Site icon فريق اللاهوت الدفاعي

رسالة فليمون ع2 – ق. يوحنا ذهبى الفم – رأفت موسى ذكرى

رسالة فليمون ع2 – ق. يوحنا ذهبى الفم – رأفت موسى ذكرى

رسالة فليمون ع2 – ق. يوحنا ذهبى الفم – رأفت موسى ذكرى

 

 

العظة الثانية

 

أشكر إلهي كل حين ذاكرًا إياك في صلواتى: سامعًا بمحبتك والإيمان الذي لك نحو الرب يسوع. لجميع القديسين, لكي تكون شركة إيمانك فعّالة في معرفة كل الصلاح الذي فيكم لأجل المسيح يسوع ” (4-6).

 

         هنا نلاحظ إن الرسول بولس لا يستجدى عطف فليمون. بل هو يجلّه ويمدحه أولاً لأجل عمله الصالح, ذاكرًا إياه في صلاته ومبينًا محبة فليمون نحو المسيح والكنيسة؛ فيقول إن كثيرين من القديسين استراحوا به إذ هو رجل مطيع ويتمثل بالمسيح في كل شي. والرسول لا يطلب منه أى شئ خاص به فى أول الرسالة ولكنه يطلب ذلك فيما بعد, وبهذه الطريقة فإنه يُخجله. لأن بولس قد سمع عن محبته للآخرين الذين يحصلون منه علي كل ما يطلبون فكم بالأكثر بالنسبة لبولس وهو أيضًا سيحصل علي ما يطلبه, وبالأكثر جدًا سيجيب طلبه لأنه جاء بعد طلبات الآخرين, كما أن طلبه هذا لم يكن من أجل نفسه لكن لأجل آخر. كما أن بولس لا يريد أن يظهر أنه يكتب لفليمون بسبب مشكلة أنسيمس فقط, كما لو كان يريد أن يقول: حتى لو لم يكن أنسيمس لكنت قد كتبت لك أيضًا. فانظر كيف أنه يورد أسبابًا أخرى لكتابة رسالته. فهو يظهر أولاً مكانة فليمون لديه وحبه له ثم يطلب إليه في آخر الرسالة أن يجهز له مسكنًا.

 

سامعًا بمحبتك :

         أن يتناقل الناس الأخبار عن أعمال محبه يفعلها شخص ما لهو دليل أعظم من أن تراه بنفسك وهو يقوم بهذه الأعمال. وهكذا نجد أن بولس قد سمع بأخبار عن محبه فليمون رغم بُعد المسافة بين روما وفريجية[1]. وعلي ما يبدو أن الرسول بولس كان في فريجية. ويتضح هذا من خلال ذكر “أرخبس” في رسالته إلي كولوسي حيث يقول ” ومتي قُرئت عندكم هذه الرسالة فاجعلوها تُقرأ أيضًا في كنيسة اللاودكين والتي للاودكية تقرأونها أنتم أيضًا[2] وهو يقصد بهذا مدينة فريجية.

 

لكي تكون شركة إيمانك فعّالة في معرفة كل الصلاح الذي فيكم لأجل المسيح يسوع

هل ترون معي العطية الأولى وكم هي عظيمة تلك التي يعطيها الرسول بولس إلي فليمون قبل أن يسترسل وقبل أن يطلب منه شيئًا. ” لكي تكون شركة إيمانك“، ثم يكمل قائلاً إن هذه الشركة يجب أن تكون “ فعّالة في معرفة كل الصلاح الذي فيكم لأجل المسيح يسوع“. إذ بهذا تقتني كل فضيلة ويكون لك الكفاف في كل شئ وهذا الايمان يصبح فعّالاً باقترانه بالعمل لأن ” الإيمان بدون أعمال إيمان ميت[3]. وهو لم يقل مجرد ” إيمانك” ولكن ” شركة إيمانك“, وهذا لكي يجعله يشعر بالشركة معه. ويظهر شركة الجسد الواحد وبهذا سيكون رفض فليمون لما يطلبه بولس منه أمرًا مخجلاً وكأنه أراد أن يقول: ” وإن كان لك يا فليمون شركة معنا في الإيمان فيجب أن يكون لك شركة معنا أيضًا فيما يتعلق بما نطلبه منك”.

 

 لأن لنا فرحًا كثيرًا وتعزية بسبب محبتك لأن أحشاء القديسين قد استراحت بك أيها الأخ (عدد7).

  إن العطاء والخدمة ليس هما بالأمر المخزي. وخصوصًا إن قُدما لشخص له تقدير بين الناس مثل بولس. وكأن بولس يريد أن يقول لفليمون “لو كنت تفعل هذا مع الآخرين فبالأكثر يجب أن تفعله معي”، ومع أنه لم يقل هكذا إلاّ أنه قد حقق غرضه بشكل مباشر وبطريقة أكثر إجلالاً بقوله: ” لنا فرحًا“، لأنه بهذه الكلمة قد أوضّح لفليمون أن ما يفعله مع الآخرين قد نال ثقة بولس الرسول, لأنه أضاف قائلاً:   ” إن لنا تعزية“، وهذا معناه أننا لسنا فقط مسرورين ولكننا نجد راحة و” تعزية” في شركتك معنا, وليس هذا فقط بل ستكون أيضًا موافقًا لنا فيما سوف نطلب منك لأن في موافقتك هذه تُربح الآخرين الذين هم في حزن (بسبب غضب فليمون علي أنسيميس) فبالرغم من أننا لن نحصل علي شئ يفيد أى منا ولكننا سنفرح كلنا معًا من أجل هذه المصالحة, لأنك ستفيد الجسد الواحد الذي هو الكنيسة. فالرسول بولس لم يقل ” لأنك خاضع, ومطيع” ولكن قالها بشكل أكثر تأكيدًا وأكثر جدّية “ لأن احشاء القديسين“، كما لو كان فليمون طفل عزيز لوالديه، ووالداه مغرمين حبًا به ومن خلال الحب والمودة يُظهر أنه محبوب جدًا منهم.

 

 لذلك. وإن كان لي بالمسيح ثقة كثيرة أن آمرك بما يليق (عدد8)

         ما هذا الحذر الذي يتكلّم به الرسول بولس؟ فهو يخشي من أن يؤذي سمع فليمون بأمر يقوله في محبة فياضة. ولهذا فإنه قبل أن يقول ” أن آمرك” يذكر ” المسيح“.

         لنلاحظ أن الرسول منذ أن بدأ يتكلّم وكل كلامه يعبّر عن المحبة, لأن هذا مناسب جدًا لإرضاء فليمون, وبالرغم من هذه الرقة في الحديث فبولس يريد أن يؤكد كلامه بقوله: ” لي ثقة” فهذه العبارة تؤكد علي عظم العلاقة التي تجمع بين الرسول بولس وفليمون السيد، وأن مصدر هذه الثقة ليس هو فليمون فقط ولكنها تكمن أيضًا “في المسيح” الذي هو أعظم من الكل, فالثقة والقوة لا تنبع من شخص فليمون ولكن هي بسبب إيمانه في المسيح الرب. وبعد هذه العبارة القوية أضاف ” أن آمرك” ولم يكتف بأن يلقي هذه الكلمة ولكن قال “بما يليق“، فالرسول بولس يري أن ما سيفعله فليمون هو أمر طبيعي ويبرهن علي هذا بأن فيلمون يعمل أعمالاً حسنة للآخرين وهكذا فإنه سيفعل ما قد طُلب منه, وذلك لأجل المسيح ولأجل بولس. وهكذا فإن ما يطلبه بولس منه هو من الأمور الطبيعية. ويضيف بولس ” من أجل المحبة اطلب بالحري[4]، وكأن الرسول بولس يريد بهذه العبارة أن يقول كلامًا مستترًا ألاَ وهو: ” أنا أعرف كيف أُنجز هذا الأمر بوصية من قِبل سلطاني والأشياء التي تكلمت بها قبلاً. ولكن لأنى قلق جدًا بسبب هذه المسألة فأنا ” أطلب بالحرى”، فهنا الرسول بولس يُظهر الأمرين معًا, فهو يثق في فليمون كما أنه يوصيه أيضًا. ولأن بولس قلق جدًا بسبب هذا الأمر فهو يطلب منه ويقول: إذ أنا إنسان هكذا نظير بولس الشيخ والآن أسير يسوع المسيح أيضا” (عدد9).

         يا لهذا الأمر العجيب! وما كل هذه الأمور التي تجعل فليمون يشعر بالخجل حينما لا يطيع ما يقوله بولس له. وإذا أردنا توضيحًا أكثر سنجد أن هذه الآية تعبر عما يلى:

أولاً : منزلة بولس الشخصية

ثانيًا : أن بولس شيخ كبير السن والأكثر من هذا أنه أسير يسوع المسيح, من لا يفتح ذراعيه ليستقبل مثل هذا المقاتل المنتصر, ألاَ يُمنح مثل هذا الانسان الذي هو أسير ليسوع المسيح عشرات الآلاف من الوزنات والنعم, ألاَ تُقدم إليه المكافآت الكثيرة لأجل إرضائه؟!

أطلب إليك لأجل ابني أنسيمس الذي ولدته في قيودي (عدد10)

         قبل الآن لم نرَ أن بولس الرسول قد أعلن عن اسم ” أنسيمس” في الرسالة, فهو قد أجّل هذا الأمر لأجل غرض عظيم في نفسه, وأنتم كسادة تعرفون كيف يكون موقف أحدكم تجاه عبد هارب منه. وليس هو بهارب فقط ولكنه سارق أيضًا. وحتى لو كان هؤلاء السادة يحملون في داخلهم تقوى عظيمة, فغضبهم يظهر بشكل زائد إذا ذُكر اسم هؤلاء العبيد الهاربين أمامهم.

         ولكن انظر هنا كيف أن الرسول بولس يسترتضي فليمون أولاً ثم يحفزه لتنفيذ أى طلب يطلبه منه حاثًا إياه علي الطاعة. وبعد كل هذا يوضّح طلبه الذي يريد تحقيقه فيقول بإلحاح ” اسالك بالحري” ثم يستطرد في الحديث عن أنسيمس قائلاً بفخر إنه: ” الذي ولدته في قيودي“. ها مرة أخرى تجد أن القيود لها قوة فعّالة إذ أنه أضاف الاسم (أنسيمس) الذي يكتب لأجله هذه الرسالة إلى آلام القيود.

         إن الرسول بولس قد استخدم أسلوب أدبي استطاع من خلاله ليس فقط أن يُطفئ نار غضب فليمون ولكن أيضًا أن يبهجه. وكأن بولس يريد أن يقول: إني الآن أدعو هذا ابنى وإنى ما كنت سأدعوه بهذا اللقب إلاّ إذا: ” كان نافعًا لي بكل إخلاص“. فاللقب الذي دعوت به تيموثاوس[5] هو نفسه الذي أدعو به “أنسيمس”. والرسول بولس لا يعلن مظاهر حبه لهذا العبد ” الهارب” من خلال هذا اللقب فقط, ولكنه يعلن عهد ميلاده الجديد بقوله: ” ولدته في قيودي” حيث إنه علي هذا الحساب – حساب القيود – فإن أنسيمس سيكون جدير بأن ينال شرف كبير لأنه وُلِد في أثناء جهاد بولس، وُلِد في ألمه الشديد الذي عاناه لأجل السيد المسيح.

 

 أنسيمس الذي كان قبلا غير نافع (عدد 11).

         ما أعظم فطنة الرسول بولس! كيف يعترف بخطأ (أنسيمس), لأنه باعترافه هذا فهو يخمد نار غضب فليمون, وكأن بولس  يقول: ” أنا اعرف أنه كان غير نافع ولكن الآن ” أصبح نافعًا لك ولي” ولم يقل أصبح نافعًا ” لك” فقط, خشية أن يُصبح كلامه غير مقبول لدى فليمون ولهذا فقد قال ” اصبح نافعًا لك ولي“, كما أنه قد قدّم شخص فليمون علي نفسه ويأمل أن يكون “أنسيمس” أهلاً لهذه الثقة, حيث يعلن الرسول بولس أنه شخص نافع جدًا وهو علي ثقة بأنه سيكون كذلك أيضًا بالنسبة لسيده فليمون.

 

 الذي رددته (عدد 12)

         بكل الطرق يريد الرسول بولس أن يخمد نار الغضب المتأججة في قلب فليمون بسبب ما فعله “أنسيمس” وتركه له. وبقوله هذا ـ الذي يتضح فيه أن بولس قد رد أنسيمس إلي سيده ـ  فهو يهدئ من ثورة غضبه، لأننا نعلم أن السادة يغضبون حينما نستعطفهم في مسامحة أحد عبيدهم بينما هو غائب أو مازال هاربًا.

 

فأقبله الذي هو أحشائي.

 يا لهذا التعبير الرائع! إن كلمة ” أحشائي” لها القدرة علي تحريك المشاعر الجامدة. فالرسول بولس لم يذكر اسم أنسيمس هكذا بدون لقب, ولكن ذكره بعد أن قال عنه “ابني”, وقد “ولدته” وأنه مولود أثناء الآلام في السجن, حيث إننا نعرف أن الأولاد المولودون في الشدة نحبهم أكثر, كما يقول الكتاب عن راحيل حينما دعت بنيامين الذي تحبه جدًا ” بن أوني[6].

         لنرجع الآن ونذكر ماذا تعني كلمة ” أحشائي” وكلمة ” اقبله“. إن هذه الكلمات تعلن عن الحب العظيم الذي يكنه بولس له ويريد أن يُظهره. فهو لم يقل : أرجوك أن تأخذه ثانية, ولم يقل: لا تغضب مثلاً أو أى شئ من هذا القبيل ولكنه قال: ” اقبله لأنه هو احشائي” فأنسيمس بعد أن تجدّد لا يستحق فقط العفو ولكن التكريم أيضًا. ولماذا يستحق كل هذا؟ لأنه ابن بولس ومولود في قيوده.

 

الذي كنت أشاء أن أمسكه عندي لكي يخدمني عوضًا عنك في قيود الإنجيل (عدد13).

         بعد أن تحدث عن السيد (فليمون) مرات كثيرة وأظهر فضله بعبارات عديدة. نراه الآن يتكلّم عن العبد أيضًا. ولا نراه يكرّمه وحسب ولكن نجده يقدّمه علي سيده أيضًا. ومن الأفضل الآن أن نري كيف أن الرسول بولس قال ما يريد ولكن بحكمة عظيمة, وكأن بولس يريد أن يقول بهذه الآية: ” الآن قد وجدت طريقًا يا فليمون لترد لي كل ما فعلته معك وهذا الطريق هو ما سوف تقدمه لأنسيمس”, ونرى بولس وهو يعدد صفات أنسيمس الكثيرة ويمنحه أيضًا التكريم العظيم إذ يساويه بسيده (فليمون).

 

ولكن بدون رأيك لم أرد أن أفعل شيئًا لكي لا يكون خيرك كأنه علي سبيل الاضطرار بل علي سبيل الاختيار (عدد14).

         هذه الكلمات فيها ملاطفة كثيرة. لأن الملاطفة مفيدة هنا. كما أنه من خلال هذا الكلام قد عمل بولس عملين عظيمين في نفس الوقت لكل من فليمون وأنسيمس. فقد ربح الأول لأنه عمل حسنًا وأُعتق الآخر من العبودية وأُطلق حرًا. فهو لم يقل: ” يجب عليك أن لا تضطر”، بل قال ” علي سبيل الاضطرار” فكأن بولس يقول: ” أنا عرفت أنك لم تتعلّم بعد كيف تصنع أمرًا حسنًا ولكن الآن تعرف أن تصنع هذا. ولهذا أريدك أن تكون راضيًا وأنت تزيد في العطاء, ولهذا يجب عليك أن يكون ما ستفعله ليس عن اضطرار بل عن طريق اختيارك الحر”.

 

 لأنه ربما لأجل هذا افترق عنك إلي ساعة. لكي يكون لك إلى الأبد لا كعبد (عدد15, 16)

         حسن أنه قال “ربما” لأنه هكذا يمكن أن يهدأ فليمون ويخضع لطلبه. وليس عبثًا قال الرسول بولس ” ربما افترق” بدلا من “ربما هرب”, فمن خلال تعبيرات لغوية رقيقة استطاع بولس أن يجعل فليمون أكثر لينًا , فلم يقل له إن: ” أنسيمس فصل نفسه عنك” ولكن “افترق”، حيث إن هذا يعني أن ما حدث لم يكن له ترتيب خاص في تركه له, لأن الافتراق قد يكون لأسباب متعددة. إن هذا يذكرنا بما فعله يوسف لأخوته عندما اعتذروا له عما فعلوه له بعد أن أصبح هو متسلطًا علي كل أرض مصر فقال لهم ” ارسلني الله قدامكم[7]. فهنا قد أظهر يوسف كيف أن الله قد استعمل شر إخوته ليكون في النهاية خيرًا لا شرًا. فبولس أيضًا فعل نفس الأمر حينما قال ” افترق عنك إلي ساعة“، وهكذا جعل زمن غياب أنسيمس عن سيده هو لمدة ساعة واعترف بخطأ أنسيمس ولكن أرجع الأمر كله في النهاية إلي العناية الإلهية.

 

لكي يكون لك إلي الأبد

         لن يكون أنسيمس معك يا فليمون في هذه الحياة فقط ولكن في الدهر الآتي. ولن يكون لك كعبد ولكن ما هو أعظم. سيكون لك أخًا محبوبًا لأنك سترفع عنه نير العبودية والرق. ستربح أكثر لأنه لن يهرب من عبوديتك فيما بعد. ” لأنه سيكون لك إلي الابد لا كعبد فيما بعد بل أفضل من عبد, أخًا محبوبًا، ولاسيما إليّ فكم بالحري إليك في الجسد والرب جميعًا“.  فأنت يا فليمون قد فقدت عبدًا لوقت قصير, ولكنك قد ربحت أخًا إلي الأبد. فهو ليس أخوك أنت فقط بل أخي أنا أيضًا. وهنا تظهر الفضيلة العظمي. فلو أن أنسيمس أصبح أخًا لبولس فلن يخجل فليمون منه, وكان بولس قد سبق ودعا أنسيمس قائلاً عنه إنه ” ابني”، وأظهر عاطفة قوية نحوه, وهنا بدعوته إياه “أخًا” فإن بولس يظهر محبته التي تتسم بالمساواة نحو الكل.

         هذه الكلمات لم تُكتب يا إخوة بلا هدف. ولكن كُتبت حتى يستطيع كل سيد أن يعفو وأن يصفح عن عبيده عندما يخطئوا. فيجب دائمًا ألاّ نفقد الأمل في أن يتحسن سلوك العبيد. وإن تحسن سلوكهم فيجب علينا أن نقبلهم ولا نخجل منهم, ولكن الأمر الهام الذي يجب أن نتعلّمه هو ألاّ يجب أن نحسبه عارًا أن ندعو هؤلاء العبيد شركاء معنا في كل عمل صالح. فإن كان بولس لم يخجل من أن يدعو “أنسيمس” الذي هو عبد بقوله: ” ابني” , “ أحشائي“, ” أخًا” , “محبوب” فكيف نخجل نحن منهم؟! ولماذا أقول إن بولس وحده قد فعل هذا؟! فإن رب بولس نفسه لم يستحِ من أن يدعو عبيدنا إخوته. أما نحن فنحسب هذا عارًا !.

         انظر وتأمل أى شرف وكرامة قد أعُطيت لعبيدنا حينما يدعوهم الله نفسه ” إخوته, وأصدقائه, وشركائه في الميراث”. إلي هذه الدرجة قد تنازل الله؟. ويجب أن نسأل أنفسنا هل صنعنا ما يجب علينا فعله؟! وإن كنا لم نقتنِ بعد أى حكمة لكن يجب علينا أن نسأل عن مقدار تواضعنا. فإننا لم نتواضع إلي الآن بالدرجة الكافية.

         أى شئ عظيم قد فعلناه وقدمّناه للعبيد رفقائنا[8]. ولكن سيد الكل قد صنع كل الأمور العظيمة لأجل عبيدك أنت. انتبه فكل ما ستفعله أنت سوف تفعله لعبد مثلك. اسمع وارتعد مما أقوله فلن تفرح في اتضاعك! من الممكن أن تضحك أيضًا من العبارة الآتية: ” إن الاتضاع ربما ينفخ وحينما تنتفخ لا تندهش فهو ليس باتضاع حقيقي”. هنا نري كيف يكون هذا أو في أى تصرف استطيع أن أعرفه؟ سـأقول لك: حينما نُقَدّم عمل محبة لإنسان ولا يكون مُقَدمًا لله فإننا من الممكن أن نُطَالِب بالمديح, ونشعر بسمو فينا ـ إن هذا يا إخوة لهو أمر شيطاني ـ فالكبرياء تظهره لنا الشياطين علي أنه ليس بكبرياء. فمثل هؤلاء الناس الذين يقدمون عمل محبة لإنسان ينتشون فرحًا، وذلك بسبب ظنهم بأنهم متضعون، وبسبب ظنهم أيضًا بأن لديهم كثير من المشاعر النبيلة. علي سبيل المثال؛ إذا أتى أخ أو حتى خادم واستقبلته وغسلت له قدميه, في الحال ستشعر بالفخر في داخلك. وتقول في قلبك: أنا قد عملت ما لم يعمله الآخرين, أنا حقًا إنسان متضع. آه, كيف يكون الإنسان متضع بالحقيقة وهو يقول في داخله مثل هذا القول؟ فلو تذكرون وصية المسيح له المجد حينما قال ” متي فعلتم كل ما آمرتم به فقولوا : إننا عبيد بطالون[9] وأيضًا تذكرون بولس معلّم المسكونة عندما قال: ” أنا لست أحسب نفسي أنى قد ادركت[10]. وبولس يقنع نفسه أنه لم يعمل أى شئ عظيم مهما صنع من أشياء. وهكذا استطاع أن يتضع حينما ظن في نفسه أنه لم يصل بعد إلي الكمال. فكثير من الناس يبتهجون بسبب ما يظنوا أنه اتضاع, ولكن ليتنا نحن أيضا لا نمارس مثل هذا الاتضاع الزائف بل نسأل أنفسنا باستمرار, هل حقا نحن متضعون؟ وإن كانت الإجابة بنعم وجب علينا أن لا نفتخر بهذا. فلو تفاخرنا به سنفقد المجازاة من الله. فالفريسي قد تكبر لأنه كان يساعد المساكين بعشوره, ولأنه تكبر وتفاخر فإنه فقد المجازاة التي كان من الممكن أن ينالها من الله[11]. أما العشار فإنه تبرر أمام الله. لنسمع بولس يقول ثانيةً: ” فإني لست أشعر بشئ في ذاتي. لكنني لست بذلك مبررا[12] ، فبولس لم يمجّد نفسه بل حاول أن يتضع ويتنازل بكل الطرق. وهو يتضع أكثر كلما ازداد أكثر في عمل المحبة. مثال آخر نقوله: الثلاثة فتية لما كانوا في النار في وسط الأتون, ماذا قالوا ؟ قالوا: ” إذ قد خطئنا وأثمنا مع أبائنا[13]. يا لهذا القلب النادم والمنسحق، وكما أنهم استطاعوا أن يقولوا: ” جئناك بقلب منسحق وروح متواضعة فأقبلنا..[14]، وحتى بعدما خرج الفتية من الأتون ظنوا أنهم غير مستحقين لهذه النجاة المعجزية. وظلوا أكثر اتضاعًا. ونحن أيضًا حينما نقتنع بأننا غير مستحقين لرحمته, نجد أننا ننال الخيرات العتيدة العظيمة عوض القفر الذي نحن فيه مقيمين. إن الفائدة التي قد حصل عليها الفتية نتيجة اتضاعهم كانت أنهم “مُنحوا أنفسهم” ثانية، وذلك بخروجهم من الأتون. إن هؤلاء الفتية قد أُخذوا آسرى وهم بعد صغار بسبب خطية الآخرين من شعب إسرائيل. وكانوا يسبحون الله بغير دمدمة وبغير سخط ولم نجدهم يقولوا في أنفسهم: ” ما فائدة خدمة الله, وما هي الميزة في أن نعبده؟ ولم يقولوا أيضًا إن الانسان الذي أصبح سيدنا هو شخص غير نقي, ونحن سنعاقب من قِبل الوثنين ونُساق إلي العبودية بواسطة ملك وثني. ونحن محرومون من بلدنا ومن حريتنا ومن كل ميراث آبائنا وقد أصبحنا سجناء مستعبدين لملك بربري”. لم نجدهم يقولوا أى شي من هذا ولكن ما قالوه هو :” إننا قد خطئنا وإثمنا“، ورفعوا صلوات لا من أجل أنفسهم فقط ولكن لأجل الآخرين[15] أيضًا لأنهم كانوا يقولون ” قد سلمتنا إلي ملك ظالم[16].

 

         كذلك دانيال حينما أحضروه ورموه في الجب قال: ” لأن الله قد ذكرني[17] وعندما أعطاه الله كرامة قدام الملك قال (حينما فسر الأحلام): ” أما أنا فلم يكشف لي هذا السر لحكمة في[18]. وحينما أُلقِىَ في جب الأُسود لأنه لم يطع حكم الشر, لم يقل, ما كل هذا يا دانيال, هل الله قد نسيك؟ إنك قد أُلقيت في الجب بسببه, أليس هذا سببًا قويًا حتى ينجيك؟ إن هذا صحيح ولكن دانيال يذكر أنه أخطأ في أشياء كثيرة. وظل يقول هذا حتى بعدما ظهرت عظمة فضيلته.

         ماذا أقول أيضًا. لنسمع قول داود: ” وإن قال هكذا إني لم أسر بك فهاأنذا فليفعل بي حسبما يحسن في عينيه[19], مع أن داود لديه ما يقوله حسنًا في حق نفسه. وعالي الكاهن قال: “ هو الرب ما يحسن في عينية يعمل[20] .

 

         كل ما سبق ذِكره هو نماذج لأفعال عبيد أتقياء, كانوا ينسبون كل شئ لله, ليس فقط الخيرات ولكن ما كان يبدو لهم أنه عقاب. فمن غير المعقول أن نقول إن للسادة الحق فى أن يعاقبوا عبيدهم بدعوة الشفقة عليهم إذ هم يملكونهم, بينما عندما يعاقبهم الله نظن أنه لن يشفق عليهم؟! مع أن الرسول بولس يؤكد إننا في كل الحالات لله حيث إنه “ إن عشنا أو متنا فللرب نحن[21].

         إن أى إنسان لديه ثروة يعرف كيف يحافظ عليها ويأمل دائمًا في أن ينمّيها, لهذا هو يضع ضوابط لكل العاملين لديه لكى يعاقب كل من يخطئ. وفي بعض الأحيان يصفح عن الذين أخطأوا لسبب أو لآخر. ولكن بكل تأكيد لا يستطيع أحد أن يمنح الصفح والغفران أكثر من الذي جبلنا من العدم إلي الوجود. فالله هو الذي يجعل الشمس تشرق, وهو المعطى المطر, وهو الذي وضع نسمة الحياة فينا, والذي أعطانا ابنه. فهو قد صنع معنا كل هذا ولكن كما قلت سابقًا علينا أن نتضع أكثر, وأن تكون تصرفاتنا باعتدال كما يجب ولا يكون ما نفعله هو سبب تفاخر لنا. وأنا أسأل هل أنت متضع بالحقيقة بل وأكثر من الجميع؟  أقول لك: لا تفتخر بل اتضع بالحقيقة ولا تدين غيرك لكي تُعتق من خيلاء النفس, ولأنه كان من الأفضل لك ألاَ تُظهر أنك متضع. وفي هذا يقول الرسول بولس ” فهل صار لي الصالح موتا. حاشا. بل الخطية. لكي تظهر خطيئة منشئة لي بالصالح موتًا لكي تصير الخطية خاطئة جدًا بالوصية[22]. فعندما يدخل فكر ” العُجب باتضاعك” إلي نفسك فلتتأمل في نفس الوقت, سيدك, وكيف أنه تنازل إلينا, فحينئذ لن تُعجب بنفسك كثيرًا ولا حتى ستمجدها بل ستسخر منها إذ هي لم تفعل شيئًا. وتذكر هذا المثل: “مَنْ منكم له عبد يحرث أو يرعي يقول له إذا دخل من الحقل تقدم سريعًا وأتكي. بل ألاَ يقول له أعدد ما أتعشي به وتمنطق واخدمني حتى آكل وأشرب وبعد ذلك تأكل وتشرب أنت. فهل لذلك العبد فضل لأنه فعل ما أُمر به. لا أظن[23] هل نُقدِّر نحن ما يفعله عبيدنا في خدمتهم لنا؟! لم نفعل هذا علي الإطلاق, غير أن الله يُقدِّر ما نفعله ليس في خدمتنا له فقط بل عندما نعمل ما سوف يعود علينا بالفائدة. ولكن لا تدعنا نتصرف مثل مَنْ يستفيد مِن هذا التقدير كي يحقق مِن خلاله فوائد أكثر لنفسه. ولكن نكون مثل من يدفع دين عليه. فواقع الأمر أنه دين علينا ويجب أن ندفعه. بمعني أنه عندما نشتري عبيدًا بأموالنا فنحن نرغب في أن يعيشوا لنا بالكلية وكل ما سوف يملكونه يجب أن يكون ملكًا لنا أيضًا, فكم وكم بالأكثر يجب أن نكون نحن بالنسبة لله, الذي جبلنا من العدم إلي الوجود, الذي بعد هذا اشترانا بدمه الثمين, الذي دفع ثمنًا هذا مقداره لأجلنا, هذا الثمن الذي لا يستطيع أحد أن يدفعه لأجل أحد أبنائه, حقًا من غيره سفك دمه لأجلنا؟!.

 

         بعد هذا كله ألاَ يجب علينا أن نطرح أنفسنا تحت قدميه. وأن نبذل ذواتنا لأجله كما بذل هو ذاته لأجلنا. ولكن يبقي السؤال: هل يتساوى ما يفعله الله تجاهنا مع ما فعلناه نحن لأجل الله؟ والإجابة بالطبع ستكون بالنفي. لماذا؟ لأن الله فعل هذا معنا ونحن غير مستحقين. بل أن كل ما فعله يرجع لنعمته. وهكذا صرنا مدينين لله لِمَا فعله لأجلنا. ومع أنه هو الله ومع أنه لم يكن تحت حكم الموت فقد صار ـ بالجسد ـ تحت حكم الموت ومع هذا فنحن حتى الآن لم نقدم نفوسنا ذبيحةً له وقد فاتنا أننا سننفصل عنها ـ علي أى حال ـ حسب الناموس الطبيعي, إذ أنه بدون إرادتنا، بعد قليل، سننفصل عنها, وهكذا الثروة إن لم نقدمها لله الآن فإننا سوف نفقدها مضطرين عند الموت. وينطبق نفس الكلام علي الاتضاع , فلو لم نتضع تحت يد الله, سوف نتضع من خلال محنة أو بلية.

 

هنا يظهر مقدار النعمة التي يعطيها لنا الله. فالله لم يقل، ما هو الشيء العظيم الذي فعله هؤلاء الذين قدمّوا نفوسهم ذبيحة لله, لأنهم إن لم يموتوا لأجلى لكانوا سيموتون علي أى حال. ولكنه قدّر ما فعلوه!! لماذا؟ لأنهم وهم مدركين أنهم سوف يفقدون حياتهم، علي أى حال بدون إرادتهم، فإنهم فضَّلوا أن يقّدموا حياتهم لله بإرادتهم. كما أن الله لم يقل أيضًا: أى فعل عظيم صنعه أولئك الذين قّدموا عطاياهم لي؟ فهؤلاء سيتركون أموالهم بدون إرادتهم علي أى حال. ولكن نري أن الله يُقدِّر ما قد فعلوه بل لا يخجل أيضًا من أن يعترف بأن العبيد كانوا يطعموه!!. إن عظمة مجد الرب في أن يكون له عبيد يخدموه, إن عظمة مجد الرب في أنه هكذا يحب عبيده. وهذه هى عظمة مجد الرب في أنه يجعل خيرات عبيده ملكًا له. وهذه هى عظمة مجد الرب في أنه لا يخجل من أن يعترف بهم أمام الكل.

        

دعنا إذًا نمتلئ خشية وخجلاً أمام حب المسيح العظيم لنا. ولتشتعل قلوبنا بهذه المحبة, لأننا لو سمعنا أن إنسان ـ مجرد إنسان ـ يحبنا أكثر من الجميع فإننا نظهر محبة دافئة نحوه. ونكرمه بإفراط.

         لنسأل أنفسنا هل نحن نحب الرب فعلاً ؟ الواقع أن الرب يحبنا بالأكثر وهل لا تتأثر قلوبنا بهذه المحبة؟ أرجوكم ألاَ نكون غير عابئين بخلاص نفوسنا؟. نعم,  فلنحب الرب يسوع بكل طاقتنا. مقّدمين لمحبته كل ما نملك, ليس فقط نفوسنا بل أموالنا, وكرامتنا, وكل شئ آخر وكل هذا في فرح وشكر وليتنا لا نفعل هذا للمسيح فقط بل لبعضنا البعض أيضًا. لأن هذا هو قانون من يعيشون في المحبة, لأنهم يؤمنون أنهم يفعلون حسنًا عندما يُضحّون من أجل من يحبون.

        

وهكذا يجب علينا أن نفعل نفس الشئ بالنسبة لربنا يسوع المسيح. لكي نربح الخيرات العتيدة بنعمة المسيح يسوع الذي يليق به مع الآب والروح القدس المجد والكرامة الآن وكل أوان, إلي دهر الدهور. آمين.

[1] مقاطعة فريجية هي قطاع كبير مهم من آسيا الصغري. وقد اختلفت تخومها باختلاف العصر والأوضاع. وبعد أن اقتطعت منها غلاطية أصبحت حدودها الشمالية بيثينية وشرقًا ليكأونية وغلاطية وجنوبًا ليكية وبيسيدية وإيسورية, وغربًا كاريا وليديا وميسيا. والمنطقة عبارة عن سهل مرتفع بين سلسلة جبال طوروس جنوبًا وأولمبوس شمالاً وتموس غربا. ذُكر من مدنها في العهد الجديد أربع هي لاودكية وكولوسي وهيرابوليس وانطاكية وبيسدية. وفي هذه الفترة لم تبق فريجية مقاطعة كما كانت بل أصبحت مجرد اسم محلى. وقد أسكن أنطيوخوس الكبير في ليديا وفريجية نحو 2.000 عائلة يهودية من بابل وما بين النهرين. وكان بعض هؤلاء اليهود الفريجيين في أورشليم يوم الخمسين (أع2: 10) وقد اجتاز بولس في فريجية في رحلتيه الثانية والثالثة (أع16: 6, 18: 23). انظر قاموس الكتاب المقدس ص 677 , دار الثقافة (القاهرة سنة ***).

[2] كولوسي16:4.

[3] يع2:26

[4] عدد 9

[5] 1كو17:4.

[6] تك18:35 22, بن اوني: كلمة عبرية تعني ابن تعبي, حزني وكان بنيامين محبوب جدًا من أبيه يعقوب وغّير ابيه اسم ابنه إلي بنيامين الذي يعني ابن البركة أو ابن اليمين ليحمل  البركة (الكتاب المقدس الترجمة المشتركة, إصدار دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط .

[7] تك 15:45.

[8] مرة أخري يرجع القديس يوحنا ويذكر مثل العبد الذي لم يرحم العبد رفيقه (مت23:18).

[9] لو10:17

[10] فيلبي 13:3

[11] لو12:18

[12] كو14:4

[13] تتمة دانيال 29:3

[14] دانيال 3:39

[15] نجد هذه القصة كاملة وكل احداثها موجودة في تتمة سفر دانيال الاصحاح الثالث وكيف أن الفتية الثلاثة جعلوا كل كلامهم وصلاتهم لأجل الشعب كله, وليس لأجل أنفسهم فقالوا ” فإنا خَطئنا وأثمنا حتى ابتعدنا عنك. أذنبنا في كل شئ وما سمعنا وصاياك ولم نحفظها” .

[16] دا 32:3

[17] دا 6

[18] دا 3:2

[19] 2صم 26:15

[20] 1صم 18:3

[21] رو18:14

[22] رو13:7

[23] لو17: 7ـ9.

رسالة فليمون ع2 – ق. يوحنا ذهبى الفم – رأفت موسى ذكرى

Exit mobile version