قانونية سفر الرؤيا ونبذه تاريخية عن السفر – ترجمة فادي جوزيف

قانونية سفر الرؤيا ونبذه تاريخية عن السفر – ترجمة فادي جوزيف

قانونية سفر الرؤيا ونبذه تاريخية عن السفر - ترجمة فادي جوزيف
قانونية سفر الرؤيا ونبذه تاريخية عن السفر – ترجمة فادي جوزيف

إقرأ أيضًا: قانونية سفر الرؤيا كيف كانت مسيرته صعبة نحو قائمة الأسفار الكنسية؟ الدكتور مايكل كروجر – ترجمة وليد بخيت

نبذة تاريخية

قبل دراسة أي عمل جيدًا، يجب فحص الخلفية التاريخية له، ومن المُمكن بسهولة اعتبار سفر الرؤيا ذي صفة نبوية وذلك من خلال الآية الافتتاحية (“إعلان يسوع المسيح”) وأيضًا من خلال اتباع الخصائص التي تتسم بها النبوات باستثناء: استخدام الرموز والعبارات الموضحة لسُلطان الله.2فبصرف النظر عن هذيّن العامليّن، يضُم سفر الرؤيا جميع الخصائص ذي الصفة النبوية ومنها: 1) ثنائية الخير والشر، و2) الحتمية التامة؛ و3) الحياة خارج نطاق التاريخ، و4) اقتراب مجيء الله (الإسخاتولوجيا)، علاوة على ذلك فسفر الرؤيا هوّ أيضًا نبوة (رؤ 22: 18) ورسالة (رؤ 2 و3). يتحدث هذا القسم عن كاتب سفر الرؤيا ومكان كتابة السفر وتاريخ كتابته والظروف التي كُتِبَ فيها.

 

الكاتب

على عكس سفر أخنوخ الذي كتبه خمسة كتاب على الأقل على مدار قرونٍ عدة، لسفر الرؤيا كاتب واحد ينتمي إلى القرن الأول الميلادي، ومع ذلك فقد أثارت الهوية الدقيقة ليوحنا كاتب السفر جدالًا بين العلماء، حيث ذكر العلماء بإيجاز أربع احتمالات عن هويته: 1) يوحنا الإنجيلي، و2) يوحنا الكبير، 3) ويوحنا مرقس، و4) يوحنا غير معروف الهوية/ كتب السفر تحت اسم مُستعار.

ونظرًا لعدم تشابُه سفر الرؤيا مع إنجيل مرقس من حيث الأسلوب أو اللغة فقد تم استبعاد الاحتمال الثالث تمامًا3،وبالمثل، لا يُحبَذ أن يكون يوحنا غير معروف الهوية قد لاقى قبولًا واسعًا في الكنائس، وبسبب انخفاض فرص اكتساب الكتابات الرمزية الصفة القانونية4 كأسفارٍ موحى بها بالفعل، فإن احتمالية كتابة السفر بواسطة إما يوحنا الإنجيلي أو يوحنا الكبير هيّ محّل النقاش الأساسي، ومن بين هذين الاسميّن اعتبرت الكنيسة الأولى كاتب إنجيل يوحنا هوّ نفسه كاتب سفر الرؤيا وهوّ تحديدًا يوحنا الإنجيلي، وساد هذا الاعتقاد رغم عدم الإجماع عليه.

وعند نقد السفر حسب وقائعه تتبيّن لنا قصة مشابهة لما تعتقده الكنيسة، فمن البداية يُعرِّف الكاتب نفسه كونه “يوحنا” بدون أي لقب تعريفي أخر، فيتبيّن لنا وضوح شخصية يوحنا للغاية إلى حدٍ لم يحتَج فيه إلى أي لقبٍ أخر لتأكيد شخصيته، فاسمه وحده يُعطي شرعية للكتاب5، فإذا كان الكاتب قد استخدم اسمًا مُستعارًا فكان عليه تحديد أي يوحنا يقصِد.

كما نستنتج من داخل النص وبالدليل أن الكاتب يهودي فلسطيني اعتنق المسيحية، حيث يُظهِر اهتمامًا وأُلفة بالنصوص اليهودية، بين القليل من اليهود مُعتنقي المسيحية آنذاك، وأيضًا يحتوي السفر على نسبة عالية من الإشارات الضمنية إلى العهد القديم في آياته عن أي سفر أخر من أسفار العهد الجديد (278 إشارة في 404 آية)6، كما يستخدم السفر الكثير من التعبيرات السامية والقواعد اللغوية المُتبعة عند اليهود مما يؤكد على يهودية المؤلف، فمن غير المُحتمَل أن يستخدَم أي يوناني هذه التعبيرات7.

في الواقع إن مَن يدعمون فكرة كتابة يوحنا الكبير لسفر الرؤيا يقولون بأن السفر يختلِف من حيث الأسلوب والقواعد اللغوية في كثيرٍ من المواضع عن إنجيل يوحنا ورسائله، كما أورَد ديونيسيوس في نقاشه عام 247 ميلادية8، بيد أن اختلاف الأسلوب قد يُفسَّر باختلاف موضوع الكتابة أو باختلاف النُاسخين، علاوة على ذلك فإن سفر الرؤيا وإنجيل يوحنا يحتويان على الكثير من أوجُه التشابُه في الفكرة العامة، وفي شرح طبيعة المسيح ولاهوته (الكريستولوجيا)، وفي مفهوم الأخرويات (الإسخاتولوجيا)، وفي التعبيرات9. واستنادًا إلى هذه الحقائق، يستنتج هذا البحث بأن يوحنا الإنجيلي هوّ كاتب سفر الرؤيا.

 

مكان كتابة السفر

كتب يوحنا سفر الرؤيا خلال فترة نفيه إلى جزيرة بطمُس10، ومن الجزيرة، أرسل يوحنا سفر الرؤيا كإحدى رسائله إلى السبع كنائس المسؤول عن رعايتها في منطقة آسيا الصغرى. ويستطيع الباحث أن يُلاحظ اختياره للكنائس، فلم يختَر الكنائس الكبرى أو الصغرى فحسب بل اختار بعض الكنائس الغنية وبعض الكنائس الفقيرة، بيد أن جميع الكنائس السبع التي كتب إليها تقع على طريق التجارة الرئيسي للإمبراطورية الرومانية في مُقاطعة آسيا الصُغرى، حتى يتسنى للسفر أن ينتقل بصورة أسرع وينتشر على نطاقٍ أوسع.

 

تاريخ الكتابة ومناسبتها

كغيره من الكتابات ذي الصفة النبوية، كُتِبَ سفر الرؤيا في وقتٍ شهد أزمات11، وعلى الرغم من أن يوحنا كتب القليل من الوقائع التاريخية قبل المسيح فقد وضَّح الموقف على نحوٍ يستطيع خلاله القارىء المُعاصِر بقليلٍ من الجُهد أن يستنتج حدوث أزمة ما. ويحدد المؤرخون تاريخيّن لكتابة سفر الرؤيا وهما الفترة ما بين 65-68 ميلادية وعام 96 ميلادية، مما يتطلب إخضاع تلك التواريخ للفحص في هذا البحث. 

قانونية سفر الرؤيا ونبذه تاريخية عن السفر - ترجمة فادي جوزيف
قانونية سفر الرؤيا ونبذه تاريخية عن السفر – ترجمة فادي جوزيف

التاريخ المُتأخر (96 ميلادية)

إذا كان سفر الرؤيا قد كُتِبَ في تاريخٍ مُتأخر فإنه يهدف إلى تشجيع المسيحيين في مواجهة اضطهاد الإمبراطورية الرومانية، ويستخدم المؤيدون لفرضية كتابة السفر في زمن مُتأخر أدلة داخلية وخارجية لتعضيد وجهة نظرهم، فبالنسبة للأدلة الخارجية،هُم يستدلون بكتابات آباء الكنيسة الأوائل مثل إيرينيئوس (A.H. 5.30.3)، وفيكتورينوس من بيتاو (Apocalypse 10.11)، ويوسابيوس (H.E. 3.17-18)، واكليمندس السكندري (Quis Dives Salvetur 42) وأوريجانوس (Matthew 16.6) التي تؤيد كتابة يوحنا للسفر خلال زمن الإمبراطور دوميتيان12. علاوة على ذلك، فداعمو هذا الرأي يوضحون بأن يوحنا قد كتب رسائله في الإصحاحات الثلاثة الأولى إلى العديد من الكنائس في ظروفٍ تاريخية لم تحدُث في زمنٍ مُبكر.

أولًا، الكثير من الكنائس التي وجَه لها يوحنا رسائله كانت قد فقدت حماستها للمسيح بينما سادت الهرطقات غيرها من الكنائس، والكنائس عادًة لا تفقد روحها المُلتهبة أو تتأثر بالهرطقات في أجيالها الأولى13، ثانيًا، يصف يوحنا كنيسة لاوديكية كونها غنية، على الرغم من أنها قد سُوِيَت بالأرض بفعل زلزال حدث عام 60 ميلادية واستغرق الأمر سنواتٍ عدة حتى تسترجع المدينة ثروتها من جديد. وثالثًا فإن كنيسة سميرنا لم تكُن قد أُسِسَت حتى عام 64 ميلادية لذلك ليس منطقيًا أن تكون قد تحملت مصاعب خلال مدة طويلة (حسب المكتوب في سفر الرؤيا 2:8-11)، إن كان عُمرها ثلاث سنوات فقط.14

وبالمثل، فمِن يدعمون فرضية كتابة السفر في تاريخٍ مُتاخر يوضحون بأن العبادات الوثنية الموصوفة في الإصحاح 13 حتى الإصحاح 20 تتفق على النحو الأمثل مع فترة الإمبراطور دوميتيان15، فعلى الرغم من أن بعض الأباطرة الأوائل قد دعوا أنفسهم آلهة إلا أن الإمبراطور دوميتيان قد أطلَق على نفسه لقب “الرب والإله” مستوليًا على لقب “الرب” وهوّ أحد ألقاب المسيح.16

ومن الأدلة الأُخرى استخدام اسم “بابل” كرمزٍ لإحدى المُدن المذكورة في سفر الرؤيا، وبينما يشير المؤرخون الأوائل إلى بابل كونها أورشليم، فإن كتبًا مثل عزرا 4 وباروخ 2 ونبؤات سيبيل جميعها تذكر بأن بابل هيّ روما، فكلمة بابل مرتبطة لدى اليهود والمسيحيين بكلٍ من مدينتيّ بابل وروما كونهما قد نهبتا المدينة المقدسة17. وبأسلوبٍ مُشابِه، فرسائل بولس تشير إلى عدة هرطقات ولكنها أبدً لم تذكر الهرطقات التي اجتاحت منطقة آسيا الصغرى مثل النقولايين، فكلا الدليلان يؤكدان بأن سفر الرؤيا قد كُتِبَ قي مرحلة لاحقة عن القرن الأول الميلادي.

 

التاريخ المبكر:

على الجانب الأخر فإن مَن يدعمون فرضية كتابة سفر الرؤيا في تاريخٍ مبكر، يعتبرون السفر بمثابة سجال لفظي مع اليهود الذين رفضوا المسيا18، فهم يرون أن نبؤة دمار الهيكل وأورشليم قد تحققت ولو بشكلٍ جزئي على الأقل في عام 70 ميلادية، وعلى الرغم من قيامهم بتفسير الإصحاح 11: 1-2 تفسيرًا حرفيًا بما يتعلق بقياسات الهيكل المذكورة بالإصحاح، إلا أن هذه القياسات تتناسب بشكلٍ أفضل مع هيكل حزقيال في الأزمنة الأخيرة.

ومن المشاكل الأخرى الناجمة من فرضية كتابة السفر في تاريخٍ مبكر على سبيل المثال هوّ إصرار المؤرخين الأوائل على أن رقم 666 يشير إلى مجموع الحروف العبرية من اسم القيصر نيرون حسب علم الأرقام، وبالإضافة إلى عدم مطابقة مجموع الحروف لرقم 666 بالفعل، فإن هذه الرؤية تفترض إلمام الأمم على نحوٍ وافٍ باللغة العبرية، كما يعمدون إلى استبدال الآية السابعة من الإصحاح الأول “ستنوح عليه جميع قبائل الأرض” بـ “ستنوح عليه جميع قبائل إسرائيل” بدون أي سند قوي لذلك على الإطلاق في النص اليوناني”19

وبناءً على كل هذه الأدلة، نستنتج هنا بأن يوحنا قد كتب سفر الرؤيا حوالي عام 96 ميلادية خلال فترة اضطهاد الإمبراطور دوميتيان للمسيحيين، وهو الاضطهاد الذي رأه يوحنا سيمتد خلال السنوات اللاحقة، فسفر الرؤيا بالتالي يعمل على تشجيع المسيحيين الذين يتعرضون لأول موجة اضطهاد كبرى مبشرًا بانتصار المسيا على أعداءهم ومع ذلك فهوّ أيضًا يتنبأ بتعرضهم للعديد من الاضطهادات الأخرى بسبب إيمانهم.

 

قانونية سفر الرؤيا

لم يشهد أي سفر أخر غير سفر الرؤيا هذا الكم من الجدال المُطوَّل للإقرار بشرعيته كسفرٍ موحى به، فعلى الرغم من اعتماد الكُتّاب الأوائل للسفر والاقتباس منه فقد عارضه أخرون.

 

تاريخ الإقرار بشرعية السفر واستبعاده

تواجَد سفر الرؤيا بلائحة الأسفار القانونية منذ اكتشاف المخطوطة الموراتورية بالقرن الثاني، وقد اقتبس منه إرينيئوس في كثير من المواضع واعتمده، بل جعل سفر الرؤيا أساسًا لسلسلة مؤلفاته عنملكوت الله الأرضي “already-but-not-yet”20. كما يقبل به كبريانوس، وإكليمندس السكندري وأوريجانوس بالإضافة إلى ديونيسيوس، فعلى الرغم من قيام الأخير بتفسير السفر على نحوٍ مجازي ورفضِه المرجعية الرسولية له، إلا أنه يقر بقانونيته21.

على الجانب الأخر، تنازع الكثيرون في القرون الأولى حول قانونية سفر الرؤيا، فقد رفضه ماركيون بسبب كثرة الإشارات إلى العهد القديم به، كما رفضه جايوس وألجولوي “Algoloi” بسبب كثرة استخدام المونتانيين له22، بينما وضعه يوسابيوس على لائحته للأسفار “المُعترَف بها عالميًا” وأيضًا “الأسفار المشكوك في صحتها”، وفي كلا الموضعيّن يذيِّل تفسيره للسفر بعبارة “إذا كان صحيحًا”.

الجدير بالذكر أن يوحنا ذهبيّ الفم لم يقتبس إطلاقًا من سفر الرؤيا فلم يترُك بذلك للعالَم المُعاصِر أية أفكار عن آراءه بشأن السفر، وعلى نفس المنوال لم يُدرِجه غريغوريوس النزينزي وكيرلس في لائحة الأسفار القانونية الخاصة بهم، علاوة على ذلك فقد حذفته الكنائس النسطورية تمامًا من أسفارها القانونية23.

ويتبيّن من كل ذلك عدم تمتُع سفر الرؤيا بأرضية ثابتة ضمن الأسفار القانونية المُعترَف بها في الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية، فقد حذفته ترجمة البشيطا (Peshitta) السريانية ولم يعترف به مجمَع لاودكية24، وقد صنّفت الكنيسة الشرقية السفر كونه محل خلاف عام 850 في زمنٍ مُتأخر ومازالت لا تقرأه بصفة دورية. من المُلاحَظ أيضًا أن التفسيرات اليونانية المكتوبة في القرنيّن الخامس والسادس قد تكون ساعدت سفر الرؤيا على أن يلاقي قبولًا أكبر بين أنحاء الإمبراطورية الشرقية25.

وعلى الرغم من مشاكل الكنيسة الشرقية مع السفر، فقد اعترفت الكنيسة الغربية بالسفر كونه موحى به في زمنٍ مُبكر، فقد قبل جيروم، وأمبروسيسوس، وروفينوس، وأوغسطينوس وإنوسنت كلهم بقانونيته،26 وقد أدرجه مجمع قرطاج الثالث المنعقِد عام (397) ضمن قائمة الأسفار القانونية واعتمده بشكلٍ رسمي مجمع القسطنطينية الثالث عام 680، حتى وصل إلى العالم المُعاصِر مارًا بعقباتٍ عدة، فلم يستطع كالفن فهمه ورفض أن يفسره، ولم يترجمه لوثر بل واعتبره “غير رسولي” ولم يستطع أن يجد فيه المسيح.27

 

عوامل تحديد قانونية السفر

كما ذكرنا مُسبقًا لم تعتد الكنيسة الأولى بقانونية أي سفر اعتباطًا، فالكتابات القانونية بإيجاز هيّ أقوال حكيمة قابلة للتطبيق عن كيفية الحياة في أي زمن،28 ومع ذلك ينبغي أن تؤخَذ عوامل أُخرى في الاعتبار قبل الاعتراف بقانونية أي سفر، فينبغي أن يكون السفر مصدره رسولي يرجع إلى القرن الأول، وثانيًا، ينبغي أن يضُم تعاليم قويمة، وثالثًا، يجب أن يظهر فيه الوحيّ الإلهي. 

وكما ناقشنا من قبل فإن كاتب سفر الرؤيا هوّ يوحنا الرسول، وبرغم الخلاف حول الكاتب في العصور المبكرة فقد سادت وجهة النظر التي تُرجِّح كتابة يوحنا الرسول للسفر وتحديدًا لدى جاستن مارتر، وميليتو أسقف ساردس وثاوفيليس الأنطاكي حيث دافعوا جميعًا عن هذه الفرضية،29 وبعد قبولها، توقف الجدال بشأن كاتب السفر. 

بعد الانتهاء من الجدال بشأن كاتب السفر، تعرض السفر للهجوم أيضًا بسبب الأمور اللاهوتية الواردة به فلم تستسغ الكنيسة الشرقية فكرة الإسخاتولوجيا الأرضية، بينما اعتبره الغرب مبهمًا واستخدمه للتنبؤ بالمُستقبل. ولحل هذه الإشكاليات فسرت الكنيسة الشرقية السفر على نحوٍ مجازي، وفيما أقره أغسطينوس فقد حذر أيضًا من استخدام السفر للتنبؤ بالمستقبل (City of God XX.6-9).30وفي النهاية أقرته الكنيسة كسفرٍ موحى به.

 

تقييم العوامل الحاسمة

كما هوّ الحال في كل أسفار الكتاب المقدس، فكوّن السفر موحى به هوّ ما يحدد قانونيته، وعلى الرغم من عدم قدرة أي أحد مُطلَقًا أن يثبت بالدليل القاطع كتابة أي نص عن طريق الوحي الإلهي، إلا أنه من السهل إثبات العكس، فعلى سبيل المثال إذا كان سفر الرؤيا قد حاول خداع الناس برمزيته، لكانوا في الغالب سيتأكدون من عدم مطابقته لمعايير الوحي الإلهي، بيد أن الكنيسة قد اقتنعت بالأصل الرسولي للسفر باتباع نفس المنهج، فإذا كان السفر يضُم شرائع تناقُض نصوص الكتاب المقدس، لكانت الكنيسة قد اعتبرت السفر غير موحى به من الروح القدس.

على الجانب الأخر فإن سفر الرؤيا يضُم الكثير من الأمور التي تُرجِح كونه سفرًا موحيًا به، فالسفر لم يحقق فسحب قاعدة لوثر القائلة “هل يتفق مع تعاليم المسيح”، بل إن السفر نفسه يُعتبَر نصًا مقدسًا وكوّن الكاتب هو أحد رسل المسيح، فمن الصعب على المرء الاعتقاد بأنه قد يُخطئ في أمرٍ هام مثل هذا. علاوة على ذلك فالسفر يضُم أقوال حكيمة قابلة للتطبيق بشأن كيفية الحياة في أي زمن كما يترُك رسالة للقراء آنذاك وللقراء في وقتنا الحالي،31وهوّ في الواقع يشجع القراء على التمسُك بالإيمان بينما يحذرهم من الاضطهاد الذي سيقع في أوقاتٍ لاحقة.

وعلى النقيض من سفر أخنوخ الأول، الذي أظهر تناقُضًا مع الشرائع القويمة وعرض مفهومًا خاطئًا للخلاص، فسفر الرؤيا قد حقق معايير الوحي بأسلوبٍ أكثر من ملائم، فالسفر يرجع إلى القرن الأول الميلادي، وقد كتبه أحد رُسل المسيح، ويحفظ التعاليم القويمة ويعمل على نشرها ويترُك رسالة للمؤمنين كافة وليس لقراءه الأوائل فحسب، وبعيدًا عن هذه السمات الثلاث، فسفر الرؤيا يتمتع بصفات غير قابلة للتعريف تجعله محلًا للثقة لدى القراء المسيحيين.

ملاحظات ختامية

1للتعرُف على وجهات نظر مُميزة في هذا الأمر، انظر Robert L. Thomas “A Classical Dispensationalist View of Revelation” in Four Views on the Book of Revelation, ed. C. Marvin Pate (Grand Rapids, Michigan: Zondervan Publishing House, 1998), 181 حيث يقوم بتعريف السفر على أنه نبؤة مبسطة 22:18ff

2كُتّاب الأعمال ذي الصفة التنبؤية يعتبرون أنفسهم ورثة الأنبياء وليس أنبياءً، ولكن سفر الرؤيا يقوم كنبؤة في حد ذاته (10:11; 22:18ff) بالإضافة إلى صفته النبوية والسبع رسائل الصغيرة، فكل ما سبق يجعله فريدًا في العالم القديم.

3Robert H. Mounce, The Book of Revelation, New International Commentary on the New Testament (Grand Rapids, Michigan: William B. Eerdmans Publishing Company, 1977), 9.

4Bruce, The Canon of Scripture, 261; G. K. Beale The Book of Revelation: A Commentary on the Greek Text, New International Greek Testament Commentary, (Grand Rapids, Michigan: William B. Eerdmans Publishing Company, 1999), 34.

5Collins, John J. The Apocalyptic Imagination: An Introduction to Jewish Apocalyptic Literature (Grand Rapids, Michigan: William B. Eerdman’s Publishing Company, 1998), 271.

6B. S. Childs, The New Testament as Canon: An Introduction (Valley Forge, Pennsylvania: Trinity Press International, 1994), 509.

7G. K. Beale, The Book of Revelation, 35. Edward McDowell, The Meaning and Message of the Book of Revelation. Nashville, Tennessee: Broadman Press, 1951), 11.

8ScottGambrill Sinclair, Revelation: A Book for the Rest of Us (Berkely, California: BIBAL Press, 1992), 25; Bruce Metzger, Breaking the Code: Understanding the Book of Revelation (Nashville, Tennessee: Abingdon Press, 1993), 14.

9See C. Martin Pate, “A Progressive Dispensationalist View of Revelation” in Four Views on the Book of Revelation, 171-172 for a chart favorably comparing some of the key elements in John’s Gospel and Revelation.

10 ما يبعث على الدهشة، هو عدم وجود أية معارضة تُذكَر لهذا الرأي.

11فطبيعة الأزمة تُحدد تاريخ الكتابة، يجمع هذا القسم ما كان مذكور على جزئين في أخنوخ

12G. K. Beale, The Book of Revelation, 19.

1314.K. Beale, The Book of Revelation, 16.

15Henry Barclay Swete, Commentary on Revelation: The Greek Text with Introduction, Notes, and Indexes, (Grand Rapids, Michigan: Kregel Publications, 1977), ci.

16G. K. Beale, The Book of Revelation, 5.

17Ibid., 18-19.

18Kenneth Gentry, Jr. “A Preterist View of Revelation” in Four Views, 51.

19Ibid., 48.

20G. K. Beale, The Book of Revelation, 20.

21Bruce, The Canon of Scripture, 85, 191, 192, 195.

22D. A. Carson, Douglas J. Moo, and Leon Morris. An Introduction to the New Testament (Grand Rapids, Michigan: Zondervan Publishing House, 1992), 480.

23.Bruce, The Canon of Scripture, 198, 212-215

24Carson, Moo, and Morris, An Introduction to the New Testament, 481.

25Swete, Commentary on Revelation, cxvii.

26Ibid., cxviii.

27Carson, Moo, and Morris, An Introduction to the New Testament, 481. Luther later changed his mind. With Revelation’s references to the Lamb who was slain in chapter 5 and the vision of Christ coming in glory in chapter 19, one wonders why Luther could not find Christ in it.

28James A. Sanders, Canon and Community, 28.

29Donald Guthrie, New Testament Introduction (Downers Grove, Illinois: InterVarsity Press, 1990), 930.

30استخدم الكثيرون من قديم الزمان سفر الرؤيا كدليل إرشادي للمُستقبل (انظرMarvin C. Pate, Four Views on the Book of Revelation, and Arthur W. Wainwright, Mysterious Apocalpyse (Nashville, Tennessee: Abingdon Press, 1993), 21-87 for a history of the millennial interpretation to Revelation). هذا الاستخدام لن يكون في محله إن كانت سُلطة النص في سفر الرؤيا مُستمَدة من القادة المسيحيين المُعتقدين بوجوب عدم استخدام السفر في التنبؤ بالمُستقبل”(Scott Sinclair, Revelation: A Book for the Rest of Us, 27)، ولكن إن كان سُلطان سفر الرؤيا آتيًا من الله وليس الكنيسة، فرأي الكنيسة في القرن الرابع بشأن الأمور التفسيرية للسفر غير مُلزِم للمؤمنين في الأزمنة اللاحقة، فوظيفة الكنيسة الأولى كانت الإقرار بشرعية السفر وإدراجه ضمن الأسفار القانونية، وليس إملاء تفسيرًا بعينه إلى الأبد.

31 لهذا السبب، يتبنى المؤلف نظرية ملكوت الله الأرضي “already-but-not-yet” في الوقت الحالي.

 

قانونية سفر الرؤيا ونبذه تاريخية عن السفر – ترجمة فادي جوزيف

تقييم المستخدمون: 4.7 ( 1 أصوات)

مقالات ذات صلة