Site icon فريق اللاهوت الدفاعي

رسالة فيلبي ع8 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

رسالة فيلبي ع8 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

 

رسالة فيلبي ع8 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

 

تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي

للقديس يوحنا ذهبي الفم

جزء أول (العظات من 1 ـ 8 )

ترجمة عن اليونانية

الباحث جورج ميشيل أندراوس

 

 

العظة الثامنة

 

«فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هَذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أيْضا: الَّذِي إذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أنْ يَكُونَ مُعَادِلا لِلَّهِ. لَكِنَّهُ أخْلَى نَفْسَهُ، أخِذا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَانْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. لِذَلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أيْضا، وَأعْطَاهُ اسْما فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ»[1].

 

   لقد تكلمت عن الهراطقة[2]، والآن أجد أن الفرصة مواتية لأن نتكلم عن الأمور المختصة بنا. فأولئك يقولون إن عبارة «لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله» تعني أنه إختطف! لقد بيّنا أن في ذلك القول يكمن فساد وحماقة، لأنه لا يوجد إنسان ينصح آخر بالتواضع على هذا النحو، ولا بهذه الطريقة يتمجد الله ولا حتى الإنسان (يُكرّم بهذه الطريقة). فماذا يحدث إذاً أيها الأحباء؟ انتبهوا الآن لما نقوله. لأن الكثيرين يعتقدون أنهم سيُحْرَمون من مناصبهم، حينما يكونون متواضعين، وأنهم سينحدرون ويخضعون، لذا فلكي يزيل القديس بولس هذا الخوف ولكي يوضح أننا يجب ألاّ نتأثر هكذا، يقول إن الإبن الوحيد الجنس، الذي هو في صورة الله، وليس أقل من الآب في أي شيء، بل مساوٍ له، ولم يحسب مساواته لله (الآب) أنها مُختلسة. والآن اعلموا ماذا يعنى ذلك. أن ما يسلبه أحد ويأخذه له دون أن يكون مِلْكَه، لا يجرؤ على تركه، بسبب تخوفه لربما يفقده، فلذلك دائماً ما نجده ممسكاً به. وأما ذاك الذي يحتل منصباً ما بصورة طبيعية، لا يخشي نزوله من هذه المكانة، وذلك لأنه يعرف أنه لن يتعرض لهذا الأمر. وسأسرد لكم بعض الأمثلة، وإن كانت الأمثلة لا تستطيع أن توضح الأمر بصورة جلية. فلا تقلقوا، فهكذا تكون الأمثلة، أي أنها تترك للعقل مساحة لكي يستنتج هذا الأمر. فقد سلب ابشالوم السلطة ولم يرد أن يتركها. مثال آخر، إذا قام شخص ما بثورة ضد المَلِك وسلب منه ملكه، فإنه لا يريد ترك هذا الأمر أو إخفائه، لأنه إذا أخفاه مرة واحدة فقط، سيفقده على الفور. نأتي إلى مثال آخر، فمثلاً إذا سلب شخص شيئاً ما، فهو يحوزه باستمرار، ذلك لأنه لو تركه، فسيفقده في الحال. وبشكل عام فإن من يمتلكون شيئاً عن طريق السلب، فإنهم يخشون تركه أو إخفائه، ويظل فكرهم مشغولاً دائمًا به. لكن هذا لا يحدث لهؤلاء الذين لا يحوزون أشياء مُختلسة. إننا لا نملك سلطة بالطبيعة، فليست الخيرات هي أشياء طبيعية فينا (أي أنها نعمة من الله). أما فيما يتعلق بالله فكل الخيرات مرتبطة بطبيعته.

   فماذا يقول إذاً؟ يقول إن إبن الله لا يخشي أن يتنازل عن مكانته، لأنه هو الله بالطبيعة، ولا يخشي أن ينزع أحد منه طبيعته أو سلطانه، لأجل هذا وضع ذاته، واثقاً أن هذه المكانة ثابتة. لقد أخفى ذلك لأنه يعرف أنه لن ينزل عن هذه المكانة مطلقًا. لذا فهو لم يقل لم يسلب وإنما «لم يحسب خلسة». فهو لم يختلس هذه المساواة، وإنما هي من طبيعته، وهي لم تُمنح له ولكنها دائمة وثابتة. لهذا فهو لم يتجنَّب أن يأخذ شكل التابع أو المرؤوس. إن مغتصب العرش يخشي أن يترك ثوبه الأرجواني في خلال فترة الحرب، أما الملك فإنه يفعل ذلك بكل أمان، لماذا؟ لأن سلطته هذه لم تأت إليه عن طريق الاستيلاء.

   ولأنه لم يسلب هذه المساواة، فقد وضع ذاته، إذ هو يملكها بالطبيعة، ولهذا أخفاها. بمعنى أن الإبن لم يختلس مساواته للآب؛ لأنه مساوٍ له ، لأجل هذا أخلى نفسه. أين هم الذين يقولون أنه إجتاز الموت مجبرًا وخاضعاً؟! إنه يقول «أخلى نفسه، وضع نفسه وأطاع حتى الموت» كيف أخلى نفسه؟ «آخذًا صورة عبد، صائرًا في شبه الناس. وإذ وُجد في الهيئة كإنسان». إلى هذا الحد تمم هذا الإخلاء، لكي نقتفي نحن أيضًا آثار هذا النموذج، إذ يقول: «حاسبين بعضكم البعض أفضل من أنفسهم»، فلهذا قال: «أخلى نفسه»، لأنه إن كان الإخلاء قد تم دون إرادته، وإن لم يكن هذا بمحض رغبته وإرادته الحرة، لما كان هذا الأمر إذًا تعبيرًا عن الإتضاع. فإن كان غير مُدرِك أن ذلك لابد أن يحدث لكان هذا عملاً ناقصًا. ولو لم يكن عالمًا بذلك، لكان قد انتظر زمن الحدوث، وحينئذٍ ما كان له أن يعرف متى سيحدث. فإن كان يعرف أن ذلك سيحدث قطعًا، ويعرف أيضًا زمن حدوثه، فلأي سبب يقبل أن يخضع؟ هل كي يبين سمو الآب؟ فإن ذلك لا يُبين سمو الآب وإنما يُبين بساطته هو، ألم يكن اسم الآب في حد ذاته كافيًا، لكي يُبين تمايزه؟ وبالطبع فإنه فيما عدا ذلك فإن كل الأمور الأخرى هي مشتركة (بينهما) وهي للإبن أيضًا. فإن هذه الخاصية (أي أبوة الآب) لا يمكن أن تنتقل من الآب للإبن.

   فماذا يزعم الهراطقة؟ انظروا فإن أتباع ماركيون يقولون إنه لم يصر إنسانًا، لكن ماذا صار؟ صار مشابهًا للإنسان. لكن كيف يكون ممكنًا أن  يصير مشابهًا للإنسان؟ هل هو محاطٌ بظلال؟ من المؤكد أن ذلك يكون صنمًا، وليس مشابهًا للإنسان، لأن من يشبه الإنسان، هو إنسان آخر. لكن بماذا ستجيب على يوحنا حينما يقول: «الكلمة صار جسدًا»[3]؟ والمطوب بولس نفسه يقول في موضع آخر: «في شبه جسد الخطية»[4].

   “وُجد في الهيئة كإنسان“. أرأيتم أنه يقول في الهيئة كإنسان. لكن ذلك (كما يدَّعون) لا يعنى إنه إنسان حقيقي، أن يكون كإنسان، ويكون في الهيئة إنسان، لأن كونه في الهيئة إنسان لا يعني أنه من طبيعة إنسانية! ألا ترون كيف أنني أكشف بوضوح أفكار الأعداء؟ لأن الانتصار الباهر والمكسب الكبير يكون حينما لا نخفي ما يبدو أنها أفكار قوية لهؤلاء. لأن إخفاء ذلك هو خداع وليس انتصار.

   إذًا ماذا يزعمون؟ سنكرر ذلك مرة أخرى، فإن عبارة في الهيئة، لا تعنى إنه إنسان بالطبيعة (هكذا يقولون)، وأيضًا يقولون: إن يكون كإنسان أو في شبه الناس، لا يعنى أنه إنسان. وبالتالي فإن «أخذ صورة عبد» لا تعنى أنه حقًا قد أخذ صورة عبد. لذا فإن الرد على هذه الصيغ السلبية يتمثَّل في إنه من المؤكد هنا أن مقاومة ما لهذه الأقوال ستحدث. فإن كنت تعتقد أن عبارة “أخذ صورة عبد” هي حجة ضدنا، هكذا نحن أيضاً نرى أن هذه الحجة هي ضدك، فهل لك أن تشرح ما تقوله أولاً؟ لأن الرسول لم يقل كعبد، ولا مشابهًا صورة العبد، ولكنه قال: «أخذ صورة عبد». إذًا ماذا يحدث؟ هذا الكلام من الممكن أن يثير حروب، لكن لن تحدث أي حرب. ولكن ما هو هذا الكلام السخيف والمثير للسخرية الذي يقوله هؤلاء؟ يقولون إنه أخذ صورة عبد حينما أتزر بمنشفة وغسل أرجل التلاميذ. هذه هي صورة العبد؟ ليست هذه هي صورة العبد، بل هو عمل العبد. إن هناك اختلافًا بين أن يعمل عمل عبد وأن يأخذ صورة عبد. فلماذا لم يقل أنه أتم عمل العبد وستكون العبارة هكذا أكثر وضوحًا؟ لكن لا يَرد في الكتاب المقدس على الإطلاق أن كلمة صورة تأتي بدلاً من كلمة عمل، وذلك لأن الفارق بينهما كبير، فالصورة تُقال على الطبيعة، أما العمل فيقال على النشاط. وحينما نتكلم لا نقصد أبدًا الصورة بدلاً من العمل. من ناحية أخرى وكما يرى هؤلاء أن الجسد كان خياليًا، فإن كان هكذا، فلا يكون قد صنع هذا العمل، ولا أتزَّر بمنشفة، ولما كان هذا العمل عملاً حقيقيًا، فإن لم يكن له أيدي، فكيف غسل؟ وإن لم يكن له وسط فكيف أتزر بمنشفة؟

   أي ثياب قد أخذها؟ لأنه يقول وأخذ ثيابه[5]. لذا فإن العمل هنا لا يُمثِّل حدثًا قد تم، وإنما مجرد خداع، ولا أيضًا غَسْل أرجل التلاميذ يكون قد حدث. فإن كانت الطبيعة الجسدية لا تظهر، فهذا يعنى أنه لم يكن له جسد، فمن يكون إذًا ذاك الذي غسل أرجل التلاميذ؟

أيضًا ماذا نقول في مواجهة بولس الساموساطي؟ وماذا يقول ذاك؟ هو أيضًا يقول نفس الشيء. يقول إن هذا لم يكن إخلاء، فحين يكون لأحد طبيعة إنسانية، فهو مجرد إنسان رفيع المقام، وما قام به أنه غسل أرجل العبيد رفاقه. ما قلناه ضد الآريوسيين ينبغي أن نقوله ضد هؤلاء أيضًا. فلا يوجد بينهم أي اختلاف سوى زمن ضئيل يفصل بينهم. لأن هؤلاء وأولئك يقولون إن ابن الله مخلوق. فماذا سنقول إذًا لهؤلاء؟ فإن كان هناك إنسان عادي قد غسل أرجل آخرين، فهو بهذا العمل لم يُخلِ ذاته ولم يضع نفسه، كما إنه لا يستحق أي مديح ذاك الذي لم يدّعِ مساواته لله. فهل يمكننا أن ندعو العمل الإنساني، المنسوب لإنسان ما، إتضاعًا؟ لكن حين يصير الله إنسانًا، فهذا هو الإتضاع الفائق الذي لا يمكن التعبير عنه أو وصفه.

   أين يُقال عن صورة الله أنه عمل الله؟ فإن كان هناك إنسان رفيع المقام يُقال عنه صورة الله بسبب أعماله، فلماذا لا نقول هذا عن بطرس؟ فلقد عمل أعمالاً عظيمة[6]، ولماذا لم نقل هذا عن بولس أيضًا؛ إنه كان صورة الله؟ ولماذا لم يشّر ق. بولس إلى نفسه كنموذج للإتضاع، وهو الذي سلك بإتضاع بالغ ولم يتوقف أيضاً عن أن يقول «فإننا لسنا نكرز بأنفسنا، بل بالمسيح يسوع ربنا، ولكن بأنفسنا عبيدًا لكم من أجل يسوع»[7]. إن ما يقوله هؤلاء الهراطقة يدعو للسخرية. أخبرنا إذا كيف أخلى نفسه، وما هو معنى الإخلاء؟ وما هو الإتضاع؟ هل لأنه صنع عجائب؟ لقد صنع بطرس وبولس أيضًا عجائب، حتى لا يكون هذا الامتياز خاص بالإبن فقط.

   إذًا فماذا تعنى عبارة «صائرًا في شبه الناس»؟ فكثير من السمات التي لدينا هي لديه، وهنالك من الخصائص الإنسانية، لا تنطبق عليه، مثل أنه لم يولد من زواج، ولم يفعل خطية، وهذه السمات لا توجد في إنسان. فالذي ظهر ليس فقط هو إنسان، بل هو الله المتأنس، صائرًا في شبه الناس. «في شبه الناس»، فقد شابه البشر في كل شيء ما خلا الخطية وحدها، إذًا فما يقوله ق. بولس، لا يعني أبدًا إنه كان  إنسانًا رفيع المقام (كما يقولون). لأجل هذا يقول «في شبه الناس» فطبيعتنا مكونة من نفس وجسد، أما ذاك فهو الله المتجسد، الذي أخذ جسدًا ذو نفس إنسانية، لأجل هذا يقول «في شبه الناس». حتى لا تعتقد، حينما تسمع أنه أخلى نفسه، أن هناك تغييرًا أو تحولاً أو اختفاء قد حدث، فهو يقول بينما ظل كما هو الله بالطبيعة، فقد أخذ ما لم يكن له، وبينما صار جسدًا إلاّ أنه باقٍ إلى الأبد الله الكلمة. هكذا صار في شبه الناس، ولأجل هذا يقول: «في الهيئة». الطبيعة لم تتحول، ولم يحدث لها أي اختلاط، ولكن «وُجِدَ في الهيئة».

   إذًا، فبعدما قال إنه أخذ صورة عبد، نجده يستكمل كلامه بجرأة، حتى يُسكِت الجميع، فحينما يقول «في شبه جسد الخطية»[8]، فإنه لا يعنى بذلك أنه لم يكن له جسد، وإنما يعني أن هذا الجسد بلا خطية، لكنه كان يشبه جسد الإنسان الخاطئ. لكن في أي شيء كان يُشبهه؟ في طبيعته، وليس في الشر، ونفس الكلام نقوله عن النفس أيضًا. فاستخدام كلمة شبه هنا يعود إلى أن كل الأمور ليست متساوية، فهو لم يولد من زواج، ولم يعرف خطية، ولم يكن إنسانًا رفيع المقام. وحسنًا قال «كإنسان»، فهو لم يكن مجرد واحد من بين الكثيرين، فالله الكلمة لم يتغير جوهره، وإنما ظهر في الهيئة كإنسان، ليس بهدف أن يخدعنا عن طريق الأعمال الخيالية، وإنما كي يعلمنا الإتضاع. إذًا فحينما يقول «كإنسان» فهذا ما يعنيه، لأنه يدعوه إنسانًا أيضًا في موضع آخر، حينما يقول «لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح»[9].

   لقد تكلمنا بهذا ضد هؤلاء الهراطقة، والآن هناك حاجة لكي نتكلم ضد الذين ينكرون بأنه أخذ نفسًا[10]. فإن كان “صورة الله” يعنى إله كامل، هكذا فإن صورة العبد تعنى عبد كامل. مرة آخري نعود للحديث الموجه ضد الآريوسيين. يقول الكتاب «الذي إذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله».هنا الكلام ينصرف إلى الإلوهية، فلم يقل مطلقًا أنه أخذ صورة الله أو صار صورة الله، ثم يقول: «لكنه أخلى نفسه، آخذًا صورة عبد، صائرًا في شبه الناس». نجد هنا أن كلمتا آخذًا، وصائرًا، تقالا منسوبتين للطبيعة الإنسانية. فهذه هي التي أخذها، أما إلوهيته فهي بالطبيعة. فلا نخلط بينهما إذاً، ولا نفصل أيضًا. فالله هو واحد، المسيح واحد، ابن الله. فحينما أقول واحد أعنى اتحاد، وليس اختلاط، فلا تتبدل طبيعة إلى أخرى، وإنما هما في وحدة واحدة[11].

   «وضع نفسه وأطاع حتى الموت، موت الصليب». انظروا، كيف يقول: إنه أطاع بإرادته، ولم يقل إنه لم يكن مساويًا لمن يطيعه. أيها الجهلاء والمعاندون إن الطاعة لم تجعله في وضع أقل مطلقاً، فنحن أيضًا نطيع الأصدقاء، ولا يقلل ذلك منا إطلاقًا. فهو يطيع كابن نحو أبيه، دون أن يتدنى لمقام العبودية، ولهذا تحديدًا تظهر هذه الأعجوبة الحقيقية، وفي الكرامة الفائقة التي يُعطيها لأبيه. فلقد كرَّم الآب، وهذا بحد ذاته كان يجب أن يدعوك أن تتعجب وتُدهش له بالأكثر، لا أن تقلّل من شأنه، بل أن تتأكد أنت أيضًا بسبب هذه الطاعة أنه الإبن الحقيقي، وأنه قد كرَّم أبيه أكثر من الجميع. فلا يوجد أحد قد أعطى للآب كرامة مثل هذه. فإتضاعه كان بمقدار ما يعادله من سمو. أنه لأمر عظيم حقًا فكما أنه يفوق الجميع، ولا يساويه أحدٌ، هكذا نجده أيضًا من نحو الكرامة التي يعطيها لأبيه أنه قد فاق الجميع، بدون اضطرار، وبإرادته الكاملة، وهذا هو برهان سموه. إنه لأمر عظيم حقًا ولا يمكن التعبير عنه، وأنا أيضًا لا أستطيع الحديث عنه. كيف يصير العظيم عبدًا، لكن هناك أمر آخر أكثر سموًا، هو اجتيازه الموت بإرادته، بل إن الأكثر عظمة من هذا والمثير للدهشة أيضًا، هو طريقة الموت ذاتها. لماذا؟ لأن الميتات المختلفة ليست مثل بعضها البعض، فالموت الذي جازه هو الأكثر قبحًا، وخزيًا، كما إنه ملعون جدًا لأنه مكتوب «ملعون كل من عُلِقَ على خشبة»[12]. ولأجل هذا فإن اليهود حاولوا أن يقتلوه بهذه الطريقة، حتى يجعلوه مثارًا للخزي، حتى يكون الابتعاد عنه لا بسبب موته بل بسبب طريقة هذا الموت. ولأجل هذا صلبوا معه لصين، حتى يشركونه في خزيهما، وحتى يتم قول الكتاب «وأُحصى مع آثمََة»[13]. ولكن الحق أشرق بصورة عظيمة جدًا، وصار أكثر بهاء. لأنه إذا كانت حيَِل الأعداء ضد مجده كثيرة جدًا، إلاّ أن هذا المجد قد أشرق بالأكثر، وكان برهان هذا الأمر عظيمًا. فلم يكن هدفهم أن يقتلوه فقط، بل اعتقدوا أنه حينما يتم الموت بهذه الطريقة (الصلب)، فإنهم سيجعلونه مثارًا للعنة، وسيبرهنون على أنه قد أُبغِضَ من الجميع. ولكنهم لم ينجحوا في شيء من هذا. لقد كان اللصان دنسين، ولكن تغير أحدهما بعد ذلك، فحينما كانا فوق الصليب عيّراه، ولم يكبح جنونهما هذا إحساسهما بخطيئتهما، ولا كونهما في هذا الجحيم (العقوبة)، ولا أنهما يجتازان هما أيضًا نفس الأمر. هكذا نجد أن أحدهما قد أسكت الآخر قائلا: «أو لا أنت تخاف الله، إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه؟»[14]. بهذا القدر كانت شرورهما عظيمة.

   «لذلك رفعّه الله أيضًا، وأعطاه اسمًا فوق كل اسم». وعندما يتحدث المطوب بولس عن الجسد، نجده يتكلم بدون خوف عن الأشياء الخاصة بالجسد. لأنه عندما تكلم عن الإلوهية، لم يكن قد قال بعد أنه أخذ صورة عبد، فلاحظوا كيف كان يتكلم بسمو. وأقصد بسمو هنا، حسب قدرته في التعبير، لأنه لا يستطيع أن يتكلم عن سمو الإبن كما يحق له. فهو يقول «الذي إذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله». ولكن لأنه قد تكلم عن تجسده، فلذا نجده بعد ذلك يتكلم دون خوف عن الأمور المتواضعة (الخاصة بالجسد)، واثقًا بأن كلامه عن هذه الأشياء، بعدما اقتبلها جسده، لا يسيء إلى إلوهيته مطلقًا.

   ” لذلك رفعّه الله أيضًا، وأعطاه اسمًا فوق كل اسم. لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب».

   ولهؤلاء الهراطقة نقول، إن كانت هذه الكلمات هي لمن لم يأخذ جسدًا حقيقيًا، فكيف رفعّه الله؟ هل أعطاه شيئًا إضافيًا؟ فهو إذًا على هذا النحو لم يكن كاملاً وأصبح كاملاً لأجلنا. فلو لم يكن قد صنع بنا حسنًا، ما كان له أن ينال هذا الإكرام! «وأعطاه اسمًا» وكيف لا يكون له إسم بحسب تصوراتكم؟ فإن كان قد نال شيئًَا، فإنه يبدو هنا كهبة وعطية نالها، هكذا أيضًا الاسم الذي هو فوق كل اسم؟ لننظر ماذا كان الاسم، يقول: «لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة». هم يقولون على الاسم أنه مجد، فهل هذا المجد إذًا هو فوق كل مجد؟ إن المجد عند البعض هو أن نسجد له. والحقيقة أنتم تبتعدون كثيرًا عن سمو الله، حينما تعتقدون أنكم تعرفون الله، كما يعرف هو ذاته. ومن ثم يتضح كيف أنكم تبتعدون عن قصد الله. فهل هذا هو المجد؟ أخبرني. إذًا ألم يكن في مجده قبل خلقة البشر، والملائكة، ورؤساء الملائكة؟! فإن كان حقًا هذا هو المجد، والذي يفوق كل مجد، لأن هذا هو معنى قوله «فوق كل اسم»، وإن كان قائمًا في المجد، ولكن بدرجة أقل مما أُعطي له. فمن أجل هذا يكون قد خلق المخلوقات، أي لكي يُمجَّد، وليس بسبب صلاحه، بل لأنه يحتاج أن نمجده! أرأيتم مقدار هذه الحماقة؟ أرأيتم الجحود؟ وقد يكون هناك مبرر لما قيل إذا كان الأمر يتعلق بتجسده فقط، لأن كلمة الله يقبل هذا عن جسده. لأن ألوهيته لا يمكن المساس بها، إذ هو قد صنع كل هذا من أجل خلاصنا.

   ماذا يعنى إذًا ” ممن في السماء ومن على الأرض»؟ يعنى العالم كله، والملائكة والبشر، والشياطين، أو يعني الأبرار والخطاة والأحياء. “ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب“، أي أن مجد الله الآب يستعلن بواسطة إعتراف الجميع بذلك. أرأيتم أنه دائمًا حينما يُمجَد الابن، فإن الآب أيضًا يتمجد؟ هكذا أيضًا حينما يُزدرى الإبن يُزدري الآب. فإن كان هذا يسري علينا نحن أيضًا، مع أنه يوجد فارق كبير بين الآباء والأبناء، فبالأحرى يكون هذا في الله، حيث لا يوجد فيه أي اختلاف أو تناقض، فإليه ينتقل المجد أو التجديف. فهو يقول إن كان العالم كله يخضع للإبن، فذلك هو مجد الآب أيضًا.

   وبالتالي فحينما نقول، إن الإبن كامل، ولا يحتاج لأي شيء، وليس أقل من الآب، فهذا مجد للآب، والمولود منه. هذا الأمر هو برهان عظيم على قوته، وصلاحه، وحكمته، فهو لا ينقص مطلقًا لا من جهة الحكمة ولا من جهة الصلاح. فحينما أقول إنه حكيم كالآب وليس أقل منه فذلك يُعد برهان على حكمة الآب الفائقة، وحينما أقول أنه قوي كالآب، فذلك برهان على قوة الآب، وحينما أقول إنه صالح كالآب، فذلك برهان واضح جدًا على صلاحه، لأنه مساوٍ له، إذ هو مولود من الآب ولا يقِّل عنه في شيء، وحينما أقول إنه ليس أدني في الجوهر بل هو مساوٍ وليس من جوهر آخر، فهذا أيضاً يدعوني أن أراه عجيبًا. وأتعجب لقوته وصلاحه وحكمته، لأنه قد أعلن لنا (الآب) المساوي له، غير أن أقنوم الإبن ليس هو أقنوم الآب. هكذا فإن كل الأمور العظيمة التي نتحدث بها عن الإبن هي للآب. فإن كان سجود العالم كله لله هو أمر يسير، إذا ما قورن بمجد الله، فكم تكون بالأحرى الأمور الأخرى المختصة بمجده؟.

   فليكن لدينا إذاً إيمان نستطيع أن نُعلن به مجد الله، ولنحيا لإعلان هذا المجد، فلا توجد أية منفعة من واحدة دون الأخرى. هكذا حينما نمجِّده، دون أن نحيا في تقوى ونقاوة، فهذا يعني إننا نزدرى به إلى أقصى حد، فحينما ندعوه السيد والمعلم (دون أن نحوّل هذا الإيمان إلى سلوك) فنحن نزدرى به ولا نخشى دينونته المخوفة. بالطبع ليس غريبا أن يعيش الوثنيون بدون نقاوة، فهذا الأمر لا يدعو للاستغراب. أما المسيحيون الذين يشتركون في كل هذه الأسرار، ويتمتعون بهذا المجد العظيم، حينما يعيشون بدون نقاوة، فهذا يُعد شرًا كبيرًا وأمرًا لا يمكن إحتماله. إن الإبن قد أطاع طاعة مطلقة، لأجل هذا نال المجد الأسمى، لقد صار عبدًا، لأجل ذلك فهو سيد الكل وسيد الملائكة أيضًا. بالتالي فنحن أيضًا ينبغي ألاّ نعتقد أننا حين نضع أنفسنا ينحط قدرنا، بل أننا نرتفع بالأكثر وحينئذٍ سننال بالحقيقة أسمى تكريم. فكون أن الأعظم سيصير أصغرًا والأصغر سيصير أعظمًا (في ملكوت الله)، فيكفي أن تعود إلى تعليم المسيح له المجد الذي يؤكد على هذه الحقيقة، فضلاً عن كل هذا لنفحص الأمر بالتدقيق.

   ماذا يعنى أن نتَّضع؟ ألا يعنى ذلك أن نصير موضع تأنيب الآخرين وإتهامهم ووشايتهم. وماذا يعنى أن نرتفع؟ يعنى أن نصير موضع تكريمهم ومدحهم. حسنًا فلنرَ إذًا كيف يصير هذا. إن الشيطان كان ملاكًا، رفَّع نفسه. فماذا حدث إذًا؟ ألم ينحدر أكثر من الجميع؟ أليس مكان وجوده الأرض؟ ألم يُدنْ ويُتهم من الجميع؟ أما بولس فهو إنسان قد وضع نفسه. ماذا إذًا؟ ألم يصر موضع إعجاب الجميع، ألم يُمتدح منهم؟ ألم يُكرَّم من الكل؟ أليس حبيبًًا للمسيح؟ ألم يعمل أعمالاً عظيمة؟[15] ألم يأمر الشيطان مرات عديدة (أن يمتثل) كعبد؟ ألم يقوده كجلاد؟ ألم يزدري به ؟ ألم يكن يسحق رأسه تحت أقدامه؟ ألم يطلب أيضًا نفس الأمر للآخرين؟ ولماذا أتكلم عن بولس فقط؟ لقد رفَّع أبشالوم نفسه، ووضع داود نفسه. فمن منهم إرتفع؟ ومن صار في مجد؟ وهل هناك ما هو أكثر إتضاعًا من الأقوال التي قالها ذلك النبي المطوّب عن شمعي، يقول: «دعوه يَسُب لأن الرب قال له»[16] .

   إن أردتم لنختبر ما سبق وتحدثنا عنه. لقد وضع العشار نفسه، وإن كان ما فعله، لا يعد بالطبع تواضعًا، لكن ماذا؟ لقد قال ما قاله معترفًا بالجميل، أما الفريسي فقد رفَّع نفسه. إذًا ماذا يحدث؟ فلنختبر الأمور، فإذا إفترضنا أن هناك شخصين، من الأغنياء، ويتمتعان بتكريم جزيل، كما أن لهما ثقة كبيرة في حكمتهما وسلطتهما، وفي كل المميزات العالمية الأخرى، ثم طلب أحدهما بعد كل هذا التكريم، تكريمًا آخر مضاعفًا، إلا إنه يغضب بسبب عدم نواله هذا التكريم، فيطلب ذلك بصورة أكثر جداً مما ينبغي، رغبة منه في أن يرفّع ذاته. أما الآخر فإنه يحتقر هذا الأمر، ولا يغضب لأجل هذا، وحينما يُعطى له المجد يهرب منه. وبالتأكيد ليست هناك أية طريقة لنوال المجد سوى تجنّبه. لأنه كلما نسعى إليه، كلما هرب منا، ولكن حينما نهرب منه يلاحقنا. فإن كنت تريد أن تكون عظيمًا، فتجنّب المجد، ولا تكن مرتفعًا. علاوة على ذلك فإن الجميع يكرِّمون ذاك الذي لا يرغب في الإكرام، ولكنهم يزدرون بذاك الذي يطلبه. فلنزدرِ إذًا بالمجد وبذلك نستطيع أن نكون متواضعين، أو بالأحرى نكون مرتفعين حقًا. ينبغي إذًا ألاّ ترفع نفسك، حتى يرفعك الآخر. فذاك الذي يرفع نفسه، يضعه الآخرون. وذاك الذي يضع نفسه، يرفعه الآخرون. فالكبرياء شر عظيم، فالأفضل أن يكون المرء أحمقًا على أن يكون متكبرًا، فالحماقة هي ملمح خاص بالجنون فقط، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إذا تعلق الأمر بالكبرياء فالوضع هنا أسوأ، إذ تجتمع الحماقة والجنون معاً. فالأحمق هو شر لنفسه، أما المتكبر فهو مدمِّر للآخرين أيضًا. ومن الممكن أن تلد الحماقة أيضًا كبرياءً، فمن غير الممكن أن يكون هناك متكبرًا غير أحمق فذاك الذي لديه درجة كبيرة من الحماقة هو بلا رجاء. فاسمع الحكيم حينما يقول: «أرأيت رجلاًَ حكيمًا في عيني نفسه؟ الرجاء بالجاهل أكثر من الرجاء به»[17]. لأجل هذا نجد ق. بولس يقول «لا تكونوا حكماء عند أنفسكم»[18]. وأيضًا فيما يتعلق بالأجساد، أيًّا من هؤلاء نقول عنه أنه صحيح البنية، هل هو من له جسم ضخم، المملوء ماء وغازات؟ أم من هو قليل الحجم في مظهره، ولكنه يتسم بالرشاقة. من الواضح أن من ينتمي للشريحة الثانية هو الأكثر صحة. هكذا أيضًا بالنسبة للنَفْس، فإن النَفْس التي توجد في إضطراب هي أشد مرضًا من أي مرض جسدي، أما النفس الهادئة فهي متحررة من كل ألم.

   إذًا فكم من الخيرات يجلبها لنا التواضع. هل تبتغي اللطف وعدم الغضب، والمحبة، والاتزان، واليقظة؟ كل هذه الخيرات تأتي من التواضع، وعكس هذه يأتي من الغطرسة. بالضرورة من يسلك بكبرياء سيكون شتَّامًا ومحبًا للنزاع، غضوبًا، وقاسيًا ومتجهمًا، وحشًا وليس إنسانًا. هل أنت قويّ ومتكبر لأجل ذلك؟ ينبغي إذًا أن تكون بالأحرى متواضعًا. لماذا أنت فخور بأشياء دنيئة؟ لأنه في الحقيقة ستجد أن الأسد أكثر شجاعة منك، والخنزير كذلك أكثر قوة ، فأنت لا تتعدى مجرد بعوضة بالمقارنة بهما، كذلك فإن اللصوص ونابشي القبور والمصارعين وحتى خدّامك، وربما أولئك الذين هم أكثر حماقة، هم أقوى منك. فهل هذا الأمر يستحق المديح؟ ألا تتوارى بسبب افتخارك بهذا الأمر؟ فإذا كنت تعتقد إنك حسنً المنظر وجميل، فإن هذا ما يتباهى به الغربان. فأنت لست أجمل من الطاووس ، ولستَ في بهائه ولا تملك أجنحته، فإن الغلبة هنا لأجنحة الطائر، وهو يتفوق عليك بالريش، وبالرونق. كذلك البجع أيضًا يتسم بالجمال الشديد، وهكذا طيور أخرى كثيرة، عند مقارنتك بها ستجد أنك لا تساوي شيئاً. من ناحية أخرى مرات كثيرة نجد أن هناك غلمانًا تافهين، وعاهرات، ورجال مُخنثين يشعرون بهذا التباهي. فهل هذا يستحق التكّبر؟

   لكن هل أنت غني؟ ومن أين لك هذا؟ ماذا تملك؟ أَذَهَب أم فضة أم أحجار كريمة؟ إن هذه الأشياء أيضًا هي في حوزة اللصوص والقتلة وأولئك الذين يشتغلون في المعادن. فهل عمل المجرمين بالنسبة لك موضع تباهى؟ هل تتجمّل وتتزّين؟ من الممكن أيضاً أن ترى الأحصنة مزّينة. وفي بلاد فارس من الممكن أن يرى المرء أن الجمال أيضًا مزّينة، وبالنسبة للإنسان ستجد أن كل الممثلّين يتزينّون. هل لا تخجل أن تتباهي بهذه الأمور، والتي يشاركك فيها حتى الحيوانات، والعبيد، والقتلة، والمتخنثين، واللصوص ونابشي القبور. هل تشَّيد مبنىً عظيمًا، وهل ترى في هذا إنجازًا؟ فإن غربان كثيرة يقطنون في أماكن تُعد فخمة ولديهم مأوي أعظم. ألم ترَ هؤلاء الذين يرغبون في جمع المال بجنون، وقد أقاموا منازلهم في المزارع، وفي الأماكن الصحراوية، حيث مأوي الغربان؟ أتفتخر بصوتك؟ أنك لا تستطيع إطلاقًا أن تغني أعذب من البجع أو البلبل. وهل تفتخر بسبب تنوع الفنون؟ وهل في هذا العمل ما هو أكثر عظمة من عمل النحلة؟ فأي مطرِّز، و أي رسام، وأي مهندس يستطيع أن يقلد أعمالها؟ فهل تفتخر لأجل نعومة الملبس؟ لكن العناكب تتفوق عليك في هذه الحالة. وهل تفتخر بسرعة رجليك؟ مرة أخرى نجد أن التفوق يكون للحيوانات، مثل الأرنب والتيس وكل الحيوانات سريعة العَدْو. هل تملك إمكانية التنقل من مكان لآخر، الطيور أفضل منك في هذا، فهي تهاجر بسهولة، وليس لها حاجة لمؤونة، ولا لوسائل انتقال فأجنحتها كافية لكل شيء فهيَ مركبة، وهي دابة، وهي عربة، ورياح وأي شيء يمكن للمرء أن يتحدث عنه. هل تتمتع بنظر حاد؟ إن نظر التيس أكثر حدة، وأيضًا نظر النسر. هل تتمتع بسمع حاد؟ الحمار سَمْعَه أكثر حدة. ألديك حاسة الشم قوية؟ فالكلب يتفوق عليك في هذه. هل أنت قادر على أن تمد نفسك بالخيرات؟ أنك في هذا أقل من النملة؟ فهل تستطيع أن تجمع ذهبًا؟ لكنك ليس مثل النمل الهندي.

   فالمخلوقات غير العاقلة أفضل كثيرًا منا في الصحة والسعة ووفرة الخيرات، فتلك لا تخشى الفقر. هكذا يقول الرب «انظروا إلي طيور السماء إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن»[19].

إذًا، ربما يقول أحد إن الله خلق الكائنات غير العاقلة أعلى منا. أرأيت مقدار انعدام البصيرة؟ أرأيت عدم اختبار الأمر، ومقدار ما يمنحه لنا اختبار وملاحظة هذه الأشياء (التي سبق الإشارة إليها)؟ فإن الأكثر تميزًا بين الناس في فكره (حسبما يظن) هو أدنى من الحيوانات غير العاقلة!. سنرثي لحاله ولكننا لن نحاكيه، ولا ندنيِّه إلى مرتبة الحيوانات، بسبب تكبّره، سنتركه، ولكننا سُنقيمه، لا لأجله لأنه يستحق أن يجوز هذه المعاناة بل لأجل أن تُستَعلن محبة الله وتكريمه لنا. فهناك أشياء كثيرة، لا تشاركنا فيها الحيوانات مطلقًا. ما هي إذًا هذه الأشياء؟ إنها التقوى وحياة الفضيلة. هنا لا يمكن أن تتكلم عن زناة أو مخنثون، ولا قتله، لأننا ننعزل عن هؤلاء. إذًا ماذا يعنى ذلك؟ إننا نعرف الله، ونعرف جيدًا عنايته بنا، ونتكلم بحكمة عميقة عن الخلود. هنا نحن نتجاوز الحيوانات غير العاقلة، فلسنا بصدد التشكك فيها، فلنتعقل، إذ حين يتعلق الأمر بمعرفة الله، لا يوجد أي شيء مشترك مع الحيوانات. لأننا نسود عليها، فهي أدنى منا بلا شك، وسلطاننا عليها كبير، فكون أنها أقل وأننا نسود عليها، فهذا لكي تعلم أنك لست أنت علّتها، وإنما الله الذي خلقك ومنحك العقل هو علّتها. فنحن نضع لها الشباك والفخاخ، ونمسك بها ونروِّضها. لدينا العقل والرحمة واللطف واحتقار المال. ولكن لأنك من غير المتعقلين، فليس لديك أي من هذه الفضائل، فإما أنك تسمو في فكرك عن بقية البشر، أو أنك أدنى حتى من الحيوانات غير العاقلة! فهكذا تكون الحماقة والوقاحة فإما أن ترتفع أكثر مما ينبغي أو تتدنى بنفس القدر دون أن تحفظ التوازن مطلقًا!

فنحن مساوون للملائكة في هذا؛ فلقد وَعدنا الرب بملكوت السموات، وبالوجود في حضرة المسيح. فالإنسان يعانى الآلام ولكنه يحتمل، فهو يحتقر الموت، لا يرتجف ولا يخاف منه، يتوجه نحو الأفضل. وبالتالي فمن لا يسلك هكذا فهو أسوأ من الحيوانات. فكيف لا تكون أسوأ من الحيوانات حينما تهتم بالجسديات، أما فيما يختص بالروحيات فلا تهتم بأي شيء؟ لأن ذلك المسلك يحمل لنا نموذجًا لأكثر الناس غباء؛ أي أولئك الذين يعيشون في الشر والشهوة والطمع. فالحصان أكثر قدرة منه على القتال، والخنزير أكثر قوة، والأرنب الوحشي أكثر سرعة، والطاووس أجمل والبجعة أعذب صوتًا، والفيل أكبر حجمًا، والنسر أكثر حدة في بصره، فكل الطيور هي أغنى. فكيف تكون مستحقًا أن تتسلط على الحيوانات؟ هل بسبب العقل؟ وهذا أيضًا قد جَعلت إستخدامه غير ممكن. لأن ذلك الذي لم يستخدم عقله في الخير، هو أسوأ من الحيوانات أيضًا، وكان من الأفضل ألا يكون عاقلاً، عن أن يكون أكثر غباءًا من تلك الحيوانات، بالرغم من أن له عقل.

   لأنه أن يحوز أحد سلطة ما ثم يسيء استخدامها، فهو ليس مساويًا لآخر لم ينل هذه السلطة. وكان من الأفضل لذلك الملك الذي هو أسوأ من حراسة، ألا يرتدي ثوبه الأرجواني. هذا ما يحدث أيضًا في هذه الحالة.

   إذًا ليكن معلوماً، أننا بدون الفضيلة نكون أردأ من الحيوانات، فلنسلك بالفضيلة حتى نكون بشرًا، أو بالأحرى ملائكة، ونتمتع بالخيرات السمائية، والتي ليتنا نفوز بها جميعًا، بالنعمة والرأفة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح، الذي يليق به مع أبيه الصالح والروح القدس، المجد والقوة والإكرام، الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

[1]  في 2 : 5-11

[2]  راجع عظة 3.

[3]  يو14:1.

[4]  رو3:8.

[5]  يو12:13.

[6] راجع يو2:14.

[7] 2كو5:4.

[8] رو3:8.

[9] 1تي5:2.

[10] هرطقة أبولليناريوس.

[11]  إن كان ق. يوحنا ذهبي الفم لا يستعمل تعبير طبيعة واحدة من طبيعتين، فإنه يحمل جوهر تعليم كنيستنا بقوله عن الإتحاد التام وعدم الاختلاط أو التغيير، أو الانفصال، وأن المسيح واحد .

[12] غلا13:3.

[13] إش12:53.

[14] لو40:23.

[15] حسب وعد الرب في يو12:14.

[16] 2صم11:16، حيث سب شمعي داود الملك .

[17] أم12:26.

[18] رو16:12.

[19] مت26:6.

 

رسالة فيلبي ع8 – ق. يوحنا ذهبي الفم – جورج ميشيل أندراوس

Exit mobile version