سلسلة تعليم المعمدين – الجزء الثالث – أعرف خلاصك.

كلمة للذين قبلوا سرّ الإيمان واعتمدوا حديثاً
(سلسلة تعليمية للبنيان والنمو – الجزء الثالث)
للعودة للجزء الأول أضغط هنــــــا.

للعودة للجزء الثاني أضغط هنـــــا.
أعرف خلاصـــــــــــــــــــك

 

قبل كل شيء ينبغي أولاً أن تعلم أيها الأخ الحبيب المولود من الله أن أصل الخلاص هو التجسد الإلهي – تجسد الكلمة – حسب التدبير، وجذر الخلاص هو في اتحاد اللاهوت بالناسوت بطريقة ما لا تُفحص أو تُدرك لأنه سر فائق يُعلن في القلب والذهن ولا يستطيع أحد أن يشرحه بالرغم إعلان الله في القلب أن هذا السرّ قد تم، وهذا يُدعى سرّ التجسد الإلهي، فقد ولد الرب من عذراء في بيت لحم لأجلنا نحن وليس لأجله هو !!!

فالله الكلمة صار كواحد منا لكي يجعلنا منه، فلقد نزل إلى عبوديتنا لا لكي ينال منها شيئاً، ولا صار مثلنا لكي ينال شيئاً منا، بل حسب صلاحه ظهر في الجسد متحداً بجسم بشريتنا لكي يُعطي ذاته لنا لكي نغتني بفقره (2كورنثوس 8: 9) ولكي يُمجدنا حسب مثاله ونصبح مثله حسب غنى صلاحه الممنوح لنا كهبة وعطية، لنكون أبناء الله بالإيمان بسرّ الميلاد الفوقاني من الماء والروح. 

فالمسيح الرب هو بالطبيعة الابن والله الذي حلَّ بيننا وسكن فينا، ولذلك السبب بروحه الذي أعطانا، أصبح لنا الحق أن ننطق النطق الروحاني: [ أبّا أيها الآب ] (رومية 8: 15) 
ولذلك نستطيع أن نقول بصراحة الإيمان الرسولي المُسلَّم لنا: [ إن الذين لا يوجد الابن في قلوبهم لا يملكون أن يدعوا الله أباً لهم ] ( القديس أثناسيوس ضد الأريوسيين 4: 22 )

فاعلموا يا إخوتي، أن الرب بذاته وشخصه القدوس نزل لكي يرفعنا إلى فوق، تواضع وتنازل لكي يولد مثل البشر لكي نكون أولاد الله فيه فنحب الآب وندعوه أب لنا بالروح؛ فقد نزل الابن الوحيد إلى الفساد لكي يُلبس الفاسد أي الإنسان عدم الفساد، ويعطيه النُصرة على الموت؛ وقد صار ضعيفاً لأجلنا لكي نقوم بقوته؛ نزل إلى الموت لكي يعطينا عدم الموت ويعطي الموتى قوة حياته الخاصة، لقد تجسد وتأنس لكي لا نموت كبشر، بل لكي نحيا من جديد ولا يملك علينا الموت أو يتسلط أبداً (رومية 6: 9)

يقول القديس كيرلس الكبير ( في شرح إنجيل يوحنا 12: 1 – مجلد 3 : 122 – 123 ): 
[ تنازل الابن ونزل إلينا لكي يرفعنا إلى مقامه الإلهي العالي،
نحن الذين لنا طبيعة حقيرة.
أخذ صورة العبد رغم أنه بالطبيعة الرب والابن،
لكي يحوَّل الذي هو بالطبيعة عبدٌ لمجد التبني 
حسب صورته ومثاله وبالشركة فيه.
وكما أنه صار كواحد مثلنا، إنساناً، لكي يجعلنا مثله،
أنا أعني آلهة وأبناء. (
1)
لقد أخذ الذي لنا وأعطانا بدلاً منه الذي له ] 

والآن أيها الحبيب، بعد أن وعيت خلاصك فأنت بدأت تدخل في حرية مجد أولاد الله ولم تعد غريب عن الله ولا عن كنيسته، بل صرت رعية مع القديسين وأهل بيت الله، والله بنفسه صار حياتك الخاصة وينبغي أن تنحصر فيه وتركز في شخصه القدوس الذي صار معك كل حين لا يُفارق، فلا يتسلط عليك شيء سواء عادة قديمة أو حتى إنسان ولا ملاك، لأن المسيح الرب صار رأساً لك، وأخوتك في الجسد أعضاء معك في المسيح الحي، الذي عليك أن تسعى جاهداً في أن تسمع صوته لأنك صرت من قطيعه، فلا تبحث عن صوت آخر غير صوته، بل صلي واطلب منه نعمة التمييز لكي لا تنخدع من أحد، لأن كل من ينطق نطق مخالفاً للصوت الإلهي وما أُعلن بالروح القدس لا ينبغي أن تعرفه، لأن الرب قال: [ خرافي تسمع صوتي وانا أعرفها فتتبعني.. أما الغريب فلا تعرفه ]وحسب نطق المسيح الراعي الصالح، أعلم يا حبيب الله في المسيح أنه يوجد غرباء كثيرين عن الله، وآخرين مغتصبين ما ليس لهم فيدَّعوا أنهم مُعلمين ومرشدين للنفوس لأنهم انخدعوا في معرفتهم ووثقوا في قدراتهم وظنوا أن بمعرفتهم يستطيعوا أن يقودوا النفوس ولا يعلمون أنهم لم ينالوا هذا من الله ولا يملكون الصوت الحسي لمسيح الحياة ليستطيعوا أن يوجهوا النفوس له شخصياً، لأن كل من لا يوجه النفس للمسيح حسب مسرة مشيئته فهو ضال ومُضل لا ينبغي أن نسير وراءه قط…

فاحذروا يا إخوتي فليس كل إنسان صالح للتعليم أو يستطيع أن يكون مرشداً لأحد، ولا كل موضوع أو معجزة تُكتب أو رؤية تُعلن لا بد من أن تكون من الله أو تصلح للتعليم والتوجيه، ربما ينتفع منها البعض ولكنها لا تصلح للتعليم والإرشاد، وليست كل خبرة صالحة للجميع لأن الله يُعطي كل نفس حسب احتياجها الشخصي وليس احتياج غيرها، فيتعامل مع هذا بطريقة وآخر بطريقة أخرى، ولا ينبغي أن نخلط الأمور ببعضها البعض ونظن أن كل تعامل يصلح للجميع…

 

فانتبهوا لأن كثيرون ضلوا بسبب عدم التمييز، فاطلبوا روح تمييز وإفراز من الله لكي يحفظ حياتكم من الزلل والسير وراء الناس لئلا تصاب حياتكم بالشلل وتتوقف عن أن تنموا في الحق والبرّ المُعطى من الله في المسيح يسوع، وفي نفس الوقت لا تخافوا من كل هذا لأن الرب يحفظ الأتقياء محبي اسمه العظيم القدوس ولا يجعلهم يضلون طالما متمسكين بشخصه القدوس لا الناس، فلا تمسكوا بآخر غيره ولا حتى تتعلق نفوسكم بأحد أكثر منه، لا ملاك ولا إنسان مهما ما ضعف شأنه أو عظُم، بل ومهما ما كان عنده موهبة أو عظيم في النمو الروحي، فغيرة الرب تسكن قلب محبيه وهو لا يُريد للنفس أن تذهب وراء آخر، فلا يحب أحد فينا آخر أكثر من المسيح الرب، بل ليكون الرب أولاً في حياتكم وأنتم لن تضلوا لأن حبه والتصاقكم به يحفظكم من أي زلل أو سقطة، لأنه هو حياتكم وحياة كل من يأتي إليه ويؤمن به إيمان حي ويمسك به للنفس الأخير لأنه مكتوب: [ لأنه تعلق بي أُنجيه، أرفعه لأنه عرف اسمي ] (مزمور 91: 14)

وسوف نبدأ أيها الأحباء في بداية التعليم عن المعمودية في الأجزاء القادمة، صلوا واطلبوا نعمة الله لتقودكم نحو تتميم خلاصكم بالفرح والمسرة لتنموا في البرّ والتقوى ويزداد إيمانكم آمين

___________
(1) ملحوظة هامة
لا يقل قائل أن المقصود باللفظ الآبائي ( آلهة أو شركاء الطبيعة الإلهية ) إننا نشترك في جوهر الله ونصير أقنوم، هذا تجديف غير مقصود به هنا على الإطلاق، ولكن المقصود أننا نلنا التبني في الابن الوحيد وبسبب علاقته بنا، فهو ابن بالطبيعة من نفس ذات جوهر الآب ومع في وحدة فائقة لا تُدرك، أما نحن نلنا هبة التبني في الابن الوحيد كعطية ونعمة نلناها بسبب التجسد الإلهي، ولا رمزية فيها بل هي واقع نحياه كل يوم وكل ساعة في سرّ شركتنا مع الله باتحادنا بشخص الكلمة المتجسد اتحاد حقيقي وليس مجازياً يتحقق فينا بعمل الروح القدس سراً في كياننا الداخلي، وكلما نأخذ جسد ابن الله المقدم لنا بالسرّ نزداد اتحاد ونتعمق في الصلة وعلاقة البنوة ونصرخ من قلوبنا بروح البنوة أبا الآب كما قال القديس بولس الرسول …

مقالات ذات صلة