مواضيع عاجلة

السموات تحدث بمجد الله _ يوحنا ذهبي الفم

السموات تُحدِّث بمجد

 

القديس يوحنا ذهبي الفم

 

 

 

إذا كانت العروض المسرحية هي التي تسعى وراءها، اترك هذه المشاهد الشيطانية وتعال إلى الروحية. إذا كانت القيثارات هي التي ترغب في سماعها، تجاهل الأغنية النكراء واضبط ذهنك على الذبذبة النابضة بالحياة، وحقِّق حالة من النشاط الذهني والعقلية اليقظة. وتأمل كيف أن الأصوات المختلفة والأوتار المتميزة (للخليقة) ينبعث منها لحن واحد متناغم من جميع الجهات تكريماً لله الصانع الماهر، كما لو أن صوت الرياح الذي يتكوَّن من أصوات مختلفة يُنتِج نغمة واحدة في تمجيد الخالق. فالأوتار تقدم نغمة خاصة لكل منها بشكل منفرد ونغمة أخرى وهي مجتمعة. 

 

لكي تفهم النغمة الناتجة الخاصة بكل منهما، انقر على وتر السماء في ذهنك وسوف تسمعه يصدر صوتاً عالياً، مقدماً التسبيح لله. هذا ما أدركه أيضاً الكاتب المُلهَّم عندما قال: ” السموات تحدث بمجد والفلك يخبر بعمل يديه” (مز 19: 1).

 

تَحوَّل الآن من هذه النوتة الموسيقية إلى النوتة التي يلعبها “النهار والليل” وسوف تلاحظ أن اللحن الذي ينبعث منها أكثر جمالاً من أي قيثارة، خصوصاً عندما يكون الشخص على دراية بكيفية اللعب على هذه الأوتار.

 

ربما تسأل، ما هي الأصوات التي تصدرها؟ السماء ليس لها فم لتفتحه ولا لسان ولا حنك ولا أسنان ولا شفاة، فكيف يتشكَّل الصوت؟ كيف للنهار أن يعطي صوتاً؟ إنها ليست بآلات ناتجة للصوت، بل يتعلق الليل والنهار بمسار الشمس والقمر ومرور الوقت! 

 

في حالة إستياء أي من الناس أو إنزعاجهم لسماع ذلك، لنستمع للكاتب المُلهَّم وكيف يصيغ التعبير، فبعد أن قال “السموات تحدث بمجد .. يوم إلى يوم يُذيع كلاماً وليل إلى ليل يُبدي علماً “، بدلاً من التوقف هنا، استمر قائلاً: ” لا قول ولا كلام. لا يُسمع صوتهم” (مز 19). ما يعنيه هو شيء من هذا القبيل: النهار والليل والسموات ليس فقط يصدرون أصواتاً، بل أصواتها هي أكثر صفاءً وتميُّزاً ووضوحاً من الأصوات البشرية. كيف ذلك وبأي طريقة؟ لنستمع للنص ذاته: “لا قول ولا كلام. لا يُسمع صوتهم”. ماذا يعني ذلك؟ إنه إطراء للصوت الذي تصدره، وإشادة بالدوي الخاص بها. أعني، أنه يتم التعرف على كلامي بواسطة شخص يتحدث لغتي، ولكن ليس بواسطة شخص آخر لسانه مختلف. على سبيل المثال، عندما اتحدث باللغة اليونانية فمن يعلمها يفهمني، في حين أن السكيثي أو التراقي أو المورو أو الهندي لن يفهمني، فإختلاف اللغة لا يسمح للمعنى الذي أقصده أن يصبح واضحاً. هكذا بالمثل، لن أنجح في فهم السكيثي أو التراقي عندما يتكلم ولا أي شخص آخر له لغة مختلفة. أمَّا في حالة السموات والنهار والليل، الأمر ليس كذلك، إذ أن أصواتها من النوع الذي يمكن فهمه بواسطة جميع الناس من كل اللغات، وكل الألسنة، وكل الأمم، وبكل وضوح. 

 

لذا، بعد أن قال: “السموات تحدث بمجد .. يوم إلى يوم يُذيع كلاماً وليل إلى ليل يُبدي علماً”، استمر قائلاً: “لا قول ولا كلام. لا يُسمع صوتهم”. ما يعنيه هو شيء من هذا القبيل: الليل والنهار والسموات وجميع المخلوقات لها نوع من الخطاب ونوع من الصوت يمكن فهمه بواسطة جميع اللغات أي جميع الألسنة. في الواقع، ليس هناك جنس يخفق أمامه صوت السموات بأن يكون مفهوماً: السكيثيون، التراقيون، المورو، الهنود، السارماتيون، كل لغة ولسان وعرق يمكنه فهم هذا الصوت.

 

كيف وبأي وسيلة؟ لنستمع للمزيد حتى ندرك كيف تصدر السموات صوتاً دون أن تقول شيئاً. عندما تلاحظوا جمالها، مداها، ترتيبها، ديمومتها، عظمتها، وتتأملوا في كل ذلك، حالاً تقدمون التمجيد للخالق وتشيدون بالصانع، آنذاك تكون السموات قد أصدرت صوتها، ناطقة بتمجيد الخالق بلسانها. هذا هو معنى الآية: “السموات تحدث بمجد ”. كيف وبأي طريقة؟ بتوجيه المشاهد نحو الإعجاب بالخالق من خلال جمال سطوعها الخاص. وعندما ترى مثل هذا العمل الرائع، تقول: المجد لك يا ، على خلق مثل هذا العمل العظيم ووضعه أمام أعيننا. السموات قد قدمت هذا التمجيد باستخدام لغتها الخاصة، دافعة الناس نحو الإعجاب من خلال مشاهدتها. على الرغم من سكوتها بهذا الشكل، إلا أنها تقدم المجد لله، ويفهم جميع الناس صوتها. ومن الممكن إدراك ذلك لا بالسمع بل بالبصر والمشاهدة، والبصر هو شائع للجميع حتى لو كانت اللغات مختلفة وأجنبية. السكيثيون والتراقيون والمورو والهنود يفهمون هذا الصوت، يحدقون في هذه الأعجوبة، يندهشون بجمالها وسطوعها وعظمتها وكل سماتها الأخرى، فيقدمون التمجيد للخالق ــ إذا كانوا ذو نزعة صادقة. 

 

أيضاً، عندما تلاحظ إنتظام الأوقات، وكيف يراعي النهار حدوده الخاصة، وكيف أنه ليس على خلاف مع الليل بغرض تجاوز حدوده الخاصة، ولا يظهر أي طمع أو يمارس أي ضغط لإستهلاك كل الوقت على أساس أنه أكثر إشراقاً من الليل، بل على العكس، نراه يُفسِح المجال. والليل كذلك عند إستكمال شوطه يَفسَح المجال للنهار. وكيف أن ذلك يحدث طوال هذه السنوات بدون أي ارتباك أو اضطراب، ودون أن يتغلب الواحد على الآخر، أو أن الأخير يَحسِد السابق، على الرغم من أن واحد أكثر أشراقاً والآخر أكثر قتامة. كيف لا يُعجَب الإنسان من هذا الانتظام، فلا يُقدِّم المجد لله؟ مثل شقيقتين متعاطفتين مع بعضهما البعض، اللتان يقسمان ميراثهن بالتدقيق والأوزنة دون أن تضن الواحدة على الأخرى بأي شيء ضئيل، هكذا يفعل أيضاً الليل والنهار فيُقسِّمان الوقت بينهما، دون أن يضن الواحد على الآخر بأدنى شيء، ويحافظان على مثل هذه المساواة ـــ كما تعلمون من معايشة ذلك بأنفسكم. ليت الإنسان الجشع ينتبه لذلك، الذي يستبعد أشقاؤه من الميراث. ليته يتأمل إنتظام الأوقات، وعدالة النهار والليل، وليضع حداً لهذا الخلل الخاص به. هذه إذن هي الطريقة التي بها “يوم إلى يوم يُذيع كلاماً، وليل إلى ليل يُبدي علماً”، دون التفوه بأي صوت لكن من خلال إنتظامهما وإيقاعهما، مساواتهما وقسطهما غير المنقطع، يحتفلان بالخالق بشكل أكثر وضوحاً من البوق، ليس في زاوية واحدة من العالم بل في كل الأرض التي تجتازها الشمس. أصواتهم تصل إلى كل مكان في العالم، بما أن السماء في كل مكان، والنهار في كل مكان، والليل في كل مكان، ويذيعون تعليمهم في البر والبحر على حد سواء. لذا، الكاتب المُلهم لم يقل: “أن السموات تنطق بمجد ” بل قال ” تُحدِّث “، أي ترشد الآخرين، وتقيم تلاميذاً من الجنس البشري، وتجلب إلى الصدارة تعليماً أكثر إقناعاً عوضاً عن الكتب، وتستعرض جمال طبيعتها الخاصة، لكي يلاحظ الشخص البسيط والمتعلم وكل إنسان، كما لو أن التدريس بحكمة وقوته ماثل أمامهم في كتاب. هذه هي ليست طريقة نطق بني البشر، إذ أنهم دون أن ينبسوا ببنت شفة يمجدون بوسائل أخرى.

 

لذلك قال السيد : “فليضئ نوركم هكذا قدام الناس، لكي يروا أعمالكم الحسنة، ويمجدوا أباكم الذي في السماوات” (مت 16:5). تماماً كما ترون حياة مقدسة لشخص ما، فأنكم تمجدون الله، دون أن تصدر كلمة واحدة من هذا الشخص، هكذا أيضاً عندما ترون جمال السماوات تمجدون الخالق. لذا قال: “السماوات تحدِّث بمجد الله”، عن طريق شهود العيان. 

 

“يوم إلى يوم يُذيع كلاماً، وليل إلى ليل يُبدي علماً”. أي نوع من العلم؟ معرفة الخالق. وكما يدفع النهار الإنسان نحو العمل، يأتي الليل بدوره ويجلب الراحة من المشاغل العديدة، ويعطي الإغاثة من الهموم، ويجلب النوم للأعين المتعبة، ويغلق الجفون، ويجعلنا مستعدين لإستقبال أشعة الشمس مرة أخرى بقوة مُتجدِّدة. وهكذا، الفائدة ليست قليلة بل هي في الواقع ذات أهمية كبيرة. لو أن الليل لم يعطِ الناس الراحة بالإفراج عنهم من الهموم التي لا حصر لها، لن يكون من الجيد أن يأخذهم النهار للعمل، فتئن الطبيعة من جراء العمل المتواصل، وبالتالي تُهدَّر وتتدمَّر طاقة الكائنات الحيَّة، ولا تُجنىَّ بعد أي فائدة من أشعة الشمس. إذاً، من خلال جعل النهار مفيداً للناس، صار يقودهم لمعرفة الله ولا سيما بواسطة خدمته الخاصة، عندما يتمتعون برقصته. هكذا، عندما تفهم منفعة النهار العظيمة، وفائدة الليل الجليلة، وكيف يخلف الواحد الآخر، كما بنوع ما من الرقص، وبتتابع الواحد للآخر بمداورة يحافظون على الجنس البشري، يمكنك عن طريق التأمل والتفكر أن تدرك حكمة الله الصانع الماهر، بشهادة النهار والليل، مُخصصاً الواحد للعمل والآخر للإستراحة من الأشغال.

 

 

 

 

Reference: St. John Chrysostom Old Testament Homilies, Volume two, Homilies on Isaiah and Jeremiah, translated by Robert Charles Hill, Holy Cross Orthodox Press

 

ترجمة المدونة الآبائية

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

عبادة المسيح تاريخيًا - الأدلة الأثرية على لاهوت المسيح - ترجمة: أمجاد فايز

عبادة المسيح تاريخيًا – الأدلة الأثرية على لاهوت المسيح – ترجمة: أمجاد فايز

عبادة المسيح تاريخيًا – الأدلة الأثرية على لاهوت المسيح – ترجمة: أمجاد فايز عبادة المسيح …