الخسارة الفادحة ف13 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

الخسارة الفادحة ف13 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

الخسارة الفادحة ف13 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

 

اقرأ وافهم
روايات إيمانية

الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

الفصل الثالث عشر: الخسارة الفادحة

          وبينما تحرك موكب الموت وهو يضم يسوع في أحشائه نحو قصر بيلاطس ، صار يهوذا كثور هائج ، وهو يرى نتيجة تصرفه الأحمق 00 تصوَّر سيده مصلوباً على ربوة عاليه كأحد المجرمين ، فلم يحتمل ، وثارت داخله لجج الذكريات وإحسانات يسوع له ، فصارت كنار حارقة تشعل جوفه 00 ربما كان يهوذا يتصوَّر أن معلمه سيصنع معجزة عظيمة ويخلص نفسه ، وبهذا يدفعه دفعاً لإعلان قوته وجبروته وملكه ، وربما تصوَّر أنهم سيؤدبونه ويطلقونه ، وكل هذا لم يحدث 00 لقد سمح يهوذا للشيطان أن يُعمي بصيرته ، أما الآن فقد إنفتحت عيناه بدون إرادته على منظر البرئ المُساق للموت ، فلم يطق ولم يحتمل ، ولاسيما أنه لوقته عاد من الهيكل بعد أن فشل في إلغاء الصفقة التي عقدها أول أمس 00

          لقد إلتقى في الهيكل بالكهنة وصرخ فيهم : هذه فضتكم خذوها 00 وإطلقوا ذاك البرئ0

  • ماذا تقول ؟
  • إنني أخطأتُ إذ سلمتُ دماً بريئاً0
  • هذه مشكلتك يارجل 00 ماذا علينا ؟ 00 أنت أبصر بأمرك 0 ألم تفعل هذا بكامل حريتك وإرادتك ؟
  • أخطأت 00 هوذا الفضة 00 إطلقوا البار0
  • نحن لم نذهب إليك 00 أنتَ أتيتَ إلينا برجليك 00 أين كان عقلك ؟!
  • إنه برئ 00 برئ 00 لابد أن تطلقوه 00 لابد أن يُطلق 00 هوذا فضتكم 00 لا 00 لا تقتلوه 0
  • نحن لا نريد فضة ثمن دم 00 لتكن فضتك معك 00 ألاَّ يكفيك شرفاً أنك سلمت لنا ذاك المجدف الأثيم 0
  • كلاَّ 00 كلاَّ 00 إنه بار 00 إنه صادق ، ويجب أن تصدقوه 00 لم يكذب قط ، ولم يفتري قط0

وإذ ضاق به الكهنة ذرعاً زجروه : إنصرف يايهوذا 00 أغرب عن هذا المكان وإلاَّ تصرفنا معك0

يهوذا : كلاَّ 00 إنه برئ من جميع التهم 00 أنا أشهد ببراءته 00 فلماذا تحكمون عليه ؟!ولما تقتلونه ظلماً ؟!!

  • ألم تدينه أنت يايهوذا منذ أمس وأول أمس ، فماذا دهاك 00 ما الذي حوَّلك هكذا ؟

وإذ دفعوه بعيداً ألقى بالفضة في وجوههم ، فتدحرجت قطع الفضة ترن على الأرض ، ومع صدى الرنين ترددت أصوات الشياطين تبكته :

كيف ترد الفضة يامحب الفضة ؟

كيف تتخلى عن المال ياعابد الأموال ؟!

إنها محاولة يائسة بائسة يايهوذا 00 أتريد أن تطوح بمسئوليتك عن الدم الزكي ؟! 0

          وبينما إنطلق يهوذا لم يجرؤ كاهن على لمس هذه الفضة لئلا يتنجس ، فهي ثمن دم0 ثـم تجرأ أحد اللاويين من محبي الفضة ، فجمعها ووضعها في أحد أركان الحجرة إلى أن يتم البت في أمرها ، وتشاور الكهنة معاً : ماذا نفعل بهذه الفضة ؟

قال أحدهم : لا يمكن أن ندخلها إلى خزينة الهيكل لأنها ثمن دم 00

قال آخر : ولا يصح أن نقتسمها لأنها ثمن دمٍ0

قال ثالث : ولا يصح أن نوزعها على الفقراء والمحتاجين0

وقال رابع : ولا يصح أن نشتري بها بخوراً لأنها ثمن دمٍ0

عجباً 00 إنهم لا يقبلون دخول الفضة إلى خزينة الهيكل ويحللون إهدار الدم الزكي0

          وأخيراً قال أحدهم : إن الغرباء الذين يأتون في الأعياد وتُقبض أرواحهم ، بدلاً من أن يزاحموننا في مقابرنا نشتري لهم مقبـرة خاصة بهم ، ووجد هذا الإقتراح إستحساناً من بقية الأموات 00

حقاً إن بني حث كانوا أشرف من هؤلاء الكهنة ، فعندما أراد إبراهيم أن يدفن أمهم سارة عرض عليه بنو حث أن يدفنها في أفضل قبورهم قائلين ” إسمعنا ياسيدنا أنت رئيس من الله بيننا 0 في أفضل قبورنا أدفن ميتك ” ( تك 23 : 6 ) أما هؤلاء الكهنة فيرون أن أخوتهم من يهود الشتات لا يستحقون أن يُدفنوا في قبورهم0

          طرح يهوذا الفضة في الهيكل وهام على وجهه لا يعرف إلى أين ؟ 00 أخذ يسعى بقدمين غليظتين إلى حيث لا يدري 00 لقد لفته أفكاره المتشابكة كإكليل شوك ، ففقد إتزانه ، وإضطربت ضربات قلبه حتى باتت مسموعة ، وأخذ يركض بعض الشئ وهو يلهث ، حتى وصل إلى منحدر بأحد أطراف جنوب المدينة عند إلتقاء وادي قدرون مع وادي هنوم 00

هناك شجرة ضخمة على حافى المنحدر ، هبت عليها نسمات الربيع الرقيقة فداعبت أوراقها الخضراء اللامعة المملوءة حياة ، وإذ شعر يهوذا إنه يختنق ، دفعه شيطانه للصعود أعلى الشجرة علَّه يلتمس منها نسمة حياة ، فصعد وجلس في العلاء ، ولكن ضميره الثائر أوقد له جحيماً لا يُطاق : أنا المذنب 00 أنا المجرم 00 يالحظك العاثر يايهوذا 00 أتُسلم سيدك للموت ؟! 00 اليد التي إمتدت لك بالخير أتُدق بالمسمار ؟! 00 الأرجل التي جالت أرض إسرائيل تصنع خيراً أتُدق بالمسمار ؟! 00 ماذا فعلتُ ؟! 00 كيف فعلتُ ؟! 00 لماذا فعلتُ ؟! 00

وثار يهوذا ثورة شيطانيَّة ضد نفسه ، لم يقدر أن يلتمس لها عذراً ، ولم يقدر أن يصفح عنها ، وإذ وصل إلى أقصى درجات الحقد على نفسهِ ، أصدر حكمه السريع عليها بالشنق 00 نعم الشنق ، ولم تشفق عليه شياطين اليأس وصغر النفس ، إنما صارت تصرخ : تلميذ ساقط 00 عبد خائن 00 باع سيده بثلاثين فضة وإذ هي نحاس 00

          أخذ يهوذا يتحسَّس وسطه 00 نزع الحزام الحريري الثمين الذي إشتراه بالمال الحرام ، وإذ ظن أن الموت يريحه من عذاب جحيم الضمير ، لف طرف الحزام على رقبته ، وربط الطرف الآخر في فرع من فروع الشجرة ، وأطاح يهوذا بنفسه فتأرجح قليلاً ، وإذ كان بديناً ، وإكتظ جسمه الثقيل باللحم والشحم ، إنشق فرع الشجرة القوي عن الأصل وسقط ، تماماً كما إنشق يهوذا عن جماعة القديسين وهوى 00 هوى وإرتطم بالأرض التي إفترشت ببعض الصخور الصغيرة والحصى ، فإنشقت بطنه ، وإندلقت أحشاؤه ، وصارت دمائه بِركة رقصت حولها الشياطين رقصة الموت وهي تنتزع روحه من جوفه ، وتزفها في سخرية وشماتة ما بعدها شماتة : أرأيتم مثل هذا التلميذ الخائن ؟! 00 لقد عقد صفقة الهلاك ليُهلِك مُعلّمه ، فهلك هو 00 حفر حفرة لمُعلّمه ، فسقط فيها 00 هوذا الإنسان اللص السارق الذي خان الأمانة 00 هوذا المرائي الذي تظاهر بالحب وقلبه يفيض بالحقد تجاه مُعلّمه وبقبلة غاشة قد أسلمه 00 تباً لك يايهوذا ياإسخريوطي 00 دعوه 00 دعوه يجوز من بوابة الخيانة إلى باب الجحيم ، وليتبعه طابور يهوذا كل عصر 00

          وتحققت في يهوذا نبؤة داود ” فأقم أنت عليه شريراً وليقف شيطان عن يمينه 0 إذ حُوكم فليخرج مذنباً وصلاته فلتكن خطية 0 لتكن أيامه قليلة ووظيفته ليأخذها آخر ” ( مز 109 : 6- 9) 00 ” لتصر دارهم خراباً وفي خيامهم لا يكن ساكن ” ( مز 69 : 25) 00 ولم يجد يهوذا من يبكيه 00 حقيقة لو كان سيده هنا لبكاه 00 حسرة عليك يا تلميذ الحمل !! 00 ما أعظمها خسارة 00 إنها خسارة لا تُعوَّض0

واحسرتاه عليك يا تلميذ الحبيب !! 00 كم هو عظيم حزن سيدك عليك ؟!

ياللي الخسارة الفادحة !! 00 تلميذ صنع المعجزات وطرد الشياطين يسقط هكذا !!

ياللي الهول !! تلميذ كان من الممكن أن يكسب الآلاف للملكوت تنتهي حياته هكذا !!

          دعونا نبكي يهوذا ، وكل يهوذا يبيع سيده ، من أجل حفنة تراب ، أو شهوة جامحة ، أو شهرة عمياء 00 إن منظر يهوذا غارقاً في دمائه لهو أقوى إنذار لكل من هو قائم لئلا يسقط 00

          وبعد أن سقط تلميذا كهذا من جماعة القديسين ،  لن نندهش كثيراً إذا رأينا في أي مجتمع كنسي عضواً يبيع نفسه للشيطان ، ولم يعد عجيباً إذا رأينا نجماً لامعاً يتعرض للافول لأجل عناده0

          وسرعان ما إنتشـرت الأخبار 00 حادثة 00 حادثة إنتحار ، وليست حادثة قتل ، فالحبل الحرير الملفوف على الرقبة وفي طرفه الآخر فرع الشجرة المكسور يشهدان بهذا ، وليس أحد يجرؤ أن يدَّعي أن التلاميذ هم الذين قتلوا يهوذا جراء خيانته ، لأنهم يعيشون لحظات لا تسمح لهم بهذا 00 إنهم يفرُّون لحياتهم من الموت 00 نعم إنهم هاربون من الموت0

          ولو تساءل أحد : إن كان يهوذا ندم إلى هذه الدرجة على خطيته فلماذا لم يَخلُص مثلما خَلص بطرس ؟

          والحقيقة أن هناك بوناً شاسعاً بين الإثنين :

1- رتب يهوذا لخطيته في هدوء وإصرار ، ولم يكترث بكل إنذارات مُعلّمه 00 لقد بيَّت النية على الخيانة ، وإرتكب الذنب مع سبق الإصرار 0 أما بطرس فقد باغتته الخطية ، وبسبب الخوف والضعف البشري سقط0

2- قلب يهوذا مُفعم بالخيانة 0 أما قلب بطرس فهو مُفعم بالحب لسيده ، فخطية يهوذا صدرت من قلب شرير إستراح للشر وتلذَّذ به 0 أما خطية بطرس فهي خطية ضعف من قلبٍ محبٍ يسعى أن يكون مُخلصاً وأميناً لسيده0

3- رأى يهوذا أن يسوع لابد أن يموت ، ورأى بطرس أن يسوع لابد أن يعيش0

4- إرتضى يهوذا أن يهجم الغوغاء على مُعلّمه ليقبضوا عليه في قسوة وشراسة وكان يُحرّضهم 0 أما بطرس فلم يطق أبداً أن يرى ملخس يمد يده في قسوة ويمسك بسيده0

5- حزن يهوذا على نفسه وعلى مظهره الذي بات قبيحاً كتلميذ خائن ، وكانت ثمرة هذا الحزن الموت 0 أما بطرس فخزن لأنه جرح حبيبه ، وكانت ثمرة هذا الحزن حياة0

6- ندم يهوذا دفعه بعيداً عن يسوع 0 أما ندم بطرس فقد ألقى به في أحضان يسوع0

7- نـدم يهوذا كان خالياً من روح الرجاء ، فولَّد إكتئاباً ويأساً ، ورغبة عارمة في قتل النفس 0 أما ندم بطرس فإمتزج بروح الرجاء ، فولَّد في النفس مرارة ، وفي العين دمعاً ، وفي القلب إنكساراً ولوعة0

8-  لقد أحبَ يسوع هذا وذاك 00 أحبَ يهوذا وعاتبه مرات بلغة الحب ، وأحبَ بطرس وتدخل في حل مشكلته التي كادت أن تودي بحياته ، وإستفاد بطرس دون يهوذا بمحبة المُعلّم 0

 

الخسارة الفادحة ف13 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

إيه ياسنهدريم ف12 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

إيه ياسنهدريم ف12 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

إيه ياسنهدريم ف12 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

 

 

اقرأ وافهم
روايات إيمانية

الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

الفصل الثاني عشر: إيه ياسنهدريم !!

 

الآن الخامسة صباحاً من يوم الجمعة ، ومع بزوغ أول ضوء للصباح ، كانت المدينة أورشليم قد إستيقظت، لكيما يتمتع الوافدون إليها ببكور اليوم ، وفي ذلك الوقت المبكر كانت أبواب الهيكل الأربعة والعشرين قد فُتحت على مصراعيها ، وصار الهيكل يموج ببحور من البشر الذي أتوا من كل حدب وصوب ليقدموا عبادتهم ويُصعدوا محرقاتهم ، وفي لحظات كان الزحام على أشدَّهُ في الهيكل ، حتى إن الذين صحبوا أطفالهم إضطروا إلى حملهم فوق الأكتاف خوفاً من الأذى 00 البعض يتمتم بكلمات الصلوات والتضرعات والطلبات ، والآخر يطلق عبارات الإعجاب بجمال الهيكل الذي فاق الخيال.

فقد بنى سليمان الحكيم هذا الهيكل في الشهر الثاني من السنة الرابعة لملكه على جبل المريا ، وقال يوسيفوس المؤرخ اليهودي إن الهيكل بُني بحجارة ضخمة ، وتعرض للهدم على يد نبوخذ نصر 0 ثم أُعيد ترميمه بعد العودة من السبي ، وأيضاً أُعيد إصلاحه وترميمه على يد هيرودس الكبير الذي حاول إستمالة اليهود إليه ، وإشتغل في ترميمه آلاف من العمال المهرة ، وأكمل خلفاء هيرودس العمل وتزيين الهيكل ، ولذلك قال اليهود للمعلم أنه بُني في ستة وأربعين سنة ، وشمل الهيكل أربعة ديارات ، دُعيت الأولى ” دار الأمم ” ، وسُمح للأمم بالدخول إليها ، حتى إنك تجد فيها موائد الصيارفة وأقفاص باعة الحمام ، ولم يسمح لغير المؤمنين بتجاوزها إلى الداخل ، وفي هذا الدار مدرسة أو مجمع لعلماء الهيكل ، وهو المكان الذي إلتقى فيه يسوع مع الشيوخ وسألهم وكان له من العمر إثنى عشر سنة ، وبهذه الدار غرف لسكنى اللاويين ، ويحيط بها أروقة ، وفي إحدى هذه الأروقة كان يخاطب يسوع الشعب 0

والدار الثانية هي ” دار النساء ” ودُعيت هكذا لأنه لم يكن مسموحاً للنساء بتجاوزها إلى الداخل ، وكانت النساء تدخلن هذه الدار لتقديم قرابينهن ، وكان بها ثلاثة عشر صندوقاً للتبرعات ، وفي إحدى هذه الصناديق وضعت الأرملة فلسيها ، فمدحها المُعلّم لأنها أعطت كل ما تملك 00 وهي مرتفعة عن دار الأمم بمقدار تسع درجات ، وكان يفصل بين الدارين جدار بإرتفاع ذراع واحد ، وقد أقاموا عليه عموداً من الرخام كتبوا عليه باليونانية واللاتينية أن من جاوز هذا الجدار إلى الداخل من الأمم يُقتل 0

والدار الثالثة هي ” دار إسرائيل ” ، وهي مرتفعة عن دار النساء بمقدار خمسة عشر درجة ، وفصل بينها وبين الدار الثانية جداراً إرتفاعه ذراع واحد به ثلاثة أبواب ، وهذه الدار خُصصت لذكور بني إسرائيل ، أما الدار الرابعة فهي ” دار الكهنة ” وتقع شرق دار إسرائيل ، وفيها مذبح المحرقة والمرحضة ، ومن دار الكهنـة يصعدون إثنى عشر درجة إلى القدس وقدس الأقداس ، وفـي مدخـل الهيكل عمودان أحدهما بإسم ” ياكين ” والآخر بإسم  ” بوعز ” ويبلغ إرتفاع كل منهما ستة أمتار ، يعلوه التاج النحاسي الذي يبلغ إرتفاعه نحو متران ونصف 0 أما منظر الهيكل من الخارج بإرتفاعه الشاهق فهو يشد الإنتباه ويُبهر الأنظار ، ويبرز من واجهة الهيكل أشواكاً من ذهب تمنع الطيور أن تحط على الواجهة لئلا تلوثها بفضلاتها0 وطول القدس ستون قدماً وعرضه ثلاثون ، ويحـوي مذبح البخور ومائدة خبز الوجوه والمنارة الذهبية 0 أما قدس الأقداس فمساحته مربعة و طول ضلعه ثلاثون قدماً ، وحوى في أحشائه تابوت العهد وفيه لوحي العهد وقسط المن وعصاة هارون ، ويفصل بين القدس وقدس الأقداس حجاباً من سجف بلون أبيض علامة النقاوة ، واسمانجوني رمز السمو ، وإرجواني علامة المُلك ، وقرمزي بلون الدم ، وأمام الحجاب كان هناك حاجزاً عبارة عن سلسلة ضخمة من الذهب الخالص ، لا يعبر منها إنسان إلاَّ رئيس الكهنة يوم عيد الكفارة فقط 0

وفي هذا الصباح الباكر ضرب الكهنة بالأبواق الفضية ثلاث مرات يعلنون بدء خدمة الصباح ، فقد ظلت النار مشتعلة على المذبح طوال الليل في ذبيحة المساء ، وها الآن يجب أن تظل مشتعلة طوال النهار في تقدمة الصباح ، وينبغي ألا تطفأ 00 تقدم أحد الكهنة الذين وقعت عليهم القرعة لأداء خدمة هذا اليوم ، فقبض على الحمل الوديع ، وأرقده أرضاً وبجرة واحدة من الشفرة الحادة صار دم الحمل يتدفق في الإناء الذهبي الذي أمسك به كاهن آخر شريك في الخدمة ، فأسرع وسكبه على حجارة الهيكل ، لأنه بدون سفك دم لا تحصل مغفرة00

وفي هذا الوقت ترى عدداً كبيراً من الكهنة واللاويين ينظفون الهيكل من كل ذرة تراب علقت بالجدران التي كُسيت بخشب الأرز المغشي بالذهب ومنقوش عليها قثاء وبراعم زهور ونخيل وكروبيم ، والمنارة الذهبية أو مذبح البخور ، بينما وقف أحد الكهنة يرفع البخور أمام مذبح البخور00

عجباً ياربي 00 لقد بنى لك شعبك هيكلاً بهذه العظمة والمجد والبهاء ، وهوذا رب الهيكل قائم يحاكمونه 00

عجباً ياربي 00 كم من الذبائح قدم شعبك ، وهم لا يدرون أن كل هذه الذبائح إنما تشير للذبيح الأعظم الذي وضع ذاته في أيديهم منذ سويعات ، ولن تمر ساعات أخرى حتى يُذبح على الصليب ويقطر دم الحمل قطرة قطرة 00

أما المحلات التجارية فقد فتحت أبوابها من الصباح الباكر لتلبي طلبات الوافدين ، وهوذا أصحابها يرتبون ويعرضون بضائعهم بصوُّر مغرية ، فاليوم هو أهم أيام السنة من الناحية التجارية ، وعلى هذه المحلات إغلاق أبوابها قبل غروب الشمس ، إستعداداً لعيد الفصح العظيم ، وصارت الشوارع تموج بالبشر منذ الصباح الباكر ، والقلوب فرحى ، والوجوه مستبشرة بهذه الأيام المقدَّسة ، ولا يعكر الصفو إلاَّ رؤية جنود الإحتلال وهم يستعرضون قوتهم ، حتى وإن كانوا يحفظون الأمن والنظام ، لكن الشعب لا يطيق رؤيتهم ، ولاسيما بجوار الأماكن المقدَّسة ، فإنهم يرسمون أمام أعينهم سلطة وسطوة وإستعمار روما ، فأثاروا لديهم مكامن الإشتياقات لمجئ المسيا الذي سيُحرّرهم من روما ، ويجعل أورشليم سيدة ممالك الأرض كلها 00 إنهم يمنُّون أنفسهم بأيام المسيا الرائعة ويطوّبون من يعيش ليراها ، وهم لم يدركوا أن المسيا قد جاء ، وهوذا هو قائم يُحاكم في قصر رئيس كهنتهم0

وفي هذا الصباح الباكر أيضاً بدأ أعضاء مجمع السنهدريم يتدفقون على بيت رئيس الكهنة ، متجهين إلى صالة الإجتماعات ، وكل منهم يأخذ مكانه سريعاً ، أما حنان وقيافا فلم يذوقا النوم في هذه الليلة السعيدة الغبراء ، وسريعاً ما حضر كل أعضاء المجمع ، بالإضافة إلى لفيف من الكهنة وحرس الهيكل ، وكأن هناك إحتفالاً عظيماً أو مظاهرة ضخمة 00 إجتمعوا لكي يقرّروا ما سبق أن أصدروه منذ ساعات قليلة من خلال جلسة غير قانونية0

قال حزائيل ليهورام : متى يعود إلى هذا المجلس مجده ؟!

يهورام : لقد صار مجلساً بلا سلطة ، ففقد كرامته 00 منذ عشرين عاماً سلب منا الرومان سلطة إصدار حكم الإعدام00 لقد مُنعنا مـن الإجتماع في ” الجازيت ” الدار المخصصة للسنهدريم ، ولا يجوز إصدار حكم الموت على أحد خارج دائرة الجازيت هذه0

حزائيل : عندما إحتل الرومان دولتنا منذ نحو ستين عاماً ( سنة 63 ق0م ) وجدوا أنها دولة عريقة لها قوانينها ودستورها وشرائعها ومحاكمها ومجمع السنهدريم الذي هو فوق الكل 00 حينئذ تركونا ندبر شئون أمتنا ، وكان لمجلسنا الموقر الحكم في الأمور بحسبما ترى الشريعة والعدالة 0 إلى أن جاء اليوم الأغبر عندما نزع هؤلاء الغلف من المجلس سلطة أحكام الإعدام ، في السنة الحادية عشر من حكم أرخيلاوس بن هيرودس الكبير0

يهورام : إنني أذكر ذلك اليوم ياخزائيل وكأنه اليوم 00 لبسنا المسوح ، وذرينا الرماد على رؤوسنا ، وبكينا بمرارة ، لأنه قد زال قضيب الحكم من يهوذا قبل أن يأتي المسيا ” لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون (رجل السلام) وله يكون خضوع الشعوب ” (تك 49 : 10) 0

          ولم يدرِ يهورام ولا حزائيل أن الداخل عليهم الآن هو هو شيلون رجل السلام 00 دخل يسوع يمسك به جنديان ، والإعياء وآثار التعذيب الوحشي واضحان عليه ، ووقف أحد الأعضاء يعرض التهم الموجهة ليسوع : هذا هو الناصري المُجدّف الذي إدَّعى أنه إبن الله ، وهو يصر على أقواله 00

أخذ الجالسون يهزون رؤوسهم ويتحسَّسون ذقونهم علامة الإستحسان0

          نظر أحد الشيوخ إلى يسوع بخبث زائد ، مُريداً أن يُثبّت التهمة عليه ، فالخوف كل الخوف من تراجع يسوع عن شهادته ، عندئـذ تكون الطامة الكبرى 00 سأل يسوع وكأنه يريد أن يستفسر : إن كنت أنت المسيح فقل لنا 0

فالسؤال في ظاهره : قل لنا إنك أنت المسيح لنؤمن بك ، أما في باطنه : قل لنا لنقتلك 0

وكتموا أنفاسهم ، ربما غيرَّ يسوع رأيه تحت وطأة العذابات 00

وقال حنان في نفسه : هل كانت تلك العذابات ضرورية ؟! 00 هل هذا وقتها ؟! 00 ألاَّ صبراً ياآل يعقوب 00

وأجابهم يسوع فاضحاً نواياهم الخبيثة : إن قلت لكم إنني المسيح لا تصدقون 0 وإن سألتكم لا تجيبوني ولا تطلقونني0

ولم يرد أحد على ما قاله المعلم ، ولم يناقشوه فيما يقول ، ولم يجرؤ أحدهم على القول إننا على إستعداد أن نصدقك ، أو إسألنا ونحـن نجيبك 00 بل إستمروا في خبثهم ليثبتوا عليه التهمة فسألوه : أفأنت إذاً إبن الله ؟

          ومريح التعابى أراحهم وقدم لهم ما يشتهون على طبق من الفضة : أنتم تقولون إني أنا هو 00 هكذا أنا هو كما تقولون تماماً00 لم يتخاذل يسوع أمام جلاديه ، ولم يهادنهم ولم يداهنهم00

وضحك قيافا ضحكته الساخرة ، وإهتزت عمامته بإهتزاز رأسه ، وقد تنفس الصعداء وقال : ألم أقل لكم إن الأسير العنيد لن يُغيّر رأيه ، ولا يقبل نصحاً ولا إرشاداً ممن هم أكبر منه وأعلم بالأمور0

وهمس أحد الأعضاء : لو كان هذا الإتهام صحيحاً فلماذا تركوه كل هذا الوقت ؟! 00 أليس بهذا يثبتون على أنفسهم أنهم غير أمناء على مصالح هذه الأمة ؟!

نظر قيافا إلى الأعضاء وسألهم : وما رأيكم الآن ؟

 

          وهكذا كانت المحاكمة الثالثة سريعة لهذه الدرجة ، وبدأ أخذ الأصوات في إدانة يسوع ، فأجمع الكل على ذلك ، بإستثناء حفنة صغيرة جداً جداً ، منهم نيقوديموس ، ويوسف الرامي ، وسمعان الأبرص ، وإناس 0

          وهكذا أراد قيافا بهذا الإجتماع سد ثقوب ثوب الظلم الذي إرتداه ، وقد أظهر من عريه أكثر مما ستر ، فأي قضية وُضع فيها قرار الإدانة قبل نظرها كمثل تلك القضية ؟! 00 كم كان السنهدريم ألعوبة في يدي حنان وقيافا يسخرانه لأغراضهما الخبيثة ؟! 00 حقاً إنهم يصوّرون العدالة بامرأة معصوبة العينين وبيدها ميزان ، في العدالة تجد الرقة إذ لها قلب إمرأة ، وإذ هي معصوبة العينين فلا تحابي بالوجوه 00 أما مجلس السنهدريم فبماذا نصوّره وبما نشبهه ؟! 00 أنشبههه بغراب ينعق ، أم نشبههه بذئب ينشب مخالبه في جسم الفريسة وهو يسألها هل أنت بريئة ؟ 00 ألست أنت مُدَانة ؟!

          وكان القصد أيضاً من هذه الجلسة إعداد الأوراق لإحالة القضية لجهة الإختصاص أي السلطات الرومانية ، لأنه ليس للسنهدريم سلطة لإصدار حكم الإعدام على أحد ، فكل ما فعلوه للآن كان بقصد الوصول إلى قرار موحَّد يقدمونه إلى الحاكم الروماني الذي في يده السلطة الحقيقية 00 فلماذا كل هذه العذابات التي جاز فيها المتهم البرئ ؟!! 00 تُرى لو أفرج عنه بيلاطس هل كانت هذه القيادات الدينية ستقدم إعتذارها لهذا الإنسان البار ، أم أنها كانت ستعيد كرَّتها ثانية وثالثة ؟!! 00 على كل فإن المحاكم الرومانية تختلف عن اليهودية ، فما يُحرّمه الآخر ويعتبره جرماً قد يُحلّله الآخر ، فمثلاً جرائم التجديف وكسر السبت التي توجب القتل بالنسبة للمحاكم اليهودية لا تهتم بها المحاكم الرومانية ، والثورة على السلطة الرومانية التي تُجرّمها المحاكم الرومانية ، ترى فيها المحاكم اليهودية إنها ضرب من البطولة ، ولذلك فإن أشد ما كان يخشاه قيافا هو ألاَّ يقتنع بيلاطس بالتهم الموجهة للأسير ، فيطلق سراحه ، وتكون الطامة العظمى ، فتصير أوآخر السنهدريم أشرَّ من أوائله0

          ومع أن بيلاطس قد أعطى وعداً بالتعاون في هذا الأمر ، ولكنه غير مأمون الجانب ، ولاسيما أن الجو بينه وبين القيادات اليهودية ملبّد بالغيوم ، ولهذا فكَّر حنان مع قيافا في دفع مظاهرة ضخمة تضم كل الحاضرين مع من يمكن تحريكه من الشعب للضغط على بيلاطس 00

وتحركت المظاهرة تحيط بيسوع موثقاً ولا يكاد يُرى 00 إنه موثـق مثـل الذبيحة ” أوثقوا الذبيحة بربط إلى قرون المذبح ” ( مز 118 : 27 ) 00 كل من يراهم يظن أنه موكب ديني من طقوس الإستعداد لإحتفالات الفصح ، لأنه ضم رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيين وحرس الهيكل ، وإنضم إليهم الكثيريون وهم لا يعلمون إلى أين يذهبون ، وساروا مسافة تتعدى الكيلو متر إلى قلعة أنطونيا الواقعة شمال الهيكل0

          ولنا أن نتساءل لماذا قُدم يسوع لبيلاطس ” 1- لكي يصدر الحكم بموته بطريقة شرعية حسب دستور البلد كمستعمرة رومانية0

2- لو لم يقدم للمحاكمة الرسمية لتحوَّل الأمر إلى شغب ولم يكن يُصلب ، إذ هذا من حق الوالي وحده ، إنما لرجمه المشاغبون ولم تتحقَّق النبؤات0

3- ربما خشيت القيادات اليهودية الدينية من ثورة الشعب عليهم ، لذلك حسبوا أن محاكمته الرسمية تعطيهم شيئاً من الشرعية ، وضبط الشعب إن إنقلب عليهم0

4- لكي يصبغوا موته بصبغة العار والفضيحة ، فكان الصلب مستخدماً عند الرومان ، وهو أكثر أنواع الموت خزياً ، فقد أرادت القيادات أن تفسد سمعته تماماً وتطمس كل شهرته ” (16)0

(16)  المرجع السابق ص 1165

 

إيه ياسنهدريم ف12 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

ورأيت الجور في بيت العدل ف11 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

ورأيت الجور في بيت العدل ف11 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

ورأيت الجور في بيت العدل ف11 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

اقرأ وافهم
روايات إيمانية

الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

الفصل الحادي عشر: ورأيتُ الجور في بيت العدل

 

          إنتهت المحاكمة الثانية ، وكان يمكن للمعلم أن يطعن في كـل من المحاكمة الأولى والثانية ، بسبب المخالفات الصارخة ومنها :

1- عندما لطمه الخادم في المحاكمة الأولى كان له الحق أن يطالب بمحاكمة هذا الخادم0

2- الطعن في إجراءات القبض عليه التي تمت بأوامر رؤساء الكهنة دون أن يكون هناك مشتكين ولا شهود حقيقيين ، والرشوة التي دُفعت ليهوذا لكي يسلمه إليهم0

3- تمت المحاكمتان ليلاً ، بينما القانون يُحرّم عقد مثل هذه المحاكمات تحت جناح الظلام 0

4- النطق بالحكم ، لأن القانون يُحرّم النطق بالحكم في ذات الجلسة التي يُحكم فيها على المتهم بالإعدام 0 بينما أجاز القانون النطق بالحكم في ذات الجلسة إذا كان بالبراءة 0

5- شهود الزور ، والمطالبة بمحاكمتهم والحكم عليهم0

6- موقف قيافا الذي ظهر بدور المُشتكي أحياناً والقاضي أحياناً0

          هذا ما نعرفه نحن بحسب تصور فكرنا 0 أما بحسب تفكير المُعلّم ، فإن المخالفات لا تُعد ، فربما كل جملة نُطقت كان بها خطأ أو أكثر 00

          وحكم رؤساء الكهنة وأعضاء المجلس على يسوع بأنه مستوجب الموت ، وفي إنصرافهم إنحطوا إلى الدرجة التي نسوا فيها أنفسهم ومراكزهم ، فمنهم من لكمه ومنهم من بصق في وجهه ، وأكثرهم أدباً أطلق الضحكات في وجهه هازئاً به0 وبتصرفاتهم هذه أعطوا الضوء الأخضر للخدم والعبيد والحرس ليفعلوا ما يريدون بحسب هواهم وبحسب مستواهم الأخلاقي المتدني ، وصنع الشيطان وليمة لذبانيته حول يسوع ، إذ دفع بالخدم والعبيد والحرس ، فصاروا يرقصون مثلما رقص الفلسطينيون حول شمشون في القديم ، ولكن ما أعظم الفارق بين يسوع وشمشون ؟! فيسوع هو القدوس الطاهر الذي بلا خطية وحده ، أما شمشون فهو الذي سلم نفسه لدليلته ، التي قادته إلى العمى والسخرية 00

          وأخذوا يشتمون يسوع ، ويبصقون في وجهه ، ويلكموه لكمات قوية ، ويدورون حوله وسط ضحكات شيطانية هستيرية تشق صمت الليل وهم يسخرون منه : تنبأ لنا أيها المسيح من لطمك ؟! 00

ألستَ أنتَ صانع المعجزات ؟! 00

لماذا لا تدفع عنك الأذى إن إستطعت ؟! 00

لماذا لا تُنزل علينا ناراً من السماء لتلتهمنا معاً ؟! 00

أين قوة سحرك وخداعك يا إبن المبارك ؟! 00

لِمَ لا تأمر الأرض فتفتح فاها وتبتلعنا ؟! 00 هيا يايسوع 00 إفعل شيئاً إن قدرت0

إنهم يبصقون في وجهه 00 مُنتهى الإستفزاز ، إن كان البصق على الأرض أمام إنسان يُعتبر إهانة لكرامته للدرجة التي يحاول أن يثأر فيها لكرامته الجريحة ، فكم وكم البصق على الوجه ؟!! 00 وأي إنسان حتى لو إقترف خطيئة شنعاء يبصقون على وجهه ويصمت ؟! فما بالك بالقدوس الطاهر الذي بلا خطية يحتمل كل هذا 00 من أجلي 0

إنهم يكيلون له اللكمات ، فلا يدفعها ، ولا يحاول تفاديها 00

لكمات وحشية تصيب الوجه والصدر والبطن من رجال أقوياء مفتولي العضلات وعبيد شرسين 00

كل لكمة تسبب ألماً وأحياناً تترك أثراً ، ولاسيما لكمات الوجه التي أسالت الدماء من الوجه الطاهر 00

تحمل يسوع كل هذا لكيما يشارك كل إنسان مظلوم يُساق مثل البهائم ويتعرض للأذى البدني 00

تُرى ماذا يُجرى في معسكرات التعذيب ؟! 00 إنه هناك يقاسمهم العذابات 00 تُرى ماذا يجري للأسرى ؟! 00 عذابات تفوق الوصف ، وبلا شك فإن يسوع هناك معهم يشاركهم الآلام ، وكنيسته تُصلي من أجلهم 0

وآخرون لطموه 00 واللطمة تترك أثراً نفسياً أعمق بكثير من الأثر الجسماني ، فاللطمة هي تحقير وإزدراء بالملطوم ، ولهذا يحذر علماء النفس الوالدين من لطم أبنائهم كنوع من العقوبة ، فإنها تُحطم شخصية الطفل وتشعره بالمهانة وصغر النفس 0

وغطوا وجهه وضربون قائلين : تنبأ لنا أيها المسيح من لطمك ؟! 00 جعلوه لعبتهم وتسليتهم وسخريتهم ، ولم يدركوا أنه هو الذي خلقهم ، وبيده نسمتهم 00

عجباً 00 رب الناس يسمح لأحط الناس أن يعاملوه كأحقر الناس !!

وقف أشعياء النبي وأيوب البار في حالة ذهول ” وجهي لم أستر عن العار والبصق ” ( أش 50 : 6 ) 00 ” أما الآن فصرت أغنيتهم وأصبحت لهم مثلاً يكرهونني 0 يبتعدون عني وأمام وجهي لم يمسكوا عن البسق ” ( أي 30 : 9 ، 10 )0

إقشعري يانفسي وذوبي خجلاً ، لأن يسوع البار يُلطم على وجهه المبارك ، وعن ذاك الوجه الذي هو أبرع جمالاً من بني البشر لم يرد خذي البصاق 00 أليس كل هذا من أجلكِ ، لكيما يُحضركِ بلا لوم أمامه ؟!!

تورم وجهه وإنتفخت عيناه ، وتركت الكدمات أثرها الداكن على الوجه ، مع بعض الجروح التي تنزف 00 تركوه ليستريح قليلاً إستعداداً للمحاكمة القادمة 00

ورأيتُ الجور في بيت العدل ، والباطل في بيت الحق ، والظلـم القاسي في محل العدالة ، والتعذيب الوحشي في بيت الرحمة 00

أما يوحنا الذي كان يتابع الأخبار عن كثب ، وقد رأى الحكم على يسوع ، وتعرضه للإيذاء ، أدرك أن الكارثة قد وقعت بالفعل ، فذاب قلبه داخله ، ولم يضبط دموعه ، وإذ لم يحتمل أن ينظر إلى يسوع وهو يترنح تحت وطأة الضربات واللكمات ، وسمع داود يصرخ ” قد أحاطت بي كلاب 0 جماعة من الأشرار إكتنفتني ” ( مز 22 : 16 ) 00 آثر يوحنا أن ينسحب إلى الخارج يبكي يسوعه كطفل صغير ، ووجد أن الواجب يلزمه بإبلاغ الأم الحنون وبقية الأحباء في بيت عنيا ، فسار إلى هناك بلا قلب إذ ترك قلبه يتألم بجوار حبيبه العبد المتألم0

وصل يوحنا في الصباح الباكر إلى بيت عنيا ، وإستيقظ كل من في البيت 00 إلتفوا حوله يستوضحونه الأمر ، مع إن المأساة كانت مرسومة على ملامحه 00 ماذا يايوحنا ؟ هل قبضوا على المعلم ؟! 00 هل حاكموه ؟! 00 هل تعدوا عليه ؟!00 هل التلاميذ معه ؟ وألقى يوحنا بالخبر الصاعق 00 إن المعلم يعبُر في محاكمات ظالمة ، ويبدو أنهم سيصدرون اليوم حكماً بصلبه ، وسقط الخبر عليهم سقوط الصاعقة ، وإذ بالسيف يجوز في نفس العذراء التي كانت تستشعر هذه النهاية المأسوية ، منذ أن تحدث معهـا سمعان الشيخ وكان يسوع مازال طفلاً عمره ثمانية أيام حينها ، ولكنها لم تكن تتوقع أن تكون النهاية بهذه السرعة 00 نهضت لتسرع إلى أورشليم وتقف بجوار إبنها الحبيب ، وقد وضعت في قلبها أن تكبت مشاعر الأم الثكلى حتى لا تزيد آلامه آلاماً 00

 

ورأيت الجور في بيت العدل ف11 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

وصاح الديك ف10 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

وصاح الديك ف10 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

وصاح الديك ف10 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

 

اقرأ وافهم
روايات إيمانية

الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

الفصل العاشر :  وصاح الديك

 

          وبينما كان يسوع يُحاكم المحاكمة الثانية كما رأينا ، وإذ كانت الليلة شديدة البرودة على غير العادة جلس الخدم والعبيد حول النار التي أشعلوها يصطلون ، وكان بطرس بداية راضياً بتواجده خارج القصر خوفاً من إكتشاف فعلته مع ملخس ، وعندما دخل إلى فناء القصر بوساطة يوحنا إندس وسط الخدم والعبيد ، كأحد المتفرجين الذين لا يعنيهم أمر ذلك الرجل 00 دخل بطرس وجلس في هذا الوسط المتدني لينظـر النهايـة ، ونسى الوصية المقدَّسة ” طوبى للرجل الذي لم يسلك في طريق المنافقين وفي طريق الخطاة لم يقف وفـي مجلس المستهزئين لم يجلس ” (مز 1 : 1) ” ربما سمـع بطرس أن رئيس الكهنة سأل السيد المسيح عن تلاميذه ، فخشى أن يُقبض عليه أو يتعرض لضربات مثل سيده 00 أراد أن يستدفـئ بنار الأشرار ، فحمل برودة من جهة الحياة الصالحة 0 كان يليق به أن يستدفئ بنار محبة المسيح التي لا تقدر مياه كثيرة أن تطفئها ( نش 8 : 6 – 7 ) ” (15) 00 وإذ بجارية تتمتع بقدر من الذكاء الفطري تتفرس فيه على ضوء النار التي يصطلون عليها وتقول له : وأنتَ كنتَ مع يسوع الناصري 0

وإنطلق السهم المباغت على حين غرة ، فأصاب بطرس في مقتل ، وإضطرب مثل فريسة نشب بها سهم الصياد الماهر ، وحـاول بطرس إخفـاء إضطرابه ، وإظهارعدم إكتراثه بالأمر : من ؟! 00 أنا ؟! 00 لست أنا كما تقولين 00 لا أعرف ما تقصدين 00 لا أفهم ولا أعرف 0

الجارية : ألم تكن مع يسوع الناصري في تجواله ؟

بطرس : لا أعرف شيئاً مما تقولين 00 ربما واحد يشبهني 00

الجارية : ألستَ أنتَ من تلاميذه ؟

بطرس :  لستُ أنا 00 لا تلميـذه ، ولا رفيقه ، ولا أعرفـه ياامرأة 0

          وتمنى بطرس في هذه اللحظة أن يُطوّح برأسه الصلعاء بعيداً ، ويستعير رأساً أخرى حليقة اللحية بشعر أشعت ، ورغم أنه من النادر خروج الجواري ليلاً بعد مشقة يوم طويل ، إلاَّ إنهنَّ ظلّلن يقظات ، بسبب شدة كراهيتهن ليسوع التي إنتقلت لهن عبر أسيادهن ، ورغم أن النساء يتميزن بالرقة والترفق ، إلاَّ أن هذه الجارية أرادت أن تزُج ببطرس مبكراً إلى الصليب0

          ما بالك يابطرس تخاف وتُنكر ؟! 00 ألم تقل لسيدك لو شك فيك الجميع فأنا لا أشك ؟! 00 ولو إضطررت أن أموت معك لا أنكرك ؟! 00 أتخاف من سؤال الجارية ، فما بالك لو سُئلت من قيافا وحنان ؟! 00 ولا عجب ، فحالك يابطرس هو حالي عندما أضع ثقتي في ذاتي 00 وطوباكَ يابطرس لأنك إستوعبت الدرس جيداً ، فبعد القيامة عندما سألك سيـدك : أتحبني يابطرس ؟ لم تقل : نعم إني أحبك أكثر من كل هؤلاء ، إنما أجبت بإتضاع والدموع تترغرغ في عينيك : يارب أنت تعلم كل شئ 00 أنت تعلم إنني أُحبك ، ومهما صنعت يابطرس فيما بعد من معجزات عظيمة مثل إقامة طابيثا من الموت 00 مهما رأيتَ ظلك يشفي الأمراض ويُخرج الأرواح الشريرة ، فإن ضعف طبيعتك سيظل أمامك في كل حين 0 أما الذين يثقون في إمكاناتهم ، فإن الشيطان كفيل بأن يلهو بهذه الإمكانات ، فكم من الملوك المفتخرين بعدالتهم أجروا المظالم بإسم العدل ؟!

وكم من الخدام المختالين بمواهبهم إنزلقوا وضاعوا ؟!

وكم من العلماء الواثقين في رجاحة فكرهم سقطوا في البدع والهرطقات ؟!0 

          وحاول بطرس أن يندس وسط الخدم والعبيد أكثر فأكثر ، وهو يُعاني من هزة نفسيَّة عميقة ، وفكر في الإنسحاب من المكان 00 لقد عاش الحيرة والخوف والإرتباك على أشدَّ ما يكون ، فإتجه نحو الباب ببطء شديد حتى لا يلحظ أحد إنسحابه ، وإذ بالبوابة تلمحه ، فيدفعها شيطانها الذي هوى العزف على ذات الوتر ، بعد أن وضع بطرس في غرباله لكيما يغربله مع هزات موسيقاه السخيفة 00 تفرَّست البوابة فيه ، وحدجته بنظرات فاحصة ، وأطلق الشيطان سهمه الثاني : وأنتَ كنتَ معهم ، فملابسك  هي هي ملابس أهل الجليل0

          وقال بطرس في عصبية : لستُ أنا ياإمرأة 00 لستُ أنا وأشاح بوجهه بعيداً حتى لا تتفرس فيه أكثر ، وإرتبك كإنسان يطارده الموت ولا يعرف كيف ينجو بنفسه ، ويبدو أن حالة بطرس أثارت عواطف هذه البوابة فتركته لحال سبيله ، وإلتقط بطرس الأنفاس 00 هل يهرب من هنا كما هرب منذ قليل من البستان ؟! 00 هل يظل صامداً قريباً من معلمه مادام الموقف مرَّ بسلام ؟! 00 وصاح الديك للمرة الأولى ، ولم يلفت هذا الصوت نظر بطرس القلق المضطرب 0

          وإذ بزمري وهو نسيب ملخس الذي قطع بطرس أذنه ، وكان معهم في البستان ، يرى بطرس فيمسك بتلابيبه قائلاً بصوت عالٍ : أنتَ تلميذ ذاك الجليلي 00 كنتَ معه في البستان 00 وأنت الذي ضربتَ ملخس بالسيف 0

وإضطرب بطرس وظهر عليه التوتر الواضح 0 لستُ أنا يارجل 00 لا أعرف ما تقول 00 لتنتقم السماء مني أربعين ضعفاً لو كنتُ أنا هو ، وأصير ملعوناً من الله لو كنتُ أنا 00 وأخذ بطرس يستنزل اللعنات على رأسه لو كان تلميذ يسوع الناصري 0

زمري : إنكَ أنتَ بلا شك 00 لغتك تُظهرك 00 أنك جليلي 0

فأخذ بطرس يسب ويلعن الإسم المبارك 00

وهنا فُتح باب صالة السنهدريم ، فحانت إلتفاتة حانية من يسوع نحو بطرس ، وإذ بالأعين تتلاقى ، وإذ بالديك يصيح ثانية ، وإذ بالقلب ينكسر والفؤاد يذوب 00

إنها نظرة يسوع تلتقط بطرس من بئر الهاوية 00

نظرة يسوع التي تزيح جبلاً عظيماً وكابوساً رهيباً جثم على صدر بطرس حتى كاد يلفظ أنفاسه 00

نظرة يسوع التي تنتشل بطرس لئلا يغوص في الوحل 00

نظرة يسوع تقول لبطرس : إطمئن يابطرس 00 لقد طلبتُ من أجلك لكي لا يُفنى إيمانك 00

نظرة يسوع التي تقول لبطرس : لستُ غاضباً منك ياإبني ، ولكنني مشفق عليك ياحبيبي 00

إنها نظرة باقية لكل إبن ليسوع يجوز في محنة قاسية0

          وإذ ببطرس يذوب خجلاً ، بل حسرة وندماً 00 إعتصره الألم ، فإنسحب من خلال الدهليز إلى خارج 00 كانت دموعه الحارقة تنساب على وجنتيه مع عبرات وتنهدات ونهنهات ، وأخذ يهدر كحمام الأوطئة ” كحمام الأوطئة كلهم يهدرون كل واحد على إثمه ” (حز 7 : 16) 00 تأمل بطرس خطيئته فإذ هي عدَّة خطايا معاً 00 لقد إعتدَّ بنفسه أكثر مما يجب ، وميَّز نفسه عن إخوته ، ونام في وقت كان ينبغي فيه أن يصلي حسب الوصية ، وتصرف من تلقاء نفسه ضارباً ملخس بالسيف ، وهرب من البستان متخلياً عن سيده ، ولم يكن صادقاً في وعوده لسيده ، وجلس في وسط لا يناسبه ، وأنكر وسبَّ ولعن ، ولاح أمام بطرس قول سيده ” كل من يعترف بي قدام الناس أعترف أنا أيضاً به قدام أبي الذي في السموات 00 ولكن من ينكرني قدام الناس أنكره أنا أيضاً قدام أبي الذي في السموات ” (مت 10 : 32 ، 33) ووقفت فرقة من الشياطين تُبكّته ، وتصب عليـه اللعنات ، وتدفعه دفعاً إلى بئر اليأس ، ولكن نظرة يسوع تقاتل عنه ، وكلما نظر إلى نفسه وشعر أنه يغوص في الوحل ، يرى نظرة يسوع تنتشله 00 تلك النظرة الحانية الغافرة تنتشله من بئر اليأس وصغر النفس 00

          الأمر العجيب أن يوحنا كان قريباً من معلمه ، ولم يتهمه أحداً بأنه من أتباع يسوع ، لأن عناية المعلم تحفظ القريبين منه المستعدين لبيع حياتهم من أجله 00 نشكر الله من أجل يوحنا الذي حفظته عناية يسوع ، ونشكر الله من أجل بطرس الذي غسل خطيته بدموع التوبة ، وصار مثالاً للرجاء الحي لكل نفس في ضعفها تنكر سيدها وتطرح صليبها وتعود بالتوبة ، فإذ بالنعمة الإلهية تحملها على أذرعها الأبدية ، وتربّت عليها وتُطيّب جراحاتها0

          وقد تساءل البعض : من أين جاء صوت الديك والتقليد اليهودي يمنع تربية الدواجن في أورشليم ؟

والحقيقة أنه لم يكن كل سكان أورشليم من اليهود بل كان هناك بعض السكان من الأمم 0 كما إن بعض اليهود أيضاً لم يلتزمـوا بالتقليد اليهودي ، فمن هذه المساكن قد إنطلق صوت الديك ، وقد يكون هذا الصوت قد وصل في سكون الليل من إحدى القرى المحيطة بأورشليم 0 كما إن صوت البوق الذي كان يُعلن تغيير نوبات الحراسة كانوا يدعونه صوت الديك ، وقد سُمع هذا الصوت في الساعة الثالثة صباحاً عند تغيير نوبة الحراسة ، حيث ضرب البوق مرتين ، الأولى عند بدء التغيير ، والثانية عند نهاية تغيير جميع النوبات في المنطقة

(15)  القمص تادرس يعقوب – تفسير إنجيل يوحنا جـ 2 ص 1162

وصاح الديك ف10 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

التمثيلية الهزلية ف9 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

التمثيلية الهزلية ف9 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

التمثيلية الهزلية ف9 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

اقرأ وافهم
روايات إيمانية

الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

الفصل التاسع: التمثيلية الهزلية

وبعد أن ظهر كذب الشهود وتجنيهم على يسوع 00 لمعت براءته ، وشعر رؤساء الكهنة بأن الطير البرئ كاد ينطلق من القفص ، فكل السهام التي صوبت نحوه طاشت ، وواحداً منها لم يصب الفريسة لا في مقتل ولا في غير مقتل ، وشعر حنان أن الوقت يمرَّ سريعاً ، ولا يعرف للآن من أين تؤكل الكتف ، ورأى قيافا أن الطريق صار مسدوداً لإدانة يسوع ، فتفتق ذهنه عن فكرة شيطانية ، وهي القيام بدور درامي في تمثيلية هزلية ، تنتهي بإعتراف المتهم 00 تجاهل قيافا أنه هو القاضي ، أو قل قاضي القضاة في المجلس الأعلى للقضاء ، ولا يحق له على الإطلاق القيام بدور المشتكي ، فطبقاً للإجراءات القانونية التي توجبها الشريعة يقوم المشتكي بتوجيه الإتهامات للمتهم ، وعلى المجلس الإستماع لهذه الإتهامات ، ووزنها بميزان العقل ، وسماع الشهود مع تمحيص أقوالهم ، ومناقشة المتهم مع إعطائه الفرصة كاملة للدفاع عن نفسه0 ثم يقوم قيافا وشركاؤه بإصدار الحكم العادل بدون تحيُّز لأي من الطرفين 

فما بالك ياقيافا تحتقر كل هذه الإجراءات ، وتضرب بها عرض الحائط ، وأنت الفاهم والعالم بالأمور؟!

وما بالك ياقيافا تزج بنفسك ، وتحطم القاعدة القانونية التي تحرم على أعضاء المحكمة سؤال المتهم بقصد إثبات التهمة عليه ؟! 00

هل ما فشلت في إثباته عبر شهود الزور ، تريد أن تثبته بنفسك ، وتلصق التهمة بالمتهم ، سواء بطريق شرعي أو غير شرعي ؟!

ومالك تطلـق سهمك تجاه المتهم مع إن الشريعة لا تعطيك هذا الحق ؟!

تناسى وتجاهل وتغافل قيافا كل شئ ، وركز كل تفكيره ، وحنكة سنيَّ الشر ، في صياغة السؤال الذي سيطلقه ، وإستخدم قيافا كل حيلته ودهائه ومكره ووسم سؤاله بإسم يهوه العظيم : أستحلفك بالله الحي قل لنا أأنت المسيح إبن المبارك ؟ هل أنت إبن الله ؟

          ولك ياصديقي أن تتصوّر النتيجة 00

          لو ظل المعلم في صمته ولم يجب على السؤال ، فهذا إحتقار لإسم يهوه وبهذا يستحق الموت ، وجاء في كتاب التلمود ” إذا قال قائل : أستحلفك بالله القادر على كل شئ ، أو بالصباؤوت ، أو بالعظيم الرحيم ، الطويل الأناة ، الكثير الرحمة ، أو بأي لقب من الألقاب الإلهية ، فإنه كان لزاماً على المسئول أن يُجيب “ (14) ورغـم أن قيافا لم يوقر إسم الله الحي ، بل إستخدمه إستخداماً باطلاً ، وإستغله إستغلالاً مُشيناً ، فليس له أن يطرح هذا السؤال الذي يحمل إتهاماً معيناً للمتهم ، إلاَّ أن يسوع الذي يُوقّر الإسم المملوء بركة فقد إلتزم بالإجابة 00

ومادام يسوع سيجيب ، إذاً فقد يجيب بالنفي أو بالإثبات :

فلو أجاب بالنفي فهذا تراجع منه عما قاله سلفاً ، مما ينافـي مبادئ يسـوع ، لأنه علّم أتباعه ” ليكن كلامكم نعم نعم لا لا “ ، وقد منعهم من الحلف وأكد عليهم الصدق فلو خالف هو ما قاله سابقاً ، فإنه سيسقط في نظر أتباعه ، ولم يجب يسوع بالنفي 00 بماذا أجاب إذاً ؟!

لقد أجاب بالإثبات 00 بالرغم من جو الإرهاب الذي هيمن على قاعة المحكمة ، فإن يسوع أكد بالإيجاب ، بل وأجاب سريعاً ، وإجابة صريحة جريئة واضحة حاسمة 00 بل أيَّد إجابته بالدليل البين فقال :

أنتَ قلتَ 00

ولا تؤخد هذه الإجابة بمفهوم هذه الأيام ، كمحاولة للتملُّص والتخلُّص والمراوغة وإلقاء المسئولية على الآخر 0 إنما كانت في تلك الأيام تُعبر عن أسلوب أدبي راقي يحمل التأكيد ، فهي تعني ” أن الأمر كذلك حسب قولك تماماً ” 00 كما قلتَ أنتَ 0 هكذا هي الحقيقة 00 هكذا أنا هو إبن الله0

          وفهم رئيس الكهنة الإجابة جيداً ، وإنها إجابة بالإيجاب ، وفوجئ بالدليل الذي ساقه المعلم إذ قال : وأيضاً أقول لكم من الآن سوف تبصرون إبن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً على سحاب السماء 0

          وحملت نبرات يسوع قوة الإجابة وصدقها ، وكانت كفيلة بأن تخترق قلب حنان ، وتمزق قلب قيافا إرباً ، لو أرادا ذلك ، أو لو كان لديهما إستعداد بسيط لتقبل الحق وتصحيح المسار ، وكان عليهما أن يتذكرا قول دانيال النبي  ” كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سحاب السماء مثل إبن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقرَّبوه قدامه 0 فاُعطي سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبَّد له كل الشعوب والأمم والألسنة 0 سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض ” (دا 7 : 13 ، 14) فكم سمعا المعلم يدعو نفسه بإبن الإنسان ، ولكن إذ أغلقا قلبيهما تماماً فإن هذه الشهادة لا تدين يسوع ، إنما تدينهما في يوم الدينونة الرهيب 00 كيف سيكون موقفهما ؟! 00 حتى لو قالا للجبال إسقطي علينا وللتلال غطينا فإنها لن تكفي 0

          وكان على قيافا أن يقوم على الفور بالدور الدرامي ، في التمثيلية الهزلية التي ألفها وأخرجها وقام بدور البطل فيها ليحفز الحاضرين ضد يسوع 00 فماذا فعل ؟

لقد مزق ثيابه 00 نعم كانت هذه عادة اليهود عندما يسمعون ما يهين أو يشين إسم الله القدوس ، أو عندما تحل مصيبة عظيمة بشعب الله ، كما فعل الياقيم بن حلقيا وشبنه الكاتب ويوآخ بن آساف عندما سمعوا تعيير رسل ملك آشور فمزقوا ثيابهم (أش 36 : 22) بل وعندما أطلعوا حزقيا الملك على الأمر مزَّق هو أيضاً ثيابه وتغطي بمسح (أش 37 : 1) ومع أن الناموس كان يمنع رئيس الكهنة من تمزيق ثيابه 00

لم يكتـرث قيافا بأوامر الناموس ومزَّق ثيابه عوضاً عن تمزيق قلبه 00

لقد إنفجر الحقد الأسود من بين ضلوعه ، فلم يحتمل ثيابه ، فمزقها 00

شق ثيابه في منظر فاضح جنوني لا يليق أبداً برئيس كهنة الله ، فشق الله عنه كهنوته 00

شق ثيابه تعبيراً عن الكبت النفسي الناتج من حقد الأيام وغل السنين 00

مزق ثيابه وهو يشعر بالفخر والإعتزاز ، لأنه إستطاع أن يُسقط يسوع في الفخ الذي نصبه له ، وكأن جبلاً قد إنزاح عن صدره وتنفس الصعداء ، ورن صوته مجلجلاً بنغمة الفوز والنصرة ، وصاح صيحة الذئب الجريح الذي طالما أعيته الحيلة ، وإهتزت لحيته الطويلة إهتزازات شيطانية مُصدراً الحكم قبل أن يستمع لرأي بقية الأعضاء ، مع إن الإجراءات القانونية توجب عليه أخذ رأي الأعضاء أولاً عضواً عضواً مبتدئاً من الصغير إلى الكبير ، ثم يُعطي رأيه أخيراً وليس أولاً 00 إنه أراد أن ينحو بأعضاء المجلس بحسبما ما يشتهي هو ، فقال : لقد جدف 00 ها قد سمعتم تجديفه 00 ما حاجتنا بعد إلى شهود ؟ وهو يقول في نفسه ” لقد أصاب السهم الفريسة ولا مفر من الذبح ، فكلمة التجديف لها مفعول السحر في إثارة حماس الأعضاء حماة يهوه0

          ثم إستدرك رئيس الكهنة ما سقط فيه من مخالفة ، فأعقب قوله بالسؤال التالي : ماذا ترون ؟!

ما رأيكم ياأبناء يعقـوب ؟! وماذا تقولون يا قضاة إسرائيل ؟! أرأيتم تجديفاً كهذا ؟! 00 إبن الله !! 00 يهوه !! 00 إيلوهيم !! 00 أدوناي صباؤوت !! 00 ياللكفر 00 ياللعار00 معاذ الله 00

وسرت همهمة بين الحاضرين كان أول من نطق بها الخدم والعبيد ” أنه مستوجب الموت ” 00 ” نعم ” 00 ” كان يجب أن يموت من زمن بعيد ” 00 ” لماذا تُرك للآن ” 00 ” إنه يستحق الموت الزئام ” 00 ” إن كان إبن الله فلينقذه الله ” 0

          عجباً 00 ألم يكن الأجدى برئيس الكهنة أن يستكمل إستجوابه ليعرف التفاصيل ؟! 00 أو هل يوجد إستجواب يتكون من سؤال واحد ، إلاَّ إذا كان وراءة نية خبيثة ؟! 00 لماذا لم تُفكر ياحنان في حوار يسوع مع الفريسيين ” وفيما كان الفريسيون مجتمعين سألهم يسوع قائلاً : ماذا تظنون في المسيح 0 إبن من هو ؟ قالوا :إبن داود 0 قال لهم : فكيف يدعوه داود بالروح رباً قائلاً قال الربَّ لربي أجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطناً لقدميك 0 فإن كان داود يدعوه رباً فكيف يكون إبنه ؟ فلم يستطع أحد أن يُجيبه بكلمة ” (مت 22 : 41 – 46)00

          ولماذا لم تلتفت ياقيافا إلى قول داود أيضاً ” إني أخبر من جهة قضاء الرب 0 قال لي أنت إبني 0 أنا اليوم ولدتك ” (مز 2 : 7) وقول إبنه سليمان ” من صعد إلى السموات ونزل ؟ من جمع الريح في حفنتيه ؟ من صرَّ المياه في ثوب ؟ من ثبت أطراف الأرض ؟ ما إسمه وما إسم إبنه إن عرفت ؟ ” (أم 30 : 4) فإن كانت عقيدة الأمونوجينيس ( الوحيد الجنس ) ثابتة في الأسفار المقدَّسة 00 فما بالك تعتبر ياقيافا أن هذا تجديفاً ؟! 00 لماذا لم تمنح نفسك فرصة للتفكير في إجابة يسوع ، إنما فضلت إستكمال دورك كما رسمته في هذه المسرحية الهزلية0

          وقف يسوع يرى ويسمع ماسبق وأخبرهم به 00 فهوذا قيافا وحنان مع بقية الكرامين الأردياء يتربصون بإبن صاحب الكرم قائلين ” هذا هو الوارث هلمُّوا لقتله ونأخذ ميراثه ” ( مت 21 : 38 ) مستخدمين سلطانهم الكهنوتي مع تزوير الحقائق وتلفيق التهم ، وللأسف فإنهم لا يدركون أن الحكم الإلهي عليهم بات وشيكاً ” أُولئك الأرياء يهلكهم هلاكاً رديَّاً ويُسلّم الكرم إلى كرَّامين آخرين يعطونه الأثمار في أوقاتها ” ( مت 21 : 41 )0

          وكان صدور الحكم على المتهم بالموت في ذات الجلسة خطأً فادحاً ضد الشريعة ، وضد نصوص وروح القانون اليهودي الخاص بالسنهدريم ، بالإضافة لإنعقاد الجلسة ليلاً 00 وهذا ما حدا بحنان إلى تنبيه الأعضاء بأن الجلسة القادمة ستعقد في الصباح الباكر حيث تضم أعضاء المجلس بالكامل 00 فما لزوم الجلسة التالية إذا كان كل شئ قد تم قانونياً ؟! 00 إن إنعقاد جلسة أخرى يعالج فيها الجلسة الأولى لهو إعتراف واضح وفاضح لما شاب المحاكمة الأولى من أخطاء قاتلة00

          وفي أحد أركان الصالة المتسعة كان يقف إنساناً ينظر في حيرة وقلق بالغ وقد جحظت عيناه ، وإذ رأى أن يسوع قد حُكم عليه بالموت ، إضطرب وإنسحب يجر أذيال الخيبة والعار ، وإشتعلت النيران في جوفه ، وإذ بالشياطين ترقص حوله طرباً ، هازئة بتلميذ خان معلمه الذي يُحبه ، وأخذت هذه الشياطين ذاتها تدين يداً إستلت سكيناً لتطعن من أحسن إليها ، وتبكت عبداً باع سيده ، ورجلاً سلم صاحبه للموت بقبلة غاشة ، وإرتفعت أصوات التقريع 00 خائن 00 فاسد 00 شرير 00 حتى كاد يهوذا يسد إذنيه ، ولم تعد ساقاه تحتملاه ، فإنصرف نحو خزانة الهيكل ذات المكان الذي باع فيه سيده 0

(14) فرانك موريسون – من دحرج الحجر ؟ تعريب حبيب سعد ص 19

التمثيلية الهزلية ف9 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

شهود الزور ف8 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

شهود الزور ف8 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

شهود الزور ف8 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

 

اقرأ وافهم
روايات إيمانية

الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

الفصل الثامن: شهود الزور

          الساعة تقترب من الثالثة صباحاً من يوم الجمعة ، والجند يدفعون بيسوع موثقاً من بيت حنان إلى بيت قيافا ، ولم يستلزم هذا منهم إلاَّ هبوط عدَّة درجات ، وعبور الدهليز ، وصعود عدَّة درجات مماثلة ، والخدم يتبعونهم 00 القصر كله يقظ وقد جافى النوم عينيه فلا الرجال ولا السيدات ولا الخدم ولا العبيد ولا الإماء ذاقوا النوم في تلك الليلة ، فهي ليلة ليست مثل كل ليلة 00 هناك من يذهب وهناك من يئيب 00 الخدم والعبيد يذهبون في مأموريات عاجلة ، وأعضاء السنهدريم يتوافدون ، واحـد يلو الآخر ، وكذلك شهود الزور يتدفقون على القصر ، والكل مشغول بقضية مُعلّم الجليل الرجل المعجزة قاهر الموت ، وبينما الخدم والعبيد يحاولون إختلاس النظرات لذاك الذي هو أبرع جمالاً من بني البشر ، فإن سيدات القصر يستجدين الأخبار منهم 00 أنه يُحاكم أمام سيدنا حنان 00 لقد لُطِم على وجهه 00 أنه يُقاد إلى سيدنا قيافا00

          وإذ كانت الليلة شديدة البرودة ، تجمَّع بعض الخدم في الفناء حول النار يصطلون ، ورغم إنتشار المصابيح في الطرقات والردهات ، ولكن من لي ليُبدّد ظلمة تلك النفوس ، فلا النار ولا النور بوسعيهما أن يقشعا الظلمة عن تلك النفوس الظمأى لدم الناصري0

          ومرقس الذي إنطلق إلى بيته عرياناً ، عاد سريعاً وقد إرتدى ملابسه إلى بيت رئيس الكهنة ، ودلف في غفلة من البوابة إلى القصر ، وأيضاً يوحنا الذي إستجمع شجاعته جاء ودخل علانية لأنه كان معروفاً لدى الخدم ، إذ كان يُحضر الأسماك الطازجة والمميَّزة إلى هذا القصر ، وبعد قليل همس مرقس في أذن يوحنا : إنني لمحت بطرس يحوم حول القصر 0

فذهب يوحنا وكلم البوابة بدالة فأدخلت بطرس إلى القصر رغم أنه شخص مجهول بالنسبة لها 0 بل ربما شكت فيه إنه أحد أتباع المتهم0

          وكان قيافا قد رتب أوراقه للحكم على مُعلّم الجليل بأي تهمة تفضي إلى القتل ، ولكيما يكون إنعقاد مجمع السنهدريم صحيحاً ، يجب ألاَّ يقل عدد الأعضاء المجتمعين عـن ثلث الأعضاء ، وبالفعل نجحت مساعي حنان وقيافا في إستدعاء أكثر من هذا العدد في تلك الساعة بفضل الإلحاح والترجي ، فكان هناك رؤساء الكهنة حنان وأولاد الخمسة وقيافا سبعة رجال من أعضاء المجلس الموقر ، وجميعهم من ” الصدوقيين ” نسبة لصادوق الكاهـن الذي خصه الملك سليمـان برئاسـة الكهنوت دون أبياثار ( 1 مل 2 : 35 ) وقد إنحدروا إلى الدرجة التي أنكروا فيها القيامة والملائكة والأرواح وحياة الدهر الآتي ، ولذلك إضطربوا من يسوع الذي جاء يكلمهم عن القيامة والدينونـة والحياة الأخروية ، وقد سبق وأرسلوا له يسألونه في مثل المرأة التي تزوجت بسبعة أخوة الواحد بعد موت الآخر ، فقال لهم ” تضلُّون إذ لا تعرفون الكتب ولا قوة الله لأنهم في القيامة لا يُزوّجون ولا يتزوَّجون بل يكونون كملائكة الله في السماء وأما من جهة قيامة الأموات أما قرأتم ما قيل لكم من قبل الله القائل 0 أنا إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب 0 ليس الله إله أموات بل إله أحياء ” ( مت 22 : 29 – 32 ) وهكذا إقتصر رجاء الصدوقيين على هذه الحياة الأرضية وصرفوا إهتماماتهم نحو التراب والترابيات 00

كيـف يجبون جباية الهيكل ويحصلون على العشور ويحلبون الشعب ؟!

كيف نسوا الفقراء وتركوا المحتاجين وأهملوا الغرباء ، وصرفوا ببذخ على أنفسهم ، فعاشوا عيشة الملوك ؟!

كم كان لديهم من عبيد وخدام وأماء ، وأجذلوا العطاء لروما ليلبثوا في مناصبهم أطول فترة ممكنة ؟!

إنهم بالحقيقة يمثلون الطبقة الأرستقراطية في المجتمع اليهودي ، وإنشغالهم بالثراء والسياسة صرفهم تماماً عن الإهتمام بأمور الدين والأخلاق الحميدة ، وترجع أهمية طائفة الصدوقيين ليس إلى عددهم بل إلى خطورة مناصبهم ، وكانوا يركزون على سلطة وسلطان الهيكل ويرفضون كل ما هو جديد0

          أما ” الفريسيون ” أي المعتزلون أو المفروزون ، فقد أطلق عليهـم الصدوقيون هذه التسمية نظراً لإعتزالهم عن المجتمع ، وكان الفريسيون يشعرون أنهم مميَّزون لدى الله عن بقية اليهود بسبب تدقيقهم وإعتزالهم عن الأمم ، وقد إهتموا بالوعظ وتفسير الناموس ، ولذلك إكتسبوا شعبية تفوق تلك التي لرؤساء الكهنة الصدوقيين ، وكان الشعب يضع ثقته فيهم ، وتقلد الفريسيون سلطة القضاء بمجمع السنهدريم ، وتمسكوا بالتفسير الحرفي للنامـوس ، فلا عجـب أن نسمع عن مشادة بين مدرستي ” شماي ” ومدرسة ” هاليل ” بسبب تحليل أو تحريم البيضة التي وضعتها الدجاجة في يوم سبت ، وبينما كانت مدرسة هاليل تحرّم أكل هذه البيضة ، فإن مدرسة شماى كانت أكثر تسامحاً فسمحت بأكلها ، ونسمع عن مجادلة حول الإنسان الذي يتعرض للحرق يوم سبتٍ ، هل يحل له إطفاء ملابسه المشتعلة ؟! 00 وإنتهى الرأي إلى تحليل إطفاء ملابسه الداخلية فقط التي تستر عريه ، أما بقية الملابس فيتركها تحترق ، وكانوا يعتبرون أن لبس الحلي أو الأسنان الصناعية أو حمل الأطراف الصناعية يكسر السبت لأنه نوع من الأحمال المحرمة ، وقتل البرغوث يكسر السبت لأنه نوعاً من الإقتناص00

          وبينما كان الفريسيون على خلاف شديد مع الصدوقيين ، فإنهم إرتبطوا بعلاقة وثيقة مع الكتبة ، وكان للفريسيين تقليداتهم التي دعوها ” تقليدات الشيوخ ” ورفعوا من شأنها إلى درجة الناموس ، فهم يعتبرون أنفسهم معلموا الطقوس ، وظنوا أن الله يبارك اليهود لكونهم أولاد إبراهيم ، ولذلك وبخهم يوحنا المعمدان قائلاً لهم ” يا أولاد الأفاعي من آراكم أن تهربـوا مـن الغضب الآتي 0 فاصنعوا أثماراً تليق بالتوبة 0 ولا تبتدئوا تقولون في أنفسكم أن لنا إبراهيم أباً 0 لأني أقول لكم أن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولاداً لإبراهيم ” ( لو 3 : 7 ، 8 ) وكان منهم غمالائيل معلم الناموس وتلميذه شاول الطرسوسي ، ونيقوديموس وسمعان الأبرص عضوي مجمع السنهدريم0

          وهاجم هؤلاء الفريسيون معلم الناصرة وأتهموه أنه يخرج الشياطين ببعلزبول رئيس الشياطين ، وأنه بصنعه المعجزات والأشفية في يوم السبت يكسر السبت ، ولاسيما عندما قال للمفلوج أحمل سريرك وأمشي 00 فكم غضبوا عليه حينئذ ؟! 00 ولاموا على المسيح ، لأن تلاميذه لا يصومون ، بينما كانوا هم يصومون يومي الأثنين والخميس من كل أسبوع ، فيوم الخميس تذكاراً لصعود موسى للجبل لإستلام الشريعة ، ويوم الأثنين تذكاراً لنزوله من الجبل 0 وإنتقدوا معلم الناصرة إنتقاداً مراً بسبب أكله مع الخطاة والعشارين والزواني ، وكثيراً ما جربوه ليصطادوه بكلمة ويحكمون عليه0 أما المعلم فقد وبخهم على ريائهم قائلاً  ” أنتم الآن أيها الفريسيون تنقُّون خارج الكأس والقصعة وأما باطنكم فمملوء إختطافاً وخبثاً 0 يا أغبياء أليس الذي صنع الخارج صنع الداخل أيضاً 00 ويل لكم أيها الفريسيون لأنكم تعشرون النعنع والسَّذَاب وكل بقلِ وتتجاوزون عن الحق ومحبة الله 0 كان ينبغي أن تعملوا هذه ولا تتركوا تلك 0 ويل لكم أيها الفريسيون لأنكم تحبون المجلس الأول في المجامع والتحيات في الأسواق 0 ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم مثل القبور المختفية والذين يمشون عليها لا يعلمون ” ( لو 11 : 39 – 44 ) ولذلك لك أن تتصوَّر ياصديقي مدى نقمتهم على يسوع ، فكم يشتهون أن يشفوا غليلهم عندما يروه مُعلقاً على خشبة العار ؟! وإن كان معظمهم قد آثر الإنسحاب من حلقة الصراع الأخيرة تاركين مهمة القضاء على يسوع للصدوقيين ومشايعيهم 0

          أما ” الكتبة ” فكان عملهم نسخ الأسفار المقدَّسة وتفسيرها ، وعُرِفوا باسم السفريم ، وهي مشتقة من كلمة سفر أي سجل أو كتاب ، وكان الكتبة يعتبرون أنفسهم معلموا اللاهوت ، وكان بعضهم أعضاءاً في مجمع السنهدريـم ، ونـال بعضهم رتبة ” رابي ” Rabbi ، وبعضهم نالوا الرتبة الأعلى ” رابوني ” Rabboni ، وألتزم الكتبة بالتفسير الحرفي للناموس وتشدَّدوا في حفظ تقاليد الشيوخ ، ولذلك أرتبطوا بصلة وثيقة مع الفريسيين0

          وقاوم الكتبة معلم الناصرة ، فلقد كـان دائـم التوبيخ لهم ” على كرسى موسى جلس الكتبة والفريسيون 0 فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فإحفظوه وإفعلوه 0 ولكن حسب أعمالهم لا تعملوا لأنهم يقولون ولا يفعلون 0 فأنهم يحزمون أحمالاً ثقيلة عسرة الحمل ويضعونها على أكتاف الناس وهم لا يريدون أن يحركوها بإصبعهم 0 وكل أعمالهم يعملونها لكي تنظرهم الناس 00 ” (مت 23 : 1 – 7) وبالتالي فإن هؤلاء الكتبة كانوا ناقمين على مُعلّم الناصرة يتمنُّون من كل قلبهم الخلاص منه0

          وكان هناك أيضاً طائفة ” الناموسيين ” الذين أهتموا بدراسة ناموس موسى من الجهة القانونية ، فهم معلموا القانون ويعتبرون أنفسهم حماة الشريعة مثل الكتبة والفريسيين ، ورفضوا مثلهم بشارة يوحنا المعمدان ، وكرازة يسوع ، وحاولوا إصطياده بكلمة ، وقال أحدهم للمُعلّم عندما وبخ الفريسيين : يامُعلّم حين تقول هذا تشتمنا نحن أيضاً فقال لهم ” وويل لكم أنتم أيها الناموسيون لأنكم تُحّملون الناس أحمالاً عسرة الحمل وأنتم لا تمسون الأحمال بأحدى أصابعكم 0 ويل لكم لأنكم تبنون قبور الأنبياء وأباؤكم قتلوهم 00 ” (لو 11 : 46 – 48)0

          كما ضم المجمع اليهودي طوائف أخرى شتى أقل أهمية مثـل ” الأسينيـون ” الذين عاشوا حياة البتوليـة والنسك والتقشف و” الهيردوسيـون ” الذين يوالون العائلـة الهيرودسيــة ، و” الغيورون ” الذين لا يعترفون بسلطة أحد من الشعب ولكنهم يعتبرون بسلطة الله فقط ، ومنهم سمعان الغيور ، وكانوا يقاومون الرومان بحماس وغيرة شديدة0

          أما ” مجلس السنهدريم ” فهو يمثل السلطة الأعلى في المجتمع اليهودي بكل طوائفه وفئاته ، وجاءت تسمية السنهدريم من ” سنهدريم ” Sunhedrion أو ” سنهدرين ” Sunhedrin والكلمتان من الكلمة اليونانية ” سندريون ” Synedrion  أي محكمة ، ويرجع تاريخ هذا المجمع إلى زمن موسى النبي عندما إختار سبعين من شيوخ إسرائيل ليعاونوه في إحتياجات الشعب وأعمال القضاء بحسب مشورة حماه يثرون ، ولذلك فإن اليهود قد حافظوا على نفس العدد سبعين شيخاً بالإضافة إلى رئيس الكهنة الذي يمثل موسى ، ويبلغ عدد أعضاء الهيئة العليا للمجمع ثلاثة وعشرين عضواً من الواحد والسبعين0

          إجتمع مَنْ تَجمَّع من أعضاء المجلس الموقر في صالة الإجتماعات الخاصة بهم ، والساعة تجاوزت الثالثة صباحاً ، ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي إجتمع فيها المجلس بشأن هذه القضية ، فقد طُرحت قضية يسوع على مائدة البحث في هذا المجلس الموقَّر مرة ومرات ، أرسلوا خداماً ليحضروه من قبل ولكنهم عادوا قائلين ” ما سمعنا أحد قط يتكلّم بكلامه ” ومرة أخرى أرسلوا أُناساً ليصطادوه بكلمة فيحكموا عليه ، ولكنهم باءوا بالفشل الذريع ، ومنذ أيام قليلة كان هناك إجتماعاً موسعاً بسبب إقامة لعازر من الموت ، وإيمان عدد كبير من اليهود مؤكدين أنه ليس أحد يقدر أن يعمل هذه المعجزة إن لم يكن الله معه ، حتى الذين كانوا يخشون السلطات الدينية المستاءة من يسوع لم يعودوا يخشون شيئاً ، بل إجتاحتهم الشجاعة وأقرُّوا المعجزة مؤكدين أن هناك أمراً ما يفوق الطبيعة يخص يسوع ، وقد عمَّت الأخبار أورشليم ومدن إسرائيل ، وإنتظر الشعب هبوب رياح الثورة والتغيير على يد يسوع الجبار ليطيح بالفساد الديني والنير الروماني الذي طالما أثقل الأعناق 00 وكم كان إجتماعاً مثيراً !! فقد حضره كل أعضاء المجلس وناقشوا موضوع يسوع من وجهة نظر أنانية ، وقال أحدهم :

عندما يلتف الشعب كله حوله 00 فأين هو دورنا نحن ؟! 00 لابد إننا سنختفي من على خشبة المسرح 00 نحن حماة الشريعة وحماة الهيكل ، وهل يعتمد على يسوع الذي يُعلّم أتباعه محبة الأعداء ؟! ذاك الذي لا يملك سيفاً ، أيدافع عن الهيكل ؟! 00 لابد أن الرومان الذين رفعوا البيارق من قبل على قلعة أنطونيا المشرفة على الهيكل ، سيرفعون مثل هذه البيارق الوثنية على الهيكل نفسه0

وقال آخر : وماذا لو واتت يسوع الشجاعة وقام بثورة ضد الرومان ، رغم أن هذا ضد مبادئه المتسامحة ، وماذا لو فشلت ثورته 00 تُرى ماذا يكون رد الرومان علينا ؟

وأجابه آخر : سيأخذون موضعنا 00 سيكتسحون أمتنا 00 سيعلقون شبابنا ورجالنا وأراخنتنا على الصلبان ، ويرملون نساءنا وييتمون أطفالنا ، وقد يحرقون هيكلنا0

فقال حنان : وحينها سنفقد سلطتنا وسطوتنا وكل شئ0

حينئذ نهض قيافا قائلاً : لقد فاتكم شيئاً ألاَّ ترون أنه خير لنا أن يموت يسوع من أن تُهلك الأمة بأسرها 00 خير أن يموت إنسان واحد عن الشعب ولا يضيع الشعب كله ونضيع نحن معه 0

وشعر نيقوديموس ويوسف الرامي أن حلقات الشر تضيق حول يسوع ، فإن هؤلاء القوم يطلبون مسيحاً يوافق هواهم ، يسير في طوعهم ، ويُثبّت أقدامهم ، وهذا بعيد كل البعد عن معلم الجليل ، ولم تواتي نيقوديموس ولا يوسف الجرأة للشهادة للحق خشية طردهم من المجمع ، وإنساق المجمع كله وراء قيافا ، وإتخذوا القرار بقتل يسوع ، وحياهم حنان على روح الغيرة هذه قائلاً ” نعماً ما فعلتموه يا أبناء يعقوب ” وإستمر النقاش حول كيفية تنفيذ القرار ، فقال أحدهم : نُرسل إليه من يغتاله سراً ؟

حنان : إن تلاميذه لا يفارقونه ، ولو إكتشف الشعب هذه الجريمة ربما يرجموننا0

وقال آخر : إذاً فلنقبض عليه ونقدمه للمحاكمة أمامنا في هذا المجلس الموقر0

حنان : حسناً ، ولكن متى يكون هذا ؟

قيافا : ليس في العيد لئلا يحدث شغب في الشعب 00 وكان رؤساء الكهنة والكتبة يطلبون كيف يمسكونه بمكر ويقتلونه 0 ولكنهم قالوا ليس في العيد لئلا يكون شغب في الشعب 00 وهكذا إتفق الجميع على القبض على يسوع في غيبة من الجماهير ، وأصدروا قرارهم الأخير ” إن عرف أحد أين هو فليدل عليه “0

          وبناء على القرار السابق تقدم يهوذا الأسخريوطي يعرض تسليم مُعلّمه إليهم ، وهوذا الآن كل شئ قد تم بسلام ، وهوذا يسوع ماثلاً أمامهم ، فكل الظروف قد تغيرت 00 هكذا كان يفكر رؤساء الكهنة ومشايعيهم ، وهم يجلسون في مجلسهم مع بقية الأعضاء على شكل حرف U وجلس كاتبا الجلسة على طرفي المقاعد ، كما وفد عدد كبير من الكهنة وشيوخ الشعب والكتبة وبعض الجنود والخدام والعبيد الذين قبضوا على يسوع ، وكلهم يختالون زهواً بهذا العمل البطولي ، ووقف يسوع في الوسط بين جنديين من حرس الهيكل ، ووقف يوحنا الحبيب يتأمل ويتألم ، وكان قيافا يستحث الحاضرين ليقدم كل منهم شكاية على يسوع قبيل الجلسة0

          وبدأت الجلسة برئاسة قيافا بحكم منصبه كرئيس للكهنة ، ونادى المنادي أسماء الأعضاء لإثبات حضورهم ، فكانت هذه المحاكمة الثانية لمعلم الناصرة بعد محاكمته الأولى السريعة أمام حنان ، وهذه المحاكمة شابها منذ بدايتها ثلاثة أخطاء جسيمة :

1- حسب الشريعة اليهودية كانت المحاكمة تبدأ بأشخاص متضرّرين يُمثّلون الإدعاء ، وذلك لعدم وجود نيابة عامة لدى اليهود تنوب عن المجتمع ككل حينذاك ، وهؤلاء المتضرّرين يتقدمون بتهم مُحدَّدة ضـد المتهم ، ويكون لديهم على الأقل شاهدين ، فإن لم تتوفر مثل هذه الشروط فلا يجوز القبض على المشكو في حقه ، وبالرغم من عدم توافر هذه الشروط في هذه القضية فقد قبضوا على يسوع ، وأكثر من هذا أنهم إستخدموا الرشوة ليتمكنوا من القبض عليه 0

2- بينما كان المتهم يُعتبَر بريئاً حتى تثبت إدانته ، فإنهم إعتبروا يسوع مُداناً وحكموا عليه بالموت في جلسة السنهدريم السابقة قبل أن يسمعوا منه0

3- منعت الشريعة مُحاكمة الإنسان المتهم بتهم تفضي إلى الإعدام ليلاً ، فمثل هذه المحاكمات لابد أن تبدأ في وضح النهار وتنتهي في وضح النهار 0 أما المحاكمات المتعلقة بالأمور المالية والمديونية فكان مسموح لها بأن تنعقد في وضح النهار وتنتهي ليلاً ، وبالرغم أن أحد أعضاء غرفة المشورة قد لفت نظر الأعضاء لهذه المخالفة لكنهم تعلَّلوا بأن الأمر جد عاجل وخطير ولا يحتمل التأجيل ، وربما مخالفة الأعضاء لضمائرهم في الأمور السابقة جعلهم يدقَّقون في موضوع الشهود وبقية الإجراءات الشكلية 0

          وكما شاب هذه المحاكمة أخطاء جسيمة في بدايتها فقد شابتها الأخطاء أيضاً فـي إنعقادهـا ، وفي ختامها كما سنرى حالاً 00 منذ سبعمائة سنة قـال الروح القدس عن هذه المحاكمة  ” ها أنهم يجتمعون إجتماعاً ليس من عندي ” (أش 54 : 5) 0

          ووقف أحد أعضاء المجلس يعرض التهم التي من أجلها يُحاكم يسوع الناصري وأهمها إدعائه أنه المسيا ، وأنه إبن الله 000 وتقدم شهود الزور يشهدون كذباً وإفتراءاً ، ونادى قيافا بصوت جهوري : لك أن تدافع عن نفسك يايسوع 00

وإلتزم يسوع جانب الصمت ولم يجب بشئ 00

وتكرَّر النداء القيافي ثانية وثالثة ، ومازال يسوع صامتاً 00 سألوه كثيراً فلم يجب ولا بإيمائة بسيطة ، وكأن هذه الأسئلة لا تخصه 00 فلماذا صمتَّ يا يسوع ؟ 00

هل صمتك هذا كان إحتجاجاً على ظلمهم ؟! 00 ربما 00

هل صمتَّ لأنك وجدت الجور في مكان العدل ، والظلم في مجلس الحكم ؟! 00 ربما 00

هل صمتك يعني موافقتك على كل الإتهامات الموجهة إليك لأنك حمل الله الذي يحمل خطية العالم كله ؟! 00ربما00

هل صمتَّ لأنك لو تكلمت فإنك ستُبكم الكل ، فيطلقونك وتتعطل قضية الخلاص ؟! 00 ربما00

هل صمتَّ حزناً على كل إنسان مظلوم يقف أمام محكمة جائرة ، لا يعرف أن يحير أو يدير ؟! 00 ربما00

          ولنا أن نستمع إلى شهادة أحد الأشخاص غير المسيحيين في أيامنا هذه ” وقد إستمع ( يسوع ) إلى هذه الأقوال ولم يُعقِب عليها لأنه أدرك أنه لا فائدة من التعقيب ، فطريقة القبض عليه ومحاكمته في دار أعدى أعدائه في مثل هذا الوقت المتأخر من الليل والتزييف الذي لمسه من أقوال الشهود ، والمرارة التي أحس بها في لهجة الذين نصَّبوا أنفسهم قضاة ومُحلفين ، وفي تصرفاتهم والشرر الذي يتطاير من أعينهم ، كل أولئك دفعه إلى الصمت ” (11)

          وتوتر حنان العجوز وهو يكتم غيظه ، فما هو السبيل للحكم على إنسان صامت لا يدافع عن نفسه ؟!

إن صمته القوي كشف مؤامرتهم وفضحهم أمام أنفسهم 00 فأخذت المحكمة تُناقش الشهود في أقوالهم ، وكان معظمهم من خدام رؤساء الكهنة ، ورغم أن الشاهد كان يقسم اليمين على قول الحق ، إلاَّ أن جميع شهادتهم جاءت كاذبة أو مُلفَّقة ، فهي شهادات واهية يعوزها الدليل ، غير متناسقة ولا مُتفقة ، محض أكاذيب وإفتراءات باطلة ، تحمل زيفها في طياتها ، فإنكشف شهود الزور واحداً يلـو الآخر ، وتضاربت أقوالهم ، وماتت شهاداتهم في مهدها ، أو قل أنها وُلِدت ميتة ، فرُفضوا جميعاً ، بل إن بعض هذه الشهادات كانت تُثير السخرية ، ولاسيما عندما قال أحد الخدام أنه شاهد بأم عينيه المُعلّم يقلب موائد الصيارفة وتلميذه الأسخريوطي يدس بعض الدراهم في جيبه ، وبما أنه تلميذ يسوع فيجب الإقتصاص من المُعلّم عوضاً عن التلميذ ، وتململ يهوذا وأراد أن يُكذَب هذا الرجل ، ولكن شجاعته كانت قد ذابت فآثر الصمت ، وإستاء قيافا من هذه الشهادة التي تُدين حبيبه يهوذا0

          فما العمل والشهادة الصحيحة تقوم على فم شاهدين أو أكثر ؟! 00

وكان رؤساء الكهنة والشيوخ والمجمع كله يطلبون شهادة زور على يسوع لكي يقتلوه فلم يجدوا 0 لأن كثيرين شهدوا عليه زوراً ولم تتفق شهاداتهم 00 إنها مهزلة قضائية 00 لقد أصدروا الحكم قبل النظر في القضية ، وكل ما يفعلونه الآن هو ترتيب أوراق التين لستر عريهم 00 مجرد إجراءات شكلية لذرَّ الرماد في العيون 00 منذ ألف عام رأى داود هذه الأمور بعين النبؤة فقال ” شهود زور يقومون عليَّ وعمَّا لم أعلم يسألونني 0 يجازوني عن الخير شراً ” ( مز 35 : 11 ، 12)0

” وعندما بدأت المحاكمة ، أصبحت في واقعها محاكمة للكهنة أنفسهم ، فأي عار هذا عندما يلجأ رجال الدين إلى شهود كي يلصقوا علَّة بذلك القدوس 0 ومع هذا لم تتفق أقوالهم فإزدادت خيبتهم وشعروا بضآلهم أمام ذلك الشخص العظيم ” (12)

          وصرفت المحكمة وقتاً طويلاً في غربلة أقوال الشهود وإستجوابهم ، مما جعل الشهود أنفسهم يتخذون جانب الحيطة والحذر ، وكفوا عن أكاذيبهم ، ولاسيما أن الشريعة تُوجب رجم شاهد الزور ، وجاء بالتقليد اليهودي في نص تحذير الشاهد في جرائم الأنفس ” لا تنسَ أيها الشاهد أن هذه المحاكمة التي تتعلق بالحياة سيكون دم المتهم ، ودم ذريته إلى إنقضاء الزمن في رقبتك إن شهدت زوراً 00 فالله خلق آدم وحيداً فريداً ، وهو يعلمك بهذا أن أي شاهد يتسبب في هلاك فرد في إسرائيل فكأنه أهلك العالـم كله ، أما من أنقذ إنساناً واحداً فكأنه أنقذ العالم كله “ (13) كما إن الفقه اليهودي كان يميل إلى تأويل أقوال الشهود لصالح المتهم ، حتى تثبت إدانته بالدليل القاطع قبل سفك دمه0

          ووقف يسوع وحيداً بلا سند ولا مُعين وسط هذا الجمع يُحاكم ، بينما يحاول أعضاء المجلس الموقَّر أن يحسنوا إنتهاز الفرصة للحكم عليه ، فلو زاغت من أيديهم هذه المرة ، فلن تؤاتيهم مرة أخرى لا في المستقبل القريب ولا البعيد أيضاً ، وربما كانت نهايتهم على يده ، فهو القادر على تحريك الجماهير في أي إتجاه يريد ، بل إن أتباعه لو علموا الآن أين هو لتجمهروا حول القصر ، ولن ينصرفوا إلاَّ وهو معهم 00 بمثل هذه الأفكار كان ينشغل حنان وقيافا0

          وهذه هي الفرصة الأخيرة للشهود حيث تقدم شاهدان وقالا : نحن سمعناه يقول : إني أقدر أن أنقض هيكل الله هذا المصنوع بالأيادي ، وفي ثلاثة أيام أبني آخر غير مصنوع بالأيادي 00 وكان الهيكل موضع إفتخارهم مثل أباؤهم الذين إستبعدوا حدوث السبي وتهدم الهيكل ، ولم يصدقوا لا أرميا ولا أشعياء ، مما دفع النبي الباكي أن يقول لهم ” لا تتكلوا على كلام الكذب قائلين هيكل الرب هيكل الرب هو ” ( أر 7 : 4 ) 0

          أما يسوع فظل صامتاً ، تاركاً داود يغني لهم على الناي الحزين ” قد قام عليَّ شهود زور ونافث ظلم ” (مز 27 : 12) 00 ” وأما أنا فكأصم 0 لا أسمع 0 وكأبكم لا يفتح فاه 0 وأكون مثل إنسان لا يسمع وليس في فمه حجة ” (مز 38 : 13 ، 14) ونهض هوشع النبي ليخبر بلسانه ” أنا أفديهم وهم يتكلمون عليَّ بالكذب ” (هو 7 : 13) 0

وأدرك قيافا أن مستوى الشهود لن يزيد بأي حال من الأحوال عن هذا المستوى ، وأراد أن يوحي للحاضرين بأهمية هذا الإتهام ، فهب واقفاً ملوحاً بيده نحو يسوع ، وكاد يفقد أعصابه : أما تجيب بشئ ؟ ماذا يشهد به هذان عليك ؟0

          وظل يسوع ساكناً ، كل هذه التهم الباطلة لم تهزه ، ولم تحرك ساكناً داخله 00 كان من السهل عليه جداً فضح تلفيقهم ، فهـو لـم يقـل ” إني أقدر أن أنقض هيكل الله ” إنما قال ” أنقضوا ( أنتم وليس أنا ) هذا الهيكل (وليس هيكل الله ) ” وهو يقصد هيكل جسده ، وبكلامه هذا كان يتنبأ عما يحدث معه الآن 00 إذاً لم يصمت يسوع عن ضعف ، ولا كأنه مذنب ، ولا لأنه ليس في فمه حجة ، ولكنه صمت لأن رؤساء الكهنة جلسوا يحاكمونه ، وقد صموا أذانهم عن سماع الحق ، وأغلقوا قلوبهم ، فحب السلطة والمظاهر أعمى عقولهم وطمس أذانهم 00 لقد إلتحفوا بسحابة كثيفة من الحقد الأسود والغل الأحمر ، ولا فائدة تُرجى من خلاصهم 00 كما إن صمت يسوع يعلمنا الصمت وقت التجارب والإفتراءات الكاذبة0

وهمس أحد الأعضاء للجالس بجواره : لو كانت شهادة هذين الرجلين صحيحة ، فلماذا تركوه للآن ؟! 00 ألم يكن قوله هذا كافياً لرجمه بالحجارة ؟!

فرد عليه الآخر قائلاً : حتى ولو قال يسوع هذا ، فما هو إلاَّ إفتخاراً باطلاً ، لا يستوجب أبداً حكم الموت 0

وهمس عضو آخر : ومن يصدق أن هذا الشخص الوديع يقصد تحطيم الهيكل ؟!

وهمس جاره : وما الهدف من هدمه للهيكل إذا كان سيعيد بنائه ثانية ؟! 00 هل هي عملية إستعراضية ؟! 00 الجميع يعرفون أن هذا المُعلّم لم يكن متكبراً قط ، وليس صاحب حركات إستعراضية 0 بل كان يوصي الكثيرين من المرضى الذين شفاهم بألا يقولوا لأحد شيئاً0

وبمجرد أن تعرض هذان المنافقان لقليل من الأسئلة 00 متى قال يسوع هذا ؟ وفـي أي مكان ؟ ألم يعترض عليه أحد ؟ 00 إضطربا ، ورفضت شهادتهما0

          ونظر حنان لقيافا بأسى بالغ ، وكأنه يريد أن يقول له : وما الحل يازوج إبنتي ؟ 00 لقد أعيتني الحيلة ، ويبدو أنني شخت ولا فائدة تُرجى مني ، فعليك تقع المسئولية الآن 00

 

(11) محمد عطا – عيسى في الخالدين ص 114

(12)  دكتور فؤاد بولس – تحت أقدام الصليب ص 102

(13) اللورد شواروف تفرملن – ترجمة د. جرجاوي ص 12 – أورده د. يسري لبيب في كتابه مُحاكمة المسيح ص 100

شهود الزور ف8 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

من يطلق حنان من سجنه؟ ف7 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

من يطلق حنان من سجنه؟ ف7 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

من يطلق حنان من سجنه؟ ف7 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

 

 

اقرأ وافهم
روايات إيمانية

الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

الفصل السابع: من يطلق حنان من سجنه؟

 

          وكانت نحو الساعة الواحدة والنصف صباح يوم الجمعة ، فربطوه وأوثقوه بالحبال ، وساقوه بتلك الجبال ، بينما أخذ قائد المئة كعادته في قبضه على المجرمين يلطمه على وجهه لطمات قوية ، بقصد إذلاله ، وحتى يُشعِره بأنه صار أسيراً لا حول له ولا قوة ، فقد فَقَد حريته وإرادته وكل شئ 00 وما رآه الأنبياء منذ مئات السنين هوذا يتحقق في هذه اللحظات 00

ألم يقل صاحب المزمور ” وسلَّم للسبي عزّهُ وجلاله ليد العدو ” (مز 78 : 61) ؟!

أولم يتنبأ النبي الإنجيلي قائلاً  ” كشاة تُساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه ” (أش 53 : 7) ؟! 00

أولم يبكيه النبي ” مسيح الرب أُخذ 00 الذي قلنا عنه في ظله نعيش بين الأمم ” (مرا 4 : 20) ؟!

          وتقدم الموكب ، وجند الرومان مع جند الهيكل يحيطون بيسوع 0 أما رؤساء الكهنة مع الكتبة والفريسيين فقد ساروا في ذيل الموكب ، وكأنهم أبرياء مما يجري الآن ، إذ ترتسم على وجوههم إبتسامة وبراءة الأطفال ، وقد إنشرحت قلوبهم لنجاح خطتهم هذه المرة في القبض على مُعلّم الناصرة بدون أية خسائر في الأرواح 00 أما يهوذا فأين موقعه الآن ؟! 00 منذ لحظات كنت يايهوذا تقود الموكب ، والجميع أعينهم مشدوهة نحوك ، يسيرون بسيرك ، ويقفـون لوقفتك ، يسرعون بإسراعك ، ويبطئون لإبطائك 0 أما الآن فقد صرت كمُ مُهمل 00 وما أنت ياتلميذ إلاَّ ورقة قد إستهلكها الشيطان وإحترقت 00 سلبك الشيطان أغلى ما تملك ، والآن يصرخ في وجهك : فلتذهب إلى الجحيم يايهوذا 00 هل غطى الآن الخزي وجهك ؟! 00 أم أنك بدأت تشعر بالخزي الذي طرحته قبلاً عنك ؟!  

وفعلاً بدأ الخزي يغطـي وجـه يهوذا ، أو قل بدأ يشعر بهذا الخزي 00

وهل فكرت ياصاحب أن تختبئ وسط أشجار البستان كما فعل أبوك آدم من قبل ؟!

          وسار الموكب في جلبة وضوضاء ، تحفَّه تعليقات القادة والرؤساء التي لا تنتهي :

  • ألم يكن الأجدر به أن يهرب إلى ساحل صور وصيدا ؟!
  • لو إلتجأ إلى ناصـرة الجليل ، لوجد رجالاً شجعاناً يزودون عنه ، ليسوا مثل تلاميذه الذين فروا مزعورين 00
  • كيف يجرؤ على مهاجمتنا في عقر دارنا ؟!
  • أيدخل قفص الأسود ويكون في مأمن على حياته ؟!
  • وأين يذهب من أقوياء باشان ؟!
  • الويل كل الويل لمن صبَّ علينا الويلات 00
  • الشكر كل الشكر ليهوه الذي حفظ جماعته من ضلال هذا الرجل ، وسحره 00

ودخل الموكب إلى مدينة أورشليم التي دخلها يوم الأحد الماضي ، وكان الفارق عظيماً بين هذا الدخول وذاك الآخر 00 وأيما فارق ؟!

في الدخول الأول كان راكباً على أتان 00 أما الآن فهو يسير أسيراً مُوثَقاً بالحبال 00

في الدخول الأول كرَّموه كملك ظافر 00 أما الآن فإنه كأحد اللصوص المجرمين يلطمونه ويركلونه 00

في الدخول الأول أحاطت به الجموع والتلاميذ يهتفون له 00 أما الآن فقد هرب الكل وتركوه وحيداً 00

في الدخول الأول إرتجت له المدينة 00 أما الآن فالمدينة تغط في نومٍ عميق 00

في الدخول الأول فرشوا له الثياب 00 أما الآن فيمسكونه كلص من ثيابه ويسوقونه 00

في الدخول الأول حملوا له أغصان الزيتون وسعف النخيل 00 أما الآن فقد رفعوا عليه السيوف والعصي 00

في الدخول الأول هتفوا له ” أوصنا ياإبن داود ” 00 أما الآن فإنهم يتهامسون ضده 00

في الدخول الأول دخل إلى الهيكل وطهره 00 أما الآن فيدخل إلى بيت رئيس الكهنة ليعطي حساباً عن تطهيره للهيكل00

          ودخلوا إلى المدينة من باب الضأن ، لأنه هو الذبيح الأعظم ، قاصدين قصر رئيس الكهنة عبر شوارع يعز عليك مشاهدة أحداً من المارة فيها ، وإذ وصلوا إلى بيت القصيد ، إنصرف قائد المئة الروماني مع جنده مشكورين بعد أن أدوا المهمة المُكلَفين بها ، والحقيقة أنه بحسب الأصول المتبعة كان من المفروض أن يصطحب قائد المئة يسوع إلى دار الولاية رأساً ، ولكن لحاجة في نفس أبناء يعقوب ترك القائد الروماني الفريسة للذئاب اليهودية 00

وصل الموكب إلى قصر حنان رئيس الكهنة 0 كما قطن قيافا ذات القصر لأن زوجته طلبت ألاَّ تفارق بيت أبيها بعد زواجها 00 وبين الجانب الذي يقيم فيه حنان والآخر الذي يقيم فيه قيافا تقع الصالة التي خُصّصت لإجتماعات السنهدريم بعد أن أغلقت السلطات الرومانية مبنى السنهدريم الواقع جنوب قصر حنان ، وقد حوى هذا القصر العديد من الحجرات المتسعة والصالات الفسيحة ، مما يعكس حالة الغنى الفاحش ، ويعد هذا القصر بالنسبة للإنسان اليهودي هو أهم مكان بعد الهيكل ، فإرتفاع شأنه هو رفعة لشأن كل يهودي ، وهذا القصر بالذات يزداد في أهميته عن أي قصر لرئيس كهنة آخـر ، لأنه ضم في أحشائه رأسي الأفعى حنان وقيافا ، وكان هناك حكمـة من محاكمة يسوع في هذا المكان بالذات ، وفي تلك الساعة بالذات ، وهي إبعاده عن مؤيديه من الجماهير الذين تعدى عددهم ثمانية آلف نفس 0

          وكانت نحو الساعة الثانية صباحاً ، عندما فتحت بوابة القصر الضخمة على مصراعيها ، ودخل موكب العبد المتألم ، وللوقت حدث هرج ومرج بين حرس الهيكل والخدم والعبيد والجواري ، وبالرغم من أن رئيس الكهنة الرسمي في هذه السنة هو قيافا إلاَّ أنهم قادوا يسوع إلى حنان كنوع من الإلتزام الأدبي ، وكان حنان لايزال يحظى بالإهتمام الأكبر من الكل ، فهو الوحيد الذي بذكائه ودهائه ظل محتفظاً بسطوته ، وجمع بين أصابعه جميع الخيوط ، فلا تحدث صغيرة ولا كبيـرة في الهيكل إلاَّ وحنان صانعها ، وكم كان طمعه وجشعه يقودونه في إدارة شئون الهيكل ، إذ كان يدبر كل شئ بعقل التاجر الجشع ، وكل شبر في فناء الهيكل يساوم عليه مع أصحاب العملة وتجار الأغنام والحمام ، فنجح نجاحاً باهراً في تحويل بيت الصلاة إلى مغارة لصوص 00 وكم كانت نقمة حنان على يسوع الذي حوَّل مغارة اللصوص إلى بيت صلاة 00

يسوع هذا الذي نبه قلوب الغيورين إلى أطماع حنان ، وفضح سلوكه أمامهم ، فاشتعل قلب حنان حقداً وغلاً عليه 00

يسوع هذا الذي وقف بسلطان ، فلم يدع أحد يجتاز بمتاع ، وصار يُعلّم الشعب ، ويشفي المرضى ، فأحب الناس يسوع أكثر من هؤلاء الكهنة المزيفين 00

يسوع هذا الذي وضع هؤلاء في قفص الإتهام ، وصبَّ عليهم الويلات نهاراً جهاراً ، ورغم سعة حيلة حنان ودهائه البالغ ، إلاَّ أنه وقف عاجزاً عجزاً لم يختبره من قبل أمام يسوع هذا ، فكرهه حنان من كل قلبه ، وطردت تلك الكراهية من جفونه النوم ، ولاسيما في هذه الليلة ليلة الحسم ، وبالرغم من البرودة القارصة وكبر سن الشيخ العتيق في الشر ، فإنه أثر أن يترك الفراش الوثير وظل يقظاً مترقباً وصول يسوع إلى هذا الوكر0

          توقف الموكب قليلاً في فناء القصر ، ودلف رئيس جند الهيكل إلى حيث حنان ، ليقدم تقريراً شفهياً عن أحداث القبض على يسوع ، وكيف سقطوا جميعهم أمامه ، وكيف أطاح أحد أتباع يسوع بأذن ملخس ، ولكن يسوع هذا أعاد الأذن المقطوعة في التو واللحظة ، ولكن حنان الذي أغلق عقله أمام أي فكر آخر بإستثناء موت يسوع لم يهتم بهذا التقرير 0 بل فرح وسرَّ لأن عملية القبض تمت في سلام بدون إراقة دماء ، وهوذا يسوع في قبضته الآن ، وعلى الفور أرسل يستدعي من يمكن إستدعائهم من أعضاء مجمع السنهدريم ، ودلف حنان إلى إحدى الصالات المتسعة يتبعه أبناؤه من رؤساء الكهنة وبعض الفريسيين وشيوخ الشعب الذين شاركوا في القبض على يسوع ، وجلس من جلس ، ووقف من وقف ، وتصدَّر حنان الجلسة ، آملاً أن تسير الأمور على ما يرام حتى يتمكن من القضاء على معلم  الجليل العنيد ، بالقانون والشرعية الدينية0

          ودفعوا بيسوع أمام حنان ، وانفتحت عينا حنان تحدقان يسوع بنظرات فاحصة ، تلك النظرات التي يفحص بها رئيس الكهنة الحملان التي تُعرَض عليه عشية عيد الكفارة العظيم ، للتصديق على سلامتها ، وحتى يمكن تقديمها كذبائح مقبولة في عيد الكفارة 0

          ووقف يسوع 00 شاب في الثالثة والثلاثين من عمره ، وبحسب التقرير المقدَّم من معاصريه نراه ” إنسان بقوام معتدل ذو منظر جميل للغاية ، له هيبة بهية جداً حتى من نظر إليه يلتزم أن يحبه ويخافه ، وشعره بغاية الإستواء متدرجاً إلى أذنيه ومن إلى كتفه بلون ترابي إنما أكثر ضياء 00 وفي جبينه غرة كعادة الناصريين ، ثم جبينه مسطوح دائماً بهيج ووجهه بغير تجاعيد بمنخار معتدل وفم بلا عيب00

وأما منظره فهو رائع وعيناه كأشعة الشمس ، ولايمكن لإنسان أن يحدق النظر في وجهه نظراً لطلعة ضيائه 0 فحينما يوبخ يرهب ومتى أرشد أبكى ، ويجتذب الناس إلى محبته 0 تراه فرحاً وقد قيل عنه ما نُظر قط ضاحكاً بل بالحري باكياً ، وذراعاه ويداه هما بغاية اللطف والجمال 0 ثم أنه بالمفاوضة يأسر الكثيرين 0 وإنما مفاوضته نادرة ، وفي وقت المفاوضة يكون بغاية الإحتشام فيختال بمنظره وشحصه أنه هو الرجل الأجمل 0 ثم أنه من جهة العلوم أذهل مدينة أورشليم بأسرها لأنه يفهم كافة العلوم بدون أن يدرس شيئاً منها البتة 00 فكثيرون أن يرونه يهزأون به ولكن بحضرته وبالتكلم معه يرجف ويذهل 0 وقيل أنه لم يُسمع قط عن مثل هذا الإنسان في التخوم 00 ويقال أنه ما أحزن أحد قط بل بالعكس يُخبر عنه أولئك الذين عرفوه وأختبروه أنهم حصلوا منه على انعامات كلية وصحة تامة ” (10) 0

وبينما كان حنان يعبث بلحيته ، وهو يتأمل يسوع الأسير ويطيل النظرات ، لاحظ الهدوء الذي إرتسم على وجه يسوع ، ورباطة جأشه في موقف صعب كهذا يدعو للرعدة والإضطراب 00 كان حنان يظن أنه يعرف كل شئ عن يسوع لأنه عرف موطنه وتلاميذه وتعاليمه وذكائه الحاد وشجاعته النادرة ونظراته المؤثرة وخدمته الباذلة المجانية ومعجزاته التي ليس لها مثيل ، وتأثر حنان تأثراً بالغاً ، لأن شاباً يهودياً بمثل هذه المميزات الفذة يُعرّض حياته للخطر بسبب عناده 00 آه لو كان معنا ولم يكن علينا لدفعنا به إلى مركز القيادة ، ولأطلقناه قائداً مغواراً في وجه روما ، ضد الإستعمار الروماني الجاثم على صدورنا ، ولكن لا فائدة تُرجى ، وهل يفيد البكاء على اللبن المسكوب ؟! 00 فعلى هذا العنيد أن يدفع ثمن عناده0

          وقف يسوع يُحاكم المحاكمة الأولى أمام حنان ، وهي بالطبع ليست محاكمة رسمية ، لأن الذي يجريها ليس ذو صفة رسمية0

          تنهد حنان وقال ليسوع : لقد جذبت العالم كله وراءك ، وصرتَ تقدم للشعب الفتاوي والأحكام ، وأنت لا تحمل أي درجة كهنوتية ولا تعليمية ، ولستَ من اليهودية بل من الجليل ، وأنك تأكل مع الخطاة والزواني ، وتكسر الوصية الرابعة وأنت أعلم بجزاء من يكسر السبت 00 بل أنك جعلت نفسك إبناً ليهوه ، وأثرتَ الشعب ليهتف لك ، وفعلتَ ما فعلت يوم الأحد الماضي 00 ناهيك عن أخطائك القاتلة الكثيرة 00

ثم رفع حنان صوته قائلاً :

والآن قل لنا أيها المسيح من هم تلاميذك ؟ كم عددهم ، من هم الإثنى عشر ؟ ومن هم السبعين الآخرين ؟ 00 ما هي تعاليمك ؟ وما هو هدفك الذي تصبوا إليه ؟

يسوع :  أنا كلمتُ العالم علانية 0 أنا علَّمتُ كل حين في المجمع وفي الهيكل حيث يجتمع اليهود دائماً ، وفي الخفاء لم أتكلم بشئ 00 لماذا تسألني أنا ؟ أسأل الذين قد سمعوا ماذا كلمتهم هوذا هؤلاء يعرفون ماذا قلت أنا 00

لقد أراد يسوع أن يبرر تلاميذه من أي تهمة كانت ، وآثر أن يتحمل المسئولية كاملة لذلك قال ” أنا قلتُ 00 أنا علَّمتُ 00 قلتُ أنا ” وكأنه يريد أن يقول له أيضاً : أنظر ياحنان إلى السرية التي غلَّفتم بها جريمتكم ، بينما النور لا يخشى شيئاً 00 إنني كنت أجاهر بتعليمي في العلن وفي الخفاء لم أتكلم بشئ 00 حقاً إن العلنية التي إفتخر بها يسوع تدين التخابرات السرية لرؤساء الكهنة مع يهوذا ومع الرومان ” أنا الرب وليس آخر 0 لم أتكلم بالخفاء في مكان من الأرض مُظلم 00 أنا الرب مُتكلّم بالصدق مُخبر بالإستقامة ” ( أش 45 : 18 ، 19 )0

وأمام هذا المنطق القوي وتلك البراءة المُعلَنة خسأ حنان وخجل ، وشعر الشيخ العجوز بالإمتهان ، وإهتزت عمامته مع كرامته ، وعاد يعبث بلحيته ، ولايدري ماذا يقول أمام هذه الطلاقة واللباقة والفصاحة ، ومع هذا فإنه تماسك حتى لا يظهر بمظهر المتعدي على الأسير قبل أن يحكم مجمع السنهدريم الموقر عليه 0

وأحس أحد الخدام بمدى الحرج الذي أصاب رئيسه ، وأن هذا الشاب قد أودعه سجناً أدبياً لا يستطيع منه فكاكاً ، فهاج وأراد أن ينقذ رئيس كهنته ، فما كان منه إلاَّ أن لطم يسوع على وجهه لطمة قوية ، وهو يقول له : أهكذا تجاوب رئيس الكهنة ؟

يسوع : إن كنت قد تكلمت ردياً فاشهد على الردئ 0 وإن حسناً فلماذا تضربني ؟

          لم يثُر يسوع ولم يندفع ولم يلعن ، إنما أراد أن يُلقّن هذا الخادم درساً علَّه يفيد البشرية ، لتراعي أبسط مبادئ العدالة لِمن هم رهن المحاكمة ، ولم يقصد يسوع هنا أن يدافع عن نفسه إنما قصد أن يقول لهذا الإنسان : لماذا ترتكب هذه الخطية الشنعاء ؟!

وما هي مصلحتك في هذا ؟

ولماذا تزج بنفسك إلى نار جهنم ؟!

إن كنتُ قد تكلمتُ ردياً فأقصى ما يمكنك عمله ، هو الشهادة فقط على الردئ ، وليس لك أن توقع عليَّ العقوبة00

          وحار الخادم أمام هذا المنطق ، ودخل في قفص الإتهام الأدبي مع سيده 00 وكان من المفترض أن تأخذ النخوة حنان فيتدخل ويشكم خادمه ، ويطرده شر طردة ، لأنه بتصرفه الغبي هذا أساء إلى سيده وهو لا يعلم ، فمن يدافع عن من ؟! 00 هل الخادم يدافع عن رئيس الكهنة أم أن رئيس الكهنة يدافع عن خادمه ؟! 00 ولكن حنان تدنى إلى الدرجة التي أرتضى فيها أن يدافع عنه الخادم في قضية باطلة 0 ثم ياحنان من الناحية الأدبية أنت مسئول عن سلامة أسيرك مادام في قبضتك ، فتعدي هذا الخادم على الأسير يُعتبر تعدي عليك ياحنان شخصياً ، ولكن إذ تبلدت مشاعر ذاك الحنان مرَّر الموقف ، ولم يشأ حتى أن يلقي باللوم على هذا الخادم الشرير ، وأمر بإرسال يسوع إلى قيافا0

(10)  أورده مجدي سلامة في كتابه الصليب وتساؤلات الأحفاد ص 51 ، 52

 

من يطلق حنان من سجنه؟ ف1 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

غوغاء وعبيد ف6 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

غوغاء وعبيد ف6 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

غوغاء وعبيد ف6 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

 

اقرأ وافهم
روايات إيمانية

الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

الفصل السادس: غوغاء وعبيد

         

عودة إلى قصر رئيس الكهنة 00 عاد قيافا إلى قصره ، حيث حنان وشيوخ اليهود في لهفة من أمره 00 أخبرهم بما كان وكيف تحمَّل صلافة بيلاطس الذي تركه منتظراً أسفل القلعة لمدة طويلة ، وهو عاجز عن دخول القلعة حتى لا يتنجس ، وبيلاطس يهمله وكأنه كم مهمل ، وبعد أن إستمعوا إلى قيافا تساءلوا : هل سيقبضون على يسوع بمفرده أم سيقبضون على الجماعة كلها ؟

حنان : إن الوقت مُقصّر ، ولو قدمنا إثنى عشر شخصاً للمحاكمة بقصد قتلهم أو قتل بعضهم ، فلابد أن المحاكمة ستستغرق وقتاً طويلاً ، ونحن نريد أن ننجز 0

قيافا : إذاً لنقبض على التلاميذ ونودعهم السجن ، وبعد الخلاص من معلمهم نؤدّبهم ونطلقهم ، ومتى ضربنا الراعي فلابد أن تتشتَّت الرعية0

          وأقبل بعض جنود الهيكل ، وألحَقَ قيافا بهم أشد وأقوى عبيده وخدامه ، وبعد قليل حضر قائد المئة الروماني مع عدد ليس بقليل من الجنود ، وحملة المشاعل ، لكيما يكبح جماح الثورة المسلحة التـي يقودها يسوع مع تلاميذه ضد روما كما نما إلى علمه ، وإنضم إلى الموكب بعض شيوخ الشعب ، وأولاد حنان رؤساء الكهنة ، وتحرَّك الموكب الذي جمع المتناقضات معاً ، فالصدوقيون جنباً إلى جنب مع بقية الفريسين رغم التطاحن والإختلاف العقيدي بينهما ( فمعظم الفريسيون فضلوا ترك عملية القضاء على يسوع للصدوقيين ) والسادة مع العبيد ، والشيوخ مع الغوغاء ، واليهود مع الرومان 00 إجتمع الكل على هدف واحد ،  ألا وهو موت يسوع 00 تسلَّحوا بسيوف وعصي ، وأحاط بهم حملة المشاعل والمصابيح ، وتقدمهم يهوذا الأسخريوطي قاصداً بيت أرسطوبولس حيث يسوع هناك 0 بينما لبث قيافا وحنان وبقية الأعضاء يتشاورون ، ويتأسون لأنهم لم يقبضوا على يسوع منذ بدء كرازته وقبل أن يذهب العالم كله وراءه وقال قيافا : أتصدق أن بعض الفريسيين ، بل وبعضهم من أعضاء مجلس السنهدريم يتعاطفون معه ويصدقون تجاديفه 0

حنان : ملعون هو الشعب الذي لا يفهم الناموس0

          وسار الموكب يضم نحو خمسمائة شخصاً على إمتداد عشرات الأمتار ، يتقدمهم حملة المشاعل إلى بيت أرسطوبولس ، ولبث يهوذا يقرع الباب في هذه الساعة المتأخرة من الليل ، بل هي الساعة الأولى بعد منتصف الليل ، يحيط به موكب الموت ، وإندفع أحد الجنود يدك باب العلية دكاً ، وما أن فتح أحد الخدم الباب إلاَّ وإندفع الخائن ، يصحبه قائد الجند الروماني ، ورئيس حرس الهيكل اليهودي إلى العلّية 00 تطلعوا فإذ بالعليّة خاوية 00 تبادلوا النظرات لبرهة 00 أصبح الصمت سيد الموقف 00 يسوع ليس في العلّية ، فأين هو ؟!

أتُرى إنطلق إلى بيت عنيا مثل كل ليلة ؟!

أيعقل أن يكون قد هرب من أورشليم وعاد إلى الجليل ؟!

وأحس يهوذا بخطورة الموقف ، إذ بعد أن قلب الدنيا رأساً على عقب ، لم يجد يسوع 00 هل علم يسوع بالمؤامرة فذهب إلى مكان لا يعلمه أحد ؟!! 00 إذاً لقد فشل في مهمته ، وعلم في نفسه أن الموقف لن يتوقف عند رد الفضة ، بل سيجر عليه إهانات كثيـرة ، ولا يستبعد أن ينتقموا منـه عوضاً عن يسوع ، فهذه نفوس متعطشة للدماء 00 فليكن أي دم يُسفك !! ودارت الدنيا به ، وغاص يهوذا في تفكير عميق 0 ثم تصنع الشجاعة قائلاً : لنذهب إلى جبل الزيتون ، ربما يكون قد ذهب هناك ليصلي كعادته 0

صمت قليلاً ، ثم أردف قائلاً : إن لم نجده نسرع إلى بيت عنيا  حيث يبيت هناك0

وصمت برهة وقد تاه صوته ، وكأنه يحادث نفسه : فإن لم نجده ، فسأذهب وراءه إلى الجليل وأقنعه بالعودة إلى أورشليم ، ولو بعد فوات العيد0

وقال يهوذا في نفسه : إن لم أقدر أن أقنعه بالعودة ، فعلى الأقل أنجو بجلدي من هذا الموقف الخطير الذي وضعتُ نفسي فيه 0

وحدث هرج ومرج في بيت أرسطوبولس ، وإستيقظ الجميع يستطلعون الأمر ، وأدركوا أن الأوامر قد صدرت للقبض على يسوع ، ولكنهم لم يفهموا سر تواجد يهوذا معهم ؟! 00 إنطلق مرقس ، وقد هبَّ لوقته من النوم متسربلاً بإزاراً يستر عريه كما يفعل بعض أهل الشرق ، إنطلق كالسهم إلى البستان ليحذر المعلم0

          وتحرك يهوذا ولم ينطق ببنت شفة ، وخلفه قائد المئة وقائد حرس الهيكل ، والموكب كله يتبعهم 00 إنطلق يهوذا صوب جبل الزيتون ، ولم يكتفِ بدور المرشد السري ، إنما إذ ملأ الشيطان قلبه حقداً على يسوع من جانب ، ولكيما يؤكد للجميع ولاءه لهم من جانب آخر ، إلتفت إلى الجمع قائلاً : عليكم باليقظة ياإخوة ، والهجوم المباغت على يسوع ، وتوخي الحذر أثناء القبض عليه لئلا يفلت منكم 00 وأما أنا فسأسهل عليكم هذه المهمة الشاقة 00 سأقبّله وأحيطه بذراعيَّ ، فأعطل حركته ، حتى تحيطوا به سريعاً 00

وأوصاهم كثيراً ألا ينسوا العلامة مؤكداً لهم : الذي أُقبّله هو هو أمسكوه وأمضوا به بحرص 00

كل هذا الحقد وهذا الغل في قلبك يايهوذا ؟ 00 ولماذا ؟! 00

إنه غل الشيطان الذي سمحت لـه أن يسكنك يامن كنت تلميذاً للعلي !!

          قاد يهوذا الموكب عبر وادي قدرون إلى جبل الزيتون ، يتقدمهم حملة المشاعل ، ويحيط بهم حملة المصابيح ، ولم يكتفوا بضوء القمر الذي يرخي سدوله ، بل حملوا المشاعل بنورها الوهاج المتراقص ، والمصابيح بإضاءتها الثابتة ، لئلا يختبئ يسوع في كهف أو حديقة ، فمن خلال هذه وتلك يكشفون ستار الظلام ، والحقيقة إنه لا ضوء القمر ، ولا نور المشاعل ، ولا ضوء المصابيح ، إستطاع أن يبدد ظلمة القلوب ولا دجى النفوس ، فالكل يسعى بجد وإجتهاد للقبض على يسوع نور العالم 00 الجنود بسيوفهم يسعون لإرضاء قادتهم والعبيد بعصيهم يسعون لإرضاء سادتهم على حساب يسوع الذبيح 00 لم يعد الأبالسة يتحملون رؤية يسوع الوديع البرئ متواضع القلب ، ولم تعد البشرية الساقطة تحتمل يسوع الطاهر القدوس الرقيق ، فإجتمعت البشرية مع الأبالسة 00 إجتمع الأشرار مع الوحوش الضارية لينقضوا على الحمل الوديع الهادئ 00

وصار رؤساء الكهنة ينفثون سمومهم في الجمع ، مُشوّهين صورة يسوع البار 00 إنه عدو الله وعدو روما ، ورغم أن الكل في حالة تحفز ، ولكن بعض الهمسات تفلت من أفواه بعض الخدم ! أتدرون قوة يسوع وجبروته ؟! 0

طرد من ساكن القبور آلاف الشياطين 00 شفى المفلوج منذ 38 عام 00

أسكت البحر الهائج 00 أقام الميت بعد أربعة أيام 00

إحذروه ياسادة ، فالأمر ليس سهلاً والمهمة شاقة 00

ألعلك يايهوذا تقودنا إلى الهلاك ؟!!

          وفي الجانب الآخر كان التلاميذ الثمانية يجلسون في البيت الريفي بالبستان ، وسرى الحديث بينهم عن الأيام السالفة الصعيبة منذ دخولهم أورشليم ، وكيف تردت الأحوال وساءت 0 فالمؤامرات تُحبك ، والمشاورات تتم في الخفاء ، وإجتماعات السنهدريم في يقظة ونشاط ، وحديث المُعلّم في هذه الليلة الليلاء كم كان مراً ، وكيف أن أحدهم سيسلمه ، وبطرس سينكره ، وإنهم سيشكَّون فيه ولن يروه مجدداً 0

وكان التلاميذ يتوقعون أن السيد سينهي صلاته ، ويعود إليهم لينطلقوا جميعاً إلى بيت عنيا ، فإذ بهم يفاجئون بشاب يجري لاهثاً نحوهم ، وبصوت متهدج وكلمات متقطعة يسألهم أين المُعلّم ؟ 00 أين هو ؟ 00 إن الأمر جد خطير0

توما : ما الخبر يامرقس 00 إسترح قليلاً ، ثم إخبرنا ما الذي أتى بك إلى هنا في مثل هذه الساعة ؟!

مرقس : جنود الرومان 00 حرس الهيكل 00 رؤساء الكهنة 00 خدم وعبيد وغوغاء يبحثون عن يسوع ، يريدون القبض عليه 00 يطلبون القضاء عليه 00

فيلبس : أجلس يامرقس 00 إسترح 00 فإن أحداً لا يقدر أن ينال من يسوع شيئاً0

مرقس : سيقبضون عليه ، ويقودونه للموت00

توما : أن السيد ذهب ليصلي ، فلماذا نزعجه ؟! 00 إجلس يامرقس 00 إن الصباح رباح ، فإنهم لن يعرفوا مكاننا 0

مرقس : لقد لمحت يهوذا بينهم 0

صاح التلاميذ : إذاً يهوذا هو الخائن 00 هو الذي سيُسلّم سيده 00 تباً لكَ يايهوذا00 تباً لكَ يايهوذا 00

          وإذ بيسوع يقف أمامهم وخلفه بطرس وإبني زبدي ، وقبل أن ينطق أحدهم بكلمة تحذير ، قال يسوع لمرقس : أنا عالم ياحبيبي بكل شئ 00 هوذا الذي يسلمني قد أقترب 00 قوموا ننطلق من هنا 00

          وكانت الساعة الواحدة من صباح يوم الجمعة ، ووصل موكب الغوغاء والعبيد في هياج عظيم ( في هيصة وزيطة وفرح العمدة ) حطموا باب الحديقة مندفعين تجاه البيت ، ويهوذا دليلهم ، فهو الخبير بكل شبر في المكان ، وإذ بالموكب يفاجأ بظهور إنسان جليل يخطو خطوات ثابتة تجاههم ، وفوجئ الجمع بيهوذا يسرع نحو هذا الشخص ، فارداً جناحيه ، محتضناً إياه ، مرحباً به : السلام ياسيد 00 وطبع على وجهه قبلتة الغاشة ، فهكذا تعود التلاميذ عند غياب أحدهم ولو لفترة بسيطة ، أن يُقبّل المُعلّم عند رجوعه كنوع مـن الدالـة 0 أما يهوذا فقد أساء إستخدام هذه الدالة 0

          وتفرَّس يسوع في وجه يهوذا ملياً : لِمَ جئت ياصاحب ؟! 00 أبقبلة تسلم إبن الإنسان ؟!

وكم من معاني عميقة تخبئها تلك الكلمات بين طياتها ؟!

كيف جئت ؟! 00

أجئتَ كصاحب ؟! 00 فما هذه الجلبة والسيوف والعصي ؟!00

أجئتَ كعدو ؟! 00 فما معنى هذه القبلة ؟! 00

ألم تقرأ من قبل  ” غاشة هي قبلات العدو ” (أم 27 : 6) 0

فلماذا ياصاحب صارت قبلاتك غاشة هكذا ؟! 00ألم أحذرك ؟! 00

أتستخدم القبلة وهي أسمى معاني الحب والإخلاص والوفاء والصداقة في أدنى مظاهر الغدر والخيانة والجحود والتآمر والإغتيال ؟! 00

إن قبلتك يايهوذا لهي إنتهاك لحرمة التلمذة ، وحرمة الصداقة ، وحرمة الأمانة ، وحرمة الحب والوفاء 00

أتريد أن تؤكد يايهوذا أن أعداء الإنسان أهل بيته ؟!

لم يكن هناك ثمة سبباً واحداً حقيقياً يدعوك لتسليمي ، بينما يايهوذا عديدة هي الأسباب التي تحتم عليك أن تكون أميناً 00

ألم أختارك من الإثنى عشر ؟! 00

ألم أصادقك ؟! 00 ألم أُقدم لك كل حب وإخلاص ؟! 00

ألم أُوكل لك أمانة الصندوق ؟! 00

ألم أحافظ على مشاعرك ؟! 00

ألم أغسل رجليك يايهوذا ؟! 00

          عجيب أنت ياصاحب  ” لأنه ليس عدو يعيّرني فاحتمل 0 ليس مبغضي تعظَّم عليَّ فأختبئ منه 0 بل أنت إنسان عديلي إلفي وصديقي 0 الذي معه كانت تحلو لنا العشرة 0 إلى بيت الله كنا نذهب إلى الجمهور0 ” ( مز 55 : 12 – 14 ) 00 عجيب أنت يايسوع في دعوتك ليهوذا بالصاحب 00 إنك في أشد اللحظات ضراوة تُعلّمنا ألاَّ نقذف من أفواهنا حمماً وجمر نار0

          حقاً إن هذه القبلة الغاشة لهي أشد إيلاماً عليك يا يسوع الرقيق اللطيف لطف نسمة الربيع 00 حقاً إنها أشد إيلاماً من طعنة الخنجر ” ألين من الزيت كلماته وهي سيوف مسلولة ” ( مز 55 : 21 ) ” من هو الخروف الذي قَلَبَ نفسه ذئباً ، وبدأ يعض الراعي الصالح ” (5) 00 ألا ترى يايهوذا إن قبلتك الغاشة ينطبق عليها المثل اليوناني ” التقبيل شئ والمحبة شئ آخر ” والمثل اللاتيني ” في الفم عسل وفي القلب مرارة ” والمثل المصري العامي ” في الوش مرآية وفي القفا سلاية ” 00 الأمر العجيب رغم أن المُعلّم وهو يعلم أن يهوذا لن يستفيد من نصائحه هذه ، إلاَّ أنه لم يكفَّ عن إسداء النصح له ، فما لم يستفد منه يهوذا يستفد منه الآخرين عبر السنين والأيام 00 ألا تدرك يايهوذا أن كل كلمات الحب والإخلاص والوفاء التي بذلها المُعلّم لك ، وأنت تقابلها بجحود وبلادة ، ستشتعل ناراً في صدرك !!

          ” فإن البعض يعتقدون أن يهوذا أراد بفعلته هذه أن يدفع السيد المسيح إلى مغامرة وطنية 0 فلقد كان يعتقد أن يسوع هو حقاً المسيا المنتظر القادر على سحق الأعداء وطرد الغزاة 0 لهذا كانت توقعاته من شمشون عصره ، عندما يلتف حوله الأعداء ، إنه يقوم ويبددهم أو يطلب أن تنزل نار من السماء فتهلكهم 0 كان يهوذا واثقاً من نجاح خطته وأنه بهذه الطريقة يصل إلى السلطة والغنى والجاه 0 لكن سرعان ما تحطمت آماله عندما أسلم يسوع يديه في هدوء للقيود0

          ما أعجب يسوع 00 أنه أعظم من أن يُقحَم في مغامرة ما أو أن يستغله إنسان 00 كان يهوذا في ذهول ، لا يستطيع أن يدرك السر الذي دفع يسوع ليسلم نفسه ، لكن هل كان لذلك القلب الأثيم أن يعرف أهداف تلك المحبة السامية وطرقها ؟!!!

          هكذا جاء الصليب مفاجأة ليهوذا ، بل أن المفاجأة شملت الشياطين أنفسهم 0 لم يتخيلوا أن يسوع قد أحب البشرية إلى هذا الحـد 0 كانت كـل توقعاتهـم أنـه عندما يواجه الصليب لابد وأن يهرب 00

          إستيقظ يهوذا من غفلته ورأى يسوع كما لم يرى من قبل 00 وإذا بيسوع يناديه بصوت كله رقة وحب قائلاً ” ياصاحب لماذا جئت 00 أبقبلة تسلم إبن الإنسان ؟! ” كان صوت يسوع رقيقاً ومع ذلك كان له وقع السياط ، فالمحبة مهما كانت لطيفة في أسلوبها لكنها لابد وأن تبرز الحقيقة كما هي 0 هناك رأى يهوذا سيده يشع بالحب والطهر ، وفي نفس اللحظة رأى نفسه في أعماق الشر والنفاق ” (6)

          وجرت الأحداث بطريقة غير متوقعة وغير مألوفة ، فعوضاً عن أن تبحث الشرطة عن المتهم ، سعى يسوع البار نحوهم 00 فوجئوا جميعاً بوقوفه أمامهم رابط الجأش مرفوع الهامة في جلال ملوكي ، فتسمروا في مكانهم برهة ، وتداعى إلى خاطرهم يسوع رجل المعجزات ، ونسوا وصية يهوذا لهم بالهجوم المباغت ، أو قل إن اللحظة التي سيُسلّم فيها السيد نفسه لم تحن بعد0

وإذ بيسوع يلتفت إليهم ، ويسألهم بصوت قوي ، ردَّد صداه الآبد : من تطلبون ؟

ورغم أنهم تأكدوا من قبلة يهوذا أن السائل هو هو المطلوب ، ولكن الربكة والخشية أصابتهم ، فلم تمهلهم الجرأة ليقولوا له : إننا نطلبك أنتَ 00 لم يجرؤ أشجعهم أن يهمَّ بالقبض عليه ، إنما جاءت الإجابة غريبة ، تنم عن مدى هذه الربكة وتلك الخشية ، فقالوا : يسوع الناصري0

          وإذ بيسوع يزيح الستار قليلاً عن عظمة ومجد لاهوته ، مُعلناً عن ذاته : أنا هو 00

فإذ بالجمع ، كل الجمع يرتبك ويجزع 00 والذين في المقدمة تقهقروا مرتعدين ، وشلتهم المفاجأة فلم يتمكن أحدهم من أن يركض ، مُطلقاً ساقاه للريح 0 بل إنطرحوا على بعضهم البعض 00 سقطوا على الأرض من صغيرهم إلى كبيرهم ، بما فيه رؤساء كهنتهم ، وقائد حرس الهيكل ، وحتى قائد المئة الروماني المغوار الذي طالما خاض غمار الحرب الضروس سقط ، لأن رهبة يسوع غشتهم 00 ” وإذ قال إنه هو ، رجعوا إلى الوراء ، وسقطوا على الأرض ، لا حول لهم ولا قوة ، كمن هزهم رعد شديد أو صعقهم برق 0 كان يمكنه أن يأمر الأرض فتنشق وتبتلعهم كما حدث مع قورح وواثان وجماعتهما ( عد 16 : 49 ) 00 بهذا أكد للكل أنه سلَّم نفسه للموت بكامل إرادته ”  (7) ويقول القديس أغسطينوس ” إنه إن كان قد فعل ذلك عندما أُُلقي القبض عليه ليُحاكَم ، فماذا يفعل عندما يأتي لكي يُحاكِم ” (8)0

جاء الباطل يقبض على الحق فأنكفأ على وجهه مثلما سقط داجون أمام تابوت العهد ، لأن الحق لم يسمح للباطل حتى هذه اللحظة أن يتمكَّن منه 00

          أما آلاف الشياطين الذين صاحبوا الموكب في جلبة وضوضاء ، وكأنهم جنود أغوار في حلبة القتال ، فإنهم فروا هاربين سريعاً ، ولم تنجح أوامر سطانئيل الصارمة وصيحاته وصرخاته في لمْ شملهم 0

وكانت الفرصة سانحة تماماً لكي تهرب لحياتك يايسوع لو أردتَ 00 لكنك لم تفعل ، لأنه لأجل هذه الساعة قد أتيتَ ، فظلَّلت واقفاً بجلالك وجمالك 00 بشموخك وكمالك 00

إذاً 00 هل ستُسلّم نفسك إليهم يايسوع ؟

نعـم 00

إذاً 00 لماذا أسقطتهم تحت قدميك ؟!

لكي لا يفتكوا بأولادي التلاميذ ، ولا يقبضون عليهم بحسب مشورة قيافا 0

وظل يسوع واقفاً حتى نهضوا ولملموا شتات أنفسهم وجمعوا شملهم ، ولكيما لا يظن أحد أن يسوع إرتفع في هذه اللحظة إلى السماء وأسقط شبهه على آخر ، أعاد ذات السؤال : من تطلبون ؟

وإذ وطأة يسوع خفت عليهم هذه المرة فأجابوه : يسوع الناصري0

يسوع : قد قلت لكم أنا هو 00 فإن كنتم تطلبونني فدعوا هؤلاء يذهبون0

          لم يتحدث إليهم يسوع بلهجة التوسل والرجاء ، إنما بلهجة القوة والأمر ووضع الأمور في نصابها ، ولم يكن لأحد خيار آخر ، بالرغم من أنهم مكلفون بالقبض على الجماعة كلها ، لكنهم أطاعوا بلا جدال ولا نقاش ، خشية يسوع الذي كشف منذ لحظات عن قوته وسطوته ، فلا الجنود الذين تعودوا الطاعة العمياء لقادتهم ، ولا العبيد الذين يلتزمون بأوامر أسيادهم ، جرأ أحد من هؤلاء أو أولئك أن يخالف أوامر الملك المسيح الذي يحفظ قطيعه الصغير 00 إنه الراعي الصالح المتكفل بسلامتهم ، ومن أجلهم يبذل ذاته0

عجباً ياربي وإلهي ولماذا تركت الباطل يتمكَّن منك ؟! 00 عندما أرادوا أن يخطفوك ليجعلوك ملكاً إنصرفت عنهم والآن تُسلم لهم ذاتك لكيما يذبحونك !!

وهمس يسوع : لكيما أطلق الذين قبض عليهم الموت من أولادي ، وأرسلهم إلى الحرية 00 من أجلهم سأسلم الآن نفسي ، فيظن الموت أنني مثلهم فيبتلعني ، وحينئذ سأشق بطنه وأقوم ، وفي يدي أولادي الذين سبق وأبتلعهم بل والذين يتجرأ ويبتلعهم فيما بعد00

          وكان ملخس هو أول من إندفع وأمسك بيسوع بكل وحشية ، فهو عبد ضخم البنية مفتول العضلات ، ولم يتمالك بطرس نفسه ، ولاسيما أنه عاين من لحظات قوة يسوعه ، فإستل سيفه وضرب ملخس ضربة هوجاء بغية الإطاحة برأسه ، ولكن ملخس أشـاح برأسه بعيداً عن سيف بطرس الذي أطاح بأذنه اليمنى 00

بينما صاح بقية التلاميذ : يارب 00 أنضرب بالسيف ؟

وفي هذه اللحظة كان من الممكن أن تحدث مذبحة يتحول فيها التلاميذ الأحد عشر إلى أشلاء متناثرة ، ولكن مازال يسوع – وكما هو دائماً – سيد الموقف وضابط الكل ، فأمر بطرس : رد سيفك يابطرس إلى غمده ، فأنا لم آتِ لأهلك وأقتل وأذبح إنما جئت لأخلص 00 ألاَّ تعلم أن الذين يأخذون بالسيف بالسيف يهلكون0

          إنها وصية يسوع الأبدية لأتباعه في كل آن ومكان ، ولذلك يستشهد شهداء يسوع ويُذبحون ، لكنهم سيفاً لا يحملون ، وبغضة لا يكنون ، ودمائهم تأتي بثمر كثير 00 حقاً وحقيقة ، لم يكن يسوعنا يوماً غازياً فاتحاً يفرض دينه بقوة السيف ، ولم يفرض إتاوة ولا جزية على أحد ، ويقول المثل اللاتيني ” لايمكن أن تُفرض الديانة بالقوة ، لكنها تتطلب الدفاع عنها لا بالقتل بل بالموت “0

          ثم أردف يسوع القول لبطرس : الكأس التي أعطانيها الآب ألاَّ أشربها 00 أتظن إني لا أستطيع الآن أن أطلب إلى أبي فيُقدّم لي أكثر من أثنى عشر جيشاً من الملائكة ، فكيف تكمل الكتب أنه ينبغي أن يكون0

أُنظر يابطرس أنت لك فكرك وأنا لي فكري 00 لك نظرتك ولي نظرتي 00

أنت تظن أنني قُهرت أمام هذه الوحوش 0 أما أنا فإنني أتسلّم هذه الكأس من يد الآب الذي سرَّ أن يسحقني بالحزن 00 أنهم لا يرون يابطرس صورتي الإلهية ، إنما يرون الآن خطايا البشرية وآثامها التي حملتها على منكبيَّ 00

ألا تذكر يابطرس أن ملاكاً واحداً قتل كل أبكار مصر ، وملاكاً واحداً قتل مائة خمسة وثمانين ألفاً من جيوش سنحاريب ؟! 00 فما بالك بجيش كامل من الملائكة ؟! 00 وما بالك بإثنى عشر جيشاً من هؤلاء الملائكة ؟! 00 وأعلم يابطرس ، إنه لو هبط إلى أرضنا هذا العدد المهول فإن السماء ستظل عامرة بالملائكة 00 فكم هو عدد الملائكة يابطرس ؟!!! 00 أنا هو رب الملائكة ولا أشأ أن أدافع عن نفسي بغية خلاصك وخلاص إخوتك ، وأرفض أن يدافع أحد عني لينصر دين الله 00

ياملائكة السماء 00 أتصفون لي مشاعركم حينذاك ؟!! 00

بلاشك أنكم أردتم الإندفاع كبطرس ، ولكن ليس الملاك الخاضع الملتزم بأوامر سيده مثل بطرس ، ولذلك إلتزمتم بأوامر بارئكم 00

أي آلام جُزتم فيها ياملائكة السماء وأنتم ترون سيدكم في هذه الصورة المذرية من أجل خلاص البشرية ؟!! 00

حقاً إنكم تفرحون بخاطئ واحد يتوب ، ولكن كان لابد أن يجوز سيدكم هذه الساعات الحالكة لكيما يهئ للخاطئ إمكانية العودة 0

          كان ملخس القوي الجبار يركع ويتلوى من الألم محاولاً وقف النزيف المتدفق ، وإذ بيسوع الحاني يتحنَّن وينحني ويلتقط أذن ملخس ويضعها مكانها ، حتى إن أعظم جراح في العالم يستحيل عليه أن يكتشف أن هذا الجرح إبن ليلته ، بينما أخذ رؤساء الكهنة يردّدون بلا وعي : إنه ساحر 00 ساحر عظيم 00 مهما كان سحره ، فإن القانون سيأخذ مجراه 00 لن تقف العدالة مكتوفة الأيدي 0

وإذ بقائد المئة ورئيس جند الهيكل يتجرأن ويمسكا بذراعي يسوع بعنف ويلويانهما خلف ظهره ، وتتشابك أيدي الغوغاء تجذب ملابسه بفظاظة ، بينما قدم أحدهم الحبال التي أحضرها فربطوا يسوع الذبيح  وأوثقوه حتى لا يستطيع فكاكاً 00 لم يفهم هؤلاء العصاة أنه سلَّم نفسه بإرادته 00

والحقيقية أن فزعهم وذعرهم قد إنعكسا على عنفهم وقسوتهم في شد الوثاق 00 أوثقوه كمن نالوا نصرة عليه ، ولعلهم خشوا أن يصنع معجزة فيفلت من أيديهم ، لذلك أحكموا الوثق جداً 0 يقال أنه إذ سلم نفسه أرادوا ضمان السيطرة عليه فقيدوه بعنفٍ شديدٍ ، حتـى كـاد الدم يخرج من أطراف أصابعه 0 أوثقوا يديه خلفه ، ووضعوا قيوداً حديدية في رقبته وصاروا يجرونه 0 بدأت سلسلة العذابات والإهانات بكل وسيلة ممكنة 00 ما كــان يمكنهـم أن يوثقوه لو لم يوثق نفسه بقرون المذبح بحبال الحب الفائق ، كحمل ليُقدَم ذبيحة عن العالم 0 لم يدركوا أنه قد رُبط عوضاً عنا نحن الذين تربطنا حبال آثامنا ( أم 5 : 22 ) ونير العصيان ( مرا 1 : 14 ) 00 وإذ صار مسيحنا خطية من أجلنا قبِل أن يُربط بالحبال لكي يحررنا من قيودنا 0 صار تحت القيود لننعم نحن بالحرية ” (9)

وتنهد يوحنا : اليدان اللتان أشبعت الآلاف 00 اليدان اللتان شفتا الأمراض ، وفتحتا أعين العميان ، وأخرجتا الشياطين ، وأراحتا التعابى تشدُّ بالوثق هكذا !! 00

لماذا يارب 00 لماذا ؟!! 00

لأجل محبتي لك يايوحنا أنت وإخوتك 00 لأجل حبي للبشرية في كل مكان وزمان00

          وبعد أن تمكن الحشد من الأسد الخارج من سبط يهوذا أستأسدوا ، وتذأبوا وتنمَّروا ، فصاروا وحوشاً كاسرة تحتقن عيونهم بنظرات الشر والغل والغدر ، وتناسوا ما كان منذ لحظات ، ولو شاء يسوعك لجعلهم مثل العصافة في وجه الريح العاصف ، ولجعل سيوفهم قشاً ، وعصيهم كلا شئ 00

وإنطلقت تعليقاتهم في سخط وسخرية : هوذا الذي فتن المسكونة كلها 00 هوذا الذي طرد الشياطين ببعلزبول 00

          أما بالنسبة للتلاميذ فكأن الحياة كلها توقفت عند هذه اللحظة الرهيبة 00 وتسللوا سريعاً ، وفي خضم الأحداث أطلقوا سيقانهم للريح لا يلوون على شئ 00 تبعثروا ، وهرب كل منهم في إتجاه ، هذا من إتجاه ، وذاك من آخر ، ورعبـة الموت تطاردهم ، أما أشجار الزيتون الكثيفة فقد سترت عليهم ، وفلول الشياطين الذين فروا هاربين من ميدان الصراع منذ لحظات ، عادوا غازين يكرون ويزعجونهم ، ونجح بعضهم في تشكيك التلاميذ في شخصية وهوية يسوع ، وتساءل التلاميذ : تُرى ماذا يجري في هذه الليلة الغبراء ؟!

كيف يترك المُعلّم نفسه للغوغاء ليقبضوا عليه ؟!

أليس هو المسيا الذي سيمكث معنا ؟!

ولو كان هو المسيا لماذا لم يُنزِل ناراً من السماء ويحرقهم كما فعل إيليا ؟! 

لماذا لم يخسف بهم الأرض خسفاً ؟! 

وتحقق فيهم القول الإلهي ” كلكم تشكُّون فيَّ في هذه الليلة لأنه مكتوب أضرب الراعي فتتبدد الرعية ” 00

ألم يقل لهم المعلم منذ قليل : هوذا تأتي ساعة وقد أتت الآن تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته وتتركوني وحدي وأنا لست وحدي لأن الآب معي ؟!

وهرب التلاميذ في طريق مخالف للطريق الذي أتى منه الجنود 00 لقد أقبل الجمع من وادي قدرون 0 أما التلاميذ المذعورين فقد فروا في الإتجاه الصاعد إلى جبل الزيتون ، حيث يقع بيت عنيا على أكتافه ، ولاحظ بعض الشباب مرقس وهو يسرع بالهرب ، فأسرعوا يمسكون بتلابيبه ، فأفلت من الآزار وجرى عرياناً وسط ضحكات وصيحات الجمع التي إختلطت بضحكات الشياطين0

          أما يسوع فعاتب رؤساء الكهنة وأتباعهم :  كأنه على لصٍ خرجتم بسيوف وعصي لتأخذوني 0 كل يوم كنت معكم في الهيكل أُعلـم ولـم تمسكوني 0 ولكـن هذه ساعتكم وسلطان الظلمة 00

وكأنه يريد أن يقول لهم : ياجند الهيكل وقائدهم 00 ألم أكن معكم كل يوم في الهيكل أُعلم ولم تلقوا عليَّ الأيادي ؟!

لو كان هناك خطأ في تعليمي ، أو في سلوكي ، فكيف تركتموني يارؤساء الكهنة وشيوخ الشعب إلى هذه اللحظة ؟!

إن تعليمي يشهد لي أنني لم أكن يوماً لصاً ولا شريراً ولا مثير فتنة 00 فعلآم كل هذا ؟!

لم أخرج إلى البراري لأتزعم جماعة ثائرة إنما كنتُ تحت أبصاركم في الهيكل وأمام الكل 00 فلماذا لم تلقوا عليَّ الأيادي نهاراً جهاراً ؟! ولماذا مجيئكم إليَّ في هذه الساعة من الليل ؟!

ولكن هذه ساعتكم وسلطان الظلمة 00

          حدث من قبل في مدينة الناصرة أنهم قاموا وأخرجوه خارج المدينة وجاءوا به إلى حافة الجبل الذي كانت مدينتهم مبنية عليه حتى يطرحوه إلى أسفل 0 أما هو فجاز في وسطهم ومضى 00 وحدث ذات مرة أن رؤساء الكهنة أرسلوا بعض الخدام ليمسكوه  فجاء الخدام إلى رؤساء الكهنة والفريسيين وقال هؤلاء لهم : لماذا لم تأتوا به ؟ أجاب الخدام لم يتكلم قط إنسان هكذا مثل هذا الإنسان 00 وحدث ذات مرة أنهم رفعوا حجارة ليرجموه 0 أما يسوع فأختفى وخرج من الهيكل مجتازاً في وسطهم ومضى هكذا 00 وكان يعلم كل يوم في الهيكل وكان رؤساء الكهنة والكتبة مع وجوه الشعب يطلبون أن يهلكوه 0 ولم يجدوا ما يفعلون لأن الشعب كله كان متعلقاً به يسمع منه 00 أما الآن فهو يسلم نفسه بإرادته لأيدي الخطاة 00

من قبل تقدم إبليس ليجرب إبن الإنسان وهو على جبل التجربة ، فهزمه إبن الإنسان هزيمة ساحقة ، فماذا فعل إبليس ؟ 00 لقد تركه إلى حين 00 فما هو مقدار هذا الحين ؟ أنه أكثر من ثلاث سنوات 0 أما الآن فقد عاد إبليس بعد أن أعدَّ العدة ورتب أوراقه 00

نجح في إثارة حقد وغل رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب وكل القيادات الدينية بلا إستثناء 00

ونجح في غزو قلب يهوذا تلميذه 00

ونجح في تأليب الشعب ضده 00

ونجح في زرع الخوف في قلب بيلاطس البنطي 00

فجاءت ساعة الشر ، وسلَّم يسوع ذاته لسلطان الظلمة ، ولكن ليس لوقت طويل ، فلن تستمر الظلمة على الصليب أكثر من ثلاث ساعات ، ولن يُوسد جسده الطاهر في القبر أكثر من ثلاثة أيام ثم تأتي النصرة الباهرة ، وتتلألأ أضواء القيامة بلا توقف إلى أبد الآبدين 00 فصبراً ياقلبي صبراً0

(5)  قول للقديس يعقـوب السروجـي – القمص تادرس يعقوب – تفسير إنجيل يوحنا جـ 2 ص 1141

(6) دكتور فؤاد بولس – تحت أقدام الصليب ص 100 ، 101

(7)  القمص تادرس يعقوب – تفسير إنجيل يوحنا جـ 2 ص 1143

(8)  المرجع السابق ص 1144

(9)  المرجع السابق ص 1150

 

غوغاء وعبيد ف6 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

صراع البستان ف5 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

صراع البستان ف5 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

صراع البستان ف5 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

 

اقرأ وافهم
روايات إيمانية

الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض 

الفصل الخامس: صراع البستان

 

وبعد أن ختم يسوع صلاته ألتفت إلى تلاميذه في عزيمة وإصرار قائلاً لهم : ليفهم العالم أنني أحبُ الآب وكما أوصاني الآب هكذا أفعل 0 قوموا ننطلق من ههنا0

وترك يسوع العلية ، يتبعه تلاميذه الأمناء وهم لا يعلمون إلى أي مكان يتجهون ، ولكن في حب ورضى يخضعون ، وبلغت الساعة نحو الحادية عشر والنصف مساءاً ، ورغم توافد مئات الألوف إلى أورشليم للإحتفال بالأعياد إلاَّ أن المدينة ظهرت في تلك الساعة وكأنها مدينة أشباح ، إذ خلد الجميع للنوم في تلك الليلة القارصة البرودة ، ماخلا أعداداً صغيرةً متناثرةً جلسوا يصطلون ويتسامرون ، وكل ما يشغلهم موعد ظهور المسيا الذي بات قريباً على الأبواب ، ليقيم مملكة إسرائيل 00 مملكة المجد والفخار ، وبينما أقفرت الشوارع من العابرين فيها لم تعد تسمع سوى أصوات فرقعات نعال جنود الحراسة ، وأما الهيكل فهو يقظ بحراسه الذي ينتشرون في أربعة وعشرين موقعاً بجوار الأبواب والأفنية ، جميعهم من الكهنة واللاويين 00 كل نقطة حراسة بها عشرة لاويين مع كاهن واحد ، وعندما يمر قائد الحرس يسمع صوت جندي الحراسة وهـو يؤدي له التحية صارخاً  ” ياقائد حرس الهيكل 0 سلام لك “0

وسارت جماعة القديسين يتقدمها يسوع في سكون الليل الرهيب ، وإذ أدرك التلاميذ أن العاصفة الشيطانية تدق الأبواب خافوا وخيّم الحزن الأسود عليهم ، فلم يعد هناك ولا همسات الرجال معاً 00 إنه الهدوء الذي يسبق العاصفة 00 هوذا موكب القائد الذي أوشك على إقتحام أرض المعركة ، وبقدر ما كان حزن وخوف التلاميذ عظيماً ، كانت جيوش الشياطين تغج بالبهجة والسرور ، هؤلاء الذين تجمعوا بالآلاف يتَّتبعـون ذاك الموكب الأليم ، ولوسيفر رئيسهم يرتب كل الأمور بحكمة بالغة حتى لا يفلت منه أمراً ما كبيراً كان أم صغيراً 0

وبينما كانت الجماعة تعبر الباب الشرقي إلى خارج أسوار المدينة ، إذ بقافلة قادمة من مصر ، يتصدرها عم يعقوب الذي يحرص على الحضور إلى أورشليم كل عام في مثل هذا الوقت ، وهو يحكي لهم في تلك اللحظات عن ظهور شخص فريد منذ ثلاث سنين ، وعن معجزاته العظيمة التي لم يصنعها أحد من قبل ، ومن المنتظر أن يصنع فداءاً لإسرائيل في هذا العيد 00 إلتقت القافلة الداخلة إلى أورشليم مع الجماعة الخارجة من أورشليم ، وتبادلوا التحية ، ولم يفطن أحد من رجال القافلة ولا عم يعقوب الذي كلت عيناه أن الشخص موضع حديثهم هو هو السائر أمامهم مع تلاميذه الأطهار 0

أما خارج الأسوار فقد لمعت الأنوار المتناثرة من الخيام المتزاحمة وكأنها أضواء شموع صغيرة ، وسلكت الجماعة طريق وادي قدرون على الجانب الشرقي من أورشليم بين المدينة وجبل الزيتون ، فالخارج من أورشليم يجد جبل الزيتون على يمينه وأسوار أورشليم على يساره ، وفي وادي قدرون هذا مجرى مائي ضيق يمتلأ بالمياه أثناء فترة الأمطار ويُدعىَ بإسم قدرون أو النهر الأسود نظراً لإختلاط مياهه بالقاذورات والمخلفات التي يلقيها سكان أورشليم فيه ، وفي القديم عندما صنعت معكة أم آسا الملك تمثالاً لعبادته دقَّ آسا هذا التمثال وأحرقه في وادي قدرون ( 2 أي 15 : 16 ) وعندما أزال حزقيا الملك مذابح الأوثان التي إنتشرت في أورشليم طرحها في وادي قدرون هذا ( 2 أي 30 : 14 ) كما إن يوشيا الملك الصالح أخرج من هيكل الرب الآنية التي صنعها الشعب للبعل واجتاد السماء ، والساربة ، وأحرقها في وادي قدرون ( 2 مل 23 : 4 ، 6 ) فوادي قدرون يحمل رائحة عبادة الأصنام النجسة ، وهوذا إبن الله يخوض معركة تحرير الإنسان المسكين من عبادة الشيطان المرذولة ، ودُعي الوادي باسم وادي قدرون كما يقولون وادي النيل في مصر ، وهذا الوادي تجده جافاً معظم أيام السنة فيما عدا فصل تساقط الأمطار0

وإلتفت يسوع إلى تلاميذه وقال لهم بصوت آسيف : كلكم ستعثرون وتشكُّون فيَّ في هذه الليلة 0 مكتوب إني أضرب الراعي فتتبدد خراف الرعية ، ولكن بعد قيامي أسبقكم إلى الجليل 00 وكأن المعلم أراد أن يعلن لهم عن أمرين معاً الأول هو ضعفهم وهروبهم ، والثاني هو صفحه عنهم ومغفرته لهم ، ولهذا فإنه أعطاهم وعداً باللقاء في الجليل 0 ولمعت أمام متى على الفور نبؤة زكريا النبي ” أستيقظ ياسيف على راعيَّ وعلى رجل رفقتي يقول رب الجنود أضرب الراعي فتتشتَّت الغنم ” ( زك 13 : 7 ) لم يكن وقع كلمات يسوع على التلاميذ بالأمر السهل ، ولاسيما أنه كان قد أخبرهم منذ قليل بأن منهم سيخرج الخائن الغادر الذي يسلمه للموت ، والآن يقول أن جميعهم سيشكُّون فيه !! 0

وإذ رقب المعلم بعينه الإلهية حركات لوسيفر وإلتماسه من الله ، أردف القول قائلاً : سمعان سمعان هوذا الشيطان قد طلبكم ليغربلكم كالحنطة ، ولكني طلبتُ مـن أجلك لكي لا يفنى إيمانك 0 وأنت متى رجعت ثبت أخوتك0

لقد إبتهج الشيطان بإقتناص يهوذا أيما بهجة ، فأخذ يناور ليقتنص البقية ولاسيما بطرس ، وهكذا سيظل الشيطان يهاجم بشراسة أولئك الذين يحملون كنوزهم ويبحرون تجاه الملكوت ، ولكن هيهات له ، لأن الراعي الصالح لن يترك النفوس الأمينة فريسة للعدور الشرس0

وإضطربت نفس بطرس داخله ، ولم يعرف كيف يجيب ولا يدري ماذا يقول ، فمادام يسوع قال هذا فلابد أن يكون هكذا ، ومع هذا فإن بطرس لم يطق الصمت فإندفع قائلاً : وإن شك فيك الجميع فأنا لا أشك أبداً 00 لا في هذه الليلة الليلاء ولا في غيرها0 إني أضع نفسي عنك0  وأجابـه يسوع بلغة العالم بكل شئ : ” أتضع نفسك عني ؟ الحق أقول لك أنك في هذه الليلة قبل أن يصيح الديك مرتين تنكرني ثلاث مرات “0

وإذ إستكثر بطرس على نفسه السقوط في خطية الشك ، فإذ بالسيد يعلن له أنه سيسقط في خطية أشد وأصعب وهي خطية الإنكار0

وتنهَّد بطرس من أعماقه قائلاً : لا 00 لا 00 ولو أضطررت أن أموت معك لا أنكرك 00 إني مستعد أن أذهب معك إلى السجن وإلى الموت 00

وهكذا همهمَّ بقية التلاميذ بمثل هذه الكلمات 00 هذا مستحيل !! كيف ننكرك ؟!! 00 نحن معك حتى الموت 00

ثم قال يسوع : حين أرسلتكم بلا كيس ولا مزود ولا أحذية هل أعوزكم شئ ؟

التلاميذ :  لا يارب0

يسوع : لكن الآن من له كيس فليأخذه ومزود كذلك ، ومن ليس له فليبع ثوبه ويشتري سيفاً ، لأني أقول لكم أنه ينبغي أن يتم فيَّ هذا المكتوب وأُحصى مع آثمة 0 لأن ماهو من جهتي له إنقضاء0

التلاميذ : يارب هوذا هنا سيفان0

وكان هذان السيفان مجرد سكينتان كبيرتان كانتا مع بطرس ويوحنا لإعداد خروف الفصح0

يسوع : يكفي0

وكأنه يريد أن يقول لهم : أنني أحدثكم عن سيف الروح الذي يساعدكم في حروبكم الروحيَّة ضد الشيطان الذي طلب أن يغربلكم ، وأنتم تتكلمون عن سيوف مادية 00 وماذا يفعل سيفان في يد حفنة من صيادي السمك في مواجهة جنود الهيكل وجنود الرومان والخدم والعبيد والغوغاء ؟! 00 هل أنا غاوي أرميكم في التهلكة ؟! ، وما الداعي للسيف المادي إن كنت أنا سأسلم نفسي للموت يإرادتي وأتمّم المكتوب  ” وأُحصى مع آثمة “ 00 أنظروا أنني لا أتكلم عن سيف مادي يفصل الرقاب عن الأجساد ، ولهذا سترونني بعد قليل أامر بطرس برد سيفه إلى غمده ، فهل أدعوكم إلى شراء سيف مادي وأنهيكم عن إستخدامه ؟!

والآن هوذا أقدام الجماعة تطأ أعتاب جبل الزيتون ، وما أشبه الليلة بالبارحة ، فمنذ نحو ألف عام صعد داود حافياً باكياً مطارداً من إبنه شالوم مُغطى الرأس وأحبائه يبكون معه ، وهوذا التاريخ يعيد نفسه ، فهوذا إبن ورب داود يسير مع تلاميذه من أورشليم إلى جبل الزيتون 00 وكان التلاميذ يسيرون في إعياء ، فمنذ إستيقاظهم في الصباح الباكر في بيت عنيا ، وحتى هذه الساعة المتأخرة لم ينعم أحدهم بالنوم ، وقد قارب الليل على الإنتصاف ، بالإضافة إلى الإرهاق النفسي الشديد نتيجة الصدمات المتلاحقة التي تعرَّضوا لها ، وإحساسهم القوي بأنهم مزمعون أن يدخلوا في عاصفة هوجاء قد تطيح بكل شئ 00 كل شئ 00 ، ورغم أن المسافة من العلية إلى جبل الزيتون لا تزيد عن كيلو متراً واحداً فإنها كانت ثقيلة عليهم جداً ، حتى تمنى كل منهم أن يجد له ملاذاً أميناً فيلقي بنفسه وينام نوماً عميقاً ، ويهرب من ذلك الكابوس المرعب0

          وأخيراً وصلت الجماعة إلى بيت القصيد حيث ” بستان جثسيماني ” وهو عبارة عن حديقة متسعة ملكاً لأرسطوبولس ، حيث تنتشر أشجار زيتون ، وبها بيتاً ريفياً يكفي لمبيت مجموعة كبيرة 00 لقد إعتاد أغنياء اليهود أن يكون لهم حدائق خارج المدينة يروحون فيها عن أنفسهم ، وكلمـة ” جثسيماني ” كلمة آرامية ، معناها معصرة الزيتون ، ويقع البستان عند السفح الغربي لجبل الزيتون ، ويرتفع هذا البستان نحو 140 قدماً عن أورشليم ، فمن السهل على الإنسان أن يعاين الجانب الشرقي للهيكل بحجارته الضخمة التي تثير الدهشة والإعجاب ، ومنذ أيام قلائل أشار أحد التلاميذ للمعلم قائلاً : أنظر يامعلم هذه الأحجار وهذه الأبنية ؟ فأجابه يسوع : أتنظر هذه الأحجار وهذه الأبنية ؟ 00 لا يُترَك حجر على حجر إلاَّ وينقض0

          وتأمل يوحنا معصرة الزيتون وبقايا حبات الزيتون التي كانت تُعصر بين حجريها المستديرين ، فيجري دمها أقصد زيتها في المسار الصخري حيث تمتلأ الآنية بالخير ، ولاحظ يوحنا نظرة يسوع للمعصرة ، فإرتسمت أمام عينه نبؤة أشعياء التي نطق بها منذ سبعمائة عام ” قد دست المعصرة وحدي ومن الشعوب لم يكن معي أحد0 فدستهم بغضبي ووطئتهم بغيظي فرُشَّ عصيرهم على ثيابي فلطخت كل ملابسي ” ( أش 63 : 3 ) 0

          لقد إختار يسوع بستان أرسطوبولس ليكون موقع القبض عليه ، وليس بيته ، حتى لا يسبب إزعاجاً وحرجاً لأهل البيت ، فإنه جاء ليحل أتعاب وأوجاع الآخرين ، وليس العكس ، كما إنه أخذ على عاتقه أن يحمل الصليب بكل تضحياته وفضائحه – ما أحلى رِقتك يايسوع وما أجمل لطفك !! 00 حتى وأنت في أشد الآلام لا يفوت عليك أموراً صغيرة كهذه – ، وأيضاً شاء المعلم أن يلاقي العدو وهو في حالة صلاة حارة عميقة وصراع ، وليس في حالة راحة وإسترخاء ، وطالما شهد هذا البستان ساعات حلوة وذكريات عطرة للتلاميذ مع معلمهم ، فلعلَّ يهوذا عندما تقوده أقدامه إلى هذا الموضع يراجع نفسه ويُغيّر موقفه !!

          ” وفي الليل إنطلق السيد المسيح قائد المعركة ضد قوات الظلمة ، ليذهب إلى أرض المعركة ، معلناً خروجه للصليب 00 ذهب في خطة مرسومة ينتظر موكباً متواطئاً مع الظلام 0 كان ينتظر يهوذا مع موكب الظلمة كمن في شبه موعدٍ معه ، وفي مكانٍ معروفٍ لديه 0 لم يتهرب السيد المسيح من موكب الظلمة 00 خرجوا بمصابيح ليلقوا القبض على يسوع ، آدم الثاني ، مع إن القمر كان كاملاً 0 لقد ظنوا أنه ربما يختبئ بين الأشجار كما إختفى آدم الأول في جنة عدن وراء الشجر من وجه الله 00 جاء الموكب مستعداً ، لعلهم خشوا من خسوف القمر لذلك حملوا المشاعل والمصابيح ، وخشوا أن يُوجد مع تلاميذه أسلحة ، لذلك جاءوا مسلحين مستعدين للدخول في معركة 0 ليس عجيباً أن نجد ذات الفكر عبر العصور ، فيتهم العالم الكنيسة بأنها تريد أن تقيم دولة داخل دولة ، مع أن أسلحتها روحية ، ومملكتها ليست من هذا العالم ” (4)

          وعند باب البيت الريفي الذي إعتاد يسوع التردد عليه من قبل مع تلاميذه ، قال لثمانية منهم : إجلسوا أنتم هنا حتى أمضي وأصلي هناك ، ففي القديم عندما كان قلب إبراهيم مفعماً بمشاعر عميقـة ومعـه إبنه الذبيح إسحـق ، قال للغلامين بروح الرجاء  “إجلسا أنتما هنا 00 وأما أنا والغلام فنذهب إلى هناك ونسجد ثم نرجع إليكما ” ( تك 22 : 5 ) 00 لقد خشى المعلم على تلاميذه الثمانية من رؤيته في حزنه وكآبته ، فأشفق عليهم وتركهم في البستان – ما أعظم لطفك يايسوع !! – وأما بطرس وإبني زبدي الذين عاينوا أمجاده في التجلي فهم أقدر على تحمل رؤيته في هذا الضعف دون أن يهتز إيمانهم به 00 توغل بهم في البستان ، وصرَّح لهم قائلاً : نفسي حزينة جداً حتى الموت 00 والنفس هي مركز المشاعر والأحاسيس والعواطف البشرية ، فهـي تحزن وتفرح ، وتصح وتمرض ، وإبن الله في تجسده إتخذ طبيعة بشرية كاملة من روح وجسد ونفس ، – فلا يحق لك ياأبوليناريوس أن تدَّعي أن الله في تجسده أخذ جسداً بدون روح بشرية ، ولا يحق لكما يا فلنتينوس وأوطاخي أن تدَّعيا أن الله في تجسده إتخذ جسداً شبحياً أو خيالياً ، فجميع الآلام كانت محسوسة عنده 00 نفسيَّة وجسديَّة – 0

ثم قال لهم : أمكثوا هنا وصلوا0

إنه يعلمهم فائدة شركة القديسين وقت التجربة 00 حقاً إن النفس المثقلة بالحزن تلتمس العزاء من صديق مخلص يشاركها المشاعر ويقتسم معها الأحزان 00 دخل يسوع مع تلاميذه إلى البستان وكأنه داخل إلى هيكله ، فترك ثمانية منهم كأنهم في الدار الخارجية ، وإصطحب ثلاثة وطلب منهم الصلاة وكأنهم يؤدون خدمة القدس ، ودخل هو داخل الحجاب إلى قدس الأقداس حيث سكب نفسه أمام الآب كذبيحة حيَّة من أجل خلاص البشرية 00 لقد إنفرد عن تلاميذه الثلاث مقدار رمية حجر ، وجثا على ركبتيه ، وإنسكب في صلاة عميقة ، بلجاجة ودموع وصراخ مصلياً : ياأبتاه إن شئت أن تجيز عني هذه الكأس ، ولكن لتكن لا إرادتي بل إرادتك 00

ياأبتاه 00 فمهما تكاثفت السحب ونشر الضباب ظلاله ، لا يجب أن ننسى أن الله هو الأب الحنون0

وأخذ يدهش ويكتئب 00

عندما خشى يعقوب أب الآباء الموت وأن يباد هو وكل ماله على يد أخيه عيسو المستبيح ، عبر مخاضة يبوق ، وأجاز كل من معه الوادي ” وبقى يعقوب وحده وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر ” (تك 32 : 24) وهوذا الآن يعقوب الجديد قد إنفرد عن الكل ، ودخل في صراع مع قوات الظلمة 00 هوذا أيوب الجديد يصرخ في صمته ” ليت كربي وُزِن ومصيبتي رُفِعت في الموازين جميعها 0 لأنها الآن أثقل من رمل البحر 00 لأن سهام القدير فيَّ وحُمتها شاربة روحي 0 أهوال الله مصطفة ضدي “ (أي 6 : 2 – 4) 00 ولعل ماحدث مع ابرآم ” وإذا رعبة مظلمة عظيمة واقفة عليه ” (تك 15 : 12) كان رمزاً لما يحدث الآن0

الآن بدأت حلقة الصراع الرهيب 00 هوذا الحيَّة القديمة تزحف لكيما تلدغ نسل المرأة لدغة الموت ، وعلى نسل المرأة أن يسحق رأسها 00

الآن بدأت حلقات الصراع الرهيب بين يسوع وقوات الظلمة ” غمر ينادي غمراً عند صوت ميازيبك0 كل تياراتك ولججك طمت عليَّ ” (مز 42 : 7) 00

الآن بدأت السحب تتجمع وتُشكّل ضباباً كثيفاً 00

الآن بدأت العاصفة العاتية تهب على المعلم 00

الآن تجمعت كأس خطايا البشرية على مرّ السنين والأيام ، ومن ثقل الحمل الذي وُضِع عليه خرَّ بوجهه على الأرض فتعفرت جبهته المقدَّسة بتراب الأرض 00 في القديم عندما فقد أيوب أولاده ” خرَّ على الأرض وسجد ” (أي 21 : 2) هوذا الآن أيوب الجديد يخرَّ على وجهه لأن الشيطان قد سبى أولاده 00

الآن يقول : غطى الخزي وجهي 00

الآن يبدو أمام الآب كخاطئ وكأثيم مغطى بالخطايا الثقيلة وغارق في الذنوب الشنيعة والآثام الفاضحة 00 له صورة اللص القاتل الزاني المستبيح الخائن الجاحد المتكبر قاسي القلب الكذاب 00 الذي لم يعرف خطية صار خطية لأجلنا ، فصارت السماء بالنسبة له مثل نحاس والأرض كرصاص ، وكأن صلواته القوية ودموعه لا تخترق حُجب السماء 00 من قبل عندما قال ” الآن نفسي قد أضطربت 0 وماذا أقول 0 أيها الآب نجني من هذه الساعة 00 أيها الآب مجد أسمك ” جاءت الإجابة فورية ، وسُمع صوت الآب من السماء قائلاً  ” مجَّدتُ وأُمجّد أيضاً ” أما الآن فبالرغم من أنه يتألم  ” نفسي حزينة جداً حتى الموت ” وينسكب في الصلاة ، إلاَّ أن عليه أن يصلي ثانية وثالثة0

جثا يسوع على ركبتيه ثم خرَّ على وجهه ، يحارب قوات الظلمة كإبن الإنسان الطاهر القدوس الذي بلا خطية وليس للشيطان شئ فيه ولكنه إرتضى أن يحمل خطاياي وخطايا العالم كله 00 جثا كإنسان بلا معونة من اللاهوت يصارع لوسيفر وكل قواته ، ولوسيفر يلوح له بسلاح الموت ، وهو صامت صامد لا يتراجع عن موقعه ولا عن موقفه قيد أنملة 00 هنا في جثيماني تدور معركة حامية الوطيس بين يسوع الطاهر القدوس حامل خطايانا ، وبين جيوش وحشود رهيبة وأشباح لا حصر لها ، حتى صار يسوع محصوراً وسط أمواج عاتية ، تجتاحه تيارات جبارة ، ودوامات عنيفة ، ومع كل هذا فقد وضع في نفسه أن يتحمل كل شئ من أجل نجاة البشرية حتى لو أسلم ذاته لسلطان الظلمة عدة ساعات تبدأ من الآن وتنتهي بلفظ أنفاسه على الصليب0

عجباً 00 هوذا الشهداء الذين قاسوا الأهوال لم يحزنوا كحزنه 00 لماذا ؟ هل هو أضعف منهم ؟ كلاَّ ، لكن السبب أن هؤلاء ينالون تعذيات السماء ، أما يسوع فقد رفض أية تعزية حتى يأخذ العدل الإلهي حقه بالكامل 00 أنه ذبيحة المحرقة التي يجب أن تُحرق بالكامل لإرضاء العدل الإلهي 00 ذبيحة الخطية وذبيحة الإثم اللتان يجب أن تُحرقا بالنار 00 لقد أصرَّ أن يشرب الكأس حتى الثمالة 00 إن نبؤات داود التي نطق بها منذ ألف عام تتحقق الآن  ” أكتنفتني حبال الموت وسيول الهلاك أفزعتني 0 حبال الهاوية حاقت بي 0 أشراك الموت أنتشبت بي ” (مز 18 : 4 ، 5)  ” يمخض قلبي في داخلي وأهوال الموت سقطت عليَّ 0 خوف ورعدة أتيا عليَّ وغشيني رعب0 فقلت ليت لي جناحا كالحمامة فأطير وأستريح ” (مز 55 : 4 – 6) 00 حقاً أن إبن الإنسان يجوز في هذه اللحظات ما جاز فيه يونان النبي وهو في جوف الحوت  ” قد أكتنفتني مياه إلى النفس 0 أحاط بي غمر 0 ألتف عشب البحر برأسي 0 نزلت إلى أسافل الجبال 0 مغاليق الأرض عليَّ إلى الأبد 0 ثم أصعدت من الوهدة حياتي أيها الرب إلهي ” (يون 2 : 5 ، 6) إن إبن الإنسان يُعصَر الآن في معصرة الغضب الإلهي عوضاً عن كل إنسان خاطئ أثيم 00 دخل رجل الآلام في معصرة غضب الله ليس بلاهوته ، لأن اللاهوت منزَّه عن الألم ، بل بناسوته ، ولم يكن هذا المنظر الفريد ليسوع مألوفاً لدى التلاميذ 00 سمعوا تأوهاته وأناته ، لأنه أراد أن يُسلّم للكنيسة ضرورة الصلاة العميقة وقت حلول التجارب والمصائب ، ولمعت أمام التلاميذ عبارة يسوع التي قالها منذ قليل ” بعد قليل لا ترونني ” وأحسوا أنهم أمام كابوس مرعب ، فأخذوا يتهامسون :

  • ما هذا الذي يحدث ؟!
  • لماذا يتألم السيد هكذا ؟!
  • هل سيتركنا ؟!
  • كيف تكون الحياة بدونه ! 00 أنها الضياع بعينه 00 أنها الشقاء بذاته 00 أنها العناء كل العناء0

ومع همساتهم وتساؤلاتهم وتوقعاتهم وأحزانهم تهاونوا في تنفيذ وصية المعلم ، فضربهم عدو الخير بالنعاس وأطبق أجفانهم 00 ومن يقدر أن يفتحها ؟! 00 ثقلت رؤوسهم ودخلوا في نوبة من التناؤب والنعاس 00 نام التلاميذ رغم أنهم سمعوا معلمهم يمدحهم منذ قليل ويشجعهم ” أنتم الذين ثبتوا معي في تجاربي ” (لو 22 : 28)0

ويعود المعلم للتلاميذ فيجدهم نياماً ، فلم يقدروا أن يثبتوا معه كما ثبت أتباع داود مع مليكهم المُطارد من إبنه ، ويعاتب يسوع تلاميذه : أما قدرتم أن تسهروا معي ساعة واحدة ؟!

حقاً الآلام الرهيبة التي يجوز فيها الراعي الصالح لم تمنعه من إفتقاد قطيعه وإسداء النصح لهم : إسهروا وصلوا لئلا تعثروا 00 فالصلاة هي التي تسد كافة الثغرات التي يعبر منها عدو الخير للنفس0

وعاد يسوع إلى صلاته وآلامه وصراعه ، وللأسف عاد التلاميذ إلى نومهم هرباً من الواقع المخيف 00 عاد يسوع يصارع قوات الظلمة : يا أبا الآب كل شئ مستطاع لك 0 فأجز عني هذه الكأس 0 ولكن ليكن لا ما أريد أنا بل ما تريد أنت 00 فالإرادة البشرية رغم أنها تأبى الذل والهوان والعار والفضيحة ، فإنها مع هذا ستظل خاضعة للإرادة الإلهية 00 وبدأ الصليب يلقي بظلاله علـى نفسه الطاهرة ، فكيف يمكن للقدوس أن يحمل أدناس الخطاة ؟!

كيف يحمل الطاهر نجاسات الفسقة والزناة ؟!

كيف يحمل البار عار الأثمة ؟!

كيف يحمل الصادق الأمين كذب الكاذبين ونفاق الأفاقين ؟!

كيف يُحسب الذي هو أنقى من السماء مع اللصوص والقتلة وعبدَّة الشيطان ؟! 00 إن قوات الظلمة تشن هجوماً عارماً على نفس الحبيب بغيـة تحطيمـه بالصليب ، وهـو لا يكفَّ عن لجاجة الصلاة 00

كيف يبدو وكأنه القاتل والزاني والسارق والخائن والمتكبر والكذَّاب والمنافق والعاصي والأثيم 00 لقد تجمعت عصارة كل الخطايا المتشابكة المتلاحقة المرَّة لكل البشر في كل زمان ، وعليه أن يتجرعها ، وأصعب ما في هذه الكأس هو أن الآب يحجب وجهه عنه 00

لقد كانت هذه الكأس ماثلة أمام عينيه دائماً ، فعندما تقدم يعقوب ويوحنا يطلبان أن يكونا واحداً عن يمينه والآخر عن يساره في ملكه قال لهما  ” أتستطيعان أن تشربا الكأس التي أشربها أنا وأن تصطبغا بالصبغة التي أصطبغ بها أنا 0 فقالا له نستطيع ” (مر 1 : 28) وها هوذا ذات التلميذين يعقوب ويوحنا اللذان أبديا إستعدادهما لحمل الصليب ناما في أول الطريق ، ولم يدركا معاناة السيد 00 حقاً ما أشدَّ هذه المحنة القاسية يايسوع التي لم يقدر أن يدركها أقرب الأقرباء إليك فوقعوا فريسة للنوم ، وصار النعاس لذيذاً في أجفانهم الثقيلة ، وتناسوا حتى الصلاة الربانية الني علمتهم إياها من قبل ” أبانا الذي في السموات 00 ولا تدخلنا في تجربة لكن نجنا من الشرير ” 00 وتناسوا تحذيراتك ” إسهروا إذاً وتضرعوا في كل حين لكي تُحسبوا أهلاً للنجاة ” ولم يتوقعوا أن نتيجة نومهم هذا ستظهر بعد قليل عندما يفرون من على المسرح تاركين معلمهم للموت 00

وعاد المعلم إلى تلاميذه ثانية قائلاً لبطرس : ياسمعان أنت نائم ؟ أما قدرت أن تسهر ساعة واحدة ؟ أهكذا 00 أما قدرتم أن تسهروا معي ساعة واحدة ؟ 00 إسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة0

وكإنما يريد أن يقول لبطرس : أأنت الذي ستضع نفسك عني ، وتسلم نفسك للموت من أجلي ، ولا تقدر أن تصلي معي ساعة واحدة ؟! 00

وكأنه أراد أن يقول لتلاميذه : ألم أقل لكم أن الشيطان طلبكم لكي يغربلكم 00 ألم أوصيكم أسهروا وصلوا حتى تُحسبوا أهلاً للنجاة ؟!!

          ثم أردف يسوع كلامه قائلاً : أما الروح فنشيط وأما الجسد فضعيف0

حقاً أن الروح تجذب الإنسان إلى السماء بينما الجسد يشده للهاوية 00

وعاد يسوع إلى صلاته وتضرعاته ودموعه ، ورغم برودة الليـل القارصة لإرتفاع جبل الزيتون عن مستوى البحر كثيراً ، فإن قطرات العرق صارت تتصبب من جبينه بلون الدم ، وهي حالة نادرة الحدوث ، فلا تحدث إلاَّ عند إنفجار الشعيرات الدموية المحيطة بالغدد العرقيَّة عندما يكون الإنسان في قمة الإنفعال فيندفع هذا مع ذاك 00 الدم مع العرق0

          وظهر في الأفق ملاك أنار المكان حول المعلم بنور سمائي رائع 00 سجد الملاك لجابله ، وأخذ يسبحه ويباركه ويقويه قائلاً : لك القوة والمجد والبركة والعزة إلى الأبد يا عمانوئيل إلهنا وملكنا 00 إنه رب الملائكة ولا يتحرك ملاك إلاَّ بإذنه ، فهو الذي سمح لهذا الملاك بالظهور وقت الضيقة الشديدة ، ليُعلّمنا أنه متى إنسكبنا في صلواتنا وقت الضيقة فإن الملائكة تحوطنا 00 أما يسوع فلم يكف عن الجهاد في الصلاة0

عجباً 00 كيف يتألم الطاهر القدوس إلى هذه الدرجة ؟!

كيف يصرخ ويصلي ويبكي ؟!

          لقد دخل يسوع في حزن وبكاء وصراخ ودهش وإكتئاب ، لا إحتجاجاً على إرادة الآب لأنه خاضع لإرادته ، وليس تراجعاً عن مشوار الصليب لأنه قبله بإرادته ، وهل ننسى أنه عندما طلب منه بطرس أن يتخلى عن الصليب قال له المعلم ” أذهب عني ياشيطان ” 00 فلماذا الصلاة والبكاء ؟!

إنها المشاعر الإنسانية ، لأنه شابهنا في كل شئ ما خلا الخطية وحدهـا ، فالآلام النفسية الواقعة على يسوع هي آلام حقيقية ، لأنه آخذ طبيعة بشرية حقيقية ، ولذلك كان الحزن والبكاء والألم والصلاة والصراع الرهيب مع قوات الظلمة التي غطت المكان بغمامة سوداء 00 هوذا رئيس هذا العالم قد أتى بقواته الغازية مُجردِاً قواته للهجوم على يسوع 00 وكم كانت تلك الآلام النفسية قاسية حتى كادت تقتل يسوع قبل الصليب 00

          وكان الجو بارداً ، وسكتت الريح تشارك جابلها آلامه ، ولا يُسمع في الأفق إلاَّ صوت ناي حزين ينفخه أحد رعاة الأغنام الساهرين ، ينعي زوجته التي ماتت وتركت له ثلاثة أطفال 00 نهض يسوع من تراب الأرض وأقبل على التلاميذ قائلاً : ناموا الآن واستريحوا 00 قد أتت الساعة وهوذا إبن الإنسان يُسلَّم إلى أيدي الخطاة 0 قوموا لنذهب 0 هوذا الذي يسلمني قد إقترب 00

وكأنمـا يريد أن يقول لهم : ناموا الآن إن قدرتم أن تناموا

(4)  القمص تادرس يعقوب – تفسير إنجيل يوحنا جـ 2 ص 1140

 

صراع البستان ف5 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأر

سر التقوى ف4 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

سر التقوى ف4 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

سر التقوى ف4 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

اقرأ وافهم
روايات إيمانية

الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

الفصل الرابع: سـر التقـوى

عودة إلى العلية 00 فبعد أن فارق يهوذا الخائن جماعة القديسين وأختفت رائحـة الخيانة تألق وجه يسوع بنور سمائي وقال : الآن تمجَّد إبن الإنسان وتمجَّد الله فيه 00 إن كان الله قد تمجَّد فيه فإن الله سيمجده في ذاته ويمجده سريعاً 0 ياولادي أنا معكم زماناً يسيراً بعد00

وأمسك المعلم برغيف مـن الخبز ، ووضعه على راحة يده ، ورفع عيناه نحو السماء ، وبارك وشكر وقسم وأعطى التلاميذ الأطهار سر التقوى قائلاً : خذوا كلوا هذا هو جسدي المكسور عنكم يعطى لمغفرة الخطايا0

فأخذ التلاميذ وأكلوا وهم في حالة تأمل وإنسكاب ، وهمس متَّى في أذن فيلبس : لنحذر ياأخي لئلا يُجرّبنا الشيطان قائلاً أن هذا ليس بجسده ، فمادام يسوع قال هذا فهو هكذا 00

ثم أخذ المعلم كأس عصير الكرمة ورفع عينيه نحو السماء وشكر وبارك وأعطى تلاميذه الأطهار قائلاً : خذوا إشربوا منها كلكم لأن هذا هو دمي للعهد الجديد الذي يسفك عنكم وعن كثيرين لمغفرة الخطايا00

فتناول التلاميذ الكأس وأخذوا يرتشفون منها واحداً تلو الآخر ، وهمس فيلبس في إذن متى قائلاً : لنحذر ياأخي لئلا يُجرّبنا الشيطان قائلاً هذا ليس بدمه ، فما دام يسوع قال هذا فهو هكذا0

وتساءل متى في نفسه : ما علاقة ما يحدث الآن بقول أشعياء النبي ” من أجل أنه سكب للموت نفسه ” ( أش 53 : 12) ؟! ثم إن النفس في الدم هكذا قال الناموس ” نفس الجسد في الدم ” ( لا 17 : 11) ، فكيف نشرب الدم ؟!

ثم إلتفت يسوع إلى تلاميذه وأمرهم قائلاً : إصنعوا هذا لذكري { وفي الأصل اليوناني للذكرى ” أنا منسيس ” ليس كذكرى لأمر غائب بل كذكرى حاضرة وفعالة ، فلا يتذكر التلاميذ أو خلفاؤهم ما فعله يسوع كأمر مضى وأنتهى ، بل كحقيقة حاضرة وفعالة }0

وتذكَّر متـى العهـد الجديد الذي تحدث عنه أرميا النبي  ” ها أيام تأتي يقول الرب وأقطع مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهداً جديداً 0 ليس كالعهد الذي قطعته مع آبائهم يوم أمسكتهم بيدهم لأخرجهم من أرض مصر حين نقضوا عهدي فرفضتهم يقول الرب ” ( أر 3 : 31 ، 32 )0

وهمس يوحنا لبرثلماوس : أتذكر ياأخي قول يسوع للجموع في كفر ناحوم ” أنا هو خبز الحياة 00 من يقبل إليَّ فلا يجوع ومن يؤمن بي فلا يعطش أبداً 00 هذا هو الخبز النازل من السماء لكي يأكل منه الإنسان ولا يموت 0 أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء 0 إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد 0 والخبز الذي أنا أُعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم 00 إن لم تأكلوا جسد إبن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم 00 من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير 0 لأن جسدي مأكل حق ودمي مشرب حق من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيَّ وأنا فيه “0

قال برثلماوس : نعم يايوحنا أذكر ذلك اليوم ، ويومئذ إرتد كثير من التلاميذ ، فقال لنا المعلم : ألعلكم أنتم أيضاً تريدون أن تمضوا ، فقال بطرس : إلى أين نمضي يارب وكلام الحياة الأبدية عندك0

وسأل توما يعقوب : قـل لي يايعقوب 0 إن كان الذي أكلناه جسد يسوع والذي شربناه دمه ، فكيف يأكل هو جسده ويشرب دمه ؟

يعقوب : لقد أكل المعلم خبزاً عادياً ، ثم قال لنا بعد هذا  ” خذوا كلوا هذا هو جسدي ” ، ففي هذه اللحظة صار الخبز جسداً له ، وهكذا مع عصير الكرمة ياتوما ، ولا تنسى ياتوما أنه مادام يسوع قال هذا فلابد أن يكون هكذا0

ولم يدرك أحد من التلاميذ أن يسوع يكسر جسده بيده الآن قبل أن يكسره الرومان بالصليب غداً ، ولم يدرك التلاميذ أنهم بهذا الطقس قد أقاموا أول قداس في العالم كله في أول كنيسة في العالم أجمع ، ولم يدرك أحد منهم أيضاً أنهم في هذه اللحظات يختمون العهد القديم بعصر الآباء وعصر الناموس ، وأنهم يقفون علـى أعتاب العهد الجديد عهد النعمة والحرية ومجد أولاد الله 00 ” كان يسوع ، في حب سماوي عجيب ، يقدم جسده المكسور ودمه المسفوك لأحبائه 0 إنها ساعات قليلة ، ويكسر جسده 00 دقائق ويُسفك دمـه 00 لكنـه ” مقدمـاً ” وهب ذاته مؤكداً أنها ذبيحة حب لا نهائي 00 ما أروع يسوع وهو ممسك بالكأس يقدمها بكل حب وسرور لأحبائه 00 كانت الشموع تضئ العلية وإذا بوجه يسوع ينعكس على وجوه التلاميذ ، وإذا بالكأس ترتسم في كل مكان 00

في صمت وخشوع كان التلاميذ يحدقون في سيدهم وقد تسمرت عيونهم عليه ، وأخذوا يتناولون الخبز ويشربون من الكأس وهم في مزيج من الرهبة والذهول ، كانت هناك تفاعلات خفية تجري في أعماقهـم ، وتساؤلات كثيـرة تخطر على عقولهم ، لكنهم فوق كل شئ ، كانوا يشعرون وكأنهم يُحلّقون في أجواء سماوية عليا ، فهاهم يشاهدون أشياء لم ترها عين ويسمعون كلمات لا يمكن أن تخطر على قلب بشر ” (3)

 وفي نهاية التناول سبَّحت الجماعة بالمزامير 00 كل هذه الآلام لم تمنعهم من التسبيح !!00 سبحوا في خشوع وتأثر بالغ ، وهكذا ستفعل جماعة يسوع من جيل إلى جيل إذ تُحوّل العذابات والآلامات إلى تسابيح وألحان تشفي النفس العليلة 0

وبعد أن قدم يسوع جسده ودمه لتلاميذه الأطهار أتجه إليهم بالحديث الوداعي يطمئنهم ويشجعهم قبيل هبوب العاصفة العاتية : لا أترككم يتامى 00 إني آتي إليكم 00 سلاماً أترك لكم 0 سلامي أعطيكم ، ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا 0 لا تضطرب قلوبكم ولا ترهب أنتم تؤمنون بالله فآمنوا به 00 أنا أمضي لأعدَّ لكم مكاناً 0 وإن مضيتُ وأعدَّدتُ لكم مكاناً آتي وآخذكم إليَّ حتى حيث أكون تكونون أنتم أيضاً وتعلمون حيث أن أذهب وتعلمون الطريق0

تومـا :  ياسيد لسنا نعلم أين تذهب ؟ فكيف نقدر أن نعرف الطريق ؟

يسوع : أنا هو الطريق والحق والحياة 0 ليس أحد يأتي إلى الآب إلاَّ بي 0 لو كنتم قد عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً 0 ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه0

فيلبس :  ياسيد أرنا الآب وكفانا0

يسوع :  أنا معكم زماناً هذه مدته ولم تعرفني يافيلبس 0 الذي رآني فقد رأى الآب ، فكيف تقول أنت أرنا الآب 0 ألست تؤمن إني أنا في الآب والآب فيَّ00

وأصغى سطانئيل لهذا الحديث فأرتعب هو وشياطينه : تُرى من يكون هذا ؟! 00 هل يمكن أن يكون هو كلمة الله ؟! 00 من هو هذا الذي في الآب والآب فيه إلاَّ الإبن الأزلي بأزلية الآب ؟! 00 ومن هو صورة الآب والذي يراه يرى الآب سوى الأمونوجينيس ؟! 00 ولو هو كلمة الله هل يمكن أن ينحني ويغسل الأقدام ؟!! 00 هذا مستحيل 00 إني لا أفهم ، بل أكاد أن أجن 00 وصرخ سطانئيل صرخة مدوية : أكاد أن أجن يايسوع 00

بينما يسوع يُكمل حديثه : بعد قليل لا يراني العالم أيضاً وأما أنتم فترونني 0 إني أنا حي فأنتم ستحيون0

يهوذا ( ليس الأسخريوطي ) : ياسيد ماذا حدث حتى أنك مزمع أن تظهر لنا ذاتك وليس للعالم ؟

يسوع :  بعد قليل لا تبصرونني 0 ثم بعد قليل أيضاً ترونني لأني ذاهب إلى الآب0

فقال التلاميذ بعضهم لبعض : ماهو هذا الذي يقوله لنا ؟ بعد قليل لا تبصرونني ثم بعد قليل أيضاً ترونني ، ولأني ذاهب إلى الآب 00 ماهو هذا القليل الذي يقول عنه ؟ 00 لسنا نعلم بماذا يتكلم0

يسوع :  أعن هذا تتساءلون فيما بينكم ، لأني قلت بعد قليل لا تبصروني ثم بعد قليل أيضاً ترونني 0 الحق الحق أقول لكم أنكم ستبكون وتنوحون والعالم يفرح 0 أنتم ستحزنون ولكن حزنكم يتحوَّل إلى فرح 0 المرأة وهي تلد تحزن لأن ساعتها قد جاءت 0 ولكن متى ولدت الطفل فلا تعود تذكر الشدة لسبب الفرح لأنه قد وُلِد إنسان في العالم0 فأنتم كذلك عندكم الآن حزن ، ولكني سأراكم أيضاً فتفرح قلوبكم ولا ينتزع أحد فرحكم منكم 00 قد كلمتكم بهذا بأمثال ولكن يأتي ساعة حين لا أكلمكم أيضاً بأمثال0

فيلبس : هوذا الآن تتكلم علانية 0

نثنائيل : لستَ تقول مثلاً واحداً0

يعقوب :  الآن نعلم أنك عالم بكل شئ ولست تحتاج أن يسألك أحد0

توما :  لهذا نؤمن أنك من عند الآب خرجت0

يسوع :  الآن تؤمنون ؟ هوذا تأتي ساعة وقد أتت الآن تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته وتتركوني وحدي 00 وأنا لست وحدي لأن الآب معي 0 كلمتكم بهذا ليكون لكم فيَّ سلام0 في العالم سيكون لكم ضيق ، ولكن ثقوا ، أنا قد غلبت العالم00

ثم أخذ يسوع يجذب الأنظار نحو المحبة : وصية جديدة أنا أعطيكم أن تحبوا بعضكم بعضاً 0 كما أحببتكم أنا تحبون أنتم أيضاً بعضكم بعضاً 00 بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي إن كان لكم حب بعضكم لبعض 00 هذه هي وصيتي أن تحبوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم 0 ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه 0 أنتم أحبائي إن فعلتم ما أُوصيكم به 00 بهذا أوصيكم أن تحبُّوا بعضكم بعضاً0

ثم أخذ يكشف لهم عن الإضطهادات التي ستلاقيهم قائلاً : إن كانوا قد إضطهدوني فسيضطهدونكم 00 سيخرجونكم من المجامع بل تأتي ساعة فيها يظن أن كل من يقتلكم أنه يُقدِم خدمة لله 00 الحق الحق أقـول لكـم أنكم ستبكون وتنوحون والعالم يفرح 0 أنتم ستحزنون ولكن حزنكم يتحول إلى فرح 00 هوذا تأتي ساعة وقد أتت الآن تتفرَّقون فيها كل واحد إلى خاصته وتتركوني وحدي 0 وأنا لست وحدي لأن الآب معي 0

تكلم يسوع بهذا ورفع عينيه نحو السماء مخاطباً الآب السماوي : أيها الآب قد أتت الساعة 0 مجّد إبنك ليمجدك إبنك أيضاً 00 أنا مجَّدتك على الأرض العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته 00

ثم أخذ يطلب من أجل خواصه الأطهار : من أجلهم أنا أسأل 0 لست أسأل من أجل العالم بل من أجل الذين أعطيتني لأنهم لكَ 00 وكل ماهو لي فهو لكَ ، وما هو لك فهو لي 00 أيها الآب القدوس أحفظهم في إسمك 00 حين كنت معهم في العالم كنت إحفظهم في إسمك 0 الذين أعطيتني حفظتهم ولم يهلك منهم أحد إلاَّ إبن الهلاك 00 لست أسأل أن تأخذهم من العالم بل أن تحفظهم من الشرير 00 قدّسهم في حقك 0 كلامك هو حق ، ولست أسأل من أجل هؤلاء فقط بل من أجل الذين يؤمنون بي بكلامهم 00 أيها الآب البار العالم لم يعرفك أما أنا فعرفتك وهؤلاء عرفوا أنك أرسلتني وعرَّفتهم إسمك وساعرفهم ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به وأكون أنا فيهم.

(3)  دكتور فؤاد بولس – تحت أقدام الصليب ص 58

 

سر التقوى ف4 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

Exit mobile version