روحياتعام

سرّ يسوع تقديس الإنسان -الجزء الرابع- الجسد الترابي ليس عائقاً للتقديس

سرّ يسوع تقديس الإنسان للاتحاد بالله
شهادة حية لإيمان مُسَلَّم من جيل إلى جيل
من التصق بالرب فهو روح واحد ] (1كو 6 : 17)
سر يسوع تقديس الإنسان أي تأهيل الطبيعة البشرية للحياة مع الله
كمجال حي لنتذوق عمل المسيح الخلاصي في حياتنا
الجزء الرابع :/ 
الجسد الترابي ليس عائقاً للتقديس 

بل هو مجال مُناسب لعمل الله

للعودة للجزء الثالث – تقديس البشرية في المسيح
أضغط هنا.

[ الكلمة صار جسداً ] أي أن الله الكلمة صار ما نحن عليه بحد تعبير القديس أثناسيوس الرسولي، فالكلمة اتحد بجسدنا الإنساني – كما قلنا سابقاً – اتحاداً حقيقياً لا يقبل الانفصال كما أنه اتحد اتحاداً حقيقياً بلا اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير، أي أن اتحاد الله الكلمة بإنسانيتنا لم يخرجه أو يغيره عن ألوهيته، وأيضاً اتحادنا به كبشر لم ولن يُخرجنا عن إنسانيتنا أو يغير شيء من طبعنا الإنساني، بل يمجدنا ويرفعنا للعلو الحلو الذي للقديسين في حالة من السمو حتى أنه ينسبنا إليه، لأن الآب بواسطة الابن الوحيد الذي معه في وحدة جوهر مع الروح القدس، يُقدسنا ويصبغنا بالفضائل الإلهية، وينير حياتنا إشراق نوره لمعرفة مجده في وجه يسوع: [ لأن الله الذي قال أن يُشرق نور من ظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح ] (2كو 4: 6).

وهُنا نرى حركة نزول لله الحي – باتضاع عظيم – إلى الجسد الإنساني الترابي، وهي عينها حركة ارتقاء وصعود لنا نحن كبشر، وهذا هو التقديس عينه [ ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء ] (يو 3 : 13)، ولذلك حينما يقول الكتاب المقدس بإعلان إلهي واضح إن كلمة الله [ صار جسداً ]، يعني بذلك أن كل كائن بشري في الجسد يؤمن بتجسد الكلمة إيمان حي حقيقي واعتمد فيه قد تطبع بالطابع الإلهي واتحد بالله بسبب تجسد الكلمة !!!

فلما صار الإله الكلمة إنساناً، صار لكل إنسان يؤمن وحدة حقيقية مع الله بتقديس الروح القدس، وصار له شركة حقيقية مع الله بسرّ الوحدة، فتتغلغل فيه سمات المسيح الرب الإلهية بعمل الروح القدس الذي يأخذ مما له ويُعطينا، لنصير في النهاية قديسين وبلا لوم أمامه في المحبة وتكتمل صورته فينا بنمونا إليها بالنعمة كل واحد حسب قامته وعمل النعمة فيه وانفتاح قلبه عليها …

ويقول القديس كيرلس الكبير: [ أن الابن الوحيد المولود من الآب له في طبيعته كل كيان الآب. ولما صار بشراً … اتحد بجسدنا البشري اتحاداً لا يُمكن وصفه بكلام بشري .
إنه في آنٍ واحد إله وإنسان. يوحَّدْ في ذاته، على نحوٍ خاص، ما هو مُتباين له أشد التباين، ويجعله مُشاركاً له في طبيعته الإلهية ] 

أن الجسد في حقيقته – في نظر الإنجيل كلمة الله – هو علامة مجدٍ واعتزاز، فالشخص البشري ليس [ روحاً متعلقة في جسد ] كما قال الفلاسفة، بل هو – على العكس من ذلك – [ جسد تُحييه روح ]. والجسد والروح مقترنان معاً في الحب ويستحيل فصلهما، بحيث يُمكن القول أن الجسد هو كالعروس التي يملأها الله بنعمته وبهائه… فالله لم يوحَّد بين الروح والجسد عقاباً للروح، ولا انتقاماً منها، والله لم يخلق روحاً وصنع لها جسداً، بل خلق الإنسان كإنسان: جسد ونفس وروح معاً بدون تفرقة إطلاقاً ولا تمييز بين جزء فيه وآخر …

والجسد مقرّ سُكنى لمسرة الله. لذلك نرى بالروح القدس أن الله خلق الإنسان ووهبه جسد بدافع من حبه، وبدافع من نفس ذات الحب اتخذ لنفسه ذات الجسد، وإيماننا الحي حسب ما تسلمناه من كلمة الله ومن آباء الكنيسة يقول: إننا نؤمن أن المسيح الرب الإله الحي لما وحَّد في ذاته الجسد والخليقة أي البشرية، أعادها إلى مجدها الأول وإلى الآب التي منه صدرت…

فالخليقة بأسرها تجد في جسد يسوع المسيح الإله الكلمة المتجسد، مبدأ كرامتها ووحدتها وتضامنها. وهذه الحقيقة هي الخيط الذهبي الذي نسج منه اللاهوت المسيحي في العالم أجمع تعليمه على مدى التاريخ المسيحي كله، وبه اتسَّم واتخذ معناه المُميز الذي لا يُمكننا الإحاطة بكل أبعاده مهما ما توغلنا في الحديث عنه وبدقة وبدراسة كاملة، لأنه سرّ ندخل فيه بالروح ونغترف من غناه ونعيشه في حياتنا وننمو فيه يوماً بعد يوم …

ولكن الحقيقة التي أخرجها لنا لاهوت الخبرة عند آباء الكنيسة هي: إن البشرية كلها، بل الخليقة بأسرها، هي فيض متدفق من محبة الله الثالوث القدوس الإله الواحد الوحيد، وفي المسيح الإله الكلمة المتجسد أُعيدت إلى الله الثالوث القدوس …

ففي التجسد صار المسيح الرب جوهر حياة البشرية ومحور الخليقة كلها؛ والتجسد هو عمل محبة محض، أراد به الله أن يصير واحداً مع خليقته بانسجام وتوافق وتناغم وتلاحم شديد يستحيل أن ينفك أو قابل لأدنى انفصال قط، لذلك منذ التجسد وإلى الأبد لن يتخلى الرب يسوع عن جسده قط …

لقد صار الكلمة جسداً رغبة منه في أن تتجلى ألوهيته وتتمجد في البشرية التي خلقها وقصد منذ الأزل أن تكون هي المقرّ المختار لسكناه والمكان المحبوب لحضوره الخاص، لذلك قال بفمه الطاهر أنه لا يسكن في هياكل مصنوعة بيد بشر، بل أننا هياكل مقدسه خاصة له قد صنعها بيديه لتكون المقر الدائم لسكناه وحلوله الخاص والسري :

  • الإله الذي خلق العالم وكل ما فيه هذا إذ هو رب السماء والأرض لا يسكن في هياكل مصنوعة بالأيادي ] (اع 17 : 24)
  • [ أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم ] (1كو 3 : 16)
  • أنتم هيكل الله الحي كما قال الله إني سأسكن فيهم وأسير بينهم وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً ] (2كو 6 : 16)
  • [ لأنك أنت شعب مقدس للرب إلهك إياك قد اختار الرب إلهك لتكون له شعباً أخص من جميع الشعوب الذين على وجه الأرض ] (تث 7 : 6)

وكما يُقال في ليتورجيا الأروام في عيد البشارة [ اليوم بُشرى الفرح؛ اليوم العيد البتولي، اليوم السماء اتصلت بالأرض. آدم اكتسى حياة جديدة، وحواء أُعتقت من الحزن. جوهرنا الإنساني صار مقراً لسُكنى الله، وجسدنا البشري أضحى هيكلاً له ]

وبسبب نعمة التجسد تطبعنا بالطابع الإلهي وأصبح الله يُرى فينا من خلال جسدنا المادي هذا للخليقة كلها التي حينما ترى عمل الله فينا ظاهراً تمجده جداً: [ لأننا نحن عمله مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها ] (اف 2 : 10)؛ [ فليُضئ نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات ] (مت 5 : 16)

  • ويقول القديس غريغوريوس بالاماس: [ إن الله غير المرئي للمخلوقات ولكنه ليس غير مرئي لنفسه، هو الذي سوف يُرى لا فقط من خلال النفس التي فينا، ولكن أيضاً من خلال جسدنا ]
  • ويقول القديس كيرلس الكبير : [ لقد تغيرنا إلى شكل المسيح روحياً وأيضاً جسدياً، لأن المسيح يحل فينا أيضاً بالروح القدس، وبسرّ الألوجية ] (تفسير رومية8: 3)
  • ويقول أيضاً: [ لقد نلنا نصيباً في القرابة معه بواسطة الإيمان . فقد صرنا شركاء معه في الجسد بواسطة سرّ الألوجية . وأيضاً اتحدنا به من جهة أخرى إذ صرنا شركاء طبيعته الإلهية بواسطة الروح (القدس) ]
  • وأيضاً يقول: [ كان ينبغي، نعم كان ينبغي ليس فقط أن النفس تتجدد في جده الحياة بالروح القدس، بل أنهذا الجسد أيضاً الكثيف الأرضي يتقدس بتناول جسدي مُناسب لطبيعته حتى ينال هو أيضاً عدم الفساد ] (تفسير يوحنا 6)
  • ويقول بأكثر وضوح: [ لقد خلق الله كل شيء للخلود. ولكن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس. فقد دفع المجرب الإنسان الأول للخطية والعصيان، وأوقعته تحت لعنة الله. فكيف يُمكن للإنسان الذي صار تحت سلطان الموت أن يستعيد الخلود؟ كان لابد أن يدخل جسده الميت في شركة قوة الله المُحيية. أما قوة الله المُحيية فهي اللوغس . لذلك فقد صار اللوغس إنساناً، واتحد بجسد قابل للموت، وأعطاه مناعة ضد الفساد، وجعلهُ جسداً مُحيياً. لكن كان ينبغي أن يحلَّ فينا روحياً بواسطة الروح القدس. كما يتحد أيضاً بطريقة ما بأجسادنا بواسطة جسده المقدس ودمه الكريم ] (تفسير لو22: 9؛ العبادة بالروح : 9 ؛ شرح متى26: 26)
  • ويقول القديس أثناسيوس الرسولي : [ الجسد – الترابي – أخذ الشركة في طبع الكلمة ] (ضد الأريوسيين)

غنى النعمة ووافر السلام لكم جميعاً في الرب
كونوا معافين باسم الثالوث القدوس
الإله الواحد آمين