الأهمية الإنجيلية لمصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος

الأهمية الإنجيلية لمصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος

الأهمية الإنجيلية لمصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος
الأهمية الإنجيلية لمصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος

مفهوم هوموأووسيوس هو المفصل الذي يدور عليه قانون الإيمان النّيقيّ كله

لقد أصبح واضحًا لدينا الآن أن المناقشات التي جرت في نيقية والقرارت التي اتُخِذت هناك، لم تكن في الأساس تختص بأمور غيبية أو ميتافيزيقية أي فيما وراء الطبيعة، على الرغم من أن مثل هذه القضايا الميتافيزيقية وغيرها من المسائل التفسيرية كانت متضمَّنة داخل تلك المناقشات. ولكن الموضوع الرئيسي محل الاهتمام كان هو الوحدانية بين يسوع المسيح والله الآب في ذات الجوهر والفعل والقول، ومدى تأثير ذلك على صحة الرسالة الإنجيلية. وكان على الآباء أن يتخذوا القرار الحاسم فيما يخص هذا الموضوع، وهذا بالفعل هو ما قد تم في نيقية.

وكان القصد الأساسيفي مجمعي نيقية والقسطنطينيةمن صياغة مصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος والتمسك به، هو الالتزام الأمين بما جاء في الإنجيل الذي اؤتُمِنَت عليه الكنيسة، وتقديم اعتراف رسمي بالإيمان يحمل في جوهره الحق الإنجيلي الأسمى الذي تأسست عليه الكنيسة. وبدلاً من فرض الفكر الهلليني على الإنجيل[1]، تم تعديل معاني المصطلحات الهللينية* حتى يمكن توظيفها لخدمة تعليم وشهادة إنجيل العهد الجديد بلا أي تحريف أو ضلال.

 

وعلى هذا النحو، تحوَّل مصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος من كونه مجرد مصطلح لغوي بسيط، إلى أن أصبح يمثل مفهومًا فكريًّا كاملاً، لا يستطيع العقل الورع إلاّ أن يقبله إذا أراد أن يكون وفق الحق المُعلن في المسيح يسوع. وصار هذا المصطلح بذلك هو المفصل الذي يدور عليه قانون الإيمان النيقي كله، كما ظل هو المفهوم الرئيسي الذي حافظت عليه الكنيسة، وطالما عادت إليه في فهم وإعلان بشارة الإنجيل. وما يعنينا هنا بالدرجة الأولى هو إدراك تأثير ال هوموأووسيوس ὁμοούσιος على رسالة الإنجيل، والذي نستطيع من خلاله أن نحكم على هذا المصطلح ونكتشف أهميته.

 

ما الذي يمكن أن يحدث إذا لم تكن هناك وحدانية في ذات الجوهر بين الابن المتجسد والله الآب؟

هنا نجد أن الأهمية الرئيسية والشاملة لمصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος تكمن في تأكيده الدامغ على أن يسوع المسيح هو الله، وبكونه الله فهو يشترك مع الآب وبصورة متطابقة ومطلقة في ذات جوهر اللاهوت الواحد. وبكونه الابن الوحيد المولود من الآب، فهو التجسيد التام لكيان الله بالكامل، كما أنه هو إعلان الله الفريد عن ذاته لأنه الكلمة الذي صار جسدًا.

ومن جانب آخر، إن لم يكن يسوع المسيح هو الله كما زعم أريوس فلابد عندئذ أن نعتبر أنه مخلوق من العدم، وبالتالي يكون خارجًا عن الله الخالق، ومختلفًا تمامًا عن جوهره، بل وغريبًا عنه، ويترتب على ذلك كما كان يؤكد أريوس أن الله لا يمكن على الإطلاق معرفته، لأنه لا يوجد مخلوق وهنا يقصد المسيح مهما علت مرتبته يستطيع التوصل إلى معرفة حقيقية عن الله.

وهذا يعني أنه إذا فصلنا بين جوهر الابن المتجسد وبين جوهر الآب[2]، فلن نستطيع عندئذ أن نقول أنه توجد أية وحدانية بين ما يقدمه الإنجيل من إعلان عن الله في المسيح وبين الله ذاته. وإذا لم يكن ما هو الله في ذاته هو نفس ما هو في الرب يسوع المسيح، فلن يكون هناك تطابق بين الله وبين مضمون إعلانه عن ذاته في المسيح، ولن يستطيع البشر عندئذ الوصول إلى الآب بالابن في الروح القدس. وسنكون حينئذٍ في جهل تام عن الله، وسيكون الله بالنسبة لنا مبهمًا ومجهولاً تمامًا، فلا نستطيع أن نفكر فيه أو نتحدث عنه.

وقد عبَّر القديس أثناسيوس عن ذلك بقوله: لو كان الابن منفصلاً عن الآب، أو لو أن الكلمة لم يكن كائناً منذ الأزل في الله، لكان جوهر الله صامتًا تمامًا λογοςبالضبط مثل نور لا يشع μή φωτίζων، أو أرض جرداء بلا خصوبة ρημος، أو مثل ينبوع جاف لا ينبع منه شيء أو حفرة خاوية λάκκος[3]. والحقيقة الأساسية التي يؤكِّدها القديس باسيليوس هي أنه لو كان الابن مخلوقًا، لما كان للبشر أية معرفة عن الله على الإطلاق[4].

ولن يكون لدى الكنيسة في تلك الحالة إلاّ بعض الفهم البشري الذي مركزه في الإنسان وليس في الله لكي ما تطبقه على الله وتقدِّمه في شكل إعلان زائف. وقد أشار القديس أثناسيوس في أحيان كثيرة إلى أن الهراطقة يتاجرون في هذا النوع من الإعلان الزائف الذي يبتكرونه κατ ε̉πίνοιαν وفقًا لخيالاتهم الشخصية، بدلاً من أن يكون هذا الإعلان أمرًا يتسلَّموه ويدركوه κατά διάνοιαν وفقًا لحقيقة الله الموضوعية.

وإذا لم يكن الله نفسه في كيانه الذاتي كآب وابن وروح قدس هو ما يعنينا في أمر الإعلان الإلهي، فإننا في هذه الحالة نكون قد انشغلنا بالميثولوجيا μυθολογία أي معرفة الله من خلال الأساطير، وليس بالثيؤلوجيا θεολογία أي المعرفة اللاهوتية الحقيقية. وأيضًا إذا كان المسيح منفصلاً عن الله، فلن يكون هو نفسه مركزًا لكل الإنجيل البشارة المفرحة بل مجرد شخص زائل يمثل الله، أو صورة رمزية له فقط لا غير، وكان هذا سيؤدي بالتأكيد كما ادعى أريوس إلى عدد لا يُحصى من كلمات الله وصوره[5].

ومَن يكون هذا الإله الذي نعبده إذن، لو لم يكن المسيح الذي حلّ بيننا هو إعلان الله الذاتي لنا واتصاله الذاتي بنا؟ فلو أن الأمر كذلك، ألاّ يكون الله عندئذ هو من لا يعبأ بأن يُعلن ذاته لنا، ولم يتنازل لإظهار ذاته لنا في المسيح يسوع، أو يمكن حتى أن نقول إن محبته ستكون عندئذٍ قد عجزت عن أن يصير واحدًا معنا؟

وكان هذا سيعني بالتأكيد أنه لا توجد علاقة من حيث الوجود وبالتالي من حيث المعرفة بين محبة المسيح ومحبة الله أي إننا بالحقيقة لن نجد إعلانًا عن محبة الله، بل على العكس سنجد ما يدعو للسخرية، لأنه في حين يُقال إن الله أظهر محبته لنا في المسيح يسوع، إلاّ أن المسيح في هذه الحالة لن يكون بالحقيقة هو نفس هذه المحبة في ذاته!

وقد رأى آباء نيقية أن هذه الأفكار وما يترتب عليها تنطوي على تناقض شديد مع رسالة الإنجيل التي تقول إن الإيمان بالرب يسوع المسيح هو الإيمان بالله ذاته. ولذلك أدخلوا تعبير هوموأووسيوس ὁμοούσιος في قانون الإيمان، ليؤكدوا على الحقيقة العظمى في أن الله قد أعلن لنا ذاته في التجسد، وأن الله واحد تمامًا مع إعلانه هذا. فكل شيء يعتمد على الوحدانية في الجوهر والفعل والقول بين يسوع المسيح الابن الوحيد المتجسد والله الآب.

وإن لم تكن هذه الوحدانية في ذات الجوهر أمرًا حقيقيًّا وصادقًا، لفقد الإنجيل الأساس الفعلي لإعلان الله الذاتي لنا واتصاله الذاتي بنا في المسيح يسوع، وهذا الأساس هو ما يجعل الإنجيل يصير إنجيلاً أي بشارة مفرحة حقيقية.

وعلاوة على ذلك كما رأينا، فإن تعبير له ذات الجوهر الواحد μοούσιος مع الآب إنما يعبِّر عن الوحدانية المطلقة بين أنا هو الخاصة بالرب يسوع وأنا هو الخاصة بالله الآب ضابط الكل، لأن ابن الله في شخصه المتجسد هو الذي نستطيع فيه أن نعرف الآب وفقًا لما هو في ذاته، ونعرفه معرفة دقيقة وحقيقية وفقًا لطبيعته الإلهية. ويؤكِّد مصطلح هوموأووسيوس أن ما هو الله في ذاته منذ الأزل هو نفس ما هو في يسوع المسيح، وبالتالي فليس هناك إله آخر مجهول بعيد عن الرب يسوع المسيح، بل هو فقط الإله الذي قد صار معروفًا لنا في يسوع المسيح.

وهذا ما نسمعه من القديس أثناسيوس حين يقول إن معرفة الآب من خلال الابن ومعرفة الابن من الآب هما نفس الشيء تمامًا[6]، ويردد القديس باسيليوس ما قاله القديس أثناسيوس: كل ما للآب يُرى في الابن، وكل ما للابن هو للآب، لأن الابن بجملته هو في الآب وله كل ما هو للآب في ذاته. وبذلك فإن أقنوم الابن كما لو كان هو هيئة ووجه معرفة الآب، كما أن أقنوم الآب يُعرَف في هيئة الابن[7].

وجدير بالذكر هنا، أن مصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος ينطبق تبعيًّا على العلاقة بين الابن المتجسد والله الآب. وهذا يعني أن هذا المصطلح يؤكد حقيقة بشرية المسيح، وحقيقة أن كل ما أعلنه المسيح لنا وما صنعه من أجلنا إنما قد تم وهو في وحدانية غير منفصلة في جوهر الله الأزلي.

وقد أشرنا سابقًا إلى أهمية ما قاله القديس أثناسيوس بأن الابن المتجسد أو بشرية الرب أو الإنسان الرباني Dominical Man على حد تعبير القديس أثناسيوس يعتبر رأس أو أول طرق الله* لأجلنا[8]، مما كان له أكبر الأثر في الفهم المسيحي لله وفقًا لما هو في ذاته وما قد أعلنه لنا عن ذاته. ولا بد لنا من أن نشير إلى أن أهمية مصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος تكمن في ارتباط المسيح، وهو في حقيقة وكمال بشريته، بحقيقته وكماله بكونه ابن الآب الأزلي.

وما يجب علينا هنا أن نعيه تمامًا هو كمال بشرية إنسانية المسيح: أي إن الابن في التجسد اتحد بطبيعة بشرية كاملة في زمان ومكان محدد، لذا فالمسيح هو أخ لنا، لحم من لحمنا ودم من دمنا[9]. وبالتحديد كما أنه بكونه الابن المتجسد هو شريك مع الآب في ذات الجوهر والطبيعة الواحدة منذ الأزل، فكذلك أيضًا شاركنا كياننا وطبيعتنا البشرية المخلوقة.

ومن المدهش فعلاً أن الإنجيل كشف لنا أن الله ذاته جاء بيننا كإنسان[10]، وليس مجرد أنه أقام أو سكن في إنسان بل إنه هو نفسه صار إنسانًا كاملاً. وهكذا هو يلتقي بنا، ويعلن ذاته لنا، لأنه يشاركنا في كل كياننا وطبيعتنا البشرية: في الجسد والعقل والنفس[11].

وكانت هذه هي إحدى حقائق الإنجيل الأوليَّة التي سعى الأريوسيون إلى إغفالها إصرارًا منهم على إبقاء الله على مسافة بعيدة للغاية عن الإنسان، ولذا فقد نادوا بفكرة غريبة مفادها أنه بما أن المخلوقات لا تحتمل حضور الله المطلق أو يد الله، فقد خلق الله اللوغوس أولاً، ثم من خلال اللوغوس وبواسطته أحضر بقية الخليقة إلى الوجود[12]. ولذلك اعتبر الأريوسيون أن اللوغوس يحتل مكانة ودور مخلوق متوسط بين الله والعالم.

وقد انزعج آباء نيقية جدًّا عند سماعهم تلك الأقوال، وصمّموا بالإجماع على استبعاد الهرطقة الأريوسية بشكل قاطع وكان هذا هو الهدف الأول لتعبير له ذات الجوهر الواحد مع الآب ὁμοούσιος τῶ Πατρί[13]. وفي وجه النزعات الانقسامية الخاصة بفصل الابن، غير القابل للإنفصال، عن الآب تلك النزعات التي مزَّقت رداء المسيح وثوب الله الذي بغير خياطة كان لمصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος أكبر الأثر في رفض ثنائية الفكر، والحفاظ على حقيقة وكمال طبيعة المسيح الإنسانية، التي يتأسس عليها كمال وحقيقة خلاصنا[14].

وتُعد هذه النقطة ذات أهمية خاصة في فهمنا للوحدانية في ذات الجوهر بين الابن المتجسد والله الآب لأن هذه الوحدانية هي التي تربط الخلق والفداء معًا، حيث تكون محبة الله هي القاعدة الحقيقية التي يرسو عليها كل موضوع الخلق. ولذلك فإن عدم قبول هذه الحقيقة أي الوحدة في ذات الجوهر بين المسيح والله يعتبر رفضًا لنظرة المسيحية نحو الله والخلق والفداء، لأن كل شيء يعتمد في النهاية على حقيقة وكمال بشرية الابن المتجسد ووحدانيته في ذات الجوهر مع الله الآب.

 

78Athanasius, De syn., 51.

*أي إن هذه المصطلحات الهللينية عند استخدامها في التعليم المسيحي أصبحت تحمل معاني لم تكن تحملها حين كانت تُستخدم في التعبير عن الفكر الهللّيني. المترجم

79Cf. Athanasius, De syn., 45.

80Athanasius, Con. Ar., 1.19; 2.2, 14, De decr., 15. Cf. G. D. Dragas, Athanasiana, vol. 1, 1980, p. 54.

81Basil, Con. Eun., 1.18ff.

82See the citations from Arius’ Thalia, in Athanasius, De syn., 15; De decr., 16; Ad episc., 14, 16.

83Athanasius, Con. Ar., 2.82.

84Basil, Ep., 28.8. Cf. Athanasius, Con. Ar., 2.18, 22; 3.3f.

* ارجع إلى الفصل الثاني صفحة 88 ، والفصل الثالث صفحة 119. المترجم

85Athanasius, Exp. Fidei, 1 & 4; De decr., 13f; Ad episc., 17; Con. Ar., 2.18-67, etc.

86Athanasius, Ad Epict., 2-9; Con. Ar., 4.30-36.

87Athanasius, Con. Ar., 3.30. Cf.

يقول القديس إبيفانيوس: إنه هو ذاته، كان الله وإنسان في آنٍ واحد، ليس كما لو كان يسكن في إنسان ولكنه هو نفسه صار إنسانًا بالكامل. Haer., 77.29

[11]تحتوي رسالتا القديس أثناسيوس ضد أبوليناريوس Contra Apollinarem على حجج قوية عن حقيقة بشرية المسيح الكاملة وأثر ذلك على خلاص الإنسان ككل.

D. Dragas, St Athanasius Contra Apollinarem, 1985.

[12]وهنا كان للقديس أثناسيوس السؤال التالي: كيف يستطيع اللوغوس نفسه في هذه الحالة، أن يحتمل حضور الله المطلق أو يد الله، لو كان هو أيضًا حسب رأي الأريوسيين مخلوقًا؟ :Athanasius, De decr., 7ff

90 Athanasius, Ad episc., 13.

91 Athanasius, Ep. fest., 4.4; 5.6; 10.9; Ad Adel., 2ff.

الأهمية الإنجيلية لمصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !

مقالات ذات صلة