العظة الثامنة عشر للقديس مقاريوس الكبير – غنى وكنز الروح القدس – د. نصحى عبد الشهيد

عظات القديس مقاريوس الكبير - د. نصحى عبد الشهيد - بيت التكريس لخدمة الكرازة

العظة الثامنة عشر للقديس مقاريوس الكبير – غنى وكنز الروح القدس – د. نصحى عبد الشهيد

العظة الثامنة عشر للقديس مقاريوس الكبير – غنى وكنز الروح القدس – د. نصحى عبد الشهيد
العظة الثامنة عشر للقديس مقاريوس الكبير – غنى وكنز الروح القدس – د. نصحى عبد الشهيد

العظة الثامنة عشر للقديس مقاريوس الكبير – غنى وكنز الروح القدس – د. نصحى عبد الشهيد

عن كنز المسيحيين، الذي هو المسيح والروح القدس الذي يدربهم بطرق

متنوعة، ليأتي بهم إلى الكمال”..

كنز الروح:

إذا كان إنسان غني في هذا العالم وعنده كنز مخفي فإنه من ذلك الكنز والغنى الذي له يمكنه أن يشتري أي شيء يشتهيه. وكل الأشياء النادرة التي يشتهيها- في هذا العالم، فإنه بسهولة يجمعها ويكدسها، معتمدًا على كنزه لأنه بواسطة هذا الكنز، يسهل عليه اقتناء كل الممتلكات التي يشتهي امتلاكها.

وبنفس الطريقة فإن أولئك الذين يطلبون ويسعون إلى الله، وقد وجدوا الكنز السماوي أي حصلوا على كنز الروح، الذي هو الرب نفسه، مضيئًا في قلوبهم، فإنهم يتمّمون كل برّ الفضائل وكل غنى الصلاح الذي أوصى به الرب، وذلك من كنز المسيح الذي فيهم، وبواسطة ذلك الكنز يتممون كل فضائل البر معتمدين على مجموع الغنى الروحي الكثير المتجمع في داخلهم، ويعملون بسهولة كل وصايا الرب بواسطة غنى النعمة غير المنظور الذي فيهم.

يقول الرسول “لنا هذا الكنز في أوان خزفية” (2 كو 4: 7). أي الكنز الذي أعطى لهم في هذه الحياة ليمتلكوه في داخل نفوسهم، “الذي صار لنا حكمة من الله وبرًا وقداسة وفداءً” (1 كو 1: 30). فالذي وجد وامتلك في داخله كنز الروح السماوي هذا فإنه يتمم به كل برّ الوصية ويكمل جميع الفضائل بنقاوة وبلا لوم، بل بسهولة وبدونه تغصب. لذلك فلنتضرع إلى الله، ونسأله ونطلب منه بشعور الاحتياج، أن ينعم علينا بكنز روحه، لكيما نستطيع أن نسلك في وصاياه كلها بطهارة وبلا لوم، ونتمم كل برّ الروح بنقاوة وكمال بواسطة الكنز السماوي، الذي هو المسيح.

فالذي يكون فقيرًا وعريانًا ومحتاجًا ومعدمًا في هذا العالم، لا يستطيع أن يقتني شيئًا، لأن فقره يمنعه من ذلك، ولكن الذي يملك الكنز- كما سبق أن قلت- فإنه بسهولة يقتني كل ما تصبو نفسه إليه، بدون جهد أو ألم. هكذا النفس العريانة والمقفرة من شركة الروح، الواقعة تحت فقر الخطية المرعب لا تستطيع- حتى إذا رغبت- أن تثمر أي ثمر من ثمار روح البرّ بالحق، قبل أن تدخل في شركة الروح.

فليغصب كل واحد منا نفسه ليطلب من الرب أن يحسب أهلاً أن ينال وأن يجد كنز الروح السماوي. لكيما يستطيع بتهيؤ وبدون صعوبة، أن يعمل كل وصايا الرب بنقاوة وبلا لوم- تلك الوصايا التي لم ينجح قبل ذلك في أن يعملها مهما غصب نفسه. لأنه إذ يكون فقيرًا وعريانًا من شركة الروح، فكيف يمكنه أن يقتني الكنوز السماويَّة بدون أن يحصل على كنز وغنى الروح؟.

أما النفس التي وجدت الرب الذي هو الكنز الحقيقي فإنها بواسطة طلب الروح، وبالإيمان والثقة، وبصبر كثير، تثمر ثمار الروح بسهولة وراحة، كما قلت سابقًا، وتعمل كل وصايا الرب، التي أوصى بها الروح، هذه كلها تعملها في داخلها، وبنفسها، بنقاوة وكمال وبلا لوم.

غنى الروح ومنفعة الآخرين:

ولنستخدم توضيحًا آخر: إنسان غني يريد أن يصنع وليمة فاخرة فإنه يصرف من ثروته والكنز الذي يملكه، ولأنه غني جدًا فإنه لا يخاف من عدم كفاية أمواله لتجهيز كل لوازم الوليمة. وهكذا فإنه يكرم الضيوف الذي دعاهم. ببذخ وأبهة، واضعًا أمامهم أصنافًا كثيرة من المأكولات مُعدّة بأحدث طرق التجهيز.

وأما الفقير الذي ليس عنده مثل هذا الغني فإنه إذا رغب في عمل وليمة لأصدقاء قليلين فإنه يضطر أن يستعير كل شيء، من الأواني والأطباق والمفارش وكل شيء آخر، وبعد ذلك حينما تنتهي الوليمة ويخرج المدعوون فإنه يعيد كل الأشياء التي استعارها إلى أصحابها سواء أطباق فضة أو مفارش أو أي أشياء أخرى، وهكذا حينما يُرجع كل شيء يظل هو نفسه فقيرًا وعريانًا إذ ليس له غنى خاص يعزي به نفسه.

وبنفس الطريقة فإن أولئك الذين يكونون أغنياء بالروح القدس الذين عندهم الغنى السماوي حقًا وشركة الروح في داخل نفوسهم، فإنهم حينما يكلمون أحدًا بكلمة الحق أو حينما يتحدثون بالأحاديث الروحيَّة ويريدون أن يعزوا النفوس فإنهم يتكلمون ويخرجون من غناهم ومن كنزهم الخاص الذي يمتلكونه في داخل نفوسهم، ومن هذا الكنز يعزّون ويفرّحون نفوس الذين يسمعون أحاديثهم، ولا يخافون أن ينضب معينهم، لأنهم يملكون في داخلهم كنز الصلاح السماوي الذي يأخذون منه ليعزوا ويفرحوا ضيوفهم الروحيين.

أما الفقير الذي لا يملك غنى المسيح وليس عنده الغنى الروحي في داخل نفسه الذي هو ينبوع كل صلاح سواء في الأقوال أو الأعمال أو الأفكار الإلهيّة والأسرار التي لا ينطق بها. فحتى إذا أراد هذا الفقير أن يتكلم بكلمة الحق ويعزي بعض سامعيه بدون أن ينال في نفسه كلمة الله بالقوة والحق، فإنه يكرّر من الذاكرة ويقتبس فقط كلمات من أجزاء مختلفة من الكتاب المقدس أو مما سمعه من الرجال الروحيين فيخبر ويعلم بها الآخرين.

وهكذا يظهر كأنه يعزي ويفرح الآخرين، والآخرون يبتهجون بما يخبرهم ولكن بعد أن ينتهي من الكلام تعود كل كلمة إلى مصدرها الأصلي الذي أخذت منه ويبقى هذا الإنسان ويعود كما كان عريانًا وفقيرًا لأنه ليس له كنز الروح خاصًا به ليأخذ منه ويعزي ويفرح الآخرين إذ أنه هو نفسه لم يتعزَ أولاً ولا ابتهج بالروح.

لهذا السبب ينبغي لنا أولاً أن نطلب من الله باجتهاد قلب وبإيمان، حتى يهبنا أن نجد في قلوبنا هذا الغنى، أي كنز المسيح الحقيقي بقوة الروح القدس وفاعليته. ولهذا فعندما نجد الرب أولاً في نفوسنا لمنفعتنا أن للخلاص والحياة الأبديّة، فحينئذٍ يمكننا أن ننفع الآخرين أيضًا إذ يصير هذا ممكنًا، لأننا نأخذ من المسيح الذي هو الكنز الموجود في داخلنا ونخرج منه كل الصلاح الذي للكلمات الروحيَّة ونكشف أمامهم أسرار السماء. لأن هذه هي مسرة صلاح الآب أن يسكن في كل من يؤمن به ويحبه “من يحبني يحبه أبي وأنا أحبه وأظهر له ذاتي” ويقول أيضًا “إليه نأتي، أنا والآب، ونصنع عنده منزلاً” (يو 21:14، 23).

هذا ما شاءه إحسان الآب غير المتناهي، وهذا ما سرّت به محبة المسيح الفائقة المعرفة، وهذا ما وعد به صلاح الروح الذي لا يُنطق به. فالمجد للحنان غير المنطوق به الذي للثالوث الأقدس.

أنواع فاعليّة النعمة في القلب:

لأن أولئك الذين أعطى لهم أن يصيروا أبناء الله، وأن يولدوا من فوق من الروح، والذين لهم المسيح منيرًا في داخلهم، ومنعشًا لهم، هؤلاء يقودهم الروح بطرق متنوعة كثيرة. وتعمل النعمة سرًا في قلوبهم وتعطيهم راحة روحيَّة.

فلنستعمل صور التنعمات والمسرات الملموسة التي في هذا العالم لنوضح بها- إلى حد ما- أعمال النعمة في القلب. ففي بعض الأوقات تعزيهم النعمة وتفرحهم كما في وليمة ملوكية فيفرحون بفرح وسرور لا ينطق به وفي وقت آخر يكونون مثل عروس تتنعم بالشركة مع عريسها في راحة إلهيّة. وفي وقت آخر يصيرون كملائكة بدون أجساد، لكثرة سموهم وخفتهم وعدم تثقلهم حتى بالجسد. وفي وقت آخر يكونون كأنهم سكارى إذ يكونون منتعشين وثملين بالروح وبالأسرار الإلهيّة الروحانيّة.

وفي وقت آخر يكونون كأنهم في بكاء ونحيب لأجل جنس البشر وإذ يتوسلون لأجل ذرية آدم كلها فإنهم يولولون ويبكون، إذ تشتعل فيهم محبة الروح نحو جنس البشر. وفي وقت آخر يشعلهم الروح بفرح ومحبة كثيرة حتى أنه لو أمكنهم لأدخلوا كل إنسان إلى أحشائهم، بدون تفريق بين الرديء والجيد. وأحيانًا يصيرون تحت كل الناس في تواضع الروح حتى أنهم يحسبون أنفسهم آخر الكل وأقل الكل.

وأحيانًا يجعلهم الروح في فرح لا يُنطق به. لدرجة أنهم يُجهدون من الفرح. وفي وقت آخر يكونون مثل إنسان جبار قد لبس الدرع الملكي الكامل ونزل إلى المعركة ضد أعدائه، فيحاربهم بقوة ويهزمهم، فإنه مثل هذا الجبار كذلك يأخذ الإنسان الروحاني أسلحة الروح السماويَّة وينزل لمقاتلة الأعداء فيحاربهم، ويدوسهم تحت قدميه. وفي وقت آخر تستريح النفس في هدوء عظيم وسكون وسلام، دون أن تشعر بأي شيء آخر سوى اللذة الروحانيّة والراحة والسعادة التي لا توصف.

وفي وقت آخر، تعلمها النعمة بنوع لا يُنطق به من الفهم والحكمة، ومعرفة الروح الذي يفوق الفحص وتعلمها أشياء لا يمكن النطق بها باللسان والكلام، هكذا فإن معاملات النعمة متنوعة جدًا في النفوس، وهي تقود النفس التي تنعشها وتحييها، بطرق كثيرة بحسب إرادة الله وتدربها بطرائق مختلفة لكي تعيدها إلى الآب السماوي كاملة ونقيّة وبلا عيب.

ولكن أفعال الروح هذه التي تحدثت عنها تختص بالدرجات العظيمة القريبة من الكمال، لأن تنعمات النعمة المختلفة هذه، رغم أنه يُعبّر عنها بطرق مختلفة ولكنها تفعل بلا انقطاع في أولئك الأشخاص، فاعليّة تليها فاعليّة أخرى. لأنه حينما تصل النفس إلى كمال الروح، وتتطهر بالتمام من الشهوة، وتتحد مع الروح المعزي وتختلط به بشركة لا توصف، فإنها تحسب أهلاً أن تصير هي نفسها روحًا، في اختلاطها مع الروح، حينئذٍ تصير كلها نورًا، وكلها عينًا، وكلها روحًا، وكلها فرحًا، وكلها راحة، وكلها بهجة، وكلها محبة، وكلها حنان، وكلها صلاح، وكلها رأفات محبة.

وكما أن الحجر الذي في قاع البحر تحيط به المياه من كل ناحية، كذلك كل هؤلاء أيضًا إذ يكونون مغمورين بالروح من كل ناحية فإنهم يصيرون مشابهين للمسيح، حاصلين في أنفسهم على فضائل قوة الروح بلا تغيير لكونهم بلا عيب وأنقياء وبلا لوم من الداخل والخارج. وإذ قد ردهم الروح وأعادهم إلى الله هكذا فكيف يمكنهم أن يخرجوا ثمر الخطية؟ بل في كل الأوقات وفي كل الظروف تشع منهم ثمار الروح ظاهرة فيهم.

لنطلب نعمة الروح بالإيمان والمحبة والرجاء:

فلنتوسل إذا إلى الله بإيمان وبالمحبة والرجاء الكثير، لكي يمنحنا النعمة السماويَّة، نعمة الروح، لكي ما يحكمنا ويضبطنا ذلك الروح نفسه أيضًا، ويقودنا إلى كل إرادة الله وينعشنا ويحيينا بكل أنواع إنعاشه وإحيائه لكي بواسطة عمل الروح هذا وفاعليّة النعمة، والنمو الروحاني نتقدم، لنحسب أهلاً لإدراك كمال ملء المسيح كما يقول الرسول “لتمتلئوا بكل ملء المسيح” (أف 3: 19) وأيضًا يقول “إلى أن ننتهي جميعنا إلى إنسان كامل إلى قياس قامة ملء المسيح” (أف 4: 13).

ولقد وعد الرب كل الذين يؤمنون به ويسألونه بالحق أن يعطيهم أسرار شركة الروح الذي لا يُنطق. به.

لذلك فلنكرس نفوسنا بكليتها للرب ونسرع للحصول على الخيرات التي تكلمنا عنها. وإذ نكرس نفوسنا وأجسادنا ونتسمر على صليب المسيح فلنكن لائقين ومستعدين للملكوت السماوي، ممجدين الآب والابن والروح القدس إلى الأبد. آمين.

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !

مقالات ذات صلة