ادخل إليه ف12 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

ادخل إليه ف12 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

ادخل إليه ف12 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

 

 

الفردوس بين يديك

هأنذا واقف على الباب وأقرع

الفصـل الثاني عشر – اُدخُل إليه

 

 

هذا هو سبـب قـرعه علـى بـاب قلبـك.

فهو يتمنَّى أن يجعلك لا مجرد مُضِيف،

بل عروسه المحبوبة.

 

 

 

لماذا لا يسمع بعض الناس القرع

  • عندما يقرع يسوع، ساعيًا أن يدخل حياتنا، فإنه يكون متشوِّقًا جدًّا أن يأتي ليكون معنا, حتى أنَّه يقوم بأكثر من مجرد القرع: فهو ينادينا بأسمائنا! وهذا هو معنى الكلمات: «هأنذا واقف على الباب وأقرع. إن سمع أحد صوتي وفتح الباب… ». إنه لا يكتفي بالقرع، لكنه يدعونا بأسمائنا أيضًا! والمشكلة التي تكمن في كثيرين اليوم هي أنَّنا لا نستطيع سماع صوت القرع أو سماع صوت يسوع على الباب, فالصوتان غارقان في خضم ضوضاء البيت: التلفاز المرتفع، الراديو، الاستريو، الدشِّ, الانهماك في الصخب، والكتب، والمجلات، والسياسات، والأعمال والإجازات. أليس من الغريب إذن أنَّنا نجد الوقت لكل هذه الأمور في حين أنَّنا لا نجد وقتًا ليسوع؛ ولا للصلاة ولا للتأمُّل. إن كل هذه الأمور المُشتِّتَة للذهن تمنعنا إن جزئيًّا أو كليًّا عن سماع صوت القرع وصوت يسوع على الباب, فأمور الحياة المُفضَّلَة من الدرجة الثانية, كالعمل والعائلة, تتنافس لمزاحمة الأفضل من الدرجة الأولى.
  • هناك آخرون ببساطة لا يريدون سماع صوت يسوع.

قصَّة:

  • سأل صبي صغير أباه بعد رؤية صورة الفنان هولمان هانت Holman Hunt التي تُوضِّح يسوع واقفًا على الباب: “أبي لماذا لا يسمح الناس ليسوع بالدخول؟” فهمس له الأب قائلاً: “لست أدري يا ابني.” وبعد دقيقة تكلَّم الصبي الصغير ثانيةً: “أبي عرفت الآن لماذا لا يسمحون ليسوع بالدخول، إنَّهم يعيشون في البدروم، وبالتالي لا يمكنهم سماع صوت قرعاته.” إننا نزور قاع المنـزل نادرًا جدًّا، لكننا لا نعيش فيه, لا أحد يحتاج أن يبقى في مستنقع الخطيَّة، أو التمركز حول الذات، أو رثاء الذات، حيث يمكنه النهوض بتسلُّق خطوات الإيمان، بالتوبة، والاعتراف. يمكن لكلِّ شخص أن يفتح الباب للسماح بغفران الله وسلامه أن يغمرا حياته. لدينا هذان الشرطان الجوهريَّان: “إن سمع أحد صوتي” و “إن فتح الباب.” إن سمعنا صوته وفتحنا الباب، فإنَّ وعده هو: “أدخل إليه.”

المُحَوِّل The Transformer:

  • لكي نفهم تمامًا معنى هذه الكلمات: “أدخل إليه” دعني أستخدم هذا الشَّرح. هناك جهاز بالقرب من بيتنا فيه أسلاك وصندوق مستطيل اسمه مُحوِّل. تعلَّمت أن هذا المُحوِّل هو وسيلة لتغيير نسبة التيار إلى الفولت. وبمعنى آخر فإن المُحوِّل يحصل على الكهرباء من المصدر الأوسع ويقلِّلها لسعة التيار المستخدم. الكهرباء يمكنها تشغيل البيوت، وإدارة الماكينات الضخمة، وإنارة عالمنا, ولكن بدون هذا المُحوِّل لتقليل الكهرباء وتوجيهها، فإن الكهرباء تصبح هائلة جدًّا على مستوى الاستخدام, وسوف يَحدُث انفجارٌ هائلٌ حينما تصل الكهرباء إلى بيوتنا.
  • والرب يسوع مثل هذا المحوِّل, فبدون المسيح، لم يكن يتسنى لله في الواقع أن يُبيِّن لنا ذاته, فقد كانت الطاقة هائلة المقدار, وحينما أطلق الرب يسوع جزءًا من قوَّته الإلهيَّة أثناء التجلِّي كان الأمر لا يُحتَمَل, فتلاميذه لم يمكنهم حتى احتمال النظر إليه, وكان وجهه لامعًا جدًّا! في يسوع، حَدَّ (حجب) الله قوَّته بطريقة غامضة سريَّة حتى يمكنه التواصل معنا. كان هذا في الرب يسوع، كلمة الله الأبدي، الواحد الذي له وبه كل الأشياء، الواحد الذي يحل فيه ملء الله جسديًّا، الواحد الذي يتماسك فيه ويقوم كل شيء، الواحد الواقف على باب حياتك وحياتي ويقول: “إن سمع أحد صوتي وفتح الباب، أدخل إليه.”

أدخل إليه:

  • قال الرب يسوع : “أدخل إليه.” فَهِم القديس بولس هذه الحقيقة جيِّدًا حتى كتب في (أف16:3): «ليحل المسيح بالإيمان في قلوبكم.» تقول ترجمة أخرى: “ليستقر المسيح ويستريح بالإيمان في قلوبكم.” إن أحد تعاليمنا المدهشة عن إيماننا المسيحي هي أن يسوع المسيح بنفسه سوف يدخل القلب فعلاً، لا مجرَّد زيارة، بل للاستقرار والاستراحة فيه، وذلك من خلال حضور الروح القدس, سيجعل المسيح من قلب الإنسان مسكنه الخاص، أي بيته.
  • تقول المتصوِّفَة الإنجليزية جوليا Julia:

“الله جعل نفس الإنسان مسكنه الخاص.”

وسوف يكون الأمر مأساة بالفعل لو أنَّنا بنينا كنيسة لعبادة الله الحي وجعلنا أولادنا يستخدمونها لتخزين القمح, وسوف تكون المأساة أكبر عندما يخلقنا الله لنكون مسكنًا لروحه وملكوته، بينما نكون نحن مجرَّد أوعية للأطعمة الجيِّدة من الداخل, وأسطُح لمستحضرات التجميل والمنسوجات من الخارج.

  • “الله جعل من نفس الإنسان مسكنه الخاص.”
  • “أدخل إليه”:
  • عبَّر يسوع عن هذه الرغبة في (يو23:14) حينما قال: «إن أحبني أحد يحفظ كلامي، ويحبه أبي، وإليه نأتي، وعنده نصنع منـزلاً.» الرب يسوع لا يدخل وحده، لكن الآب والروح القدس يدخلان معه. لوصف ما يحدث في القلب عندما يُحقِّق يسوع وعده القائل: “أدخل إليه” كتب القديس مقاريوس Makarius الكبير يقول:

“هناك أعماقٌ لا يُسبَر غورها داخل القلب, فالله هناك مع ملائكته، النور والحياة هناك، والملكوت والرسل، والمَن السماوي وكنوز النعمة، فهناك الكلُّ.”

ينصب خيمته في وسطنا:

  • “أدخل إليه”:
  • قدَّم الله وعدًا مميَّزًا لموسى في العهد القديم, قال له إنه سينصب خيمته ويسكن في وسط شعبه. إنََّّ رغبة الله في أن ينصب خيمته فينا هي أحد الموضوعات المركزية في الكتاب المقدس, وقد تحقَّقَت في التجسُّد. كتب القديس يوحنا يقول: «والكلمة صار جسدًا وحلَّ بيننا.» (يو14: 1) والكلمة اليونانية التي ترادف كلمة “يحل” معناها الحقيقي “ينصب خيمة”. وهكذا جاء المسيح لينصب خيمته لا وسط شعبه فحسب، بل داخل كل منَّا. من سفر الخروج حتى سفر الرؤيا, آخِر أسفار الكتاب المقدَّس, نجد أن الموضوع المركزي هو مجيء الله القدوس كي ينصب خيمته: أولاً في هيئة خيمة الاجتماع في البرية، ثم هيكل سليمان، ثم في المسيح، ثم المسيح فينا, وهذا هو سبب مجيئه إلينا شخصيًّا إلى باب كل قلب ويقرع. إنَّه يرغب أن ينصب خيمته فيك وفيَّ. «هوذا مسكن الله مع الناس، وهو سيسكن معهم، وهم يكونون له شعبًا، والله نفسه يكون معهم إلهًا لهم.» (رؤ 3:21) لدينا صلاة جميلة في الكنيسة الأرثوذكسية تُصلَّى في كل خدمة تقريبًا وهي: “أيها الملك السماوي، يا روح الحق.. هلمَّ تفضَّل وحلَّ فينا (انصب خيمتك)”.

زكَّا, ينبغي أن أمكث اليوم في بيتك:

نفس هذه الرغبة: “أدخل إليه” عبَّر عنها يسوع عندما قال لزكا: «يا زكا،أسرع وانزل، لأنه ينبغي أن أمكث اليوم في بيتك» (لو19: 1-10).                                                                                

ماذا يحدث عندما يسمح لنا الله برحمته أن نعرف في أنَّه يرغب أن يبقى معنا؟ إننا نعلم ما حدث لزكا, فأفكاره عن المكسب والخسارة بدأت تتغيَّر بصورة جذرية, حيث وجد القوة لحياة مختلفة حين سمع يسوع يقول له إنه رغم ماضيه، فإنه أيضًا ابن لإبراهيم, ومن هنا صار له نصيب في وعود الله. نفس هذه القوَّة يمكن أن تكون لنا. بدأ زكا يُفكِّر في الفقراء، أولئك الذين كان قد تجاهلهم حتى هذه اللحظة. وكان ينوي إعطاء نصف أمواله للمساكين, ورغم أن المحكمة لم تُوجِّه اتهاما لزكا، إلا أنَّه بدأ يُفكِّر في مستحقات مظلوميه. عندما نفتح الباب وندعو الرب يسوع للدخول، فلا أحد سيقول لنا أن نساعد الفقراء؛ ونُقدِّم التعويضات, بل كما فعل زكا سنقوم بهذه الأمور من خلال قوة ومحبة حضوره فينا.

أدخل إليه:

ذات يوم فحص طبيب صبيًّا، لكنَّه لم يجد تفسيرًا لآلام بطن الصغير الغريبة المتواصلة, وفجأة قال الصبي: “أنا أعرف ما هي المشكلة!” فسأله الطبيب: “ما هي؟” فأجاب الصبي: “التفاح الأخضر.” فسأله الطبيب: “وكيف أنت متأكِّد من ذلك؟” فأجاب الصبي: “لديَّ إحساسٌ داخلي.” عندما نفتح الباب ليسوع وندعوه إلى الدخول، فإننا نكتسب نفس النوع من “المعرفة الداخلية” عن أنفسنا مثل زكا, ونعرف ماذا يجب أن نفعل وما يجب أن يكون.

ماذا يفعل المسيح عندما يدخل؟

قال الرب يسوع: “أدخل إليه.” لماذا يريد يسوع أن يدخل؟ الإجابة هي أنَّه يريد أن يُنعم علينا بكلِّ بركات قوَّته وقيامته, بصورة. حينما يكون يسوع داخل البيت، فإنه سيجدِّده، وسيعيد تزيينه وتهيئته, أي أنَّه سيطهِّرنا ويغفر لنا، وسوف يمحو كل ماضينا. إنه يَعِد أن يأكل معنا ويسمح لنا أن نأكل معه, وهذه العبارة تصف مدى تقارب وفرح رفقته. هو لا يهب نفسه لأجلنا فحسب، لكنه يطلب منا أن نهبه أنفسنا أيضًا. لقد كنا غرباء، والآن صرنا أحباءه. كان هناك بابٌ مغلقٌ بيننا، والآن نجلس معًا على نفس المائدة. وعندما يقف على عتبة الباب، لابد أن نسلمه مفتاح كل غرفة من غرف البيت, لأنه يدخل ليجدِّدنا تمامًا ويملأنا «إلى كل ملء الله» (أف19:3).

ليس ضيفًا:

قصَّة:

عندما حَكَمَت الملكة فيكتوريا إنجلترا، كانت أحيانًا تزور بعض الأكواخ المتواضعة لرعاياها. وذات مرَّة دخلت بيت أرملة مسيحيَّة وبقيت هناك للاستمتاع بفترة من شركة الرِّفقة المسيحيَّة. وبعد ذلك قال أحد الجيران للمرأة: يا جدَّتي من هو أعظم ضيف استضفتِه في منـزلك على الإطلاق؟” وتوقَّعوا منها أن تقول إنه الرب يسوع، لأنه بالرغم من سخريتهم الدائمة بسبب شهادتها الدائمة للمسيح، إلا أنهم كانوا يعرفون روحانيتها العميقة, لكن لدهشتهم الشديدة أجابتهم قائلة: “إن أعظم ضيف استضفته هو جلالة الملكة.” فقالوا لها: “هل قلتِ الملكة؟ آه لقد كشفناكِ هذه المرة! فماذا إذن عن يسوع هذا الذي تتحدَّثين عنه دائمًا؟ أليس هو أعظم ضيوفك؟” فكانت إجابتها محدَّدة وروحيَّة, “لا بالحقيقة! فيسوع ليس ضيفي. لكنه مقيمٌ ها هنا!” 

هل الرب يسوع ضيفٌ موسمي في حياتك؟ أم أنه يعيش فيها؟ إن أعظم وأكمل الأشياء والتي يتمنَّى إنسان إنجازها, هو أن يقتـرب من الله وأن يسكُن في اتِّحاد معه, وكل ما نقوم به في حياتنا الروحيَّة: الصوم، الصلاة، حضور الخدمات الطويلة في الكنيسة، هي وسائل لتحقيق الاتِّحاد مع الله حتى يأتي ويحل فينا ونحن فيه. إن الهدف الأسمى للصلاة والصوم والتدريبات الأخرى هو فتح الباب للرب يسوع والسكنى معه في اتحاد وعِشرة كاملة.

قال يسوع: “أدخل إليه.” وحينما يأتي فهو يأتي بقوَّة وسلطان. استمع لشهادة إنسان فتح الباب ليسوع, فهو يصف معنى أن يكون المسيح في الداخل بالنسبة له فيقول:

”إن معنى أن يكون المسيح داخلي هو أن أبقى ثابتًا وهادئاً وسط الاضطرابات. المسيح الساكن فيَّ يساند جهودي ويُقوِّي إرادتي. المسيح الساكن فيَّ هو القائل: “واصل المسير. اخطُ خطوة أخرى واحدة”. المسيح الساكن فيَّ هو الذي يتكلَّم من خلالي بكلمات تنقل مشاعر السلام، والثقة، والتفاهم. المسيح الساكن فيَّ هو الذي يقوم منتصرًا على كل تجربة. المسيح الساكن فيَّ هو الذي لا يقبل الهزيمة أبدًا, فأنا أستطيع كل شيء في المسيح الذي فيَّ.

قائمة لا تنتهي:

لو سألك واحد هذا السؤال: “ما الذي يأتي به الرب يسوع حينما نفتح له الباب وندعوه بالدخول؟” فكيف ستجيبه؟ هذه بعض البركات التي يأتي بها:

X غفران الخطايا. التطهير الداخلي. السلام مع الله.

X الحياة الأبدية. عطيَّة الروح القدس.

X القوَّة الداخلية, والمحبة, والفرح.

X القيامة من الأموات. الجسد المُمجَّد. الخلود.

X مكان سكنى في بيت الرب إلى الأبد.

X ومع ذلك فالقائمة لم تبدأ بعد! لأنَّ القائمة لا تنتهي.

أدخل إليه:

إنه يرغب بحرارة أن يدخل حياتنا, وهو يقرع لأنه يتمنَّى أن يقودنا إلى حضور الله. يسوع هو الواحد الوحيد الذي يفتح لنا الباب لحضور ملك الملوك, وعندما يُفتح هذا الباب، فإن ما نجده هو النِّعمة وليس الإدانة أو الدينونة، أو الانتقام، بل لطف الله المدهش الذي ندعوه النعمة. إنه يقرع، لا لمجرد أن يدعونا لنكون ضيوفًا في وليمته الأبدية, بل بالأحرى يتمنى ألا يكون كلٌّ منَّا ضيفه، بل عروسه المحبوبة، المتَّحدة معه تمامًا في المحبة.

وصف القديس مقاريوس ذلك عندما كتب:

”لقد دعيتَ للخلود، كي تكون… عروس الملك. في كل ما حولنا، كل ما ينتمي للعريس يخص أيضًا العروس, وكذلك كل الأشياء التي تنتمي للرب، مهما كان قدرها، فإنه يستودعها فيك. لقد جاء لمساعدتك شخصيًّا ولكي يستردَّ لك ما كان لك من قبل. لكنك لا تفهم ذلك ولا تدرك كرامتك.

أيَّتها النَّفس البشريَّة, اعلمي نُبلكِ وكرامتكِ فأنتِ هي العروس للعريس السَّماوي, أنتِ ثمينة في نظره… خذي لكِ هذا المثال: ملكٌ يجد عذراء مسكينة ترتدي ثيابًا رثَّة. لا يستحي منها، لكنه ينـزع عنها ثيابها المتَّسخة، ويغسل سوادها، ويزيِّنها بأفخر الثياب، وبجعلها شريكة مع المَلِك, ويهديها مكانًا على المائدة ويتشارك معها وليمته. هكذا وجد الرب النفس المجروحة التي كانت منسحقة, فأعطاها الدواء وأزال الثياب السوداء وعار الشر ودثرها بالثياب السماويَّة الملكيَّة، ثياب البِر، الوضَّاءة البهيجة ووضع إكليلاً عليها وجعلها شريكته على المائدة الملكيَّة ودعاها للفرح والسرور.

   من عظات القديس مقاريوس الكبير الخمسين

هأنذا واقف على الباب:

قال الرب يسوع: ” أدخل إليه.” عندما يدخل يسوع، لا يدخل بمفرده, لكنه يأتي ومعه أعضاء جسده السرِّي، وكل جماعة القدِّيسين، الذين في السماوات والذين في الأرض. يأتي ومعه المحتاجون, الجياع، والمرضى، وغير المرغوب فيهم, ويتساءل قائلاً: “هل أردتَ أن تقوم بشيء من أجلي؟ إذن قُم به من أجل هؤلاء، أولادي المتألمِّين, ففيما تقوم به لأجلهم، تقوم به من أجلي.”, وعندما يدخل يسوع، فإنه يأتي كي يجعلنا مستعدِّين للمساعدة، كأعضاء من جسده مُهتمِّين بالآخَرين, لنصل بالحب على الدوام للأعضاء الآخرين من نفس هذا الجسد، ولاسيما الأقل نصيبًا.

عِطر التوبة:

كتب القديس يوحنا ذهبي الفم أن النحل لا يستقر في مكان غير نظيف, ولذلك فإنَّ النحَّالين يرشُّون على السلال المجدولة وسائر الأوعية الأخرى التي سيستقر عليها النحل عطورًا وروائح أخرى ينجذب على شذاها, لئلا تطرده بعيدًا أيَّة رائحة أخرى. وهكذا الحال مع القلب البشري الذي هو إناء قادر على قبول المسيح, لابد أن يتطهَّر من كل مرارة وغضب ومن كل خطية وشر, ولابد أن يُرش بعطر التوبة حتى يجذب إليه حضور يسوع.

الباب المسدود والجحيم:

سألني واحد ذات مرة ما هو اعتقادنا عن الجحيم, وبعدما غادرني، خطر ببالي أن الجحيم لابد أن يكون مثل ذلك الإنسان الذي يسمع صوت القرع وصوت يسوع على باب قلبه، لكنه يريد أن يجعل يسوع خارج نطاق حياته, إنه يغلق الباب من الداخل، ويُبقيه مغلقًا، ويضع جدارًا من أكياس الرمل تجاهه. أعتقد أن هذه هي صورة صادقة لما سيكون عليه الجحيم: رفض الإنسان لقبول محبة الله، الإنسان يضع لنفسه متراسًا أمام هذه المحبة على الدوام, ولذلك فإن الجحيم لا يوجد بسبب الله بل بسبب الإنسان. لذا  كان كيركيجارد مُحقًّا عندما قال: إننا نختار أن نغلق باب قلوبنا، لأننا نريد أن نحيا في بيت حياتنا المدمَّر والمدمِّر, وهذا هو الجحيم.

البيت المسكون بالأشباح غير مسكون!

لوصف الاختلاف الذي يصنعه المسيح حينما نفتح له الباب وندعوه بدخول حياتنا، اسمح لي أن أستخدم القصة التالية:

قصَّة:

في مكان ما بجوار بيتنا حيث نشأتُ, كان هناك بيت خالٍ كنَّا نحن جميع الأطفال نعرف أنَّه مسكونٌ بالأشباح, حيث قال أفضل أصدقائي إنه رأى “شبحًا يحوم في المكان”, وقال طفل آخر إنه سمع “أصوات وصرخات غريبة”, وكنت أنا متيقنًا أنَّني قد رأيتُ الأنوار مضاءة هناك ذات ليلة.

تشجَّع اثنان منَّا لاستكشاف البيت المسكون في منتصف النهار. دخلنا الباب الأمامي ومشينا على أطراف أصابعنا بعصبيَّة وحِرص عبر الغرف الصَّامتة, فوجدنا الأتربة، والقاذورات، وأنسجة العنكبوت، والصناديق الفارغة والعلب والصحف القديمة- كل شيء ما عدا الأشباح.

بعد ذلك ببرهة قصيرة، اشترى عمِّي هذا البيت وانتَقَلَت إليه أسرته, فقمتُ بزيارتهم. ولم يعد المكان مخيفًا بالمرَّة, فالستائر النظيفة كانت تنعش كل غرفة، والسجاجيد والأثاث كانت تطبع على المكان شعورًا بالدفء، وكانت هناك رائحة لذيذة تنبعث من مطبخ زوجة عمي. لقد غيَّر وجودهم البيت فطرد الأشباح.

أليس هذا ما يفعله حضور المسيح عندما نفتح الباب وندعوه للحياة فينا؟ إنه يطرد بعيدًا أنسجة العنكبوت، ويزيل النفايات، ويهيئ الإنسان الداخلي بمواهب الإيمان، والرجاء، والمحبة.

البيت الذي لا يُرحَّب فيه بالمسيح، ويُغلق فيه أمام وجهه، يكون مسكونًا بأرواح شرِّيرة كثيرة, ولكن حالما يُفتح الباب للمسيح، لا يستطيع أي روح شرِّير أن يبقى, لأنه عندما يدخل المسيح، فإنه يأتي بالروح القدس ويسكن داخله.

إنه يُغَّير أذواقنا:

شيء آخر يقوم به الرب يسوع عندما نفتح له الباب وندعوه بالدخول هو أنَّه يُغَيِّر أذواقنا. دعني أشرح لك ذلك الأمر:

تحوَّلت صحفيَّة تتقاضى أجرًا متواضعا في إحدى الصحف للكتابة في المجلات وحققت نجاحًا فوريًّا, ومع مستوى دخل مذهل تغيَّر أسلوب حياتها تمامًا, ومع سياسة عدم الادخار فيما بعد، أنفقت مالها بمستوى عالٍ من البذخ, ثم جاءت أزمة سوق البورصة, فتبخَّرَت استثماراتها. والأسوأ من ذلك أن معنويَّاتها قد انهارت. فحاول أصدقاؤها إعادتها لحالتها الطبيعيَّة، لكنها لم تستجب. فقال لها أحد أصدقائها: “هيَّا الآن تخلَّصي ممَّا أنتِ فيه.” لقد كنتِ فقيرة من قبل، ولم يكن حالكِ مثلما أنتِ عليه الآن. فصاحت الصحفيَّة قائلة: “لكن الأمر كان مختلفًا آنذاك, “فالآن لديَّ أذواق غالية؟ حينما نفتح الباب للمسيح، فإن إحساسنا بالتذوُّق يتحسَّن بصورة هائلة جدًّا لدرجة أنَّنا لا يمكننا أن نرضى من جديد بالرخيص والمُر, ولكن لا يكون هذا إلاَّ بعدما نكون قد تذوَّقنا الأجمل! «ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب» (مز34: 8), افتحوا الأبواب! ادعوه إلى الدخول! فسوف يسمو بأذواقكم, ولن تكونوا فيما بعد راضين بالرَّخيص التافه.

كل من يقرع باب تاجر العقاقير, فإنه يبحث حقًّا عن “الأشياء القيِّمَة الغالية”, وهذه روحيًّا لا يستطيع أن يعطيها إلاَّ الله وحده.

أضواء النور:

     يصف مسيحي الاختلاف الذي قام به المسيح حينما فتح له الباب وسمح له بدخول حياته قائلاً:

     “لقد جاء إلى ظلمة حياتي وأضاء الأنوار, وضع نارًا في المدفأة فطرد البرد, عزف موسيقاه الهادئة بعد أن كان صمت الموت، وملأ الفراغ برفقته المُحِبَّة البديعة. لم أندم أبدًا على فتح الباب للمسيح, ولن أندم على الإطلاق، ولا في الأبديَّة”.

أتعشَّى معه:

     لو سمعنا صوته وفتحنا الباب، لا يَعِد يسوع بمجرَّد المجيء، بل أيضًا بالتعشِّي معنا. الكلمة اليونانية المستخدمة في النص اليوناني الأصلي هي فعل deipnein التي نشتق منها الاسم deipnonمعنى عشاء. وهذه الكلمة لها معنى مُميَّزٌ جدًّا فيما توضِّحه لنا عن صحبتنا مع المسيح. يقول ويليام باركلي William Barclay إنَّ اليونانيين الأوائل كانت لديهم ثلاث وجبات في اليوم.

وجبةالإفطار، لم يكن أكثر من قطعة من الخبز الجاف المغموسة في الخمر.

وجبة الغداء، كانت ببساطة عبارة عن وجبة خفيفة في الهواء الطَّلق تؤكل تحت شجرة على جانب الطريق أو في ظلِّ صفٍّ من الأشجار.

وجبة العشاء، وهذه كانت الوجبة الرئيسيَّة لليوم.

    كان الناس يتباطأون كثيرًا أثناء تناول هذه الوجبة، حيث يكونون قد انتهوا من عمل النهار، ولم يكونوا متعجِّلين فلديهم الكثير الذي يتكلَّمون فيه. من المهم أن الآية موضع دراستنا تَستخدم كلمة deipnon لوصف العلاقة الحميمة الممتدَّة الدائمة التي يرغب يسوع أن يؤسِّسها مع ذاك الإنسان الذي يفتح له الباب. في سفر إشعياء الأصحاح 55 يدعو الله الجياع إلى وليمة من الخبز الرائع وعصير الكرمة الغني الفاخِر.

أثناء حياة يسوع على الأرض، وضَّح أنَّه هو بذاته مصدر هذه الوليمة الأبديَّة. الرب يدعونا لاختبار مذاق الوليمة الآن بتناول الخبز وعصير الكرمة الخاصَّيْن بالعشاء السرِّي ـ التناول ـ الذي به نشترك في المسيح وفي كل مواهبه, وكل هذا بمثابة بداية وليمة تستمر وتستمر, وتصير أفضل وأفضل حتى نصل إلى ملء الفرح في ملكوت السموات. أنت مدعو لهذه الوليمة في كل قدَّاس, وهي مجانيَّة تمامًا, وليس عليك أن تدفع شيئًا, فيسوع دفع الثمن بالفعل بالكامل. يمكنك أن تتذوق صلاح الله بلا أموال أو تكلفة. السؤال الوحيد هو ما إذا كنتَ ستوجِّه انتباهك لدعوة الله وتقبلها أم لا؟

يروي الرب يسوع في إنجيل لوقا الأصحاح الرابع عشر قصة إنسان صنع عشاء عظيمًا ودعا كثيرين. الله يريد أن يتأكَّد أن ملكوت السموات ممتلئ، حتى ولو كان الأمر معناه دعوة أناس لم يتوقَّعوا ذلك، ودفعهم طول الطريق لإدخالهم, ولكن إن انشغلتَ عن توجيه الانتباه لقرع الله ودعوته، وإن كان لديك ما تفعله دون قبول دعوته للوليمة الأبديَّة، فسوف تُطرح خارجًا. يقول يسوع إنه ليس واحد من أولئك الرجال المدعُوِّين الذين رفضوا دعوته, ولا حتى واحد! سيذوق عشاءه.

أنا متأكِّد أن لديك الكثير من الأشياء في حياتك تبدو في منتهى الأهمية: العمل الذي تعمله، الأعمال التي تهتم بها، الناس الذين تراهم، الأماكن التي تذهب إليها، الموسيقى التي تستمع إليها، الألعاب التي تلعبها، العروض التي تشاهدها، وآلاف الأشياء الأخرى. ولكن كل هذه الأمور لن تكون سوى مُشتِّتات إن لم تكن مستجيبًا لقرع الله وندائه لك للوليمة، وليمة الولائم.

الوليمة في السماء:

    إن هذا العشاء ما هو إلاَّ التناول، العشاء الأخير، الذي يدعونا إليه يسوع للاشتراك في كل قدَّاس. التناول ليس مجرَّد فعل مُستمِر للعشاء الأخير, لكنَّه أيضًا سبق مذاق للوليمة المسيانية, حينما نجلس كي نتعشَّى مع ربنا في السماء. وهذا معناه أنه كلَّما نذهب لوليمة التناول السماويَّة وقبول الجسد الثمين والدم الكريم لربِّنا، فإنَّنا ننظر إلى الوراء متذكِّرين العشاء الأول الذي أقامه يسوع مع تلاميذه في العلية؛ وننظر أيضًا إلى الأمام مترقِّبين المجيء الثاني. وبتعبير آخر، فإن سرَّ التناول الحالي، أي العشاء الحالي هو أيضًا دلالة مبدئيَّة وتوقُّع لوليمة السماء القادمة.

وعن هذا يقول الأب ستافروبولس Fr. Stavropolos: 

“حينما ينال الإنسان السر المقدس (سر التناول) الآن فإنه ينال في نفس الوقت وعد اتحاد لا يوصف مع المسيح في الدهر الآتي.”

     وبكلمات أخرى، بقبول المسيح في سر التناول، فإننا ننظر للوراء إلى العشاء الأول، وللأمام إلى الوليمة المسيانيَّة. قال يسوع لتلاميذه: «وأنا أجعل لكُم كما جعل لي أبي ملكوتًا, لتأكلوا وتشربوا على مائدتي في ملكوتي» (لو29:22ـ30).

     عبَّر القديس أوغسطينوس عن ذلك بمنتهى الروعة قائلاً:

“لستُ أرغبُ يا رب، في مواهبك، بل فيكَ أنتَ.”

العريس يقرع:

     حينما يقف الرب يسوع على الباب ويقرع، فإنه يفعل ذلك كالعريس الذي يأتي ليخطب العروس لنفسه, والعروس هي نفسك ونفسي, إنَّه يأتي ليؤسِّس معنا علاقة محبة أبديَّة ليست لها نهاية, يأتي ليدخل نفوسنا ويوحِّد نفسه بنا حتى يحيا فينا ونحن فيه. هذا كمال المحبة الإلهية والبشرية التي تحدث حينما نفتح الباب لقبول يسوع في سر التناول المقدس. 

  • وهذا ما كتبه القديس مار إسحاق السرياني:

المحبة هي الملكوت الذي تكلم عنه الرب رمزيًّا عندما وعد تلاميذه بأنَّهم سيأكلونه في ملكوته. “ستأكلون وتشربون على مائدتي في ملكوتي”. ماذا سيأكلون؟ سر التناول! المحبة… عندما نصل إلى المحبة نكون قد وصلنا إلى الله ويكون طريقنا قد انتهى: لقد عبرنا إلى الجزيرة الواقعة فيما وراء العالم، حيث الآب مع الابن والروح القدس, الإله الواحد الذي له المجد والسلطان.

     الأكل على مائدة الله هو اختبار المحبة, لأنَّنا عندما نصل إلى المحبة نكون قد وصلنا إلى الله.

  • إن صورة الرب يسوع وهو واقف على الباب ويقرع تُذكِّرني بإحدى ترانيمنا الجميلة في أسبوع الآلام, “هوذا العريس قد أقبل, طوبى لذلك العبد الذي يجده ساهرًا، وطوبى للعبد الذي يفتح الباب لقبوله.”

“لتكن أحقاؤكم ممنطقة وسرجكم موقدة. وأنتم مثل أناس ينتظرون سيِّدهم متى يرجع من العرس حتى إذا جاء وقرع يفتحون له للوقت. طوبى لأولئك العبيد الذين إذا جاء سيدهم يجدهم ساهرين. الحق أقول لكم إنه يتمنطق ويتكئهم ويتقدَّم ويخدمهم.” (لو12: 35-37).

ماذا يحدث حينما نفتح الباب؟

     إنه يقرع، لا مرَّة واحدة بل على الدوام, يقرع ساعيًا للدخول،كما لو لم يكن له مكانٌ آخر في الكون كله, الكون بأكمله مجرد موطئ قدميه, لكنَّه يقرع ساعيًا لدخول قلبك وقلبي, لأنه من بين الكون كله، هذا هو المكان الذي يتمنَّى جدًّا أن يصنع فيه بيته, هذا هو المكان الذي يشتاق أن يكون فيه، كي يقضي الوقت معك ويُعلِن لك حبَّه. بالنسبة لكل منَّا، لا يهم شعورنا بأنَّنا غير محبوبين أو غير مُحبِّين، فيسوع يأتي ليقول لنا كما قال لزكا: «يا زكا، أسرع وانزل لأنه ينبغي أن أمكُث اليوم في بيتك.» (لو19: 5), وكما نادى زكا شخصيًّا وباسمه، هكذا ينادينا نحن شخصيًّا وبأسمائنا, لذلك فإنَّ كلمات الرب في (رؤ3: 20) تكون شخصيَّة لنا إذا ما ألحقناها بأسمائنا, فمثلاً: “هوذا يسوع واقف على باب قلب مريم ويقرع, لو سمعت مريم صوت يسوع وفتحت الباب، لدخل يسوع حياة مريم، وستكون لمريم علاقة حميمة مع يسوع الآن وعلى الدوام.”

  • عندما نفتح الباب، ويدخل يسوع, يجد نفوسنا سوداء بالخطية، فيجعلها أبيض أكثر من الثلج, يجدنا عرايا، فيُلبسنا ثياب برِّه البهيَّة. يجدنا عطشى وجائعين، فيهيئ أمامنا مائدة الوليمة المسيانيَّة التي تفيض بالمن السماوي, يجدنا نعيش في كوخ قذر، فيحوله لهيكل مقدس. «أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم ؟» (1كو3: 16)
  • لقد خَلَق الله نفسك لتكون مسكنه الخاص, هيكلاً مقدَّسًا! لذلك إن سمعت صوت القرع فافتح الباب. إنَّه العريس يدعوك لوليمة العرس العظيم, وليمة الاحتفال باتِّحاد الزواج بين المسيح ونفسك. هناك مكان ينتظرك في مائدة الرب, مكان بالقرب من السيِّد، مكان تركه البعض منَّا شاغرًا لفترة طويلة جدًّا.
  • قال القديس ذهبي الفم:

“الفردوس على عتبة بيتك”,

فافتح الباب ليسوع وادعُه إلى الدخول!

Øصلاة×

يا ربِّي يسوع المسيح مخلِّصي،

أتطلع إليك في كلِّ مكانٍ في صلاتي ما عدا داخلي.

إذًا,كيف يمكنك أن تسكن فيَّ؟

إن المذود الذي وُلدتَ فيه في بيت لحم,

هو قصر ملك مقارنة بي أنا.

كيف يمكنك أن تسكن فيَّ؟

إنَّ شعر الخاطئة التي لمست قدميك,

هو رداء إمبراطوري مقارنة بي أنا. 

كيف يمكنك أن تسكن فيَّ؟

إن بيت زكا الذي اخترتَ أن تأكل فيه,

هو مسكن مقدَّس مقارنة بي أنا.

كيف يمكنك أن تسكن فيَّ؟

إنَّ تاج شوكك، وآثار المسامير على يديك وقدميك،

وصليبك الفادي قد فتحت بابي.

إنِّي أسمع نداءك،

أيها الرب الغالي،

اسكن فيَّ. آمين.

ليس كافيًا ، بل أكثر:

لا يوجد سيليكون كافٍ على هذا الكوكب,

لتصميم عقلٍ بشري،

ولا توجد معرفة كافية فيه،

لخلق قطرة مطر.

ولا قوة كافية فيه،لصنع زهرة واحدة.

أين نتطلَّع،

وأين نشعر بالراحة ؟

ليس هناك مقر لراحة النَّفس بعيدًا عنك،

ليضمن هروبنا.

نحن نبحث في أماكن غريبة،

أن نخمد فراغنا،

آه،كم ترتعش هذه الفراغات المتألمة،

في منتصف الليل!

لماذا نبحث عن معرفة “العصر الجديد”

أو الأغنيات الغريبة البعيدة،

بينما أهيه الذي أهيه (أي أنا الكائن بذاتي)

يقف على الباب ويقرع طالبًا الدخول؟

لو أننا أجبنا النداء،

لأصبح هو عريسنا على الفور!

إن إلهنا الحي من الأزل إلى الأبد

يفتح لنا أبواب سجننا.

لتُحلِّق إذن أرواحنا،

فالأمر ليس كافيًا، لكنَّنا نريد الأكثر!

   بيتي كيزيلوس

Betty Kizilos

 

ادخل إليه ف12 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

يسوع يقرع من خلال صوت الضمير ف11 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

يسوع يقرع من خلال صوت الضمير ف11 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

يسوع يقرع من خلال صوت الضمير ف11 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

 

الفردوس بين يديك

هأنذا واقف على الباب وأقرع

 

الفصـل الحادي عشر – يسوع يقرع من خلال صوت الضَّمير

 

 

إنه يقرع كثيرًا وكثيرًا من خلال صوت الضمير,

حتى يمكننا بالتوبة

أن نفتح الباب وندعوه للدخول والاحتفال معنا.

 

 

الصَّوت الهادئ الخفيف

  • طريقة أخرى يقرع بها الرب يسوع على باب القلب هي ذاك الصوت الداخلي الذي ندعوه الضمير. هل تذكُر قصة النبي إيليا؟ كان جالسًا تحت شجرة رتمة (شيح) ذات يوم، وكان يائسًا جدًّا حتى طلب الموت لنفسه, وفيما نقرأ عن ذلك الحدث في سيرة حياته, نصل فجأة لتلك الكلمات الدرامية: «وإذا بالربِّ عابر… » (1مل19: 11). كيف عَبَر الرب؟ «…وريح عظيمة وشديدة قد شقَّت الجبال وكسَّرت الصخور ولم يكن الرب في الريح، وبعد الريح زلزلة ولم يكن الرب في الزلزلة، وبعد الزلزلة نار ولم يكن الرب في النار, وبعد النار (بعد كل هذا الصخب والاضطراب) صوت منخفض خفيض» داخل إيليا. إنَّ «الصوت المنخفض الخفيض» إلى ضمير يقظ, هو الأسلوب الذي تكلَّم به الرب لإيليا، وهو الأسلوب الذي يتكلَّم به إلينا, فمن خلال هذا الصوت يُواصل الرب قرعه على باب نفوسنا ساعيًا لقيادتنا بعيدًا عن الخطية والموت إلى الغفران والحياة الأبدية.
  • في كتابه “الفردوس المفقود” يُصوِّر ميلتون Milton الله وهو يخلق الإنسان ويقول: “سوف أضع الفصل في الحُكم على الأمور، أي الضمير، في قلبه.” هل هناك تعريف للضمير أروع من ذلك؟ الضمير الذي زرعه الله، والذي يحدِّد التصرُّفات والأمور: صائبة أم خاطئة. هناك وفي كل مكان في هذا الكون يوجد إله, إله أخلاقي, يريد منَّا عمل الخير وتجنُّب الشر. وبالإضافة إلى تجسُّد الرب، أي مجيئه إلى عالمنا, فقد منحنا لمحات كثيرة تشير لوجوده, وواحدة من هذه اللمحات هي صوت الضمير الذي زرعه في كل منَّا. هذا الصوت الداخلي الذي يشجِّعنا لعمل الخير وتجنُّب الشر لا معنى له ما لم يكن هناك إله أخلاقي واقف من خلفنا. وهذا ما قاله جون بايلي John Baillie :

“إنه ليس ببساطة صوتَك, وليس هو مجرَّد نبض قلبك ما أنت سامعه, لكنه نبض قلب خالق الكون.”

نعم، إنَّه نبض قلب الله.

  • تكتب آن مور ليندبيرج Anne Morrow Lindberg في كتابها: “الصعود المضني” فتقول: “الناس يموتون دائمًا خلال سنوات حياتهم, فالبعض يموتون لأنهم كانوا يقومون باستصدار قرارات خاطئة, قرارات ضد الحياة, لكنَّك كنت تعلم دائمًا متى قمتَ باستصدار قرار ضد الحياة. فعندما أنكرتَ الحياة الأبديَّة تلقَّيتَ التحذير, حيث يصيح الديك، على الدوام، في مكان ما بداخلك.”

إشارة إيقاف للحياة اليوميَّة:

  • «هأنذا واقف على الباب وأقرع… », إنه يقرع كثيرًا وكثيرًا من خلال صوت الضمير حتى يمكننا بالتوبة أن نفتح الباب وندعوه للدخول ليتعشَّى معنا.

قصَّة:

  • ذات يوم، بينما كانت فتاة صغيرة في رفقة أبيها وهو يقود السيارة في شوارع مزدحمة، أضاءت إحدى إشارات المرور باللون الأحمر فجأة, فأسرع الأب بإيقاف السيارة. فقالت له الصغيرة: “من الجيِّد أنَّك توقفتَ لأن هناك رجل شرطة أمامنا.” فشرح لها الأب أنَّه قد اتَّبع إرشادات المرور سواء كان هناك رجل شرطة في الزاوية أمْ لا. وبعد قليل من التفكير قالت الصغيرة: “ستكون فكرة جيِّدة يا أبي، لو كانت هناك أضواء إيقاف لكل شيء نقوم به. ألا يكون الأمر رائعًا لو أن الإشارة تتحول دائمًا للون الأحمر عندما يكون هناك خطر أمامنا، وتتحول للون الأخضر عندما تكون كل الأمور على ما يرام؟” فاستطرد الأب قائلاً لها إن هناك بالفعل إشارة إيقاف للحياة اليومية, وأخبرها عن صوت الضمير الذي يقول: “لا” محاولا أن يوقفنا عن عمل الشر، ويقول: “نعم” كي يساعدنا على عمل الخير.

الله يتكلم من خلال ضمير مجروح:

  • لماذا هذا القرع المتواصل، قرع الضمير على أبواب نفوسنا؟ هل الله سادي؟ هل يريد أن يصب البؤس علينا؟ هل يريد أن يحوِّل الحياة لشيء يجرح ويؤلم؟ لا, هذا ليس هو الإله الذي نؤمِن به, فالله يسمح للضمير أن يُبكِّتنا لسبب واحد: وهو أن يقودنا إلى التوبة، وأن يرشدنا للطريق الأفضل. الضمير المجروح هو صوت الله الذي يتحدَّث إلينا، الذي يقول لنا إنَّنا قد أنكرنا الحياة مع الله، وإنَّنا قد عصيناه. كالألم للجسد (والذي يُشير إلى أنَّ هناك مرضًا ويحثُّ على طلب العلاج), هكذا الضمير المجروح للنفس.

الضمير السلبي والضمير الإيجابي:

  • إنَّ قرع صوت الضمير ليس هو مجرَّد الرسالة السلبيَّة: “قد أخطأت. والنفس التي تخطئ تموت”, لكنَّه أيضًا, بل وأكثر من هذا, صوت الله الإيجابي الذي يقول بوضوح: “تعالَ وسوف تُغفَر خطاياك. مَن يُقبِل إليَّ لا أُخرجه خارجًا. لو اعترفتَ بخطاياك، فالله أمينٌ وعادلٌ حتى يغفر لك خطاياك ويُطهِّرك من كل إثم.” إنَّ قرع الضمير هو قرع الحب.
  • وفي الختام فإن هدف القرع هو أن “يتعشَّى الله معنا ونحن معه.” الله بمحبته العظيمة يُرسل لنا الضمير المُبكِّت كي يحذِّرنا من أنَّنا قد سلكنا الطريق الخطأ، وأنَّنا قد أنكرنا الحياة معه. هو لا يفعل ذلك لكي يعاقبنا, بل لكي يحذِّرنا من الخطر ويردَّنا لمحبته الغافرة. هو يريد منَّا أن نفتح له الباب، حتى نتعشى معه.
  • كتب القديس أمبروسيوس قائلاً:

”في الصلاة… دع بابك مفتوحًا لقبوله، وافتح له نفسك، ورحِّب به في ذهنك، وحينئذ سترى بركات البساطة، وكنوز السلام والفرح والنِّعمة. افتح بوابة قلبك، وقف أمام الشمس في نور أبدي يشرق على كل إنسان. هذا النور الحقيقي يشرق على الجميع، ولكن إن أغلق أي واحد نافذته، فسوف يحرم نفسه من النور الأبدي. لو أغلقتَ باب ذهنك، فأنت تُبقىِ المسيح خارجًا, ورغم أنَّه يمكنه الدخول فإنه لا يشاء أن يشُقَّ طريقه عنوة، أو أن يجبرنا على السماح له بذلك رغم إرادتنا“.

 

X V X

يسوع يقرع من خلال صوت الضمير ف11 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

الرب يسوع يقرع كمتوسل ف10 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

الرب يسوع يقرع كمتوسل ف10 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

الرب يسوع يقرع كمتوسل ف10 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

 

الفردوس بين يديك

هأنذا واقف على الباب وأقرع

الفصـل العاشر – الرب يسوع يقرع كمُتوسِّل

 

يسوع واقف على الباب ويقرع…

يطلب منك المساعدة في صورة شحاذ…

في صورة إنسان محطم بملابس رثَّة.

إنه يقابلك في كل ِإنسان تراه.

ديتريك بونهوفر

Dietrich Bonhoeffer

 

 

الضَّيف العظيم

  • سمع إشعياء نداء الله من خلال إدراك حاجات الآخرين, فمنحه الله رؤيا عالمَ نجس محتاج وسأله قائلاً: «من أُرسِل ومن يذهب من أجلنا؟» (إش8:6), وعندما أدرك إشعياء أنه يستطيع تسديد هذا الاحتياج، فتح قلبه لقرع الله, فقال: «هأنذا أرسلني.»

قصَّة:

  • تتحدَّث قصيدة إدوين ماركام Edwin Markham: “كيف جاء الضيف العظيم” عن قصَّة كيف أن كونراد Conrad الإسكافي حَلِم أنَّ الرب سيأتي في دكانه, فأعدَّ كونراد المكان لهذه الزيارة بتنظيف الجدران وأرفف دكانه، وتزيين المكان بالنباتات وتهيئة المائدة بأفضل ما عنده, وبعدما هيَّأ كل شيء جلس منتظرًا الرب. وفيما كان منتظرًا، رأى كونراد شحاذًا فقيرًا خارجًا في الشارع يسير تحت الأمطار دون حذاء, فشعر كونراد بالحزن بسبب حاله ودعاه للدخول وأعطاه زوجًا من الأحذية. ثم رأى امرأة كبيرة السن منحنية لأنها كانت تحمل حملاً كبيرًا من الأخشاب للتدفئة, فأعطاها بعض الطعام وساعدها في عبور الطريق. ثَّم جاء طفل صغير إلى بابه وكان تائهًا وخائفًا, فأعطاه كونراد بعض اللبن وساعده في أن يعود للمنـزل, ثم حلَّ المساء، وكان الإسكافي لا يزال منتظرًا مجيء الرب, وبدأ يتساءل في نفسه: هل نسي الرب أن يأتيني؟ فسمع صوتًا في سكون الصمت يقول:

ابتهج لأنَّك قد حفظت كلمتي.

ثلاث مرات أتيتُ إلى بيتك الكريم،

ثلاث مرات كان ظلِّي على أرضيتك.

لقد كنتُ أنا ذاك الشحاذ بالقدمين المجروحتين،

وكنتُ أنا تلك السيدة التي أعطيتها طعامًا،

وكنتُ أنا ذاك الطفل في الشارع بلا مأوى. 

  • توضِّح هذه القصة الجميلة كيف يستمر يسوع في القرع على باب قلوبنا اليوم من خلال الاحتياجات المؤلمة للمحرومين، المنبوذين، الجياع، المظلومين، والمنسِّيين. يقول يسوع: «بما أنَّكم فعلتموه بأحد إخوتي الأصاغر, فبي فعلتم.» (مت25: 40)

إنَّه يقرع كمُتوسِّل:

يسوع لماذا لم تخبرني أنَّك كنتَ جائعاً؟

لماذا لم تخبرني أنَّك كنتَ عطشانًا؟

لماذا لم تخبرني أنَّ أصابع قدميك هي التي كانت تتلوى في الحذاء الضيق؟

لم أكن أعلم أنك بحاجة للدواء،

لماذا لم تخبرني أنَّهم ساقوك للسجن؟

أريد أن أفتح الباب وأدعوك للدخول،

من فضلك أخبرني من أنتَ في المرة القادمة التي تقرع فيها.

                                        أندرو بلاك وود

Andrew Blackwood

  • إنَّه يقرع من خلال المحتاجين, يقرع وهو متخفٍّ, ولا يقول لنا أبدًا من هو.
  • قال بونهويفر ذات مرة إنَّنا بحاجة كي نواجه الحقيقة المروعة أن يسوع واقف على الباب ويقرع, وهو يطلب منك المساعدة في صورة مُتوسِّل، في صورة إنسان محطَّم بملابس رثة, إنه يقابلك في كل إنسان تراه. يسوع يدخل العالم بطريقة أن يخفي نفسه في صورة الضعف كي لا يُعرف بأنه الله المتجسِّد. إنه لا يدخل بالثياب الملكيَّة الإلهيَّة… لكنه يدخل متخفيًا، كشحاذ بين الشحاذين، كطريد بين المطرودين, كبائس بين البائسين. المسيح يُظهِر نفسه لا مع صفوة هذا العالم، بل مع الشحَّاذين، والمطرودين، والبائسين, فعندما نسمع قرعهم اليائس على أبوابنا، فلنكن مُتأكِّدين أن هذا هو قرع المسيح القادم إلينا متخفيًا.

يقرع من خلال الكتب الجيِّدة:

  • طريقة أخرى يقرع بها الرب يسوع هي من خلال الكتب المسيحية الجيِّدة. بالإضافة للكتب الجيِّدة، هناك طريقة نسمع بها قرع يسوع, وهي قراءة كلمة الله في أعظم الكتب قاطبة, ألا وهو الكتاب المقدس.
  • شعر رئيس الأساقفة أنتوني بلوم Anthony Bloom للمرَّة الأولى بالحضور الشخصي لله في حياته, عندما كان طالبًا يقرأ ذات يوم إنجيل القديس مرقس.
  • بدأ اهتداء أوغسطينوس Augustine عندما أمسك العهد الجديد ذات يوم في إحدى حدائق ميلان, وبدأ يقرأ كلمة الله. الله يستخدم كلمته ليقرع على أبواب قلوبنا.

يقرع من خلال العظات:

  • الرب يقرع على باب قلبك الآن من خلال كلمات هذه الرسالة, ويطلب منك أن تدعوه للدخول بمحبة فائقة الرقة. لو كنت مهيَّأً الآن لقبوله، فإنه أكثر تهيُّؤًا للقدوم إليك من قدومك إليه. في كل قدِّاس تحضره وفي كل عظة تسمعها، تسمع الرب يسوع يقرع، ويطرق، ويدعو، ويسعى للدخول إليك، لا ليدينك بل ليتعشَّى معك وأنت معه. دور الله أن يقرع الباب، ودورك أنت أن تدعوه للدخول.

يقرع من خلال القدَّاس الإلهي:

  • في كل يوم من أيام الرب، يقرع الرب يسوع على أبواب قلوبنا بينما نجتمع في بيته لحضور القدَّاس الإلهي. ما هي الليتورجية إلا قرع الله على أبوابنا ساعيًا لدخول حياتنا، وإرشادنا من خلال كلمته، ومنحنا الغفران، وتوحيد نفسه بنفوسنا، وتقويتنا من خلال جسده المقدس ودمه الكريم في سر التناول: «خذوا كلوا، هذا هو جسدي, وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً: اشربوا منها كلُّكم… لمغفرة الخطايا» (مت26: 26-28). هذا هو صوت الرب يسوع الذي نسمعه في كل قدَّاس, إنه يقرع على أبواب نفوسنا, وقرعه هذا يصير عاليًا واضحًا خلال بعض المواسم الكنسيَّة, وعلى سبيل المثال, يقرع الرب يسوع بصورة أكثر شدة وحدَّة عن المعتاد أثناء الصوم المقدس، والقيامة، والميلاد, فهناك بعض الأوقات المناسبة بشكل خاص لسماع قرعه على أبوابنا والاستجابة له.

الجهل ليس عذرًا:

  • إن توزيع الأحداث المتنوعة الخاصَّة بتاريخ خلاصنا طوال أيام السنة الليتورجية, يتطلب منَّا مواجهتها والتعامل معها سنويًّا وتقديم استجابة لها عامًا بعد الآخر. فلو كنتُ في الثانية والستين من عمري يكون الأمر أنني قد عاصرتُ اثنين وستين عيد ميلاد, واثنين وستِّين يوم جمعة عظيمة، واثنين وستين أسبوع آلام، واثنين وستين ليتورجية عيد قيامة، واثنين وستين تذكارًا للمجيء الثاني في مناسبة عيد الشُّهداء, وهكذا دواليك في باقي الأعياد ومواسم القدِّيسين. وهكذا لا يكون لديَّ عذرٌ عندما أظهر أمام الرب يوم الدينونة.
  • يمكنني أن أسمعه وهو يقول للكثيرين الذين سيدَّعون الجهل: “ألم تروا وتختبروا محبَّتي المضحيَّة الباذلة لكم كل يوم جمعة عظيمة لمدة 62 عاما؟ ألم تسمعوني أتحدث عن القيامة في درس الإنجيل كل عام في أحد القيامة لمدة 62 عاما؟ ولو لم تكونوا في الكنيسة في هذه المناسبات, فقد كان لابد أن تكونوا هناك, لذلك لا تقولوا إنكم لم تعرفوا ! إحدى المفاجآت العظمى في يوم الدينونة ستحدث في تلك اللحظة التي سيُحصي فيها يسوع تلك القرعات اللانهائيَّة التي فشلنا في الاستجابة لها. لكن بعض الناس لا يأتون إلى الكنيسة أبدًا ولا يقرأون الكتاب المقدس أبدًا, إنَّهم يهربون من الله على الدوام, والله يجتاز وقتًا عصيبًا ليلحق ويمسك بهم, وسيظل يُلاحقهم, فيقرع على أبوابهم من خلال ضربات الحياة، أي فشلهم وإخفاقاتهم وأمراضهم التي تحدَّثنا عنها, وبعد كل شيء ، كما يقول سي إس لويس:

“الله استراتيجي (مُخطِّط) بارع.”

يقرع من خلال الذنب وأوقات الصَّمت والتأمُّل:

  • بالإضافة لصرخات الفقراء، والكتب الجيدة، والكتاب المقدس، والقدَّاس، والعظة، يقرع الله أيضًا من خلال الذنب, فالشعور الإيجابي بالذنب هو عطيَّة من الله. هذا الشعور يكون ناجمًا من عدم الرضا مع النفس الذي يزرعه الله في قلوبنا بعدما نكون قد كسرنا علاقتنا معه من خلال الخطية. الشعور الإيجابي بالذنب بَرَكَة. إنه يمثل حضور الله الذي يطرق، ويقرع، ويدعونا لعودتنا  إليه بالتوبة والاعتراف.
  • الله يقرع أيضًا في لحظات الصَّمت والتأمُّل, كما كتبت ربَّة منـزل مشغولة في أعمالها:

ربِّي، لقد قرعتَ وقرعتَ، ولم أسمعك.

لقد كانت الغسَّالة تدور، والتليفون يرن،

وآن أوان تجهيز العشاء، وآن موعد مقابلة أُخرى.

ثم جاءت فترة صمت, فوجدتُ نفسي وقد سمعتُك.

ركضتُ نحو الباب، وعندما فتحتُه، وجدتُك هناك واقفًا.

يقرع من خلال الفراغ الداخلي والطبيعة:

  • بالإضافة للصمت والتأمل، يقرع الله أيضًا من خلال الفراغ الداخلي, ذاك الفراغ والألم الموجِع فينا الذي يشتاق أن يمتلئ بملء حضور الله, لأنَّنا خُلقنا له، وبدونه سيكون هناك دائمًا فراغٌ مؤلمٌ في حياتنا. قال أوغسطينوس:

لقد خلقتَ نفوسنا لك، يا رب، ولن تستريح إلا فيك.”

  • وكتب القديس إيريناؤس:

“أشكرك، يا رب، من أجل الفراغ الذي فينا, والذي بدونه لَمَا عرفنا ملء حبك.”

  • الله يقرع من خلال عالم الطبيعة. كل فجرٍ جميل، وكل غروبٍ ساحر، وكل قوس قزح رائع، هو بالحقيقة مخصَّص لي أنا. الله يقرع, يطرق على بابي، محاولاً أن يخبرني أنَّه لو فتحتُ الباب سامحًا له بالدخول، فسوف أختبر في حياتي جمالاً أكثر هيبة من أيِ قوس قزح أو أيِّ غروب بقدر يفوق الوصف. لا يسعنا إلا أن نقف في خشوع عندما نُدرِك الطرق الكثيرة التي يستخدمها الله في القرع على أبواب نفوسنا.
  • من خلال احتياجات الفقراء، من خلال الكتب المسيحية، ولاسيما الكتاب المقدس، من خلال القدَّاس والعظة، من خلال الضمير، من خلال الشعور بالذنب، من خلال مُشَهِيَّات السماء، من خلال لحظات الصَّمت والتأمُّل، من خلال العالم من حولنا، من خلال الفراغ الداخلي الذي يصرخ فينا أن نمتلئ بالله، من خلال الاقتراب من الموت، من خلال موت أحد الأحباء، من خلال أزمة خاصَّة في الحياة. إنه يقرع، بطرق كثيرة مختلفة، يقرع وسوف يواصل قرعه في محبَّة حتى اللحظة الأخيرة, لأنَّه يحبُّنا أكثر ممَّا نتخيَّل، ويأتي كي يُقدِّم لنا أعظم عطيَّة على الإطلاق, ألا وهي ملء حضوره. «أدخل إليه وأتعشَّى معه وهو معي.»

بفرحٍ مجيد يا رب، أُقدِّم لك قلبي باعتباره بيتك.

لقد تركته عمدًا غير مرتَّب وبدون أي ديكور،

وبدون سجاد وثير، وبدون زخرفة ناعمة,

وحتى بدون زيت نقي،أو طقم أدوات فضيَّة منقوشة.

اِفحصه أولا من أجل أن تُنظِّفه؛ كل غرفة،وكل مخدع.

ثم أعددهُ أنت حسب ذوقك الرائع.

ها الباب مفتوح على مصراعيه,

فلا تضايق نفسك بالقرع عليه أو رنِّ الجرس.

                                         روث هـ. كالكن    Ruth H. Calkin       

 

الرب يسوع يقرع كمتوسل ف10 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

بعض الطرق الكثيرة ف9 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

بعض الطرق الكثيرة ف9 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

بعض الطرق الكثيرة ف9 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

 

 

 

الفردوس بين يديك

هأنذا واقف على الباب وأقرع

الفصـل التاسع – بعض الطُرُق الكثيرة

التي يقرع بها الربُّ يسوع أبواب قلوبنا

بينما نستطيع أن نرفض فتح الباب،

هناك شيء واحد لا نستطيعه،

ألا وهو التخلص من يسوع.

إنه يبقى هو الربُّ الذي لا يمكن الهروب منه، تمامًا كنبضات قلوبنا التي لا يمكن الهروب منها.

يقرع… ويقرع… ويقرع…

 

 

سمَّاعة القلب

هل الربُّ يسوع هو الذي يقرع؟

  • دعني أشاركك هذه الكلمات التي كتبتها مُمرِّضَة:

عندما عملتُ كممرِّضَة في قسم الأطفال، وقبلما كنت أُصغي لصدور الصغار، كنت أضع السماعة في آذانهم وأدعوهم كي يسمعوا نبضات قلوبهم. فكانت عيونهم دائمًا ما تبرق بالرهبة. لكنني لم أتلق أيَّة استجابة من ديفيد البالغ من العمر أربع سنوات. فوضعتُ السماعة في أذنه برفق، ووضعت القرص disk فوق قلبه. وقلت له: “اِصغ، ماذا  تعتقد أن يكون هذا الصوت؟”

 فقطب حاجبيه معًا في ارتباك ونظر لأعلى كما لو كان تائهًا في غموض عُمق النبض الغريب المتزايد في صدره. ثم تحوَّل وجهه إلى ابتسامة عريضة وقال لي: “هل يسوع هذا الذي يقرع؟” فابتسمتُ. في مكان ما, ربما في مدارس الأحد، قيل لديفيد بوضوح عن تلك الصورة القديمة الجميلة عن يسوع هو واقف على باب قلوبنا ويقرع.

صغيري الحبيب ديفيد، لقد كنت محقًّا تمامًا، ففي داخل قلبك وداخل كل قلب, هناك صوت يسوع الخافت المتواصل يقرع, لأن يسوع يأتي لكل منَّا في كل يوم جديد، ساعيًا أن يتشارك معنا لحظاته. وربما يكون مَن هُم في مستوى إيمان وروعة ديفيد هم فقط الذين يسمعون صوته وسط صخب عالم مشغول … ويفتحون له الباب.

«هأنذا واقف على الباب وأقرع… »

  • بينما نستطيع أن نرفض فتح الباب، هناك شيءٌ واحد لا نستطيعه، ألا وهو التخلُّص من يسوع. يبقى هو الربُّ الذي لا يمكن الهروب منه, تمامًا كنبضات قلوبنا التي لا يمكن الهروب منها. فهو يقرع, ويقرع, ويقرع بصبرٍ ومثابرة، وسوف يظل يقرع حتى آخر يوم من أيام حياتنا, ثم يقرع للمرة الأخيرة. لا أحد يمكنه أن يعرف متى سيقرع القرعة الأخيرة، لكن بعد ذلك سيقرع للمرة الأخيرة, في هذا الوقت يكون مصيرنا الأبدي قد تحدد. فاليوم يقرع كمُخلِّص، وغدًا سيقرع كقاضٍ. يكتب المطران أنتوني من سوروز Anthony of Sourozh فيقول:

نحن نشكو أن يسوع لا يكون حاضرًا في الدقائق القليلة التي نُكرِّسها له، ولكن ماذا عن الثلاث والعشرين ساعة والنصف التي ربما يكون الله يقرع فيها على بابنا، ونحن نجيبه قائلين: “أنا مشغول، أنا آسف، أو عندما لا نستجيب على الإطلاق لأننا أصلاً لا نسمع القرع على أبواب قلوبنا، أو أذهاننا، أو ضمائرنا، أو حياتنا. لذلك يكون هناك وضع لا حقَّ لنا فيه أن نشكو مِن غياب الله، لأننا نكون نحن الغائبين عنه بصورة تفوق الوصف.

      يسوع ليس غائبا أبدًا. فهو يواصل القرع.

ما هو السَّبب الذي يجعله يقرع؟

  • ما هو السَّبب الذي يدفع الرب يسوع أن يقرع؟ الجواب هو المحبة. الله محبة. الله يحبك ويحبني بمقدار لا نتخيَّله. وهكذا يكون القرع قرع محبة. ربما تكون قرعاته كثيرة أو قليلة، لكن قرعاته جميعًا هي في كلِّ وقت ومثقَّلة بالمحبة. فربما تكون في الطفولة. وربما تكون في أيام الدراسة. وربما تكون في مرحلة البلوغ المُبكِّرة، أو في منتصف العمر، أو في سن الشيخوخة. لكن أينما جاءت ورُفِضَت، فهناك وقتٌ للدينونة. ربما يكون قرعه خفيفًا رقيقًا أو عاليًا قويًّا، لكن المحبة التي تدفعه للقرع هي نفس المحبة دائمًا. يد التي تقرع مجروحة. والقدمان الواقفتان على العتبة ما زالتا تحملان آثار المسامير. الرب يسوع يقرع كالمخلِّص المصلوب الذي أحبَّنا وبذل ذاته عنَّا. لكنه يقرع أيضا كالمسيح القائم.
  • الرسول يوحنا وصف الربَّ يسوع في الأصحاح الأول من سفر الرؤيا كما رآه في رؤيا موحى بها. كانت عيناه كلهيب نار، ورجلاه شبه النحاس النقي. كان صوته يطلق رعودًا كالشلالات على الصخور، ووجهه متألِّقًا كالشمس في أوج قوتها. فلا عجب إذًا أن نرى يوحنا وقد سقط عند رجليه. من الصعب أن نفهم كيف يتسنَّى لإله له هذا القدر من الجلال والسلطان أن يتنازل هكذا كي يأتي ويقرع على أبواب الفقراء والعميان والشحَّاذين العرايا مثلنا نحن.

مشوِّقات للسماء:

  • طريقة أخري يقرع بها الله على أبواب قلوبنا هي من خلال خبرات الحياة المبهجة. وهذا ما كتبه الرسول بولس: «لم يترك نفسه بلا شاهد… ويملأ قلوبنا طعامًا وسرورًا» (أع 14 : 11)
  • الله يستخدم خبرات الحياة المبهجة كمُشَهِيَّات للسماء. لماذا تبدو الشمس متألِّقة جدًّا؟ لماذا تبدو هذه البحيرة أو هذا الجبل مهيبًا جدًا؟ لماذا يبدو مذاق الأيس كريم رائعا جدًّا؟ لماذا تُطلق الطيور والجداول مثل هذه الموسيقى؟ لماذا تبدو رائحة الهامبورجر المشوي جميلة جدًّا؟ لماذا ينتابنا ذاك الإحساس من الفرح والرهبة حينما نمسك طفلاً حديث الولادة؟ لماذا يبدو البطيخ منعشا جدًّا في أشدِّ أيَّام الصيف حرارة؟ لماذا نشعُر بالرهبة حينما نتطلَّع للسحب ونفكر في بلايين النجوم التي لا تحصى وفي الامتداد اللانهائي للفضاء؟ لماذا نتعجَّب من عجائب الطبيعة، سواء كانت تكوين زهرة، أو ترتيب مستعمرة نمل؟ أو سواء كانت الشفافية الفريدة لكل كتلة ثلجية, أو كانت الخطوط الأصليَّة في كل بصمة؟ كيف يمكن لزوج وزوجته أن يشعرا بمثل هذا الحب الجارف والرضا بمجرد الجلوس بجوار أحدهما الآخر؟ كل هذه المسرات والأفراح ما هي إلاَّ علامات من الله، أو بالأحرى مُشَهِيَّات ومُشوِّقات للسماء.
  • الله يقرع على أبواب قلوبنا، مشوِّقًا إيانا بأسلوب إيجابي, محاولاً أن يوضِّح لنا أنَّه إن كانت المسرات والأفراح التي يتيحها لنا على الأرض سامية للغاية، فكم بالأولى ذلك الفرح الذي يذخره لنا في السموات! كتب القديس بولس قائلاً: «ما لم تره عين، ولم تسمعه أذن، ولم يخطر على بال إنسان ما أعدَّه الله للذين يحبونه.» (1كو2: 9) الرب يسوع يقرع من خلال أفراح ومسرات الحياة، داعيًا إيَّانا أن نفتح الباب لذاك الذي حضوره يفوق مسرات وأفراح الحياة بمليارات الأضعاف.

لماذا يقرع؟

  • لماذا يقرع الرب يسوع؟ ما هدفه؟ ماذا يريد أن يفعل لنا حينما نفتح له الباب؟ جزء من الإجابة وارد في آية دراستنا: «هأنذا واقف على الباب وأقرع. إن سمع أحد صوتي أدخل إليه… »
  • هنا لدينا جزءٌ من الإجابة: يسوع يريد أن “يدخل إلينا”, لا أن يدخل إلينا فقط، لأنه يُواصل كلامه: “وأتعشَّى معه وهو معي.” إنه يريد أن يؤسِّس علاقة حميمة شخصيَّة قريبة معنا كي يردَّنا للاتِّحاد الحميم مع الله الذي قد خلقنا من أجله، وكي يجعل لنا نعمة التبنِّي, تلك التي لابنه بالطبيعة.
  • إنه يقرع، ساعيًا أن يأتي كنور العالم كي يطرد الظلمة الداخلية من نفوسنا. إنه يقرع، ساعيًا أن يدخل كالمخلِّص كي يطهِّرنا، ويسامحنا، ويريحنا من عبء الذنب الرهيب. ليس هذا قرعَ شخصٍ طاغية يريد أن يسرق منا الفرحة, وليس قرع ديكتاتور يأتي ليحرمنا من الحريَّة, لكنه بالحري قرع الرب القائل: «أتيتُ لتكون لكم حياة ويكون لكم أفضل» (يو10:10). إنه يقرع كي يمنح الشجاعة والقوة للمسيحيِّين الضعفاء. يقرع كي يملأنا بكلِّ ملء حضور الله, فلا عجب أن ينصحنا القديس يوحنا ذهبي الفم بقوله:

“قابِل الرب يسوع عند باب قلبك، وهناك ستكتشف الفردوس.”

  • قال سي إس لويس S.Lewis:

“بينما نكون على هذه الأرض, فنحن نكون على الجانب الخاطئ من الباب”, لكنَّه أضاف أيضًا: “كل صفحات العهد الجديد تَحفُّ بالأقوال أن الأمر لن يكون هكذا على الدوام.”

  • الرب يسوع لا يتركنا “على الجانب الخاطئ من الباب”, فبفضله نترقَّب السماء. إنَّه يقرع لأنه يرغب أن يأتي ويؤسِّس ملكوت الله داخل كل منَّا كما قال بنفسه: «ها ملكوت الله داخلكم.»  (لو17: 21).

أعِدَّ نفسك وجهِّزها للتطهير

وسوف تجد السماء داخل نفسك:

  • مار إسحاق السرياني Isaac of Nineveh أسقف نينوى وَصَف هذا الملكوت حين كتب:

طهِّر نفسك وسوف تجد السماء داخل نفسك. ففي نفسك سترى الملائكة وبهاءها، وسترى سيِّدها..

إنَّ الوطن الروحي للإنسان الذي تطهَّرت نفسه هو موجود بالداخل. فالشمس التي تشرق هناك هي نور الثالوث, والهواء الذي يتنفَّسه عن طريق الأفكار الداخلة هو الروح القدس المُعزِّي. والملائكة تسكن مع هذا الإنسان. فحياتهم وفرحهم، وسبب احتفالهم هو المسيح الذي هو نور الآب.ومثل هذا الإنسان يبتهج كل ساعة عندما تتأمل نفسه ويتعجَّب للجمال الظاهر، الأكثر ضياء مائة مرة من بريق الشمس… هذا هو ملكوت الله المستتر داخلنا حسب كلمات الرب.

  • يسوع يقرع لأنه يرغب أن يؤسِّس الملكوت داخل كل منَّا. يسوع يقرع لأنَّه يريد أن يقدم لنا كل ملء الله, لأننا حينما نفتح الباب لدخول المسيح، فالمسيح يأتي إلينا ومعه الآب والروح القدس.
  • ملء الله يأتي كي يسكن فينا. الرب يسوع يقرع لأن نفس الإنسان ـ كما سبق وقال أوريجانوس Origen عن صواب ـ ليست “مبادِرَة” أي أنها لا تقوم بالخير من تلقاء ذاتها، لكنها “مُتَلَقِّيَة” WE ARE RECEPTIVE NOT GENERATIVE, أي أنَّها تتلقى الخير، ومواهب الروح من حضور الله فينا. وهكذا فإن كل نوع من أنواع الفضيلة ـ كما يقول غريغوريوس بالاماس Gregory Palamas:

“يظهر فينا حينما يعمل الله فينا, حينما لا يعمل الله فينا، “فإن كل ما يخرج منَّا يكون خطية.”

أنواع القرع الكثيرة:

  • ماذا تكون قرعة الله هذه على باب نفوسنا؟ كيف نُميِّزها؟ هناك أنواع كثيرة من القرع. هيَّا معًا ندرس بعضها. لقد عرف روبرت براو ننج Robert Browning من خلال بصيرته الروحيَّة العميقة, مدى التقارب الذي يمكن لنا نحن البشر أن نصير إليه بالنسبة لله, ومدى الأمان والاستقرار الذي يمكن أن نصير إليه في طرقنا المادية, لكنه كتب أيضًا:

”فقط حينما نكون في قمَّة الأمان، وتكون هناك لمسة من لمسات الغروب، جمال من إحدى الزهور، موت شخص ما، نهاية ترنيمة من كلمات يوريبيدس Euripides (كاتب درامي يوناني)، ويكون هذا كافيًا بالنسبة لخمسين من الآمال والمخاوف قديمها وجديدها معًا, كذات الطبيعة, كي يطرق ويقرع ويدخل نفوسنا“.

  • هل “لمسة الغروب” و “جمال الأزهار” و “موت شخص ما” تُمثِّل شيئًا آخَر سوى قرع الله على الباب؟

الله يقرع من خلال إخفاقاتنا وأحزاننا:

  • الرب يسوع يأتي ويقرع على أبواب قلوبنا بطرق كثيرة. إنَّه يقرع من خلال إخفاقاتنا, وعلى سبيل المثال:
  • لم يفتح سمعان بطرس حياته ليسوع إلى أن فشل. لقد كان مكتفيًا بذاته ومغرورًا للغاية، وكان هكذا متكبِّرًا, لكنه في صباحٍ ما بعد فشل مخزٍ، بعدما كان قد أنكر يسوع ثلاث مرَّات، سمع قرع يسوع الرقيق وهو يقول له: «سمعان بطرس، أتحبني؟» أحيانًا ما نكون في قمة الكبرياء والرضا والكفاية بأنفسنا لدرجة أنَّنا لا نجد مكانًا ليسوع. وربما تخبو صحَّتنا، أو نفقد ممتلكاتنا أو وظيفتنا، أو يضلُّ أحد أولادنا، أو يتحطَّم بيتنا، أو يموت أحد الأحباء ، فلا نعود مكتفين بذواتنا فيما بعد, وحينذاك يمكننا أن نسمع قرعه, وحينذاك يمكننا أن ندرك أن يسوع يحاول جذب انتباهنا، أي أنَّه يحاول أن يقول لنا شيئًا.إنه يقرع.
  • طريقة أخرى يقرع بها هي من خلال أحزاننا. كم من أناس قالوا إنه في وسط الحزن العميق شعروا بحضور الله وقوَّته كما لم يشعروا بها من قبل؟
  • كتب سي إس لويس يقول:

“الله يهمس لنا وسط مسرَّاتنا، ويتحدَّث إلينا في ضمائرنا، لكنه يصرخ إلينا في آلامنا؛ فالألم هو بوق الله لإيقاظ عالَم أصم”.

  • إنَّه يقرع من خلال الفشل، والشِدَّة، والحزن ، والموت. يقرع أيضًا من خلال رؤية نفس أفضل وشعورنا بعدم الملاءمة, فنصير ماقتين وخجلين من الحياة التي كنا نحياها, وندرك أنَّنا قد خُلقنا لشيء أفضل. لكن جهودنا للتغيير تبدو يائسة وعقيمة حتى يأتي الرب يسوع كي يملأنا بقوَّة من الأعالي.
  • يقرع الرب يسوع أيضًا من خلال حياة الآخرين, فحينما نتواصل مع قدِّيسي الكنيسة العظام أو مع بعض الناس الأرقى منا في العظمة والقداسة، فإننا نُلهَم ونتشدَّد. هنا الله هو الذي يقرع على الباب داعيًا إيانا للارتقاء إلى الأعلى.
  • كما يقرع الله أيضًا من خلال التأثيرات السلبيَّة للآخرين, فإنِّي متيقِّن أن مثال يهوذا الرديء قد هدى كثيرين كي يكونوا مخلصين ليسوع, وحينما نرى إنسانًا قريبًا جدًّا من يسوع يسقط، فإنَّنا ندرك كم من السهولة أن نسقط نحن أيضًا, وهنا يحذِّرنا القديس بولس قائلا: «من يظن أنه قائم فلينظر أن لا يسقط.» (1كو10: 12).

بحكمة الله انصِتوا!

  • إنه يقرع حينما نحضر الليتورجية. دعني أشاركك باختصار كيف يقرع أثناء الليتورجية.

قصَّة:

  • فتاة في الرابعة من عمرها كانت لها طريقتها الخاصة في إيقاظ أمِّها, حينما كانت أمها تنسى كل شيء في أحد الأيام، كانت الصغيرة تصعد على حجرها، وتقرع على رأسها، وتصرخ في أذنها قائلة: “استيقظي الآن! استيقظي الآن!” وهذا هو دور الكلمات “بحكمة الله انصِتوا!” التي كثيرا جدًّا ما نسمعها في الليتورجية, فمن خلال هذه الكلمات يقرع الرب يسوع على رؤوسنا ويصرخ في آذاننا قائلاً: “استيقظوا ها هنا! انتبهوا. أصغوا للحكمة ـ لحكمة الله ـ القادمة في طريقكم.” الرب يسوع يقرع على باب أذهاننا وقلوبنا في كل ليتورجية بهذه الكلمات الإيقاظية: “بحكمة الله انصتوا!” إن قرعات الرب يسوع على أبواب نفوسنا كثيرة كنبضات قلوبنا طوال أيَّام حياتنا, فهو سوف يقرع منذ يوم ميلادنا حتى يوم وفاتنا, سواء من خلال الفشل أو الألم، أو من مثال قديس أو خاطئ، أو من خلال بزوغ فجر ساحر أو موت أحد الأحباء، أو من خلال الحزن أو الفرح؛ سواء كان الصَّوت صاخبًا أو رقيقًا، في الشباب أو في الشيخوخة، فسوف تكون دائمًا قرعة حُب، يسعى فيها أن يكون أكثر اقترابًا منَّا، ويسعى أن يسكن فينا، ويسعى أن يستبدل قصورنا بما يناسبنا, وظلامنا بالنور، وخطيئتنا بالغفران، ويأسنا بالرجاء، وحزننا بالفرح.

Øصلاة×

يا ربِّي يسوع الحبيب, كيف يتسنَّى لي أن أشكرك، من أجل المحبة التي تجعلك، وأنت الله العظيم غير المحدود، تقف خارج باب نفسي وتقرع؟ 

إنَّها قرعة متواصلة ناتجة عن محبتك اللانهائية لي.

إنَّها قرعة مؤلمة بأيد مطعونة بالمسامير وقدمين دفعتا الدِّماء ثمنًا من أجل خلاصي.

كيف يمكنني أن أُبقيك منتظرًا بالخارج، بينما تتمنَّى من أعماقك أن تدخل وتتعشى معي؟

تعالَ أيها الرب يسوع، مثل زكا، وتعشَّ معي، حتى لا تكون حياتي مثلما كانت من قبل.

آمين.

 

بعض الطرق الكثيرة ف9 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

كيف نفتح له الباب؟ ف8 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

كيف نفتح له الباب؟ ف8 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

كيف نفتح له الباب؟ ف8 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

 

 

 

الفردوس بين يديك

هأنذا واقف على الباب وأقرع

الفصـل الثامن – كيف نفتح له الباب؟

 

 

 

إنَّ فتْحَ الباب ليسوع هو أسلوب تصويري,

لوصف فعل إيمان به كمُخلِّص،

وفعل خضوع له كربٍّ وإلهٍ لنا.

 

 

كيف نفتح الباب؟

  • أهم سؤال في الحياة هو: على أي جانب من جانبَي باب حياتك يوجد يسوع؟ هل هو بالداخل أم بالخارج؟ نحن لا نحيا حقًّا حتى نفتح له الباب. فتح الباب ليسوع هو الحياة, وغلق الباب في وجهه هو الموت. وهذا ما يكتبه الرسول يوحنا: «الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية، والذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياة بل يمكث عليه غضب الله.» (يو3: 16)
  • بالنسبة لغالبية المسيحيِّين الأرثوذكس, يُفتح الباب ليسوع أثناء الطفولة بالمعمودية, ومن خلال المعمودية يتقبَّل كل مسيحي أرثوذكسي المسيح والروح القدس في السِّر كعطية من نعمة الله. ومن هنا فإن الباب يُفتح أولاً ليسوع وللروح القدس من خلال الوالدين والإشبين الذين يعترفون بالإيمان بالمسيح، ويًقرِّبون الطفل لله قائلين: “ربَّنا الحبيب، هذا الطفل هو لك. ها نحن نُقرِّبه إليك. بإيماننا نفتح لك الباب حتى تأتي وتحلَّ فيه.” وبينما ينمو الطفل المعمد في طريق البلوغ، مشاركًا في حياة الكنيسة، فإنه يكون مدعوًّا لاستجابة دعوة الله في المعمودية بالنمو في الإيمان وبمعرفة يسوع المسيح والروح القدس معرفة واعية في حياته, وبتقديم استجابة شخصيَّة لله قائلاً بكلِّ حماس:

“يا رب، عندما كنتُ طفلاً صغيرًا، فتح والداي وإشبيني الباب لك كي تأتي أنت وتملُك على حياتي, وحيث إنَّني نَمَوتُ الآن حتى البلوغ، مُدرِكًا من أنت، وكم تحبُني، وماذا فعلتَ لأجلي، أختار الآن أن أستجيب لك من تلقاء نفسي. هأنذا أفتح لك باب قلبي حتى تأتي وتجعل بيتك فيَّ. أريد أن أكون لك إلى الأبد.”

الإيمان:

  • هذا القرار الشخصي بعد المعمودية بفتح الباب ليسوع يتضمَّن الإيمان، أي اعترافك بيسوع كربِّك ومخلِّصِك. إنَّ فتح الباب ليسوع هو أسلوب تصويري لوصف فعل إيمان به أنَّه مُخلِّصك، وفعل خضوع له أنَّه رَبُّك.
  • الإيمان فعل مُحدَّد. الباب لا يُفتح بالصُّدفة, كما ولا يُفتح جزئيًّا, ولكنَّه مغلق ويحتاج أن يُفتَح, وأنت وحدك الذي يمكنك أن تفتحه. إنَّ أباءنا وأشابيننا ومعلِّمينا وكهنتنا وأصدقاءنا يمكنهم أن يُحدِّدوا الطريق، ويمكنهم حتى أن يقودوا إلى الباب، لكن أيادينا ـ أيادينا نحن فقط ـ هي التي يمكنها أن تفتح الباب. ليس هناك مكان في هذا الكون الواسع يمكننا فيه أن نقبل الله إلا داخل أنفسنا, فهناك يقرع وينتظر منَّا أن نفتح له الباب بالإيمان.

التوبة:

  • بفتح الباب للربِّ يسوع، تأتي التوبة بعد الإيمان, فحيث إنَّ الخطية تغلق الباب المؤدِّي إلى الله، لذلك فلابد أن تُمحَى الخطيَّة من حياتنا, ومن هنا كانت الحاجة إلى التوبة اليوميَّة، أي الرجوع اليومي من الخطية ومن الذات إلى الله، داعينه أن يأتي إلى حياتنا كي يكون ليس فقط معلِّمًا، بل وأن يجلس أيضًا على عرش قلوبنا كربٍّ وإله.

الطاعة:

  • الإيمان المتبوع بالتوبة يؤدِّي إلى الطاعة. الإيمان هو فعل الإرادة الذي يفتح الباب ليسوع, والتوبة هي الحزن الروحي فينا الذي يطلب من يسوع أن يطرح خارجًا كل قذارة الخطايا والذنوب التي تراكمت في حياتنا. نحن ندعو يسوع للدخول كي يحكُم ويسود وكي يكون ملكًا, وهذه هي الطاعة.

الصلاة:

  • بعد فتح الباب المبدئي ليسوع من خلال الإيمان، والتوبة، والطاعة، فهناك طريقٌ آخر نستمر به في فتح الباب له يوميًّا, ألا وهو طريق الصلاة. الصلاة هي استجابتنا لقرع الباب, الصلاة هي ما نفعله بعد ما نسمع قرعه على الباب, ولذلك فإن الصلاة لا تبدأ بنا نحن, لكنَّها تبدأ بالله. فالله يقرع، ونحن نستجيب, وكلَّما نصلِّي فإننا نفتح الباب للحوار مع الله، والسماح له أن يأتي ويصنع فينا منـزله.

التأمُّل:

  • وطريقٌ آخر نفتح به الباب لله هو التأمُّل. التأمُّل هو الاستمتاع بالرب في صمت. التأمُّل هو علاقة حب هادئة, فالذهن يستريح، والقلب يمتلئ بالفرح. ليس علينا أن نتكلَّم دائمًا حينما نصلي لله, فنحن نستطيع التمتُّع بحضوره في رهبة صامتة. التأمُّل يبدأ حينما تتوقَّف الكلمات, ففي التأمُّل لا توجد كلمات, حيث تكون قلوبنا مكشوفة أمام الله, وحيث نقبل حبه ونتمتَّع بحضوره. إنَّ التأمُّل ، أي التمتُّع بالرب في صمت، قريبٌ إلى السموات بقدر ما يمكننا أن نمارسه ههنا على الأرض.
  • يوضح لنا الكاردينال ميرسييه (1851ـ1926) من بلجيكا كيف يعمل التأمُّل فيقول:

     سأكشف لك سر القداسة وسر السعادة. لو تمكَّنتَ كل يوم لمدة خمس دقائق من تهدئة خيالك، وإغلاق عينيك عن المحسوسات، والدخول لأعماق نفسك التي هي هيكل الروح القدس، وهنا عليكَ بالتحدُّث مع الروح السماوي:

”أيها الروح القدس، يا نَفَس حياتي…

أرشدني،قوني، عزِّني،

أخبرني ماذا أفعل..

أعدك أنَّني سأخضع لكل ما تريد منِّي أن أخضع له،

وأن أقبل كل شيء تسمح أن يحدث لي.

دعني فقط أعرف إرادتك… “

     لو فعلتَ ذلك، لامتلأت حياتك بالسعادة، وأضحَت هادئة متعزِّية حتى في وسط الألم.

طرق أخرى يأتي بها يسوع إلينا:

  • الإيمان، والتوبة، والطاعة، والصلاة، والتأمُّل ليست هي الطرق الوحيدة التي نفتح بها الباب للربِّ يسوع, فنحن لم نذكر سر الإفخارستيا: «من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت (يحيا) فيَّ وأنا فيه.» كما لم نذكر كلمة الله في الأسفار المقدسة, والتي يتحدَّث من خلالها إلينا ويأتي كي يحل في قلوبنا بغنى. في محبته العظيمة لنا أهدانا الله أكثر من طريقة كي نفتح له الباب الذي يقرعه، ساعيًا إلى دخول قلوبنا.
  • الرب يسوع يأتي أيضًا من خلال الليتورجية. وكما نعلم فإنه لا توجد ليتورجيَّة واحدة بل ثلاث ليتورجيات: الأولى هي الليتورجية الداخلية التي تحدث في هيكل القلب، وتتكون من الصلاة، والتأمل. الثانية هي الليتورجية المشتَرَكة التي يُحتفل بها في الكنيسة كل يوم أحد. والثالثة هي ليتورجية ما بعد الليتورجية التي تدور أحداثها في العالم بينما نواصل الليتورجية التي بدأت في الكنيسة عندما نؤدِّي أعمال المحبة والخدمة باسم المسيح. كل ليتورجية من هذه الليتورجيات هي أسلوب لفتح قلوبنا لدخول يسوع.

الباب الذي لن يتزحزح أبدًا:

  • ربما يقول قائل: “إنك لم تشرح حالتي الشخصيَّة بعد. فقد كتبتَ عن ذاك الإنسان الذي يرفض بعناد أن يفتح الباب, وكتبتَ أيضًا عن ذاك الإنسان الذي يفتح الباب ليسوع. لكنَّني مختلفٌ تمامًا عن هذين الشخصين. فأنا أريد أن أفتح الباب، لكن الباب يرفض أن يتزحزح من مكانه. القفل أصبح صدِئًا بمرور الأيام ولا يمكنني أن أُدير المفتاح. الأقفال موصَدَة، ولا يمكنني أن أفتحها. وحتى لو قرع المسيح وسمعتُ صدى الصوت، فهذا الباب لن يتزحزح أبدًا. هل هذه هي المشكلة؟ صدأ أيام بلا صلاة, فتور الإيمان، فتور الحرارة الروحيَّة، فقدان القوة الروحيَّة, تريد أن يُفتح الباب، لكن الباب لا يتزحزح أبدًا، هل الأمر هكذا؟ أنصت إذن. لقد رأينا حقًّا أن يسوع لا يقتحم باباً طالما أن المالك لا يريده بالداخل, لكن الأمر مختلف تمامًا. هناك من يريد حقًّا أن يفتح الباب لكنه يجد نفسه مصدودًا. ألم يأتِ الرب يسوع إلى تلاميذه ذات يوم، بينما كانت الأبواب مغلَّقة، ووقف في وسطهم قائلا: «سلامٌ لكم»؟ ألا تستشف من ذلك ما يمكن أن يقوم به يسوع الآن؟ لو كانت هذه هي حالتك، فهيَّا إليه بالصلاة وقُلْ له:

يا رب، ها أنا ههنا, أريدُ حقًّا أن أدعوك إلى الدخول, لكن إيماني ضعيفٌ جدًا. نسيتُ كيف أُصلِّي.أنا مخلوق جسدانى غير روحاني عادي. حاولتُ أن أفتح الباب لكنَّني يا رب، أواجه صدأ السنين المتراكم من الخطية واللامبالاة على أقفالي. إنها لن تتزحزح أبدًا. لابد أن تقوم بذلك نيابة عنِّي. اكسر الأقفال! حطِّم ذاك القفل الصدئ. اِسحق قلبي أيها الله الثالوث! نعم! أيُّها الرب يسوع!

شرط فتح الباب:

«لأنك تقول: “إني أنا غني وقد استغنيتُ ولا حاجة لي إلى شيء، ولست تعلم أنَّك أنت الشقي والبائس وفقير وأعمى وعريان… هأنذا واقف على الباب وأقرع. إن سمع أحد صوتي وفتح الباب، أدخل إليه وأتعشَّى معه وهو معي.»                                          (رؤ 3 : 17، 20)

  • هناك شرطٌ سابق لفتح الباب. لابد أن تعرف أنَّك لست ممتلئًا بل أنتَ فارغٌ: شقي، وبائس، وفقير، وأعمى، وعريان.

كيف نفتح له الباب؟ ف8 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس 

التوافق أو العمل معا ف7 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

التوافق أو العمل معا ف7 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

التوافق أو العمل معا ف7 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

 

 

الفردوس بين يديك

هأنذا واقف على الباب وأقرع

الفصــل الســـــــابع – التوافق أو العمل معًا

 

 

الله والإنسان يتعاونان معًا. فالله يحترم

إرادتنا الحرة، ولا يقتحم الباب.

 

 

العمل معًا

  • في دراستنا المتواصلة لهذه الآية الرائعة، سنُركِّز الآن على معنى كلمة يفتح، «إن سمع أحد صوتي و “فتح” الباب… »
  • كيف نفتح الباب؟ لماذا يرفض الكثيرون فتح الباب للربِّ يسوع؟ كثيرون يشعرون بعدم استحقاقهم فتح الباب، لكنهم بحاجة لتذكر شيء واحد، وهو أن الرب بنفسه يطلب منهم أن يفتحوا الباب. إنه الواحد الذي يقرع, وهو الواحد الذي يريد أن يدخل حياتنا. وهذا يوضح موضوعًا مؤكِّدًا بدرجة كبيرة في اللاهوت الأرثوذكسي وهو موضوع الانسجام أو التوافق في العمل معًا SYNERGY.
  • التوافق في العمل معناه التعاون. والكلمة الإنجليزية Synergy مشتقَّة من الكلمتين اليونانيتين syn & ergon بمعنى “التعاون” أو “العمل معًا”. الله والإنسان يتعاونان، أي يعملان معًا. يقول بولس في (1كو9:3) “فإننا نحن عاملان  Synergoiمع الله”. الله يتعامل معنا كأبناء وبنات، لا كعبيد أو ماكينات. وهذا معناه أنَّه يحترم حريَّة إرادتنا. إنه لا يقتحم الباب, ولا يأتي كسارق بل كمخلِّص, إنَّه ينتظر أن نفتح الباب قبل أن يدخل.
  • وهذا ما كتبه الأب ليف جيليه Lev Gillet:

“إن شركة الإنسان مع المسيح واتحاده مع الله تتطلَّب تعاون قوَّتين غير متساويتين، لكنهما ضروريَّتان بنفس الدرجة, وهما النعمة الإلهية والإرادة الإنسانية”. هل معنى ذلك أنَّنا ننسب لإرادة الإنسان الحُرَّة أكثر ممَّا ننسبه لنعمة الله؟ بالطبع لا! فالذي يقوم به الله من أجل خلاصنا أعظم مما يقوم به الإنسان بما لا يقاس. الله يقوم بنسبة 99.9% من عمل الخلاص, والإنسان يقوم بـ 0.1% فقط, وهذه هي النِّسبة التي نقوم بها بفتح الباب له: 0.1% !

  • هناك بعض المسيحيين يُغلقون الباب على فكرة التوافق، أي تعاون الله مع الإرادة الحرَّة للإنسان, وهم يرفضون عبارة بعض الآباء الأولين أن الله يجذب أولئك المستعدِّين للمجيء, وبدلاً من ذلك يؤمنون أن الله يجعل حتى من غير المستعدِّين, مستعدِّين لعمل إرادة المسيح. المسيحيون الأرثوذكس يؤمنون أن الله لن يقوم بعمل أي شيء ما لم نفتح له الباب.
  • كتب القديس كيرلس الأورشليمي Cyril of Jerusalem:

 “على الله أن يمنح نعمته، وعليكَ أنت أن تقبلها وأن تحرسها.”

  • عبَّر ترانش C.Trench عن ذلك هكذا:

“كل إنسان هو سيِّد بيت قلبه. إنه قلعته، وعليه أن يفتح أبوابها، ويكون لديه الامتياز المُحزِن لرفضه أن يفتح الباب.” لذلك, فإنَّ المسيح يتوسَّل، ويعرض، ويقرع، ويدعو، حتى إنه يموت على الصليب ويقوم ليجذب انتباهنا ومحبتنا، ولكن كل هذا لا فائدة منه ما لم نفتح له الباب وندعوه إلى الدخول.

الشيء الوحيد الذي يستطيع الإنسان أن يفعله:

  • كتب الأب جورج فلوروفسكي George Florovsky قائلاً:

“إنَّ عطيَّة الحياة, الحياة الحقيقيَّة وُهِبَت لكلِّ البشر, وما زالت توهَب لهم بصورة مُستمرَّة ومُتـزايدة. إنَّها ما زالت توهَب, لكنها ليست دائمًا تُقبَل”.

الله يقرع إلى الأبد على أبواب قلوب البشر, لكنَّ الإنسان نفسه هو الذي يمكنه إغلاقها. حقًّا فبدون المسيح لا يستطيع الإنسان شيئًا. ومع ذلك هناك شيء واحد يستطيعه الإنسان, ألا وهو الاستجابة للنداء السماوي و “قبول” المسيح, وهذا الشيء الواحد يفشل فيه جدًّا الكثيرون.

إن مصير الإنسان مُحدَّد في قلوب البشر, هل ستكون هذه القلوب مُغلَقَة حتى أثناء قرع الآب السماوي؟ أم سينجح الإنسان في فتحها استجابة لنداء المحبَّة الإلهيَّة؟

قلب كل إنسان بستان:

  • قلب كل إنسان بستان، بستان سرِّي حفظه الله لنفسه بشكلٍ فريد, وهذا البستان مُغلَق كخزانة لها مفتاحان, الله لديه مفتاحٌ، وقلب الإنسان لديه المفتاح الآخر, وهكذا فإنَّ الله لا يمكنه الدخول دون موافقة الإنسان. وهنا يقع الاختلاف العظيم بين الطبيعة والإنسان, فخزانة الطبيعة لها مفتاح واحد فقط وهو في يد الله, ولكن لأن الإنسان يتمتَّع بعطيَّة الحريَّة، فهو يمتلك المفتاح الآخر، ويمتلك معه سُلطة الابتعاد عن الله، وإبقاء الباب مغلقًا. دائمًا ما يكون الله عند باب البستان ومعه مفتاحه, وقد يتظاهر الإنسان أنَّه قد فقد مفتاحه، أو أنَّ المفتاح لا يعمل جيِّدًا، أو أن البستان ليس جميلاً, ولكن طيلة هذا كله يكون المفتاح في يده، وليته يستخدمه. البستان الذي نتحدَّث عنه بالطَّبع هو جنة عدن الجميلة, حيث كان الله يسير مع الإنسان عند هبوب ريح النهار.

لماذا لا نفتح الباب؟

  • لماذا لا يفتح الناسُ البابَ ليسوع؟ هناك أسباب كثيرة لذلك.
  • ذات مرة قال سورين كيركجارد Soren Kierkegaard:

“نحن نختار أن نغلق باب قلوبنا لأننا نريد أن نعيش في بيت ذواتنا المحطَّم, وهذا هو الجحيم.”

  • سبب رئيسي آخر هو أن الناس لا يشعرون بحاجتهم إلى فتح الباب, ويشعرون أنَّه يكفيهم أن يؤمنوا بالله عقليًّا (رغم أن الشياطين أيضًا يؤمنون عقليًّا), يشعرون أنه يكفيهم أن يُعجبوا بتعاليم الله, ويكفيهم أن يقولوا صلواتهم له من الجانب الآخر من الباب المغلق عبر ثقب المفتاح.
  • تخيَّل زوجًا وزوجته يتحادثان معًا من خلال ثقب مفتاح، ويعتبران ذلك علاقة مُرضية, يعتقدان أنه يكفيهما أن يطرحا الأموال أمام الله تحت الباب المغلق عن طريق دفع عطاياهما الكنسيَّة، ومع ذلك نادرًا ما يشتركان في الليتورجية والأسرار, ويكفيهما في تقديرهما الخاص محاولتهما أن يكونا أخلاقيِّيْن مستقيمَيْن صالحَيْن لطيفَيْن, أو يكفيهما أنهما تعمَّدا في الماضي والآن هما مسجَّلان في قائمة عضوية الكنيسة.
  • والآن ربما يشعران أن هذا كله يكفيهما، لكن الرب يسوع لا يكفيه ذلك, إنَّه لا يريد ذلك الباب المغلق بينه وبين أيٍّ من أبنائه, فلا يمكن أن تكون هناك علاقة حقيقيَّة بين البشر الذين يعيشون على جانبَيْ باب مغلق. ليس هناك على الإطلاق بديلٌ عن فتح الباب المُغلَق.
  • آخرون يرفضون فتح الباب ليسوع لأنهم يشعرون أنَّهم غير مستحقين.

قصَّة:

  • هذا يُذكِّرني بقصَّة قرأتها عن خادم حَلِم حلمًا عن زائر واقف على بابه يقرع, فلمَّا تعرَّف الخادم على الزائر أنَّه هو الرب يسوع, تضايق جدًّا, وقال في نفسه: “لا يمكنني أن أسمح له أن يدخل هذا المكان غير المُرتَّب”, ومن ثمَّ فقد أخذ يكنس المكان ويمسح أثاثات البيت من الغبار العالِق, ولكن بقدر ما كان يُنظِّف, بقدر ما كان المكان يظهر أكثر قذارة, وأخيرًا فإنَّه استسلم وقال: “أيُّها السيِّد الرب, لم تعد فيَّ قوَّة لأعمل شيئًا أكثر, فتعالَ أنت إن شئت في هذا المكان غير المُهندَم والقذر”, وللحال دخل الرب يسوع, وللوقت, كما لو كان بفعل عصا سحريَّة, صار المنـزل في غاية النظافة والرَّونق والجمال. عندئذٍ صرخ الخادم: “أيُّها السيِّد, حضورك في الداخل أكمل ما عَجَزَتْ عنه كل قوَّتي, وأكملتَ كل نقصي”, وبعدئذٍ استيقظ الخادم من حلمه وقد صار إنسانًا جديدًا.
  • مهما جاهدنا واجتهدنا, فلن نستطيع أن نُنظِّف بيتنا ليكون لائقًا بحضوره, ولكن حضوره فقط هو الذي يُنظِّفنا ويجعلنا مُستحقِّين, لذلك تعالَ وافتح له الأبواب المغلقة. إنَّنا غير مُستحقِّين بالتمام عندما يأتي إلينا عندما نذهب لننال الجسد المُقدَّس, ولكن مجيئه إلينا ليسكن فينا هو الذي يُنظِّفنا من خطايانا ويجعلنا مُستحقِّين. نحن نأخذ الأسرار الإلهيَّة: “لغفران الخطايا ونوال الحياة الأبديَّة”. إنَّه هو الذي يُطهِّر وينظِّف بيت أرواحنا, وليس نحن. نحن نتوب وهو الذي يغفر ويُطهِّر. نحن مُستحقُّون ليس لأنَّنا أبرار, ولكنَّنا مُستحقُّون لأنَّه هو يحبُّنا.

المسخِّر:

  • بالإضافة للكبرياء، واللامبالاة، والشعور بعدم الاستحقاق، هناك سبب آخر يدعو الناس لعدم فتح الباب ليسوع، وهو أنهم ينظرون إليه كما لو كان مُسخِّرًا قاسيًا.
  • ذات مرة ذهب كاهن إلى بيت امرأة فقيرة بمبلغ مادي لمساعدتها في دفع إيجارها, قرع الباب مرات ومرات، ولم تكن هناك استجابة. كانت السيدة العجوز بالداخل طوال هذه المدة، وقد شرحت فيما بعد سبب عدم فتحها الباب وقالت: “لقد سمعتُ القرع، لكني اعتقدتُ أن الذي يقرع الباب هو المالك قادمًا ليطلب منِّي الإيجار، لذلك لم أفتح الباب.”
  • هو الواحد الوحيد الواقف على الباب ويقرع وهو آتٍ ومعه عطيَّة، لكن هناك كثيرون جدًّا يشعرون أنَّه آتٍ ليطالبهم بالدفع. القرع هو قرع المخلِّص، لكنَّنا كثيرًا ما نعتقد أنَّه قرعُ مسخِّرٍ قاسٍ. إنه آتٍ ليمنحنا الأخبار السارَّة، لا بالثمن المطلوب، بل بالثمن المدفوع, المدفوع عن آخره. إنه آتٍ ليملأ فراغنا الكئيب بملء حياة الله ومحبته. إنَّه آتٍ لا ليفرض علينا الأوامر، بل ليقدِّم لنا دعوة للمائدة السماوية. إنَّه واقف على الباب ويقرع, لا كعدو بل كصديق، كالراعي الصالح، كالواحد الذي أحبَّنا، وبذل ذاته عنَّا، كالواحد الذي افتقر وهو غني، لكي نستغني نحن بفقره. أمَّا لأولئك الذين فتحوا الباب ودعوا الرب يسوع إلى قلوبهم، ويشعرون أنَّه ليست لديهم حاجة لدعوته فيما بعد, فدعني أُصلِّي معهم هذه الصلاة الجميلة التي كتبها القديس أغسطينوس منذ قرون:

يا رب، أُصلِّي حقًّا أن قلبي الذي فيه موطئ قدميك، يقبل منك المزيد والمزيد، حتى يمتلئ كياني بأكمله بكيانك أنت بأكمله, يومًا فيومًا. آمين.

  • كتب واحد يقول:

“يمكننا أن نقبل من الله كما نشاء. فالمسيح يضع مفتاح غرفة الكنـز في يدنا، ويدعونا أن نأخذ منها كل ما نريد. فلو كان إنسان ما مُصرَّح له بدخول خزانة السبائك الذهبية في أحد البنوك، وأتيُحت له الفرصة كاملةً، وخرج منها بسنتٍ واحد، فاللوم كم يقع على هذا الإنسان الفقير؟ وكم من اللوم يقع على المسيحيين عامةً , الذين يمتلكون مثل هذه المقادير الهزيلة من خيرات الله المجانية, بينما كل العطايا مهيَّأة لهم؟”

  • كم نريد من الله؟ هل ما يعادل بنسَيْن؟ أم ما يعادل مِلأَه؟ الأمر كله يعتمد على كم من العمق تفتح له باب الصلاة.

 

التوافق أو العمل معا ف7 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

ما زال الله يدعو ف6 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

ما زال الله يدعو ف6 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

ما زال الله يدعو ف6 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

 

الفردوس بين يديك

هأنذا واقف على الباب وأقرع

الفصـل الســـــــادس – ما زال الله يدعو

 

 

 

نحن مِلك الله بحق الخلق والفداء،

فلنكن ملكه بحق الاختيار.

 

 

ما زال الله يدعو

  • كانت هناك لافتة على لوحة إعلانات تقول:

“مازال الله يدعو. وكل ما عليك هو أن تفتح له الباب”.

      قال يسوع: «هأنذا واقف على الباب وأقرع. إن سمع أحد صوتي وفتح الباب، أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي.»

  • ما زال الله يدعو, في الواقع يحب الله أن يدعو, لكن المشكلة تكمن في أن الباب لا يُفتح له دائمًا, فالباب يبقى مغلقًا, وطالما أن الباب يظل مغلقًا، فإنه يشكِّل جدارًا, لكن الله لا يحب الجدران. لقد نزل الرب يسوع من السماء ليُحوِّل الجدار إلى باب يقف من ورائه ويقرع. فقد قام الرب يسوع بدوره, والآن علينا أن نقوم بدورنا, فعندما نفتح له الباب، ندمِّر الجدار،  ومن ثمَّ يدخل الرب الإله إلى حياتنا.

الباب المسدود:

  • هناك أشياء قليلة في الحياة تجرح أكثر من مجرد أن يُغلَق الباب في وجهك بعناد. أنت تقرع على باب بيت صديق. الستائر تتمايل قليلاً, وأنت تعرف أنهم قد رأوك واقفًا على الباب، لكن الباب يبقى مغلقًا. إن الصدَّ والرفضَ يجرحان جروحًا عميقة, فمجرَّد الكلمات: “بابٌ مغلق, بابٌ مقفول، بابٌ مسدود” تعيد للأذهان ذكريات خيبة الأمل العميقة.
  • تخيَّل خيبة أمل الله حينما يُقابَل قرعه ببابٍ مسدود لا يُفتح أبدًا. يمكنني أن أتخيله واقفًا وراء الباب المغلق (الذي هو نفسي ونفسك) وهو يقول في حزنٍ نفسيٍّ تلك الكلمات التي وجهها قبلاً لسكان أورشليم: «يا أورشليم، يا أورشليم! يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها، كم مرة أردتُ أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا! هوذا بيتكم يُترك لكم خرابًا!» (لو13: 34-35). ومع ذلك, فمن الجيِّد أن معظمنا لديه شريطٌ طويلٌ من ذكريات الأبواب المفتوحة وصيحات الترحيب. رأينا الستائر تتمايل قبلما نصل منتصف الطريق، ورأينا الباب يُفتح على مصراعيه حتى قبلما نقرعه ونسمع كلمات الترحيب: “تفضل بالدخول! من الرائع أن نراك! كنَّا نتوقع حضورك! أليس هذا هو نوع الترحيب الذي يستحقه يسوع؟
  • «هأنذا واقف على الباب وأقرع… »
  • كيف لا تلهبنا هذه الكلمات أشواقًا؟ الله الأبدي خالق الكون، الألف والياء، رئيس السلام، الأقنوم الثاني من الثالوث القدوس، الراعي الصالح، ملك الملوك، ورب الأرباب، يقف على باب نفسي قارعًا. يا لها من صورة رائعة! القدير القادر على كلِّ شيء ينتظر الإنسان على الجانب الآخر كي يفتح له الباب. هذه الصورة المذهلة لأهمية البشر المخلوقين على صورة الله! الله يقرع على باب إنسان سبق فخلقه، منتظرًا أن ينفتح له الباب. إن الإنسان الذي خلقه الله ليس مسلوب الإرادة، لكنه كائنٌ مسئولٌ يختار إمَّا أن يسمح لله بالدخول، أو أن يتركه خارجًا. هذه هي عطيَّة الحريَّة والسُّلطان التي منحها الله إيَّانا.

الله لا يأتي بمفرده:

  • قال شخص ما :

“نحن مِلكْ الله بحق الخلق والفداء، فلنكن ملكه أيضًا بحق الاختيار.”

  • اِفتح باب قلبك, امنح يسوع غرفتك الرئيسيَّة، ثم واصل المسيرة، وامنح تلاميذه بقية الغرف، ثم أظهْر استضافتك لكل أبنائه المتألمِّين المحتاجين.
  • الله لا يأتي بمفرده, لكنه يأتي ليمنحكَ رفقة القديسين المجيدة. «المعلِّم يقول: “أين المنـزل (غرفة استضافتي) حيث آكل الفصح مع تلاميذي؟”» (مر 14:14), ولنجِبْه قائلين: “ها هنا، يا رب، غرفة استضافتك: قلبي. ها أنا أفتح لك الباب, تعالَ مع تلاميذك وكلِّ قديسك, هيِّئ المائدة المسيانية في غرفة قلبي.”
  • نحن مستأجِرون في مسكن الجسد، والله هو المالك, الله يتمنَّى أن يكون مالك المكان، لكنه لن يدخل ما لم نفتح الباب.
  • يقول يسوع: «هأنذا واقف على الباب وأقرع. إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه وأتعشَّى معه وهو معي.»
  • خُلِق الجسد الإنساني كي يُرحِّب بيسوع، ويحبه, ويحيا فيه, هذا ما خُلِقَت أجسادنا لأجله, وهذا هو هدف الحياة. عَبَّر يسوع عن ذلك بمنتهى الوضوح قائلاً: «إن أحبَّني أحد يحفظ كلامي، ويحبُّه أبي، وإليه نأتي وعنده نصنع منـزلاً.» (يو23:14)
  • المثال الذي يفوق الوصف لأول شخصية تُخلِص وتُخلَّص وتفتح الباب ليسوع هو مثال العذراء مريم, وهي أصبحت كمثال لنا نحن جميع المخلَّصين. وبهذا لا تصبح مريم الاستثناء العظيم، لكنها تصبح بالحري المثال العظيم, مثلما اعتاد الأب شميمان Schmeman  أن يقول دائمًا.

 ”إن حياة العذراء بأكملها توضِّح لنا كيف يجب أن يكون جميع البشر حينما يتقدَّسون بالروح القدس ليكونوا عبيدًا وهياكل للمسيح. نحن مخلوقون جميعًا ـ مثل مريم ـ كي نكون هياكل حيَّة لله، ومساكن مجده. وحيث إننا مصَّورون على صورته ومثاله، فنحن مخلوقون كي نكون هياكل حيَّة لحضوره. يسوع المسيح صُوِّر في جسد مريم جسديًّا وروحيًّا حتى يمكنه أن يصوَّر فينا نحن أيضًا (اقرأ غل19:4), ومن أجل هذا يقف الرب يسوع ويقرع“.

الباب الخلفي:

قصَّة:

      في 30 نوفمبر من العام 1940 قُصِفَت مدينة كوفنترى Coventry الإنجليزية بالقنابل, وفي اليوم التالي كانت زوجة العمدة تجمع بعض الجير المتساقط والزجاج المكسور في حجرة الجلوس, بينما قرع واحد الباب, فصرخت فيه قائلة: “ارجَع للباب الخلفي، فالباب الأمامي انخلعت مفاصله ولن يعمل ثانية.” فاستجاب الزائر ـ الذي كان طويل القامة ويرتدي عباءة طويلة ـ لنصيحة السيدة, وكم كانت دهشتها حينما فتحت الباب الخلفي لتجد أمامها فخامة ملك انجلترا واقفًا هناك! هكذا يأتينا ملك الخليقة بمنتهى التواضع, فقد تسلَّل إلى العالم بمنتهى الهدوء من خلال مذود بيت لحم, الذي كان بمثابة بابٍ خلفيٍّ له. عندما يأتينا اليوم، فإنه سيجد عالمًا محطَّمًا, سيجدنا منشغلين فيه بجمع بقايا حياة مكسورة مرتبكة.

  • ربما لا يليق الباب الأمامي لحياتنا بالملك، لكنه سيأتي ويقف عند الباب الخلفي. إنه لا يمانع في أن نفتح له أي باب طالما سندعوه للدخول.

يسوع نفسه هو الباب:

     ذاك الواحد الذي يقرع على الباب هو بنفسه “الباب”, الباب المفتوح على الآب والروح القدس، باب الخلاص والحياة الأبدية. «قال لهم يسوع أيضًا: “الحق، الحق أقول لكم: إني باب الخراف. جميع الذين أتوا قبلي هم سرَّاق ولصوص، ولكن الخراف لم تسمع لهم. أنا هو الباب. إن دخل بي أحد فيخلص ويدخل ويخرج ويجد مرعى”». (يو10: 7ـ9)

  • هناك بابٌ واحد فقط يؤدِّي للخلاص الأبدي، ويسوع بنفسه هو هذا الباب. الآخرون الذين يأتون ويدَّعون أنَّهم “أبواب” هم سراق ولصوص، يحاولون تضليل الخراف بعيدًا عن مرابضها الحقيقية. وكم يوجد الكثير من هذه الأبواب الزائفة اليوم تتكون من عقائد كثيرة وقادة كثيرين يسعون لاستعباد الخراف.

قرعُنا وقرعُه:

  • قيل عن المذبح في الكنيسة الأرثوذكسية إنَّه يُمثِّل قدس الأقداس، أي حضور الله في وسطنا. وحامل الأيقونات يشبه بوابة أمام قدس الأقداس. الشماس يقود الشعب في العبادة الأرثوذكسية في تضرعاتهم وصلواتهم, ويقف أمام الأبواب الرئيسية لحامل الأيقونات و”يقرع أبواب السموات من خلال الصلاة”, كما يقول القديس يوحنا الدرجي John Climacus. وبذلك نكون قد رسمنا لأنفسنا بواسطة القديس يوحنا تلك الصورة الجميلة لما نفعله في الليتورجية كل يوم: فنحن نقف ونقرع على أبواب السماء بصلواتنا! قال يسوع: «اسألوا تعطوا. اطلبوا تجدوا. اقرعوا يُفتَح لكم.» وهكذا نقرع, والله يفتح لنا الأبواب في كلِّ قدَّاس من خلال القراءة, والكرازة بكلمته, والتناول المقدس. نرى هنا أن المفتاح الذي يفتح الباب لدخول يسوع هو الليتورجية التي تتكون من خلال قراءة كلمته، وتعليم العظة، والتناول والصلاة وطلب حلول الروح القدس.
  • الصلاة هي السماح للرب يسوع بدخول قلوبنا, وقراءة الكلمة هي السماح ليسوع بدخول قلوبنا. والإصغاء لكمة الله المقروءة في الكنيسة هي السماح ليسوع بدخول قلوبنا. الاشتراك في سرِّ التناول المقدَّس” بخوف الله والإيمان والمحبة” هو السماح ليسوع بدخول قلوبنا, لكن ليست صلواتنا هي التي تُحرِّك الرب يسوع, لكن الروح القدس هو الذي يدفعنا في المقام الأول للصلاة.
  • هو يقرع أولاً, ومن خلال الروح القدس يُعرِّفنا برغبته الحارَّة الجارفة لمجيئه إلينا, ودائمًا ما تكون صلواتنا نتيجة قرع يسوع على أبواب قلوبنا. إنه يقرع من خلال الروح القدس كي يحرِّكنا بالصلاة لفتح الباب وقبول عطيَّة حضوره الحميم. الصلاة هي السماح ليسوع بدخول حياتنا. هذا يعلِّمنا في المقام الأول أن صلاتنا ليست هي التي تُحرِّك الرب يسوع, لكن يسوع هو الذي يدفعنا للصلاة. إنه يقرع, ومن ثم فهو يُعرِّفنا رغبته في المجيء إلينا، ودائمًا ما تكون صلواتنا نتيجة قرع يسوع على أبواب قلوبنا, وهذا يلقي ضوءًا جديدًا على الرسالة النبويَّة القديمة: «ويكون أنِّي قبلما يدعون أنا أجيب، وفيما هم يتكلمون بعد أنا أسمع.» (إش 24:65) وبذلك يكون ما لدينا بمثابة بحث ثنائي، أي أنَّه ليس بحث الإنسان عن الله فحسب، ولا بحث الله عن الإنسان فحسب، لكنه مزيج من الاثنين؛ حيث إنَّ الله دائمًا ما يبادر بالبحث بقرعه على الباب, الأمر الذي لا بد أن نستجيب له. استجابتنا لله هي أهم الأشياء التي نقوم بها في حياتنا على الأرض على الإطلاق, لأنه إن لم نستجِب، وإن لم نفتح الباب عن وعي واختيار ونسمح ليسوع بدخول حياتنا كالرب والسيد، فسوف يضيع منَّا هدف الحياة بأكمله.
  • أهم سؤال في الحياة هو: ماذا نفعل بحضور المسيح؟ وكيف نستجيب لقرعه المتواصل على الباب؟ أنتجاهله؟ أنبتعد عن الباب حتى لا نسمع النداء؟ أنحاول أن نخفض صوت القرع برفع صوت التلفاز؟ أم نفتح الباب لنجد السماء على عتبة أبوابنا؟ هناك أبواب كثيرة يقرع عليها المخلِّص, ليقرع على بلايين قلوب البشر في هذا العالم. لا تدعه واقفًا خارج الباب الوحيد الذي يمكنك أن تفتحه. اِفتح له باب قلبك.

Øصلاة×

تعالَ، يا ربِّي يسوع، تعالَ!

باب قلبي مفتوح لك, مفتوح لك تمامًا.

كما كانت ذراعاك مفتوحتين فوق الصليب, كي تحتضنِّي بغفرانك وحبك.

تعالَ! أنت الواحد الذي أحتاجه, فمن سواك يمكنه أن يملأ فراغ حياتي؟

ومَن سواك يمكنه أن يزيل الوحدة القاسية، وعدم الإيمان. كل عواقب الخطية هذه التي تجعل من الحياة جحيمًا بالنسبة لي؟

تعالَ، أيها الرب يسوع، ها أنا أفتح الباب،

فاغمرني بغفرانك، وسلامك، وحضورك، وملئك.

آمين.

ما زال الله يدعو ف6 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

إقصاء الله خارج الحياة العلمانية ف5 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

إقصاء الله خارج الحياة العلمانية ف5 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

إقصاء الله خارج الحياة العلمانية ف5 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

 

الفردوس بين يديك

هأنذا واقف على الباب وأقرع

الفصل الخامس – إقصاء الله خارج الحياة العلمانيَّة

 

 

لقد أسَّسنا ديانة عدم سماع قرع الله على أبواب قلوبنا,

 بل وإقصائه خارجًا…

ديانة الإنسانية العلمانيَّة.

 

 

البشريَّة العلمانيَّة

  • «هأنذا واقف على الباب وأقرع. إن سمع أحد صوتي أدخل إليه وأتعشَّى معه وهو معي.»
  • لقد أسَّسنا ديانة إقصاء الله خارج نطاق حياتنا. كثير من البشر اليوم يرفضون السماح للرب يسوع بدخول حياتهم رفضًا باتًّا, ويبقون الباب مغلقًا تمامًا. على سبيل المثال: هناك اتجاه تربوي راسخ يُعَلِّم الأطفال اليوم أنه ليس هناك صوابٌ أو خطأٌ، لكن الأمر يرجع إليك شخصيًا، وأن الله غير موجود، وأن الإنسان هو إله ذاته. الاتِّجاه يؤثِّر إلى ما أبعد من مجال التربية، فهو ظاهرة عالميَّة تخترق كافة جوانب الحياة الحديثة, ونحن نراها في الأفلام، والتلفاز، والروايات، والسياسات، في كل مكان, حتى أصبح لدينا اسمٌ جذَّابٌ لهذه الديانة, فنحن نسميها الإنسانية العلمانيَّة secular humanism.
  • معظم الناس لا يميلون إلى اعتبارها ديانة, فهم يُفضِّلون أن يُسمُّوها فلسفة, ورغم ذلك فنحن نقول إنَّ الإنسانية العلمانية ديانة, ديانة إلحاديَّة. بينما تضع المسيحية الربَّ يسوع في مركز الكون معتبرة إياه الطريق والحق والحياة، فإن الإنسانية العلمانية تضع الإنسان في مركز الكون، معتبرة إياه الحاكم الأكبر للمصير الإنساني. يقول تابع الإنسانية العلمانيَّة: “الله لابد أن يُلغَى”, وهو يقول ذلك رغم أنه يؤمن بإله وعقيدة وديانة خاصة به، والتي هي الديانة الإنسانية، الإنسان كإله.

     «هأنذا واقف على الباب وأقرع… »

     لقد أسَّسنا ديانة عدم سماع قرع الله على أبواب قلوبنا، وإقصائه خارجًا… ديانة الإنسانيَّة العلمانيَّة.

إغراء العلمانيَّة:

  • إن إغراء الإنسانيَّة العلمانيَّة يقع في فكرة أن الإنسان يُشكِّل مصيره الذاتي للأفضل أو للأسوأ، وأنه يفعل ذلك بمفرده, وتصير مفاهيم “العناية الإلهية، والحياة بين يدي الله، وإرشاد الله لنا” غير مقبولة بالنسبة للإنسانيَّة العلمانيَّة.
  • تمَّ تصنيف القانون الإنساني للمرة الأولى في العام 1933 حينما صاغ الإنسانيون الأمريكان “منشور الإنسانيَّة العلمانيَّة” تحت قيادة جون ديوي John Dewy الفيلسوف والمُعلِّم. كانت الوثيقة مُتخَمَة بالعداء للدين, وكان من بين بنودها: الله غير موجود، الاعتقاد الديني هو أحد أعداء التقدُّم الإنساني، العقلانية والعلم فقط هما اللذان يمكنهما منحنا الخلاص, وكل من يقول إن يسوع هو الله المحب الباحث عن الإنسان، الذي يقرع على أبواب نفوسنا قائلاً: «هأنذا واقف على الباب وأقرع… » يُحسب مجنونًا في نظر الإنسانية العلمانية.
  • ومن هنا تأسَّست ديانة عدم سماع قرع الله على باب حياتنا، ديانة إقصاء يسوع خارجًا، وتشكيل فلسفة تشرح لماذا يجب إقصاؤه هكذا بصورة عقلانية.

جذور العلمانيَّة:

  • في الواقع لم تبدأ الإنسانية العلمانية في العام 1933م مع جون ديوي, لكنها كانت منتشرة قبل هذا التاريخ من مدَّة طويلة, وهناك بعض الفلاسفة وعلماء الاجتماع في القرن التاسع عشر الذين أثَّروا على جون ديوي.
  • قام لودفيغ فيورباخ Ludwig Feuerbach عام1830م والذي يطلَق عليه أحيانًا “أبو حركة مناهضة الله”، ببسط أفكار من قبيل: “النقطة الفاصلة في التاريخ سوف تكون تلك اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أن الإله الحقيقي للإنسان هو الإنسان نفسه.”
  • وقام كارل ماركس سنة 1848م, متأثِّرًا بـأقوال فيورباخ بكتابة الوثيقة الشيوعية, وهي لحدٍّ ما على أساس مسوَّدة أعدَّها صديقه فريدريك إنجلز Frederick Engels. كتب إنجلز يقول: “الدين أفيون الشعوب”, وهكذا بضربة واحدة تحطَّمَت أسطورة الله, كما ظنُّوا وأعلنوا!

     وفي عام 1851م قال أوغسط كومتي Auguste Comte: “بلا شك, الله رَحَل دون عودة”.

     وفي عام 1855م قال إميل سواسيه Emil Soisset: ” إنَّ فويرباخ قد أعطى أوروبا المسيحيَّة إلهًا جديدًا ليعبدوه, ألا وهو الجنس البشري”.

     وفي عام 1888م قال: فريدريك نيتشه Friedrich Nietzche “الله ميت, ونحن الذين قتلناه… نحن الذين سفحناه… وسنظلُّ في حرب مع الخيال والمثال المسيحي, وضدَّ التعليم الذي يجعل التطويبات والخلاص هي نهاية الحياة”.

  • «هأنذا واقف على الباب وأقرع… »
  • بأسماء مثل لودفيغ فيورباخ، وكارل ماركس، وأوغسط كومتيه, وفريدريك نيتشه، وجون ديوي، حاولنا أن نؤسِّس ديانة محترمة عقليَّة, لا تسمع قرع الله على أبواب قلوبنا, ديانة هدفها الوحيد إقصاء الله خارج نطاق حياتنا, والتأكد من أنه واقف خارج الباب.

الأفكار مرتبطة بالأفعال:

  • هناك علاقة وثيقة بين الأفكار والأفعال, فالفكرة لا تبقى فكرة لمدةٍ طويلة، لكنها تصير فعلاً. قال نيتشه: “الأفكار تأتي قبل الأفعال كالبرق قبل الرعد.”
  • أولاً يأتي المفكِّرون الملحدون، ثم يليهم المنفذون. أولاً يأتي المفكِّرون الملحدون، ثم يليهم معسكرات العمل الشاقة، ومعسكرات الاعتقال.
  • قام هتلر Hitler بتأليه “نيتشه”، وأصبح لكمته الحديديَّة, وشنَّ حربًا قتلت ما يزيد عن 30 مليون إنسان. في الاتحاد السوفيتي ألَّهوا كارل ماركس، ولينين Lenin وبعد ذلك بدأ ستالين Stalin في صعوده الدامي إلى السُّلطَة, وبنى أولى دول العالم الإلحاديَّة القائمة على القتل الجماعي. وفي الفترة بين 1918م, 1959م, مات أكثر من 60 مليون فلاح في معسكرات الاعتقال الروسيَّة, أي ما يوازي أحد عشر ضعفًا لعدد الموتى في معسكرات هتلر, وهذا ما حدث عندما أقصينا الله عنَّا وجعلناه خارج باب حياتنا.
  • حربان عالميَّتان، مجازر، معسكرات أعمال شاقة، مذابح… هذه هي النتائج، وهذه هي عواقب الإلحاد المسلَّح.
  • إنها ديانة ليست من إله، بل من الشيطان, لأنه إن لم يُفتح الباب للرب يسوع المسيح, فإن إبليس سيدخل ويملك وينشئ جحيمًا حقيقيًّا على الأرض، مستخدمًا مصطلحاتٍ عقليَّة مثيرة زائفة تبدو وكأنها مصطلحات محترمة عقليًا, مثل مصطَلَح الإنسانية العلمانيَّة. ونحن لأجل تدمير سلطان إبليس داخلنا، نحتاج أن نفتح الباب للرب يسوع، وندعوه للدخول ليجعل سكناه فينا.

ملحدٌ يفتح الباب:

  • منذ سنوات قليلة، وفي سن الرابعة والثلاثين، اعتذر ويليام موراي William Murray، ابن أكبر ملحِدة: مادلين موراي، اعتذارًا رسميًّا عن دوره في المعركة الدائرة في دار القضاء التي جعلت المحكمة الأمريكية العليا تمنع الصلاة المقرَّرة من قِبَل الدولة في المدارس الحكومية. أدرك ويليام موراي أن هناك شيئًا ما- أو بالأحرى شخصًا ما- غائبًا عن حياته، إذ إنَّه قد تربَّى في جو إلحادٍ مدقع عن طريق أُمٍّ ملحِدَة عدوانيَّة. سمع ويليام القرع على الباب ففتحه، ودعا الرب يسوع للدخول إلى حياته.

يأتي لينصب فينا خيمته:

  • الرب الإله صار جسدًا, جاء إلينا ولا يزال معنا، قارعًا أبواب قلوبنا، طالبًا الدخول لتأسيس ملكوته فينا.
  • اِفتَح الباب للرب يسوع، ومن هنا سيتحول الجحيم الداخلي إلى سماء، حيث سيأتي المُخلِّص المسيح رئيس السلام، وإله كل تعزية كي “ينصب خيمته” في نفوسنا, لأن هذا هو معنى الكلمة اليونانية eskinosen.
  • «والكلمة (المسيح الرب) صار جسدًا، وحلَّ فينا (نصب فينا خيمته eskinosen)، ورأينا مجده، مجدًا كما لوحيد من الآب، مملوءًا نعمة وحقًّا… ومن ملئه نحن جميعًا أخذنا، ونعمة فوق نعمة.»            (يو 16،14:1) الرب يسوع يقف قارعًا على الباب تمامًا لأنه يريد أن “ينصب خيمته” ويستقرَّ فينا.

Øصلاة×

ربِّي يسوع،

طويلاً جدًا تركناك واقفًا خارج الباب،

طويلا جدا اتخذنا أدوار الآلهة،

كي نصنع على الأرض جحيمًا.

ها نحن نفتح لك الباب سريعًا،

حتى تنصب فينا خيمتك، وتؤسِّس ملكوت الله في قلوبنا. آمين.

 

إقصاء الله خارج الحياة العلمانية ف5 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

افتح له جميع الأبواب ف4 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

افتح له جميع الأبواب ف4 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

افتح له جميع الأبواب ف4 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

 

الفردوس بين يديك

هأنذا واقف على الباب وأقرع

الفصل الرابع – افتح له جميع الأبواب

 

كثيرٌ منَّا فتحوا الباب الأمامي، وسمحوا له بدخول

الأروقة والسلالم فقط.

أمَّا الحجرات التي نعمل أو نستمتع فيها بأنفسنا,

فهي ما زالت مغلقة في وجهه.

                                                     ويليام تمبل  

William Temple                                                     

 

ممنوع الانتظار في قلب الطريق

  • لكي نفهم لماذا ترك الناسُ الربَّ يسوع خارج باب حياتهم ولا يدعونه للدخول، لنستمع إلى هذه الكلمات التي كتبها أحد الشباب:

”البعض يقولون: “الله ميت”

وأنا لا أومن بذلك.

والبعض يقولون: “الله ليس ميتًا, لكنه لا يمكن أن يجد مكان انتظار.”

وغالبًا ما أومن بذلك.

تخيَّل أنك تتجوَّل في سيارة.

وأبوك خلف عجلة القيادة يضغط على الفرامل محاولاً التوقف,

فيشير رجل الشرطة لعلامة: “ممنوع الانتظار”.

فتطوف تلك الأنحاء بحثًا عن مكان انتظار.

فيردُّون عليك: نأسف لعدم توافر مكان.

ربما يكون هناك مكان شاغر في الريف.

ومع ذلك فهناك أيضًا تقرأ: ممنوع الانتظار في قلب الطريق.

البعض يطبِّقون هذه المشكلة على الله,

فلا يسمحون له أبدًا بالانتظار في قلوبهم.

ويواجهونه بهذه العلامة: ممنوع الانتظار,

فلابد أن يستمر المرور في مرونته.

ساحة انتظارهم ممتلئة بأشياء أخرى.

فلو لم تُفسح لله مكانا للوقوف،

ربَّما يصير الله غائبًا بالنسبة لك،

ولن يمكنه أن يعيش فيك.

أما لو أفسحتَ له مكانا للتوقُّف،

فحينئذ ستحيا لأنه يحيا فيك ـ

باكتمال، وجمال ـ وإلى الأبد.“

  • بعض الناس يشكون دائمًا من “غياب الله”, ولكن ليس لهم الحق في هذه الشَّكوى لأنَّهم هم الغائبون عن الله وليس العكس. كيف يكون الله غائبًا بينما هو يقف خارج الباب قارعًا وداعيًا؟ لو كان الله غائبًا, فهذا بسبب أن الناس قد تركوه واقفًا بالخارج.
  • تُعبِّر أنشودة ميلاديَّة مُعاصِرة عن ذلك بالقول:

”لا يوجد مكان ليسوع في العالم الذي خلقه.

هناك مكانٌ للفانيات,

أمَّا للواحد الذي يملك إلى الأبد فلا يوجد له اليوم مكان.

إنَّه يواصل القرع, لكنَّه يسمع منك القول: “لا يوجد مكان”.

  • «هكذا أحبَّ الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد», أهدانا أعظم عطيَّة, ابنه يسوع. لكن الهبة لا تُحسَب هبة إن لم نقبلها. اليوم يدعونا الله أن نقبل ابنه يسوع, وأن نفتح قلبنا, وأن ندعوه ليدخل ويتعشَّى معنا ونحن معه.“

إلى خاصته جاء:

  • يكتب الرسول يوحنا عن الرب يسوع قائلا: «إلى خاصَّته جاء.» جاء طوعًا. جاء حُبًّا. جاء كالنور المشرِق في الظلمة. جاء كالمخلِّص: «كي يطلب ويُخلِّص ما قد هلك.» جاء لمن أهداهم العهد والمواعيد. يقول الرسول يوحنا: «إلى خاصته جاء», ثم نقرأ هذه الكلمات التي لا تُصدَّق: «وخاصته لم تقبله», «وأما الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنون باسمه.» (يو 12:1)

إنه سيِّد البيت كله وليس فقط الطرق والسلالم:

  • ذات مرة كتب ويليام تمبل: William Temple

هأنذا واقف على الباب وأقرع ـ هذه هي دائما علاقة الله فادينا بنفوسنا. لقد دفع الثمن كاملاً، واجتاز الموت الكفاري، ومع ذلك لا يزال منتظرًا حتى نفتح باب قلوبنا كي نقبل محبته في أعماقنا.

كثيٌر منَّا فتحوا له الباب الأمامي، وسمحوا له بدخول الأروقة والسلالم فقط, أمَّا كل الحجرات التي نعمل ونستمتع فيها بأنفسنا فهي ما زالت مغلقة في وجهه. مازالت هناك جماهير كثيرة تُرحِّب به في بعض الحجرات، ويتمنَّوْن ألا يسألهم عمَّا يدور خلف أبواب الحجرات الأُخرى, ولكن آجلاً أو عاجلاً سوف يسأل، وإن لم توافقه وترافقه في ذلك على الفور ليرى، فسوف يترك المكان الذي كنَّا نشعر فيه بمنتهى الارتياح معه، وسوف يقف قارعًا الباب المغلق, وحينئذ لن يمكننا مرة أخرى أن نستعيد فرحة حضوره في الحجرة الأولى حتى نفتح له الباب الذي يقرعه الآن. يمكن أن يكون يسوع معنا في المكان الذي نختاره له بشرط أن نعطيه دليلاً إرشاديًّا لكافة أرجاء البيت.

  • الرب يسوع هو سيد البيت كله، لا الأروقة والسلالم فقط, ولابد أن يُدعى يسوع لكل غرفة من غرف البيت, الغرفة التي نعمل فيها, تمامًا كالغرفة التي نمرح فيها, ولن يقبل وجود مجرد أيقونة مزخرفة موضوعة على جدار حياتنا. إنه كإله حي يأتي كي يملك الأمور، ويكون له حق دخول كل حجرة من حجرات البيت وكل منفذ فيه.

لو جاء يسوع اليوم إلى بيتك:

  • الرب يسوع يقرع طالبًا الدخول، لكن ليس الجميع سيشعرون بالارتياح في حضوره عندما يدخل.
  • كتب واحدٌ يقول:

”لو جاء الرب يسوع إلى بيتك

كي يقضي معك يوما أو يومين…

لو ظهر دون أن تلاحظه،

أتساءل ماذا ستفعل؟

هل ستضطر لتغيير ملابسك

قبل أن تدعوه للدخول،

أم ستخفي بعض الكتب

وتضع مكانها الكتاب المقدس؟

أيسُرُّكَ أن يقابل أقرب أصدقائك أم ستود أن يبقوا بعيدًا حتى تنتهي زيارته؟

أيسُرُّك أن يبقى معك إلى الأبد،

أم أنك ستتنفس الصعداء بمجرد أن يرحل أخيرًا؟

من المثير أن أعرف الأشياء التي ستقوم بها،

لو أن يسوع قد جاءك شخصيًّا كي يقضي معك بعض الوقت“.

الله وجَّه هذه الكلمات للمسيحيِّين:

  • «هأنذا واقف على الباب وأقرع… »
  • سياق هذه الآية يُنير أذهاننا, فهذه الآية لم تُكتَب للوثنيِّين بل للمسيحيَّين. فمن الممكن أن تكون مسيحيًّا معمَّدًا بينما لم تدعُ يسوع حتى الآن ليدخل حياتك. هذه الآية «هأنذا واقف على الباب وأقرع…» تظهر في رسالة يوجِهها المسيح من خلال الرسول يوحنا إلى كنيسة لاودكية المعروفة الآن في تركيا. كان المسيحيون آنذاك مُترفين راضين عن أنفسهم، فكانوا مسيحيِّين بالاسم فقط. لم يكونوا باردين ولا حارِّين، لذلك قال لهم يسوع إن هذا الوضع كريه بالنِّسبة له, ولذلك فهو مزمِع أن يتقيَّأهم من فمه, والآن يُوجِّه يسوع كلمات هذه الآية لمثل هؤلاء المسيحيين. كان مسيحيو لاودكية مترفين للغاية لدرجة أنهم شعروا بعدم حاجتهم للمسيح, وما لم يدركوه هو أنهم كانوا عرايا أخلاقيًّا، بلا أردية تؤهِّلهم لحضور الله وسكناه فيهم. كانوا عميانًا عن الحق الروحي.
  • المسيح وحده يمكنه أن يُلبسنا برَّه، ويعيد النظر لعيوننا، ولكن بعد أن نسمح له بالدخول. وإلى أن نفتح له الباب، نبقى متسوِّلين وعميانًا وعرايا، غير مؤهَّلين لحضوره، محرومين من غني نعمته ورحمته التي يأتي كي يغمرنا بها. ومن هنا يكون سبب قرعه، ويكون سبب طلبه أن يدخل قلوبنا هو أن يمنحنا أن ننال بنعمته ما هو عليه بطبيعته, أي نصير له أولادًا بالتبنِّي كما يقول القدِّيس إيريناؤس.
  • خلق الله السماء والأرض لتكونا وطنًا للجنس البشري, لكنه خلق أيضًا الجسد الإنساني والنفس الإنسانيَّة ليكونا مسكنه الخاص، حتى يمكن أن يسكن ويحل فيهما كما في بيت مَصون جيِّدًا: «وبيته نحن… » (عب6:3) البشر يُكدِّسون ثرواتهم في بيوتهم بعناية، والرب يجمع في بيته نفوسنا وأجسادنا, ويخزن ثروات الروح السماويَّة فيها.

تنازُل الله:

     «هأنذا واقف على الباب وأقرع… »:

  • لاحِظ تنازل الرب يسوع المهيب واتضاعه العجيب, إنه واقف على الباب دون أن يدفعه قهرًا ، هو يتحدث إلينا، ولا يصرخ فينا. البيت بيته، وهو البنَّاء والمعماري الحي الذي صمَّمه وبناه, وهو المالك، حيث اشتراه بدماه. يمكنه أن يدفع الباب بكتفه, لكنه يُفضِّل أن يضع يده على مطرقة الباب. يمكنه أن يأمرنا بفتح الباب له، لكنَّه يدعونا أن نفعل ذلك اختيارًا. لاحظ أنه يقف بالخارج، على عتبة الباب، فالباب مغلق.
  • للأسف، هذا هو مكانه الحقيقي في حياة معظم البشر, في الخارج! ولهذا السبب تبدو المسيحية شيئًا قاسيًا محزنًا غير مُبهِج بالنسبة لكثيرين, لأنَّ مصدر الفرح والسلام يجعلونه خارجًا, وكل ما يعرفونه عن يسوع يعرفونه من الخارج. لكن جمال المسيحية لا يمكن رؤيته من الخارج مثلما لا يمكن رؤية جمال نافذة زجاجيَّة معتمة من خارج كنيسة.لابد للإنسان أن يدخل الكنيسة ويرى النافذة الزجاجية المعتمة من الداخل كي يتسنَّى له أن يعاين جمالها الأخَّاذ.

تدريب روحي:

  • كتب شخصٌ غير معروف تدريبًا روحيًّا يمكنك أن تمارسه وأنت تفتح الباب ليسوع وتتمشَّى معه في كافة أنحاء بيت حياتك من أعلى إلى أسفل:

”يسوع يقرع على باب بيتك،

فهل تدعوه للدخول؟

هل تحتاج أولاً أن تزيل أقفالاً كثيرة؟

قابله بالتَّرحيب.

فهو صديقٌ حميمٌ,

لا يمانع أن تكون الأطباق غير نظيفة في القاع،

أو أن تكون الأَسِرَّة محطَّمة،

فهو يقبلك كما أنت.

 

رافقه لعُليَّة بيتك.

ماذا ترى هناك؟

انظر لغرفتك الخاصة المغلقة، وصناديق ثيابك المغلقة.

أتريد أن تفتحها؟

ربما تكون ملأى بالذكريات…

أو بمشاعر الذنب.

أو بالإخفاقات الماضية… أو بمشاعر الندم..

أو بارتكاب الأخطاء… أو بالآلام..

ربما ظلَّت مغلقة لعدَّة سنوات…

هل آن أوان إظهارها والكشف عنها؟

أتود أن تفحصاها معًا؟

أتشعر بالارتياح أن تجعل يسوع يعرف

ماذا يدور وراء الغُرف المغلقة وصناديق الثياب المغلقة؟

كرِّس وقتًا للصلاة,

كي تتحدث إلى يسوع عن رحلتك عبر أرجاء السطح.

 

رافقه إلى بدروم بيتك.

إنه بارد مظلم مليء بأنسجة العنكبوت والرُّكام.

هل قلبك مثل ذلك؟

هل تخبئ أي شيء في البدروم؟

هل أنت مستعدٌّ لتفريغ سلال المهملات التي كوَّمت أطلالاً عبر السنين؟

فكِّر فيما يمكن أن يكون في هذه السلال.

تحدث مع  يسوع عن رحلتك خلال البدروم.

عُد إلى مطبخك.

الجو هناك دافئ ومُغْرٍ. تَشَارك وليمة مع يسوع- سر التناول المقدس.

اختبر دفء صداقته. اختبر فرصة القبول والغفران.

ادعُه كي يكون حاضرًا في حياتك.

في أي زمان“.

نصيحة:

لا تُضيِّع أيام الصوم المقدس الأربعيني,

ادعُ الرب الواقف قارعًا الباب كي يشفي نفسك،

ويصنع معك وليمة إلى الأبد!

                                       إيملي هوايت

Emily White

Øصلاة×

ربِّي يسوع،

هلم بالدخول، فهناك مكانٌ لك في قلبي.

بالتوبة ساعدني أن أطرح الخطايا التي تكدَّست في حياتي ولم تترك لك مكانًا.

هلمَّ بالدخول الآن واملك علىَّ كربٍّ.

ها أنا أفتح لك بابًا من أبواب البيت حتى تغمر كل غرفة بحضورك المُتحنِّن المُعزِّي,

لأنني أدرك الآن، يا رب، أن  بيت لحم الحقيقية التي وُلدتَ أنت فيها هي قلبي.

ولذلك تقف هناك قارعًا. تعالَ، أيها الرب،

تعالَ. آمين.

 

افتح له جميع الأبواب ف4 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

لا تتركه واقفا على الباب ف3 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

لا تتركه واقفا على الباب ف3 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

 

لا تتركه واقفا على الباب ف3 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

 

 

الفردوس بين يديك

هأنذا واقف على الباب وأقرع

الفصل الثالث – لا تتركه واقفًا على الباب

 

إنَّ قلعتَك الداخليَّة التي هي نفسك,

إنَّما هي ملكٌ خاصٌّ لله وقد وهبها لك.

والله لن يقدر بنفسه أن يدخلها ما لم تريده أنت،

وتفتح له الباب مُرحِّبًا به.

فالإنسان يستطيع أن يغلق حياته في وجه الله

حتى لا يدخل إلى الأبد.

                                                   مورتون ت. كيلسي

Morton T. Kelsey

 

هذه هي قرعات الله

العالي, الفائق والسامي

  • هذا الكلمة الذي صار جسدًا هو نفسه الله الذي غطَّت أمامه السيرافيم ـ في رؤيا إشعياء ـ وجوهها بأجنحتها, معبِّرة في خوف ورعدة قائلة: “قدوس، قدوس ، قدوس، رب الصباؤوت!” المخلوق لم يجرؤ أن ينظر لأعلى, وهكذا كانت عظمة الله الفائقة, حتى قيل إنَّه لا يستطع إنسان أن يرى الله ويعيش. هذا الكلمة الغامض، الفائق، السامي، الذي لا يُقترب منه، هو الذي أصبح جسدًا, فهو قد اقترب منَّا للغاية ليقول: «هأنذا واقف على الباب وأقرع إن سمع أحد صوتي وفتح الباب، أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي», فالله العظيم الذي لا يحويه الفضاء الخارجي بأكمله يودُّ أن يجعل سكناه في أعماق قلبك وقلبي.
  • قال العلامة أوريجانوس:

“كل مخلوق روحاني هو هيكل لله بالطبيعة، وهو مخلوق لقبول مجد الله في أعماقه.”

  • عندما نفتح الباب لقبول المسيح، فنحن نسمح لمجد الله بالدخول, وهكذا نتهيَّأ لنكون هياكل حيَّة لمجده.

لا تتركه واقفًا على الباب:

  • ذات مرة قال يهودي: “الأزمان سيِّئة للغاية. لماذا لم يأتِ المسيا؟” فرد عليه مسيحي: “لقد جاء حقًّا، لكننا تركناه، واقفًا بالخارج.” «هأنذا واقف على الباب وأقرع… ».
  • كثيرٌ منَّا نحن المعمَّدين لم يفتحوا الباب حقًّا كي يسمحوا للرب يسوع بالدخول إلى حياتهم, لقد تركوه واقفًا بالخارج! الصورة التي تبيِّن الرب يسوع واقفًا خارج الباب ويقرع هي صورة مصمَّمة للتعبير عن حقيقة أن هذا هو مكانه الفعلي في حياة كثير من المسيحيين ـ خارج الباب وليس داخله.

قصَّة:

  • حكى فولتون أورسلر Fulton Oursler قصَّة جْراَّح فيينا ذي الشهرة العالمية د. لورينـز Lorenz الذي جاء إلى الولايات  المتحدة لإجراء عملية لامرأة ثريَّة في شيكاغو, تلك التي كانت تعاني من مرض نادر. وبينما كان الجراح في شيكاغو، فقد قرَّر أن يأخذ جولة في المنطقة السكنية لرؤية معالم المدينة, وفي منتصف جولته أدركته عاصفة رعدية شديدة. وحالما وجد ملجأ، قرع جرس أقرب الأبواب, وحينما فتحت امرأة الباب، التمس منها الدخول احتماءً من الأمطار, لكن المرأة التي كانت متضايقة للغاية ردَّت قائلة:
  • “اذهب إلى أي مكان آخر! ففي هذا البيت ما يكفيه من مشاكل.” ثم خبطت الباب بشِدَّة وهي تغلقه وكأنَّها صفعت الرجُل على وجهه. وفي اليوم التالي صرخت هذه السيدة غير المحبَّة لضيافة الغرباء بشيء من الفزع عندما طالعت إحدى الصحف, وذلك لأنها ميَّزت صورة د. لورينـز المنشورة في الصفحة الأولى, وكانت الحقيقة المؤلمة هي أن ابنة هذه السيدة كانت تعاني من نفس المرض النادر الذي كانت تعاني منه المرأة الثريَّة في شيكاغو؟ كانت هذه المرأة قد كتبت رسائل للفندق الذي يقيم فيه د. لورينـز في شيكاغو وهي تطلب ملتمسة حضوره ليجري عملية لابنتها المريضة, ولكن كانت فكرة أنَّ الطبيب نفسه قد جاء بيتها، وأنها أغلقت الباب في وجهه تكاد تصيبها بالجنون.
  • الطبيب السماوي الشافي الأعظم، المحب الأعظم في الكون، واقف على باب نفسك ونفسي يطلب الدخول. البعض يغلقون الباب بشدَّة في وجهه, والآخرون يتركونه هناك ببساطة واقفًا بالخارج!
  • ذات مرة قال واحد إن الجحيم في النهاية سيكون هو التأكيد على أن الرب الإله كان واقفًا على باب قلبي طوال حياتي، بينما أنا لم أدعُه للدخول.

تَرْك القبطان خارجًا:

قصَّة:

  • ذات مرة سمعتُ واحدًا يقول إنه كان في طائرة مستعدة للإقلاع, وكانت جميع المقاعد مشغولة, وأُغلِق الباب للتو, وطُلِب من الركاب أن يربطوا أحزمة الأمان، وفجأة صار قرعٌ شديدٌ على باب الطائرة, وهنا اندهشت المضيفة. فتحت المضيفة الباب، فوجدت هناك القبطان يقف مندهشًا على الباب! قال راوي القصة إنه كان يظن أنَّ كل ما يتمنَّاه ليضمن نجاح الرحلة كان متوفِّرًا, ولكن كيف ينتقل أي إنسان إلي مكان آخَر دون وجود القبطان؟ كيف يمكن لأيٍّ منَّا أن يحقِّق كل ما خُلق لأجله ما لم نعرف أن الرب يسوع هو قبطان حياتنا، وندعوه ليُدبِّر جميع أمورنا؟

الله لا يُقحِم نفسه عنوة:

  • كتب مورتون كيلسي:

أنت وأنا يمكننا أن نجعل الله خارج نطاق حياتنا، وليس في هذه الحياة فقط، بل وإلى الأبد.

الله رحيم وكلِّي الكَرَم, ومع ذلك فقد وضع لنفسه حدًّا لا ولن يتخطَّاه على الإطلاق. الله لا يُقحم نفسه في حياة الإنسان، وسيبقى هناك ما لم يكن الإنسان يطلبه، وما لم يكن الباب مفتوحًا، وطالما لم يدعُه الإنسان للدخول.

قلعة نفسك الداخلية هي مِلكٌ لله وهو أعطاها لك, ولكن الله بنفسه لن يدخلها ما لم تريده أنت، وتفتح له الباب مرحِّبًا به, فكل إنسان له أن يغلق حياته في وجه الله حتى لا يدخل إلى الأبد.”

إلزام المحبة:

  • الله يبذل جهده بكل وسيلة لكي يربحنا, ولكن لأنه منحنا حريَّة الإرادة, فهو لا يفرض نفسه علينا أبدًا, كما لا يوجد أبدًا أي إكراه أو إلزام, ولكن في الواقع يمكننا أن نقول إنَّه إن وُجِد إلزامٌ, فهو موجود في محبة الله لنا، تلك المحبة التي دفعته أن يصبح واحدًا منَّا في المسيح، وأن يقف قارعًا على أبواب نفوسنا كمحتاج.
  • وهذا ما كتبه القديس مار افرآم السرياني:

”إنَّ قوة الآب المدفوعة بمحبته, نزلت وحلَّت في بطن العذراء.”

  • خَاطَر الله مخاطرة عظمى حينما خلقنا بحرية الإرادة، لكنه يدرك بوضوح أن الأمر يستحق ذلك, فقد منحنا حريَّة الإرادة حتى نفتح له الباب طوعًا، وندعوه لدخول حياتنا.

هل يغادر إلى الأبد:

  • تساءل طفٌل صغير: “ألا يتعب يسوع أبدًا من الوقوف والقرع خارج الباب؟ ألا يغادر المكان أبدًا؟” والإجابة هي أنَّه لا يغادر أبدًا, وسوف يظل واقفًا هناك حتى يوم موتنا, قارعًا، طالبًا الدخول.
  • ومهما وضعنا لافتات “ممنوع الإزعاج” أو “ممنوع القرع على الباب”, إلاَّ أنَّه سيظل مستمرًّا في قرعه المتواصل. عندما نقرع نحن الباب ولا نجد أية استجابة، فمن الممكن أن نسأم ونغادر المكان، لكن الأمر ليس هكذا مع الرب يسوع, فمحبَّته عظيمة تفوق الوصف, فائقة تفوق الحدود, لدرجة أنه سيظل واقفًا هناك، قارعًا منتظرًا حتى يوم موتنا.

والشيطان يقرع أيضًا:

  • لابد أن ندرك أن الشيطان واقف أيضًا على الباب ويقرع, فنحن نقرأ في (لو 3: 22) «فدخل الشيطان في قلب يهوذا الذي يُدعى الإسخريوطي.» غالبًا ما يُلاقَى الشيطان بترحيبٍ لا يلاقيه المسيح أبدًا, وكثيرًا ما يجد الشيطان البيت مكنوسًا مزيَّنًا، مهيَّأً لدخوله واستقراره, وكثيرًا ما تُرمى الأقفال، ويُلقى بالمفتاح، ويُسمَح بدخول كل الأفكار الشريرة, ويكون الأمر كما لو كان الرب يسوع يرى كل ضيفٍ آخر من الأرض أو الجحيم وهو يدخل, بينما لا يُفتح الباب ليسوع أبدًا، فيبقى واقفًا بالخارج منتظرًا بلا جدوى، ويسمع الصوت: “لا يوجد مكان شاغر.”
  • نحن لدينا مكانٌ وزمانٌ في حياتنا لجميع الأشياء, ولكن ليس هناك مكانٌ أو زمانٌ للربِّ يسوع, فالشيطان مُرَّحبٌ به أكثر من المُخلِّص! ورغم هذا كله، يواصل يسوع وقوفه على الباب في محبة وصبر بلا حدود.
  • عندما طلب كاهن من شخص محتضر أن يتوب، ردَّ عليه قائلاً: “لماذا أتوب؟ ما الأذى الذي سبَّبته له؟” إن أشد أذى يمكن أن نُسبِّبه ليسوع هو أن نتجاهله ونتركه واقفًا بالخارج.
  • كتب ج. أ. شتودر كينيدي A.Studdr Kennedy قصيدة بعنوان: “لا مبالاة” يقول فيها:

”عندما جاء يسوع إلى الجلجثة علَّقوه على خشبة،

سمَّروه في يديه ورجليه، وصنعوا صليبًا،

توَّجوه بتاج من الأشواك،

كانت جروحه حمراء غائرة،

لأن تلك الأيام كانت بدائيَّة قاسية،

وكانت أجساد البشر رخيصة.

وعندما جاء يسوع إلى برمنجهام، فقد تجاوزوه بمنتهى البساطة،

لم يجرحوه على الإطلاق،

بل سمحوا له فقط أن يموت!

فالناس قد أصبحوا أكثر رقَّة،

فلا يمكن أن يسبِّبوا له الألم،

فاكتفوا بعبورهم الشوارع،

تاركينه خارجًا في وسط الأمطار.

كان يسوع لا يزال يصرخ:

«اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون».

كانت السموات لا تزال تمطر أمطارها الشتوية،

تلك التي جرفته بعيدًا،

وعادت الجماهير إلى بيوتها تاركةً الشوارع خالية من البشر،

فاستند يسوع على جدار صارخًا من العذاب وآلام التـرك والإهمال والتجاهل واللامبالاة.“

  • إن كانت اللامبالاة تجرحنا نحن، فكم بالحري تجرح إله المحبة؟! أن تُحَب أو أن تُكرَه هذا شيء، أمَّا أن يتجاهلك الآخر أو يعبُر عنك كأنك غير موجود, فهذا شيءٌ آخر تمامًا, فنحن في الواقع نُفضِّل أن نكون غير محبوبين, ولا نُفضِّل لا مبالاة الناس بنا.
  • قد تقول امرأة عن زوجها: “إن كان لا يقدر أن يحبَّني, فليقُل لي إنَّه يكرهني”, فهذا أفضل من أن يتجاهلني.
  • قد تتساءل: “ما الأذى الذي سبَّبته ليسوع؟” لو كنتَ قد تجاهلتَ يسوع طوال حياتك، وتركته واقفًا بالخارج، ولم تستجب للقرع والصوت، فأنت بذلك تكون قد سَبَّبتَ له أشد الأذى.
  • سوف يحترم الرب يسوع حرية اختيارنا، وسيسمح لنا أن نقضي الأبدية بدونه، وحيدين, وربما يكون هذا هو معنى الجحيم!

مسكنًا لإله يعقوب:

  • كتب مارتيريوس Martyrius  أحد رهبان القرن السادس:

«أقسمنا لإله يعقوب ألاَّ نعطي وسنًا لعيوننا، ولا نومًا لأجفاننا، حتى نجد مقامًا للرب في نفوسنا، مسكنًا لإله يعقوب» (انظر مز 5،4:132) ليسكن داخل قلوبنا. لن نتوقَّف عن السهر, والصلاة, والعمل, والجهاد حتى يُسرَّ الرب بنفوسنا، ويختارنا كالمكان الذي يحل فيه قائلاً: «هذه هي راحتي إلى الأبد. ههنا أسكن لأنِّي اشتهيتها.” (مز14:132)

إن مكان راحة الرب إلى الأبد, والذي يشتهي أن يسكن فيه, هو نفسك.

 

لا تتركه واقفا على الباب ف3 – الفردوس بين يديك – الأب أنتوني م. كونيارس

Exit mobile version