جسارة الحب ف23 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

جسارة الحب ف23 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

جسارة الحب ف23 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

اقرأ وافهم
روايات إيمانية

الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

الفصل الثالث والعشرون: جسارة الحب 

          وبعد إنقضاء الساعة الثالثة بعد الظهر عادت الشمس تفرش أشعتها ، ولكن كأنها فقدت بريقها ولمعانها ، إذ غلب اللون الأحمر على هذه الأشعة وكأنها قد صارت مرآة لدم المصلوب 0 أما قرص الشمس المشتعل ناراً فأخذ يعلن غضب الله على ذاك الشعب الذي دعاه يوماً شعبه ، وصنع من أجله المعجزات العظام وحمله على أجنحة النسور ، وأتى به إلى هذه الأرض ، وهو شعب جاحد عنيد صلب الرقبة ، وبدأت الجموع الباقية على الجلجثة تسرع إلى المدينة لإقامة طقس الفصح0

          أما حنان وقيافا فقد غطاهم الحزن العميق والخزي العظيم بسبب إنشقاق حجاب الهيكل ، فعلما أن الخراب أصبح وشيكاً ، وسمع قيافا صوتاً داخله : قيافا 00 قيافا 00 لقد شقَّقتَ ثيابك بإرادتك ، فشق الرب عنك كهنوتك ، وهوذا قد إنشق حجاب الهيكل مفخرتك ومفخرة كل شعبك 00 وتوهَّم قيافا أنه صوت الرجيم ، فأخذ يتمتم بالمزامير وهو يقول : ألم نفعل كل هذا محبة في يهوه وغيرة على مجده00

          وقف يوسف ونيقوديموس متجاورين وأعينهما نحو المصلوب حتى بعد موته يريدان أن يستنطقانه ، ويلحَّان عليه بالنظرات لكيما يكلمهما ، أو ينزل عن الصليب ويعلن مجده 00 كان يوسف رجلاً غنياً شريفاً صاحب مشورة ، وكان نيقوديموس رئيساً لليهود ، ومعنى إسمه النقي الدم أو الشريف الحسب ، وكلاهما كان عضواً في مجلس السنهدريم ، وكلاهما لم يكن موافقاً على قتل يسوع ، فكلاهما كان تلميذاً ليسوع في الخفاء ، وكلاهما كان ينتظر ملكوت الله ، ومحبة المصلوب قد ألفت بين قلبيهما ، وإذ بيوسف يقول : إني ذاهب يانيقوديموس0

نيقوديموس : إلى أين يا يوسف ؟! 00 يخال إليَّ أنني سأظل واقفاً هكذا أمامه 00 لا أريد أن أفارقه 0

يوسف : سأذهب إلى بيلاطس ، وأستسمحه في جسد يسوع لأدفنه في قبري هذا الذي حفرته في الصخر ، بدلاً من إلقائه في المقبرة العامة أو في وادي هنوم 00 أليس هذا أقل ما يمكن عمله ؟!

نيقوديموس : نعم 00 نعم يا يوسف هذا أقل ما يمكن عمله ، ولكنها ألا ترى أنها جسارة منك يا يوسف ؟! 00 سيطردونك من مجلس السنهدريم ، وربما في حركة هوجاء يعتدون على ممتلكاتك أو عليك شخصياً 00

يوسف : لست مستعداً أن أُطرد من السنهدريم فقط ، إنما صدقني إنني مستعد الآن أن أُصلب من أجله0

نيقوديموس : إذاً لتذهب يا يوسف 0 بل أنا سآتي معك ، فلم أعد أخشى غضب رؤساء الكهنة ولا شيوخ إسرائيل 00 لم أعد ألتفت إلى سخط الكتبة ولا الفريسيين 00 لم أعد أهتم بعضويتي في السنهدريم 0

          ويبدو إن جسارة يوسف الرامي أشعلت نيران الغيرة في قلب نيقوديموس ، الذي جاء قبلاً إلى المعلم الصالح يستتر بظلام الليل0

يوسف : إنها الفرصة الأخيرة يا نيقوديموس لنُعبّر عن محبتنا ونجاهر بإخلاصنا له ، مالم يمكننا عمله في حياته خشية الغضب الكهنوتي السنهدريمي يمكننا عمله الآن ، وليكن ما يكن 0

نيقوديموس : إن موته بعث الشجاعة في نفسي 00 أريد أن أشهد على تعسف الرؤساء وشيوخ الشعب 00 أريد أن أستهجن ظلم مجلس السنهدريم0

يوسف : الوقت مقصر يانيقوديموس 00 سأذهب أنا إلى بيلاطس، وأذهب أنت لتشتري الأكفان ، فبعد قليل ستغلق جميع الحوانيت أبوابها0

          لقد تحوَّل خوف يوسف إلى جسارة ، وكذا إعترف نيقوديموس السري إلى مجاهرة علنية ، وترك الإثنان معاً جبل الجلجثة إلى داخل المدينة ، وترك يوسف نيقوديموس ، ووقف نيقوديموس يشتري أكفاناً غالية من كتان نقي ، وكمٌ وافرٌ من الحنوط مزيج من مّرٍ وعودٍ نحو مائة مَنًاْ ( نحو 36 كجم ) تكفي لتطييب مائتي رجلاً ، فهذا كانوا يفعلون مع الملوك والعظماء ، وكأني بنيقوديموس الذي يريد أن يحمل كل حنوط وأطياب العالم ليضمخ بها الجسد المقدَّس00

          أما يوسف الذي لفته دوامة الأحداث فلم يدري أن العيد يدق الأبواب ، والشعائر الدينية توجب عليه ذبح وأكل الفصح بعد ساعتين ، ولم يدري يوسف أنه لا يجب دخول بيت بيلاطس الأممي لئلا يتنجس ، وإذ به يقف أمام بيلاطس :

سيدي الوالي 00 يسوع صُلب ومات وهو برئ 00 أنتَ شهدت بهذا ، وشهادتك هي حق 00 فهل تسمح لي أن أخذ جسده لأدفنه ؟

بيلاطس : عجباً يايوسف 00 كيف مات في هذه المدة الوجيزة ؟!

وأيضاً تعجب بيلاطس من جسارة هذا العضو السنهدريمي الذي يضحي بمنصبه من أجل إنسان برئ قد مات ، وهذا مالم يقوى بيلاطس على فعله ، فإكتسب يوسف إحترام بيلاطس ، وإذ بقائد المئة الذي كُلّف بعملية الصلب عاد على التو من الجلجثة ، فدعاه بيلاطس وسأله : أحقاً مات ملك اليهود ؟ وهل له زمان منذ أن مات ؟!

قائد المئة : مات في بداية الساعة التاسعة ( 3 ب0 ظ ) ولهذا لم تكن هناك ثمة ضرورة لكسر ساقيه ، غير إن أحد جنودي طعنه بحربته فلم يرتعش الجسد لأنه كان قد مات0

          وتمتم قائد المئة بكلمات خفيفة ” مات 00 مات إبن الله ” وسمع بيلاطس كلماته وصمت ، فكيف يحتج على من شهدت الطبيعة لبرائته ؟!

وتمتم بيلاطس : عجباً 00 أبهذه السرعة 00 إذهب يايوسف وإدفنه بإكرام عظيم 00

ورغم إن الولاة عادة يتلقون رشوة من أجل تسليم ذوي المصلوب جثة المصلوب ، فإن بيلاطس وافق بسهولة على تسليم جسد يسوع ليوسف بدون مقابل ، لعله يريح ضميراً مثقلاً بجريمة قتل إنسان برئ صلباً0

          وإلتقط يوسف تصريح بيلاطس ، فشكره وعاد إلى المصلوب ، وكان الوقت قد جاوز منتصف الخامسة بعد الظهر 0 كل شئ يبدو ساكناً 00 سكت أنين المصلوبين ، لأن الحياة سكتت فيهم ، ولم يعد أمام المصلوب سوى يوحنا والأم الثكلى وبعض النسوة ، وقد خيمَّ الهدوء على جبل الجلجثة حتى يخيل للمرء أن كل شئ قد مات 00

          وجاء نيقوديموس حاملاً على ظهره صرة بها الأكفان والحنوط0

          وإحتضن الرجال الصليب ، ورفعوه بهدوء ، وأمالوه حتى وسدوه الأرض بمنتهى الهدوء والحرص والحب ، وليس كالجلادين عديمي الرحمة الذي رفعوه وهم لا يبالون بما تحدثه الإهتزازات لجسد حي مثبت بثلاثة مسامير من آلام تفوق الوصف ، ونزعوا المسامير ، ولم تتمالك الأم نفسها فأسرعت بإحتضان وحيدها ، والنسوة يحطن به ، والمجدلية لا تكف عن تقبيل قدميه 00 إنها لقطة للتاريخ0

          وحمل الرجال الجسد إلى القبر الذي حُفر في الصخر أفقياً ولم يُحفر رأسياً لأسفل ، وملحق بالقبر غرفة خاصة لتجهيز الميت ” لم يكن الأغنياء فقط وحدهم هم الذين يملكون قبوراً خاصة ، بل كان متوسطو الحال يفعلون ذلك ، وكانوا يُجهزون القبر قبل الحاجة إليه بوقت طويل ، وكانوا يحفرون القبور في الصخور ويضعون فيها الجسد بعد تعطيره بالأطياب والحنوط وماء الورد وزيته ، وكانوا يلفُّون الجسد بالأكفان في أقمشة قديمة تكون غالباً قد سبق أن لُفت بها كتب الشريعة ، وكانت القبور أحياناً كهوفاً طبيعية “  (41)0

          حملوا الجسد ووضعوه على المغسل ، ولكن الوقت لا يسمح بجلب الماء وتغسيل الجسد ، ولاسيما إن الشمس قد أوشكت على المغيب ، ففردوا الأكفان ووضعوا الحنوط ، وكان المرُّ يستخدم لدى قدماء المصريين كأحد مواد التحنيط ، والعود له رائحة نفاذة تظل عالقة بالجسد لمدة طويلة 00 المر هو المادة الراتنجية المستخرجة من ساق شجرة ” الكومّيفورامولمول ” التي تنمو في شبه الجزيرة العربية ، والعود مستخرج من شجرة تدعى شجرة الفردوس تنمو في المنطقة الإستوائية بأسيا 00 ” كرسيك ياالله إلى دهر الدهور 0 قضيب إستقامة قضيب ملكك 0 أحببت البر وأبغضت الإثم من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهـن الإبتهـاج أكثر من رفقائـك 0 كـل ثيابـك مرُُ وعودُُ وسليخة ( قرفة ) ” ( مز 45 : 6 – 8 ) 

وضعوا الجسد ولفوه بالأكفان بحسب الطقس اليهودي ، فلم تُلَف الأكفان بالعرض كما كانت تُلَف المومياء المصرية ، إنما لُفت الأكفان ممتدة من الرأس إلى القدمين ، وثنيت من القدمين حتى الرأس ، وقد تضمح الجسد المخضب بالدماء بمزيج المر والعود0

          وحملوه إلى القبر ، ووضعوا منديلاً على الرأس والوجه ، وهكذا قُبِر يسوع في قبرٍ جديدٍ لم يوضع فيه أحد من قبل ، والقبر في بستان وليس في المنطقة قبور أخرى ، حتى متى قام لا ينسبون قيامته إلى شخص آخر0

          وتعاون الرجال في دحرجة الحجر الضخم على فم القبر ، بينما وقفت المريمات وبعض النسوة اللاتي تبعنه من الجليل تجاه القبر ينظرن أين وضع ، ولم يدر بخلد أحد قط أن يسوع الذي وسَّدوه القبر لن يمر عليه اليوم الثالث حتى يقوم بمجد عظيم يعلن نصرته على الموت والشيطان والخطية 00

وأيضاً لم يدر بخلد أحد منهم أن الحجر الذي دحرجوه بصعوبة على فم القبـر سيدحرجه ملاك القيامة بسهولة عن فم القبر ، ليعلن قيامة مخلص العالم 00

ولم يدري نيقوديموس أن الحنوط التي إشتراها ستظل آلاف السنين وحتى المجـئ الثاني من خلال زيت الميرون المقدَّس ” لأننا رائحة المسيح الذكيَّة لله ” ( 2 كو 2 : 15 )0

ولم يدرَ نيقوديموس أيضاً أن قماش الكفن الذي إشتراه سيصبح يوماً مثار إعجاب العالم كله ، يوم أن يجتمع علماء القرن العشرين ليثبتوا أنه ليس بكفن المسيح ، وإذ بمئات التجارب التي يجرونها تؤكد أنه هو هو الكفن المقدَّس 00

 ولم يدرَ يوسف الرامي أن قبره الذي تنازل عنه لمعلمه الصالح سيصير أشهر قبر في تاريخ البشرية ، لأنه القبر الوحيد الذي لا يحتوي في جوفه عظـام أموات ، بل تفوح منه رائحة الحياة ، وستظل أنوار القيامة تفج منه عاماً بعد عام حتى يتسلم العريس كنيسته العروس 00

وطوبى لمن له نصيب في حفل عشاء الخروف ، ولعلك تذكرني ياصديقي في صلواتك 00

            إذكرني يارب متى جئت في ملكوتك 00                         دير الأنبا بيشوي العامر

       بوادي النطرون

                         السبت الكبير 2004 م – 1700 ش

 

 

 

(41)  المؤرخ اليهودي الأصل أدرشايم – أورده جوش مكدويل في كتابه برهان يتطلب قراراً ص 253

جسارة الحب ف23 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

المعركة الرهيبة ف22 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

المعركة الرهيبة ف22 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

المعركة الرهيبة ف22 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

 

 

اقرأ وافهم
روايات إيمانية

الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض 

الفصل الثاني والعشرون: المعركة الرهيبة

          ونحو الساعة الثالثة بعد ظهر يوم الجمعة تجمع الآلاف بالهيكل ، كلٍ يحمل حَمَلَهُ ذو الربيع الواحد من عمره ليذبحه ، فذبح الفصح لابد أن يتم في فناء الهيكل  ” لا يحلُّ لك أن تذبح الفصح في أحد أبوابك التي يعطيك الرب إلهك 0 بل في المكان الذي يختاره الرب إلهك ليحل إسمه فيه 0 هناك تذبح الفصح ” ( تث 16 : 5 ، 6 ) 00 ولم يدرك كل هؤلاء إنه لم تعد هناك حاجة لسفك كل هذه الدماء بعد أن سفك يسوع دمه الإلهي على عود الصليب 

          وعودة إلى السويعات التي سبقت تسليم يسوع لروحه الطاهـرة ، وقد أحاط بالصليب لوسيفر وآلاف من ملائكته الساقطين ، حتى غطت قوات الظلمة جبل الجلجثة بكثافة كبيرة ، في تناغم مع سلطان الظلمة الذي سيطر على وجه الأرض 00 تجمَّعت قوات سطانائيل حول مأدبة الصليب ، تُمني نفسها بالوجبة الشهية ، وتستعد للحظات النصرة على يسوع الناصري 00 صوت جلبـة وضوضاء 00 صوت ضحكات وقهقهات تدوي بين الشياطين ، فتجلجل المكان وتهز الأركان 00 رقصات سريعة مع موسيقى شيطانية مزعجة تصم الأذان ، وراح لوسيفر يزهو أمام جيوشه ويستعرض عضلاته 00 إنها اللحظات الأخيرة من الصراع الدائر منذ أكثر من ثلاثين عاماً بينه وبين إبن الإنسان ، وأخذ لوسيفـر يسخر من ذاك المُقيَّد بالمسامير ، عرياناً على خشبة العار : ألم تقل يوماً :  ” رأيت الشيطان ساقطاً مثل البرق من السماء ” 00 وها نحـن قائمـون أمامك 00 أرنا ماذا تقدر أن تفعـل ؟! 00 ألم تقل منذ أيام  ” الآن يطرح رئيس هذا العالم خارجاً ” 00 هوذا أنا هنا يايسوع 00 ومن يجرؤ أن يطرحني خارجاً ؟!

          هذا جانب من الصورة 0 أما الجانب الآخر فهو ربكة لوسيفر وجنوده ، عندما سمعوا المصلوب يَعدْ ديماس بالفردوس 00 إنهم يتساءلون ويندهشون : كيف يمكن لهذا المصلوب الذي لا حـول لـه ولا قوة أن يفتح باب الفردوس المُغلَق منذ آلاف السنين ؟! 00

أتراه كاذباً ؟! 00 لكننا لم نتعود الكذب منه قط 00

أتراه صادقاً ؟! 00 إذاً كيف يكون هذا ؟! 00

ومن أين جاءت الملائكة التي أحفَّت بديماس منذ أن تلقى الوعد بالفردوس ؟!

ثم ما هذه الظلمة التي عمت أرجاء الأرض ؟! 00إنها ليست كسوفاً 00

          وعندما صرخ يسوع بصوت عظيم 00 صرخ لوسيفر : من أين لهذا المصلوب بهذا الصوت العظيم وهذه القوة الخارقة ؟!

صرخ يسوع بصوت عظيم : يا أبتاه في يديك أستودع روحي 0

فشب داود النبي على أخمص قدميه يستطلع أسرار العالم الآخر وهتف صارخاً :  ” إخرجني من الشبكة التي خبأوها لي 0 لأنك أنت حصنـي 0 فـي يديـك أستـودع روحي ” ( مز 31 : 4 ، 5 )0

          أما لوسيفر فقد هاج وماج يركض كالمجنون هنا وهناك حول المصلوب 00 لوسيفر المشتكي يقف يشتكي 00 لوسيفر المحتج رفع صوته محتجاً : كيف ؟! 00  كيف يُسلم روحه في يد الله ؟!

ألا يعلم إن مستودع جميع الأرواح هو جحيمي ؟!

ألا يدرك إنني صاحب الحق في هذه الروح البشرية ، ولا أحد يقدر أن يأخذها مني ؟!

وشعر لوسيفر بقشعريرة تسري في روحه ، ولكنه تشجع وجمع أشتات نفسه المبعثرة ، وقوته الخائرة ، وقواته الجبانة ، وهجم على المصلوب في شراسة ما بعدها شراسة ، معلناً عن منظره المرعب الذي إعتاد أن يظهر به لكل من تأتي ساعته فيجف دمه ويقتنص روحه ويزفها إلى جحيمه 00

وأظهر لوسيفر شكله المرعب للمصلوب أكثر من أي شكل آخر ظهر به من قبل 00 إنه يحمل في أحشائه غل السنين وحقد الأيام على ذاك المصلوب 00

وفجأة وكأنه صُدم بتيار كهربائي تبلغ قوته آلاف آلاف الفولتات 00

إنه في مواجهة أمام قوة اللاهوت 00

الصدمة أسكرته فترنح ، وإستدار ليركب أجنحة الريح ويهرب ويفوز بالنجاة 00 ولكن إلى أين يا لوسيفر ؟! 00

إنك تقف أمام ضابط الكل الذي السماء والأرض والهاوية في يده 00 وأُسقط في يده 00

لقد ضُبط متلبساً بجريمتين :

الأولى :  تحريض اليهود والرومان على سفك دم ذكي برئ0

الثانية :  التعدي على العزة الإلهية0

          وقبض الإله المصلوب على لوسيفر ، وجرده من سلطانه على أبناء الله ، وقيده لكيما يصير هزءاً وسخرية للسنين والأيام ، فيسخر منه شاب مثل مارجرجس ، أو صبي صغير مثل أبانوب أو طفل مثل قرياقوس 00

          الآن ردَّ يسوع آدم الثاني الضربة القاضية التي وجهها الشيطان لآدم الأول 00

بالأمس البعيد أغرى إبليس الإنسان بالثمرة المحرَّمة ، حتى إصطاده وأدخله إلى حظيرة الموت ، وأغلق عليه باب الجحيم 00 أما الآن فما أروع منظرك أيها الإله المصلوب ؟!

صليبك هو شجرة الحياة وأنت معلَّق عليها كثمرة شهية لذيذة ، أسالت لعاب إبليس ، فأسرع يمني نفسه بإقتطافها وأكلها ، وما أن ابتلع السنارة المغلَّفة بالجسد البشري ، حتى صُدم بجمر اللاهوت فلم يحتمل ، فإنشقت أحشائه 00

ونادى يسوع بصوت عظيم : هيا أيها الخراف الذين إبتلعهم الذئب على مدار آلاف السنين 00 هيا إلى الحرية 00 لا عبودية لإبليس بعد اليوم 00 لا موت بعد اليوم 00 بموتي ذبحتُ الموت الذي دوَّخ البشرية0

إحتشدت ربوات ربوات الملائكة ورؤساء الملائكة ، الشاروبيم والسيرافيم 00 الكل يصرخ ويصيح : عظيمة وعجيبة هي أعمالك أيها الرب الإله القادر على كل شئ عادلة وحق هي طرقك ياملك القديسين 0 من لا يخافك يارب ويمجد إسمك لأنك وحدك قدوس 00

إقتحم يسوع مملكة إبليس ، وعندما لمحه بوابو الجحيم إرتعبوا وولوا مدبرين 00

دخل يسوع إلى سجن الظلمة فأبرقت روحه بنور اللاهوت 00

إهتزت أساسات الجحيم وصرخت النفوس البريئة متهللة : هوشعنا 00 هوشعنا يا إبن داود0

          وصرخ أيوب الصديق : ربي وإلهي بالأمس البعيد قلت لك  ” ليتك تواريني في الهاوية وتُخفيني إلى أن ينصرف غضبك وتُعيّن لي أجلاً فتذكرني ” ( أي 14 : 13 ) أما الآن فقد جاء وقت الخلاص والنجاة 00

          وصاح أشعياء النبي : ربي وإلهي بالأمس البعيد قلتُ  ” لتُخـرِج من الحبس المأسورين من بيت السجن الجالسين في الظلمة ” ( أش 42 : 7 ) أما الآن فأقول  ” ترنمي أيتها السموات لأن الرب قد فعل 0 إهتفي يا أسافل الأرض 0 أشيدي أيتها الجبال ترنماً الوعر وكل شجرة فيه 0 لأن الرب قد فدى يعقوب وفي إسرائيل تمجَّد ” ( أش 44 : 23 ) 00

          ورفع هوشع النبي صوته متهللاً : ربي وإلهي بالأمس البعيد قلت لي  ” من يد الهاوية أفديهم من الموت أُخلصهم 0 أين أوباؤك ياموت ؟! أي شوكتك ياهاوية ؟! ” ( هو 13 : 14 ) أما الآن فها قد نظرت عيناي فدائك على الصليب 00

          زكريـا النبي بالأمس البعيد : سمعتك ياربي وإلهي تقول  ” وأنتِ أيضاً فانّي بدم عهدكِ قد أطلقتُ أسراكِ من الجب الذي ليس فيه ماء 0 إرجعوا إلى الحصن يا أسرى الرجاء ” ( زك 9 : 11 : 12 ) 00 وهوذا نحن الآن ننطلق من جب الجحيم 00

          بالأمس قال يسوع  ” كيف يستطيع أحد أن يدخل بيت القـوي وينهب أمتعته إن لم يربط القوي أولاً وحينئذ ينهب بيته ” ( مت 12 : 29 )

عجباً 00 اليدان المربوطتان بالمسامير ربطت القوي 00

الذراعان المقيدتان بالمسامير قيدا لوسيفر 00

الساعدان المسمران على الصليب قد سمرتا إبليس ، وفضحته جهاراً نهاراً ظافرة به 00

وصارت فرحة عظيمة ، وإنجذبت أرواح الأطهار نحو الفادي ، فباركهـم وأعلن لهم قرار العفو الأبدي مدموغاً بدمه الإلهي ، ففرحوا فرحاً عظيماً ، وقادهم في موكب نصرته من أعماق الجحيم إلى الفردوس ، فإنفتحت أبواب الفردوس أمام المنتصر الجبار الذي سبي سبياً وأعطى الناس كرامات ، كما سجدت له الملائكة حراس الفردوس وإنضموا للموكب ، وهتفت قوات السماء حتى إرتجت السماء كلها فرحة بخلاص البشرية ، وهكذا ملك إلهنا على خشبة ، وأعلن ملكه الألفي الذي يستمر حتى مجيئة الثاني ، حيث تعود كل هذه الأرواح من الفردوس ، وتلبس أجسادها ، وتُزف إلى ملكوت السموات 0

وإذ حجاب الهيكل قد إنشق إلى إثنين من فوق إلى أسفل 00 حجاب الهيكل هو ستارة سميكة في سمك راحة اليد ، منسوجة بألوان رائعة 00 اللون الأبيض علامة النقاء ، والسماوي علامة السمو ، والأرجواني علامة المُلك ، والقرمزي بلون دم يسوع ، وكانت هذه الستارة تفصل بين القدس حيث مذبح البخور ومائدة خبز الوجوه والمنارة الذهبية ، وبين قدس الأقداس حيث تابوت العهد والغطاء والكاروبان المظلللان عليه ، وأمام هذا الحاجز تمتد سلسلة ذهبية تُحذّر ببريقها كل من يفكر أن يقتحم هذا المكان ، ومن كان يجرؤ أن يخترق هذا الحجاب إلا رئيس الكهنة في يوم عيد الكفارة العظيم حاملاً دم الذبيحة على يديه ؟! 00 كان هذا يحدث ورجله مربوطة بحبل لئلا يحدث له مكروهاً فيسحبونه إلى الخارج ، لأن أحد لا يجرؤ على إقتحام الموقع0

          أما الآن فهوذا رئيس الكهنة الحقيقي مُعلَّق على الصليب ، وحالاً سيدخل ليس إلى قدس أقداس الهيكل الأرضي بل إلى قدس أقداس السماء بعينها ، وليس بدم تيوس وعجول بل بدم نفسه ، مقدماً البشرية المفديَّة بالدم لله أبيه00

          وجاء في التاريخ أنه ” قبل خراب الهيكل سنة 70م بأربعين سنة ( أي وقت صلب المسيح ) إنفتحت أبواب الهيكل من تلقاء ذاتها ، حتى وبخ الحبر يوحنان بن زكاي قائلاً : أيها الهيكل 00 أيها الهيكل 00 لماذا تضطرب منزعجاً ؟ أنا أعلم أن نهايتك وشيكة الحدوث 0 لقد تنبأ عنك زكريا بن عدو (زك 11 : 1) حين قال : أفتح يالبنان أبوابك لتلتهم النار أرزك “ (37) 0

          عاد حنان وقيافا مع جمهور الكهنة واللاويين إلى الهيكل للإحتفال بعيد الفصح ، وإذ بالكارثة في إنتظارهم ، وعندما رآوا حجاب الهيكل قد إنشق لطموا الوجوه وصرخوا صرخات مرة ، فقد صار كهنوتهم كهنوتاً مزيفاً ، وعلى الفور أدركوا أنه لم يعد لهم وجود على خشبة المسرح بعد ، ففي وجود الحجاب وجودهم ، وفي زواله زوالهم 00

          ” هربت الشمس وغاب القمر وإختفت النجوم ، لكي لا ينيروا للمنافقين في وقت الصلبوت المقدَّس ، وكان القمر كاملاً ولم يُنرْ ، ولما غابت الشمس صار الكل في ظلمة ، لكي لا ينظروا إلههم الذي خلقهم معلقاً على خشبة مثل لصٍ 0 مال النهار وخرج ملاك مختار من وسط الملائكة كلهم ، وسيفه مشهور في يده ، ليبيد المخلّين بسرعة ، فلما منعته رحمة المسيح ، ضرب الملاك حجاب الهيكل بسيفه فشقه إلى إثنين من أسفل إلى فوق ، وكلا الملائكة ينظرون مـن السمــاء ، وكلهــم مُغضَبــون ، وقــد منعتهــم رحمة الآب وصبره “ (38) 0

والأرض تزلزلت 00 لأنها لم تحتمل الصليب المُعلَق عليه رب الطبيعة ، فأرادت أن تهرب ، ولكنها ضُبطت بكلمة المصلوب وتزلزلت لأنها خشيت أن تشرب الدم الإلهي البرئ ، وتزلزلت لأنها إشتهت أن تفتح فاها وتبتلع الأشرار ، والمصلوب لم يسمح لها ، وتزلزلت الأرض إذ رقصت طرباً بخلاص المفديين الذين إرتدوا أجسـاداً مـن ثراها ، بينما وقف عاموس النبي يتساءل متعجباً :  ” أليس من أجل هذا إرتعدت الأرض ؟ ” ( عا 8 : 8 )0

والصخور تشققت 00 فقال إناس : يوم الأحد الماضي إرتجت المدينة لدخول المُعلّم إليها ، وهتف الرجال والأطفال ، مما أثار الفريسيون وطالبوه أن ينتهر تلاميذه فقال لهم  ” أقول لكم إنه إن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ ” ( لو 19 : 39 ) 00 والآن وقد كفَّ الهاتفون عن الهتاف ، وإرتفع صوت السخرية والإستهزاء ، لم تحتمل هذه الحجارة ، فنطقت ببراءة المصلوب 00 إنها تشقَّقت عوضاً عن القلوب الحجرية التي لا تلين0

وأما قائد المئة والذين معه يحرسون يسوع فلما رأوا الزلزلة وما كانوا خافوا جداً وقالوا حقاً كان هذا إبن الله 00 عندما أبصر قائد المئة وجنوده الذين يحرسون يسوع ما كان من غضبة الطبيعة ، أعلنوا إيمانهم بالمصلوب إبناً لله ، فمن أين عرف هؤلاء الرجال الغرباء عن رعوية إسرائيل إنه إبن الله ؟! 00 لقد سمعوا عنه بأنه دعى نفسه إبن الله ، فصدقوه 0 أما الطبيعة فقد سخرت بشيوخ اليهود ومشايعيهم ، حتى إن كل الجموع لما أبصروا ما كان إنسحبوا من موقع الأحداث وهم يقرعون صدورهم0

حقاً إن اليوم لرهيب 00 لقد حلَّت دينونة العدل الإلهي على رأس الإبن الحبيب الوحيد الجنس بسبب كل خطايا البشرية في كل زمان ومكان 00 لم تحتمل الشمس بل إنطفأت ، ولم تحتمل الصخور بل تشققت ، فكم وكم آلام هذه الدينونة التي جزت فيها ياحبيبي !!

” في ذلك اليوم العظيم يخيل إليَّ أن الجماهير أخذت تتقاطر من كل صوب خارج المحلة ، لتلتف حول ذلك الحمل الوديع 00 ثم أخذت تتسلق ربوة الجلجثة وهي زاحفة على ركبها بعيون دامعة وقلوب ممزقة 00

وكأني بالأجراس كانت تدق بعنف في نغم حزين ، فتشيع جواً من الرهبة والجلال 00 ” (39)

ثم إذ كان إستعداد فلكي لا تبقى الأجساد على الصليب في السبت لأن يوم ذلك السبت كان عظيماً سأل اليهود بيلاطس أن تُكسر سيقانهم ويرفعوا00 أرسل رؤساء الكهنة رسولاً إلى بيلاطس البنطي ليأمر بكسر سيقان المصلوبين حتى لا تظل الأجساد معلَّقة على الصلبان في أيام الأعياد ، وأسرع الرسول الخطى ، ووافقه بيلاطس ، فقد كان هذا الأمر قانونياً يتمشى مع القانون الروماني كنوع من أنواع موت الرحمة ، ومثله الطعن بالحربة0

          وتقدم أحد الجنود الرومان ، وفي يده بالطة مسنونة ، وضرب ساقي ديماس ، فأطلق صرخته المدوية ، وصار معلقاً من يديه فقط ، بينما إنفجر الدم من ساقيه بغزارة ، وبهذا تأكد الواقفون أنه خلال ساعة على أكثر تقدير سيتوقف هذا القلب عن النبض بالحياة0

          وجاء الرجل إلى يسوع فوجده قد مات فتغاضى عن كسر ساقيه ، وتقدم إلى أماخوس ففعل معه كما فعل مع ديماس ، ولكن أماخوس لم يكف عن الثرثرة ، وكأنه يفضل هذه الحياة تحت وطأة هذا العذاب عن الموت0

          وقال يوحنا : حقاً الآن تمت نبؤة داود النبي التي نطق بها من ألف عام  ” يحفظ جميع عظامه واحد منها لا ينكسر ” ( مز 34 : 20 )0

          وتقدم أحد الجنود ليتأكد أيضاً من موت يسوع ، فأشهر حربته وتراجع للخلف وطعن جسد يسوع طعنة نجلاء تجاه القلب ، وهو الخبير بالطعنات فطعنة منه تقتل حتماً أي إنسان حي ، وإخترقت الحربة ضلوع يسوع ومزقت الغشاء البلوري وإحدى الرئتين ، ففاض من جنبه دم وماء 00

فتعجب الواقفون ، وتذكر نيقوديموس نبؤات زكريا النبي  ” فينظرون إلى الذي طعنوه وينوحون عليه كنائح على وحيد له ويكونون في مرارة عليه كمن هو في مرارة على بكره ” ( زك 12 : 10 ) 00 ” ويكون في ذلك اليوم إنه لا يكون نور 00 ويكون في ذلك اليوم أن مياهاً حيَّة تخرج من أورشليم نصفها إلى البحر الشرقي ونصفُها إلى البحر الغربي 0 في الصيف وفي الخريف تكون ” ( زك 14 : 6 ، 8 )0

          وقال يوسف الرامي : حقاً الآن تمت النبؤات  ” ثم إرجعني إلى مدخل البيت وإذ بمياه تخرج من تحت عتبة البيت نحو المشرق 00 لأن مياهـه خارجـة مـن القدس ” ( حز 47 : 1 ، 12) 00 ” ويكون في ذلك اليوم أن الجبال تقطر عصيراً والتلال تفيض لبناً وجميع ينابيع يهوذا تفيض ماءاً ومن بيت الرب يخرج ينبوع ويسقي وادي السنط ” ( يؤ 3 : 18 ) والسنط رمز للخطاة0

” طعن السيد المسيح بالحربة حتى قلبه إنما كان ذلك أشبه بنافذة تطل من خلالها النفس على أحشاء المسيح الداخلية أو قلبه ، لترى فيض حبه الإلهي ، أو لهيب الحب الفائق نحو البشرية 0 إنه النافذة المفتوحة التي من خلالها يمكن للمؤمن أن يلتقي بالله ، ويرسل إليه مشاعر حبه 0 إنها نافذة القلب التي لا تُغلق قط أمام أي تائب 0 سمح الله للجندي أن يضرب قلب السيد المسيح بالحربة لكي نرى في القلب الصخرة المضروبة لأجلنا ( 1 كو 10 : 4 ) والينبوع الذي يفيض علينا ( زك 13 : 1 ) وآبار الخلاص التي حفرت من أجلنا (أش 12 : 3 ) والنهر الذي يفيض بمجاريه يُفرح مدينة الله ” (40)

(37)  المسيح في يوسيفوس ص 49 – أورده القس عبد المسيح بسيط في كتابه هل صُلب المسيح حقاً وقام ص 52

(38) قول للقديس أثناسيوس الرسولي – إعترافات الآباء – طبعة دير المحرق سنة 2002 ص 54

(39)  دكتور فؤاد بولس – تحت أقدام الصليب ص 86

(40)   القمص تادرس يعقوب – تفسير إنجيل يوحنا جـ 2 ص 1220

المعركة الرهيبة ف22 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

ثوب الحداد ف21 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

ثوب الحداد ف21 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

ثوب الحداد ف21 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

 

 

 

اقرأ وافهم
روايات إيمانية

الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

الفصل الحادي والعشرون: ثوب الحداد

          وإذ رأت الطبيعة بارئها شمس البر مُعلَّقاً على الصليب عريانـاً إرتعبت وأسرعت لتنسج ثوباً من الظلمة لتستر عري خالقها ، فإذا بالجو يكفهر ، والضباب يتكاثف ليغطي الصلبان الثلاث ، وإذ بضوء الشمس يبهت ، وصار القرص كنار مشتعلة تعلن دينونة الله للخطاة ، وسرعان ما إختفت الشمس عن الأنظار ، وإتشحت السماء بالسواد ، وإرتدت الطبيعة ثوب الحداد ، وكفت الطيور عن تغريداتها وآوت إلى أعشاشها ، ولف الصمت الرهيب المكان ، فخرس الشامتون المستهزؤن ، ولم يعد يُسمع صوت غير آنين المصلوبين فـ ” كل عرْق ينبض بالنيران ، وكل عصب يصرخ بالألم ، وكل عضلة تزداد تقلصاً لتزيد من تمزق اليدين والقدمين ، والجسد بين صعود وهبوط ، والقلب بين رجيف وتوقف ، والأنفاس بيـن تدافـع وتراجـع ، ولكـن المـوت الرحيـم ، مازال بعيـــداً 00 بعيداً “ (31) 0

          وتهامس الواقفون ، فقال يوشافاط : مابال الطبيعة تغضب هكذا ؟! 00 أهي غاضبة بسبب الضال المُضّل ؟!

سمعان الأبرص : إنه بالحقيقة رجل بار 00 ألم يعرف أفكاري دون أن أتكلم ؟!

روسمتين ( أحد أعضاء مجلس السنهدريم ) : حقاً إن السماء تشهد له!!

سوباط : لو لـم يكـن إبن الله فلماذا تحزن الطبيعة إلى هذه الدرجة ؟!

أنولمية : يا ويلتاه 00 أنهاية العالم هذه ؟!

حنان : لنحذر يا أخوة ونستيقظ لئلا يأتي أتباع الناصري وينزلوه من على الصليب 0

يـورام : وكيف يحدث هذا والجنود الرومان هنا قائمين على حراسته ؟

يوحنا : هكذا قال عاموس النبي :  ” أليس من أجل هذا ترتعد الأرض 00 ويكون في ذلك اليوم يقول السيد الرب إني أُغيب الشمس في الظهر وأُقتم الأرض في يوم نور ” ( عا 8 : 9 )0

يوسف الرامي : ألم يقل أشعياء النبي :  ” أُلبس السموات ظلاماً وأجعل المسح غطاءها ” ( أش 50 : 3 ) ؟!

نيقوديموس : حقاً قال يوئيل النبي :  ” الشمس والقمر يظلمان والنجوم تحجز لمعانها ، والرب من صهيون يزمجر ومن أورشليم يعطي صوته فترتجف السماء والأرض ” ( يؤ 3 : 15 ، 16 )0

أناس : ألم يقل أرميا النبي :  ” غربت الشمس إذ بعد نهار ” ( أر 15 : 9 ) ؟!

وهمس ديماس : لولا إن المصلوب معنا إلهاً متجسداً ، ما كانت الشمس أخفت شعاعها ، ولا الأرض ماجت مرتعدة 0 فياقادراً على كل شئ ، والمحتمل كل شئ ، إذكرني يارب متى جئت في ملكوتك0

          عمَّت الظلمة الرهيبة هذا العالم في وضح النهار بصورة مفزعة ، فلم يعد الواقفون على الجلجثة يبصرون أمجاد الهيكل ولا جبل الزيتون ، وتفرَّق الكثيرون منهم مفضلين العودة إلى ديارهم ، حتى إذا حدث لهم مكروه – جراء جريمتهم الشنعاء – يكونون بجوار ذويهم 00

فـي ذات الوقت الذي عمَّت فيه الظلمة أورشليم عمَّت العالم ، ففي مدينة هليوبوليس بمصر كان عالم الفلك ديوناسيوس الأريوباغي ، وهو يعلم أنه من المستحيل أن يحدث كسوف في وسط الشهر القمري والقمر بدراً 00 ومن المستحيل أن يمكث الكسوف كل هذه المدة 00 ومن المستحيل أن يغطي كل هذه المساحة من العالم 00 وبعد تأمل عميق وضع ( عالم الفلك ) تقريـره ” إمـا إن إلـه الطبيعة يتألم ، أو إن العالم آخذ في الإنحلال ” 0

          ووسط الظلمة الرهيبة جاز يسوع الآلام الكفارية ، متحملاً عقاب خطايا البشريَّة ، وهو البار القدوس 00 هوى عليه سيف العدالة الذي كان سيهوى على البشريَّة ، فصرخ قائلاً : إيلي إيلي لما شَبَقْتَني 00 أي إلهي إلهي لماذا تركتني 0

          وقال هارين : إنه ينادي إيليا 00 لنرى هل يأتي إيليا لينقذه 0

حقيقة كل آلام الصليب المنظورة لا تقارن بالمرة بالآلام غير المنظورة التي يعانيها يسوع الآن ” كان المخلص في هذا السكوت الرهيب المستوحش يعاني آلاماً نفسية مبرحة ! آلاماً غير ما كان يعانيه من ألم الصلب وعاره ! آلاماً لا تماثلها فواجع الحرب الضروس ، ولا تحاكيها أهوال الطبيعة الثائرة ! آلاماً ذاب في تنورها فؤاده الكبير كما يذوب الشمع أمام النار ! 0 آلاماً سرية من يد الآب لا يدركها حنان أو ينطق بها لسان ! “ (32) 00 ” صعد الإبن على مذبح الجلجثة طوعاً 00 وهناك ذبح الآب إبنه الوحيد حياً !! 00 هل من يحكي للورى ماذا كان يجول في قلب الآب هناك ؟! 00 هل نستطيع أن ندرك مشاعره في تلك الساعات الحزينة ؟! 00 إن الملائكة لا تقدر أن تنظره فهي تغطي عيونها دائماً بأجنحتها ، فكيف للبشر أن يحدقوا فيه ، وخاصة في هذا الموقف المذهل الرهيب ؟! 00 وهل نستطيع أن ننظر إلى الشمس وهي في ملء قوتها ؟ 00 فالشمس نور ونار ، أما الصليب فقد فاق ضياءه ونيرانه كل الشموس00

إن البشرية مهما سُحقت وتألمت لن تدرك شيئاً من مشاعر الآب والإبن معلق على الصليب 00 وكأني  بالآب كان يمسك بإحدى يديه سكين القضاء 00 وباليد الأخرى يحوطه بكل الحب والحنان 00 إن الرهبة تجتاحنا ونحن نحاول أن نستكشف قلب الآب الدامي 00 فوق مذبح الجلجثة تمثلت أعظم وأعقد مشاهد التاريخ كله 00 وتجسمت أسمى قمم الحب الدامي 00 إن ذلك الصليب الجبار العظيم بما تمثل فيه من قيم وقمم سوف يعلو دائماً شاهقاً فوق كل عقول البشر وقلوبهم ” (33)0

” وذلك الصليب البشري كان في حقيقته يرمز لصليب آخر ، إلهي ، سمرته عليه يد العدالة 0 كانت هناك أشواك من طراز آخر كلَّلت رأس يسوع ، وسياط خفية رهيبة مزَّقت جسده ، ومسامير أخرى غليظة مرعبة دقت في يديه ورجليه 0 كانت يد العدالة الإلهية خلف المسامير والأشواك والسياط ، هي التي سحقت يسوع سحقاً 0 إنها نفس اليد التي طردت آدم الأول خارج جنة عدن أما آدم الثاني فقد أخذته يد العدالة إلى خارج أورشليم ، رافعة إياه فوق الجلجثة0

كان يسوع يشعر بضربات ذلك السيف في الجلدات والأشواك والمسامير مما جعل آلامها رهيبة بلا حدود 0 أه نعم ، لقد كان يسوع يحمل حقاً صليباً آخر خفيفاً 0 آلامه ليست من هذا الدهر 00 في تلك الساعات الحالكة جُعلِل يسوع خطية 00 وسط الظلام وضع الرب عليـه إثم جميعنا 00 وإنصبت عليه أهوال الدينونة 00 { أما الرب فسرَّ بأن يسحقه بالحزن 0 أن جعل نفسه ذبيحة إثم } (أش 53 : 10 ) 00 كان يسوع بصرخته هذه لا يعبر فقط عن قسوة آلامه بل ليعلن للعالم أجمع أن صليبه لم يكن مجرد صليب بشري أو جهنمي ، إنما كان في حقيقته صليباً إلهياً آلامه تفوق كل أهوال الجحيم 0 هذه هي الحقيقة التي تميز صليب يسوع وبدونها ماكان إلاَّ مجرد صليب عادي لا يمكن أن يصنع الفداء ” (34) 0

          ولم يدرك لوسيفر بكل حكمته براءة المصلوب التي أدركها ( بعد ألفي عام ) مصطفى أمين في سجنه ، لحظة أن وقف عصفور على فتحة زنزانته ، فكتب يقول ” لعل العصفور يطل في عينيَّ ليرى أعماقي ، ليرى مسيحاً بلا خطية ، مشنوقاً بلا جريمة ، معلَّقاً على مقصلة بغير ذنب “ (35) 0

          وسُمع في الأفق صوت حمامة ( معنى يونان في العبرية حمامة ) تهدر :  ” لأنك طرحتني في العمق في قلب البحار 0 فأحاط بي نهر 0 جازت فوقي جميع تيَّاراتك ولججك 0 فقلت قد طُردت من أمام عينيك 00

قد إكتنفتني مياه إلى النفس أحاط بي غمر 0 إلتفَّ عشب البحر برأسي 0 نزلت في أسافل الجبال 0 مغاليق الأرض عليَّ إلى الأبد ” ( يون 2 : 3 – 6 )0

          وتجاوبت قيثارة داود مع همسات الحمامة ، فراحت ترتل بلسان المصلوب :  ” إلهي إلهي لماذا تركتني 00

بعيداً عن خلاصي عن كلام زفيري 0 إلهي في النهار أدعو فلا تستجيب في الليل أدعو فلا هدوء لي 0 وأنت القدوس الجالس في تسبيحات إسرائيل 00

أما أنا فدودة لا إنسان 0 عارُُ عند البشر ومُحتَقر الشعب 0 كل الذين يرونني يستهزئون 0 يغفرون الشفاه وينغضون الرأس قائلين : إتكل على الرب فلينجيه لينقذه لأنه سُرَّ به 00

أحاطت بي ثيران كثيرة 00 كالماء إنسكبت 0 إنفصلت كل عظامي 0 صار قلبي كالشمع 0 قد ذاب في وسط أمعائي 00 ” ( مز 22 : 1 – 14 )

وتنهد يوحنا قائلاً : حقاً قال أشعياء النبي  ” أما الرب فسُرَّ بأن يسحقـه بالحـزن 0 أن جعل نفسه ذبيحة إثم ” ( أش 53 : 10 )0

وسُمع صوت يسوع على تل الجمجمة يقول : أنا عطشان 0

          فتقدم أحد الجنود الرومان وغمس إسفنجة في إناء كان به خلاً ووضعها على عصا وقرَّبها إلى شفتيه الملتهبتان بنار العذاب0

          وبأسلوب بليغ عبّر داود عن عطش يسوع :  ” إنتظرت رقـة فلم تكن ومعزيـن فلم أجد 00 وفي عطشي يسقونني خلاً ” ( مز 69 : 20 ، 21 ) 00 لأنه  “يبست مثل شقفة قوتي ولصق لساني بحنكي وإلى تراب الموت تضعني ” ( مز 22 : 15 )0

          لقد عطش يسوع نتيجة لما تعرض له من عذابات وجراحات ونزيف 00 عطش نتيجة العرق الغزير الذي تصبَّب من جسده المنهك 00 عطش نتيجة محاولاته العنيفة للحصول على نسمة حياة 00 عطش حتى جفَّ ريقه ويبس لسانه 00 قد يبست سوسنة الأودية ، وهوذا نرجس شارون قد ذبل 00

          عندما عطش شمشون أعطـاه الرب ماءاً ليشرب من لحي ، وعندما عطش بنوا إسرائيل فجَّر الله لهم ماءاً من صخرة صمـاء 0 أما يسـوع عندما عطش على الصليب فلم يجد قطرة ماء 00 ” كان العطش أمراً طبيعياً لمن يُصلب حيث يفقد الجسم الكثير من الماء بسبب العرق والجراحات 0 لم يشكو مسيحنا كل آلام الجلد وإكليل الشوك والمسامير لكن الشكوى الوحيدة التي نطق بها هي أنه عطشان ” (36)0

          ونحو الساعة الثالثة بعد الظهر أعلن يسوع إتمام رسالته قائلاً : قـد أُكمـل 00

قد أُكمل إثم اليهود والرومان 00 نفدت السهام كل السهام التي في جعبتهم ، وأي شئ آخر كان يمكن أن يفعلوه ولم يفعلوا ؟! 00 لا شئ 00

ألم يكبلوه بالأغلال كلص وقادوه في ست محاكمات ظالمة ؟!

ألم يكيلوا له الضربات واللطمات واللكمات وقد نفضوا البصاق في وجهه ؟!

ألم يهتفوا ضده وإستهزءوا به وسخروا منه ؟!

ألم يجلدوه بالسياط ويكلّلوه بالأشواك ؟!

ألم يعلقوه بين لصين وفي عطشه بخلوا عليه بقليل من الماء ؟!

حقاً لقد كملت كل نبؤات الأنبياء عنه00

قد أُكمل فداء البشرية 00 نال العدل الإلهي حقه تماماً من يسوع الذبيح ، فإشتمه أبوه الصالح وقت مساء الخطية والظلمة على الجلجثة 00 حقاً لقد أعطى يسوع محبته اللا نهائية للبشرية0

قد أُكمل الخلاص من الخطية 00 الخطية التي سادت العالم ، ولم تقدر مياه الطوفان أن تغرقها ، أو نيران سـدوم وعمورة أن تحرقها ، وحتى لما فتحت الأرض فاها لم تقدر أن تبتلعها ، بل عاشت الخطية ونمت وترعرعت ، حتى رَفعتْ الذي بلا خطية على خشبة الخطية والعار 0

 

وفـي الساعة الثالثة بعد الظهر صرخ يسوع بصوت عظيم 00

فقال نيقوديموس : عجباً 00 من أين لهذا المصلوب المُنهَك بهذا الصوت العظيم لو لم يكن هو رب القوة ؟! 00 أترى هذه صرخة النصرة علـى الموت الذي دوَّخ البشرية ردحاً من الزمن هذا مقداره ؟!!

صرخ يسوع بصوت عظيم : ياأبتاه في يديك أستودع روحي 00

قال يوسف الرامي : ياأبتاه 00 إنها أول كلمة تنطق بها يايسوع من على صليبك عندما أعلنت مغفرتك لجلاديك ، وآخر كلمة تنطق بها أيضاً 00

أليس من أجل قولك إنك إبن الله كان كل هذا ؟! أفما تزال تصر بأن الله هو أبيك ؟! 00

حقاً إنك إبن الله ، وما يجري الآن ، ولا نقدر أن نفهمه الآن ،  لابد إننا سندركه فيما بعد0

وأمال يسوع رأسه وأسلم الروح 00

وقال يوحنا : عجباً 00 كل إنسان يسلم الروح ثم ينكس رأسه 0 أما أنت يايسوع فقد أملت رأسك أولاً ثم أسلمت الروح 00 إنك تعلن أنك صاحب سلطان 00 حقاً ما قلته لنا يايسوع  ” لإني أضع نفسي لآخذها أيضاً 0 ليس أحد يأخذها مني بل أضعها أنا من ذاتي 0 لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها أيضاً ” 00 الآن وقعت حبـة الحنطـة على الأرض وماتت ، فلابد أن تأتي بثمر كثير 00

أمال يسوع برأسه 00 تعبيراً عن ثقل خطايانا التي حملها بإرادته ، والتي سبق وعبر عنها داود النبي ” آثامي قد طمت فوق رأسي 0 كحمل ثقيل أثقل مما أحتمل ” ( مز 38 : 4 ) 00 ” لأن شروراً لا تحصى قد إكتنفتني 0 حاقت بي آثامي ولا أستطيع أن أبصر ” ( مز 40 : 12 ) 0

وأسلم الروح 00 كيف ؟ 00 كيف تموت الحياة ؟!

هذا مستحيل 00 نعم مستحيل 00 إذاً يسوع لم يمت ؟!

لا 00 بل مات 00 كيف ؟

الروح البشرية إنفصلت عن الجسد البشري 0 أما لاهوتك يايسوع فلم يفارق أحدهما لحظة واحدة ولا طرفة عين 00

لذلك نعلن بملء الفم إن الله مات عنا 00

البرئ القدوس مات عني أنا المجرم الأثيم 00

ولماذا تتعجب ياصديقي ألم تسمع عن أم تضحي بنفسها لتنقذ طفلها من النار ؟!

أولم تسمع عن أب يضحي بنفسه لينقذ إبنه من وحش مفترس ؟!

أولم تسمع عن شاب في عنفوان شبابه يموت غرقاً لينقذ شخصاً آخر ؟!

أولم تسمع عن ضابط من قوات الإطفاء يموت مختنقاً أو محترقاً لكيما ينقذ الآخرين ؟!

أولم تسمع عن جندي يبذل نفسه من أجل حياة الآخرين؟!

(31) جيم شوب 00 ساعة بساعة اليوم الذي صُلب فيه المسيح – تعريب عزت ذكي ص 258

(32) الشماس يسى منصور – سباعيات الصليب ص 32

(33)  دكتور فؤاد بولس – تحت أقدام الصليب ص 92 ، 93

(34)  المرجع السابق  ص 258 – 260

(35) سنة ثالثة سجن ص 165

(36)  القمص تادرس يعقوب – تفسير إنجيل يوحنا جـ 2 ص 1214

ثوب الحداد ف21 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

وملك على عرشه ف20 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

وملك على عرشه ف20 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

وملك على عرشه ف20 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

اقرأ وافهم
روايات إيمانية

الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

الفصل العشرون: وملك على عرشه

ولم يكتفِ رؤساء الكهنة ومشايعيهم بهذا الإنتقام المهول من يسوع ، وإذ كانوا قد إعتبروه فوزاً عظيماً ونصراً مبيناً ، فلم يفكروا في العودة إلى ديارهم ليستريحوا من عناء ليل طويل ، ولم يعودوا إلى مقادسهم لأداء مهامهم الدينية في الهيكل ، ولاسيما إن الإستعدادات للفصح تجري على قدم وساق 0 إنما أصروا على التواجد قرب المصلوب لتكتحل عيونهم بآلامه النارية 00 وقف قضاة إسرائيل في بلاهة لا يدركون ولا يفقهون 00 وقفوا ينظرون للمصلوب بعيون حاسدة ، وقلوب حاقدة ، تتأجج بنار الغيرة الشيطانية 00 وقفوا موقف المتفرجين الشامتين بذاك الذبيح الذي تلتهمه نيـران الألم 00 لم يشفقوا عليه ، ولم يراجعوا أنفسهم ، ولم يندموا على جريمتهم 00 وقفوا في تحدي وفي تشفي يشفون غليلهم من ذاك الذي طالما صبَّ عليهم الويلات ، وكشف عورتهم أمام شعبهم ، فأخذوا يتلذَّذون بمنظر عريه على الصليب وهم يظهرون روح الشماتة والسخرية ، ولم يكفوا عن الثرثرة0

حنان : يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام خلص نفسك إن كنت إبن الله 00

رحبعام : خلص آخرين أما نفسه فل يقدر أن يخلصها 00

قيافا : لماذا لم ينزل عن الصليب 0 فلينزل الآن عن الصليب لنبصره ونؤمن به 00

سابس : فليخلص نفسه إن كان هو المسيح مختار الله 00

هارين : إن كان هو ملك إسرائيل فلينزل الآن عن الصليب لنرى ونؤمن به 00

دبارباس : قد إتكل على الله فلينقذه الآن إن أراده ، لأنه قال إنه إبن الله 00

ووقف سطانئيل يصرخ : ” أنت أيها المسيح يامبتدع المكر 00

ياسارق التعبد لك ، وهو ليس من حقك 00

ياسارق الحب إستمع لي 00

من اليوم الذي أتيت فيه من رحم عذراء ، كسرت كل عربون وكذبت في كل وعد ” (26)0

وصاحت بقيـة الشياطيـن : ” نريد أن نغرس مساميرك إلى الأعماق 00

ونضغط على الأشواك التي في جبينك 00

ونجلب الآلام النابعة من الدم لينسكب من جديد من جروحك التي جفت 00

هذا كلـه يمكننـا أن نفعلـه ، وسنفعله لننتهك جسدك أيها الناصري 00

رئيس الرذائل العظمة ملك الجبناء 00 ” (27)

          وعزف داود على قيثارته الباكية  ” كل الذين يرونني يستهزئون بي 0 يفغرون الشفاه وينغضون الرأس قائلين 0 إتكل على الرب فلينجه 0 لينقذه لأنه سرَّ به ” ( مز 22  : 7 ، 8 ) 00  ” أنا صرتُ عاراً عندهم 0 ينظرون إليَّ وينفضون رؤوسهم ” ( مز 109 : 25 ) ووقف سليمان الملك منذهلاً وبحكمته يُصوّر الموقف  ” ويتباهى بأن الله أبوه فلننظر هل أقواله حق ولنختبر كيف تكون عاقبته 0 فإنه إن كان الصديق إبن الله فهو ينصره وينقذه من أيدي مقاوميه 0 فلنمتحنه بالشتـم والعذاب حتى نعلم حلمه ونختبر صبره 0 ولنقض عليه بأقبح ميتة “ ( الحكمة 2 : 16 – 20 ) وتأمل أشعياء المصلوب  ” من أجل إنه سكب للموت نفسه وأُحصى مع أثمة ” ( أش 53 : 12 )0

أناس : هذا الشعب الغبي الذي هتف له الأحد الماضي يقف الآن شامتاً به0

          وحتى المجتازين إلى أورشليم أو الخارجين منها للقرى المحيطة ، والذين لا يعنيهم الأمر في قليل أو في كثير ، سمعوا أقوال الآخرين الشامتين وصدقوها ، وشاركوهم الإستهزاء والسخرية : إن كان الله أبوه 00 فلماذا يتركه إلى هذا المصير التعس ؟!

          عجباً لهؤلاء المارة الذين لم تكن ثمة خصومة بينهم وبين يسوع ، بل لعل الكثيرين منهم كانوا من المعجبين به قبلاً ، وربما تلامس بعضهم مع معجزاته ، ولكن إذ رأوه مغلوباً على أمره تخلوا عنه ، بل إنقلبوا ضده ، وأقاموا أنفسهم خصوماً له 00 هذه هي دناءة النفس التي تشمت بكل إنسان مقهور ، وربما إعتقد بعضهم أنه لو لم يكن المصلوب شريراً لما تخلت عنه السماء 00 أما أبناء وطنه من الجليليين فقد تعاطفوا معه0

” كان الشيطان يهمس في إذنيه قائلاً : هذه هي النتيجة 00 هذه هي ثمرة جهادك ، وصدى حبك لعالم من الجاحدين 00 أين هم الذين شفيتهم وأطعمتهم 00 بل أين تلاميذك الذي أحببتهم وأغدقت عليهم من عطفك 00 لا تتعب نفسك مع البشر ، لقد فاقوا الشياطين في شرهم 00 وها أنت تسمع بأذنيك الشتائم 00 إنظر لن تجد هناك من يذرف دمعة واحدة من أجلك 00 بل أنظر إلى قسمات وجوههم وهم ينادون بصلبك 00 أنظر إلى أياديهم المهددة المتوعدة 00 وإلى عيونهم التي يتطاير منها الشر والشرر ” (28)0

          وكان اللصان اللذان صُلبا معه يعيرانه : إن كنت أنتَ المسيح فخلص نفسك وإيانا ، وبالرغم من إن الذين يجوزون في آلام مشتركـة يشعرون عادة بأُلفة معاً ، لأن الآلام تؤلف بين قلوبهم ، لكن هذان الرجلان في آلامهما راحا يعيران من لا ذنب له0

          هوذا يحيط بيسوع الشامتون المستهزئون من رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيين والمجتازين وحتى اللصين ، وكم كان هذا سبب حزن أليم للأم الثكلى ؟! 00 منذ لحظات إخترقت طرقات المسامير قلبها ، والآن تخترق هذه التعييرات أذنيها ، وهي لا تملك شيئاً ، سوى قلباً جريحاً على إبن ذبيح ، وسيف حاد يجوز في نفسها ، وتود لو تُحلّق وتحتضن إبنها تمسح قطرات عرقه ، وتجفف دمه المسفوك ، وتنفخ في فمه قبلة الحياة 00 وكم كان الأمر مرير عليها وهي تتفرس بمشاعر الأمومة هذا الوجه الدامي والجسد المنهك ، الذي يلهث لكيما يحصل على نسمة حياة 0 وفي لحظة من الزمن الثقيل فتح يسوع فاه ، فصمت الجميع وأرهفوا السمع للمُعلّم ، ماذا يريد أن يقول بعدما حدث معه ؟! وإذ بهم يقفون في ذهول 00 ما هذا ؟! إنه يصلي ، ويصلي من أجلهم : ياأبتاه إغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون0

قال أحدهـم : كيـف يصلي من أجل صالبيه ؟ لم نسمع مثل هذا قط 00 كل دم يُسفك ظلماً يصرخ بنداء الثأر ، أما دم يسوع فإنه ينادي بالفصح والمغفرة !!

وقال ثان : تُرى من له المقدرة على المغفرة حتى هذه الدرجة ؟

          سمعناه يقول  ” أحبوا أعدائكم باركوا لأعنيكم صلوا لأجل الذي يسيئون إليكم ويضطهدونكم “ والآن نراه يفعل تماماً ما قد قاله وعلَّم به0

وقال ثالث : عجباً 00 عُلّق على الصليب لأنه دعى نفسه إبن الله ، ومازال مصراً على هذا ، فيدعوا الله ” ياأبتاه “0

وقال رابع : إن كـان الله أبـوه فلماذا يتركه إلى هذا المصير التعس ؟!

وقال خامس : كلَّله الرومان بالأشوك ، وقطَّعوا جلده بالسياط ، ونحن صرخنا : إصلبه 00 إصلبه ، ويصلي من أجلهم ومن أجلنا0

وأجابه سادس : كل النيران التي إنصبت فوق رأسه عجزت عن أن تفقده حبه ، أو تُخرجه عن وداعته ورقته 00 مازال يسوع كما هو الحب الوديع النسمة الرقيقة 00

وقال سابع : مُعلَّق بالمسامير مسخن بالجراح 00 عاملناه بهذه القسوة وإجتمعنا حوله كوحوش ضارية 00 ويغفر لنا ؟!

يوسف الرامي :  ” وهـو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين “ ( أش 53 : 12 ) 0

يوحنا الحبيب : حقاً إن إبليس أراد أن يطعن يسوع بسهام الكراهية والحقد والغل ضد جلاديه ، وهوذا الحب الفياض والصفح التام وإلتماس الأعذار تنطلق كسهام عاتية من قلب المصلوب إلى قلب إبليس الكراهية 00

          وتعلمت البشرية من صفح المصلوب عن صالبيه ، ونسجت على ذات المنوال 00

{ ولنا أن نذكر هنا ثلاث قصص قصيرة عن المغفرة :

          كانت ميري يتيمة الأب منذ طفولتها ، وكرَّزت الأم الشابه حياتها مـن أجل إبنتها ، وأخذت تعمل وتجتهد لتوفر لها حياة كريمة ، وأنهت ميري حياتها الجامعية ، وإذ خُدعت من الحيَّة القديمة إنجرفت في تيار الخطية وتركت بيتها ، وتعبت أمها كثيراً في البحث عنها ، وإحتاجت أن تكد وتتعب أكثر ليكما تغطي مصاريف التجوال ، وأخيراً لجأت إلى حيلة إذ طلبت من أحد المُصوّرين أن يلتقط لها صورة وهي تركع في حالة توسل ودموع تفتح أحضانها وتناشد إبنتها بالعودة إليها ، وذهبت لكيما تُعلّق نسخ من هذه الصور في عدَّة بلاد ، وقاد الله ميري إلى أحد الملاهي وهي محطمة النفس والجسد ، فوجدت البعض يزدحم على صورة معلَّقة على الجدار ، وإذ نظرت إليها إستيقظ ضميرها وإشتاقت إلى قبلات الأم غير الغاشة والصدر الحنون ، فأسرعت بالعودة إلى أمها ترتمي في أحضانها ، وتلقفتها محبة الأم الغافرة ، وظلت تعتني بها إلى أن عادت إلى حياتها الأولى وعادت هي للحياة0

          قصة أخرى حدثت عقب الحرب العالمية الثانية إذ عُهد لأحد الخـدام الإهتمام الروحي بالزعماء الألمان الذين أشعلوا الحرب ، وكان الغضب الشعبي ضدهم جارفاً ، وكان هذا الخادم قد فقد إبنيه في هذه الحرب ، ولم يعرف كيف يلتقي بهؤلاء القتلة ؟ وبأي مشاعر يلقاهم ؟! 00 ولكنه إذ وضع أمام عينيه صورة المصلوب الذي يصلي من أجل صالبيه إنسكبت محبة المصلوب في قلبه ، فتعامل مع هؤلاء بالمحبة المسيحية الغافرة ، حتى إنه كان يزور أحدهم خمس مرات في اليوم الواحد ، وتاب بعضهم قبل الحكم عليهم وورثوا الملكوت 0

          والقصة الأخيرة حدثت أيام إضطهاد الأرمن إذ كانت فتاة تسير برفقة أخيها وأبيها ، وتعرض لهم أحد الجنود الأشرار ، فقتل الأب والأخ وبصعوبة بالغة هربت الفتاة ، وعملت كممرضة في إحدى المستشفيات ، وذات يوم وصل ذاك الجندي القاتل إلى المستشفى ، وهو مصاب بإصابات بالغة ، وكانت هي المكلفة برعايته ، فلو أهملت في رعايته لكان نصيبه الموت حتماً ، ولكنها وضعت أمام عينيها صورة المصلوب الغافر ، فإستطاعت أن تتغلب على مشاعر الإنتقام التي ثارت داخلها ، بل وأن تبذل قصاري جهدها في رعايته حتى تعافى تماماً } 0

          وإلتقطت أذنا ديماس ما قاله يسوع ، وهو مالم يكن يتوقعه على الإطلاق ، فإهتزت نفسه داخله : من هذا الذي يغفر لجلاديه ؟!

لابد أن إنه إبن الله فعلاً كما قال وهم لا يصدقونه ، فصمت وكفَّ عن التقريع والتعيّير ، وعندما تمادى أماخوس في تعيّيره ، قال له ديماس : أَوَلاَ تخاف الله إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه 0 أما نحن فبعدل قد جوزينا لأننا ننال إستحقاق ما فعلنا ، وأما هو فلم يفعل شيئاً ليس في محله 00 وهل الذي يغفر لصالبيه يخطئ ؟!

آه 00 لقد عاش ديماس مع أماخوس زمناً هذا مقداره 0 أما الآن وقد أوشكا على الإفتراق إذ إختار ديماس طريق الخراف وإختار أماخوس طريق الجداء 00 إعترف ديماس بخطيته : أما نحن فبعدل جُوزينا 00 لقد سطونا على الناس وسلبناهم ، وسفكنا دماءاً بريئة ، وإنبرى يدافع عن الحق : أما هذا فلم يفعل شيئاً في محله 00 فلـو كان مثلنا لعرفناه في حياتنا ، ولو كان سفاحاً لسمعنا عنه 00

إن يسوع المصلوب ياديماس إنسان برئ ، لابد إنك سمعت عن لطفه ورقته ومحبته وحنانه ، فإنه لم يخدم في زاوية إنما ملأ القرى والمدن كرازة وبشارة ، والآن يالسعادتك وقد إلتقيت معه 00 إنني أراك وأسمعك وأنت تضرع إليه : إذكرني يارب متى جئت في ملكوتك 0

وكأني بذاك اللص يقول ليسوع : أنت ترى يارب ، أنني مُقيَّد بالمسامير لا أملك من حريتي سوى عقلي وقلبي ولساني ، وها أنت تراني أعزف على أوتاري الثلاثية سيمفونية الإعتراف بك ملكاً ورباً 00 إنني أعلم أنك ستملك على محبيك وعلى أعدائك أيضاً ، فهلا تذكرني متى جئت في ملكوتك ؟! 00 وهلا تحسبني مع محبيك ؟!!

          وإلتفت الملك المصلوب إلى ديماس اللص قائلاً : الحق أقول لك 00 إنك اليوم تكون معي 00 في الفردوس0

          صار ديماس باكورة المفديّين ، فطابت نفس المخلص به 00 إنه الدرهم المفقود الذي عثر عليه 00 الخروف الضال الذي وجده ضالاًَ شارداً على جبال الخطايا والأثام 00 الإبن الضال الذي كان ميتاً فعاش 00

          ولم يعد ديماس يتكلم بعد ، إنما كانت عيناه ترنو تارة نحو المصلوب وتارة نحو السماء وكأنه يريد أن يؤكد أن يسوع المصلوب هو هو ملك السماء ، ووجد راحة قلبية أخذت تغالب آلام الصلب !! 00 يالفرحتك ياديماس 00 هل رقص قلبك طرباً ؟! 00 هل طابت نفسك أيها المصلوب ؟! 00 لقد فزت بالوعد الإلهي ، وسمعت سيدك يقول لك اليوم ” سأنتظرك 00 هناك سألقاك 00 في الفردوس موضع الراحة والتنعم “0

          والفردوس كلمة فارسية معناها جنة ملوكية 0 إنه موضع راحة الأبرار ، حيث لا تنهد ولا بكاء ، حيث تعزف الملائكة موسيقى الفرح فينسى الإنسان كل آلامه ، حتى لو كانت بشدَّة وجدَّة آلام ديماس على صليبه ، وبدأ ديماس يتذوق في آلامه عربون الفردوس ، بينما يتجرَّع أماخوس الذي أغرته الكثرة ومظاهر القوة كأس الموت ، ويفزع من دنو أجله 00

عجباً 00 أتهلك ياأماخوس وبينك وبين المخلص أشبار ؟! 00

وبينمـا راحت الشياطين ترقص طرباً حول الصلبان الثلاثة ، فإذ بأحدهم يظهر مكفهراً مكتئباً ، وعندما سأله زملاؤه عن سبب إكتئابه قال : لقد كنت ملازماً لديماس أيام هذه عددها 0 أما الآن فلم يعد لي موضعاً البتة في قلبه 0

          وإذ بيوحنا الحبيب يتابع الأحداث عن كثب ، ويرى ديماس يخلص وأماخوس يهلك ، فيتذكَّر كلام المُعلّم الذي قاله من أيام قلائل  ” متى جاء إبن الإنسان في مجده وجميع الملائكة القديسين معه فحينئذ يجلس على كرسي مجده 0 ويجتمع أمامه جميع الشعوب فيميّز بعضهم عن بعض كما يميّز الراعي الخراف من الجداء ، فيقيم الخراف عن يمينه والجداء عن اليسار ” ولوقته تخيَّل يوحنا أن يسوع الديان جالساً على عرشه ، حوله الملائكة القديسين ، وإجتمعت الأرض كلها أمامه ، فمال الأبرار ومعهم ديماس إلى يمين الملك ، بينما الأشرار وعلى رأسهم رؤساء الكهنة ومشايعيهم وجـدوا قوة تدفعهم نحو اليسار 00 فإرتعب يوحنا وقال : حقاً إن ما يحدث الآن لهو لقطة من يوم الدينونة الرهيب0

          وأخذ يوحنا يُطوّب ديماس : من رأى لصاً آمن بملك مثل هذا اللص ، الذي بأمانته سرق ملكوت السموات وفرودس النعيم ؟! 00 طوباك أنت أيها اللص الطوباوي ، ولسانك الحسن المنطق الذي به تأهلت بالحقيقة لملكوت السموات وفردوس النعيم 00

نيقوديموس : أيها اللص الطوباوي 00 ماذا رأيت ؟ 00 وماذا أبصرت حتى إعترفت بالمسيح المصلوب بالجسد ملك السماء وإله الكل ؟!

يوسف الرامي : ما رأيتَ المسيح 00 الإله متجلَّياً على طور طابور في مجد أبيه ، بل رأيته مُعلقاً على الأقرانيون ، فلوقتك صرخت قائلاً أذكرني يارب متى جئت في ملكوتك 00

أناس : لقد أُحصي مع أثمة ، أما هو فقد أحصى الأثمة في ملكوته 00 لقد إلتقينا اليوم بأربعة لصوص يهوذا ، وباراباس ، وديماس ، وأماخوس ، ولم يخلص منهم إلاَّ ديماس ، وربما يخلص بارباس 0

          أما سارباس عضو السنهدريم فتساءل : من أين المُلك لهذا المصلوب ؟! 00 أين رعيته ؟! 00 أين ملكوته ؟! 00 أسيملك في مدينة الأموات ؟! 00

          وكان لاماخوس ” فرصة ذهبية لم يشاركه فيها أحد سوى اللص الآخر المعلق بجواره 0 لقد كان أقرب الناس قاطبة ليسوع المصلوب ، وكانت له الفرصة ليسمع كل أحاديثه وأناته ويتأمل غور جراحه 00 كانت له الفرصة الذهبية ليرى كيف يُولَد الفجر في أحلك الظلمات وتتفجر الينابيع من قلب الصخور الصماء 00 نعم كانت أمامه الفرصة العظيمة أن ينعم بالخلاص مثل اللص الآخر 00 لكنه بالرغـم مـن كل ما حلَّ به ومن حوله لم يغتنم الفرصـة السانحة أمامه ” (29)0

          وكلما فتح يسوع فاه ، كان قلب العذراء يخفق ، وعاطفة الأمومة تشتعل داخلها متوقعة أن يحدثها ولو بكلمة واحدة ، وصدق ظن الأم الحنون التي إنشغلت تماماً بآلام إبنها ، أما هو فلم تقوى كل هذه الآلام أن تشغله عن أمه ، ففتح المصلوب فمه المبارك وقال بصوت متهدج وهو ينظر إليها :  ياأمرأة 00 هوذا إبنك وإلتقت عينا الأم اللتان تورمتا من البكاء بعيني الإبن اللتان تورمتا من اللطمات والكدمات والضربات ، فرأت الأم في عيني إبنها السماء والرجاء والنصرة والمجد ، ولكن الآلام التي تعتصرها تشدها بقسوة إلى أسفل 00 كم كانت تتمنى أن تضع نفسها عنه ، وكاد يُغشى عليهـا ولكن إبنها منحها القوة وسندها في طريق الآلام ، فقالت :  أما العالم فيفرح لقبوله الخلاص ، أما أحشائي فتلتهب عند نظري إلى صلبوتك الذي أنت صابر عليه من أجل الكل يا إبني وإلهي 00

وإلتفت الإله المصلوب إلى يوحنا الحبيب قائلاً :  هوذا أمك 00

وهز يوحنا رأسه علامة الطاعة والرضي ، وهو يقول : كل هذه الآلام ياسيدي وعبرات الموت لم تنسيك واجبات الأمومة0

          وهمست العذراء : هل هذه هي النهاية ؟! 00 كلاَّ 00 لا يمكن أن تكون نهاية إبني البار هكذا 00 لقد أخبرني أنه سيقوم بعد ثلاثة أيام 00 إذاً لابد أن يقوم حتى ولو مات فسيحيا 00 ولكن ماذا أفعل إزاء ضعف طبيعتي ومشاعر الأمومة المذبوحة بغير سكين ؟! 00 إنه سيف بتار ونار آكلة ياإبني 00

          ولم يكن ليسوع أخوة بحسب الجسد ، فلو كان له أخوة لكانوا أحق من يوحنا برعاية أمهم ، ولكنها الأم البتول 00 كانت بتولاً قبل ولادة إبنها الوحيد يسوع ، وأثناء ولادته ، وبعد ولادته لم تنجب غيره  ، فهي العذراء كل حين دائمة البتولية00

” وإن كان يوحنا قد تحمل المشقات في إتباع يسوع إلى الجلجثة لكنه لم يرجع خالي الوفاض 0 لقد توَّج يسوع محبته بأكبر شرف في التاريخ عندما ناداه من فوق الصليب قائلاً ” هوذا أمك ” 00 لقد حسبته أليصابات شرفاً عظيماً عندما أتت إليها أم ربها ، فكم وكم عندما أخذها ذلك التلميذ إلى خاصته 0 ولقد بارك الله بيت عوبيد عندمال حلَّ التابوت فيه ، أما البركة التي حلت على ذلك التلميذ فلا يمكن أن نعرف مداها 0 ولاشك أن رسائل يوحنا تكشف قدراً ضئيلاً من فيض المحبة التي ملأت قلبه ” (30)0

          وجلس تحت الصليب الجلادون الأربعـة يلهون ويتسامرون ، ينتظرون موت المصلوب حتى يعودوا إلى القشلاق ، ولم تنجح كل الآلام التي يجوز فيها المصلوب ، والأنين والصراع من أجل نسمة حياة ، وحشرجة الموت 00 كل هذا لم ينجح في تحريك شعرة واحدة لهؤلاء الجلادين الذين كدت قلوبهم من حجر الصوان ، وكان بجوارهم كومة من الملابس ، وحيث أن الجو كان بارداً فإن يسوع إرتدى عدَّة ثياب منها قميص منسوج بـدون خياطة ، ومنها الملابس الداخلية ، ومنها الثوب الذي يُدثّر الجسد كله ، ومنها ما يوضع على الرأس والكتفين ، وبينما إعتاد الرومان على صلب المجرم عرياناً مجرداً من جميع ملابسه ، فإن أهل الشرق ولاسيما اليهود إعتادوا أن يستروا عورة المصلوب 00 إنها ملابس المصلوب ، وقد جرى العرف على إعتبارها أجرة رخيصة للجلادين الذي ينفذون حكم الإعدام 00

إلتفت أحدهم وقال ساخراً : هيا يا رجال القيصر نقتسم كنوز المصلوب 00

وتعالت ضحكاتهم ، وأخذ كل منهم نصيبه من هذه الملابس البسيطة التي لا تملأ عين واحد منهم0 غير إن نظراتهم إنجذبت نحو القميص المنسوج كله ، ويبدو إن إحدى السيدات الثريات قد أهدته له 00

وقال أحدهم : أنشقه إلى أربعة أجزاء؟

  • وما قيمته بعد تمزيقه ؟!
  • إذاً ليأخذه أحدنا 00
  • نعم 00 لنلقي قرعة0

وألقوا القرعة ، وجاءت القرعة من نصيب الجلاد الأول الذي دق المسامير في يد المُعلّم ، فأخذه فرحاً بينما عيون الآخرين التي تمتلأ حسداً تحدجه شذراً 00

وتحت أقدام الصليب وقف داود النبي يعزف على قيثارته اللحن الحزين  ” يقتسمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعون ” ( مز 22 : 18 )0

(26)  عبارات من القداس الأسود بكنيسة الشيطان – راجع عبادة الشيطان في العصر الحديث للقمص تادرس يعقوب ص 128

(27)  المرجع السابق ص 128

(28)  دكتور فؤاد بولس – تحت أقدام الصليب ص 171

(29)  المرجع السابق  ص 109 ، 110

(30) المرجع السابق  ص 132

وملك على عرشه ف20 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

تل الجمجمة ف19 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

تل الجمجمة ف19 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

تل الجمجمة ف19 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

 

 

 

اقرأ وافهم
روايات إيمانية

الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

الفصل التاسع عشر: تل الجمجمة

          الساعة الآن الحادية عشر والنصف من صباح يوم الجمعة ، وقد وصل موكب الموت والحياة إلى تل الجمجمة خارج أسوار أورشليم ، بالقرب من المدينة المقدَّسة 00 يبلغ إرتفاع التل نحو خمسة أمتار ، ويقع على تقاطع الطريقين الرئيسيين المنحدرين أحدهما إلى يافا والآخر إلى السامرة ، ويدعى جلجثة وهي مشتقة من الكلمة الآرامية ” جولجالتا ” أي جمجمة ، وتُدعى باليونانيـة ” الأكرانيون ” ، وقد إتخذ هذا التل شكل جمجمة الإنسان ، ويقال إن هذا التل دُعي هكذا لأن جمجمة أبينا آدم دُفنت في هذا المكان ، أو لأن جماجم من حُكم عليهم بالصلب قبلاً كانت ملقاة بكثرة في هذا التل ، ” يقول البعض أن آدم مات ورقد هناك ، وأن يسوع قدم النصرة في نفس الموضع الذي ملك فيه الموت ، إذ ذهب حاملاً الصليب كغالب على طغيان الموت 0 كان كتفاه رمزاً للنصرة 0 ماذا يهم إن كان اليهود قد فعلوا ذلك بنية مغايرة ” (23)0

          وعلى هذا التل الذي دُعي قديماً ” جبل المريا ” ربط إبراهيم إبنه إسحق على المذبح الذي أعده وفرشه بالحطب ، فكان رمزاً لما يحدث الآن ، وعندما مدَّ يده بالسكين ليذبحه منعه ملاك الرب وأرشده إلى كبش موثق بقرنيه في شجرة ، فكانت الشجرة رمزاً للصليب والكبش رمزاً ليسوع المصلوب ” ما أقسى وأمر ذلك الإمتحان الرهيب ؟! 00 لماذا أراد الله أن يكون الإمتحان رهيباً قاسياً إلى هـذا الحـد ؟! 00 لماذا هـذا التصميـم أن يبــذل الأب إبنــــه ؟!00 وهل يمكن لذلك الشيخ أن يقدم وحيده ؟! 00 ألم يكن من الأهون أن يضحي ذلك الأب بنفسه عوضاً عن إبنه ؟! 00

ياللهول 00 ألم يكفه أن يضحي الأب بإبنه ؟ 00 لماذا الإصرار إذاً أن يطعن الأب بيده إبنه بالسكين ؟ 00 أن يطعن الأب وحيده بيده فهذا قمة المرار والعذاب الذي لا يمكن أن يتخيله عقل 00 لكن هذا الإمتحان إزداد قسوة أيضاً عندما طلب الله التأني في تأديته !! 00 لقد كان من الممكن أن ينتهي إبراهيم منه بسرعة وفي غمرة من الإنفعال ، ولماذا طول الإنتظار ؟! لكن تلك الذبيحة الفائقة ماكانت لتُقدَم على عجل 0 لقد إختار الله المكان والزمان اللائقين بها 00

وأخيراً وبعد ثلاثة أيام رأى المكان من بعيد ، وهنا تخلى إبراهيم عن كل صحبة بشرية فترك الغلمان وأخذ إسحق إبنه إلى هناك 0 كان إسحق في ذلك الوقت في ريعان الشباب وقمة الجمال 0

ولكيما تصل التجربة إلى ذروتها تساءل إسحق في براءة وثقة البنين قائلاً ” ياأبي 00 هوذا النار والحطب ولكن أين الخروف للمحرقة ” (تك 22 : 7) سؤال برئ جاء في وقت حاسم ، كان له وقع القنبلة وكان يمكن أن يدفع ذلك الشيخ للإنهيار لكن إبراهيم لم يتزعزع وجاء جوابه واضحاً حاسماً لكل التساؤلات ” الله يرى له الخروف للمحرقة ياإبني ” (تك 22 : 8) وهنا أخذ بكل ثبات يبني المذبح 00 ثم رتب الحطب 00 وربط إبنه 00 ووضعه على المذبح 00 ثم مدَّ ذلك الأب يده وأخذ السكين ليذبح إبنه !!!

هنا القمة 00 عندما رفع ذلك الأب السكين ليذبح إبنه كان قد وصل إلى قمة شاهقة من الحب والإيمان لا تدانيها قمة أخرى في الوجود0 هنا غاصت السكين في قلب الأب قبل أن يطعن بها إبنه 00 من فوق تلك القمة الشاهقة رأى إبراهيم أعظم شاهد للتاريخ كله 0 هناك رأى الأب السمـاوي وهـو يقـدم إبنـه وحيده الذي يحبه على مذبح الجلجثة !!00 في تلك اللحظة أدرك إبراهيم كل شئ 00 لماذا أراد الله له أن يكتوي بكل هذه النيران 00 قال يسوع { أبوكم إبراهيم تهلل أن يرى يومي فرأى وفرح } ” (24)0

وعلى هذا التل أيضاً بنى داود مذبحاً وقرب قرباناً للرب ، ليوقف الوباء الذي نشب في الشعب ، وهوذا إبن الله يُصلب في ذات المكان ليوقف عن البشرية وباء الخطية القاتل00

          ولايزال الوافدون إلى أورشليم يتقاطرون جماعات جماعات يمرُّون أمام الجلجثة ، فيُصدَمون بهذا المنظر البشع ، ومع هذا فإن الفضول يستبد بهم ، فيتطلعون إلى من ساقهم حظهم العاثر إلى أشنع ميتة في الوجود ، ولم يخطر على بال أحد منهم أن بينهم من سلَّم نفسه بإرادته من أجل خلاصهم ، وفيما بينهم يلعنون ذاك المستعمر الروماني الذي لا يطبق هذه العقوبة إلاَّ على الشعوب المقهورة والعبيد ، ويمنعها عن الشعب الروماني وعن كل من يحمل الجنسية الرومانية ، ووقف قائد المئة في شمم وكبرياء يأمر جنوده بإقامة الحواجز حتى لا يشتد الزحام حول الجلادين أثناء تأدية عملهم0

          وجاءت بعض السيدات الشريفات ملائكة الرحمة اللآتي كرسنَّ حياتهن من أجل أعمال الرحمة للمرضى والمساجين وأصحاب الحالات الخاصة مثل المحكوم عليهم بالإعدام ، وحملن معهن أبريقاً به مزيجاً من الخل والمرّ من صنعهن ، وهذا يقوم بتخدير الجسم نوعاً ما ، فيخفف عن الإنسان آلام الصلب النارية عملاً بقول الحكيم ” أعطوا مسكراً لهالك وخمراً لمرى النفس ” ( أم 31 : 6 ) 00 قدمن كأساً لديماس الذي شرب وهو ينظر إليهن نظرة الإمتنان 0 أما ماخوس الذي لم يكف عن الثرثرة فإنه أخذ وشرب ولم يعيرهن إهتماماً ، وطلب كأس أخرى وشربها دون نظرة شكر ، وعندما قدموا إلى يسوع وذاق لم يرد أن يشرب ، لأنه أراد أن يتحمل الآلام كاملة ، ومع ذلك فإنه نظر إليهن نظرة إمتنان وتشجيع 00 شعرن بمحبته ورقته ، فإنسابت دموعهن حسرة على ذاك الشاب اللطيف الذي يموت في ريعان شبابه 00 إنه نبي 00 هكذا كانوا يسمعون عنه ويعرفونه0

          وعرى الجند يسوع من ملابسه ، فإندفعت الدماء التي كانت قد تجلطت وإلتصقت بالقميص وعادت تنزف من جديد وتفتحت الجروح ، وهذا لم يمنعهم من طرحه أرضاً فوق الصليب 00 أحاط به أربعة من الجلادين ، أحدهما يحمل حقيبة صندوقية ، فتحها وأخـرج منها مسامير مربعة غشيمة بطول 18 سم ومطارق ، وهكذا فعلوا باللصين الآخرين ، وبمجرد أن أعطى قائد المئة إشارة البدء ، إنقض الجنود الأقوياء يحيطون بكل مصلوب ، يقبضون عليه بشدة ، ويدقون يديه ورجليه بالمسامير في خشبة الصليب 00

يهوي الجندي الروماني بالمطرقة في شدة وعنف على رأس المسمار الحدادي الغليظ فيخترق الجلد واللحم ، ويمزق الأعصاب ويغوص في خشبة الصليب 00

وبينما يوالي الجندي الطرقات بكل قوته كان الجسد الذبيح يرتعش ، وتسيل الدماء الغاليـة على الأرض الملعونة لتغسل لعنتها 00

وقد إستطاعت مهارة الجلادين أن تدفع بهذه المسامير ، فتمزق الرسغين والقدمين ولا تمزق الشرايين الرئيسية ، مما يجعل النزيف بطيئاً ، ويطيل فترة العذابات ، حتى إن بعض المصلوبين كانوا يقضون أياماً على صلبانهم قبل أن يلفظوا أنفاسهم الأخيرة ، ولاسيماو لو كان مثبت بالقائمة الرأسية ” السرج ” ( قطعة خشبية ترتكز عليها أرداف المصلوب ) فإن عذاباته قد تمتد لمدة أسبوع يعاني فيها من العطش والجفاف والجوع ناهيك عن الطيور الجارحة التي قد تنهش جسده وهو مازال حيَّاً 00

حقاً إن حكم الناموس على الإنسان لهو أرحم كثيراً من حكم الإنسان على نفسه ، فالناموس كان يأمر بالرجم حيث تنتهي حياة الإنسان في لحظات قليلة ، وإذا كان هذا الإنسان قد أخطأ أخطاءاً مشينة تُعلَّق جثته لمدة يوم واحد ثم تدفن في نهاية اليوم 00 أما حكم الإنسان على نفسه فهو ما نراه الآن ، ولا يجرؤ أحد أن يُنزِل مصلوباً من على صليبه وإلاَّ رفعوه نيابة عنه0

” كانت عملية الصلب تجري وسط عاصفة شديدة من الصخب 0 كانت الحشود التي جاءت من بعيد لتشاهد عملية الصلب تصرخ بصوت عالٍ وتطلق عبارات الهزء والتعييّر 0 وكانت أصوات المطارق وهي تهوي لا تكاد تُسمع وسط ذلك الضجيج ، الذي إن دل على شئ فإنما يدل على الإنفلات 0 كانت ساعة الصلب هي ساعة تجرد الإنسان فيها من كل القيم والضوابط 0 إنها ساعة عاد فيها إلى روح الهمجيــة ، وظهــر فيهــا عمــق ” أصالتـــه ” فــــــي الشر !! ” (25)0

          وبعد أن سمروا يد يسوع اليسرى جذبوه من يده اليمنى حتى كادت عظامه تنفصل ، ولك أن تتصوَّر مدى الآلام الناتجة عن هذه الجذبـة الشديـدة ، التي شعرت بها الأم العذراء ويوحنا الحبيب 00

كم تأثرت تلك الأم الثكلى وقد تقرحت عيناها من فرط البكاء ، والنيران تشعل قلبها لهيباً ، والسيف يجوز في نفسها ، وقد ضمت يديها إلى صدرها في منظر خشوعي وضراعة وصلاة عميقة 00

تأجَّجت المشاعر داخلها ، وماتت الكلمات على شفتيها ، فخاطبت إبنها بلغة الدموع 00

كل طرقة للجندي الروماني القاسي على المسمار كانت في الحقيقة هي طرقة على قلب الأم الحنون 00

آه ياإبني لماذا إخترت هذه الميتة الشنيعة ؟! 00

إن كان لابد من الذبح ، فلِمَ لم تُذبح بالسيف ؟! 00 ولِمَ حكمت عليَّ بهذا السيف الرهيب ؟! 00

أما اليهود فقد وقفوا كالثيران الهائجة وكالكلاب المسعورة المتعطشة لدماء الناصري 00

أما قلوب الجلادين الرومان فقد فقدت الحس وماتت وتحجرت ، ولم يزعجهم على الإطلاق صرخات وتأوهات المصلوبين والمسامير تمزق أجسادهم 00

أي إنسان ينظر إلى يسوع مطروح أرضاً عرياناً يُسمَّر بهذه الطريقة الوحشية من أجله ولا يذوب فؤاده وتنحل من داخله كل شهوة شريرة ؟! ولهذا تصرخ الكنيسة في تلك الساعة للمصلوب  ” وبالمسامير التي سُمرت بها إنقذ عقولنا من طياشة الأعمال الهيولية والشهوات العالمية “ 0

وجاء زمرة من الأنبياء ، داود النبي يُرنّم على الناي الحزين ” ثقبوا يديَّ ورجليَّ ” ( مز 22 : 16 ) وأشعياء النبي يشهد  ” وهو مجروح لأجل معاصينا ” ( أش 53 : 5 ) وزكريا النبي يسأل يسوع المصلوب : ما هذه الجروح في يديك ؟ وسُمعت همسات المصلوب :  ” هي التي جُرِحتُ بها في بيت أحبائي ” ( زك 13 : 6 ) 0

إنتهت عملية التسمير وكان بجوار الصلبان الثلاث ثلاث حفر متقاربة ، كل حفرة كانت قريبة من قاعدة الصليب ، فرفعوا الصليب لأعلى ووجه المصلوب نحو السماء ، فإنزلقت قاعدة الصليب في الحفرة ، وأهالوا حولها التراب والحصي 00 سرعان ما إرتفع على هذا التل ثلاثة صلبان ، وكان صليب يسوع في الوسط ، وكأنه هو زعيم اللصوص عوضاً عن باراباس ، وسمَّر الجنود اللافتات فوق الصلبان الثلاث ، وكانت الساعة الثانية عشر ظهراً 0

والخشبة التي صُلِب عليها ملك المجد لم تكن جديدة إنما سبق إستخدامها ، أي أنها تشرَّبت بدماء الأثمة والفجار من بني البشر 00 لقد إرتضى أن يأخذ مكان الأثمة 00 هوذا المذبح الفريد الخشبي يرتفع فوق الجلجثة خارج أسوار أورشليم ، لكيما يُوقد عليه الحمل البرئ 00 كل مذابح العصور أُقيمت من حجارة وأُصعدت عليها الذبائح الحيوانية بعد ذبحها 0 أما هذا المذبح الرهيب ، فقد أُقيم من صليب خشبي ، لكيما يُوقَد عليه يسوع إبن الله وهو حي بعد ، وعلى هذا المذبح الخشبي تجسمت الخطية في بشاعتها ، وظهرت الدينونة في أهوالها 00

          ولا تسألني ياصديقي عن شدة وقسوة الآلام النارية التي يعاني منها المصلوب أثناء رفع الصليب والجسد كله مُعلَّق بثلاثة مسامير ، وما نتج عن هذه الحركة من إهتزازات في الأعصاب 00 ربما الذي ذاق ألم الضروس ذات ليلة نتيجة تعري الأعصاب يشعر بالشئ اليسير جداً جداً من هذه الآلام !!

          وإرتسمت أمام يوحنا كلمات يسوع الخالدة  “وكما رفع موسى الحيَّة في البريَّة هكذا ينبغي أن يُرفع إبن الإنسان ” ( يو 3 : 14 ) 00 ” متى رفعتم إبن الإنسان فحينئذ تفهمون إني أنا هو ” ( يو 8 : 28 ) 00 ” وأنا إن إرتفعت عن الأرض أجذب إليَّ الجميع ” ( يو 12 : 32 )0

إرتفعت الصلبـان ، وشمس الظهيـرة الحارقة تلفح الأجساد العارية 00

وبينما يحوم الهوام حول الجروح ، فإن حركة المصلوب مقيدة بالمسامير 00

وإعترى الدوار الشديد المصلوب نتيجة لعدم كفاية الدم الذي يصل إلى الرأس 00

ناهيك عن التوتر العصبي ، والرعشة والقشعريرة ، والعطش الشديد الناتج من النزيف والعرق الغزير 00

حقاً إن آلام الصلب أقسى بما لا يقاس بآلام الذبح ، فالحمل يُذبح في لحظة بشفرة حادة فلا يكاد يشعر بالألم 0 أما يسوع البار فإنه يُذبح على الصليب ، ودمه يقطر قطرة قطرة ، وهو مازال حياً يشعر بكل شئ 00

أما عملية التنفس فهي مشقة ما بعدها مشقة وعذاب يفوق كل عذاب ، وألم لا يُطاق 00 لماذا ؟ 00 لأن إنحناء الجسم لأسفل تحت تأثير الجاذبية الأرضية مع ثقل الرأس لا يُمكّن الإنسان من إلتقاط الأنفاس فتنخفض حركة التنفس من 16 مرة في الدقيقة إلى 4 مرات ، مما يؤدي لإرتشاح الماء من الرئة ، ويضطر المصلوب إلى جذب جسده للخلف ، ومعنى هذا أن يضغط على ساقيه المسمرتين بالمسمار ، ويشد يديه المسمرتين أيضاً ، فيحتك المسمار بالعصب الأوسط للذراع ، ويشب المصلوب قليلاً لكيما يلتقط نفساً واحداً على حساب جراحات تتسع وآلام لا توصف ، فلا يلتقط النفس الآخر إلاَّ عندما يكون على وشك الإختناق0

          ورغم إن الله من رحمته أودع في الإنسان إمكانية الغياب عن الوعي متى حاقت به الآلام الطاغية ، فإن المصلوب رغم آلامه لا يغيب عن وعيه أبداً ، لأن غيابه عن الوعي يعني فقدانه الحياة بسبب توقف التنفس ، فيظل المصلوب يعافر ويجاهد من أجل أقل القليل من نسمة الحياة ، وعلى كلٍ فإنه إن طالت فترة المصلوب على الصليب أو قصرت فإن حياته تنتهي بالإختناق00

كل هذا تحمله يسوع ، بالإضافة إلى الآلام النفسية التي تحملها بسبب إنكار بطرس ، وخيانة يهـوذا ، وجحود أمته اليهودية ، وأيضاً الآلام الكفارية التي جاز فيها وتساوي كل آلام الجحيم التي كانت البشرية كل البشرية ستكابدها هناك 00

          وتجمع أمام الصليب المريمات ، مريم المجدلية ، ومريم زوجة كلوبا ، ومريم أم مرقس ، ومريم أخت لعازر ، ومرثا ، وسالومي ، والنساء اللواتي كن يتبعنه من الجليل مثل يونا زوجة خوري وكيل هيرودس الملك ، وكل معارفه ، ويوسف الرامي ، ونيقوديموس ، ويوحنا الحبيب ، وعلى رأس الكل الأم العذراء الثكلى 00

وما أثقل الأحزان التي حطمت القلوب ؟!

وما أقوى العواصف العاتية التي أطاحت بالرجاء ؟!

وطالما قلب المصلوب مازال ينبض ، فإنه يظل يكتوي بنار الألم ، ومن حوله الأحياء يحترقون بنيران الشجن والحسرة ، وربما عاد التلاميذ ووقفوا بعيداً ينظرون ما كان ، فوقف داود النبي يقول ” أحبَّائي وأصحابي يقفون تجاه ضربتي وأقاربي وقفوا بعيداً ” ( مز 38 : 11 )0

همس نيقوديموس يناجي المصلوب للمصلوب : عندما ذُبح هابيل البار 00 عندما رُبط إسحق ووضع على المذبح 00 عندما سجد يعقوب على رأس عصاه وبارك أفرايم ومنسى بيدين متقاطعتين 00 عندما وضع خروف الفصح في النار عبر سيخين متعامدين 00 عندما رفع موسى يداه طوال النهار حتى ينتصر يشوع 00 عندما رفع موسى الحية النحاسية على الراية لكيما ينال الشفاء كل من لدغته الحية المحرقة 00 كنت أنت هناك ياربي بالرمز 00 أما الآن فأنت هنا مُعلق على الصليب 00 أنت هو هابيل المذبوح وها هنا بركة يعقوب 00 أنت هو إسحق الذبيح ، وخروف الفصح المشوي بالنار 00 ها هنا نصرة موسى ، والحية النحاسية التي تهب الشفاء 00 أنت هو شمس البر التي أشرقت علينا والشفاء في أجنحتها0

وإنسابت على شفتي يوسف الرامي أغنية العروس :  ” حبيبي أبيض وأحمر 0 مُعلَّم بين ربوة 0 رأسه (المكلَّل بالأشواك) ذهب أبريز 0 قصصه ( الملطخة بالدماء ) مسترسلة حالكـة كالغراب 0 عيناه ( المتورمتان ) كالحمام 00 مغسولتان باللبن 00 شفتـاه ( اللتان إلتهبتـا بعذابات الصليب ) سوسن تقطران مرَّاً مائعاً 0 يـداه ( المسمرتان ) حلقتـان مـن ذهب رُصعتا بالزبرجد ( المسامير ) 00 ساقاه ( المسمرتان ) عمودا رخام مؤسستان على قاعدتين من أبريز 0 طلعته كلبنان 0 فتى كالأرز ( نش 5 : 10 – 15 ) 0

ووقف يوحنا يُردّد همسات النبي الإنجيلي ” من صدق خبرنا ولمن إستعلنت ذراع الرب ( من يصدق أن المصلوب هو هو إبن الله الحي الأزلي ؟! ) 00 لا صورة له ولا جمال فننظر إليه ولا منظر فنشتهيه 0 محتقر ومخذول من الناس رجل أوجاع ومختبر الحزن وكمستَّر عنه وجوهنا مُحتقر فلم نعتدَّ به 0 لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحمَّلها ونحن حسبناه مصاباً مضروباً من الله ومذلولاً 0 وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا تأديب سلامنا عليه وبحُبره (بجراحاته) شفينا 0 كلنا كغنم ضللنا مِلنا كلَّ واحـد إلى طريقـه والـرب وضع عليه إثم جميعنا ” ( أش 53 : 1 – 6 )0

ووقف جبران خليل جبران ( بعد ألفي عام ) يناجي المصلوب  ” أيها الجبار المصلوب 00 الناظر من أعالي الجلجثة إلى مكب الأجيال ، أنت على خشبة الصليب المضرجة بالدماء أكثر جلالاً ومهابة من ألف ملك على ألف عرش 0 إن إكليل الشوك على رأسك أجمل من تاج بهرام ، والمسمار في كفك أفخر من الصولجان في قبضة المشترى 0 سامح هؤلاء الضعفاء الذين ينوحون عليك 00 لأنهم لا يدركون كيف ينوحون على أنفسهم “0

وهمست لنفسي قائلاً : إن المكان قد تعبَّق تماماً بأريج الحب القوي ، فهوذا القارورة قد تحطمت ، فلابد للناردين الغالي كثير الثمن أن تفيح رائحته 00 من يقدر أن يوقف فيض الحب الذي يفيض من الجسد الممزق 00 من رأسه ومن منكبيه 00 من يديه ومن قدميه 00 من كل جرح في جسد يسوع أرى الحب الخالد النقي الطاهر يتدفق لكيما يغسل أدران أدناسي0

وأخيراً لو تساءل أحد عن سبب إختيار يسوع لموت الصليب بالذات دون أية ميتة أخرى نقول له إن السيد إختار موت الصليب لأسباب لذيذة نذكر منها ما يلي :

1-  ليحتفظ بجسده صحيحاً كاملاً ، فلو مات بالسيف فإن رأسه ستنفصل عنه ،  ولو مات حرقاً فإن جسده سيتحول إلى رماد0

2-  ليقطر دمه قطرة قطرة لأنه هو الذبيحة المقدَّمة عن خلاص البشرية0

3-  لتظل أحضانه مفتوحة وهو على الصليب لكل خاطئ أثيم يرغب في العودة إليه0

4-  ليفرد جناحيه مثل الدجاجة التي تضم فراخها تحت جناحيها  ” ياأورشليم ياأورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا ” ( مت 23 : 37 )0

5-  ليفرد ذراعيه فيضم الشعب القديم من جهة ، والشعوب الوثنية ( الأمم ) من جهة أخرى0

6-  ليُطهّر الهواء من سلطان الشيطان على أبناء الله ، وذلك بعد أن إنتصر على الشيطان في القفر ( جبل التجربة ) وبعد أن إنتصر عليه في أعماق المياه ( المعمودية )0

7-  ليكون في مركز وسط بين السماء والأرض ، فيصالح الله مع الإنسان ، والسمائيين مع الأرضيين0

8-  حتى يراه الكل في موته ويشهد بموته الجميع فلا يشك أحد ، ومتى قام لا يقولون أنه تعرض لحالة إغماء فقط0

9-  حتى لا يظن أحد أنه إختار ميتة سهلة ، أما موت الصليب فلا يقدر أن يقوم منه0

10-  ليحمل لعنة البشرية لأنه مكتوب ملعون كل من عُلق على خشبة0

11-  عن طريق شجرة معرفة الخير والشر سقط الإنسان ، وعن طريق شجرة الصليب عاد الإنسان إلى الفردوس المفقود 0 بل وإرتقى إلى الملكوت0

 

شكر لك ياإلهي 00 يامن صلبت عني 00

أعطني أن أحيَّا كما يحق لصليبك

(23)  قول للقديس يوحنا ذهبي الفم – القمص تادرس يعقوب – تفسير إنجيل يوحنا جـ 2 ص 1201

(24)  دكتور فؤاد بولس – تحت أقدام الصليب ص 151 – 154

(25)  المرجع السابق  ص 211

تل الجمجمة ف19 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

دماء على الطريق ف18 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

دماء على الطريق ف18 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

دماء على الطريق ف18 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

اقرأ وافهم
روايات إيمانية

الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

الفصل الثامن عشر: دماء على الطريق

الساعة الآن قاربت الحادية عشر صباحاً ، وقد أمر قائد المئة بعض الجنود بإحضار ثلاث عارضات أفقية من المخازن العمومية ، لأن العارضات الرأسية كانت تترك في مكان الإعدام ، وأمر بإخراج ديماس وأماخوس اللصان من السجن ، وأي قائد مئة روماني يعد هذه المهمة مهمة وضيعة ، إذ يقود بعض الأشقياء للموت صلباً ، فأين هذا من قتال الميدان وصياح الفرسان وصراع الجبابرة ؟!

          وحمل يسوع وكذلك اللصان كل واحد عارضة صليبه على كتفيه ، وربطت يداه إليها ، ويبلغ وزن العارضة نحو خمسين كيلو جرام ، وسار اللصان في منتهى اللياقة إذ لم يعانيا أي عذابات ولا جلدات قاتلة كما حدث مع يسوع ، الذي أحسَّ بثقل هذه العارضة كجبل جاثم على منكبيه اللتان شوهتهما الجلدات وحفرت فيهما أخاديد وجروح وتهتكات ، وعندما تلامست مع سطح العارضة الخشن إلتهبت بنار الألم0

          وسار موكب الموت من دار الولاية يتقدمه أحد الفرسان ممتطياً صهوة جواده في كبرياء يُعلن عدالة وقوة وسطوة روما ، ولست أدري إن كـان هـذا الفـارس مقتنعـاً بما دار وما يدور أم لا ؟! 00

يا أيها الفارس المغوار أشعرت بالعدالة المذبوحة ؟! 00

يا أيها المتشدق بالحق لماذا تسير بإفتخار وعنجهية في موكب الظلم والإفتراء ؟!

          وتقدم كل متهم جندي يحمل لافتة مدون عليها بإختصار تهمته ، وإذ لم يجدوا تهمة واحدة ليسوع البار كتبوا على لافتته ” يسوع الناصري ملك اليهود ” بثلاث لغات عبريـة ويونانية ولاتينيـة ، وبثلات عبـارات ” ملك اليهود ” ،  ” هذا هو ملك اليهود ” ، و ” يسوع الناصري ملك اليهود ” كل عبارة بلغة ، والمعنى واحد ، وكان هذا تهكماً وسخرية باليهود الذين رفضوا الصفح عن يسوع البار ، وهذا ما قصده بيلاطس من جانب ، ومن الجانب الآخر حرم بيلاطس اليهود من فرصة الإحتجاج عليه لدى القيصر بأنه يوالي ملكاً آخر ، فهوذا ملككم قد صُلِب ، وشكايتكم ضدي قد ماتت ، ولذلك عندما طالبه رؤساء الكهنة والفريسيون بتغيرّها قائلين له : لا تكتب ملك اليهود 0 بل إن ذاك قال أنا ملك اليهود00  ظهرت عليه امارات الوالي الروماني العنيد وإنتهرهم قائلاً : ما كُتِب فقد كُتِب ، فقد تحمل بيلاطس ضغوطاً كثيرة من هؤلاء الجحود ، ولم يعد بمقدرته أن يحتمل ضغطاً آخر ، وقد أشار بيلاطس إلى هذه الحادثة عندما كتب لمعلمه سينيكا يقول  ” ثم هناك شئ آخر فاتني أن أذكره لك عن موضوع صلب يسوع ، لقد علَّقت على صليبه لافتة تحمل لقب { ملك اليهود } وقد أثار هذا مشاعر الفريسيين الذي تمتلئ صدورهم رغبة جياشة في أن يوجد فعلاً ملك لليهود 0 أنه لمن دواعي سرورهم أن يروا حكم الرومان وقد إنزاح عن كواهلهم ليحل محله ملك اليهود ، ملك من طراز آخر غير طراز هيرودس نصف اليهودي ، ملك من دم يهودي خالص يحكم الولاية عن طريقهم ويسحق الصدوقيين0

          لقد قابل هؤلاء الفريسيون اللافتة التي وضعتها على الصليب بغضب بالغ وإستياء شديد ، لأنها كانت تتضمن الإعلان بأننا أصحاب السلطان عليهم ، كما أنهم إعتبروه تحقيراً لهم وتصغيراً من شأنهم أن يحمل مثل هذا المجرم لقب { ملك اليهود } وعندما أعربوا عن إعتراضهم قابلت إعتراضهم بحزم وقلت لهم إن ما كتبتُ قد كتبتُ وأمرتهم بالإنصراف ” (21) 0

          وسار خلف كل متهم عدد من الجنود يحرسونه ، وإذ كانت قضية يسوع مثاراً للرأي العام لذلك كُثفت الحراسة في ذاك الموكب ، فأحاط بهم عدد ليس بقليل من الجنود الأقوياء المسلحين تحسباً لوقوع أي أعمال شغب من قِبل مشايعي نبي الناصرة ، ومن شدة زحام الأعياد ، أخذ الجنود يدفعون الناس المتطفلين دفعاً ، وكل إنسان يحاول أن يختلس نظرة لأولئك الذين بعد ساعات سيذهبون إلى مدينة الأموات ، ولاسيما معلم الجليل الذي طالما أشبع الآلاف ، وعلَّمهم ، وشفى مرضاهم ، وأقام موتاهم ، وبسبب كثرة الضجيج لم يلتفت أحد إلى يسوع الذي يناديهم في صمته : تعالوا إليَّ ياجميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم 00

          وأسرعت الأم العذراء الخطى نحو الموكب يصحبها يوحنا الحبيب ، ولكن الجموع الهائجة الهادرة كانت تحول دون أن تدرك إبنها ، وحانت إلتفاتة من يسوع إلى أمه الحنون التي يجوز السيف في نفسها 00 إلتفاتة ملؤها الحب والحنان والشفقة ، ففي آلامه يشفق على قلب الأم الذي يتمزق ألماً ، ولكن هذه الإلتفاتة حملت في طياتها أيضاً الثقة ، فكل الأمور مازالت وستظل داخل دائرة الضبط الإلهي ، فلتطمئن الأم الثكلى ، فلن تكون هذه المسيرة قط نهاية المشوار ، وهمس أشعياء النبي في أذن العذراء ” وتكون الرئاسة على كتفه “( أش 9 : 6 ) 00 إن الملك في طريقه لإعلان ملكه ورئاسته0

          وأصرَّ رؤساء الكهنة ومشايعوهم من أعضاء مجلس السنهدريم ، والكهنة واللاويين ، والكتبة والفريسيين والناموسيين على الإنضمام إلى موكب الموت ، وهم يشعرون بالنصرة والفخار ، وتنتشي نفوسهم إذ حصلوا على ما يريدون بالضبط رغماً عن أنف بيلاطس وهيرودس ، ورغم إن جنود الحراسة كانوا يقظين إلاَّ إن بعض الغوغاء كانوا ينجحون في تسديد لكمة أو ركلة لأحد المتهمين ، فسار اللصان وهما يلعنان ويسبان كل شئ ، حتى يومهما المشئوم هذا0

          أما يسوع فسار في صمت منهك القوى 00 لقد أمضى الأسبوع الماضي المشحون بالإثارة ، وأمضى ليلة الأمس في المحاكمات الجائرة ، وتعرَّض لعذابات وضربات ولطمات وجلدات وحشية ، مما جعل قدماه الحافيتان تطبعان بصماتهما الدامية على أحجار الطريق ، وقد تلطخ رداءه وتشبع بالدماء النازفة من أثر الجلدات والأشواك ، فبدأ وكأنه يلبس ثوباً من برفيل ، ومازالت الأشواك مغروسة في رأسه وجبينه ، ومع كل حركة تنزف وتنزف وتلتهب ألماً ، وتسيل الدماء على شكل خطوط لأسفل تلطخ وجهه وخصلات شعره ، وتتساقط قطرات على الطريق فترسم طريقاً بالدم يمكن تتبعه من دار الولاية وحتى الجلجثة0

          وسمعتُ وسط هذا الضجيج صوت المحبة تنتحب 00 في موكب نصرته تزاحم رجال أورشليم يهتفون له ، أما في موكب صلبه فقد إختفى هؤلاء الرجال المغاوير ، وجاءت النسوة اللواتي تدفعهنَّ محبتهنَّ الصافية الطاغية يبكين وينتحبن نبي الناصرة الذي طالما ملأ الدنيا كرازة وأشفية وعجائب ، وهو مازال شاباً في عنفوان شبابه ، عجزوا عن إدراك قضية الفداء ، وإنه سلَّم نفسه لكل هذه الآلام بإرادته ، وفي اليوم الثالث سينفض كل هذا ويقوم بعد أن يسحق رأس الحية ، ويقهر الموت الذي دوَّخ البشرية ، ويقتحم مملكة لوسيفر ويُحرّر من سبق وسباهم 00 وياللي فرحة القيامة والنصرة !! 00

توقف يسوع أمامهن ، وبكلمات متقطعة وصوت متهدج قال : يابنات أورشليم لا تبكين عليَّ بل إبكين على أنفسكن وعلى أولادكن لأنه هوذا أيام تأتي يقولون فيها 0 طوبى للعواقر والبطون التي لم تلد والثدي التي لم تُرضع 0 حينئذ يبتدئون يقولون للجبال إسقطي علينا وللآكام غطينا لأنه إن كانوا بالعود الرطب يفعلون هذا فماذا يكون باليابس 00

عجباً 00 كل الآلام التي تنهش في جسدك يايسوع نهش الأفاعي لم تفلح في منعك من التعليم والتحذير : فإنه ستأتي أيام ويحيـط بك أعداؤك بمترسة ويحدقون بك ويحاصرونك من كل جهة 0 ويهدمونك وبنيك فيك ولا يتركون فيك حجراً على حجر لأنك لم تعرفي زمان إفتقادك 00 يوم تحاصر أورشليم 00 يوم تحل المجاعـة القاتلة فتجف الثدي من اللبن قوت الحياة ، فيموت الأطفال 00

يوم تأكل الأمهات أطفالهن ثمرة بطونهنَّ 00

يوم يهدم تيطس الروماني المدينة والهيكل فخر الأمة اليهودية ويدوسه بالنوارج الحديدية فلا يبقى منه حجراً على حجر لا يُنقَض00

يوم تتشابك الصلبان فوق تلال أورشليم مثل غابة كثيفة ، حاملة خيرة شباب ورجال وأراخنة المدينة 00

لأنهم إن كانوا فعلوا هذا برب الحياة فكم وكم بالجاحدين الذين قدموا عوض الخير شراً ، وعوض الحياة موتاً ؟! 00

إن كانوا فعلوا هذا بالبار القدوس فكم وكم بالخطاة ؟!

          وتابع الموكب المسيرة من دار الولاية إلى تل الجمجمة ، نحو ثلاثة آلاف قدم ، وهذا هو الطريق الأقصر الذي فضل قائد المئة أن يسلك فيه إختصاراً للوقت ، بدلاً من الطريق العمومي الأطول والأشد زحاماً 00 سار موكب الموت والحياة في طريق الآلام الضيق 00 كثيرون يعتلون سطح المنازل ويطلون من النوافذ ليروا يسوع الناصري مقتاداً للموت ، وكان الموكب ملفتاً للأنظار جداً ، فأي موكـب إعدام هذا الذي تسير فيه كل هذه القيادات الدينية ؟!!

          كما تجمع على طريق الدماء بعض من القطيع الصغير من أتباع يسوع المخلصين ومعارفه وأقاربه ، وإنبرت ” فيرونيكا ” إحدى الشابات اللاتي جرح المنظر فؤادها وفطر قلبها وكادت الدموع الغزيرة تمنع رؤيتها لمن حولها 00 إنبرت وتقدمت نحو يسوع بعمل المحبة الشجاع ، فشكرها ومرَّ وعبر ، وإذ على المنديل طُبع وجه من هو أبرع جمالاً من بني البشر بركة للأجيال00

إنظروا هوذا الحامـل كـل الأشياء بكلمة قدرته يئن تحت ثقل صليبه 00

إنظروا إلى ذاك الذي سيق كلص ومجرم خارج على القانون من البستان إلى قصر حنان إلى قلعة أنطونيا إلى قصر هيرودس إلى دار الولاية 00

إنظروا إلى ذاك الذي جاز في مهانة لا توصف وبهدلة تفوق الأوصاف ، وقد جاز صنوف الآلامات والعذابات 00

إنظروا إلى موجات الألم العاتية ، والرعدة العصبية التي تعصف بذاك الجسد الرقيق 00

إنظروا إلى عرقه يتصبب ممتزجاً بقطرات دمه ليصنع دواء لمن لدغته الحية القديمة 00

إنظروا إلى رأسه المبارك مكلَّلاً بطاقية الأشواك ، وقد ترضض من الضربات ، والدوار ألمَّ به ” من أسفل القدم إلى الرأس ليس فيه صحَّة بل جُرْح وإحبْاط وضربة طريَّة لم تُعصر ولم تُعصب ولم تلين بالزيت ” ( أش 1 : 6 )0

إنظروا إلى وجهه البارع الجمال وقد خطت عليه لطمات الجبابرة والدماء قصة الخلاص 00

إنظروا إلى عينيه المتورمتين اللتين لم تعدا تميزان الطريق 00

إنظروا إلى منكبيه ، وظهره المنحني المسخن بالجراحات 00

إنظروا إلى نفسه التي أحناها الحزن الرهيب ” أما إليكم ياجميع عابري الطريق 00 تطلعوا وإنظروا إن كان حزن مثل حزني 0 الذي صنع بي الذي أذلَّني به الرب يوم حمو غضبه 0 من العلاء أرسل ناراً إلى عظامي فسرت فيها 00 ” ( مرا 1 : 12 ، 13 )0

إنظروا إلى ذاك الذي في درب الهوان يسير ، مكلَّلاً بالأشواك 00

إنظروا إلى ذاك الذي في صمت يتجرع كأس الألم ، وإن كانت عيناه لا تذرفا دمعاً فإن جسده يذرف دماً 00

          هذا هو يسوع النسمة الرقيقة 00 الطهارة الكاملة 00 المحبة الوديعة 00 البسمة المفرحة 00 يسير في طريق الآلام ، وعلى طول الطريق تفوح رائحة المحبة الخالصة 00

          وإذ أُنهك يسوع إلى أقصى درجة وهو يحمل صليباً خشناً غليظاً ، أخذ يترنح في طريق الدماء ، وإختل توازنه ، وسقط على الأرض ، وإرتطمت رأسه بالأرض الحجريَّة ، وإرتطمت العارضة التي يحملها بجسده الجريح لتزيده سحقاً وعذاباً وأحدثت السقطات جروحاً في وجهه وركبتيه ، ومن دراسة الكفن أصدر د0 دافيد ويلز Dr. David Willis  تقريره عن مدى الإصابات التي تعرض لها يسوع ” إنتفاخ في حاجبي العينين – تمزق في جفن العين اليمنى – إنتفاخ كبير تحت العين اليمنى – إنتفاخ في الأنف – جرح مثلث الشكل على الخد الأيمن متجهاً بقمته نحو الأنف – إنتفاخ في الخد الأيسر – إنتفاخ في الجانب الأيسر للذقن ” (22) 0

وما كان من الجنود القساة إلاَّ أن ألهبوا ظهره الجريح بالسياط ، ويداه المقيدتان إلى العارضـة لا تساعدانـه على النهوض ، فإنحنى جنديان يساعدانه في حمل العارضة ، وهو يحاول وينجح في النهوض ، ويلهث حتى صارت أنفاسه متقطعة ، وصدره يعلو ويهبط بسرعة كبيرة ، وتوقع البعض له الموت قبل الوصول إلى الجلجثة 00

          وتكرَّرت السقطات ، وبعد عبور بوابة أورشليم سقط سقطته الأخيرة ، وعجز عن النهوض ثانية بصليبه ، فالروح مازال نشيطاً ولكن الجسد وصل إلى حالة رهيبة من الإعياء 00

آه للقوي الجبار الذي سقط تحت ثقل خطايا العالم كله 00

آه لو شاء أن يبيد المحيطين به بنفخة منه ، بل لو شاء أن يبيد البشرية جمعاء 00 لفعل !! ولكنها ربك المحبة 00

          حقاً لقد وقف جند السماء في دهشة وذهول وقد إقشعرت أبدانها 00 حشود الملائكة تريد أن تزود عنه ، ولكنها مضبوطة بكلمته 00 ليس لها إلاَّ أن تجثوا له في كل خطوة وكل سقطة تقدم له العبادة بكل خشوع وإجلال وتوقير وتعظيم 00 حقاً إن سكان الأرض لا يدركون مدى الدهشة التي ألمت بجيوش الملائكة وهي تقف في حيرة لا تقدر أن تدافع عن بارئها ، لأن هذه هي إرادته ومشيئته ، ولا تقدر أن تغمض عيونها عن أفظع وأبشع منظر في الوجـود كله 00 لماذا كل هـذه العذابات ؟! 00 أهذا كله من أجلي ؟!!

وشعر قائد المئة أنه لم يعد لدى يسوع أي جهد لمواصلة المشوار والصعود إلى تل الجمجمة ، وإن ضربات الجند لن تفلح هذه المرة في إنهاضه ، فنظر حوله وإذ إنساناً قروياً مفتول العضلات عائداً من الحقل ، وقد مال لينظر هذا المنظر العجيب ، فدعاه وسأله عن إسمه 00 سمعان القيرواني 00 فسخَّره ليحمل العارضة الخشبية الثقيلة 00

وإنحنى سمعان عن طيب خاطر وفك يدي يسوع من الرُبط التي تربطه بالعارضة ، وحملها عنه ، وكأنه لا يحمل شيئاً 00 وكم تمنى لو أنه يقدر أن يحمل يسوع أيضاً ويركب أجنحة الريح ويهرب من ساحة الموت 00

ولكن الأمر المدهش والذي يثير في النفس مشاعر ما بعدها مشاعر هو تمسك يسوع بصليبه 00 إنه إلتصق وإلتحم بالصليب 00 ربط المحبة طوقته وربطته بإحكام نحو صليبه ، فأخذ يجد ويجاهد ويعافر ويحاول أن يشارك سمعان في حمل الصليب 00 سار الإثنان جنباً إلى جنب ، ويد يسوع على كتف سمعان وكأنه يقص عليه ما كان ، وما هو كائن ، وما هو عتيد أن يكون 00

صار الإثنان يرفعان الصليب وكأنهما يلوّحان به رآية خفاقة في الطريق إلى الجلجثة ، وهكذا ينبغي أن تظل راية الصليب مرفوعة إلى نهاية الدهور ، بل وفي الحياة الأبدية أيضاً 00

إنها علامة النصرة والقوة 00

علامة التمسك بالمبادئ مهما كانت التكلفة 00

علامة الإصرار مهما كان الصليب قاسياً 00

علامة الفخار والإنتصار 00

أما سمعان هذا فقد صار فيما بعد من أتباع يسوع المصلوب هو وزوجته وولديه الكسندروس وروفس ، فيقول بولس الرسول لأهل رومية ” سلموا على روفس المختار من الرب وعلى أمه أمي ” (رو 6 : 13)0

(21)  المرجع السابق ص 108 ، 109

(22)  الكفن المقدَّس لنيافة الأنبا بيشوي مطران دمياط والقمص متياس فريد ص 135

دماء على الطريق ف18 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

من العدالة إلى السياسة ف17 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

من العدالة إلى السياسة ف17 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

من العدالة إلى السياسة ف17 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

 

اقرأ وافهم
روايات إيمانية

الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

الفصل السابع عشر: من العدالة إلى السياسة

          الآن وقد تخطت عقارب الساعة العاشرة بعدة دقائق ، وإذ لم تنجح خطة بيلاطس لإنقاذ يسوع ، لأن الجلدات القاتلة لم تُحنّن قلب الشعب القاسي ، لذلك فكر بيلاطس في وسيلة أخرى يُنقذ بها الفريسة من بين أنياب الضباع ، وإذ وصل مع رؤساء الكهنة إلى طريق مسدود أراد أن يدفع بطرف ثالث إلى حلبة الصراع ، فإتجه إلى الشعب اليهودي ، يستفتيه في الحكم على يسوع 00 إنظروا إلى والي روماني وصل به الضعف إلى إستجداء الشعب ليعينه على إجراء القضاء الحق ، معتمداً على مدى تعلُّق الشعب به ، فكم هتفوا له منذ أيام قليلة حتى إرتجت المدينة ، وكان معتاد أن يُطلق لهم كل عيد أسيراً محكوماً عليه بالموت ، وهذه العادة تسلمها الحكام الرومان من الحكام اليهود السابقين لهم تكريماً لإحتفالات عيد الفح ، كذكرى للتحرر من عبودية فرعون ، فقال لهم : هل أطلق لكم يسوع المدعو المسيح ؟

وإذ لم يكن الشعب قد وصل بعد إلى مرحلة النضج التي يستطيع أن يتخذ قراره ، ولم يكن سيد قراره ، فهم كأوراق ميتة تجرفها الرياح ، وكأسماك ميتة يحملها التيار ، صمتوا برهة ، وما أن سمعوا رؤساء الكهنة يقولون : لا 00 بل باراباس ، أخذوا يصرخون : بارباس 0 بارباس 0 أطلق لنا بارباس 00

وكان بارباس هذا قاتلاً وسارقاً ومثير للفتنة ، إنه إرتكب ثلاثة جرائم تستحق أشد القصاص ، يداه ملوثتان بالدماء ، صاحب قلب قاس ومشاعر متبلدة ، مثال للفظاظة والفظاعة ، يبدو أنه كان سجيناً سياسياً ، ويُعتَبر من أشد المبغضين لروما 00

فمادام يسوع إمتنع عن الثورة ضد روما فربما بارباس يفعل 00

ومادام يسوع راح يُطهّر الهيكل من الأغنام وباعة الحمام ، ولم يطهرها من الرومان الأنجاس فربما بارباس يفعل 00

هذا هو الرجل الذي إختاروه بحسبما أملاه عليهم أبوهم إبليس ، وهذا هو يسوع الرقيق العطوف الحنون القدوس الطاهر البار الذي رفضوه 00

أيدان البار ويُطلق الأثيم ؟!

أتموت الحياة ويحيا الموت ؟!

          وأعاد بيلاطس القول على الشعب : مَن من الإثنين تريدون أن أُطلق لكم يسوع المدعو المسيح أم بارباس ؟ 00 أتريدون أن أُطلق لكم ملك اليهود ؟!

          لقد أراد بيلاطس أن يسخر من تهمة اليهود الباطلة ، ولذلك دعى يسوع ملك اليهود ، وفات على بيلاطس أن مثل هذا السؤال يدينه كوالٍ وكقاضٍ ، لأنه ترك منصة الحكم للخصم ، وتنازل عن إجراء الحق ، ووضع البار والأثيم فـي كفتين متساويتين ، وللأسف فإن الشعب الأعمى هتف مرجحـاً كفة بارباس ، وكأنه هو القديس البار ، ورفضوا يسوع ، وكأنه هو الخاطئ الأثيم الذي لا يستحق أن يعيش 00

          الأمر العجيب أن معنى إسم بارباس ” إبن الآب ” فاليهود يرفضون إبن الآب الحقيقي ويطالبون ببارباس الذي له الاسم فقط وهو محترف اللصوصية0

وعاد بيلاطس يسأل الجمهور الثائر : وماذا أفعل بيسوع ؟

وكان يتوقع أن يتركوا له حرية التصرف مادام سيطلق لهم بارباس ، وكان بيلاطس على إستعداد تام لإطلاق الإثنين ، بارباس من أجل عيد الفصح ، ويسوع من أجل براءته 0

ولكن الشعب العنيد ظل يصرخ : إصلبه 00 إصلبه 00

أخذ بيلاطس يتماحك للشعب لعله يعود إلى عقله ، فعاد يسألهم : وأي شر عمل ؟

وإذ لم يجدوا جواباً إزدادوا صراخاً : إصلبه 00 إصلبه00

          وعوضـاً عن تقديم الأدلة والبراهين التي تثبت شـر يسوع ، قدموا صراخاً وصخباً وضجيجاً 00 أليست هذه هي الهمجية في أقوى صورها ؟! ووقـف داود النبـي يعـزف على الناي الحزين  ” أكثر من شعر رأسي الذين يبغضونني بلا سبب 00 صرت أجنبياً عنـد إخوتي وغريباً عند بنو أمي ” ( مز 69 : 4 ، 8 ) 00 ويخيَّل لمـن سمعهم يهتفون له يوم الأحد الماضي إن العالم كله ذهب وراءه ، ويُخيَّل لمن يسمعهم يهتفون ضده الآن إن العالم كله يقف ضده ، وهكذا حال العالم كما قال سينيكا فيلسوف روما ” إذا رأيت الذين يمدحونك فأعرف أنهم إما أن يكونوا كلهم أعداءك ، أو أنهم سوف يكونون أعداءك ” (18) 0

          وتعجب بيلاطس من هذا الشعب الأحمق الذي يطيع رؤساء الكهنة طاعة عمياء ، حتى لو زجوا به إلى الجحيم 00 لو فكروا وتريثوا قليلاً لعلموا أنه من الأفضل لهم أن يعيش يسوع بعد تلك الجلدات ، لأنه سيتخلى عن رسالته ، ويتوارى عن الأنظار ، ولاسيما لو كانت رسالته من ذاته ، بدلاً من قتله الذي سيكون شهادة عليهم0

          وإذ ضجر بيلاطس منهم قال لهم : خذوه أنتم وإصلبوه لأني لست أجد فيه علَّة للموت0

صرخوا : لنا ناموس وبحسب ناموسنا يجب أن يموت لأنه جعل نفسه إبن الله0

          وإقترب أحد أفراد الحرس إلى الوالي يسلمه وريقة صغيرة ملفوفة ، وإذ هي رسالة ( تلغرافية ) من زوجته العزيزة كلوديا تحمل تحذيراً قوياً لبيلاطس من إيذاء يسوع ” إياك وذاك البار لأنني تألمت اليوم كثيراً في حلم من أجله “00

تُرى ماذا رأيتِ ياكلوديا في حلمك ، وماذا أبصرتِ ؟!

أرأيتيه معذباً مهاناً محتقراً ومخذولاً ؟!

هل عاينتِ جروحه وجلداته ياكلوديا ؟!

أم إنك رأيتيه ملكاً متوجَّاً للسماء والنجوم والأفلاك تسجد له ؟!

أرأيتِ الأبرع جمالاً من بني البشر مكلَّلاً بالأشواك ؟!

ماذا رأيتِ وماذا أبصرتِ ياكلوديا ؟! 00 لا أحد يعلم 00

          وإذ كانت للأحلام معناها ومغزاها لدى الرومان ، إرتجف قلب بيلاطس فيه ، وشُلَّ عقله عن التفكير ، ولاسيما أن رؤساء الكهنة قالوا حالاً ” لأنه جعل نفسه إبن الله “ فإزداد خوفاً ، فالفكر الأممي يقبل تجسد الآلهة وتناسلهم وصراعاتهم ، وخشى بيلاطس أن ينجح الشعب اليهودي في خلق صراع رهيب بينه وبين الآلهة ، فإزدادوا خوفاً وشؤماً من هذه القضية 0

ودخل بيلاطس إلى دار الولاية وإختلى بيسوع قائلاً له : من أين أنت ؟ 00 أما تكلمني ؟!

أمن هذا العالم أنت أم من عالم الآلهة ؟!

من هو أبيك ؟ 00 هل هو إله اليهود فقط أم إله العالم كله ؟! 00 أم أنه ذاك الذين يقولون عنه إنه خالق الكل ومدبر الكل وضابط الكل ؟!

أنت ترفض أن تتحدث عن نفسك 00 أفلا تحدثني عن أبيك الإله العظيم ؟!

وحاول بيلاطس أن يغوص في عيني يسوع المتورمتين لإكتشاف الأسرار الدفينة ، ولكن يسوع لم يسمح له بهذا 00 حفظ يسوع صمته ، الصمت الذي يدين بيلاطس ويؤرقه ويقض مضجعه ويفضحه أمام نفسه00 كيف تحكم يابيلاطس ببراءته وبجلده في آن واحد ؟!

وبعد أن جلدته – ومن المفروض أن الجلد عقوبة كاملة – لماذا تُعرّضه لعقوبة أخرى ؟!

وكأن يسوع يسأله : أين الحق الإلهي وأين العدل الروماني الذي تتشدق به يابيلاطس ؟!

أعلمت لماذا لم أخبرك عن الحق عندما سألتني ؟! 00 لأنك تفضل مصلحتك فوق الحق ، وتهادن اليهود العنفاء على حساب العدل 0

وتضايق بيلاطس جداً لأنه شعر في نفسه أنه يبذل كل وسيلة لإطلاق سراحه ، ويسوع لا يهتم بتبرئة نفسه ، فقال له : ألاَّ تدافع عن نفسك ؟! 00 وهوذا رفض يسوع للإدلاء بأقواله شهادة على ظلم بيلاطس البيّن 00

ووقف أشعياء النبي يشرح الموقف ” ظُلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه كشاة تُساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه ” ( أش 53 : 7 ) ونطق داود بلسان يسوع  ” وأما أنا فكأصم 0 لا أسمع 0 وكأبكم لا يفتح فاه 0 وأكون مثل إنسان لا يسمع وليس في فمه حجة ” ( مز 38 : 13 ، 14 ) وقال أشعياء  ” من الضغطة ومن الدينونة أُخذ ” ( أش 53 : 8 ) والضغطة هي ضغطة اليهود ، والدينونة هي دينونة بيلاطس ، ومازال يسوع صامتاً رغم إرتفاع لجج بحر البشر الهائج وصراخهم ” إصلبه 00 إصلبه “ بل أن لسان حال يسوع يقول  ” خذوني وإطرحوني في البحر فيسكن البحر عنكم ” ( يو 1 : 12 )0

وأراد بيلاطس أن يحفز الأسير ، ويحمله على الكلام فقال له : ألستَ تعلم إن لي سلطاناً أن أطلقك وسلطاناً أن أقتلك ؟ 00 ورغم إن يسوع وصل به الإنهاك إلى درجة قصوى ، لكنه أجاب على سؤال بيلاطس ، وبطريقة مهذبة لا تجرح المشاعر : لم يكن لك عليَّ سلطان البتة لو لم تكن قد أُعطيت من فوق 0 لذلك الذي أرسلني إليك له خطية أعظم 00

ورغم إن بيلاطس لم يستوعب عمق هذا القول الذي يلفت فيه المُعلّم نظر بيلاطس لله الآب ضابط الكل ومانح السلطان ، وأيضاً يلصق المسئولية برؤساء الكهنة الذين أسلموا دماً بريئاً ، ولكن رغبته في إطلاق ذاك الأسير إزدادت جداً ، فخرج للمرة الأخيرة يعلن براءة يسوع للجموع الهادرة ، وحاول بيلاطس أن يداعب خيالهم بما يحلمون به ، فرد على صراخ الجمهور : إصلبه 00 إصلبه ، قائلاً : أأصلب ملككم ؟!

فتعالت الهتافات أكثر فأكثر واضعين إياه في مواجهة مع القيصر نفسه ، إذ صرخوا قائلين : ليس لنا ملك إلاَّ قيصر 00 إن أطلقت هذا فلستَ محباً لقيصر 00 كل من يجعل نفسه ملكاً يقاوم قيصر 00

ولعب قيافا رئيس الكهنة بالورقة الأخيرة إذ إلتجأ إلى السياسة متخلياً عن الناموس ، محتقراً يهوديته ، ملقياً بنفسه وشعبه تحت أقدام قيصر وصرخ وصرخ معه الشعب الجاهل ” ليس لنا ملك إلاَّ قيصر ” وهم يدرون أو لا يدرون أنهم بهذا يفصلون أنفسهم بأنفسهم عن ملكوت الله ، ويزجون بأنفسهم في ملكوت قيصر ، وبهذه الصرخة ركضوا في طريق أبائهم ” فقال الرب لصموئيل إسمع لصوت الشعب في كل ما يقولون لك 0 لأنهم لم يرفضـوك أنت بـل إياي رفضـوا حتـى لا أملك عليهم ” ( 1صم 8 : 7 )0

” ولكيما تصل المأساة إلى ذروتها قال لهم بيلاطس في سخرية وخبث أأصلب ملككـم ؟ أجـاب رؤسـاء الكهنة : ليس لنا ملك إلاَّ قيصر !!! 00 هنا تمزق رداء الكهنة عن آخره ليظهر معدنهم الأثيم0 لقد تنكر الكهنة لوطنهم وأمتهم ومسيحهم وباعوا نفوسهم رخيصة للأعداء 0 كانوا مستعدين أن يضحوا بكل شئ في سبيل التخلص من يسوع !! 00 كانت المبارزة عنيفة والمعركة صاخبة ، إستطاع فيها بيلاطس أن يذل الكهنة ويطعن كبرياءهم ويمرغ رؤوسهم في الوحل 0 لكن في وسط هذه المعركة وجد بيلاطس نفسه فجأة محاصراً بين يسوع والكهنة ” (19)0

وتعبير ” محباً لقيصر ” ليس نعتاً ، إنما هو لقب لعظماء الضباط الذيـن يؤدون خدمـات جليلـة للإمبراطورية الرومانية ، و ” لست محباً لقيصر ” تعني أنك يابيلاطس لو برأت يسوع فإنك بهذا تفصل نفسك عن هؤلاء الضباط العظماء 0 ثم نقل اليهود الإتهام إلى مرحلة سوداء ، إذ إتهموه بأنه يقاوم قيصر ، وهذا إتهام واضح وصريح لبيلاطس بالخيانة لو أطلق يسوع هذا 00

حقاً إن اليهود الخبثاء عرفوا نقطة الضعف لدى بيلاطس فشدَّدوا العزف على ذات الوتر : إنك يابيلاطس تمالئ هذا الشخص الذي يدعو نفسه ملكاً على حساب سلطان قيصر روما ، فأنت إذاً لست أميناً لواجبك 00 وهذا ما يفعله اليهود من جيل إلى جيل ، فيتحكمون في أقدار الملوك والرؤساء ، ويرفعون من يشاؤون ويخفضون من يشاؤون { كما قتلوا فيما بعد جون كنيدي وقتلوا قاتله فتاهت القضية وضاعت } 0

ونجحت الصرخات المدوية للشعب القاتل في أن تهز كرسي الوالي الذي يعلوه النسر الروماني هزات قوية كادت تطلق هذا النسر ، فيصبح هذا الكرسي بلا سلطة مثلـه مثل أي كرسي آخر ، وشعر بيلاطس أنهم نجحوا في إخراج القضية عن مسارها الرئيسي ، فلم تعد قضية إنسان برئ يُحاكم ، إنما صارت قضية تمس أمانة بيلاطس تجاه القيصر ، وهو يعلم تماماً أن اليهود باتوا على إستعداد لبيع أنفسهم لقيصر مقابل خلاصهم من يسوع ، ولذلك فإنهم لن يتورعوا أبداً في إرسال وفودهم وشكواهم إلى طيباريوس قيصر الذي أدمن سماع الوشايات ، وإذ رأى بيلاطس أنه قد بات من المستحيل إسكات هذه الأصوات المزعجة ، وبات من المستحيل إقناع رؤسائهم ببراءة المتهم ولم يعد أمامه غير طريقين ، أولهما إحقاق الحق وإعلاء القانون وتبرئة يسوع ، وهذا ينطوي على مجازفة حيث يخاطر بيلاطس ليس بكرسيه فقـط ، بل وبحياته أيضاً 0 أما الطريق الثاني فينطوي على خضوع بيلاطس وإحناء هامته الرومانية أمام العاصفة اليهودية الهوجاء ، وتسليم البرئ للموت 00

وإذ عجزت العدالة الرومانية تماماً عن حماية يسوع البرئ ، وإذ تصرَّف بيلاطس كحاكم وليس كقاض ، وتحوَّل من العدالة إلى السياسة ، وفضل الإستقرار عن العدل ، ورفض دفع ثمن الحق من حسابه الخاص 00 إذاً فليمت يسوع وأعيش أنا 00 

وإذ أراد بيلاطس أيضاً أن يُسكت ضميره الثائر ، ويحفظ ماء وجهه ، أشار إلى أحد جنوده يطلب ماء لغسل يديه ، وتقدم جنديان أحدهما بمغسل والآخر بالأبريق ، فغسل يديه قدام الجموع قائلاً : إني برئ من دم هذا البار 0 إبصروا أنتم 0

فالكهنة الذين سبقوا وقالوا ليهوذا ” أنت أبصر “ قال لهم بيلاطس الآن ” إبصروا أنتم “ لأنه ” بالكيل الذي به تكيلون يُكال لكم ويزاد ” ( مت 7 : 2 ) والحقيقة أنه لا يهوذا ، ولا الكهنة ورؤساءهم ، ولا بيلاطس يقدرون أن يتبرأوا من دم البار ، ولكن قول بيلاطس هنا ” إني برئ من دم هذا البار “ لهي شهادة صارخة على براءة المصلوب 00 إذاً يسوع لم يُصلَب لأجل علَّة تخصه لكن لأجل علَّة تخصنا نحن 00 هو ليس بخاطئ ولكنه حامل خطايا البشرية جمعاء ، ومن جانب آخر مهما غسل بيلاطس يديه بالماء فلن يقدر أن يزيل منهما دم المصلوب البرئ ، وكلما نظر بيلاطس إلى يديه يجدها حمراويتين بحمرة الدم دم الحمل 00 فالماء لا يغسل الخطية أبداً 00

ومازالت أيدي بيلاطس مع أيدي اليهود تقطر بدم الحمل ، فبيلاطس لم يحكم بالحق ، كما أعلن اليهود تحملهم مسئولية سفك دم يسوع البار 00 إسمعي أيتها الأرض وإصغي أيتها السموات 00 ليكن هذا الشعب اليهودي شعباً ملعوناً هو وبنيه من جيل إلى جيل لأنهم لبسوا اللعنة كثوب فغطتهم ، ولن ينجوا منهم أحداً إلاَّ من يعترف أن آباؤه صلبوا يسوع البار ، ويؤمن بهذا البار ، وهذا ما أكده الآباء الرسل فيما بعد ، 00 لقد واجههم بطرس الرسول ” وبأيدي أثمة صلبتموه وقتلتموه ” ( أع 2 : 23 )  ” رئيس الحياة قتلتموه ” ( أع 3 : 15 ) 00 ” يسوع الذي أنتم قتلتموه معلقين إياه على خشبة ” ( أع 5 : 3 ) وواجههم إسطفانوس ” البار الذي أنتم الآن صرتم مسلّميه وقاتليه “( أع 7 : 50 ) وقال عنهم بولس الرسول ” اليهود الذين قتلوا الرب يسـوع ” ( 1تس 2 : 14 ، 15 ) 00 لقد أسلموا البار إلى أيدي الرومان ، فأسلمهم الله أيضاً إلى أيدي الرومان ، فهجم عليهم تيطس القائد الروماني سنة 70م وأذاقهم العذابات وجرَّعهم الآلام التي لم ترها ولن تراها أمة أخرى وتحقق فيهم قول المعلم ” لأنه يكون في تلك الأيام ضيق لم يكـن مثله منـذ أيام الخليقة التي خلقها الله إلى الآن ولن يكون ” ( مر 13 : 19 ) وكم أخطأ المجمع الفاتيكاني الثاني ( 1962 – 1965م ) عندما أصدر وثيقة تبرئة اليهود من دم يسوع البار ، وبالتالي حكم بخلاصهم ، بل بخلاص الهندوسيين والبوذيين ، وعبَّاد الأصنام جميعاً مادامت نيتهم حسنة وأعمالهم صالحة 00 ياخسارة عذاباتك ودمك المسفوك يا يسوع !!!

وهكذا ياصديقي جاءت محاكمة يسوع البار أغرب وأعجب محاكمة في التاريخ البشري ، ولك أن تتصوَّر صيغة النطق بالحكم ” حكم بيلاطس البنطي والي اليهودية على يسوع بالبراءة ثلاث مرات ، وينفذ فيه حكم الإعدام صلباً ” 00 وأسلم يسوع لمشيئتهم00 أما يسوع فلم يكن الحكم بموته صلباً مفاجأة له0 إنما هو في علمه منذ الأزل ، وقد أباح بها عبر مئات السنين من خلال النبوات ، وصرح بهذا لتلاميذه مراراً وتكراراً ، ولذلك عندما سمع النطق بالحكم لم يخور ولم يمتقع وجهه ولم يرتعب ولم ترتعش ركبتاه0 إنما تحمل الخبر كقائد مغوار في حومة الوعي متحفزاً لدفع حياته ثمناً لرسالته التي آمن بها 00

ورغم إن مجلس الشيوخ الروماني كان قد أصدر أمراً بأن لا ينفذ حكم الإعدام في المتهم إلاَّ بعد النطق بالحكم بعشرة أيام لئلا يكون هناك إندفاع أو طياشة في صدور الحكم ، ورغم إن قضية يسوع هذه لم تخلُ من الإندفاع والطياشة ، فإن الوالي أمر بتنفيذ الحكم على الفور ، فأمر قائد المئة بمباشرة مهمة الصلب ، مع صلب ديماس وأماخوس اللصان اللذان ينتظران تنفيذ العقوبة ، قائلاً في نفسه عندما يُصلب ثلاثة أشخاص بينهما واحد برئ ، فإن العدالة تكون قد تحقَّقت بنسبة 67 % أما لو صُلب يسوع بمفرده فإن الظلم سيتحقق بنسبة 100 % 00

واحسرتاه على العدالة المذبوحة 00 هوذا دم الحمل شاهد 00 لقد ذَبح بيلاطس ضميره أولاً ، وبضميره المذبوح حكم بذبح يسوع البار ، ووقف النبي الباكي يعزف على الناي الحزين ” وأنا كخروف داجن يُساق إلى الذبح ولم أعلم أنهم فكروا عليَّ أفكار قائلين لنهلك الشجرة بثمرها ونقطعه من أرض الأحياء فلا يُذكر بعد إسمه ” ( أر 11 : 19 )0

وبمجرد أن أصدر بيلاطس حكمه الجائر إنطفأت ثورة الجماهير ، فقد إنتصروا ونالوا مبتغاهم ، وفي الوقت الذي أُقتيد فيه يسوع إلى الصلب أُطلق سراح بارباس ، فصار حراً طليقاً ينعم بالحرية والحياة بفضل الذبيح الأعظم الذي صُلب نيابة عنه وعن كل خاطئ أثيم ، فقد إنفتحت أبواب السجن ، وخلع الحراس عن يدي بارباس الأكبال الحديدية ، فخرج حرَّاً طليقاً لا يصدق ما يجري00 منذ لحظات تناهى إلى مسامعه صوت الجماهير تهتف بإسمه ” بارباس 00 بارباس ” والآن ينطلق من سجن الموت ، وقد أخبره أحدهم أن ثمن حياته هو موت يسوع ، فقصد أن يرى يسوع فرآه هادئاً رقيقاً يشع من عينيه الطهر والنقاء والصفاء تعلوه سمات الوقار والإتزان بعيد تماماً عن الخشونة والغضب والهياج والعصبية ، وتلاقت عينا يسوع مع عيني بارباس ، وشعر بارباس كأن يسوع يبتسم له من عمق عذاباته مهنئاً إياه بالحياة الجديدة والحرية السعيدة ، حتى إن بارباس عندما أسرع إلى كهفه ولصوصه لم يجد راحة في نفسه ، فعاد إلى يسوع يتابع الأحداث بدقة ومشاعر فياضة0

وبعد إصدار الحكم جلس بيلاطس يكتب رسالة مطولة إلى معلمه سينيكا جاء فيها ” في الليلة الفائتة تم القبض على يسوع بمعرفة مندوبين عن السنهدريم تُعزّزهم فرقة من جنودنا ، واليوم إنتشرت الأخبار بأنه قد تم الإتفاق بين الحاكم وبين مجلس السنهدريم – على حد قولهم – على أنه من الأفضل التخلص من يسوع 00 ومرت حادثة القبض عليه بغير مضايقات ، ويسوع نفسه لم يبد أقل مقاومة ، أما أتباعه فقد هربوا ، وأعتقد أن معظمهم قد فروا عائدين إلى منازلهم0

بعد هذا مضوا بالسجين إلى بيت رئيس الكهنة حيث قام قيافا مـع بعض كبار الكهنـة بفحصه حتـى الصبـاح 00 تجدهـــــــــم ( رؤساء الكهنة ) يمضون في إتهامه بالعمل ضد الناموس بقصد ضمان تأييد الجماهير لهم 00أمرتُ بإرساله إلى أنتيباس بإعتباره واحداً من رعايا الجليل ليتصرف معه كمخلٍ بالأمن بدأ نشاطه في ولايته ، لكنه أعاده إليَّ برد مهذَّب يطلب مني أن أتصرف في الأمر بمعرفتي لأن الرجل قد قُبض عليه في أورشليم00

لم تستغرق المحاكمة وقتاً يُذكَر ، وكان الإتهام الموجه إلى يسوع هو إخلاله بالأمن وإعلانه نفسه ملكاً لليهود ، وكان هناك شهود ضده بعضهم من رجالنا وآخرون من اليهود من كل من الجليل وأورشليم ، كما شهد ضده كل من حنان وقيافا وقادة الصدوقيين وقلة من الفريسيين ، لأن معظم هؤلاء لا تهمهم في شئ مقاومة القيصر مع أنهم يشاطرون الآخرين رغبتهم في موت يسوع0

وعندما قال أحد الكهنة أنه يتهجم على ديانتهم بادرت بإسكاته لأنه ، كما أنهم لا يسمحون لنا بالتدخل في أمور ديانتهم ، هكذا يجب ألا نسمح لهم بإقحام ديانتهم فـي إجـراءات إتخذتهـا الدولة ، فيسوع متهم سياسي لأنه يُعلن نفسه ملكاً وهو بهذا يقاوم قيصر ، ويستوي إن كانت هذه المقاومة بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، وهذا أمر يخصنا نحن ولا شأن لهم به 0 فليتخاصموا معاً على يهوه كما يشاؤون ، وليفعلوا في هيكلهم ما يفعله المصريون في معبد إيزيس ، فكل هذا لا شأن لنا به ، ولكن إن حدث في الهيكل أي شغب فعندئذ يصبح الأمر من إختصاصنا وعلينا أن نتحرك00

وعندما سألته عما إذا كان يعتبر نفسه ملك اليهود قال لي ” أنت تقول ” وهذه إتهامات خطيرة وأخطر من الإتهام الذي إتخذه أنتيباس ذريعة لإعدام يوحنا المعمدان ، لأن كونه المسيا يعني زوال سلطاننا – نحن الرومان – وزوال سلطان الكهنة أيضاً 00

وكانت إجابات يسوع المقتضبة تفيد أنه يعلم أننا راغبون في إلصاق التهمة به ، وكان يتكلم في جرأة بالغة ودون أدنى خوف أو إضطراب 00 ورغم أنه كان يرى نفسه مُحاطاً بأعداء قد أعدوا العدة لقتله ، رغم هذا كان يقف صامداً جامداً كالصخر لا يلين 00

في النهاية حكمت عليه بالموت ، ولم يكن في إستطاعتي أن أفعل غير هذا ، فكل الطرق التي كانت أمامي كانت تؤدي إلى هذه النهاية 0 برغم إن ألكساندر كان قد أخبرني أن يسوع منع الشعب من تنصيبه ملكاً عليهم مُستخدماً في هذا كل قوته ، كما أخبرني بأنهم إتهموه كذباً لأنه لم ينادي بأنه هو المسيا أو المخلص الذي ينتظرونه ” (20)0

(18)  القمص مرقس داود 0 تفسير إنجيل متى جـ 4 ص 369

(19)  دكتور فؤاد بولس – تحت أقدام الصليب ص 114

(20)  رسائل من بيلاطس البنطي إلى سينيكا الفيلسوف الروماني – ترجمة جاد المنفلوطي ص 100 – 106

من العدالة إلى السياسة ف17 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

إني أحتج صارخا ف16 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

إني أحتج صارخا ف16 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

إني أحتج صارخا ف16 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

 

 

اقرأ وافهم
روايات إيمانية

الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

الفصل السادس عشر:  إني أحتج صارخاً

          ونحو الساعة التاسعة والنصف صباح يوم الجمعة ، عاد الموكب الحزين إلى بيلاطس ، وعندما سمع بيلاطس وهو بالداخل أصوات الغوغاء ، أدرك لوقته أن هيرودس قد أعاده إليه ، فبعد أن تنفس الصعداء ، وظن أنه قد إنتهى من تلك القضية بإرسال يسوع إلى هيرودس ، فإذ بعقارب الساعة تعود للخلف ، وعادت تظهر في الأفق الوجوه الكالحة لرؤساء الكهنة ومشايعيهم بسماجتهم ورزالاتهم 00

          عاد قائد المئة وجنوده بالأسير إلى داخل القلعة ، حيث أبلغ القائد الوالي بما كان ، بينما ظل الرؤساء والشعب خارج دار الولاية في قلق بالغ 00 ماذا سيفعل بيلاطس بعد كل هذا العناء ؟! 00 إنها الفرصة الأخيرة 00 وإذ بدأوا يشعرون أن قتل الأسير بات أمراً بعيداً إلى حد ما جن جنونهم ، وفقدوا وقارهم ، وأخذوا يُحرّضون الشعب علانية ، فلا بد من تكثيف الضغوط على بيلاطس بكل طريقة شرعية أو غير شرعية 00 لقد غدت مسألة حياة أو موت 00 وجود أو عدم 00 حتى صار المشهد مشهداً لم تشهده أورشليم من قبل0

          وخرج بيلاطس متوعك المزاج إلى جباثا ، وعاد للجلوس على كرسي الولاية ، وهو يُجهِد تفكيره كيف يُخلّص الأسير البرئ من أنياب الضباع ، ولاسيما أن هيرودس يتفق معه تماماً على براءة الرجل ، فتفتق ذهنه عن فكرة شيطانية أضرت يسوع كثيراً 00 أشار بيلاطس إلى الجموع فسكتت الجلبة والضوضاء ، وصار هدوء عظيم فدعا بيلاطس رؤساء الكهنة والعظمـاء والشعب وقال لهـم قد قدمتـم إليَّ هذا الإنسان كمن يفسد الشعب ، وها أنا قد فحصت قدَّامكم ولم أجد في هذا الإنسان علة مما تشتكون به عليه ، ولا هيرودس أيضاً لأني أرسلتكم إليه ، وها لا شئ يستحق الموت صُنِعَ منه 0 فأنا أؤدبه وأطلقه00

          هوذا الوالي الروماني يقول لليهود  ” فحصت قدامكم ” أي أنني أجريت التحقيق العادل معه أمامكم ، وها أنتم شاهدون على سلامة التحقيق ، وأنه جرى طبقاً للعدالة الرومانية بلا تحيز ولا محاباة 00 ثم يقول ” لأني أرسلتكم إلى هيرودس ” أي أنني لم آخذ رأي هيرودس سرَّاً ، إنما كان الأمر علانية أمامكم ، فأنتم الذين ذهبتم وسمعتم شهادة هيرودس عنه 00

وقال بيلاطس في نفسه لأحكم عليه بالجلد ، ولو أن هذا الحكم ضد الحق لكن علَّه يُرضي جميع الأطراف ، عندما يبصرون جسده مهلهلاً من أثر الجلدات الرومانية ، لابد أن هذا سيريحهم ويرضيهم ويُسكّن غضبهم ، وحينئذ تتحرك قلوبهم شفقة على إبن وطنهم ، ويعفون عنه ، فيفوز يسوع بالحياة00 وهكذا أصدر بيلاطس أمره : ليُجلَد يسوع0

وإنتظرت الجماهير كلمة من رؤساء الكهنة الذي وثقوا فيهم ، وإذ أظهر هؤلاء الرؤساء إستيائهم ومصمصوا شفاههم ، هـاج الشعب وماج 0 وبينما إنصرف بيلاطس إلى داخل دار الولاية ، لم يكف الشعب عن الصياح والهياج ، وجند الرومان مُقيَّدون بكلمة بيلاطس ، وهم يتمنون من عمق قلبهم أي إشارة بسيطة مـن بيلاطس ، ليؤدبوا هذا الشعب ويذبحوا رؤوس الأفاعي 00

عجباً 00 الوالي الأممي يحكم ببراءة يسوع ، ورؤساء وقضاة ورعاة إسرائيل يطلبون سفك الدم الذكي 00 أنظروا إلى أي درجة إنحط هؤلاء القوم بسب أحقادهم وضغائنهم على المُعلّم0

وأنت بابيلاطس مادمت تعترف ببراءة يسوع ، وتدرك تماماً أنهم أسلموه حسداً ، فلماذا تُسلّمه للجلدات القاتلة بحجة أنك تؤدبه ؟!00 هل يسوع يحتاج تأديبك أيها الوالي ؟! 00

أتريد أن تُؤدّب المُؤّدب الشافي طبيب الأجساد الأرواح الذي بلا خطية وحده ؟! 00

أتريد أن تُؤدّب من نسمة حياتك في يده ؟!

أتؤدبه من أجل حبه الفياض لك ولكل البشرية ؟!

أتؤدب الحب الذي أسكت ملاك الله لئلا يشقك بسيفه الناري ؟

يابيلاطس 00 كيف يرتضي قلبك وتوافق عدالتك على طرح إنسان برئ للجلدات التي قد تقضي عليه ؟!

أين هيبتك يارجل ؟! 00 وكيف يتأتى هذا ؟! 00 أتحكم ببراءته وتريد أن تؤدبه ؟!

أتلتمس من الغوغاء أن يسمحوا لك بأن تؤدبه وتطلقه ، وهم يرفضون هذا ؟! 00

أتتحول من حاكم إلى محكوم ؟! 00

وكيف تسير وراء هوى شعب فاسد عوضاً عن أن يخضع الشعب لسيف العدالة الذي تحمله ؟! 00

مالك تدخل السياسة في القضاء ؟! 00

ومالك تساوم على عدالة روما ؟! 00

ألم تسمع القول الروماني المأثور والذي يعتبر دستور القضاة ” أقم العدل ولو تسقط السماء ” ؟! 00

ألا ترى أن هذه هي الخطوة الأولى في طريق التنازلات ، ولكنها لن تكون الأخيرة ؟! 0

          وأخذ جند بيلاطس يسوع إلى القشلاق ، وربطوه إلى عامود الجَلد القصير ، فإتخذ جسده شكل القوس ووجهه متجه إلى أسفل 00 ووقف جلادان أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره 00 أحدهما يظهر كالعملاق ، والآخر قصير القامة ولكن علامات التحدي تظهر عليه ، وجلس قائد المئة أمام منضدة صغيرة يرقب الموقف ، فهذه فرصة رائعة للرومان للإنتقام من اليهود الملاعين الذين لا يكفـون عن المشاغبات وأحياناً ينجحون في إغتيال بعضهم ، وقد سمعوا أن هذا الرجل يريد أن يكون ملكاً على اليهود ليطرد الرومان شر طردة 00 إذاً الويل كل الويل لهذا الرجل ، كان خير له لو لم يُولَد 0

          أما السوطان اللذان أُستخدما في الجلد فكل منهما له يد خشبية مخروطة بطريقة تمكن الجندي من القبض عليه جيداً ، وينبثق منه ثلاثة سيور ، كل منها ينتهي بقطعتين من العظم أو الرصاص تحفران جروحاً غائرة في الجسم ، وهذا النوع من السياط يعتبر أصعب أنواع الشيطان ويُدعى بـ ” العقارب ” وهو ما قصده الملك رحبعام بن سليمان في حديثه مع رؤساء بني إسرائيل عندما قال لهم ” أبي أدبكم بالسياط وأنا أؤدبكم بالعقارب ” ( 1مل 12 : 11 )0

          إرتفعت السياط لتهوي على ذاك الجسد الرقيق العاري ، وكل جلدة تئز ، وتُصفّر ، وترتطم بالجسد ، فتترك ثلاثة علامات دامية في الجسد المقدَّس بالإضافة إلى ستة جروح غائرة ، تدفع الذي يُجلد أن يتلوى محاولاً جذب يديه من القيود0 أما يسوع فلم يفعل هكذا 00 لقد تحمل ضربات السياط القوية من الجلادين اللذين دخلا في منافسة غير شريفة على تمزيق جسده الطاهر 00 نظر الجلاد الضخم إلى زميله قصير القامة نظرة إستهانة ، فأراد الأخير أن يثبت قدراته ،  وتحدى الإثنان بعضهما البعض أيهما تكون ضرباته أشد إيلاماً وأقدر على تمزيق الجسد المقدَّس 00 الدماء تسيل من الجسد الجريح المتهرئ تصرخ وتحتج على قسوة الإنسان الذي أسلم نفسه للشيطان 00 لقد نفث الشيطان سمومه في هذين الجنديين ، فتصوَّر كل منهما أنه في معركة حامية الوطيس ، فيشب ويهبط بسوطه على جسم الضحية ، وكأنه بطل مغوار غازي يعبر البحار ويفتح القلاع ، ولا يدرك أن ما يقوم به هو عمل وحشي يستهجنه العقل ويرفضه الوجدان0

          وكلما إنتفض ذاك الجسد الطاهر وآنَّ وتأوه ، كلما إرتفعت ضحكات وسخرية الجنود 00 آه 00 ياملك اليهود 00 رفقاً بمن سيحرر البلاد 00

وكلمـا أوشك يسوع أن يفقد قوته وينهار راكعاً على قدميه ، فإنه يجاهد ويتشدد 00

ولم يكن للضربات وجهة محدَّدة ، بل أباحوا الجسد كله للسياط ، وعندما تهبط إحدى الضربات بالقرب من الرأس تلف الرأس وتدور ، بالإضافة إلى الدم المندفع في الرأس يجعلها تكاد تنفجر 00

إنها آلام فوق الوصف 00 كل جرح ينبض بالألم 00

إن الجلد يتهرأ ، والشرايين تتعرى ، وطبقات داخلية من الجسد الطاهر تنكشف 00

إنها لسعات الحيَّة القديمة تنهش ذاك الجسد الطاهر 00 ألم يقل الكتاب أنها تسحق عقبه ؟!

وإن كان الإنسان عندما يتعرض لألم فوق الطاقة يدخل في مرحلة الغيبوبة واللاوعي ، ويفرز الجسم المواد المخدرة التي تسكن الألم ، فإنه في حالة الجَلد يظل الإنسان يقظاً مهما إشتعلت آلامه ، ولا يغيب الإنسان عن وعيه إلاَّ إذا إنطلقت روحه من جوفه0

          وأيضاً لم يلتزم هؤلاء الجنود بعدد معين من الضربات 00 إفترش جسد يسوع بالجروح التي تعدت السبعمائة جرحاً ” على ظهري حرث الحُرَّاث 0 طوَّلوا أتلامهم ” ( مز 129 : 3 ) وكأن هذا الجسد أرضاً يشقها المحراث بسلاحه القوي فيتركها أخاديد ، وهكذا خطت الجلدات على ظهر يسوع خطوطاً كالتي يخطها المحراث ” بذلت ظهري للضاربين ” ( أش 50 : 6 ) وصنعت الدماء مع الجسد الذي تهرأ ثياباً قرمزية ليسوع ، مما دعى أشعياء النبي للتساؤل ” من ذا الآتي من آدوم بثياب حُمر من بصره 00 مابال لباسك مُحمـرُ وثيابك كدائس المعصرة ” فأجابته أنَّات يسوع ” قد دستُ المعصرة وحدي ومن الشعوب لم يكن معي أحد 0 فدستهم بغضبي ووطئتهم بغيظي فرُش عصيرهم على ثيابي فلطخت كل ملابسي ” ( أش 63 : 1 – 3 ) 0

لمن هذه الجلدات يايسوع ؟!

إنها لكل إنسان قاتل سفاح 00 لكل زانٍ مستبيح 00 لكل لصٍ سالب 00 لكل مجدف جاحد 00 لكل ظالم مستبد 00 لكل خاطئ أثيم 00

إنها لا تخصك أيها الطاهر القدوس 00 فلِمَ تحتملها ؟!

إنني أصرخ بأعلـى صوتي 00 إنني أحتج أحتج 00 أحتج يايسوع 00

وأسمع همسات قلبك : علآم تحتج ياحبيبي 00 أتحتج على قسوة الإنسان ؟!

وأصرخ ويعلو صوتي : كلاَّ 00 إن إحتجاجي على هؤلاء الوحوش لا يفيد 00 فمن يسمع ومن يصغي ؟! لا أحد 00

لكنني أحتج وسأظل أحتج وأصرخ بأعلى صوتي 00

وأسمع همسات حبك : علآم تحتج يا إبني ؟!

إني أحتج وأصرخ وأملأ الدنيا صياحاً ودموعاً وضجيجاً : إنني أحتج عليك 00 أحتج عليك يا يسوع 00 يا إلهي 00

وإذ أصغى لنبضات حبك : علآم تحتج عليَّ ؟!

إنني أصيح بأعلى صوتي وأقول : لماذا يا ربي 00 لماذا يا إلهي تترك نفسك فريسة هكذا ؟! 00 من يتصوَّر هذا المنظر ولا يذوب قلبه ؟!00 من ينظر إليك ولا يحترق فؤاده ؟!

وأسمع صوتك الحاني المتهدج : كل هذا من أجلك يا إبني 00

وأكاد أصرخ : لا 00 لا 00 لا أستحق 00 لتكف هذه الجلدات اللعينة 00 وليكن ما يكون ، حتى لو ذهبتُ أنا للجحيم 0

وإذ بيدك الحانية تبكم فمي ، وإذ بنبضات قلبك تأسرني 00

فأصرخ : إن كنت يارب لا أقدر أن أرفع عنك هذه الجلدات ، فلتجعلني مستحقاً أن أُجلد معك ، وعندما تقع الجلدة على ظهري 00 هل سأكون راضياً شاكراً أم إنني سأطلق من جوفي حمماً من الأهات والأنات والنرفذة والزربنة والإنفعالات المرة ؟! 00 إذاً إن كنت تسمح لي يا سيدي بأن أُجلد معك ، فقط أعطيني القوة للإحتمال والرضى والشكر0

          ونهض قائد المئة من جلسته أكثر من مرة ، يقترب من يسوع ويرمقه بنظرات فاحصة ويتركه لجلاديه 0 وفي المرة الأخيرة لاحظ قائد المئة يسوع وهو يلهث ، وصدره يعلو ويهبط بسرعة ، وصارت أنفاسه متقطعة ، فعلم أن يسوع وصل إلى نهاية مداه ، وبضع جلدات أخرى ستقضي عليه حتماً ، فرفع يده ، ورفع الجلادان أيديهما عنه ، وإن كان الجلادان قد أُنهكا إلى هذه الدرجة فما بالك بيسوع نفسه ؟! 0 وما أن قطع أحدهم الحبل الذي يربط يسوع بعمود الجلد حتى سقط شبه مغشياً عليه مرتطماً بالأرض الحجرية ، وتقدم جنديان يقيمانه ويجلسانه ، وجسمه يلتهب ناراً ، إذ هو مسخَّن بمئات الجروح0

          وكل ما حدث لم يشبع نهم الشيطان ولم يقنع الجنود الرومان 00 لقد تناثرت الأقوال وإنتشرت الإشاعات في القشلاق : هل رأيتموه ؟ 00 أرأيتم ملك اليهود ؟! 00 هيا لنقدم له الإكرام والسجود ، وصدق الجنود الرومان الإشاعات اليهودية أكثر من سيدهم بيلاطس الذي حكم ببراءته أكثر من مرة ، فوجدوا فرصتهم لّلهو والتسلية ، فطرح عليه أحدهم رداءاً قرمزياً موشحاً إياه بوشاح الملوك : عش أيها الملك إلى الأبد 00 فهذا رداء الملوك0

وقال آخر : وأين تاج الملوك 00 يعوزه تاجاً أيها الأبطال 00

أسرع ثالث بقص بعض فروع من الأشواك الحادة ، وضفَّرها على شكل طاقية ووضعها على رأسه : مادمت أنت الملك فلابد لك من تاج الملوك00

          ووقف سليمـان الملك منذهلاً لمـا يجـري لملك السلام  ” إخرجن يابنات صهيون وإنظرن الملك سليمان بالتاج الذي توجته به أمه في يوم عرسه وفي يوم فرح قلبه ” ( نش 3 : 11 ) 00 إنه جاء ليقتلع من الأرض أشواك اللعنة ومن النفس أشواك الخطية 00 إن كبش إسحق الذي وُجِد مُمسكاً بقرنيه في الغابة (تك 22 : 13) كان رمزاً للمسيح المُكلَّل بالأشواك الآن 00 إنها الأمة اليهودية ، أمه بحسب الجسد ، هي التي أسلمته للرومان ، فكلَّلوه بالأشواك ، وصار يسوع هو الشخص الوحيد على مدار التاريخ كله الذي كُلل بالأشواك قبل صلبه 00

أحضر أحدهم قصبة ووضعها في يمينه قائلاً : هوذا صولجان المُلك أيها الملك السعيد 00

وأخذوا يسخرون منه ويجثون أمامه مقدمين له التحية : السلام ياملك اليهود 00

وهم يجهلون أنه هو الوحيد الذي تجثوا بإسمه كل ركبةٍ ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض0

          ولمعت فكرة جهنمية في ذهن أحد أبناء إبليس ، إذ أمسك بقصبة وضربه ضربات قوية ومتلاحقة على رأسه 00 إنغرست الأشواك في فروة الرأس والجبين فأحدثت إثنى عشر ثقباً سالت منها الدماء في خطوط متشابكة على الوجه المُتورّم والعينين الشبه مغلقتين وخصلات الشعر ، ونتج عن هذه الأشواك آلام نارية بالرأس جعلته يحرك رأسه يميناً ويساراً 00

وتركتُ دموعي تنساب تسأله : كيف وخز الأشواك يا يسوع 00 ؟!

أقطرَ جبينك دماً وعرقاً ؟!

أسالتْ دموعك من شدة الألم ؟!

هل إختلطت دموعك بدمائك بعرقك لتصنه دواءاً لكل من دوخته أفكار الشر ؟!

ووقف ميخا النبي مشدوهاً يشهد  ” يضربون قاضي إسرائيل بقضيب على خده ” ( مي 5 : 1 )

وصار يسوع كحمل قائم وكأنه مذبوح00

          ولم يكتفوا بهذا ، بل إذ تزاحمت عليه كل الكتيبة نحو ستمائة جندي ، ورقصت الشياطين رقصتها بقيادة لوسيفر حول إبن الإنسان الذي طالما قهرها وأذلها ، راح البعض يبصق عليه 00 والبعض يركله ، وهو لم يحاول أن يرد وجهه عن خزي البصاق 00 لم يحاول أن يدفع الأذى عنه 00

لقد إمتزجت الأخلاق الوضيعة مع الشراسة الشيطانية في تلك النفوس التي تَوحَّشت ، فوقف أرميا يرنم حزيناً باكياً  ” يعطي خده لضاربه 0 يُشبع عاراً ” ( مرا 3 : 30 ) 0

وإذ أحاطت به كل الكتيبة كأسود ضارية تنشب أظافرها في الفريسة وهي تلهو بها قبل أن تفترسها ، رنم داود بلسان يسوع ” أحاطت بي ثيران كثيرة أقوياء باشان إكتنفتني 0 فغروا عليَّ أفواهم كأسدٍ مفترس مزمجر ” ( مز 22 : 12 ، 13 )0

وتنهد أشعياء ناطقاً بلسان يسوع  ” بذلت ظهري للضاربيـن وخدَّيَّ للناتفين 0 وجهي لم أستر عن العار والبصق ” ( أش 50 : 6 ) 0

ووقف أيوب يصف وضع العبد المتألم  ” أما الآن فصرت أغنيتهم وأصبحت لهم مثلاً 0 يكرهونني 0 يبتعدون عني وأمام وجهي لم يمسكوا عن البسق ” ( أي 30 : 9 ، 10 )0

حقاً لقد نجح الشيطان في تمزيق جسد يسوع ، ولكنه لم يفلح قط في تمزيق حبه الخالد 00

نجح في كسر القارورة ، ولكنه فشل في منع أريج الحب من الإنتشار 00

نجح في تحطيم القشرة الخارجية ، فترأى للجميع بريق وروعة الحب الإلهي 00

وهمس يسوع :  الكأس التي أعطاني الآب ألاَّ أشربها00

عجيب أنت أيها الإبن في طاعتك لأبيك00

          ووقفت الملائكة في ذهول مما يجري لسيدها منذ دخوله للبستان وحتى هذه اللحظات الرهيبة ، التي سيقف التاريخ أمامها طويلاً طويلاً ، ولن يسبر أغوارها ولن يصل إلى أعماقها قط 00

كم كانت الملائكة تلتمس إشارة من سيدها لتدمر الأرض وكل ما عليها ، ولكن الله المتألم يضبطها بكلمته ، فالملاك خاضع ملتزم وليس كبطرس الذي لم يقدر أن يضبط نفسه ، فبمجرد أن رأى ملخس يقبض بقسوة على سيده قبض على سيفه وحدث ما حدث 00 من لي ببطرس الآن !!00 ليأتِ وينظر وينفطر قلبه وليس له إلاَّ أن يقول : لتكن مشيئتك يارب لا مشيئتي 00 لك القوة والمجد والبركة والعزة ياعمانوئيل إلهنا وملكنا 00

آه 00 لقد قاسيتَ يايسوع كل هذه الآلام القاسية والعذابات الوحشية التي تفوق الوصف والخيال 00 إنها تساوي كل الآلام والعذابات التي يستحقها الخطاة 00 كل الخطاة 0

          حدثت هذه المهزلة في دار الولاية التي هي ملجأ لكل إنسان مظلوم ، وكم قاسيت يا يسوع سواء من الجهات الدينية في بيت رئيس الكهنة ، أو من الجهات الدنيوية في دار الولاية ؟! 00 ورأيتُ الجور في مكان العدل ، والظلم في مكان الحق ، والعذابات الوحشية في مكان القضاء ، وتحوَّل مسرح العدالة إلى مسرح للشياطين 00 ولا أدري كيف صمتَّ أيها الوالي على هذه الممارسات غير الآدمية ؟! 00

وبعدما إستهزأوا به نزعوا عنه الرداء وألبسوه ثيابه 00 لقد لصق الرداء بالجسد الذي تلطخ بالدماء ، فلم يخلعوا عنه الرداء بهدوء ، إنما نزعوه نزعاً فعادت الجروح تنزف من جديد ، وكأنها هي المراحم الإلهية ، فهي جديدة كل صباح 00

          وأخيراً أبلغ قائد المئة بيلاطس بإنتهاء المهمة ، فخرج إلى ” جبَّاثا ” وجلس على كرسي القضاء و ” جبَّاثا ” عبارة عن منصة مستديرة مرتفعة يصعد إليها القاضي بواسطة درجات رخامية تُدعى البلاط ، وتسمح للشعب أن يرى القاضي ويتابع الحوار0 وعندما رأى المتظاهرون بيلاطس إزدادوا صياحاً وصراخاً 00 لقد نجح رؤساء الكهنة ومشايعيهم في تضليل هذا الشعب الغفير ، وأصبح القلق والتوتر سيدا الموقف 00 الشمس تسـرع في طريقها ، والعيد يدق الأبواب ، ولو ظلت الأمور مُعلَّقة حتى مغيب الشمس فيسوع لن يُصلب إلاَّ بعد إنتهاء فترة الأعياد ، ومن يدري ما يمكن أن يحدث خلال هذه الفترة ( وكأنك يابو زيد ماغزيت )0

وأشار بيلاطس بيده فصمت الجميع وقال : ها أنا أخرجه إليكم لتعلموا إني لست أجد فيه علة واحدة0

وأشار بيلاطس البنطي إلى أحد ضباطه ، فأحضر يسوع أمام الشعب ، وأقبل يسوع 00 مُكلَّلاً بالأشواك ، وقد تسخَّن ظهره بالجراحات العديدة ، وتورم جلده المتهرئ ، وأثر الكدمات واللطمات على وجهه ، وقد نسجت الدماء حول جسده الممزق ثوباً قرمزياً ، ووقف يسوع تجتاحه آلام مرعبة بلا توقف ، فأخذ يترنح ويهتز إهتزازات خفيفة ، وهو يبذل قصاري جهده لكيما يحفظ توازنه بعد أن تهلهل جسده وجاز في عقوبة ” نصف الموت ” ومن جاز في هذه العقوبة كان ينبغي أن لا توقع عليه عقوبة أخرى 00 أنه منظر يفتت القلب ويذيب الفؤاد ، حتى لو كان هذا القلب قد كدَّ من صوان 0 أما قلب هذا الشعب فكان أقسى كثيراً من حجر الصوان0

          وأشار بيلاطس بيده فصار هدوء وكف الصياح ، وقال لهم بصوت جهوري :

هوذا الإنسان 00 إني لا أجد فيه علَّة 00

فصرخوا بصوت إرتجت له أورشليم : خذه 00 خذه إصلبه 00 وكأنهم يتبرأون منه إذ صار عار عليهم 00 الذي لم يعرف خطية صار خطية لأجلي0

ولو كان لدى بيلاطس دليلاً واحداً يدين يسوع لحكم عليه على الفور ، ولكن ما العمل وجميع الأدلة الدامغة تصرخ وتصيح وتُصرّح ببراءته ؟!!

 

إني أحتج صارخا ف16 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

الثعلب ابن السفاح والأفعى بنت الحية ف15 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

الثعلب ابن السفاح والأفعى بنت الحية ف15 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

الثعلب ابن السفاح والأفعى بنت الحية ف15 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

اقرأ وافهم
روايات إيمانية

الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

 

الفصل الخامس عشر: الثعلب إبن السفاح والأفعى بنت الحيَّة

 

          الساعة نحو الثامنة من صباح يوم الجمعة ، ورؤساء الكهنة وبقية القيادات الدينية في حالة مزاجية سيئة للغاية 00 يشعرون أن الوقت يتسرب من بين أصابعهم ، ويخشون لئلا يودعه هيرودس السجن كما فعل من قبل مع يوحنا ، فكيف ستمر فترة الأعياد ؟! 00 وماذا سيفعل أتباع الناصري ؟! 00 هب أنهم أشعلوا نيران الثورة ونجحوا في إخراجه من سجنه 00 هل سيتركوننا ؟! 00 ياليتنا ما تسرعنا في القبض عليه ، ووضعنا أنفسنا في هذا المأزق الضيق 00 إنها مشورة يهوذا اخيتوفل 00 لينتقم الله منك أيها الخائن0

          وتقدم قائد المئة الموكب الضخم وجنوده يحيطون بالأسير خوفاً عليه من إنتقام الجماهير ، وإذ كانت المدينة أورشليم تموج بآلاف البشر ، وكثيرون يتساءلون عن هذا الموكب الذي يجمع رؤساء الكهنة مع الفريسيين رغم أن بينهما ما صنع الحداد ، ويجمع اليهود مع الرومان رغم أن كل منهما يتمنى فناء الآخر ، أما الذين كانوا ينتظرون يسوع نبي الناصرة ليعلن نفسه ملكاً في هذا العيد ، ويحرر البلاد من سلطة الرومان ، وفهموا ما يجري إندهشوا : كيف صار أسيراً في قبضتهم ؟!! 00 رؤساء الكهنة يطلقون الإشاعات فتسري مثل النار في الهشيم ويعلو دخانها : إنه يريد هدم الهيكل 00 فكيف يكون هو المسيا ؟! 00 ألم يُكسِر السبت ؟ 00 ألم يجدف على إسم الله المبارك ؟ 00

          وإقترب الموكب من قصر هيرودس 00 هذا القصر المكسو بالمرمر الأبيض ، والذي يحط بجناحيه مثل طائر ضخم على أرض أورشليم ، وبينما كان نظام الحكم في اليهودية يتم بالتعيين منذ سنة 63 ق0م حيث تولى بيلاطس البنطي كخامس والي على اليهودية ، فإن الحكم في الجليل كان قاصراً على العائلية الهيرودسيَّة ، والملك الحالي هو هيرودس أنتيباس الذي دعاه المعلم بالثعلب ، وهو إبن هيرودس الكبير الذي دُعي بالسفاح ، ومما يذكر عن هيرودس الكبير أنه كان سياسياً بارعاً قادراً على كسب ثقة الأعداء قبل الأصدقاء ، وهو الذي قام بتجديد الهيكل ، إلاَّ أن الأنانية سيطرت عليه فخلقت منه سفاحاً ، فبسبب خوفه على ملكه قتل أخته سالومي وزوجها ، وقتل زوجته المحبوبة مريم إبنة سمعان رئيس الكهنة حفيدة يوحنا هركانوس مع  ألكسندرا زوجة سمعان ، وأمر بقتل أطفال بيت لحم 00 وكان قصره هيرودس يعتبر مسرحاً للدسائس والمؤامرات من قبل زوجاته العشرة وأسراتهنَّ ، ولما عاد إبناه ” الكسندر ” و ” أرسطوبولس ” من روما وعلما بمقتل أمهما مريم ، أرادا الإنتقام من أبيهما ، وعلم أبيهما هيرودس بهذا فقتلهما بإيعاز من إبنه الأكبر ” أنتيباتر ” ، ولما خشى أن يغتصب إبنه ” أنتيباتر ” المملكة قتله أيضاً ، حتى قال ” أكتافيوس قيصر ” إن خنازير هيرودس تتمتع بالأمان والسلام أكثر من أولاده ” ، وظل في ملكه أربعين سنة ( 37 ق0م – 4 م ) وبلغ السبعين من عمره ، وعندما شعر بدنو أجله أمر بالقبض على عدد كبير من عظماء وأثرياء وقادة المملكة ، وأمر بقتلهم عند موته حتى يعم الحزن أرجاء المملكة0

          أما هيرودس أنتيباس فقـد ملك نحـو ثلاثة وثلاثين سنة ( 4 م – 39 م ) وتزوج بإبنة أريتاس Aretas ملك البنطية ، وفي سنة 28م إلتقى في روما مع ” هيروديا ” زوجة أخيه فيلبس ملك إيطورية وكورة تراخونيتس بسوريا ، فتركت هيروديا زوجها فيلبس ، وإلتصقت به ، وعندما رقصت أمامـه سالومي إبنة هيروديا ، أعطاها وعداً بتلبية أي طلب تطلبه حتى نصف المملكة ، وإستشارت أمها هيروديا الحيَّة العتيقة 00 طلبن رأس يوحنا المعمدان صوت الحق الذي طالما بكَّتها على خطيتها ، وكان هيرودس قد أودعه السجن ، فلأجل الأقسام والمتكئين أرسل فقطع رأس يوحنا ، وقدمها إلى سالومي على طبق ، وحملت الأفعى بنت الحيَّة رأس يوحنا على طبق ، وقلبها يرقص ثقة بنفسها ، وصارت أمها في طرب عظيم ، وإذ أرادا أن يلهيا بالرأس المقدَّسة ، وإذ بالشعر يُحلّق حاملاً الرأس بعيداً عن قصر الدسائس ، وصوت السابق الصابغ يدوي : يا هيرودس لا يحل لك أن تأخذ هيروديا زوجة أخيك 00 صرخت سالومي ، وسقطت هيروديا على الأرض مرتعبة0

          وكان هيرودس منذ أيام يفكر في قتل يسوع أيضاً ، فقال بعض الفريسيين ليسوع إذهب وأخرج من ههنا لأن هيرودس يريد أن يقتلك ،  فقال لهم : إمضوا وقولوا لهذا الثعلب ها أنا أُخرج شياطين وأُشفي اليوم وغداً وفي اليوم الثالث أُكمل 00 لأنه لا يمكن أن يهلك نبي خارجاً من أورشليم0

          جاء هيرودس من الجليل إلى أورشليم للإحتفال بالأعياد ، وقد إفتتح عدة صالات جمنزيوم ، بالإضافة للمسرح الكبير لتقديم المسرحيات ، ومدرج الألعاب الذي يسع الآلاف ، والمسرح الدائري بجدرانه المزينة ببعض النقوش الذهبية والفضية ، والذي كانت تُقام فيه حفلات المصارعة بين المحكوم عليهم بالإعدام والوحوش الضارية الجائعة0

          وبعد أن وصل الموكب الذي كان أشبه بمظاهرة شعبية إلى قصر هيرودس ، بيت القصيد ، ظلت الجماهير خارج القصر ، ودخل قائد المئة وبعض جنوده مع رؤساء الكهنة ومشايعيهم يحيطون بالأسير ، وقد إرتضى هؤلاء الرؤساء دخول قصر هيرودس الأدومي المُتهوّد ، بينما رفضوا دخول قصر بيلاطس الأممى لئلا يتنجسوا 00 جلس هيرودس على عرشه بملابسه الملوكية الموشاة بالذهب ، وبريق الذهب مع لمعان الألماظ المرصَّع به التاج الملكي يبهران الأنظار ، وتلاقت عيني يسوع المتورمتين بعيني ذلك الثعلب بن السفاح ، وأحس هيرودس أن تلك العينان تفحصان كل شئ حتى خبايا القلوب ، ولم يكن هيرودس يتوقَّع وهو خارج ولايته أن تعرض عليه مشكلة بهذه الضخامة والتي يمثل رؤساء الكهنة وأعضاء مجمع السنهدريم وجميع القيادات اليهودية مع إختلاف إتجاهاتهم بالإضافة إلى جماهير الشعب طرفاً فيها ضد الطرف الآخر وهو مُعلّم الجليل بمفرده ، ومع ذلك فإن كل ما كان يشغله هو قوة وجبروت هذا الرجل ، فأخذ يُمني نفسه بمشاهدة عرضاً يسوعياً يخلب الألباب ، وربما يدفع هذه الثيران الهائجة للتنازل عن شكواهم طوعاً وإختياراً0

          وقدَّم قائد المئة الروماني تقريراً شفهياً لهيرودس الذي كان يتتبع أخبار يسوع أول بأول ، وبالرغم من أن هيرودس كان يفكر في قتله لكنه كان في لهفة من لقائه بسبب ما سمعه عنه ، وعن كم المعجزات التي أجراها بقوته الشخصية بدون تضرع لله ولا توسل ولا صلاة ولا طلبة ، وعلى رأس هذه المعجزات جميعها إقامة الميت بعد أربعة أيام من موته0

ونظر هيرودس نحو يسوع بدهاء الثعلب قائلاً : إسمع يايسوع 00 لقد إدَّعيتَ إنكَ إبن الله ، ولكَ سلطان عظيم يفوق الطبيعة ، فهل تثبت لنا صدق أقوالك ؟ 00 أتُجري أمامنا معجزة لأتأكد بعيني ما سمعته عنك بأذنيَّ ؟!

وصمت يسوع صمتاً مطبقاً 00

هيرودس : هيا ياجبار البأس 00 ألا تريد أن تخرج من هنا حراً طليقاً ؟!00 أي معجزة تشاءها 00 أي أعجوبة تريدها0

          ولم ينجح تشجيع وإغراء هيرودس في إخراج يسوع عن صمتـه ،  وهيرودس يتلهف نحو معجزة كطفل تسعده رؤية الحاوي ، ثم قال له : يايسوع 00 ألم تقل عني إنني ثعلب 00 أنا مستعد أن أغفر لك هذا ، لقاء أن تُجري لنا معجزة ، وأنا أعدك بأنني سأطلقك 0

أما رؤساء الكهنة فبدأ عليهم التذمر واضحاً ، ومع إنه لا يروق لهم ما يجري ، لكنهم يتحاشون الصدام مع هيرودس00 إذاً فلينتظروا على مضض ، وما كان يعزيهم في مصيبتهم ويطمئنهم بعض الشئ صمت يسوع رغم إغراء هيرودس له بالإطلاق ، ولم يدرك هيرودس أن يسـوع لـم يسعَ قط للهرب والفكاك من الصليب 00

ولم يدرك أنه جاء للموت بأقدامه لا يسوقه قدره السئ ، إنما تدفعه محبته الفياضة للإنسان الجريح العريان المطروح وسط زحام الشياطين 00

ياللي محبتك يايسوع0

وظل هيرودس في محاولاته وهو يقول في نفسه : لو أنني ربحتُ يسوع هذا لربحتُ من ورائه آلاف المشايعين له 00 أليس هو من ولايتي ويجب أن يكون ولائه لي أولاً ، ويعمل لحسابي ، ولكن يسوع ملك الملوك لم يكن قط مشايعاً لملك ما ، ولم يعمل قط لحساب ملك أو رئيس كهنة أو زعيم 00 إنما كان يعمل دائماً لحساب خاطئ تائب ، لحساب جريح سقط بين اللصوص 00 لحساب امرأة منكسرة أُمسكت في ذات الفعل ، لحساب زكا العشار والمجدلية والكنعانية ونازفة الدم 00 وأيضاً لم يكن يسوع يوماً حاوياً ولا ساحراً ، ولم يجري معجزة قط من أجل البهرجة والفرجة والتسلية ، إنما جميعها كانت احشاء رأفات ومحبة للبشر 00 وقف يسوع يُحاكم أمام الملك هيرودس تحقيقاً لنبؤة داود الملك  ” قام ملوك الأرض وتآمر الرؤساء معاً على الرب وعلى مسيحه قائلين لنقطع قيودهما ولنطرح عنا ربطهما ” (مز 2 : 2 ، 3) 0

          وظل يسوع أمام هذا الوحش الآدمي صامداً صامتاً ، لم يجب على سؤال واحد ، ولم ينطق ببنت شفه ، فكلام يسوع كلام ثمين وغالي لا يُهرَق في الهواء جزافاً ، وبدأ هيرودس شيئاً فشيئا يفقد أعصابه ، بالرغم من أنه يتظاهر بالصبر والجَلَد ، فهكذا هي سياسة الملوك 00 تحوَّل هيرودس عن يسوع ونظر إلى مشيريه ، وظل يثني على يسوع كمواطن جليلي يُشرّف وطنه ، وأخذ يمدح تعاليمه السامية 00 لقد وضع الملك في نفسه أنه لابد أن ينتصر ويكسب الجولة ، بإخراج يسوع عن صمته ، ولكيما يجري معجزة ما ، ووضع الأسير في قلبه أن لا يجيب 00

وأخيراً رفع هيرودس الراية البيضاء 00 ألاَّ يقدر الملك على حمل أسير على الكلام ؟! 00 ياللمهزلة 00 إحمرَّ وجه هيرودس ، ولاح أمام عيناه صـورة يوحنـا الذبيح قريب هذا الأسير ، وتمنى لو أنه سبق وذبح يسوع بدلاً من يوحنا القديس !! وبينما هيرودس يغوص في أفكاره هذه ، لم يكف رؤساء الكهنة عن الإشتكاء ضد يسوع بشدة ، ولم ينقطعوا عن الثرثرة بكلمات كثيرة ، ولكن هيرودس العالم بأمورهم قد سدَّ أذنيه تجاههم ، وحدجهم بنظراته الحادة ، فتحوَّلت ثرثرتهم إلى همسات : ما هذا اليوم الأغبر ؟! أجئنا للحكم على يسوع أم لنلقى السخرية من هيرودس ؟! 00 نحن قادرون على مواجهة هذا الهيرودس ومن خلفنا الجهات الشعبية ، ولكن ليس الآن ، فالوقت كله والمجهود كله يجب أن يُكرس من أجل قتل يسوع0

          ونهض الثعلب الماكر من على عرشه ودار حول الفريسة ببطء يتفحصها ، وإذ بالوجه مُتورّم تعلوه آثار الكدمات والجروح ، والملابس ملطخة بالدماء ، فأطلق ضحكته الساخرة ، وسُمع في القصر صوت قهقهته : أأنت ملك اليهود ؟!

أين شعبك وأين جيشك ياملك ؟!

وأحضر أحد الجنود ثوباً لامعاً ألقاه عليه : سلام لسيدي الملك 00

وسخروا منه وإستهزأوا به 00 وعاد هيرودس إلى عرشه ، وتقدم منه قائد المئة ليحصل على التقرير النهائي شفاهة : عُد به إلى سيدك بيلاطس 00 فإن الإتهامات غير ثابتة عليه 00

وعلى كلٍ سعد هيرودس بتقدير بيلاطس له ، وإعتبر أن هذا التقدير يعد بمثابة إعتذار غير مباشر من بيلاطس الذي ذبح الجليليين ، وعادت حمائم السلام ترفرف بين الإثنين بفضل يسوع ملك السلام0

          وعادت الجماهير من حيث أتت ، وإندفع الموكب في شوارع أورشليم بين أناس يفرحون ويلهون ويستعدون لذبح خروف الفصح ، وأناس يصعدون إلى الهيكل وهم يرنمون مزامير المصاعد ، وأناس يبيعون ويشترون ، وكان على جند بيلاطس دفع الناس دفعاً ليعبر الموكب إلى قلعة أنطونيا ، ورؤساء الكهنة ومشايعيهم في حزن وكمد لأنهم فشلوا في إنتزاع حكم الموت على يسوع من هيرودس ، كما فشلوا في الحصول عليه سلفاً من بيلاطس ، والشمس تسرع في طريقها مثل جبار ، مما أشعر القيادات الدينيَّة بأنها باتت في مأزق ، فأخذوا يلعنون يهوذا الذي أغراهم بالقبض على يسوع في هذا الوقت الحرج ، ويلعنون بيلاطس الذي يرفض تنفيذ قرارات المجمع المقدَّس ، ويلعنون هيرودس الذي إنتهرهم ، ويلعنون يومهم الأغبر هذا00

 

الثعلب ابن السفاح والأفعى بنت الحية ف15 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

أية شكاية ف14 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

أية شكاية ف14 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

أية شكاية ف14 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

اقرأ وافهم
روايات إيمانية

الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

 

الفصل الرابع عشر:  أية شكاية

 

          ونحو السادسة صباحاً توقف موكب الموت الضخم أمام قلعة أنطونيا ، وكم كانت دهشة قوات الحراسة من هذه المظاهرة الضخمة في هذا الصباح الباكر ، فمع إن القانون الروماني يحظر إنعقاد المحاكمة قبل شروق الشمس ، فإن القيادات الدينيَّة التي أدانت شمس البر ، عجزت عن الصبر حتى شروق شمس الصباح 00 أصدر ماركيوس قائد القلعة الأوامر لجنوده بالإستعداد ، فخرجوا وإصطفوا 00 أيديهم على سيوفهم ، خشية أن يهاجم الغوغاء القلعة 00 وظل الموكب مرابضاً أمام القلعة ، لم يدخل منهم شخص واحد إلى القلعة لئلا يتنجس فلا يقدر أن يأكل الفصح 00 عجباً 00 إنهم كعادتهم يصفون عن البعوض ويبلعون الجمل 00 يخشون أن يتنجسوا من دخول بيت إنسان أممي ، ولا يخشون أن يسفكوا دماً بريئاً 00

          وتقدم قيافا إلى مدخل القلعة المقبَّب الذي وقف فيه منذ بضعة ساعات بمفرده ، ولكن هذه المرة ليس بمفرده وإنما معه الأسير مع جمع غفير ، وتحدث مع ماركيوس الذي أوفد أحد ضباطه إلى الدور العلوي يخبر الوالي بأن هناك مظاهرة من اليهود أمام القصر يودون لقائه ، وبينما كانت كلوديا في فراشها ، كان بيلاطس قد بدأ يومه مبكراً ، وهو يتحسب لقضية يسوع المُعلّم الذي طبقت شهرته الآفاق 00

وهبط بيلاطس إلى الدور الأرضي ووقف في ” جباثا ” وهو موضع يرتفع عن مستوى الأرض بنحو خمسة عشر درجة فهو مكان أشبه بالمنصة ، وقد كُسيت الأرضية بالموازيق الملون ، ويشرف هذا الموضع على الساحة المتسعة التي تجمَّع فيها الآلاف من الشعب الهائج 00 أقبل بيلاطس ، ولاقاه حنان بإبتسامة الثعلب وقيافا بإبتسامة صفراء ، ورد بيلاطس التحية بمثلها ، فالكل يقوم بدور المُحِب المُزيف ، وهو دور مفضوح ، لأن الحب الحقيقي لا يُزيَّف0

          وجلس بيلاطس على كرسي الولاية 00 رجل في العقد الخامس من عمره ، وقد رسم المشيب بعض خطوطه 00 ذو جسم قوي ممتلئ وقامة دون المتوسطة ، له عينا صقر قادرتان على رصد أي حركة أمامه 00 يرتدي زي الوالي الروماني ، وينتعل صندلاً ذو سيور جلدية 00 وأحاط به حرس الشرف ، وبمجرد جلوسه ساد الصمت ، وكأن الساحة أضحت خالية ، فقد عُرف هذا الرجل بالشراسة ، حتى أنه قد يحكم على إنسان بالإعدام بدون إتهام وبدون محاكمة ، وأمام آلاف اليهود وقف مئات الجنود الرومان الأقوياء على أهبة الإستعداد ، فمجرد إشارة واحدة من إصبع الوالي كفيلة بإسقاط المئات من هذه الجماهير0

          تسلَّم إثنان من جنود الرومـان الأسيـر ، وصعدوا به إلى ” جباثا ” أمام بيلاطس الذي رمقه بنظرات فاحصة ، وفي ذهنه التقارير التفصيلية التي سبق أن قدمها ضابط المخابرات ألسكندر ، فأُُعجب بدقة ضابطه ، بينما وقف يسوع يبدو عليه الإنهاك والإعياء 00 وجهه شاحب مُتورّم ، تعلوه آثار الكدمات والجراحات والتعذيب ، وعيناه منتفختان ، ومع ذلك فإنه يقف فـي جلال ووقار ، يُلزم كل من ينظر إليه بأن يحترمه ويحبه رغم صعوبة منظره00 ملامحه بعيدة كل البعد عن ملامح الأشرار والمجرمين 00 تأمله بيلاطس بنظرات فاحصة بعد أن سمع عنه الكثير والكثير 00 هل يسوع هذا هو إبن الآلهة ؟!00 هل أبوه إله الموت والحياة ولذلك يقيم الموتى ؟! 00 من هو الذي بسببه تتحرك كل هذه الجموع ؟!

          وإقترب قيافا من الوالي مبتسماً : هوذا قد قبضنا على مُعلّم الناصرة الذي فتن المسكونة ، الثائر ضد كل شئ 00 لقد حاكمناه ونصحناه ، ولكنه رفض النصيحة والإرشاد ، فحكم عليه مجلس السنهدريم الموقر بالموت ، والآن نلتمس التصديق على الحكم0

          وفوجئ قيافا ببيلاطس يُكشّر عن أنيابه ، ويطلق سهماً مفاجئاً من جعبته ، وإرتفع صوته مجلجلاً : عليكم إقامة الدعوى بحسب إجراءات العدالـة الرومانية 00 ليتقدم المشتكين إلى المنصة 00

          وكان بيلاطس يعلم جيداً من خلال جهاز مخابراته أن يسوع لم يقترف ذنباً يستوجب عليه الموت ، إنما حسد وكراهية وغل القيادات الدينيَّة هو الذي أوقفه في هذا الموقف ، ولهذا أردف قائلاً : أية شكاية تقدمون على هذا الإنسان ؟ ما هي التهمة التي توجهونها إليه ؟!0

          وإشتم قيافا من لهجة بيلاطس أنه ينوي إقامة محاكمة رومانية عادلة ، فقال في نفسه : ” كلام الليل مدهون بزبدة يصبح عليه الصبح يسيح ”  وضجر قيافا وتململ ونظر لحماه الثعلب الكبير ، وعوضاً عن أن يجيبوا على سؤال الوالي ، أخذ قيافا يراوغ ويتملَّص ، مُجيباً بمكر ودهاء ، بدون لباقة ولا إحترام : لو لم يكن فاعل شر ، لما كنا قد سلمناه إليك 00 لنا ناموس ، وبحسب ناموسنا يجب أن يموت 00

فجاء الرد جافاً سخيفاً ، يلقي باللوم على السائل 00

” سألهم بيلاطس بكل تهذيب عن شكواهم ضد يسوع ، هذا ما يقتضيه واجبه كموظفٍ في المملكة ، وفي نفس الوقت أظهر إنزعاجه أمام هذا الشعب الصاخب 0 أما إجابتهم فجاءت تكشف عن عجزهم في إثبات دعواهم ضده ، مع إصرارهم بشراسة0 لم يكونوا قادرين على تقديم إتهام صريح كأن يكون خائناً للبلد أو قاتلاً أو مسبباً للشغب ، لكنهم قدموا إتهاماً عاماً وهو أنه ” صانع شر ” كانوا يزجون بيلاطس رغماً عنه لتنفيذ رغبتهم 00 كان المدَّعون غير مهذبين في حوارهم مع بيلاطس ، فقد خرج إليهم وسألهم عن الإتهام ، أما هم ففي عجرفة لم يقدموا إتهاماً ، بل حسبوا سؤاله أشبه بعدم ثقة فيهم وفي حكمهم 00 كأنه من حقهم أن يحكموا وليس من حق الوالي أن يتعرف على الإتهام أو يناقشهم في حكمهم0 هم يحكموا وهو يلتزم بالتنفيذ ، الأمر الذي لا يقبله عقل 00 ربما ظنت القيادات الدينية اليهودية أنه مجرد تسليم شخص يهودي للحاكم المستعمر فيه كل الكفاية على التحقق من شره وجريمته “(17)0

وتململ بيلاطس من هذه الإجابة غير المهذَّبة ، والتي إعتبرها إمتهاناً لكرامته ، فكأنهم يقولون له : وما شأنك ؟ 00 مالك أنت وناموسنا ؟ 00 لقد فحصناه ووجدناه مذنباً وحكمنا عليه بحسب ناموسنا ، وما عليك سوى التصديق على حكمنا العادل ، فليس لدينا الوقت الذي نصرفه في محاكمة رومانية أخرى 00

وشعر الوالي بحاسته الرومانية أن ما هذا إلاَّ إستعلاء يهودي على روما ، وما كان لبيلاطس المتمرس على فنون القتال أن يستسلم أمام أول سهم يطلقونه ، إنما رد عليهم السهم بسهم ، فردع رئيس كهنة اليهود ووضعه في حجمه هو وأتباعه 00 ردَّ الكلمة اليهودية بكلمة رومانية أقوى ، وردَّ المكر بمكر ، والدهاء بدهاء ، والإستعلاء بسخرية ، والكبرياء بغطرسة ، والسياسة بسياسة قائلاً : خذوه أنتم وإحكموا عليه بحسب ناموسكم00

          وشق سهم بيلاطس كبرياء قيافا ، فأخذ يتململ يميناً ويساراً ، بينما نهض بيلاطس متظاهراً بالإنصراف ، فأسرع الثعلب الكبير بإبتسامة عريضة باسطاً يديه : أنت تعلم ياحضرة الوالي العظيم أنه لا يجوز لنا أن نقتل أحداً ، ومن المستحيل أن نخالف قوانين روما 00

وشعر بيلاطس بالرضى بعد أن إسترد كرامته ، وإعتبر كلام حنان إعتذاراً غير مباشر ، إذ إعترف نهاراً جهاراً أنهم لا يملكون سلطة قتل أحد عن طريق مجلسهم الأعلى ، فهم يخضعون لسلطة وسطوة روما ، فعاد إلى كرسيه منتظراً إجابة على سؤاله الذي سأله من قبل : أية شكاية تقدمونها على هذا الإنسان ؟! 00

          وسرعان ما تشاور حنان مع قيافا وأتباعهم ،  فلا فائدة من شكايتهم الدينيَّة على يسوع ، سواء دعى نفسه إبن الله أو كاسر السبت ، فإن الأممي الأغلف لا يقيم وزناً لمثل هذه الأمور ، وإن قالوا أنه هدَّد بهدم الهيكل فإن الوالي سيسخر منهم ، ولذلك حبكوا له تهمة ثلاثية تستوجب الموت ، فقال حنان : إن هذا ياحضرة الوالي : 1- يفسد الأمة  2- يمنع أن تُعطى جزية لقيصر  3- يقول إنه مسيح ملك0

          وإبتسم بيلاطس إبتسامة خفية ماكرة ،  فإنه يعلم أن هذه القيادات الهائجة تشجع أي إنسـان يمتنع عن إعطاء الجزية لقيصر ، وإنها تساند أي إنسان يهودي ينصب نفسه ملكاً ، علَّه أن يزيح من أمامهم سلطة روما ، وقال بيلاطس في نفسه : كيف يفسد يسوع الأمة ، وتعاليمه السامية تحض علـى المحبة والسلام والإخاء ، وتنأى بالإنسان عن الفساد 00 بل أنه بحث عن جذور الخطية ليجتسها فلم يكتفِ بعدم القتل بل أدان الغضب ، ولم يكتفِ بعدم الزنا بل أدان مجرد النظرة الشريرة 00

          وكيف يمنع يسوع أن تُعطى جزية لقيصر ، بينما المعلومات التي تحت يديه تؤكد غير ذلك ، فهـو ليس صاحب ثورة ، وعندما سأله قوم من الفريسيين والهيرودسيين : أنُعطي جزية لقيصر أما لا ؟ 00 لم يجب بالإيجاب لئلا يتهمونه أنه يشايعنا ، ولم يجب بالنفي حتى لا يقال عنه أنه ضد قيصر ، وكم كانت حكمته عندما قال لهم أعطوني درهماً ، ثم سألهم : لمن هذه الصورة وهذه الكتابة ؟ وعندما أجابوه أنها لقيصر ، أجاب إجابته الخالدة : إذاً أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله 0

وقال بيلاطس أيضاً في نفسه : وأيضاً التهمة الثالثة باطلة لأن تقارير ألكسندر تؤكد أنه رفض أن يُنصّبوه ملكاً ، وعلى كلٍ فلا مانع من مناقشته في هذه التهمة الثالثة ، حتى لا يجد هؤلاء الأغبياء حجة يشكونني بها إلى قيصر ، ودخل بيلاطس إلى داخل دار الولاية ، ودعا يسوع ليختلي به بعيداً عن الجماهير الثائرة الهائجة 0

بيلاطس : أنت ملك اليهود ؟

وفوجئ بيلاطس بيسوع لا يجاوب بل يسأل سؤالاً جريئاً لا يخرج عن اللباقة الأدبية : أمن ذاتك تقول هذا أم آخرون قالوا لك عني ؟

بيلاطس : ألعلي أنا يهودي ؟

أراد بيلاطس أن يقول إن الإعتراف بملك يهودي لابد أن يكون من إنسان يهودي ، أو ينوي أن يكون يهودياً 0 أما أنا فإنسان روماني ولا أنوي أن أتهوَّد 00 ثم أردف بيلاطس قائلاً :  أمتك ورؤساء كهنتك أسلموك إليَّ 00 فماذا فعلت ؟!

يسوع : مملكتي ليست من هذا العالم 0 لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أُسلَّم إلى اليهود ، ولكن الآن ليست مملكتي من هنا 0

بيلاطس : أفأنت إذاً ملك ؟

يسوع : أنت تقول إني ملك 0 لهذا قد وُلِدت ولهذا قد أتيتُ إلى العالم لأشهد للحق 0 كل من هو من الحق يسمع صوتي0

وكأن يسوع يخاطب ضمير بيلاطس :

كل من هو من الحق يسمع صوتي 00

يابيلاطس 00 أتريد من ذاتك أن تعرف الحق ولذاتك ، فأنا فعلاً ملك ، ومملكتي مملكة سماوية تسمو على كل ممالك العالم 00 الأسياد في المملكة هم الذين يغسلون أرجل الآخرين ، والأوائل هم أصحاب المتكئ الأخير 00 أنا حقاً ملك قد وُلدتُ وأتيتُ لهذا العالم حتى تستعلن مملكتي للبشرية التعيسة 00

أما إن كنتَ تنساق وراء المشتكين الذيـن يريـدون أن يأخذوا لقب ” ملك ” ليحكموا عليَّ ويقتلونني ، فصدقني إنني لست ملكاً بمفهومهم الخاطئ 00 أنت يابيلاطس تستنكر عليَّ أن أكون ملكاً أرضياً أزاحم ملوك الأرض ممالكهم ، وأنا أيضاً أستنكر أن أكون ملكاً أرضياً ، ولو كنتُ ملكاً أرضياً فأين خدامي وأعواني وجنودي ليدافعوا عني ؟!

          وشعر بيلاطس أنه تلميذ صغير أمام معلم عظيم ، وتمنى لو تتاح له الفرصة ليتتلمذ على يديه ، فهو يذكّره بمعلمه سينيكا فيلسوف روما ، وسأل بيلاطس يسوع : وما هو الحق ؟

لقد نسى بيلاطس أنه هو الحاكم العارف بكل شئ ، فراح كتلميذ يسأل معلمه : وما هو الحق ؟

          ونظر يسوع بعينه الإلهية ، وهو يعلم جيداً أن بيلاطس – خوفاً على كرسيه – مُزمع أن يذبح الحق ، لذلك آثر الصمت 00 صمتَ لأن الجميع عزفوا عن الحق وسدوا أذانهم عن سماعه0

          أما رؤساء الكهنة فأخذوا يُحرّضون ويُحفّزون الشعب ، فعلت هتافاتهم مُدوّية : أنه مجدف 00 مفسد للأمة 0  مستحق الموت 00 ضد قيصر 00

          وإذ لم تسكت هذه الأصوات المزعجة ، وأراد بيلاطس أن يُحفّز يسوع للدفاع عن نفسه ، ولاسيما أنه متأكد من براءته ويعلم أنهم أسلموه حسداً ، فقال له : أما تجيب بشئ ؟! أما تسمع ؟! أنظر كم يشهدون عليك ؟!

ولم يجب يسوع ولا عن كلمة واحدة ، حتى تعجب الوالي جداً ، لأنه يعلم جيداً فصاحة المُعلّم ورجاحة فكره 00 لو أرادَ فإن السماء ستشهد له بمعجزة عجيبة في هذا اليوم المشهود 00 فلماذا يصمت ؟!

وقال بيلاطس في نفسه : ألعل اليوم يوم المفاجئات ، فهذه المظاهرة الضخمة مفاجأة ، وهذا المتهم الصامت مفاجأة ، فأي متهم يدافع عن نفسه حتى لو كانت التهمة ثابتة عليه ، وهذا البرئ لا يريد أن يدافع عن نفسه ، ولا يبالي بالموت 00 عجباً !!

          على كلٍ فإن بيلاطس أدرك أن يسوع يتكلم عن مملكة سمائية ، وقال في نفسه : إن مملكة يسوع بعيدة عن عالمنا الحاضر ، وبالتالي فهي لا تدخل ضمن إختصاصنا ، فتحركت في بيلاطس أحاسيس العدالة الرومانية ، وإلتهب الغضب الروماني داخله ، فخرج إلى الجماهير ليعلن حكمه في هذه القضية :

أنا لست أجد فيه علَّة واحدة 0

          وظهر الضيق على قيافا والضجر على حنان من أثر الصفعة الرومانية القوية ، وإنعكست ملامحهما على آلاف المتظاهرين مثل وباء سريع الإنتشار ، وسَرَتْ همهمة بينهم تستهجن الحكم البيلاطسي ، وتُرجمت الهمهمات إلى كلمات بدأت تعلو فصارت هتافات تدوي في سماء أورشليم 00 البعض يحتج على بيلاطس والآخر يشتكي على يسوع ، حتى إن رؤساء الكهنة نسوا مراكزهم ووقارهم ، وأخذوا يشتكون على يسوع ، ويُحّرضون الجماهير ، وقبض الجنود على سيوفهم وعيونهم نحو الوالي يلتمسون إشارة منه ليطيحوا بالرؤوس ويسكتوا تلك الأصوات المستفزة ، فهؤلاء  الجنود لا يبالون إن كانت حركة كهذه ستكون خاتمة لحكم بيلاطس وإرساله للمنفى ، وليحدث ما يحدث ، فإه هذا لن يمسهم بشئ 0

          وتشاور حنان وقيافا سريعاً فما دامت التهم الثلاثة لم تأتي بثمرة إذاً لندفع بتهمة رابعة ، ورسم قيافا الإبتسامة الصفراء على وجهه وإقترب من الوالي بأدب جم : سيدي 00 إن هذا الرجل يهيج بتعاليمه الشعب ، ويشعل نيران الحقد والثورة ضد كل شئ 00 إنه لا يكف عن التجوال من بلد إلى آخر كيفما شاء ! 00 بعرض بلادك ياعمانوئيل !! 00 إسأل عنه في الجليل لتعلم قدر خطورته 00 إنه لا يكف عن التعليم من الجليل إلى هنا ، فإن لم تحاكمه أنت فسيحاكمه هيرودس 00

سمع بيلاطس كلمه ” الجليل ” وكأن غريقاً أمسك بقشة ، فسأل ( وهو العالم بكل شئ ) : هل الرجل من الجليل ؟! 00 هل هو من سلطنة هيرودس ؟! 00

فصاحوا : نعـم 0 أنه جليلي مثل الذين خلطتَ دمائهم بذبائحهم 00 إنه من ناصـرة الجليل التي لا يخرج منها شئ صالح 0

وأظهر بيلاطس إرتياحه ، وظن رؤساء الكهنة أنهم إستطاعوا أن يثبتوا شر يسوع بدليل محل إقامته 00 ألاَّ يكفي أنه من الجليل ؟!

وإرتسمت على محيا بيلاطس إبتسامة عريضة : حسناً 00 حسناً إنه من الجليل ، وهوذا أنتيباس هيرودس هنا في هذه الأيام 00 ثم رفع صوته بحكمه النهائي : ليذهب إلى مَلكه ليقاصه إن كان مخطئاً0

وأشار لقائد المهمة الذي أدرك مهمته ، فساق يسوع تاركاً جباثا ، بينما الشعب لم يكف عن الهتاف : إنه يهز أمن أورشليم00 أورشليم 00

بيلاطس : أُحيلت القضية إلى جهة الإختصاص 00 إذهبوا إلى هيرودس 0

          وتغيَّرت ملامح وجهه لتفصح عما في قلبه من حقد وغل ضد هذا الشعب الجاهل ، وكأنه يريد أن يقول لهم : إذهبوا إلى هيرودس إن شئتم 00 أو إلى الجحيم إن أبيتم 0

          وعاد بيلاطس أدراجه إلى داخل دار الولاية ، وكأن حملاً ثقيلاً إنزاح عن كاهله ، وهو يصفر صفارة النصرة والفرحة ، لأنه لم ينفـذ رغبة هؤلاء الأشرار 00 لقد ضرب عصفورين بحجر واحد ، فهي لفتة كريمة وتقدير لهيرودس الغاضب منه ، وهروب من الحكم على إنسان برئ مثل يسوع بالموت0

(17)  المرجع السابق ص 1169 ، 1170

 

أية شكاية ف14 – الأربعة والعشرون ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض

Exit mobile version