الرئيسية / الردود على الشبهات / هـل تنبأ الكتاب المقدس عـن نبي آخر يأتي بعـد المسيح؟ – القمص عبد المسيح بسيط

هـل تنبأ الكتاب المقدس عـن نبي آخر يأتي بعـد المسيح؟ – القمص عبد المسيح بسيط

هـل تنبأ الكتاب المقدس عـن نبي آخر يأتي بعـد المسيح؟ - القمص عبد المسيح بسيط
هـل تنبأ الكتاب المقدس عـن نبي آخر يأتي بعـد ؟ –

 

 

المقدمة:

 

5

الفصل الأول:

هـل تنبأ الكتاب المقدس عـن نبي آخر يأتي بعـد ؟.

7

الفصل الثاني:

الموعـد باسحق أم بإسماعيل؟.

17

الفصل الثالث:

من هـو شيلوه في نبوّة يعـقوب؟.

29

الفصل الرابع:

من هـو النبي المثيل بموسى؟.

45

الفصل الخامس:

ما المقصود بالأمة الغـبية؟.

66

الفصل السادس:

أرض فاران وتيمان بين سيناء والحجاز.

74

الفصل السابع:

الأسماء والصفات المشتقة من كلمات شبيهة بالحمد.

86

الفصل الثامن:

نبوات من سفر المزامير، ومن هو المنتظر ؟

96

الفصل التاسع:

نبوات إشعياء النبي.

115

الفصل العاشر:

نبوات سفر دانيال النبي وحقيقة ملكوت السموات.

131

الفصل الحادي عشر:

الباراقليط هل هو الروح القدس أم إنسان نبي؟.

145

الفصل الثاني عشر:

تاريخ استخدام كلمة الباراقليط ومعناها وترجماتها المختلفة.

154

 

ــــــــــ

 

 

– 5 –

مقـدمة

تكرّر كثيرًا في الأيام الأخيرة في الأفلام والمسلسلات الدينيّة استخدام آيات من الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد على أنها نبوات تدلّ على نبوّة نبي يأتي بعد ! وتزعم أنَّ هذه النبوات يعرفها الرهبان والقسوس كما يعرفون أبناءهم وأنَّهم يخفونها ويكتمون الحق ابتغاء لمكاسب دنيويّة وقتيّة زانلة!! وتُصوّر هذه الأفلام والمسلسلات الكثير من الرهبان والقسوس وهم يهرولون مسرعين في تلبية دعوة هذا الداعي، الذي يجدونه مكتوبـًا عندهم في التوراة والإنجيل!!

ولكن ما جاء في هذه الأفلام والمسلسلات لم يأت من فراغ فأن هناك عشرات بلّ مئات المجلّدات والكتب، القديمة والحديثة، والعشرات من المواقع على الإنترنت، التي كتبت ولا تزال تكتب في هذا الموضوع وتشير إلى عشراث الآيات والنصوص من الكتاب المقدّس بعهديه، القديم والجديد، على أنّها نبوات عن نبي يأتي بعد ، وتفسّرها بمفهوم يختلف عن مفهوم الكتاب المقدس وتستنطقها بما ليس فيها وتطلب منها أن تقول ما لا تعلم عنه شيئًا!! بل وتحذف منها بعض كلمات جوهريّة و تُضيف إليها كلمات وعبارات غير موجودة فيها!! و تأخذها بالشبهات!! سواء من جهة الأسماء أو الصفات أو من جهه المواقع الجغرافية!!

كما لا يتفق تفسيرها مع منطق الكتاب المقدّس ولا مع مضمونه ومحتواه وجوهره، بلّ ويتجاهل حقيقة هامّة وهي أنَّ نفس الكتاب المقدس تنبّأ، في أكثر من 400 نبوة، عن كل دقائق وتفصيلات حياة الرب يسوع بصورة واضحة لا لبس فيها ولا غموض، حدّد فيها الأم التي سيولد منها والمكان الذي سيولد فيه والمناطق التي سيُكرز فيها والأعمال التي سيعملها…ألخ، بلّ وتنبّأ بأكثر من 35 نبوّة، واضحة وصريحة، تمّت بالحرف الواحد، وبصورة تفصيلية دقيقة، في يوم واحد من حياة على الأرض، هو يوم محاكمته وصلبه!!

هذه النبوات فهمها اليهوديّ صاحب العهد القديم وشرحها المسيح لتلاميذه،

ــــــــــ

 

 

 

 

 

 

– 6 –

وشرحوها هم بدورهم للعالم أجمع ودوّنوها في العهد الجديد. في حين أنَّ هؤلاء الذين أخرجوا آيات ونصوص من الكتاب المقدّس، وحاولوا تفسيرها على هواهم، وبما يتناسب مع أفكارهم، وراحوا يقتطفون كلمة من هنا وعبارة من هناك، ومن عبارات من عندهم ويحذفون كلمات لا تناسب فكرهم، لم يستطيعوا أنْ يدلّونا على آية واحدة صريحة تدلّ دلالة واضحة وصريحة ومباشرة على صدق تأويلاتهم، مثلما جاء في النبوات التي تنبأت عن كلّ تفاصيل حياة المسيح.

وفي هذا الكتاب نقدّم دراسة علميّة لاهوتيّة منطقيّة نوضّح فيها حقيقة إيماننا ونردّ على تساؤلات أولاد الكنيسة التي تنهال علينا لمعرفة حقيقة هذه الآيات المذكورة وصحة تفسيرها وتأويلها الصحيح، مستعينين ومسترشدين بما سبق أنْ شرحه الرب يسوع المسيح نفسه لهذه النبوّات، وما سجّله تلاميذه بالروح القدس واضعين في الاعتبار، أيضًا، فهم اليهود، خاصّة في الفترة السابقة والتالية مباشرة لتجسّد الرب يسوع المسيح، لهذه النبوّات. وموضّحين موقف كنيستنا المبني على صخرة الإيمان الذي علّمه لنا الرب يسوع المسيح الذي قال ” على هذه الصضرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها “.

كما نؤكّد أنّنا لا نقصد الإساءة إلى عقيدة ما أو إلى أشخاص بعينهم وإنّما فقط نشرح آيات الكتاب المقدّس الذي هو كتابنا نحن بمبدأ “وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ” (النحل43). باعتبارنا أهل الذكر الذي يجب الرجوع إلينا فيما يختص بآيات كتابنا المقدّس، وأيضا” مُسْتَعِدِّينَ دَائِماً لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ بِوَدَاعَةٍ” (1بطرس3/15).

 

عيد الميلاد المجيد

29كيهك سنة 1720 ش .

7و8يناير سنة 2004.

القس عبد المسيح بسيط أبو الخير

ــــــــــ

 

 

 

– 7 –

الفصل الأول‏

هل تنبأ الكتاب المقدس‏

عن نبي يأتى بعد المسيح؟

 

زعم البعض أنَّ هناك نبوّات كثيرة تنبّأ بها الكتاب المقدّس بعهديه، القديم والجديد، عن نبي المسلمين، بلّ وحاولوا تصوير أنَّ جوهر رسالة المسيح هي البشارة بمجيئه!! وكتبوا في ذلك عشرات بل مئات المجلدات والكتب والمقالات عبر مئات السنين، وكلها تكرّر نفسها وتقتبس من بعضها البعض نفس النصوص ونفس الإدعاءات. كما وضعوها على لسان أبطال المسلسلات التلفزيونية حتى يحفظها ويردّدها العامّة من الناس. والأمر الغريب في ذلك أنهم يستشهدون بآيات الكتاب المقدّس ويحاولون تفسير كل كلمة فيها، بلّ وفي أحيان كثيرة يرجعون إلى لغات الكتاب المقدّس الأصلية، العبرانيّة واليونانيّة، لا ليستشهدوا بمعناها ومغزاها اللغويّ،  بل يؤوّلونها ويفسّرونها حسب ظاهرها، بما يخدم أغراضهم، وليس بحسب جوهرها ومعناها الحقيقي!! في الوقت الذي يدّعون فيه أنَّ الكتاب المقدس، هو كتاب محرّف ولا يجوز الاعتماد عليه، كما يقولون أيضًا أنَّه نُسخ وأُلْغي بما جاء بعده!! بل ويرفضون بصورة مطلقة أنْ يضعوه مع كتابهم في مجلد واحد.

وعندما نسألهم لماذا تستشهدون بنصوص كتاب لا تؤمنون به وتدّعون أنّه مُحَرّف ومنسوخ؟! تكون الإجابة هي: أنه ما يزال يحتوي في داخله على بعض الحق برغم ما وقع به من تحريف!! قال أحدهم ” ليس ثمّة من يقول بأن جميع ما في الأديان السابقة مُحَرّف، بلّ أن من المتفق عليه بين المسلمين وقوع التحريف في بعضها وليس في كلها. لذلك فأن ما صدقته النصوص الشرعية الإسلامية – قرآنا وسنة – مما في الكتب السابقة محكوم بالصحة وعدم تطرق التحريف إليه “. فهم

ــــــــــ

 

 

– 8 –

 

يبدؤون في قراءة الكتاب المقدس بفرضية مُسلّم بها بالنسبة لهم، وهى إذا أتفق الكتاب المقدّس مع الفكر الإسلامي في شيء ما يكون صحيحًا في هذا الشئ فقط وإذا تعارض معه في ‏شيء آخر يكون محرفـًا!! أي أنه يكون محرفـًا عندما لا تتفق آياته معهم!! وتكون بعض آياته على حق عندما يتصورون أو يرون الآيات تتفق مع ما يقولون!!.‏

بل ويتعاملون بنفس الطريقة مع الآيات القرآنية الخاصة بالتوراة والإنجيل، فعندما تكون الآية في صالح ‏التوراة والإنجيل يقال أنهما حُرفا بعد ذلك وعند يقول القرآن ” الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ ” (الأعراف:157). ببحثون فيه عمّا يتصوّرون أنَّه أيات صحيحة لم تُحرّف بعد!! ولكنا نقول لهم إذا كان القرآن يقول ” وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَـئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ. إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء “(المائدة:42،43)، وأيضًا ” وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ “(المائدة46). فهذا يؤكّد صحّة كلّ ما جاء في التوراة والإنجيل اللذين كانا موجودين أيّام نبي المسلمين لسبب بسيط جدًا وهو أننا نملك مخطوطات للتوراة ترجع لما قبل المسيح بـ 200 سنة ولما قبل نبي المسلمين بأكثر من 800 سنة، كما نملك مخطوطات لأجزاء من العهد الجديد ونسخ كاملة من الأناجيل ترجع لما بين سنة 68م و 250م ومخطوطات كاملة لكل العهد الجديد ترجع لسنة 325م وترجع لما قبل الإسلام بأكثر من 300 سنة!! وكلّها مطابقة تمامًا لما ‏معنا الآن لأنَّه مترجم عنها. ومن ثمَّ عليهم أن يقبلوا كلّ ما جاء فيهما بمنطقهما وفكرهما ومنهجهما في تطبيق ما جاء بهما من نبوّات أو يرفضونهما بكلّ ما ‏جاء فيهما. لا مفرّ من ذلك ولا يمكن أنْ نعتبر أنَّ أجزاء منهما صحيحة وأخرى محرّفة!!

ــــــــــ

 

 

 

 

– 9 –

 

وعلي الرغم من اعتقاد بعضهم أنَّ الكتاب المقدّس نُسخ وأُلغي، إلا أنَّه لا مانع لديهم من الاستشهاد بآياته ما دام في ذلك مصلحة، بمبدأ الغاية تبرّر الوسيلة، والضرورات تبيح المحظورات!!

وكذلك نري في أسلوب مناقشاتهم وحواراتهم في هذا الموضوع أنَّهم يتجاهلون حقائق جوهريّة مثل: عقيدة التجسّد في المسيحيّة وعقيدة المسيح في الإسلام، والمفهوم اليهودى لهذه النبوّات.

 

1- عقيدة التجسّد في المسيحيّة: بالرغم من الإيمان بلاهوت المسيح كابن الله كلمة الله الذي من ذات الله والواحد مع الآب في الذات الإلهية لله الواحد، فقد تجسّد، وأتخذ صورة ‏الإنسانية الكاملة ” وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا‏ “(يوحنا1/14). ” ‏الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اَللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ.‏لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ اَلنَّاسِ.‏ وَإِذْ وُجِدَ فِي اَلْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى اَلْمَوْتَ مَوْتَ اَلصَّلِيبِ.” (فيليبي2/6-8‏) . ولأنه أتّخذ الإنسانيّة الكاملة فقد كان كما يقول الكناب ” مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ ” (عبرانيين4/15). أي أنَّ المسيح هو ابن الله وكلمته وصوره جوهره ولكنه تجسّد وصار بشرًا، ” ابن الإنسان “، صار إنسانـًا وقال عن نفسه لليهود ” وَلَكِنَّكُمُ الآنَ تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي وَأَنَا إِنْسَانٌ قَدْ كَلَّمَكُمْ بِالْحَقِّ الَّذِي سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ ” (يوحنا8/40). وكإنسان مُسح كاهنًا وملكًا ونبيًا بالروح القدس كقول القدّيس بطرس بالروح ” يَسُوعُ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَةِ كَيْفَ مَسَحَهُ اللهُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَالْقُوَّةِ ‏الَّذِي جَالَ يَصْنَعُ خَيْراً وَيَشْفِي جَمِيعَ الْمُتَسَلِّطِ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ لأَنَّ اللهَ ‏كَانَ مَعَهُ ” (أعمال الرسل10/38). ومارس عمل النبوة ودعي بالنبي ” فَقَالَتِ الْجُمُوعُ: هَذَا يَسُوعُ النَّبِيُّ الَّذِي مِنْ نَاصِرَةِ الْجَلِيلِ “‏ (متّي21/11)، وبعد معجزة إقامة ابن أرملة نايين قالوا ” قَدْ قَامَ فِينَا نَبِيٌّ عَظِيمٌ وَاِفْتَقَدَ اَللهُ شَعْبَهُ ‏” (لوقا7/16). وقالت له المرأة السامريّة ” يَا سَيِّدُ أَرَى أَنَّكَ نَبِيٌّ!‏ ” (يوحنا4/19) وبعد معجزة إشباع الجموع بخمسة أرغفة وسمكتين ” إِنَّ هَذَا هُوَ بِالْحَقِيقَةِ اَلنَّبِيُّ الآتِي إِلَى اَلْعَالَمِ “(يوحنا6/14)، وقال

ــــــــــ

 

 

 

– 10 –

 

عنه المولود أعمي الذي فتح المسيح عينيه ” إنَّه نَبيّ‏ ” (يوحنا9/17). بل وقال عنه تلاميذه ” ‏ِيَسُوعَ اَلنَّاصِرِيِّ اَلَّذِي كَانَ إِنْسَاناً نَبِيّاً مُقْتَدِراً فِي اَلْفِعْلِ وَاَلْقَوْلِ أَمَامَ اَللهِ وَجَمِيعِ اَلشَّعْبِ ” (لوقا24/19).

فقد كان المسيح ابن الله وكلمة الله وصورة جوهره، بلاهوته، كما كان إنسانًا بتجسّده، وصار كاهنًا وملكًا ونبيًا بمسحه بالروح القدس. وعندما تنبأ أنبياء العهد القديم عنه تنبئوا عنه باعتباره ابن داود ووارث عرشه والذي سيولد كإنسان من‏ اليهود ومن بيت لحم مدينة داود، وكالملك الذي سيدخل أورشليم راكبًا على أتان وجحش ابن أتان، والكاهن الذي جاء على رتبة ملكي صادق، وفي نفس الوقت تنبئوا عنه كالإله القدير الأزليّ الجالس عن يمين العظمة في الأعالي.

 

2- عقيدة المسيح فى الإسلام: لا يؤمن المسلمون أساسًا بلاهوت المسيح، وبالرغم من أنَّه موصوف في القرآن بكلمة الله وروح منه(1)، وأنه عِلْم ليوم الساعة(2)، وأنّه كان يخلق ويعلم الغيب ويشفي المرضى ويقيم الموتى ويطهر البرص(3)، وأنه أنزل على تلاميذه مائدة من السماء(4)، وأنه كان معجزة في ميلاده وفي حياته وأعماله(5)، وفي رفعه إلى السماء(6)، هذا فضلاً عن عدم مس

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ” إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ”(النساء 171) .‏

‏(2) ” وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا” (الزخرف 21) .‏

‏(3) ” وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ” (آل عمران:49) .‏

‏(4) ” قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ” (المائده :114). ” قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ” (المائده :115).‏

‏(5) ” وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ”(آل عمران :46) ” وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ” (المؤمنون : 50) .‏

‏(6) ” إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ” (آل عمران :55) .‏

ــــــــــ

 

 

 

– 11 –

 

الشيطان له (7)…إلخ إلا أن الاعتقاد الإسلامي الأساسي في المسيح هو أنَّه بشر ونبيّ وعبد لله وأنَّه ‏مثل آدم خُلق من تراب. ‏

 

3- كما يجب أن لا نتجاهل التفسر اليهودي لنبوات العهد القديم فهو كتابهم‏ ولهم قواعدهم في تفسيره وفهمه، مع مراعاة التفسير الصحيح لهذه النبوّات كما شرحها وفسّرها الرب ‏يسوع المسيح نفسه، سواء لليهود، في عصره، أو لتلاميذه، وكما فسّرها وشرحها تلاميذه، بالروح القدس، لمستمعيهم الذين كانوا أولاً من اليهود، ثمّ من اليهود والأمم.‏

‏وقد آمن اليهود عبر تاريخهم وعصورهم بمجيء المسيح(8) نسل إبراهيم واسحق ويعقوب وكوكب يعقوب والقضيب الذي من سبط يهوذا (تكوين49/10) وابن داود الذي سيجلس على كرسيه ‏(أشعيا9/6و7)، كما تكلمت كتبهم التي كُتبت فى فترة ما بين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(7) جاء فى كتاب ( الدر المنثور للتفسير المأثور ) للإمام جلال الدين السيوطي ” أخرج عـبد الرازق وأحمد والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عـن أبى هريرة قال:” قال رسول الله ـ ص ـ ما من مولود يولد إلاّ والشيطان يمسه حين يولد، فيستهل صارخًا من مسّ الشيطان إيّاه، إلاّ مريم وابنها” ثم قال أبو هريرة :” وإقرأوا إنْ شئتم ” وإنّي أعيذها بك وبذرّيتها من الشيطان الرجيم”.

‏(8) ويلخّص الدكنور عـبد الوهاب المسيري في موسوعـته اليهود واليهودية والصهيونية فكرة المسيح ‏عـند اليهود بقوله ” ماشيَّح” كلمة عـبرية تعـني ” المسيح المخلص” ومنها ” مشيحيوت ” أي ” المشيحانية ‏” وهي الاعـتقاد بمجيء الماشيّح، والكلمة مشتقة من الكلمة العـبرية ” مشح ” أي ” مسح ” بالزيت المقدس. وكان ‏اليهود، عـلى عادة الشعـوب القديمة، يمسحون رأس الملك والكاهن بالزيت قبل تنصبيهما، علامة عـلى المكانة الخاصة الجديدة ‏وعلامة عـلى أنّ الروح الإلهية أصبحت تحلّ وتسري فيهما. وكما يحدث دائمًا مع الدوال في الإطار اليهودي الحلولي، ‏نجد أنّ المجال الدلالي لكلمة ” ماشيّح ” يتّسع تدربجـيًا إلى أن يضم عـددًا كبيرًا من المدلـولات تتعايش كلها جنبًا إلي جنب داخل التركيب الجيولوجي التراكميّ اليهوديّ. فكلمة ” الماشيّح ” تشير إلى كلّ ملوك اليهود وأنيبائهم…وهناك أيضًا المعـنى المحدد الذي اكتسبته الكلمة في نهاية الأمر إذ أصبحت تشير إلى شخص مُرسل من الإله يتمتّع ‏بقـداسة خاصة، إنسان سماويّ وكائن مُعْـجِز خلقه الله قبل الدهور يبقي في السماء حتى تحين ساعة إرساله. ‏وهو يُسمّى ” ابن الإنسان ” لأنَّه سيظهر في صورة الإنسان وإن كانت طـبيعـته تجمع بين الله والإنسان، فهو ‏تجسّد الإله في التاريخ، وهـو نقطة الحلول الإلهي المكثف الكامل في إنسان فرد. وهـو ملك من نسل داود، سيأتي بعـد ‏ظهور النبى إيليا ليعـدّل مسار التاريخ اليهودي، بلّ البشري، فينهي عـذاب اليهود ويأتيهم بالخلاص ويجمع شتات ‏المنفـيّين ويعـود بهم إلى صهيون ويحطم أعـداء جماعة يسرائيل، ويتخذ أورشليم ( القـدس ) عاصمة له، ويعـيد ‏بناء الهيكل، ويحكم بالشريعـتين المكتوبة والشفـوية ويعـيد كل مؤسسات اليهود القديمة مثل السنهدرين، ثم يبدأ ‏الفردوس الأرضي الذي سيدوم ألف عام، ومن هنا كانت تسمية ” الأحلام الألفية ” و” العـقيدة الاسترجاعـية “.

ــــــــــ

 

 

 

– 12 –

 

‏العهدين كثيرًا عنه كالملك الذي يفوق البشر والذي سيقود إسرائيل للسيادة على العالم، ومن ثمّ فقد كان اليهود ‏في وقت ميلاد الرب يسوع المسيح يتوقّعون مجيئه بناء على نبوة دانيال النبي الثي حسبت زمن  مجيئه من إعادة ثجديد وبناء أورشليم سنة 457 ق م حتى ظهوره سنة 26م، وكذلك نبوة يعقوب عنه كالقضيب الذي يأتي من سبط يهوذا في أعقاب زوال الحكم من يهوذا مباشرة. ولذلك يقول الإنجيل أنه لما دخلث العذراء ويوسف النجار بالطفل يسوع لختانه في الهيكل في اليوم الثامن لولادته وقفت حنة النبية ” تُسَبِّحُ اَلرَّبَّ وَتَكَلَّمَتْ عَنْهُ مَعَ جَمِيعِ اَلْمُنْتَظِرِينَ فِدَاءً فِي أُورُشَلِيمَ “(لوقا2/38). وقال كثير من العلماء ‏اليهود والربّيين في العصور الوسطى والحالية أنَّ الزمن الذي كان يجب أنْ يأتي فيه المسيح المنتظر هو القرن الأوّل الميلادى!!‏  

وعندما يناقش هؤلاء النبوّات الخاصّة بالمسيح كنبي وكإنسان يتجاهلون الإيمان الإسلاميّ باعتباره نبي من البشر، والإيمان المسيحيّ بتجسّده وصيروته إنسانـًا ونبيًّـا، ويتكلّمون فقط عن الإيمان المسيحيّ بلاهوته!! لكي ينسبوا ما يختصّ به من نبوات لنبي المسلمين!! كما يتجاهل هؤلاء أو يجهلون الفكر اليهودي وتفسيره لهذه النبوات في معظم كتب تراثهم وعبر كل عصورهم!! وكذلك تفسير الرب يسوع المسيح وتلاميذه لها!! في حين أن المنطق والعقل والدراسة العلمية والبحث العلمي النزيه يتطلب مراعاة كل هذه الحقائق.

والسؤال الآن؛ هل ما يدّعيه ويزعمه هؤلاء صحيح ؟ وهل يصلح مثل هؤلاء الذين حكموا على الكتاب المقدس بأنَّه مُحَرّف وقضوا بنسخه وإلغائه، لتفسير آياته ونبواته وإخراج ما يزعمون أنه الصحيح منه؟!! وهل يتفق تفسيرهم للآيات التي استخرجوها مع قواعد التفسير الصحيح وقواعد المنطق والعقل والبحث العلميّ النزيه؟!!

والإجابة: يقول الواقع ” لا ” لأنَّهم تعاملوا مع النصوص بمنطق الغاية تبرّر الوسيلة والضرورات تبيح المحظورات!! وحاولوا تصوير بعض آيات الكتاب

ــــــــــ

 

  

 

 

– 13 –

 

المقدّس ونبواته على أنَّها نبوّات عن ” نبيّ آخر ” يأتي بعد المسيح، وهذه الغاية أو الضرورة! وكانت ‏الوسيلة هي إخراج هذه الآيات والنبوّات من سياق الكلام وبعيدًا عن القرينة وعزلها عمّا بعدها وما قبلها وإبعادها عن مضمونها الأصلي واقتطاعها من النصّ، أي أخذ جزء من الآية وترك بقيّة أجزائها، كما أخذوا بالتشابه اللفظي الذي لا صلة له بالمعنى علي الإطلاق. بل واستنطقوا بعض جهلاء المسيحيّة وبعض المرتدّين عنها بما لا يفهمون فيه!!

 

4– تطبيق المسيح وتلاميذه لهذه النبوّات: وهنا حقيقة هامّة وجوهريّة وهي أنَّ الربّ يسوع المسيح نفسه وتلاميذه من بعده أكّدوا على حقيقة أنَّ جميع النبوّات التي وردت في العهد القديم ( التوراة ) عن النسل الآتي بكل أوصافه كنسل إبراهيم الذي تتبارك به جميع الأمم والشعوب والألسنة أو كمشتهى الأجيال أو كالنبيّ الذي سيكون مثل موسي أو المسيح الذي سيأتي من نسل داود والذي سيُولَد من عذراء في بيت لحم أو الذي سيأتي بالبر الأبديّ ويكون ختام النبوّة والذي يأتي بإعلان الله النهائيّ للبشريّة… إلخ قد تمّت جميعها فيه.‏

وقد استشهد بها لليهود وشرحها لتلاميذه الذين فسّروها هم أيضًا لليهود ولكل‏ البشريّة في العالم أجمع. كما كان دائمًا يُشير إلى ما جاء فيها وكان يستخدم تعبيرات ” المكتوب ” و ” ليتمّ الكتاب ” و ” كما هو مكتوب ” للتأكيد على أنَّ كلّ ما كان يفعله كان مكتوبًا سابقًا عنه، وعلى سبيل المثال يقول عمّا جاء فيها عن آلامه وموته وقيامته ” كَيْفَ هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِ اِبْنِ اَلإِنْسَانِ أَنْ يَتَأَلَّمَ كَثِيراً وَيُرْذَلَ ” (مرقس9/12)‏

‏” وَأَخَذَ اَلاِثْنَيْ عَشَرَ وَقَالَ لَهُمْ: هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَسَيَتِمُّ كُلُّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ بِالأَنْبِيَاءِ عَنِ ‏اِبْنِ اَلإِنْسَانِ ” (لوقا18/31)، “لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتِمَّ فِيَّ أَيْضاً هَذَا اَلْمَكْتُوبُ: وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ. لأَنَّ مَا هُوَ مِنْ جِهَتِي لَهُ ‏اِنْقِضَاءٌ ‏” ‏(لوقا22/37)، “وَقَالَ لَهُمْ: هَكَذَا هُوَ مَكْتُوبٌ وَهَكَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ وَيَقُومُ مِنَ الأَمْوَاتِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ ” (لوقا24/46).‏

ــــــــــ

 

 

 

 

 

 

 

 

– 14 –

 

وعن خيانة يهوذا له قال لتلاميذه، في ليلة العشاء الربّانيّ مشيرًا إلى نبوّة المزامير عنه “لَكِنْ لِيَتِمَّ اَلْكِتَابُ: اَلَّذِي يَأْكُلُ مَعِي اَلْخُبْزَ رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ” (يوحنا13/18)، وقال ليهوذا “إِنَّ اِبْنَ اَلإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنْهُ وَلَكِنْ وَيْلٌ لِذَلِكَ اَلرَّجُلِ اَلَّذِي بِهِ يُسَلَّمُ اِبْنُ اَلإِنْسَانِ. كَانَ خَيْراً لِذَلِكَ ‏اَلرَّجُلِ لَوْ لَمْ  يُولَدْ!‏” (مرقس14/21)، وقال مخاطبا الآب ” حِينَ كُنْتُ مَعَهُمْ فِي اَلْعَالَمِ كُنْتُ أَحْفَظُهُمْ فِي اِسْمِكَ. اَلَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي حَفِظْتُهُمْ وَلَمْ يَهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ‏اِبْنُ اَلْهلاَكِ لِيَتِمَّ اَلْكِتَابُ ” (يوحنا17/12).‏

وبعد قيامته من الأموات وقبل صعوده شرح وفسّر لتلاميذه كلّ ما يختصّ به من‏ في العهد القديم وقال لهم: “وَقَالَ لَهُمْ: هَذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي ‏فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ، حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ” (لوقا24/44، 45). “فَقَالَ بَعْضُهُمَا لِبَعْضٍ: أَلَمْ يَكُنْ قَلْبُنَا مُلْتَهِباً فِينَا إِذْ كَانَ يُكَلِّمُنَا فِي اَلطَّرِيقِ وَيُوضِحُ لَنَا اَلْكُتُبَ‏” (لوقا24/32).

 

وبعد صعوده عوده إلى السموات وحلول الروح القدس أدرك التلاميذ والرسل فحوى هذه النبوّات ومغزاها “فَلَمَّا قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ تَذَكَّرَ تلاَمِيذُهُ أَنَّهُ قَالَ هَذَا فَآمَنُوا بِالْكِتَابِ وَالْكلاَمِ الَّذِي قَالَهُ يَسُوعُ” (يوحنا2/22). وكانوا يشيرون إلي هذه النبوّات في مناسباتها في الإنجيل، مثل دخوله إلى أورشليم علي جحش “وَوَجَدَ يَسُوعُ جَحْشاً فَجَلَسَ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ ” (يوحنا12/14) “وَهَذِهِ الأُمُورُ لَمْ يَفْهَمْهَا تلاَمِيذُهُ أَوَّلاً وَلَكِنْ لَمَّا تَمَجَّدَ يَسُوعُ حِينَئِذٍ تَذَكَّرُوا أَنَّ هَذِهِ كَانَتْ مَكْتُوبَةً ‏عَنْهُ وَأَنَّهُمْ صَنَعُوا هَذِهِ لَهُ ” ‏(يوحنا12/16). وعن صلبه بين لصين “فَتَمَّ اَلْكِتَابُ اَلْقَائِلُ: وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ ” (مرقس15/28 وأشعيا53/12)،  وعن اقتسام ثيابه وإلقاء قرعة عليها “اِقْتَسَمُوا ثِيَابِي بَيْنَهُمْ وَعَلَى لِبَاسِي أَلْقَوْا قُرْعَةً. هَذَا  فَعَلَهُ اَلْعَسْكَرُ.‏” (يوحنا19/24 مع مزمور22/18)، وعن حفظ ‏عظامه وعدم كسرها “لأَنَّ هَذَا كَانَ لِيَتِمَّ اَلْكِتَابُ اَلْقَائِلُ: عَظْمٌ لاَ يُكْسَرُ مِنْهُ ” (يوحنا19/36 مع خروج12/46؛ مزمور34/20) » وعن طعن جنبه بالحربة “وَأَيْضاً يَقُولُ كِتَابٌ آخَرُ: سَيَنْظُرُونَ إِلَى اَلَّذِي طَعَنُوهُ ” (يوحنا19/37 مع زكريا9/9).

ــــــــــ

 

 

 

 

 

– 15 –

 

وكانت هذه النبوات مدخلهم الدائم لتقديم ‏البشارة بالخلاص لليهود والأمم والإعلان عن أنَّ يسوع الناصريّ هو المسيح المنتظر الذي تنبّأ عنه جميع الأنبياء في جميع هذه الكتب أو الأسفار المقدّسة. وفسّروا بالروح القدس ما علّمه لهم الرب من نبوّات كُتبت عنه. وكان القدّيس بولس “بِاشْتِدَادٍ يُفْحِمُ الْيَهُودَ جَهْراً مُبَيِّناً بِالْكُتُبِ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ‏الْمَسِيحُ” (أعمال الرسل18/28)، “فَدَخَلَ بُولُسُ إِلَيْهِمْ حَسَبَ عَادَتِهِ وَكَانَ يُحَاجُّهُمْ ثَلاَثَةَ سُبُوتٍ مِنَ ‏الْكُتُبِ ” (أع17/2). ويقول الكتاب عن بعض هؤلاء “فَقَبِلُوا الْكَلِمَةَ بِكُلِّ نَشَاطٍ فَاحِصِينَ الْكُتُبَ كُلَّ يَوْمٍ: هَلْ هَذِهِ الأُمُورُ ‏هَكَذَا؟ ‏” (أع17/11). كما بدأ رسالته إلى رومية بحديثه عن إنجيل المسيح “‏الَّذِي سَبَقَ فَوَعَدَ بِهِ بِأَنْبِيَائِهِ فِي اَلْكُتُبِ اَلْمُقَدَّسَةِ ” (رومية1/2). أكّد بالروح أنَّ كل ما تمّ مع المسيح تمّ كما سبق أنْ تنبّأ عنه الأنبياء في الكتب “‏فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضاً: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ، ‏وَأَنَّهُ دُفِنَ وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ ” ‏(1كورونثوس15/3،4).‏

وعندما دون الإنجيليون الإنجيل بالروح القدس كانوا غالبًا ما يذكرون ما سبق أنْ تنبّأ به عنه جميع الأنبياء فقالوا عن صلبه بين لصين “وَصَلَبُوا مَعَهُ لِصَّيْنِ وَاحِداً عَنْ يَمِينِهِ وَآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ” (مرقس15/27)، وعن اقتسام الجنود لثيابه “اِقْتَسَمُوا ثِيَابِي بَيْنَهُمْ وَعَلَى لِبَاسِي أَلْقَوْا قُرْعَةً. هَذَا  فَعَلَهُ اَلْعَسْكَرُ”(يوحنا19/24)، وعن موته على الصليب “بَعْدَ هَذَا رَأَى يَسُوعُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ كَمَلَ فَلِكَيْ يَتِمَّ اَلْكِتَابُ قَالَ: أَنَا عَطْشَانُ” (يوحنا19/28)، وعن حفظ عظامه سليمة بعد موته يقول ” لأَنَّ هَذَا كَانَ لِيَتِمَّ اَلْكِتَابُ اَلْقَائِلُ: عَظْمٌ لاَ يُكْسَرُ مِنْهُ”(يوحنا 19/36)‏‏. ومن أشهر العبارات التي استخدمها الإنجيل للقديس متّي عن ما تنبأ به الأنبياء عن الرب يسوع المسيح هي عبارة “وَهَذَا كُلُّهُ كَانَ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ” فعن ميلاده من عذراء يقول “هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْناً وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ، الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللَّهُ مَعَنَا‏” (متي1/22،23).

 ــــــــــ

 

 

 

 

 

– 16 –

 

وعن عودته من مصر يقول “لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ: مِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْنِي” (متي2/15)، وعن سكناه في الناصرة يقول “وَأَتَى وَسَكَنَ فِي مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا نَاصِرَةُ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالأَنْبِيَاءِ: إِنَّهُ سَيُدْعَى نَاصِرِيّاً” (متي2/23)، وعن شفانه للمرضى يقول “لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ: هُوَ أَخَذَ أَسْقَامَنَا وَحَمَلَ أَمْرَاضَنَا” (متي8/17)، وعن وداعته يقول “لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ اَلنَّبِيِّ:‏ هُوَذَا فَتَايَ اَلَّذِي اِخْتَرْتُهُ حَبِيبِي اَلَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. أَضَعُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْبِرُ اَلأُمَمَ بِالْحَقِّ ” (متي12/17،18)، وعن حديثه بأمثال يقول “لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالنَّبِيِّ: سَأَفْتَحُ بِأَمْثَالٍ فَمِي وَأَنْطِقُ بِمَكْتُومَاتٍ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ “(متي13/35) وعن دخوله أورشليم يقول “‏فَكَانَ هَذَا كُلُّهُ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالنَّبِيِّ:‏ قُولُوا لاِبْنَةِ صِهْيَوْنَ: هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِيكِ وَدِيعاً رَاكِباً عَلَى أَتَانٍ وَجَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ ‏” (متي21/4،5). وعن بيع يهوذا له بثلاثين من الفضة يقول “‏حِينَئِذٍ تَمَّ مَا قِيلَ بِإِرْمِيَا النَّبِيِّ: وَأَخَذُوا الثَّلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ ثَمَنَ الْمُثَمَّنِ الَّذِي ثَمَّنُوهُ مِنْ بَنِي ‏إِسْرَائِيلَ” (متي27/9). وعن اقتسام ثيابه يقول “وَلَمَّا صَلَبُوهُ اِقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ مُقْتَرِعِينَ عَلَيْهَا لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالنَّبِيِّ: اِقْتَسَمُوا ثِيَابِي بَيْنَهُمْ وَعَلَى ‏لِبَاسِي أَلْقَوْا قُرْعَةً ” ‏(متي27/35).‏

فقد كانت جميع نبوات العهد القديم عن المسيح المنتظر وتمّت جميعها في شخص وعمل الرب يسوع ‏المسيح تفصيلاً وبكلّ دقّة، ولم يتنبأ الكتاب مطلقـًا عن أي شخص آخر يأتي بعد المسيح. وقبل الدخول في هذه الدراسة نسأل الأسئلة التالية: ما هي هذه النبوات التي استشهد بها هؤلاء الكتّاب الذين قالوا أنَّها تتنبأ عن نبي آخر يأتي بعد المسيح؟ وكيف فسّروها؟ وهل تتضمن هذه النبوات، في محتواها وجوهرها، ما يفيد ‏الحديث عن نبي آخر يأتي بعد المسيح من خارج بني إسرائيل، سواء بلفظ ” النبي الأمي ” أي الذي لا يعرف القراءة والكتابة، أو ” النبي الأممي ” أى الذي من خارج بني إسرائيل؟.

ــــــــــ

 

 

 

 

 

 

– 17 –

‏‏الفصل الثاني

الموعد باسحق أم بإسماعيل ؟‏

 

بعد أنْ زاغت البشريّة واتّجهت لعبادة الأصنام، سواء مع الله، أي أشركوا به، أو من دون الله، أي عبدوها كآلهة أو كما يقول الكتاب المقدّس “الَّذِينَ اسْتَبْدَلُوا حَقَّ اَلْلَّهِ بِالْكَذِبِ وَاتَّقَوْا وَعَبَدُوا اَلْمَخْلُوقَ دُونَ اَلْخَالِقِ اَلَّذِي هُوَ مُبَارَكٌ إِلَى اَلأَبَدِ ” (رومية1/25).‏ كان الله قد رتب، بحسب مشورته الإلهيّة وعلمه السابق، أنْ يحفظ لنفسه شعبًا مختارًا يؤمن به ولا يحيد عن عبادته لكي يأتي منه، بحسب ما سبق أن عينت ورتبت مشورته الإلهيّة، نسل تتبارك به جمع القبائل والأمم والشعوب في وقت سبق أن عينه أسماه ” ملء الزمان “(غلاطية4/4).

 

1- وعد الله لإبراهيم:

ومن ثم طلب الله من إبراهيم أبي الآباء أن يترك أرضه وعشيرته، في أور الكلدانيين فيما بين النهرين، ويذهب إلى أرض كنعان ليكوّن فيها أمّة ويأتي منه نسل تتبارك به جميع الأمم ويرد العالم إلى عبادة الله الحي ويعود به إلى الفردوس‏ الذي سبق أن خرج منه “‏ وَقَالَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ: اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ وَتَكُونَ بَرَكَةً. وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ وَلاَعِنَكَ ‏أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ“‏ (تكوين12/1-3). فأتى وسكن في حاران، وفي سن الخامسة والسبعين خرج إبراهيم ومعه لوط ابن أخيه من حاران إلى أرض كنعان (أعمال الرسل7/1-4).

 

2- إبراهيم وأبنائه الثمانية وبركة اسحق:‏

وقد أنجب إبراهيم فما بعد ثمانية أبناء، حسب تسلسل مواليدهم، إسماعيل ابن هاجر الجارية المصرية، واسحق ابن زوجته سارة، وزمران ويقشان ومدان

ــــــــــ

 

 

 

– 18 –

 

ومديان ويشباق وشوحا أبناء قطّورة (تكوين25/2) التي تزوجها بعد وفاة سارة. فهل كانت البركة الموعودة فى قوله لإبراهيم تَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِستتحقق من خلال جميع هؤلاء، كأبناء إبراهيم، أم من خلال واحد منهم فقط؟. والإجابة هي من في خلال واحد منهم فقط. والسؤال من خلال من منهم ستكون هذه البركة؟ ويجبب الكتاب من خلال أبنه اسحق، وليس كل أبناء اسحق، بل من خلال ابنه يعقوب. وهذا ما أكده الكتاب حيث يقول ” بِالإِيمَانِ تَغَرَّبَ فِي أَرْضِ الْمَوْعِدِ كَأَنَّهَا غَرِيبَةٌ، سَاكِناً فِي خِيَامٍ مَعَ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ الْوَارِثَيْنِ مَعَهُ ‏لِهَذَا الْمَوْعِدِ عَيْنِهِ” (عبرانيين11/9). وجاء في القرآن أيضًا “وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ” (العنكبوت27).‏

وقد ظهر الله لإبراهم في رؤيا، قبل أنْ يُولد إسماعيل واسحق، وقطع معه عهدًا على أساس أنَّ هذا الوعد مرتبط بالأرض، أرض كنعان، التي سيذهب إليها إبراهيم ونسله المقصود، والتي ستكون المقر والمصدر الذي سيخرج منه من سيأتي بالبركة. وأنه سيسبق دخوله أرض كنعان البقاء، بقاء هذا النسل، تحت نير العبودية في مصر مدة أربعمائة سنة يقول الكتاب “فَقَالَ ( الله ) لأَبْرَامَ: اعْلَمْ يَقِيناً أَنَّ نَسْلَكَ سَيَكُونُ غَرِيباً فِي أَرْضٍ لَيْسَتْ لَهُمْ وَيُسْتَعْبَدُونَ لَهُمْ ‏فَيُذِلُّونَهُمْ أَرْبَعَ مِئَةِ سَنَةٍ. ثُمَّ الأُمَّةُ الَّتِي يُسْتَعْبَدُونَ لَهَا أَنَا أَدِينُهَا…. وَفِي الْجِيلِ ‏الرَّابِعِ يَرْجِعُونَ إِلَى هَهُنَا لأَنَّ ذَنْبَ الأَمُورِيِّينَ لَيْسَ إِلَى الآنَ كَامِلاً….. فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ قَطَعَ ‏الرَّبُّ مَعَ أَبْرَامَ مِيثَاقاً قَائِلاً: لِنَسْلِكَ أُعْطِي هَذِهِ الأَرْضَ مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ نَهْرِ ‏الْفُرَاتِ.” (تكوين15/13-18).‏

وكان بقاء نسل إبراهيم في أرض كنعان مرتبطًا بمجيء من ستتبارك جميع الأمم بمجيئه وقد تحقق ‏ذلك في مجيء الرب يسوع المسيح الذي طرد اليهود من الأرض‏ بعد صعوده إلى السماء بحوالى 40 سنة.‏

 ــــــــــ

 

 

 

 

 

 

 

– 19 –

 

3- هل يستحيل على الله شىء؟‏

كان إبراهيم وزوجنه لا يُبنجبان عندما أعطاهما الله هذا الوعد، في أور الكلدانيّين، فانتظرا تحقيق هذا الوعد سنوات طويلة، ولأنَّ إرادة الله شاءت أنْ يحقق وعده لإبراهيم بمعجزة عجيبة وباهرة، فقد تأخّر هذا الوعد أكثر مما توقعا، ووصل سنّ سارة إلى حوالي سن الخامسة والسبعين وظلّت كما هي عاقر، فأشارت على إبراهيم أن يدخل بجاريتها المصرية هاجر، حسب العادات البشرية التي كانت مُتبعة في زمانها، ليُنْجِب منها ابنًا لأنَّها تصوّرت أنَّها لنْ تُنجب في شيخوختها طالما أنَّها لم تُنجب في شبابها “أَبَعْدَ فَنَائِي يَكُونُ لِي تَنَعُّمٌ وَسَيِّدِي قَدْ شَاخَ!‏ ” (تكوين 18/12)، غير مدركه لوعد الله لإبراهيم. وسمع إبراهبم لكلامها!! فقد يتحقق وعد الله الذي وعد به!! فهل يعجز الله عن تحقيق وعوده حتى يتصوّر بشر ما أنَّه سينجح فيما تصور، الإنسان، أنَّ الله فشل فيه؟!!‏

فأنجب إبراهيم من هاجر اِبنًا دعاه إسماعيل (تكوين6/1-15). ولكنه لم يكن هو ابن الموعد والوعد الذي وعد الله به إبراهيم لأنَّ وقت ميلاده الذي كان مقررًا حسب مشورة الله الأزليّة وعلمه السابق لم يكنْ قد حان بعد. وكان إسماعيل ابن المشورة البشرية وليس ابن الموعد المقصود بحسب إرادة الله ومشورته وعلمه السابق، فلم يشر الله على إبراهيم أن يدخل على هاجر وإنما كانت هذه مشورة سارة والتي لم تكنْ بحسب إرادة الله ولا صلة لها بمواعيده!! سمع إبراهيم لسارة ولم ينتظر وعد الله الذي يحقق مواعيده بحسب إرادته الإلهية!! ولنا هنا سؤال جوهري وهو ” هل كان الله عاجزًا عن تحقيق وعوده لإنسان حتى يتصوّر، الإنسان، أنَّه يحقق لله ما تصوّر أنْ عجز عنه؟!! وهل يزعم أحد أنَّه أدرك فكر الله أو طرقه أو أنه فهم ما يدور في مشورته الإهية، يقول الكتاب: ‏”يَا لَعُمْقِ غِنَى اللهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ الإِسْتِقْصَاءِ!‏لأَنْ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ أَوْ مَنْ صَارَ لَهُ مُشِيراً؟أَوْ مَنْ سَبَقَ فَأَعْطَاهُ فَيُكَافَأَ لأنَّ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ الأَشْيَاءِ. لَهُ الْمَجْدُ إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ ” (رومية11/33-36).

ــــــــــ

 

 

 

 

 

– 20 –

 

كانت مشورة سارة، البشريّة، شيء وإرادة الله شيء آخر. كانت إرادة الله أنْ يُولد اِبن الموعد، الذي ستمتدّ في ذرّيته النبوّة ويأتي منه النسل الموعود الذي ستتبارك به جميع ‏البشريّة، ويأتي بمعجزة، فقد أراد الله أنْ تحبل به العاقر وتلده العجوز المُسِنّة في سن التسعين سنة!!

وفي الوقت المعيّن، حسب مشورة الله الأزليّة وعلمه السابق، حقق الله وعده لإبراهيم وأعطاه إسحق من زوجته سارة وهو في سنّ المئة وهو في سنّ التسعين ‏(تكوين16/17). وأكّد له أنَّ عهده سيُقيمه مع اسحق وسيكون عهدًا أبديًا مع نسله من بعده، أمّا إسماعيل فقد وعد الله أنْ يُباركه من جهة العدد وسيكون أمّة عظيمة في العدد لأنَّه ابن إبراهيم. فبعد أنْ وُلد إسماعيل وصار له ثلاث عشرة سنة قال الله لإبراهيم ” فَقَالَ اللهُ بَلْ سَارَةُ اِمْرَأَتُكَ تَلِدُ لَكَ اِبْناً وَتَدْعُو اِسْمَهُ إِسْحَاقَ. وَأُقِيمُ عَهْدِي مَعَهُ عَهْداً أَبَدِيّاً لِنَسْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ. وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ فَقَدْ سَمِعْتُ لَكَ فِيهِ. هَا أَنَا أُبَارِكُهُ وَأُثْمِرُهُ وَأُكَثِّرُهُ كَثِيراً جِدّاً. اِثْنَيْ عَشَرَ رَئِيساً يَلِدُ وَأَجْعَلُهُ أُمَّةً كَبِيرَةً. وَلَكِنْ عَهْدِي أُقِيمُهُ مَعَ إِسْحَاقَ الَّذِي تَلِدُهُ لَكَ سَارَةُ فِي هَذَا اَلْوَقْتِ فِي اَلسَّنَةِ اَلآتِيَةِ ” (تكوين17/19-21).‏

وعندما أكد الله لإبراهيم على حتميّة ميلاد إسحق في الموعد المعيّن بحسب مشورته الأزليّة ضحك إبراهيم لأنَّه لم يتصوّر أنَّ امرأته ذات التسعين عامًا والعاقر التي لم تلد في شبابها يُمكن أنْ تلد!! وقال لله ” وقال إبراهيم لله ليت إسماعيل يعيش أمامك!! “، ولكن الله أكّد له أنَّ ” غَيْر المُسْتَطَاعِ عِنْدَ اَلنَاسِ مُسْتَطاع عِنْدَ اَلله”  (لوقا18/27). وأنَّ ما سبق أنْ وعده به لابد أنء يُحققه هو بنفسه. كما استغربت سارة أيضًا التي لم ثستوعب فكر الله وحتمية تحقيق وعده وضحكت عندما عاد الله ليؤكّد ما سبق أنْ وعد ‏به ويحدّد الموعد، موعد ولادة ابن الموعد ” قَالَ: إِنِّي أَرْجِعُ إِلَيْكَ نَحْوَ زَمَانِ الْحَيَاةِ وَيَكُونُ لِسَارَةَ اِِِمْرَأَتِكَ اِبْنٌ. وَكَانَتْ سَارَةُ سَامِعَةً فِي بَابِ الْخَيْمَةِ وَهُوَ وَرَاءَهُ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ وَسَارَةُ شَيْخَيْنِ مُتَقَدِّمَيْنِ فِي الأَيَّامِ وَقَدِ اِنْقَطَعَ أَنْ يَكُونَ لِسَارَةَ عَادَةٌ كَالنِّسَاءِ. فَضَحِكَتْ سَارَةُ فِي بَاطِنِهَا قَائِلَةً: أَبَعْدَ فَنَائِي يَكُونُ لِي تَنَعُّمٌ وَسَيِّدِي قَدْ شَاخَ! فَقَالَ اَلرَّبُّ لإِبْرَاهِيمَ: لِمَاذَا ضَحِكَتْ سَارَةُ قَائِلَةً: أَفَبِالْحَقِيقَةِ أَلِدُ وَأَنَا قَدْ شِخْتُ؟ هَلْ يَسْتَحِيلُ عَلَى اَلرَّبِّ شَيْءٌ؟ فِي اَلْمِيعَادِ أَرْجِعُ إِلَيْكَ نَحْوَ زَمَانِ اَلْحَيَاةِ وَيَكُونُ لِسَارَةَ اِبْنٌ ” (تكوين18/10-14).

ــــــــــ

 

 

 

 

– 21 –

 

كان إسحق، المولود بمعجزة إلهية، هو اِبن الموعد الإلهي وصاحب العهد مع الله أمّا إسماعيل فكان اِبن العادات والتقاليد والمشورة البشريّة التي أشارت بها سارة على إبراهيم وعانت هي وإبراهيم بل وهاجر أيضًا بسببها.

وعندما أمتحن الله إبراهيم وطلب منه أن يُصْعِد اِبنه اسحق محرقة على جبل المريا وأطاع إبراهيم الله ومدّ يده وأخذ السكين ليذبح اِبنه إسحق ظهر له ملاك الربّ وقال له لا تمد يدك على الغلام وقدّم له كبشًا فدية عن اسحق ” نَادَى مَلاَكُ الرَّبِّ إِبْرَاهِيمَ ثَانِيَةً مِنَ السَّمَاءِ، وَقَالَ: بِذَاتِي أَقْسَمْتُ يَقُولُ الرَّبُّ أَنِّي مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ فَعَلْتَ هَذَا الأَمْرَ وَلَمْ تُمْسِكِ اِبْنَكَ وَحِيدَكَ، أُبَارِكُكَ مُبَارَكَةً وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ تَكْثِيراً كَنُجُومِ اَلسَّمَاءِ وَكَالرَّمْلِ اَلَّذِي عَلَى شَاطِئِ اَلْبَحْرِ وَيَرِثُ نَسْلُكَ بَابَ أَعْدَائِهِ، وَيَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ اَلأَرْضِ مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِي“(تكوين22/15-18). وهنا يتكّلم الله عن إسحق باعتباره ابن إبراهيم الوحيد بالرغم من أنَّه أصغر من إسماعيل لأنَّه ابن الموعد يقول الكتاب “بِالإِيمَانِ قَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ وَهُوَ مُجَرَّبٌ ـ قَدَّمَ الَّذِي قَبِلَ الْمَوَاعِيدَ، وَحِيدَهُ الَّذِي قِيلَ لَهُ: إِنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ.” (عبرانيين11/17، 18).

 

4- تأكيد الوعد لإسحاق:‏

وبعد وفاة إبراهيم أكد الله هذا الوعد عينه لإسحق يقول الكتاب “وَكَانَ بَعْدَ مَوْتِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ اللهَ بَارَكَ إِسْحَاقَ اِبْنَهُ.” (تكوين25/11)، وأعطاه البركة وأكّد له الوعد من جديد: “وَظَهَرَ لَهُ الرَّبُّ وَقَالَ: «لاَ تَنْزِلْ إِلَى مِصْرَ. اسْكُنْ فِي الأَرْضِ الَّتِي أَقُولُ لَكَ. تَغَرَّبْ فِي هَذِهِ الأَرْضِ فَأَكُونَ مَعَكَ وَأُبَارِكَكَ لأَنِّي لَكَ وَلِنَسْلِكَ أُعْطِي جَمِيعَ هَذِهِ الْبِلاَدِ وَأَفِي بِالْقَسَمِ الَّذِي أَقْسَمْتُ لإِبْرَاهِيمَ أَبِيكَ. وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ كَنُجُومِ السَّمَاءِ وَأُعْطِي نَسْلَكَ جَمِيعَ هَذِهِ الْبِلاَدِ وَتَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ.”(تكوين26/2-4).‏

 ‏ ــــــــــ

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

مذيع مسلم: الله مات - هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟

مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟

مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟ مذيع مسلم: الله مات – …