العظة الرابعة عشر للقديس مقاريوس الكبير – حلول المسيح في الإنسان أرض اللاهوت – د. نصحى عبد الشهيد

عظات القديس مقاريوس الكبير - د. نصحى عبد الشهيد - بيت التكريس لخدمة الكرازة

العظة الرابعة عشر للقديس مقاريوس الكبير – حلول المسيح في الإنسان أرض اللاهوت – د. نصحى عبد الشهيد

العظة الرابعة عشر للقديس مقاريوس الكبير – حلول المسيح في الإنسان أرض اللاهوت – د. نصحى عبد الشهيد
العظة الرابعة عشر للقديس مقاريوس الكبير – حلول المسيح في الإنسان أرض اللاهوت – د. نصحى عبد الشهيد

العظة الرابعة عشر للقديس مقاريوس الكبير – حلول المسيح في الإنسان أرض اللاهوت – د. نصحى عبد الشهيد

 

“أولئك الذين يسلمون أفكارهم وعقلهم لله، يفعلون ذلك على رجاء أن تستنير

عيون قلوبهم، وأن يعطيهم الله أسراره في أعظم قداسة ونقاوة. ويمنحهم من

نعمته. ما يجب أن نفعله نحن الذين نرغب في الحصول على الخيرات السماويَّة.

مقارنة الرسل والأنبياء بأشعة الشمس التي تدخل من النافذة. تعلِّم العظة أيضًا

عن ما هي “أرض الشيطان” وما هي “أرض الملائكة”. وأن كلتيهما لا تُلمسان ولا

تُنظران إلاَّ لعيون القلب الروحانيين”.

التعب والزرع على رجاء:

كل الأعمال المنظورة التي تُعمل في العالم، إنما تُعمل على رجاء الاشتراك والانتفاع بنتائج هذه الأعمال، ولولا الثقة والتيقن من التمتع بثمار التعب فلا تكون هناك فائدة تكسب. فالزارع يبذر البذار على رجاء الثمار، وهذا الرجاء يسنده ويشدده في احتمال مشقات كثيرة. كما يقول الرسول “إن الحراث يحرث على رجاء” (1 كو 9: 10) والذي يأخذ زوجة، إنما يفعل ذلك على رجاء أن يكون له ورثة، والتاجر يسلم نفسه للبحر ولخطر الموت بهدف الربح. هكذا أيضًا فيما يخص ملكوت السموات، فإن الإنسان يسلم نفسه للرب برجاء أن تستنير عيون قلبه (أف 1: 18) منصرفًا عن أمور هذه الحياة، ويحفظ نفسه حرًا، ليكون انشغاله بالصلوات والتضرعات ناظرًا إلى الرب ومنتظرًا إياه حين يأتي ويكشف نفسه له، وأيضًا حين يطهره من الخطية الساكنة فيه.

رجاء حلول الرب بملء اختبار الروح:

وهو مع ذلك لا يضع ثقته في أتعابه، وطريقة حياته، إلى أن يحصل على الأشياء التي يترجاها، أي إلى أن يأتي الرب ويحل فيه بملء اختبار الروح وفاعليته. وحينما يتذوق صلاح الرب ويبتهج بثمار الروح، وحينما يُرفع عنه ستار الظلمة، ويضيء عليه نور المسيح ويعمل فيه بفرح لا يُنطق به، فحينئذٍ يشبع ويرضى تمامًا إذ يكون حاصلاً على الرب معه في محبة عظيمة، كما يفرح التاجر- كما ذكرنا في المثل- حينما يحصل على الربح ولكن لا يزال عنده خوف من اللصوص- أرواح الشر- لئلا يتكاسل ويضيع تعبه، قبل أن يدخل ملكوت السموات في أورشليم العليا.

لذلك فلنتوسل إلى الله أن ينزع منا الإنسان العتيق ويجرِّدنا منه، ويلبسنا المسيح السماوي، هنا ومن هذه اللحظة الحاضرة، حتى إذ نكون في فرح وبهجة، وإذ نكون منقادين بروحه، فإننا سنكون في هدوء وسلام عظيم. وإن الرب الذي يريد أن يملأنا ويشبعنا بتذوق الملكوت، يقول “بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا” (يو15: 5).

الرسل أنوار للعالم:

وقد عرف الرب كيف ينير كثيرين بواسطة الرسل. فالرسل كانوا هم أنفسهم خلائق مثل غيرهم، ولكنهم ربّوا وغذوا العبيد رفقائهم. وبسيرتهم الصالحة وتعاليمهم أحيوا وأقاموا عقول الناس التي كانت مائتة وفاسدة. فمن الممكن أن يقوم أحد المخلوقات بتغذية وإحياء مخلوق آخر. فالسحب، والمطر والشمس، بحسب أمر الله، تُحيي بذار القمح والشعير، رغم أنها مجرد خلائق فقط، ومثل النور الذي يأتي من خلال النافذة، في حين أن الشمس ترسل أشعتها على العالم كله، هكذا كان الأنبياء هم أنوار بيتهم الخاص- أي على إسرائيل- وليس أكثر، وأما الرسل فهم شموس يسطعون بأشعتهم في كل أركان وأرجاء العالم.

“أرض الشياطين” و”أرض اللاهوت”:

هناك “أرض” تسكنها الوحوش، وهناك “أرض” أخرى في الهواء تتحرك فيها الطيور وتعيش. فإذا أرادت الطيور أن تقف أو تسير على الأرض فإن الصيادين يصطادونها. والأسماك أيضًا لها “أرض” وهي مياه البحر. والمكان الذي يولد فيه أي كائن، سواء على الأرض أو في الهواء، ففيه يعيش، وفيه يقتات ويجد لذته وراحته. وبنفس الطريقة فهناك “أرض” وبيت للشياطين، حيث تعيش قوات الظلمة وأرواح الشر، وهناك تتحرك وتجد راحتها، كما توجد “أرض” نورانية هي أرض اللاهوت، حيث معسكرات الملائكة والأرواح المقدسة تصعد وتهبط وتجد راحتها.

فتلك الأرض المظلمة لا يمكن أن تُرى بعيون هذا الجسد ولا أن تُلمس، وكذلك الأرض النورانية أرض اللاهوت، لا تُلمس ولا تُرى بالعيون الجسديّة. أما بالنسبة للروحانيين فإن “الأرض” الشيطانية، و”أرض” اللاهوت كلاهما تنكشفان لعيون قلوبهم.

فإن كانت أسطورة أولئك الذين من خارج، تقول: إنه توجد جبال نارية، لأن النار متقدة فيها، وإنه توجد فيها حيوانات مثل الأغنام. وأن الذين يصطادونها يصنعون لهم عجلات حديدية، ويطرحون خطاطيفهم ويلقونها في النار، لأن تلك الحيوانات تقتات على النار، والنار هي شرابها وهي لذتها وبها تنمو وتحيا.

فالنار بالنسبة لها هي كل شيء. فإن أتيت بها إلى هواء آخر فإنها تموت. وحينما يتسخ صوفها فإنها لا تُغسل في الماء، بل في النار، فتُنظف وتُبيّض أكثر. هكذا المسيحيون عندهم النار السماويَّة كطعام لهم. وهي لذتهم تنعمهم. وهي تنظف قلوبهم وتغسلها وتقدسها. وهي تُنميهم. وهي هواؤهم وحياتهم.

فإن خرجوا يهلكهم الروح الشرير، كما أن الحيوانات في الأسطورة- تموت حينما تترك النار، وكما يموت السمك حينما يخرج من الماء، وكما أن الوحوش- ذوات الأربع- تغرق إذا طُرحت في البحر، وكما أن الطيور إذا سقطت على الأرض يصطادها الصيادون، كذلك النفس التي لا تقيم في تلك “الأرض”، فإنها تختنق وتهلك، وإذا لم تكن تلك النار الإلهيّة هي طعامها وشرابها ولباسها، وهي تطهير لقلبها، وهي تقديس للنفس، فإن الأرواح الشريرة تأخذها وتدمرها. أما بالنسبة لنا، فلنفحص بغيرة وإخلاص، هل نحن قد تم زرعنا في تلك “الأرض” غير المنظورة وطُعمنا في الكرمة السماويَّة أم لا؟

والمجد لمراحمه. آمين.

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !

مقالات ذات صلة