مواضيع عاجلة

سرّ يسوع تقديس الإنسان للاتحاد بالله -الجزء الثاني

للاتحاد بالله
شهادة حية لإيمان مُسَلَّم من جيل إلى جيل
من التصق بالرب فهو روح واحد ] (1كو 6 : 17)
سر أي تأهيل الطبيعة البشرية للحياة مع الله
كمجال حي لنتذوق عمل الخلاصي في حياتنا
الجزء الثاني :/ غاية التجســـــــــــد
للعودة للجزء الأول – المقدمة 
أضغط هنا.

سلسلة ( سرّ يسوع تقديس الإنسان للاتحاد بالله )

التجسد فعل إلهي ذات حركتين، حركة نزول وحركة صعود، أي تنازل أو نزول إلهي وصعود بشري، أي الكلمة صار إنساناً لكي يرفع كل إنسان للإتحاد بالله؛ أي أن النزول العجيب الغير المدرك لله إلى عمق حالة البشرية الساقطة حتى إلى درجة الموت، قد صار نزول إلهي فتح لجنس البشر طريق الصعود لله وهذا هو الخلاص …

أي أن النزول الإلهي، أي نزول الله في الجسد، الكلمة صار جسداً، جعل البشر قادرين على الصعود في الروح القدس على حسب قول أبينا القديس اثناسيوس الرسولي.

لقد كان من الضروري أن يتم هذا الإتضاع الإرادي من جهة الله، المسمى بالإخلاء من مجد الألوهة الذي تممه شخص الكلمة المتجسد إذ أخلى ذاته آخذاً شكل العبد، وذلك حتى تُحقق البشرية الساقطة دعوتها إلى اللاهوتية ( أي الاتحاد بالله – وليس معنى ذلك أن يساوي الله طبعاً بل هو فعل نعمة ممنوح من الله للإنسان بتجسد الكلمة الذي اتحد بنا اتحاد حقيقي غير قابل للانفصال بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير ). وهكذا فأن هدف العمل الفدائي الذي أكمله له المجد أو بالحري هدف التجسد عموماً قد أصبح هو الهدف النهائي للبشرية كلها: أن تعرف طريق الإتحاد مع الله، وتحيا في شركة حقيقية معه بالوحدة الحقيقية في الكلمة المتجسد.

فإن كان هذا الإتحاد قد أكتمل في شخص ابن الله المتجسد، الذي هو (( الله صار إنساناً ))، فمن الضروري أن كل شخص بالتالي يؤمن بالمسيح الله الظاهر في الجسد، يصير مُقدساً بالنعمة فيُصبح مقر سكنى الله ويتطبع بالطبع الإلهي أي ” شريك الطبيعة الإلهية ” حسب تعبير القديس الطوباوي بطرس الرسول ( 2بط 1 : 4 )، ( مع ملاحظة أن الكلام لا يُقصد به بالطبع أن يصير شريك في الطبيعة الإلهية ذاتها من جهة الجوهر، يعني يصير أقنوماً لأن هذا تجديف ويستحيل أن يكون، وفهم حرفي للجدل والخروج عن عمل الله، بل المقصود هو أن يتطبع بالطبع الإلهي أي تحقيق صورة الله فيه بعمل النعمة )

فبالتجسد أخذ الله على نفسه طبيعتنا البشرية الساقطة والمتردية في شهواتها (1)، وضمها إلى لاهوته باتحاد غير قابل للافتراق (لاهوته لم يفارق ناسوته – وهذا هو إيماننا ) (2)، لتسري فيها الحياة الإلهية فتجددها وتشددها وتُعيد تكوينها من جديد بالقيامة وهذا هو قوة الخلاص وفعله …

فبالتجسد اتحد الله بالإنسان اتحاد حقيقي غير قابل للافتراق، لتسري في حياة الله وهكذا يتقدس، وكيف يكون ذلك على المستوى الواقعي، يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [ الكلمة اتخذ جسداً لكي ننال نحن الروح القدس ] ( تجسد الكلمة ، وأيضا ضد الأريوسيين : 8 )
ويقول القديس أمبروسيوس : [ بالروح نقتني صورة الله وننمو إلى مشابهته، وبالروح كما يقول معلمنا بطرس نصير شركاء الطبيعة الإلهية، وهذه الشركة لا تعطينا ميراثاً جسدياً ،بل تلك الرابطة الروحية في نعمة التبني ] ( عظة على الروح القدس 8 : 94 ، 95 )
ويقول أيضاً : [ إذن فقد خُتمنا بروح الله ” الذي فيه أيضاً إذ آمنتم خُتمتم بروح الموعد القدوس الذي هو عربون خلاصنا.. ] ( أف 1 : 13 و 14 )، فنحن نُختم بالروح لكي نقتني بهاؤه وصورته ونعمته … حتى يصور الروح القدس فينا مشابهة الصورة الإلهية ] ( على الروح القدس 6 : 79 )
ويقول القديس اثناسيوس الرسولي : [ الكلمة صار جسداً لكي يجعل قادراً أن يتقبل اللاهوت ( ضد الأريوسيين 2: 59 )
ويقول ايضاً : [ لقد صار إنساناً لكي يوحدنا مع الله في شخصه، وخرج من امرأة ووُلد من عذراء لكي يحول إلى نفسه جنسنا الضال، ويُصيرنا بالتالي جنساً مقدساً وشركاء الطبيعة الإلهية كما كتب بطرس الطوباوي ( 2بط: 1 : 4 ) ] ( الرسالة 60 إلى أدلفيوس ، ب.ج 26 : 1077 )
ويقول في منتهى التركيز والقوة: [ فلأجل هذا قد صار الاتحاد لكي يصير من هو إنسان بحسب الطبيعة ملتحماً بطبيعة اللاهوت، فيصير بذلك خلاصه واتحاده بالله مضموناً ] ( ضد الأريوسيين 2: 70 ، ب.ج 26 : 296 )
ويقول أيضاً: [ لقد صار الكلمة جسداً لكي يقدم هذا الجسد من أجل الجميع فنستطيع نحن أن نتحد بالله بمشاركة الروح القدس. فلم يكن ممكناً أن ننال ذلك بوسيلة أخرى إلا بأن يلبس هو جسدنا المخلوق ] ( الدفاع عن قانون نيقية 14 ، ب.ج 25 : 448 )

وهذا القول الأخير أظهر فيه القديس اثناسيوس النتيجة من تجسد الكلمة وهي أن ننال نحن الروح القدس لنتحد بالله بواسطته، أي أن الكلمة أخذ جسدنا ليتمكن من أن يعطينا روحه القدوس، وهذا هو عينة ما نقصده ونتغنى به في ثيئوتوكية الجمعة في الكنيسة القبطية:

هو أخذ جسدنا *** وأعطانا روحه القدوس
وجعلنا واحداً معه *** من قِبَل صلاحـــــــه
هو أخذ الذي لنــا *** وأعطانا الذي لــــــه
نسبحـــه ونمجده *** ونزيده علــــــــــــــواً

باختصار شديد، إن غاية التدبير الإلهي له شقين، الشق الأول هو العتق من الخطية أي الحرية من سلطان الخطية وهذا هو الفداء أو الخلاص 
والشق الثاني : من جهة الدعوة الإلهية أو كمال الخلاص أو الغاية النهائية من التجسد يطلق عليها آباء الكنيسة = الإتحاد بالله = التبني، أي نصير أبناء في الابن الوحيد

ولكي لا يعتقد أحد أني أتكلم من نفسي أو من جهة تأملاتي الخاصة أكتب ما قد كتبه القديس إيرينيئوس ( أستشهد عام 200 ميلادية وهو من الآباء الرسوليين ) : [ أن البعض لا يقبلون عطية التبني ويحتقرون الميلاد البتولي الذي به تجسد كلمة الله. وهم بذلك يسلبون من الارتقاء نحو الله ويصيرون غير شاكرين لكلمة الله الذي تجسد من أجلهم. فإنه لهذه الغاية قد صار كلمة الله إنساناً وصار ابن الله ابناً للإنسان: لكي يتحد الإنسان بالكلمة ويقبل التبني فيصير ابناً لله ] ( ضد الهراطقة 3: 19 : 1 – 3 )

عموماً كختام لهذا الجزء، نقول أنه سوف يُستعلن هذا السرّ بكاملة في نهاية الدهور، بعد أن تعود كل المخلوقات لتصير متحدة بالمسيح ليصير الله الكل في الكل:
” اَلَّذِي نَزَلَ هُوَ الَّذِي صَعِدَ أَيْضاً فَوْقَ جَمِيعِ السَّمَاوَاتِ، لِكَيْ يَمْلَئ الْكُلَّ. وَهُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلاً، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ، لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ، لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ، إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِلٍ. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ. ” ( أف4: 10 – 13 )
” فَإِنَّ سِيرَتَنَا نَحْنُ هِيَ فِي السَّمَاوَاتِ، الَّتِي مِنْهَا أَيْضاً نَنْتَظِرُ مُخَلِّصاً هُوَ الرَّبُّ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ، بِحَسَبِ عَمَلِ اسْتِطَاعَتِهِ أَنْ يُخْضِعَ لِنَفْسِهِ كُلَّ شَيْءٍ. ” ( في3: 20 – 21 )



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) طبعاً لا اقصد من قريب أو بعيد أن كان فيه خطية (مستحيل طبعاً) ولكنه اتحد بنا اتحاد حقيقي كامل بلا خطية
(2)  اتحد بنا اتحاد لا يقبل الافتراق يقول القديس كيرلس الكبير [ لقد وُلِدَ بحسب الجسد من امرأة آخذاً منها جسده الخاص لكي يغرس نفسه فينا باتحاد لا يقبل الافتراق ] ( تفسير لوقا 22 : 19 ، ب.ج 72 : 909 )

 

غنى النعمة ووافر السلام لكم جميعاً في الرب
كونوا معافين باسم الثالوث القدوس
الإله الواحد آمين

 

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

عاموس 11:8 - بماذا يقصد عاموس بقوله أن سيكون هناك مجاعة لسماع كلمات الرب؟ ترجمة: تريزا شحاته حنا

عاموس 11:8 – بماذا يقصد عاموس بقوله أن سيكون هناك مجاعة لسماع كلمات الرب؟ ترجمة: تريزا شحاته حنا

عاموس 11:8 – بماذا يقصد عاموس بقوله أن سيكون هناك مجاعة لسماع كلمات الرب؟ ترجمة: …