار الله وعقله..

أتريد أن تأكل خبزا كثيرًا بقدر ما تجد فاذهب إذن وكُلْ واترك الأرض الواسعة لحال سبيلها، اذهب إلى شاطيء النهر واشرب قدر ما تحتاج، وامضي في طريقك، ولا تطلب أن تعرف من أين يأتي النهر أو كيف يتدفق ويفيض؟.. اِسع بكل جهدك لتشفي قدمك أو مرض عينك، لكي تستطيع أن ترى نور الشمس ولا تفحص عن مقدار النور الذي تحتويه الشمس ولا إلى أي علو في السماء ترتفع.. واتخذ من الحيوانات ما هو نافع ومفيد لحاجتك، ولا تتجول في الجبال لتبحث عن الحمير الوحشية أو غيرها من الوحوش الساكنة هناك.. ألا ترى الطفل وهو يقترب من ثدي أمه فيرضع اللبن ويشبع ولكنه لا يفتش عن مصدر اللبن ولا من أين ينبع.. فإنه يرضع اللبن ويفرغ الثدي، وبعد مرور فترة من الوقت يمتليء الثدي ثانية، فالطفل لا يعرف شيئًا عن كيفية حدوث هذا الأمر ولا حتى الأم، مع أن اللبن يؤخذ من دمها وجميع أعضائها..

الله في كل مكان وفي داخلنا:

فإن كنت تطلب الرب في العمق فهناك تجده.. وإن طلبته في المياه فهناك تجده “صانعًا عجائب” (خر 15: 11) وإن فتشت عنه في الجب فهناك تجده حارسًا لدانيال البار وسط الأسود، وإن فتشت عنه في النار فهناك تجده حافظًا عبيده الفتية الثلاثة.. وإن سألت عنه على الجبل فهناك تجده مع إيليا وموسى.. فهو في كل مكان تحت الأرض وفوق السموات بل وفي داخلنا أيضًا.. نعم إنه في كل مكان.. كما أن نفسك أيضًا هي قريبة منك، في داخلك وفي خارجك، لأنك إلى حيث تشاء أن تذهب إلى بلاد بعيدة فهناك يكون عقلك، سواء ناحية الغرب أو ناحية الشرق أو نحو السماء فهناك يذهب عقلك..

النصيب الذي تختاره الآن يظهر يوم الدينونة:

فلنسع ولنهتم فوق كل شيء أن يكون لنا سمة وختم الرب مطبوعًا على قلوبنا في الداخل، لأنه في يوم الدينونة حينما يستعلن غضب الله وتجتمع كل قبائل الأرض، أي أن كل جنس البشر يجتمعون معًا، فحينئذٍ يدعو الراعي الصالح رعيَّته الخاصة، وكل الذين لهم السمة والختم في داخلهم سيعرفون راعيهم، والراعي يعرف أولئك الذين فيهم ختمه، ويجمعهم معًا من كافة الأمم.. فهؤلاء الذين هم له، أي خاصته، يسمعون صوته ويتبعونه.. إن العالم ينقسم إلى قسمين، قطيع مظلم يمضي إلى النار الأبديّة، وقطيع ممتليء نورًا ويذهب إلى الراحة السماويَّة.. فما نختاره ونمتلكه ويكون نصيبنا من الآن في داخل نفوسنا هو بنفسه الذي سيضيء ويظهر ويستعلن ويكسو أجسادنا بالمجد في اليوم الأخير..

وكما أنه في موسم شهر نيسان (أبريل أي فصل الربيع) تُخرج الجذور المدفونة في الأرض ثمارها، وتظهر أزهارها بجمال عظيم، وتظهر الجذور الجيدة التي تحمل الثمار والزهور، كما تظهر تلك الجذور التي تخرج شوكًا، هكذا أيضًا في ذلك اليوم، يظهر على جسد كل إنسان واضحًا ما كان يعيش فيه ويفعله وهو في الجسد.. الأشياء الصالحة والشريرة كلاهما يظهران في ذلك اليوم.. وعلى هذا الأساس تكون الدينونة والمجازاة..

الطعام السماوي:

يوجد طعام آخر غير هذا الطعام المنظور.. فحينما صعد موسى على الجبل صام أربعين يومًا وهو لم يكن أكثر من إنسان، ولكنه نزل من الجبل ممتلئًا بالله.. وها نحن نرى في أنفسنا أننا إذا لم نسند الجسد بالأطعمة فإنه يضعف خلال فترة وجيزة، ومع ذلك حينما صام موسى أربعين يومًا نزل من على الجبل وهو مملوء قوة أكثر من جميع الشعب.. وذلك لأنه كان يتغذى من الله وكان جسده يقتات بطعام آخر- طعام سماوي..

إن كلمة الله صار طعامًا له ونال منه مجدًا أضاء في وجه موسى.. وهذا الذي حدث لموسى كان مثالاً ورمزًا.. فهذا المجد الإلهي يضيء الآن في داخل قلوب المسيحيين، ثم في القيامة ستتغطى أجسادهم بكساء مجد إلهي، وتقتات بطعام سماوي..

معنى تغطية الرأس في الصلاة:

سؤال: ما معنى أن المرأة لا تصلي إلاَّ ورأسها مغطى؟

الجواب: في عصر الرسل كانت عادة النساء (عند الأمم) أن يتركن شعور رؤوسهن محلولة كبرقع أو كغطاء، ولهذا لما جاء الرب ورسله إلى الناس علموهم الوقار والتعقل بأن تغطي المرأة رأسها وقت الصلاة.. كما أن المرأة يقصد بها هنا أن تكون رمزًا للكنيسة.. فبينما كانت النساء في تلك الأيام يرخين شعورهن بدلاً من البرقع فإن الكنيسة تكسو أولادها بملابس وأغطية إلهيّة مجيدة.. وفي العهد القديم (في كنيسة إسرائيل) كانت الجماعة واحدة وكان الروح يغطي الخيمة بمجد رغم أنهم هم أنفسهم لم يكونوا حسب الروح، أما الآن فإن كلمة “كنيسة” تستعمل عن النفس بمفردها كما تستعمل عن الجماعة، لأن النفس تجمع كل أفكارها وملكاتها وتصير كنيسة لله. فالنفس جُعلت وكونت لتليق لعِشرة العريس السماوي وتكون لها شركة مع الإله السماوي، وهذا ينبغي أن يفهم عن النفس بمفردها كما على الكنيسة بجملتها. ولذلك يقول النبي عن أورشليم: “وجدتك مطروحة وعارية وألبستك مطرَّزة” (حز 16: 7-10) وهكذا يتكلم كأنه يخاطب شخصًا واحدًا..

مريم ومرثا والنصيب الصالح:

سؤال: ما معنى قول مرثا للرب عن مريم “إني مجتهدة في خدمة كثيرة بينما هي جالسة عند قدميك” (لو 10: 39-40)؟

الجواب: إن ما كان يجب أن تجيب به مريم مرثا، سبق الرب وأجابها به وقال إنها قد تركت كل شيء وجلست عند قدمي الرب، وصرفت النهار كله في تسبيح الله، وهكذا فإن جلوسها كان بسبب المحبة. ولكن لكي تتضح كلمة الله أكثر، انصتوا لما أقول. إن أي إنسان يحب يسوع، ويلازمه بغيرة وبحب وليس بطريقة عابرة، بل يلتصق به ويثبت فيه بمحبة شديدة، فإن الله يسبق ويرتب لمثل هذه النفس، لتنال جزاءً لمحبتها، رغم أن الإنسان لا يكون قد عرف حينئذٍ ما الذي سيناله من الله، أو ما هو النصيب الذي سيهبه الله للنفس.

فحينما أحبته مريم جلست عند قدميه فإن العطية التي وُهبت لها لم تكن موهبة مؤقتة، بل قد أفاض في داخلها نعمة خفية من ذات طبيعته، والكلمات التي تكلم بها، في سلام، إلى مريم كانت كلها روحًا، وقوة، ولما دخلت هذه الكلمات في قلبها، صارت نفسًا في نفسها وروحًا في روحها، وملأت القوة الإلهيّة قلبها، وحيثما تحل هذه القوة فهي تبقى هناك على الدوام، كميراث ونصيب لا يمكن أن يُنزع، لهذا السبب، فإن الرب الذي يعرف عطيته لها قال: “إن مريم اختارت النصيب الصالح الذي لا يُنزع منها” (لو 10: 42) ولكن بعد ذلك بفترة، فإن ما فعلته مرثا بغيرة واجتهاد في طريق الخدمة، أدخلها كذلك إلى نفس تلك النعمة. فنالت هي أيضًا تلك القوة الإلهيّة في نفسها.

الحق يُظهر ذاته للنفوس المؤمنة:

ولماذا نتعجب من أولئك الذين أتوا إلى الرب واتصلوا به شخصيًا فنالوا قوته، إذ أن الرسل حينما كانوا يبشرون بالكلمة، كان الروح القدس يحلّ على أولئك الذين يؤمنون، وكرنيليوس نال القوة من الكلمة التي سمعها، فكم بالحري جدًا حينما يتكلم الرب إلى مريم، أو إلى زكا، أو إلى المرأة الخاطئة، التي حلت شعرها ومسحت قدمي الرب، أو إلى المرأة السامرية أو اللص، أفلا تخرج القوة من الرب ويعمل الروح القدس في نفوسهم.

وحتى الآن فأولئك الذين يحبون الله ويتركون كل الأشياء لأجله، ويواظبون على الصلاة، فإن الروح يعلمهم سرًا الأمور التي لم يكونوا يعرفونها. والحق نفسه يظهر لهم، بحسب اشتياقهم ورغبتهم فيه، ويعلمهم قائلاً: “أنا هو الحق” (يو 14: 6).

إن الرسل أنفسهم قبل الصليب، بملازمتهم للرب، رأوا آيات عظيمة- كيف كان البُرَّص يتطهرون، والموتى يقومون، ولكنهم لم يكونوا يعرفون حينئذٍ، كيف تدخل القوة الإلهيّة وتخرج وتعمل عملها في القلب، وكيف يولدون ثانية بالروح، ويشتركوا مع الروح السماوي ويصيروا خليقة جديدة. ولكنهم أحبوا الرب بسبب ما لمسوه من تأثير وآيات. والرب قال لهم: “لماذا تتعجبون من الآيات، إني أعطيكم ميراثًا عظيمًا لا يملك العالم كله مثله”.

إن كلماته كانت تبدو غريبة بالنسبة لهم، إلى أن قام من بين الأموات وصعد بالجسد إلى أعلا السموات من أجلنا، وبعد ذلك انسكب الروح المعزي ودخل في نفوسهم، واختلط بهم، والحق نفسه يظهر ذاته في النفوس المؤمنة، والإنسان السماوي- أي الرب- يأتي ليكون مع الإنسان الذي هو أنت. ويصير في شركة معك.

فجميع الذين يعطون أنفسهم ليخدموا، وبغيرة يفعلون كل شيء باجتهاد وإيمان ومحبة لله، فإن نفس هذه الخدمة تدخلهم، بعد فترة من الوقت، إلى معرفة الحق ذاته. لأن الرب ينكشف لنفوسهم، ويعلمهم طرق الروح القدس.. فالمجد والسجود للآب والابن والروح القدس، إلى الأبد. آمين.

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !

مقالات ذات صلة