الرئيسية / عام / التجسد الإلهي وخلاصنا، أساس شركتنا مع الله.

التجسد الإلهي وخلاصنا، أساس شركتنا مع الله.

وخلاصنا، شركتنا
الجزء الأول من الموضوع
أولاً: تمهيـــــــــــــــــــــــــد


في الواقع المسيحي الاختباري لا نستطيع أن نتعرف على الثالوث القدوس بدون أن ندخل في شركة معه على المستوى الإعلاني، لأنه هو من يعلن لنا عن ذاته وكينونته [ أنا هوَّ ]، وحتي الاعتراف الصحيح بأن واحد يصبح بلا معني في اللاهوت المسيحي ما لم يكن هذا التوحيد هو توحيد شركة وحياة، أي توحيد قائم علي الثالوث القدوس. 

حتى وجودنا الإنساني الحقيقي هو في الشركة، لأن يستحيل الوجود بدون شركة. فمن هنا ندرك أن الشركة هي الوجود والقاعدة التي يرتكز عليها الاتحاد الإنساني كله، وأن أي كيان حقيقي لا يُمكن معرفته بدون الشركة، وهذا ما انجزه آباء الكنيسة الذين اعتمدوا على رسالة الإنجيل الحي الظاهرة في تجسد الكلمة، الذي أعلن لنا سرّ الشركة بإظهار وحدته الآب التي أعلنها لنا بالإنجيل [ أنا والآب واحد ] (يوحنا 10: 30)، والتي شعها فينا بالروح القدس روح الوحدة والاتحاد في يسوع.

وإذا كان الوجود قائم على شركة، فأننا لا نفهم الوجود بل لا نستطيع أن نفهمه الا من خلال علاقة، وبالتالي لا يُمكننا ان نفهم الوجود كوجود في حد ذاته، وذلك لأن كل كائن لا يوجد في حالة عزلة عن الآخر ولا يحيا كفرد منفرد بذاته منعزلاً عن الآخر.
ولا يوجد كائن قائم بذاته يمكن فهمه كما هو في ذاته، وهذا ما انكره الآباء علي الفلاسفة الذين يطلبون فهم الوجود وكيان كل الموجودات كما هي مجردة وليس كما هي في علاقة وشركة غيرها.
ومن هنا نفهم سرّ الخلق وارتباط البشر ببعضهم البعض، بل وحاجتهم المستمرة لأن يقيموا علاقة بينهم، فالله الخالق بصلاحه ارتضي بدافع فائق من محبته أن يخلق من يُحسن إليهم ويفيض عليهم نعمته ويشركهم بصلاحه، فأخرج الكل من العدم إلي الوجود وخلق ما يُري وما لا يُري، جاعلاً الإنسان مُركباً من منظور وغير منظور بحسب قول القديس يوحنا الدمشقي. بل وجعل البشر كلهم من رأس واحد وهو آدم…

ومن سفر التكوين الذي جعله البعض مجرد صورة رمزية، لأنهم لا يصدقون أن للبشرية رأس واحد ويقولون أن هذا مستحيل، طبعاً مستحيل بسبب السقوط وتفتت الإنسان واستقلاله وهدم البناء الواحد (كما سوف نرى حينما نشرح موضوع الخطية)، عموماً يُمكننا أن نقول أن العالم كله سمع لأول مرة في تاريخه أن الشركة هي التي تجعل اي كائن كائن فعلا وأن الكينونة والوجود لا تقوم الا بالشركة حتي في نفسه، وذلك من خلال سرّ الفائق والوحدة التي تمت بين وإنسانيتنا، وايضاً من خلال صلاة الرب في جسثيماني على أنه راس البشرية الجديدة الذي فيه يكون الجميع واحد 

  • [ أحفظهم في اسمك الذين أعطيتني ليكونوا واحداً كما نحن ] (يوحنا 17: 11)
  • [ ليكون الجميع واحداً كما انك أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا ليؤمن العالم انك أرسلتني، وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحداً كما اننا نحن واحد، أنا فيهم وأنت فيَّ ليكونوا مكملين إلى واحد، وليعلم العالم انك أرسلتني وأحببتهم كما أحببتني ] (يوحنا 17: 21 – 23)

لننتبه لهذه الآية يا إخوتي، لأن فيها إعلان إيمان حي في ، لأن الإيمان الحقيقي يوحد في كيان حي اسمه كنيسة واحدة لراعٍ واحد، أعضاء لبعضنا البعض ورأسنا الواحد هو الرب: [ ولي خراف أُخرّ ليست من هذه الحظيرة ينبغي أن آتي بتلك أيضاً فتسمع صوتي وتكون رعية واحدة وراعٍ واحد ] (يوحنا 10: 16)

وطبعا اذا كان الوجود شركة، فأن الشركة هي جوهر الوجود. وطبعا قد نتصور الشركة علي أنها علاقة ترضي طرفين، أو إنها هي بحد ذاتها هدف، ولكن ذلك يجعل الوجود نفسه غامض، فالوجود من أجل الشركة أو مجرد علاقة فأنه يحوَّل الوجود والشركة الي قضية وجودية فلسفية مثل تلك القضية الوجودية التي طرحها ماركن بوبر ( buber ) (فيلسوف ألماني من أصل يهودي له مؤلفات عن الفلسفة و يبدو أنه اعتنق المسيحية)، حيث اعتبر أن (( أنا )) هي الوجود وأن (( انت )) أي الآخر هو غاية الوجود، وأصبح الوجود عبارة عن بناء قائم علي (( أنا وانت )) أي (( أنا والآخر )) .

هذا الفكر الفلسفي الذي يطرح علينا الوجود بشكل فلسفي مُغلق (بين انا وانت بدون رأس يجمعنا في المحبة المتدفقة لنكون واحد) تصبح فيه غاية الوجود هي الوجود نفسه ( بحد ذاته ) وقد تجاوز الآباء هذا الفكر الضيق المحصور في دائرة (أنا وأنت) عندما عادوا الي الكتاب المقدس والتقليد الكنسي الذي أبرزه رعاة الكنيسة مثل أثناسيوس الرسولي وغيره من الآباء المختبرين للحياة المسيحية في شركة أعضاء ، فأعلنوا بروح الكتاب المقدس في صراحة الحق، بأن ليس موجود بالمعنى الفلسفي الفكري المحصور والضيق، بل هو كائن بذاته، وجوهره ليس غامضاً يتمتع بصفة الوجود من أجل الوجود ذاته، بل من الواضح أن علة أو سبب الكينونة ليس مبدأ أو علاقة غامضة أو فكرة مجردة وإنما هو شخص وأقنوم الآب. وهذا يعني أن نفسه غير خاضع لبناء فلسفي يُفرض عليه وإنما جوهره وكيانه متأقنم يجعله فوق كل القياس العقلي النظري والفكري الفلسفي، فوجود ليس قضية فلسفية ولا واجب الوجود من أجل الوجود كما يقال، وإنما هو الكائن المطلق الفريد بذاته كأب فيه البنوة الأزلية والحياة متدفقة.

ولذلك علينا أن ندرك تمام الإدراك أن الكيان الالهي فوق الفهم النظري والكلام الفلسفي وكل الشروحات العقلية، لأن الأبوة تعرف في البنوة، وأبوة حياة متدفقة بالبنوة، اي أنها حياة شركة أبوة بالبنوة بتيار حياة الحب المتبادل والمتدفق، والبنوة لا تُعرف إلا بالأبوة بتيار حياة الحب المتبادل أيضاً، لذلك قد أصبح من الضروري أن نستوعب أن لا يُعرف الا من خلال التذوق بالرؤيا الداخلية بانفتاح الذهن والدخول في سرّ حياة البنوة أي الدخول في سرّ الشركة: 

  • [ ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب طوبى للرجل المتوكل عليه ] (مزمور 34: 8)
  • [ هذا وجد أولاً أخاه سمعان فقال له قد وجدنا مسيا الذي تفسيره ] (يوحنا 1: 41)
  • [ انظروا أية محبة أعطانا الآب حتى ندعى أولاد الله، من أجل هذا لا يعرفنا العالم لأنه لا يعرفه ] (1يوحنا 3: 1)
  • [ أمين هو الله الذي به دُعيتم إلى شركة ابنه يسوع ربنا ] (1كورنثوس 1: 9)
  • [ الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به لكي يكون لكم أيضاً شركة معنا وأما شركتنا نحن فهي الآب ومع ابنه يسوع ] (1يوحنا 1: 3)

اذاً يا إخوتي جوهر الله ليس غامضاً وفكرة مجردة، بل كيان أبوة يُنشئ شركة في وحدة، وليس مجرد بناء وجودي نتأمله من الخارج ولا نقترب منه لأنه موجود من أجل التمتع بالوجود، بل جوهر الله هو كينونة وجوهر في أقانيم الثالوث، حيث الآب نفسه هو علة وسبب كينونة أقنومي الابن والروح القدس، وهكذا خلق الانسان علي صورة ذاته، ليكون في حالة شركة بعضه البعض الله أصل وعلة وجوده وخلقته.

  • نستطيع مما فات أن نعرف ونفهم من جهة إعلان مجد الله في ملء الزمان بتجسد الكلمة، أن لنا علاقة كيانية بالمسيح كلمة الله المتجسد، فمنذ البداية شدد الآباء متذوقي الحياة المسيحية على مستوى الخبرة، خبرة الإيمان الحي، علي حقيقة هامه وهي: أن الإنسان قادر علي أن يقترب من الله من خلال الابن في الروح القدس فقط دون أي أسلوب أو وسيلة أُخري.

والقديس بولس الرسول أول من تكلم عن علاقة المسيح الكيانية بكل واحد منا بصفته آدم الثاني (أو بمعنى أدق الأخير) أصل الجنس البشري الجديد. فكما أن البشرية كلها كانت في آدم الأول حينما استقبل الموت بسبب الخطية، حتي انطبق علينا جميعا حكم الطرد والموت حسب أفعالنا الشخصية المسئولين عنها نحن بإرادتنا: [ فإذاً كما بخطية واحدة صار الحكم إلى جميع الناس للدينونة، هكذا ببر واحد صارت الهبة إلى جميع الناس لتبرير الحياة، لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد جعل الكثيرون خطاة (لأنهم مرتبطين به كيانياً كبشر وهو رأسهم الواحد الذي تدفق عليهم بالموت) هكذا أيضاً بإطاعة الواحد (الجديد الرب من السماء رأس الخليقة الجديدة) سيجعل الكثيرون أبراراً ] (رومية 5: 18)

وقد اهتم آباء الإسكندرية علي الخصوص بإبراز هذه العلاقة الكيانية التي تربطنا بالمسيح حتي جعلوها أساساً لكل تعاليمهم الروحية عن الخلاص والتجسد، لأنهم أكدوا على أنها علاقة شركة حقيقية، على مستوى الواقع الاختباري.

فمثلا نسمع القديس أثناسيوس الرسولي يقول: [ انه لما اغتسل الرب في الأردن كإنسان كنا نحن فيه ومعه الذين نغتسل، وحينما اقتبل الروح نحن الذين كنا معه مقتبلين هذا الروح ] (عظة: الرسالة إلي تيطس )
وكما يقول أيضا بخصوص الصعود أن المسيح لم يصعد لأجل نفسه بل [ من اجلنا نحن الذين كان يحملنا في جسده ] (تجسد الكلمة 25: 6)
و بالإجمال يصيغ هذه الحقيقة في صيغة قانون لاهوتي عام قائلاً: [ أن كل ما كُتب فيما يختص بناسوت مخلصنا ينبغي ان يعتبر لكل جنس البشرية ] 

عموماً يا إخوتي أن الأساس اللاهوتي لوجودنا الكياني في المسيح هو يرتكز أساساً في سر ، أي سرّ الاتحاد الأقنومي الفائق بين لاهوت المسيح وناسوته، ذلك الاتحاد الفائق هو الذي يعتبر بحق ينبوع جميع الخيرات التي تنسكب علينا في المسيح وكما يقول القديس كيرلس الكبير: [ لأن جميع الخيرات إنما بواسطته تتدفق نحونا ] (تفسير يوحنا 7: 39)

__________يتبــــــــــــــــــع__________

عنوان الجزء الثاني
مقدمة: آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

مذيع مسلم: الله مات - هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟

مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟

مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟ مذيع مسلم: الله مات – …