لإنكِ تُشبهين الفراشة.. كلما أنطفأتِ عاد سحركِ من جديد
______________
إذا كان الخوف لا يمنع الموت، لكنه يمنع الحياة، أحيانًا قد تترك الخوف ليتحكم بك ويأكلك وأنتَ حيٌ تُرزق، وإذا تماديت في خوفك قد تُظلم وتَظلم.
سمع “ياسين” طلبها الذي خرج منها بنبرة مهزوزة وكأنها تُصارع نفسها للبقاء، أخذ هو نفسًا عميقًا ثم قال بهدوء:
“وأنا موافق يا خديجة أني مجيش بكرة..بس بشرط”
تعجبت من حديثه، فسألته مستسفرة:
“شرط؟ شرط إيه يا ياسين؟”
بنفس نبرته الهادئة قال:
“شرطي إنك تقوليلي سبب قوي ومُقنع يخليني مكونش عندك بكرة”
صمتت ولم تستطع الإفصاح عما يجول بخاطرها، فحثها على التحدث وهو يقول:
“طب تمام يا خديجة طلبك مرفوض”
زفرت هي بعمقٍ ثم قالت وهي على مشارف البكاء:
“صدقني أنا مش عاوزاك تيجي علشان خايفة”
أومأ وهو يقول بتفهم:
“وإيه السبب؟ ولازم يكون قوي ومقنع ومش هتنازل عن كدا”
قالت هي في هدوء وكأن حالها تبدل:
“أنا خايفة علشان عارفة عمتو عاوزاك تيجي بكرة ليه، خايفة علشان أنتَ هتشوف نسخة غريبة مني بكرة ومش هقدر أرفض إني أنزل ولا هقدر أدافع عن نفسي، علشان مش عاوزاك تشوفني بكرة وأنا ضعيفة مش بقدر أتكلم لما هي ترمي عيوبي قُدامك”
أشفق على حالها كثيرًا فقال متفهمًا:
“صدقيني ولا أي حاجة في الدنيا دي كلها تخلي صورتك تتهز قُدامي، ولا كلام أي حد عنك يقلل من نظرتي لكِ، أنا هاجي بكرة يا خديجة، وأنتِ هتكوني معايا، ومش عاوزك تقلقي حتى لو حد إتكلم أنا موجود وإفتكري دايمًا إني موجود علشانك”
تنفست بعمقٍ ثم قالت:
“ربنا يسترها إن شاء الله…هو.. هو أنتَ هتيجي بكرة إمتى”
خرج حديثها يحمل الخجل بين طياته وكأنها تخشى أن تسأله مثل هذا السؤال، أما هو ظهرت التسلية على ملامح وجهه وقال بنبرة مَرِحة:
“للدرجة دي وحشتك مش قادرة تستني لبكرة علشان تشوفيني؟”
خجلت أكثر بكثير من ذي قبل وظهر التوتر جليًا على صوتها وهي تقول:
“أ..أنا مش قصدي والله…أنا بس قصدي..تصبح على خير يا ياسين”
قالت جملتها الأخيرة بسرعة كبيرة لكي تتخلص من توترها، أما هو إبتسم على توترها وحديثها فقال بنفس النبرة المَرِحة:
“وأنتِ من أهل الخير يا خديجة..اللي هو أنا يعني”
وصل لها مغذى حديثه المُبطن فقالت بتوتر:
“شكرًا…أشوفك بكرة إن شاء الله”
بنفس النبرة الخبيثة قال:
“بس أنا معرفش العنوان؟”
إبتسمت على جملته ثم قالت بهدوء:
“إسأل واللي يسأل ميتوهش”
حاول كتم ضحكته وهو يقول بصوتٍ ظهرت فيه العاطفة:
“أَوْدُ أن أَسألُكِ في أيْ سماءٍ تَسكُنين..فما أنتِ سوى قمرٌ منيرٌ في فَلك قلبي تدورين وعلى مجرات حُبي تتحركين”
صمت وصمتت هي أيضًا ولم تستطع التحدث مرةً أخرى، أما هو حينما لاحظ صمتها قال بمرحٍ:
“على فكرة بقى أنتِ اللي قولتيلي أسأل واللي يسأل ميتوهش، وأنا بسأل القمر كله أهوه”
إرتفعت ضربات قلبها كأنها تصارع الموت، أما عن صوتها فهو هرب بعيدًا..وبعد مرور ثوانٍ إستعادة رابطة جأشها فقالت بهدوء:
“هو اللي أنا سمعته دا كان بجد؟”
كتم ضحكته وهو يقول مُردفًا لها:
“طالما طولتي في السكوت كدا، يبقى أنتِ كدا أتثبتِ.. تصبحي على خير يا خديجة”
وفور إنتهاء جملته أغلق الهاتف وهو يقول بصوتٍ مليءٌ بالمرحِ:
“والله العظيم خمس دقايق كمان وهيغمى عليها” .
أما هي ظلت تزفر بقوة وعمق ثم قالت بعدما هدأت نبضات قلبها:
“لأ والله كدا كتير بجد عليا أنا بقيت بخاف والله أكتر”
أنهت جملتها ثم ققزت من الفراش وظلت تتقافز على أرضية الغرفة وكأنها فراشة عادت قوتها إليها من جديد.
_______________
بعد إنتهاء تلك الأمسية السعيدة التي غاص فيها “ياسين” في نومٍ عميق، وخديجة التي شردت طوال الليلِ في كلماته التي يلقيها على مسامعها، أتى اليوم التالي وهو يوم “الجمعة” ذلك اليوم الذي يحمل معه الكثير والكثير.
في منزل آلـ “رشيد” كان “طارق” واقفًا أمام المِصعد في إنتظار أبناء عمومته في ردهة البيت، نظر في ساعته متأفأفًا، وأخرج هاتفه وقبل أن يشرع في الإتصال بـ “وليد” وجده يخرج من المِصعد وعلامات الضيق مرسومة على وجهه بوضوح، نظر له “طارق” وهو يقول بهدوء:
“قولتلك هو النهاردة بس وأنا بنفسي هديلك الأجازة يومين”
أومأ له “وليد” ثم قال بصوتٍ منفعل:
“خلاص يا طارق متصدعناش بقى، واِعمل حسابك هما كام ساعة بس، مش هطول هناك اليوم كله”
أومأ له “طارق” ثم قال بإستفزاز:
“حاضر يا أستاذ وليد، حاجة تاني؟؟ وبعدين أحمد فين؟”
أطاح له “وليد” بيده ثم قال بضيق:
“نازل ورايا أهوه، أنا سايبه بيلبس هدومه”
أنهى “وليد” جملته فوجد باب “المِصعد” يُفتح ظن في بداية الأمر أنه “أحمد” فقال:
“أهو نزل أهو”
وفور انتهاء جملته وجد “عبلة” تخرج من المِصعد، نظرا لها الأثنين بتعجب من وجودها في الصباح بتلك الملابس التي تدل على ذهابها في مشوارٍ مُهم، أول من تحدث كان “طارق” حينما سألها مُستفسرًا:
“رايحة فين يا عبلة على الصبح كدا يوم الجمعة؟”
نظرت له بحنقٍ وهي تقول:
“أخر يوم في ميعاد حجز الكورس النهاردة يا طارق، عاملينه يوم إستثنائي علشان الكورس هيبدأ بكرة، والحجز أخره النهاردة ١٠ الصبح”
يحتاج الإنسان إلى وطن في هيئة إنسان، وبلد في صيغة ضلوع، وحياة ملخصة في حي، وجنة حدودها ذراعان.
_____________
على الرغم من وسع العالم وكبرهِ إلا إنه في بعض الأحيان لم يتقبلك، حتى أنه لم يسعك ولا يستطع إحتوائك، في نفس الوقت الذي تجد به ذراعان على الرغم من ضيقهما إلا أنهما ملجأ أمان لقلبك.
“حتى لو هتسجن معاكِ، السجن في وجودك بَراح يا خديجة”
تلك الجملة التي قالها بصوتٍ مُـحب يحمل الصدق في طياته، أما هي خرجت من بين ذراعيه ثم نظرت له بتوتر وهي تقول بخجل:
“أنتَ…أنتَ قولت إيه؟”
تنهد بأريحية كبيرة قم قال:
“حتى لو هتسجن معاكِ السجن في وجودك بَراح يا خديجة، أنا مش عاوز في الدنيا دي غير وجودك بس وإنك تكوني مبسوطة”
كانت تنظر له بقوة ثم بكت مرة أخرى وهي تقول:
“ليه..وعلشان إيه”
وضع كفه بشير نحو موضع قلبه ثم أضاف مستطردًا حديثه وهو يقول:
“علشان دا اللي أختارك..علشان
دا اللي من أول مرة شافك فيها عرف إنك الشخص الصح”
نظرت له بقوة وحديثه يتردد في أذنيها، فوجدته يمسك كفها بين كفيه وهو يقول مُطمئنًا لها:
“أنا موجود معاكي هنا علشانك أنتِ..علشان كل اللي فات في حياتك تنسيه ونبدأ سوا من جديد..ودلوقتي لو أنتِ موافقة هطلع أجيب الدكتورة”
أنهى حديثه ثم نظر لها لكي يرى التخبط في ملامحها جليًا بوضوح فأضاف مُكملًا:
“ولو مش عاوزة برضه براحتك يا خديجة أنا عمري ما هجبرك..بس هتبقي أنتِ اللي بتختاري الخوف طول عمرك”
رفعت رأسها بقوة تنظر له، فوجدته يومأ لها برأسه بقوة وكأنه يؤكد حديثه،
فتحدثت بصوتٍ مهزوز وهي تقول:
“طب ولو فشلت؟ أو منفعش هعمل إيه؟”
هز كتفيه وهو يقول:
“مش عيب إنك تفشلي..العيب بجد إنك تخافي من الفشل فمتحاوليش..أنا موجود وأنتِ عمرك ما هتفشلي، هاه أطلع أجيب الدكتورة؟”
إبتسمت له بتوتر ثم أومأت برأسها توافق على حديثه، أما هو بمجرد موافقتها تركها وخرج من الغرفة لكي يجلب الطبيبة
دخلت الطبيبة ثم قالت بهدوء مع إحتفاظها ببسمتها الهادئة:
“ها نبدأ يا خديجة؟”
نظرت له “خديجة” فوجدته يومأ لها برأسه بقوة وكأنه يحثها على القبول، فأعادت بصرها تجاه الطبيبة ثم قالت:
“نبدأ”
________________
في بيت آلـ “رشيد” كانت “مُشيرة” جالسة في شقتها وهي مُمسكة بصورة إبنتها “جميلة”
كانت تنظر للصورة بعمقٍ، وعنوةً عنها فرت دموعها على وجنتيها ولم تستطع منعها أو التحكم بها، فقامت بإحتضان الصورة وهي تبكي، وبعد فترة من البكاء مسحت دموعها ثم شردت في ماضٍ بعيد وتحديدًا في ذلك اليوم المشؤوم من وجهة نظرها
(منذ عدة سنوات):
بعد ما قامت “مُشيرة” بإعطاء الصور والخطابات لـ “زينب” لكي تتخلص من تلك الأشياء التي تحول بينها وبين حياتها الزوجية مع “حسان” و إبنتها “جميلة”، فقد كانت حياتها مليئة بالملل لم تستطع تقبل زوجها وظلت عالقة في ماضيها وحينما وصلتها الصور والخطابات قررت التخلص من تلك الأشياء، وبدء حياة جديدة مع زوجها وإبنتها ولكن ماحدث كان عكس ما توقعته تمامًا.
ففي صباح اليوم التالي حينما إستيقظت لكي تقوم بإيقاظ صغيرها لكي تقوم بتوصيلها إلى روضة الأطفال تفاجات بخلو فراش الصغيرة منها وكذلك زوجها لم يكن له أثرًا في البيت، ركضت تبحث عنهما في الشقة بأكملها فلم تجد ما يريح قلبها، كما أن خزانة الملابس الخاصة بزوجها وأيضًا بصغيرتها كانتا فارغتان، لم تستطع تقبل ما حدث وظلت تجول في الشقة ذهابًا وإيابًا وهي تبكي بحرقة إلى أن وجدت ورقة متروكة على طاولة السُفرة مدونة بخط يد “حسان”،
حينما رآت تلك الورقة ركضت إليها وأخذتها بيدٍ مُرتجفة وحينما وقع بصرها على حروف الخِطاب صرخت بأعلى صوتها، وكأنها رآت إحتضار أعز ما تملك أمام عينيها فكانت كلمات الخِطاب عبارة عن:
“صباح الخير يا مُشيرة..من المؤكد إنك هتصحي من النوم مش هتلاقيني أنا وبنتك بس علشان أريحك ومطولش عليكي أنا مشيت وسيبتلك الدنيا كلها علشان انا عمري ما أقبل إني أكون بديل ولا أقبل إن مراتي تكون معايا وبتفكر في حد تاني..
الجوابات والصور وصلتلي وشوفتها بعيني وأنا علشان راجل وعندي كرامة كان ممكن أموتك وأرتاح وأريح نفسي، بس أنا خدت بنتي ومشيت وكدا أنا بموتك ألف مرة في اليوم يا مُشيرة وعلى قد ما حبيتك على قد ما كرهت اليوم اللي عيني بصتلك فيه…ورقتك هتوصلك كمان كام يوم..أنتِ طالق يا مُشيرة”
بعد قراءة ذلك الخِطاب صرخت صرخة مدوية أتى على أثرها أفراد العائلة الكبار، أما أبناء العائلة فتم توصيلهم للمدارس
خرجت من شرودها في رحلة الماضي وهي تنظر أمامها بحقدٍ وغضب تِجاه “زينب”، لذلك أقسمت على الإنتقام منها في فرحتها بإبنتها وبزواجها، لذلك قامت بمهاتفة “هدير” لكي تُفكر معها في أخذ حقها منهما.
_________________
في شقة “طه” نظر حوله بهدوء يبحث عنها بعينيه، وحينما رآت زوجته تلك النظرة سألته مُستفسرة:
“بتدور على مين يا طه؟”
إنتبه “طه” لـ سؤال زوجته فقال مُردفًا:
“لأ أبدًا، هي خديجة لسه مجاتش؟”
أومأت له بهدوء ثم قالت:
“أيوا يا طه لسه مجاتش خير؟، دي واحدة مكتوب كتابها وإتعمل إشهار لجوازها معترض على حاجة”
هز رأسه نفيًا ثم قال:
“لأ يا زينب، بس أنا خايف علشان هي مش بتخرج كتير وبتتلغبط دايمًا، خايف بس تخاف زي ما علطول بتخاف هنا”
نظرت له نظرة ذات مغذى إلتقطها هو على الفور، ثم تبعت نظرتها بقولها:
“وهو مين السبب في دا يا طه مش أنتَ؟ مين اللي خلاها جبانة وخوافة كدا مش أنتَ؟ مين اللي علطول يزعقلها لو إتكلمت قُصاد حد مين اللي فهمها إن الخروج عيب وإن الصحاب غلط مش أنتَ يا طه؟”
“دخلتُ حربًا فقط لأجل عيناكِ..ولم تأتني الهزيمة إلا من سواها”
____________
قد تعيش سنوات عُجاف لن تستطع الوقوف بها على قدميك، تُعاني روحك من الظمأ، تشعر حينها وكأن قلبك سُجِنَ بين أضلعه، إلا أن يأتي العوض لكَ، وفجأة يتحرر ذلك السجين ويشبه الفراشة في حريته.
بعد الكلمات التي ألقاها “ياسين” على مسامع “خديجة” يتغزل بها في أعينها، أصابها الخرس مع جحوظ مؤقت في العينين وفمٍ مفتوح ببلاهة من مفاجأة وقع الكلمات على أذنيها، وللحق مرت الكلمات على أُذينها قبل أذنيها، أما هو تصنع الثبات إلا أبعد الحدود، وحينما لاحظ طيلة صمتها أشار بكفه أمام أعينها ثم قال:
“يا ست الكل؟ يا خديجة”
حركت رأسها نفيًا ثم قالت له ببلاهة:
“نـعم”
حاول كتم ضحكته ونجح في ذلك ثم قال:
“نعم؟ كـدا أنتِ إتثبتي”
ثم غمز لها بطرف عينه وهو يبتسم.
خجلت من فعلته تلك وشعرت بالتوتر لكنها سألته مرة أخرى وهي تقول:
“هو أنا سمعت صح؟ ولا دي تَهيُأت؟”
حرك رأسه نفيًا ثم قال:
“لأ يا خديجة سمعتي صح”
أحمرت وجنتيها وزادت حمرتها أكثر من نظرته لها، إلتفت تنظر للجهة الأخرى وهي تأخذ نفسها لعلها تهدأ من فرط توترها، لاحظ حركتها تلك لذلك أشفق على حالها ثم قال:
“أنا أسف لو كنت ضايقتك، بس أنا كنت مجهز الكلام دا أقوله لكِ أول مرة نتقابل فيها بعد كتب الكتاب وبصراحة أنا شخص صريح مش بعرف أخبي مشاعري”
أومأت له مُتفهمة ثم قالت:
“لأ أبدًا متضايقتش ولا حاجة، أنا..أنا بس إستغربت إن الكلام باللغة العربية الفصحى”
تصنع الإندهاش وهو يقول:
“إيه دا هو فيه ناس مبتتكلمش لغة عربية فُصحى”
نظرت له بهدوء ثم قالت:
“الناس كلها بتستغرب من اللي بيحبها، الغريب إن كتير كانوا بيتريقوا عليا لما أتكلمها، أنا بس إستغربت إن فيه حد لسه بيتغزل بيها”
أنهت حديثها ثم سألته مُستفسرة:
“ليه بتتكلم بيها يعني دي مش أول مرة تقولي فيها كلام زي دا؟”
هز كتفيه وهو يتصنع اللامبالاة ثم قال:
“عادي يعني بحبها، بحسها أسهل في التعبير عن المشاعر بصراحة”
كان يكذب عليها ولكنها صدقته من إتقانه في الحديث، فهو على الرغم من جمال كلماته، إلا إنه كان يكره اللغة العربية ولم يستطع التعبير بها.
بعد فترة من الصمت من كليهما، أخذ نفسًا عميقًا ثم قال:
“على فكرة أنا لسه معرفش حاجة عنك..يعني كلميني عنك”
وفي تلك اللحظة تردد على مسامعها حديث “وليد” عن حربها وعن ماضيها، وللوهلة الأولى شعرت بالخوف من أن يتركها من طريقتها كما فعل غيره، تعلم أن الطريق صعب لكن يكفيها المحاول، وعلى الرغم من إضطراباتها وقلقها النفسي إلا أنها لم تظهر عليها الأعراض المُصاحبة لها دائمًا وما ظهر فقط هو سرعة نبضات قلبها، شردت هي في نفسها وفي الاطمئنان الذي إحتل قلبها، كيف حدث كل ذلك كيف من مقابلة واحدة يختفي خوفي، كيف أشعر بالأمان برفقته وعند هذه النقطة إكتشفت أنها أسترسلت معه في الحديث كثيرًا، وهذه على غير عادتها..كان ينظر لها ولقسمات وجهها والتغيرات التي تطرأ عليها وهو يعلم جيدًا بما تُفكر وكيف تُفكر..وفجأة شعرت برجفة بسيطة في كفيها، فتحدثت بصوتٍ مهزوز وهي تقول:
“لـ..لو سمحت هو ينفع أروح؟”
على الرغم من حزنه على تغيرها فجأة لكنه إبتسم مُطمئنًا لها ثم قال:
“طبعًا ينفع، يلا علشان أوصلك”
أومأت له ثم أخذت نفسًا عميقًا لكي تُهدئ به نفسها بينما هو كان ينظر لها ويراقب تصرفاتها عن كثب وحينها قرر قرار لا رجعة فيه.
___________
في منزل آلـ “رشيد” تحديدًا في الطابق الخاص بشقة “مُحمد” كانت “عبلة” جالسة وهي تُفكر في حديث أخيها عن “وليد” وعن حديثه أمام أخويهما، للحق لمست الصدق في حديثه ونظرته، كما ان علاقته بـ “هدير” لم تكن علاقة مُحبذة لتجعل بينهما قصة حب، لذلك إتخذت قرارها ثم قررت أن تُفاتح أخيها في قرارها.
في غرفة “طارق” كان جالسًا على فراشه وهو مُمسكًا صورة بين كفيه، كان ينظر للصورة بعمقٍ ثم أخرج زفيرًا قويًا ثم تبعه بقوله:
“لو كنتي موجودة كانت حاجات كتير إتغيرت، كان زماني كاتب كتابي عليكي زي ما قولتيلي وأنتِ صغيرة إنك هتتجوزيني في نفس يوم جواز خديجة، عارفة كمان إن أنا وهي أكتر أتنين تعبنا بعدك، هي إتلامت بسببك ومعرفتش تقرب من حد وأنا عيشت عمري كله مش قادر أنسى حبي لكِ ولا عارف أشوف غيرك”
قام بتقبيل الصورة ثم نظر لها مرة أخرى، أخرجه من ذكرياته تلك طُرقات على باب غرفته من قِبل أخته “عبلة” قام بوضع الصورة تحت وسادته ثم فرك وجهه بكفيه ليمحي أثار تعبيراته السابقة، ثم قال بصوتٍ أجش:
“أدخــل”
دخلت “عبلة” الغرفة ثم جلست بجانبه على الفراش وهي تنظر له بتفحص ثم قالت:
“أنتَ كنت بتعيط يا طارق ولا إيه؟ ووشك أحمر كدا ليه؟”
تصنع الثبات ونظر لها ثم قال بسخرية:
“أعيط! ليه إن شاء الله ياختي، كل الحكاية إني بفكر في الشغل والمرحلة الجاية، لسه عاوز أحقق أحلام كتير أوي”
هذه هي حُجته الدائمة حينما يأخذه التفكير في رحلة إلى الذكريات الماضية، كانت “عبلة” تعلم أنه يكذب عليها، لذلك لم تريد التطرق إلى الموضوع أكثر من ذلك فقالت بعدما زفرت بعمق:
“ربنا معاك يا حبيبي وتحقق كل اللي بتتمناه، ويجمعك باللي نفسك فيه”
نظر لها فـفهم من نظرتها له أنها علمت فيما كان يفكر قبل دخولها أومأ لها برأسه ثم آمن وراء دعاؤها، أما هي أخذت نفسًا عميقًا وكأنها تُعد نفسها ثم قالت:
“طارق، أنا قررت أدي علاقتي بـوليد فرصة، وهنسى كل اللي فات، حتى الرسالة اللي شوفتها بعيني هعمل نفسي مشوفتهاش أصلًا، بس أنتَ اللي مسؤول قُصادي لو طلع بيكذب عليا”
إعتدل “طارق” في جلسته حتى إقترب منها أكثر ثم سألها بـلهفة قائلًا:
“بجد يا عبلة.. يعني مش هترجعي لأسلوبك الزفت دا تاني معاه؟”
هزت رأسها نفيًا ثم قالت:
“لأ يا طارق بس أنتَ اللي هتضمنلي إنه مش زي ما أنا فاكرة”
إحتضنها “طارق” ثم قال بفرحة عارمة إحتلت نبرة صوته:
أنا هنا أقف في إنتظارك، فقط كُل ما عليكِ فعله هو النظر في عيناي، جودي على روحي بكرمك وأطربي أذاني بموافقتك، كان “وليد” يقف بثبات وكل ما سبق يجول بخاطره تحت نظرات الدهشة والتعجب من الحاضرين، وأول من قطع الصمت هو “طارق” الذي وقف بجانب “وليد” ثم قال بفخرٍ:
“أنا لو لفيت الدنيا كلها عمري ما هلاقي لأختي عبلة زيك يا وليد، ألف مبروك، إيه رأيك يا بابا؟”
ابتسم “محمد” ثم قال:
“أخيرًا نطقتها يا وليد، أنا طبعًا موافق، ومش هلاقي لعبلة في رجولتك ولا في حنية قلبك”
حسنًا لقد تم وضع “عبلة” في خانة اليَك، كيف سترفض بعدما قاله والدها وأخيها، نظرت إلى “وليد” وجدته ينظر لها بخبث وكأنه يتحداها أن ترفض، تحدث “طارق” وهو يقول:
“ها يا عبلة إيه رأيك؟أكيد موافقة”
لماذا تتحدث يا “طارق”، لماذا تضعني في مثل هذا الموقف، نظرت في أوجه الجميع وجدت النظرات مُشجعة لها عدا “هدير” التي أومأت لها سلبًا وكأنها تقول لها:
“لا تقبليه”
أخذت “عبلة” نفسًا عميقًا ثم قالت بهدوء:
“وأنا موافقة”
إنتشرت الزغاريد للمرة التي نسىْ الجميع عددها، فقامت “سُهير” والدة “عبلة” ثم أحتضنتها وهي تبارك لها وكذلك شباب العائلة يباركون لـ”وليد” و “طارق” معًا، كل هذا و”خديجة” تبتسم بحب لفرحة توأم روحها كما يطلق الجميع، كان “ياسين” ينظر لفرحتها بحب، وتمنى لو أنها فرحت لنفسها بتلك الطريقة، لكن لا بأس أنا هنا، أعدكِ أنني من سيجعل البسمة لا تُفارق شفتيكِ، ووسط إنشغال الجميع بالمباركات، مال على أذنها وهي غير منتبهة له ثم قال:
“اللهم صلي على النبي، دا الواحد قلبه بيرقص علشان إبتسامتك الحلوة دي”
حركت رأسها بقوة بإتجاهه ثم نظرت له بقوة، غمز لها ثم قال:
“إيه يا خديجة مالك بس، مش أنتِ مراتي برضه ولا أنا كتبت كتابي على حد تاني”
نظرت أمامها مرة أخرى دون تعقيب وهي تحاول كتم إبتسامتها لكنها فشلت، نظر لها فوجدها تبتسم، ابتسم تلقائيًا لبسمتها، لفت إنتباهه “وليد” بعدما كان شاردٌ بها وهو يقول:
“ألف مبروك يا ياسين، بقينا عرسان زي بعض”
ضحك “ياسين” ثم احتضنه وهو يقول:
“قولي بقى إيه حكايتك معرفتنيش المفاجأة دي ليه؟”
وهما على نفس وضعيهما قال “وليد”:
“دي حكاية كبيرة أوي، بس هحكيلك تفاصيلها”
خرجا من حضن بعضهما البعض، فقال”وليد”:
“المهم دلوقتي بعد تلبيس الدبل الشباب مستنيين تحت علشان نفرح سوا”
أومأ له “ياسين” فتركه “وليد” ثم ذهب إلى “عبلة” وقف جوارها ثم قال بصوتٍ منخفضٍ:
أنا هنا أقف في إنتظارك، فقط كُل ما عليكِ فعله هو النظر في عيناي، جودي على روحي بكرمك وأطربي أذاني بموافقتك، كان “وليد” يقف بثبات وكل ما سبق يجول بخاطره تحت نظرات الدهشة والتعجب من الحاضرين، وأول من قطع الصمت هو “طارق” الذي وقف بجانب “وليد” ثم قال بفخرٍ:
“أنا لو لفيت الدنيا كلها عمري ما هلاقي لأختي عبلة زيك يا وليد، ألف مبروك، إيه رأيك يا بابا؟”
ابتسم “محمد” ثم قال:
“أخيرًا نطقتها يا وليد، أنا طبعًا موافق، ومش هلاقي لعبلة في رجولتك ولا في حنية قلبك”
حسنًا لقد تم وضع “عبلة” في خانة اليَك، كيف سترفض بعدما قاله والدها وأخيها، نظرت إلى “وليد” وجدته ينظر لها بخبث وكأنه يتحداها أن ترفض، تحدث “طارق” وهو يقول:
“ها يا عبلة إيه رأيك؟أكيد موافقة”
لماذا تتحدث يا “طارق”، لماذا تضعني في مثل هذا الموقف، نظرت في أوجه الجميع وجدت النظرات مُشجعة لها عدا “هدير” التي أومأت لها سلبًا وكأنها تقول لها:
“لا تقبليه”
أخذت “عبلة” نفسًا عميقًا ثم قالت بهدوء:
“وأنا موافقة”
إنتشرت الزغاريد للمرة التي نسىْ الجميع عددها، فقامت “سُهير” والدة “عبلة” ثم أحتضنتها وهي تبارك لها وكذلك شباب العائلة يباركون لـ”وليد” و “طارق” معًا، كل هذا و”خديجة” تبتسم بحب لفرحة توأم روحها كما يطلق الجميع، كان “ياسين” ينظر لفرحتها بحب، وتمنى لو أنها فرحت لنفسها بتلك الطريقة، لكن لا بأس أنا هنا، أعدكِ أنني من سيجعل البسمة لا تُفارق شفتيكِ، ووسط إنشغال الجميع بالمباركات، مال على أذنها وهي غير منتبهة له ثم قال:
“اللهم صلي على النبي، دا الواحد قلبه بيرقص علشان إبتسامتك الحلوة دي”
حركت رأسها بقوة بإتجاهه ثم نظرت له بقوة، غمز لها ثم قال:
“إيه يا خديجة مالك بس، مش أنتِ مراتي برضه ولا أنا كتبت كتابي على حد تاني”
نظرت أمامها مرة أخرى دون تعقيب وهي تحاول كتم إبتسامتها لكنها فشلت، نظر لها فوجدها تبتسم، ابتسم تلقائيًا لبسمتها، لفت إنتباهه “وليد” بعدما كان شاردٌ بها وهو يقول:
“ألف مبروك يا ياسين، بقينا عرسان زي بعض”
ضحك “ياسين” ثم احتضنه وهو يقول:
“قولي بقى إيه حكايتك معرفتنيش المفاجأة دي ليه؟”
وهما على نفس وضعيهما قال “وليد”:
“دي حكاية كبيرة أوي، بس هحكيلك تفاصيلها”
خرجا من حضن بعضهما البعض، فقال”وليد”:
“المهم دلوقتي بعد تلبيس الدبل الشباب مستنيين تحت علشان نفرح سوا”
أومأ له “ياسين” فتركه “وليد” ثم ذهب إلى “عبلة” وقف جوارها ثم قال بصوتٍ منخفضٍ:
إذا كان بعض الأشياء لا تأتي سوى بالخدعة..إذًا أنا حاوي.
_____________
من الصعب أن تفرض عليك الحياة بعض الطرق وتجبرك على إجتيازها، كما أنه من الصعب أن تجمعك بعلاقات يَصعُب عليك التخلص منها، كعلاقة بعض الأقارب السامة كما علاقة المزعومة “هدير” بأفراد عائلتها،
قَص “وليد” ما ينوي فعله مع “عبلة” و “هدير” على “طارق” فتحدث “طارق” بدهشة قائلاً:
“إيه الدماغ دي يا وليد؟ بس كدا عبلة مش ممكن تزعل؟”
نظر له “وليد” بسخرية ثم تحدث قائلًا:
“نعم يا أخويا ! خايف على زعل أختك وهي لما زعلتني كل الفترة اللي فاتت دي كان عادي يعني؟”
تحدث “طارق” بضيق وهو يقول:
“مش عارف بقى يا وليد المهم أنتَ متأكد من اللي هتعمله دا؟”
أجابه بثقة ممزوجة بمزاح:
“جدًا يا طارق يا أنا يا هدير”
رد عليه “طارق”:
“طب وهتعمل إيه مع هدير بعد كدا؟”
بنفس ثقته قال:
“لأ أنا مش هعمل مع هدير حاجة، هي اللي هتعمل كل حاجة”
ربت “طارق” على كتفه ثم قال:
“خليك فاكر إن هما بنات عمك يعني أخواتك يا وليد، حتى لو هدير غلطانة في الأول والأخر هي مننا يعني مش هينفع نأذيها”
أومأ له “وليد” ثم قال:
“أنا عارف يا طارق متقلقش، أنا بس عاوز أثبت براءتي قصاد الجاموسة أختك مش أكتر”
وكزه “طارق” في يده بقوة ثم قال معنفًا له:
“ما تحترم نفسك يا وليد، متنساش إني أخوها”
ابتسم “وليد” بإستفزاز ثم قال:
“ماشي يا طارق حقك على راسي، مرضي كدا؟”
أومأ له “طارق” ثم قال:
“قُم يلا بس كلم أحمد علشان منتأخرش أكتر من كدا على وئام”
أومأ له “وليد” ثم تركه ليجلب هاتفه لكي يحادث “أحمد” هاتفيًا، بينما “طارق” نظر في أثره وهو يشعر بالفخر لكونه مُحاربًا في حب “عبلة”.
__________
في الصباح وصل “ياسين” مقر عمله، وعلى الرغم من كونه شخصًا إجتماعيًا إلا إنه قليل الإختلاط بزملاء العمل، وذلك لشدة تعلقه بعالمه الخاص المكون من أصدقائه ووالديه و”ميمي” ومؤخرًا أصبحت “خديجة” جزء من هذا العالم الذي يسعى “ياسين” بكل طاقته لكي تكون محور هذا العالم، دخل مكتبه فوجد زملاءه بالمكتب ينظرون له بطريقة غريبة أثارت ريبته ولكنه لم يبالي كثيرًا وشرع في عمله، وبعد مرور دقائق قليلة، وقف أحد زملائه في منتصف الغرفة ثم أطلق صفيرًا عاليًا كإشارة ما، أتى على أثرها جميع العاملين بالشركة بأوجه بشوشة وبسمة كبيرة تعتلي ملامح وجوههم، نظر “ياسين” بتعجب للجميع، فتحدث “سامح” رئيس القسم الذي يعمل به “ياسين” قائلًا:
“ألف مليون مبروك يا بشمهندس ياسين، ربنا يتمم فرحتك بخير، مع إننا زعلانين إنك معزمتناش، بس حصل خير تتعوض في الفرح الكبير”
نظر “ياسين” بتعجب حوله ثم نظر في أوجه الجميع مرةً أُخرى ثم قال:
“الله يبارك فيك يا أستاذ سامح، بس أنا مش فاهم حاجة”
ضحك الجميع على موقف “ياسين” فتحدث “أيمن” زميل “ياسين” في المكتب قائلًا:
“يا سيدي عرفنا إنك خطبت من إسبوع كدا، وعرفنا كمان إن كتب كتابك يوم الخميس الجاي رغم إنك معزمتش حد فينا ولا عرفتنا بموضوع خطوبتك دا بس إحنا برضه أجدع منك”
شعر “ياسين” بالإحراج فقال بهدوء:
“أنا متأسف جدًا يا جماعة، كل حاجة جت بسرعة والله، حتى كتب الكتاب ليه ظروف عائلية خاصة في عيلة العروسة، بس إن شاء الله تتعوض في الفرح بإذن الله”
تحدث “سامح” قائلًا:
“متقولش كدا يا ياسين إحنا كلنا هنا واحد وفرحتنا بيك أكبر من أي حاجة، ألف مبروك مرة تانية”
رد عليه “ياسين” بإمتنان نتيجة لتقديره للموقف قائلًا:
“أنا متشكر لحضرتك جدًا يا أستاذ سامح، بس أنا عندي سؤال صغير حضراتكم عرفتوا منين؟”
أجابه “محمد” أحد الشباب العاملين بالشركة قائلًا:
“عامر صاحبك يا سيدي هو اللي قالنا في الجروب اللي كان عمله علشان فيديوهات عيد ميلادك”
لماذا كل المصائب في حياتي تأتي من تحت رأس هذا الأبله، لماذا يضعني دائمًا في محل الإحراج أمام الجميع، هكذا حدث “ياسين” نفسه بعدما شرد في حديث الجميع، أنتبه على حديث “سامح” وهو يقول:
“طب يا ياسين بالمناسبة دي، أنتَ أجازة يوم الأربع والخميس”
رد عليه” ياسين” بإمتنان قائلًا:
“متشكر لحضرتك جدًا بس ملهوش لزوم يعني أنا محتاج الأجازة الخميس بس”
رد عليه “سامح” مُعقبًا:
“براحتك يا ياسين، المهم إنك تكون مرتاح، ومبروك مرة تانية”
أومأ له “ياسين” ثم أستقبل التهنئات والمباركات من الجميع، وبعد مرور دقائق قليلة جلس “ياسين” على مكتبه وهو يشعر بالصداع النصفي يهاجم رأسه، أرتاح قليلًا ثم أخرج هاتفه لكي يحادث “عامر”، اتصل به لكنه لم يرد عليه، حاول مرارًا وتكرارًا لكن دون فائدة، وأخيرًا قام بإرسال رسالة صوتية عبر تطبيق “واتساب” وهو يقول:
“رُد عليا يا عامر بدل ما أخلي أمك تترحم عليك النهاردة”
نظر للهاتف في يده وجد علامات إستقبال الرسالة باللون الأزرق كإشارة على سماعه لتلك الرسالة، انتظر “عامر” حتى يرسل له لكنه لم يفعل، فقام “ياسين” بإرسال رسالة أُخرى وهو يقول فيها:
“يا عامر متخلنيش أرمل سارة قبل ما تتجوزك”
وأيضًا سمع الرسالة دون إرسال رد عليها، فنفخ “ياسين” وجنتيه ثم ترك الهاتف من يده وهو يتوعد لـ “عامر”.
هل يمكن أن تعطينا الحياة ما نريد دون أي مجهود يصدر منا؟ هل كل ما يدور بالعقل من أحلام يتم تحقيقه في الواقع، كيف يأتي من يتقبلك كما أنتَ حتى وإن كان لا يعلم عنك شيئًا، كل هذه الأسئلة كانت تدور برأس “خديجة” بعد مكالمته لها، وبعد تلك الرسالة التي أرسلها لها..
وبعدما كانت على وشك النوم جفاها النوم وفَر بعيدًا ألم يكفي إضطرابات نومها ليأتي هو ويزيدها بأفعاله تلك، كانت تنظر للرسالة بعمق دون تصديق أن أحدهم أرسل رسالة كهذه لها، بعد ما يقارب خمسة عشر دقيقة من التحديق في الرسالة، وجدت نفسها تبتسم شيئًا في شيء..
قامت بتسجيل رقمه على هاتفها ثم ارتمت على فراشها وهي تنظر لسقف الغُرفة دون جدوى، وعلى الرغم من السعادة البادية على ملامحها إلا أن هناك شيئًا بداخلها يثير القلق والتوتر والخوف مما هو قادم.
أما “ياسين” بعدما أغلق الهاتف حتى لا يزيد من تهوره، قام بفتحه مرةً أخرى، قام بفتح المحادثة الخاصة بها وبمجرد فتحه المحادثة ابتسم بعذوبة حتى أوشك فمه على التوقف عند هذه الحالة والسبب في ذلك هو ظهور صورتها بعدما قامت بتسجيل رقمه، قام بالضغط على الصورة لكي يراها بوضوح، كانت الصورة لها في شرفة شقتهم وسط الزرع الموضوع بها، وكان وجهها هاديء وملامحها بها براءة كبيرة تجعلك تغرق في تفاصيلها، على الرغم من أن ملامحها عادية تُشبه غيرها من الفتيات، فهي فتاة متوسطة الطول، جسدها متوسط الوزن كغيرها من الفتيات لكنها دائمًا تُخفيه تحت ملابسها الفضفاضة، أعينها بُنية مُختلطة باللون العسلي، بشرتها متوسطة اللون، يُقال عنها:” بشرة خمرية” لكن على الرغم من ذلك يوجد بها شيء مميز يجعل القلب يشعر بالراحة تجاهها، قام “ياسين” بتكبير الصورة ليغرق في تفاصيل ملامحها أكثر، وفجأة عنف نفسه ثم هز رأسه بقوة وهو يقول:
“لأ لأ أستغفر الله العظيم، في إيه يا ياسين، وبتقول مش مراهق، دا أنتَ غلبت العيال بتوع ثانوي”
قال جملته ثم قام بإلتقاط الشاشة على صورة “خديجة” وأغلق الهاتف بعدها، ثم قام وأمسك دفترها ليقرأ ما تم تدوينه به من قِبلها.
______________
في شقة “خالد” بعدما أوصل الفتيات إلى منازلهم وجلس برفقة والدته وأخته ثم أخذ أسرته وعاد إلى بيته، عند دخولهم الشقة كانت زوجته مُتزمرة بعض الشيء، لكنه لم يعلم السبب، فسألها بهدوء:
“مالك يا ريهام؟ شكلك متضايقة في حد زعلك؟”
هزت رأسها نفيًا وهي تُجبر شفتيها على الإبتسام ثم قالت:
“لأ مفيش يا خالد، أنا كويسة”
نظر لها مُتفحصًا ملامح وجهها ثم قال:
“لأ يا ريهام شكلك مش كويس خالص، لو فيه حاجة زعلتك قوليلي، لو إيمان قالتلك حاجة ضايقتك قوليلي برضه”
كان على ثقة تامة من نفيها حديثه عن أخته، فهو يعلم درجة قربهما من بعضهما، كما أن “ريهام” لم تكن بفتاةٍ خبيثة لكي تؤثر على علاقته بأخته، بل دائمًا تسعى لتقربهما سويًا، كل ما دار بخلده تأكد منه حينما قالت:
“لا محدش زعلني ولا إيمان حتى، عن إذنك هنيم يونس علشان بقاله كتير نايم على دراعك”
قالت جملتها ثم أخذت الصغير من بين ذراعيه وذهبت من أمامه، نظر في أثرها مُندهشًا، لكنه قرر أن يتواصل مع أخته، أخرج هاتفه وطلبها على الخط الأرضي لأنه يعلم أنها في ذلك الوقت تتحدث مع “ياسر” وجرت الأمور كما خطط لها وردت أخته على الهاتف مُتعجبة وهي تقول:
“خالد! بتتصل ليه دلوقتي وليه على الأرضي؟”
تنهد بأريحية قم قال:
“علشان عارف إنك بتكلمي روميو دلوقتي يا ست چوليت، المهم عاوز أسألك على حاجة”
ردت عليه بجرأة تليق بشخصيتها معه:
“ما أكلمه مش جوزي ولا إيه؟ المهم عاوز إيه؟”
رد عليها مُعقبًا:
“ماشي وحياة أمي هوريكي صبرك عليا بس، المهم هو حصل حاجة زعلت ريهام النهاردة؟يعني حد ضايقها؟”
هزت كتفيها كأنه يراها ثم قالت بعدم معرفة:
“مش عارفه والله يا خالد، بس في المُجمل لأ محدش زعلها”
زادت حيرته أكثر فقال:
“غريبة، أومال مالها في إيه، شكلها متغير أو زعلانة”
توصلت “إيمان” لطرف الخيط فقالت بهدوء:
“أنا عارفة مالها يا خالد، بس من غير ما تتعصب”
رد عليها مُعقبًا:
“وأنا هتعصب ليه، قوليلي بس مالها؟”
أجابته “إيمان” قائلة:
“ريهام مراتك طيبة أوي يا خالد أقل حاجة ترضيها، بس النهاردة مع ياسر وعامر والجو اللي عملوه دا خلاها حست إنك مش مهتم بيها، أو إنك مبتحبهاش خصوصًا إن جوازكم كان صالونات”
سألها مُستفسرًا:
“يعني إيه مش فاهم؟”
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت:
“يعني عرفها إنك بتحبها يا خالد، وإنك غصب عنك من الضغوطات مش بتعرف تعبر، صدقني هي بنت حلال وتستاهل كل خير”
فهم مقصد أخته فقال بهدوء:
“تمام يا إيمان، أنا كدا فهمت خلاص روحي نامي أنتِ وأنا هظبط الدنيا متقلقيش”
ضحكت بِخفة ثم قالت:
“أنام إيه يا بابا بكرة الجمعة والواد أجازة، هروح أكلمه”
شعر بالضيق من من جرأتها فقال:
“ما هي الغلطة مش غلطتكم، الغلطة غلطتي أنا إني وافقت على الجوازة دي، صبركم عليا أنتِ وعنتر زمانه دا”
ضحكت لكي تُثير إستفزازه ثم قالت بطريقة مائعة مُتصنعة:
“ياربي على الحقد مالي قلوب الناس، سلام يا خالود هروح أكلم ياسوري”
قالت جملتها ثم أغلقت الهاتف في وجهه دون إنتظار إجابة منه، أما هو فنظر للهاتف بتعجب ثم قال:
من أكثر ما يُعيق حركة الإنسان و تحركه هو الخذلان، فتصبح كأنك كطيرٍ كان يتمتع بالحرية ثم وقع في بئرٍ عميق، هكذا شعر الجميع بعد بيت الشِعر الذي ألقاهُ عامر على مسامعهم، فقط خذلان، فأصيب جميعهم بجحوظ في العينين و الصمت نظر «عامر» في أوجه الجميع ليرى نتيجة قوله وعندما لم يأتيه ردًا منهم قال:
“إيه رأيكم يا جماعة، عالمي صح؟ سارة إيه رأيك”
لم يتفوه أيًا من الواقفين بحرفٍ واحدٍ، بينما نظروا جميعهم إلى «سارة» التي قفزت من الفرحة مرة أخرى وهي تقول:
“تُحفة يا عامر، بجد أحلى حاجة سمعتها في حياتي”
حقًا الطيور على أشكالها تقع، هذا هو ما ظنه الجميع، فأول من تحدث بعد الصمت كان «ياسر» حينما قال:
“دا تُحفة دا، أكيد في حاجة غلط، دا لو بيحب سوبر ماركت مش هيكتبله بيت الشِعر دا”
ضحك الجميع على حديث «ياسر» بينما «عامر» نظر له بسخرية ثم قال:
“قُل إنك بتحقد عليا، علشان مش عارف تكتب بيت شعر زي دا، أتحدى واحد فيكوا يعرف يكتب نص اللي كتبته”
نظر «ياسر» للجميع غير مُصدقًا لما يدور حوله ثم قال:
“يا بني أنتَ جايب الثقة دي منين؟”
تدخل «خالد» قائلًا:
“سيبك أنتَ من كدا، الشِعر عجبها إزاي بجد؟”
ردت عليهم «سارة» بتعجب:
“أيوا يا جماعة دا رهيب بجد، ماشاء الله ربنا يحفظه ويحميه”
هز «ياسين» رأسه بقوة ثم قال مندهشًا:
“لأ دا أكيد عالم موازي دا بجد، أو دي أحلام العصر”
اعتدل «عامر» في وقفته لتزداد شموخًا ثم قال:
“أنا مش فاهم حقدكم دا إيه سببه بجد، وأتحداكوا واحد فيكوا يقول شِعر جامد زي دا”
ضحك الجميع عليه و على ثقته الزائدة بنفسه، فتحدث «ياسر» قائلًا:
“يا سلام أوي أوي، عاوز بيت شِعر حاضر”
تدخل «خالد» قائلًا:
“متتهورش يا ياسر، علشان أقسم برب الكعبة أنا عندي استعداد أرميكوا برة كلكوا”
ردت عليه «ريهام»:
“ما تهدى يا خالد أنتَ علطول متعصب كدا؟”
أجابها قائلًا:
“يعني أنتِ مش شايفة شغل الهبل، دول ناس قربوا على ال٣٠”
ضحك «ياسين» ثم قال:
“يا عم سيبهم دا عيد ميلاد متنكدش عليهم، قُل يا ياسر يلا”
ضحك «ياسر» ثم قال بفرح:
“الله يكرم أصلك يا ياسين”
قال جملته ثم التفت إلى «إيمان» نظر في أعينها بقوة وحب ثم قال:
“إيمان هو إزاي الطب إتقدم سنين قدام و مقدرش يجمع ضحكتك الحلوة في شريط برشام؟”
خرج تصفيقًا حارًا من «ياسين» بينما «خالد» نظر بإشمئزاز لهما ثم قال:
“ورب الكعبة لأبلغ عنكم وزارة الثقافة”
ردت عليه «إيمان» بسعادة بالغة تعتلي ملامح وجهها قائلةً:
“لأ يا خالد بجد دا جميل أوي، دا طلع مش بس دكتور، لأ كمان شاعر”
رد «ياسين» بسخرية قائلًا:
“على العموم هي أذواق والله”
ثم وجه حديثه لـ «عامر» قائلًا:
“قولي بقى يا فنان إيه رأيك”
قال «عامر» بتكبر:
“مش بطال”
ضحك الجميع عليه فقال «عمار» شقيقه:
“بقولك إيه يا عامر، لبسها الخاتم اللي أنتَ جايبة ليها مفاجأة علشان عندي درس و عاوز آكل جاتوه قبل ما أمشي”
اعتلت الدهشة ملامح الجميع من حديث «عمار» بينما قال «خالد»:
“يا أخي ربنا يخلصني منك أنتَ وأخوك في ساعة واحدة، أنتَ غبي يلا؟”
رد عليه «عمار» بضجرٍ:
“أعمل إيه يا خالد مش فاضي للجو بتاعكوا دا، خلصونا من الليلة دي”
نظر له «عامر» بشر ثم قال:
“أنا فعلًا هخلصك بس مش من الليلة دي لأ، أنا هخلصك من حياتك كلها”
قال جملته ثم ركض خلف أخيه، أمسكه ثم ضربه في كتفه بغيظ وهو يقول:
” يا أخي حرام عليك، دي الحاجة اللي كنت هختم بيها اليوم”
ضحك الجميع عليهما، فاقترب «ياسين» منهما وهو يضحك ثم حرر «عمار» من قبضة «عامر» وهو يقول:
“خلاص يا رجالة أنتم أخوات عيب كدا”
وقف«عمار» خلف «ياسين» وقبل كتفه ثم قال:
“الله يباركلك يا رجولة”
رد عليه «ياسين»:
“اخرس أنتَ خالص”
تحدث «خالد» قائلًا:
“بقولك إيه يا عامر، خلاص اعتبرنا منعرفش إنك معاك خاتم وإحنا هنتفاجأ، وهي كمان”
أيده الجميع بينما قالت«سارة»:
“أيوا صح أنا هعمل نفسي مش واخدة بالي”
وافقهم «عامر» ثم نظر لأخيه قائلًا:
“حسابي معاك في البيت، أنا هربيك”
رد عليه «ياسر»:
” مش لما تكون متربي أنتَ الأول”
انتشرت الضحكات والقهقهات عاى مزاح الشباب، في جو مليءٌ بالمرحِ والسعادة.
_______________
في منزل آلـ «رشيد» تحديدًا في شقة «طه» كان «وليد» يقنع عمه بأمر عقد القران، فتحدث «طه» قائلًا:
“أنا مش فاهم هو مستعجل ليه كدا؟ يعني إيه كتب الكتاب الأسبوع الجاي”
رد «وليد» مُبتسمًا نتيجة الفرحة التي تضج بأحشائه قائلًا:
“يا عمي إيه اللي يخلينا نأجل الموضوع طالما كل حاجة ماشية تمام، الشقة و شوفتها وأطمنت، الولد سألنا عليه وطلع أخلاقه مفيش منها، قولي بقى إيه اللي يقلق”
قد تظن أن هناك نجم لم يكتب من حظك، ولكنك لاتدري لعلك موعود بالقمر، هكذا كانت تظن وهي تتلمس الخواتم، نظرت له مرة أخرى رأت في أعينه لمعة غريبة لا تخرج سوى من قلب محب، أما عن العبارة التي كتبها بداخل العلبة فهي أسرت قلبها، ولكن ما غلب تفكيرها هو أن ذلك لم يكن سوى فخٌ صُنع لها، فكيف يأتي شخص غريب عنها لم يعرفها ويعاملها بتلك الطريقة،في نفس الوقت الذي يعاملها الجميع أنها شخص فاشل لم يستطع النجاح في أي شيء في الحياة حتى تكوين الصداقات، كان جميع من حولهم يشعر بالفرحة عدا بعض الحاقدين عليها، ادخلت الخاتم في اصبعها بهدوء وأعطته العلبة لكي يفعل المِثل، وبعد ثوانٍ انتشرت الزغاريد والمباركات من الجميع،اقترب ياسين منها وهو يبتسم ثم قال:
“ألف مبروك يا خديجة، عقبال ما تكون إيدك الشمال”
نظرت له مُتعجبة فوجدته، يغمز لها بطرف عينه، مما جعل وجنتيها تلتهب بالإحمرار،و أطرقت برأسها للأسفل، أما هو فـ حمحم بإحراج ثم انشغل بمباركات الشباب، أقتربت لها «عبلة» لكي تقوم بتهنئتها، وجدت خديجة ترتعش ومتعرقة بشدة، فأخذتها ودخلت بها الغرفة، وتتبعها الفتيات، جلست خديجة على الفراش وهي تأخذ نفسها بعمقٍ، سألتها «عبلة» مستفسرة:
“مالك يا خديجة، خايفة كدا ليه؟”
تدخلت «هدير» قائلة:
“مالها ماهي كويسة أهيه طبيعي تتوتر شوية يعني”
رد عليها «عبلة»:
“لأ مش بالطريقة دي، على العموم هي هديت دلوقتي، حتى ضربات قلبها هديت شوية”
جلست «عبلة» و «هدير» على الأريكة بالغرفة، أما «خديجة» فنظرت للخاتم بإصبعها ثم لمست بأطرافه حروف إسمه وهي تتذكر جملته، وعند تذكرها لغمزة عينيه وضعت كفها على صدرها ظنًا منها أن بتلك الطريقة ستهدأ ضرباته.
_______________
في الخارج وقف «وليد» بجانب «ياسين» ثم قال له بصوتٍ خفيض:
“أنا مش عارف أقولك إيه بجد، أنتَ كل يوم بتخليني أفتخر بك أكتر”
ربت «ياسين» على كتفه ثم قال:
“قولتلك متقولش كدا، أنا عاوزك بس تحافظ على الأمانة لحد ما تجيلي”
ضحك «وليد» ثم قال:
“هي خلاص بقت أمانة عندنا؟”
أومأ له موافقًا ثم قال:
“المهم بكرة هنروح نشوف الشقة، أنا مش ورايا شغل بكرة غير ساعتين الصبح، أنتَ بقى مهمتك تجبها مع أهلها”
أومأ له «وليد» ثم قال:
“متقلقش أنتَ، أنا أسف كان المفروض تقف تتكلم معاك بس هي مبتعرفش تتعامل مع حد غريب”
ابتسم له «ياسين» ثم قال:
“لأ عادي، طبيعي إنها تكون متفاجئة من اللي حصل النهاردة متنساش بس معادنا بكرة”
تم توديع عائلة «ياسين» و عائلته من قِبل عائلة «الرشيد»، ثم جلس بعدها الجميع في شقة «طه» يتحدثون في أمر الخِطبة وعقد القران، فتحدث محمود قائلًا:
“ماشاء الله يا طه ربنا يبارك فيه شاب أخلاقه عالية، يستاهل خديجة فعلًا، ويستاهل هدوئها”
ابتسم «طه» برضا ثم قال:
“دي حقيقة يا محمود وبصراحة على الرغم إن الموضوع ماشي بسرعة بس أنا مطمن له وكمان أستاذ سالم جارنا عارفهم ومطمني”
وافقه الجميع في الحديث مع الدعاء لهم وتمني إتمام الأمور بخير، في غرفة «خديجة» كانت الفتيات بأجمعهم يجلسن سويًا كانت خديجة شاردة أمامها، ولم تتحدث بحرفٍ واحدٍ، نظرت لها هدير متفحصة ثم قالت بخبث:
“بس مش سهلة برضه أنتِ يا خديجة، يعني كلنا جايين على أساس تعارف وقراية فاتحة، طلعت في الأخر خطوبة وكمان اتفاق على كتب كتاب”
نظر لها جميع من بالغرفة، أما «خديجة» إبتسمت بسخريةً فهي كانت متوقعة أن هدير لن تصمت أكثر من ذلك دون أن ترمي بحديثها اللازع، فقالت:
“أنا مكونتش أعرف كل دا يا هدير أنا زيي زيكم كلكم، والدِبل دي أنا إتفاجأت بيها مكنتش أعرف عنها حاجة”
نظرت لها«هدير» بغير تصديق ثم قالت:
“حصل خير يا خديجة، أنا بس بعرفك إننا فاهمين كل حاجة”
صمتت «خديجة» ولم تتحدث فردت «عبلة» قائلة:
“خلاص يا هدير في إيه، المهم إنها اتخطبت، ربنا يسعدها”
ثم نظرت لخديجة وقالت:
“بس إيه يا عم الدِبل الحلوة دي، وكمان الإسم محفور عليها، إحنا مش بنحسد، إحنا بنقر بس”
ضحك جميع من بالغرفة على حديث عبلة على عكس خديجة التي نظرت لذلك الخاتم الذي يزين إصبعها.
_____________
في سيارة «ياسين» تحدثت والدته قائلة:
“بس مقولتليش يا ياسين إنك هتلبسها الدِبلة النهاردة، غريبة يعني”
نظر لها في مرآة السيارة ثم قال:
“أنا مكنتش عامل حسابي والله برضه، بس إتفاجأت بالشباب مجهزين الدِبل حتى هما اللي نقوها مش أنا”
تدخل والده قائلًا:
“يعني إيه مش أنتَ اللي جبت الدِبل دي”
حرك رأسه نفيًا ثم قال:
“لأ دي هدية منهم، يعني هما شافوا إنهم مش هيكونوا معايا قالوا دا يكون تعويض ليا، وبالنسبة لشكل الدِبل دا ذوق عامر”
ردت عليه والدته قائلة:
“ربنا يديم وجودكوا و يحفظكوا لبعض يا رب، بس الواد عامر دا بيفهم الدِبل شكلها حلو أوي”
تعجب من حديثها فقال:
“مين دا اللي بيفهم؟ عامر؟ والله أنتِ غلبانة يا ماما”
رد عليه والده وهو يضحك:
“دا فهمي أمنيته في الحياة عامر وعمار يتجوزوا علشان يرتاح منهم”
ضحك ياسين ووالدته على حديث والده، وبعد فترة قليلة من القيادة، أوصل ياسين والديه ثم تركهم وذهب إلى منزل «ميمي»، دخل ياسين الشقة وجد أصدقائه في إنتظاره، وبمجرد اقترابه منهم صدح صوت صفير عامر وتصفيق حار من الباقي، لم يندهش ياسين فهو متوقع ذلك منهم نظر لهم وهو مبتسم، فأول من تحدث كانت «ميمي» حينما قالت:
حتى وإن كانت المعركة صعبة سأتحمل لأجلك..لأنكِ تستحقين
_______________
وفي اليوم التالي أخبر “ياسين” عائلته بموافقة “خديجة” على عقد القران وسط فرحتهم العارمة بإبنهم الوحيد كانت”زُهرة” سعيدة للغاية ووجهها مُبتهج، وتم الاتصال بين والد “ياسين” و والد”خديجة” على أن يتم الإتفاق الرسمي في منتصف الأسبوع، تحدث “ياسين” مع أصدقائه لكي يتقابل معهم في منزل “ميمي” لكي يلقي هذا الخبر على مسامعهم لكي يرى فرحتهم به كونه الضلع الأخير الذي سيتزوج في هذا المُربع، في منزل آلـ “رشيد” اجتمع “طه” مع أخوته في الطابق الأول لكي يخبرهم بمعاد مقابلة ياسين ووالديه، بارك له أخوته جميعهم ونظرات الفرحة في أعين الجميع عدا “مُشيرة” التي شردت أمامها وأول من رأى تغيرها هو “مرتضى” والد “وليد” فتحدث قائلًا:
“إيه يا مُشيرة سرحتي فين؟ مش هتباركي لطــه؟”
لفت حديثه إنتباه الجميع فنظروا إليها، توترت عند نظرتهم لها فقالت بتوتر جليّ على ملامحها:
“ها.. مبروك يا طه ربنا يفرحك بيها إن شاء الله”
رد عليها بهدوء:
“الله يبارك فيكِ يا مُشيرة، تسلمي”
تحدث “محمود” شقيقه الأكبر قائلًا:
“وهما هيجوا إمتى يا طه؟”
تحدث “طه” بهدوء:
“بعد يومين إن شاء الله يا محمود، وطبعًا لازم تكونوا موجودين معايا أنتم أعمامها ولازم تحضروا”
تم الاتفاق بين الأخوة على حضور الاتفاق في الموعد المحدد والتحدث عن تفاصيل الزيجة مع دعائهم بالتوفيق وإتمام الأمور بخير.
_____________________
بعد انتهاء “ياسين” من عمله ذهب إلى منزل “ميمي” لكي يجلس معها برفقة أصدقائه أخذ معه بعض الحلويات والعصائر كتعبيرًا منه عن فرحته، وصل قبل أصدقائه وجلس برفقة “ميمي” قَص عليها ما حدث مع “خديجة” ولكنها لم تتحدث فقط كانت تنظر له وهي مبتسمة وعندما طال صمتها تحدث وقال:
“في إيا ميمي هو أنا بحكيلك علشان تسكتي كدا؟ قولي أي حاجة طيب”
حركت رأسها للجهة الأخرى بإتجاههِ ثم قالت:
“عاوزني أقولك إيه طيب؟”
حرك كتفيه وقال:
“قولي أي حاجة، قولي أنا صح ولا غلط في قراراتي دي، قولي طيب الكلام اللي قولته ليها كان غلط وتسرع مني ولا لأ؟”
ابتسمت له وقالت:
“لأ دا مش تسرع منك ولا حاجة واحدة زيها بتخاف من حاجات كتير أنتَ محتاج تكون جنبها وتطمنها، ودا مش هينفع وأنتَ خطيبها، بس قولي إيه اللي خلاك تاخد قرار كتب كتاب وتقول لوليد إنك مش عاوز تاخد ذنوب فيها؟”
رد عليها مُردفًا:
“لما ندى أخت ياسر جالها عريس ساعتها صمم إنه يكتب الكتاب على الرغم من إنه كان يدوب لسه يعرفها، ساعتها ياسر رفض وكان مصمم على الخطوبة بس، ساعتها “وحيد”دا لما قعدنا معاه قالنا إنه مش هيقدر يشيل ذنب الخطوبة وإن الخطوبة ممكن بسببها ربنا ميباركش في الموضوع، ساعتها أنا استغربت أوي الموضوع ولما دورت عرفت إن فعلًا الخطوبة ليها ضوابط كتير ولما كتب الكتاب ساعتها قالنا إنه من أول مرة شافها أتمناها من ربنا وأتمنى ربنا يبعد عنهم أي حاجة فيها معاصي.”
صمت ولم يُكمل حديثه وبدا كأنه شاردًا في أمرٍ ما لذلك نظرت له مُتفحصة ثم قالت:
“مالك ما تكمل كلامك سكت ليه يا ياسين؟”
لفت حديثها إنتباهه لذلك نظر إليها وهو يبتسم ثم قال:
“الغريب إن دا كان نفس تفكيري عن خديجة، خوفت أشيل فيها حتى ولو ذنب صغير، عارفة يا ميمي لما بتبصلي بحس إني مرتاح، فكرة إن هيجي يوم وتكون معايا بتطمني وكأن أنا اللي مستنيها تغير حياتي مش العكس”
ابتسمت له ثم ربتت على كف يده وهي تقول:
“ريح قلبك يا ياسين وطمنه، كل اللي بيحصل حواليك دا خير ليك، أنتَ كان كل أملك في الحياة إن البنت اللي هتتجوزها يكون قلبك مرتاح لها، وخلاص أنتَ لقيتها ليه تفضل تحسبها كتير وتتعب نفسك”
هز كتفيه ثم قال وهو في حيرة من أمره:
“أنا مش بتعب نفسي، أنا خايف بس مكونش قد المسؤلية دي، خايف أكون عبء أكبر عليها”
ردت عليه معقبة:
“لأ أوعى تعمل كدا وتسلم نفسك لشيطانك يا ياسين احمد ربك على وافتكر إنك أنتَ اللي اخترت محدش كان جبرك على حاجة”
أومأ لها موافقًا ثم هَمَّ بالرد عليها صدح صوت “خالد” عاليًا وهو يعنف “عامر”، ضحكت “ميمي” ثم قالت لـ”ياسين”:
“قُم الحق عامر قبل ما خالد يموته في إيده”
وقف “ياسين” فوجد “عامر” يفتح الباب ثم جرى وأختبأ خلف ظهر “ياسين” وهو يقول:
“إلحقني يا ياسين أنا في حمايتك”
اقترب “خالد” منهما وأوشك على الإمساك بـ”عامر” لكن “ياسين” أوقفه وهو يقول:
“إهدى يا خالد بس عملك إيه المتخلف دا؟ علشان خاطري إهدى”
زفر “خالد” بقوة ثم قال:
“علشان خاطرك أنتَ يا ياسين بس”
أخرج”عامر” رأسه من خلف “ياسين” وهو يقول:
“يعني إيه علشان خاطر ياسين يعني مش فاهم، وريني هتعملي إيه يا خالد”
اقترب “خالد” لكي يمسك به مرةً أُخرى وهو يقول:
“وسع بقى يا ياسين علشان دا بجح وعاوز يتربى”
ضحك “ياسين” وهو يقول:
“طب إهدى بس وقولي عمل إيه طيب؟”
أخذ”خالد” نفسًا عميقًا ثم قال:
“أنا والغبي دا اتقابلنا سوا وجينا لحد هنا سوا تمام؟”
أومأ له “ياسين” وهو يقول:
“طب تمام فين المشكلة؟”
رد عليه “خالد”:
“المشكلة إن الحيوان دا سبقني وطلع يجري على البيت، وفضل يخبط ويرزع على شقة عم لطفي تحت، وطلع خطوتين وأول ما قربت من باب شقتهم وقفني يدوب باخد نفسي لقيت مرات عم لطفي طالعة تشتمني وتقولي اتكسف على طولك أنتَ بقيت أب، بعد العمر دا كله يتقالي كدا يا ياسين، يرضيكي يا ميمي؟”
شهقت “ميمي” بقوة ثم قالت:
“يخيبك يا عامر، أنتَ مش ناوي تكبر بقى؟”
أخرج رأسه من خلف ظهر “ياسين” مرة أخرى ثم ضحك بإستفزاز وهو يقول:
قد تظن أن هناك نجم لم يكتب من حظك، ولكنك لاتدري لعلك موعود بالقمر، هكذا كانت تظن وهي تتلمس الخواتم، نظرت له مرة أخرى رأت في أعينه لمعة غريبة لا تخرج سوى من قلب محب، أما عن العبارة التي كتبها بداخل العلبة فهي أسرت قلبها، ولكن ما غلب تفكيرها هو أن ذلك لم يكن سوى فخٌ صُنع لها، فكيف يأتي شخص غريب عنها لم يعرفها ويعاملها بتلك الطريقة، في نفس الوقت الذي يعاملها الجميع أنها شخص فاشل لم يستطع النجاح في أي شيء في الحياة حتى تكوين الصداقات، كان جميع من حولهم يشعر بالفرحة عدا بعض الحاقدين عليها، ادخلت الخاتم في اصبعها بهدوء وأعطته العلبة لكي يفعل المِثل، وبعد ثوانٍ انتشرت الزغاريد والمباركات من الجميع، اقترب ياسين منها وهو يبتسم ثم قال:
“ألف مبروك يا خديجة، عقبال ما تكون إيدك الشمال”
نظرت له مُتعجبة فوجدته، يغمز لها بطرف عينه، مما جعل وجنتيها تلتهب بالإحمرار، وأطرقت برأسها للأسفل، أما هو فـ حمحم بإحراج ثم انشغل بمباركات الشباب، أقتربت لها “عبلة” لكي تقوم بتهنئتها، وجدت خديجة ترتعش ومتعرقة بشدة، فأخذتها ودخلت بها الغرفة، وتتبعها الفتيات، جلست خديجة على الفراش وهي تأخذ نفسها بعمقٍ، سألتها “عبلة” مستفسرة:
“مالك يا خديجة، خايفة كدا ليه؟”
تدخلت “هدير” قائلة:
“مالها ماهي كويسة أهيه طبيعي تتوتر شوية يعني”
رد عليها “عبلة”:
“لأ مش بالطريقة دي، على العموم هي هديت دلوقتي، حتى ضربات قلبها هديت شوية”
جلست “عبلة” و “هدير” على الأريكة بالغرفة، أما “خديجة” فنظرت للخاتم بإصبعها ثم لمست بأطرافه حروف إسمه وهي تتذكر جملته، وعند تذكرها لغمزة عينيه وضعت كفها على صدرها ظنًا منها أن بتلك الطريقة ستهدأ ضرباته.
_______________
في الخارج وقف “وليد” بجانب “ياسين” ثم قال له بصوتٍ خفيض:
“أنا مش عارف أقولك إيه بجد، أنتَ كل يوم بتخليني أفتخر بك أكتر”
ربت “ياسين” على كتفه ثم قال:
“قولتلك متقولش كدا، أنا عاوزك بس تحافظ على الأمانة لحد ما تجيلي”
ضحك “وليد” ثم قال:
“هي خلاص بقت أمانة عندنا؟”
أومأ له موافقًا ثم قال:
“المهم بكرة هنروح نشوف الشقة، أنا مش ورايا شغل بكرة غير ساعتين الصبح، أنتَ بقى مهمتك تجبها مع أهلها”
أومأ له “وليد” ثم قال:
“متقلقش أنتَ، أنا أسف كان المفروض تقف تتكلم معاك بس هي مبتعرفش تتعامل مع حد غريب”
ابتسم له “ياسين” ثم قال:
“لأ عادي، طبيعي إنها تكون متفاجئة من اللي حصل النهاردة متنساش بس معادنا بكرة”
تم توديع عائلة “ياسين” و عائلته من قِبل عائلة “الرشيد”، ثم جلس بعدها الجميع في شقة “طه” يتحدثون في أمر الخِطبة وعقد القران، فتحدث محمود قائلًا:
“ماشاء الله يا طه ربنا يبارك فيه شاب أخلاقه عالية، يستاهل خديجة فعلًا، ويستاهل هدوئها”
ابتسم “طه” برضا ثم قال:
“دي حقيقة يا محمود وبصراحة على الرغم إن الموضوع ماشي بسرعة بس أنا مطمن له وكمان أستاذ سالم جارنا عارفهم ومطمني”
وافقه الجميع في الحديث مع الدعاء لهم وتمني إتمام الأمور بخير، في غرفة “خديجة” كانت الفتيات بأجمعهم يجلسن سويًا كانت خديجة شاردة أمامها، ولم تتحدث بحرفٍ واحدٍ، نظرت لها هدير متفحصة ثم قالت بخبث:
“بس مش سهلة برضه أنتِ يا خديجة، يعني كلنا جايين على أساس تعارف وقراية فاتحة، طلعت في الأخر خطوبة وكمان اتفاق على كتب كتاب”
نظر لها جميع من بالغرفة، أما “خديجة” إبتسمت بسخريةً فهي كانت متوقعة أن هدير لن تصمت أكثر من ذلك دون أن ترمي بحديثها اللازع، فقالت:
“أنا مكونتش أعرف كل دا يا هدير أنا زيي زيكم كلكم، والدِبل دي أنا إتفاجأت بيها مكنتش أعرف عنها حاجة”
نظرت لها”هدير” بغير تصديق ثم قالت:
“حصل خير يا خديجة، أنا بس بعرفك إننا فاهمين كل حاجة”
صمتت “خديجة” ولم تتحدث فردت “عبلة” قائلة:
“خلاص يا هدير في إيه، المهم إنها اتخطبت، ربنا يسعدها”
ثم نظرت لخديجة وقالت:
“بس إيه يا عم الدِبل الحلوة دي، وكمان الإسم محفور عليها، إحنا مش بنحسد، إحنا بنقر بس”
ضحك جميع من بالغرفة على حديث عبلة على عكس خديجة التي نظرت لذلك الخاتم الذي يزين إصبعها.
_____________
في سيارة “ياسين” تحدثت والدته قائلة:
“بس مقولتليش يا ياسين إنك هتلبسها الدِبلة النهاردة، غريبة يعني”
نظر لها في مرآة السيارة ثم قال:
“أنا مكنتش عامل حسابي والله برضه، بس إتفاجأت بالشباب مجهزين الدِبل حتى هما اللي نقوها مش أنا”
تدخل والده قائلًا:
“يعني إيه مش أنتَ اللي جبت الدِبل دي”
حرك رأسه نفيًا ثم قال:
“لأ دي هدية منهم، يعني هما شافوا إنهم مش هيكونوا معايا قالوا دا يكون تعويض ليا، وبالنسبة لشكل الدِبل دا ذوق عامر”
ردت عليه والدته قائلة:
“ربنا يديم وجودكوا ويحفظكوا لبعض يا رب، بس الواد عامر دا بيفهم الدِبل شكلها حلو أوي”
تعجب من حديثها فقال:
“مين دا اللي بيفهم؟ عامر؟ والله أنتِ غلبانة يا ماما”
رد عليه والده وهو يضحك:
“دا فهمي أمنيته في الحياة عامر وعمار يتجوزوا علشان يرتاح منهم”
ضحك ياسين ووالدته على حديث والده، وبعد فترة قليلة من القيادة، أوصل ياسين والديه ثم تركهم وذهب إلى منزل “ميمي”، دخل ياسين الشقة وجد أصدقائه في إنتظاره، وبمجرد اقترابه منهم صدح صوت صفير عامر وتصفيق حار من الباقي، لم يندهش ياسين فهو متوقع ذلك منهم نظر لهم وهو مبتسم، فأول من تحدث كانت “ميمي” حينما قالت:
“إيه يا حبيبي عملت إيه طمني؟”
الفصل الخامس عشر (موعد اللقا)
أن نكتُب
في نِهاية سُطورنا
أننا نِلنا
مَا صبرنا لأجلهِ،
_____________
من أكثر ما يُعيق حركة الإنسان وتحركه هو الخذلان، فتصبح كأنك كطيرٍ كان يتمتع بالحرية ثم وقع في بئرٍ عميق، هكذا شعر الجميع بعد بيت الشِعر الذي ألقاهُ عامر على مسامعهم، فقط خذلان، فأصيب جميعهم بجحوظ في العينين والصمت نظر “عامر” في أوجه الجميع ليرى نتيجة قوله وعندما لم يأتيه ردًا منهم قال:
“إيه رأيكم يا جماعة، عالمي صح؟ سارة إيه رأيك”
لم يتفوه أيًا من الواقفين بحرفٍ واحدٍ، بينما نظروا جميعهم إلى “سارة” التي قفزت من الفرحة مرة أخرى وهي تقول:
“تُحفة يا عامر، بجد أحلى حاجة سمعتها في حياتي”
حقًا الطيور على أشكالها تقع، هذا هو ما ظنه الجميع، فأول من تحدث بعد الصمت كان “ياسر” حينما قال:
“دا تُحفة دا، أكيد في حاجة غلط، دا لو بيحب سوبر ماركت مش هيكتبله بيت الشِعر دا”
ضحك الجميع على حديث “ياسر” بينما “عامر” نظر له بسخرية ثم قال:
“قُل إنك بتحقد عليا، علشان مش عارف تكتب بيت شعر زي دا، أتحدى واحد فيكوا يعرف يكتب نص اللي كتبته”
نظر “ياسر” للجميع غير مُصدقًا لما يدور حوله ثم قال:
“يا بني أنتَ جايب الثقة دي منين؟”
تدخل “خالد” قائلًا:
“سيبك أنتَ من كدا، الشِعر عجبها إزاي بجد؟”
ردت عليهم “سارة” بتعجب:
“أيوا يا جماعة دا رهيب بجد، ماشاء الله ربنا يحفظه ويحميه”
هز “ياسين” رأسه بقوة ثم قال مندهشًا:
“لأ دا أكيد عالم موازي دا بجد، أو دي أحلام العصر”
اعتدل “عامر” في وقفته لتزداد شموخًا ثم قال:
“أنا مش فاهم حقدكم دا إيه سببه بجد، وأتحداكوا واحد فيكوا يقول شِعر جامد زي دا”
ضحك الجميع عليه وعلى ثقته الزائدة بنفسه، فتحدث “ياسر” قائلًا:
“يا سلام أوي أوي، عاوز بيت شِعر حاضر”
تدخل “خالد” قائلًا:
“متتهورش يا ياسر، علشان أقسم برب الكعبة أنا عندي استعداد أرميكوا برة كلكوا”
ردت عليه “ريهام”:
“ما تهدى يا خالد أنتَ علطول متعصب كدا؟”
أجابها قائلًا:
“يعني أنتِ مش شايفة شغل الهبل، دول ناس قربوا على ال٣٠”
ضحك “ياسين” ثم قال:
“يا عم سيبهم دا عيد ميلاد متنكدش عليهم، قُل يا ياسر يلا”
ضحك “ياسر” ثم قال بفرح:
“الله يكرم أصلك يا ياسين”
قال جملته ثم التفت إلى “إيمان” نظر في أعينها بقوة وحب ثم قال:
“إيمان هو إزاي الطب إتقدم سنين قدام ومقدرش يجمع ضحكتك الحلوة في شريط برشام؟”
خرج تصفيقًا حارًا من “ياسين” بينما “خالد” نظر بإشمئزاز لهما ثم قال:
“ورب الكعبة لأبلغ عنكم وزارة الثقافة”
ردت عليه “إيمان” بسعادة بالغة تعتلي ملامح وجهها قائلةً:
“لأ يا خالد بجد دا جميل أوي، دا طلع مش بس دكتور، لأ كمان شاعر”
رد “ياسين” بسخرية قائلًا:
“على العموم هي أذواق والله”
ثم وجه حديثه لـ “عامر” قائلًا:
“قولي بقى يا فنان إيه رأيك”
قال “عامر” بتكبر:
“مش بطال”
ضحك الجميع عليه فقال “عمار” شقيقه:
“بقولك إيه يا عامر، لبسها الخاتم اللي أنتَ جايبة ليها مفاجأة علشان عندي درس وعاوز آكل جاتوه قبل ما أمشي”
اعتلت الدهشة ملامح الجميع من حديث “عمار” بينما قال “خالد”:
“يا أخي ربنا يخلصني منك أنتَ وأخوك في ساعة واحدة، أنتَ غبي يلا؟”
رد عليه “عمار” بضجرٍ:
“أعمل إيه يا خالد مش فاضي للجو بتاعكوا دا، خلصونا من الليلة دي”
نظر له “عامر” بشر ثم قال:
“أنا فعلًا هخلصك بس مش من الليلة دي لأ، أنا هخلصك من حياتك كلها”
قال جملته ثم ركض خلف أخيه، أمسكه ثم ضربه في كتفه بغيظ وهو يقول:
“يا أخي حرام عليك، دي الحاجة اللي كنت هختم بيها اليوم”
ضحك الجميع عليهما، فاقترب “ياسين” منهما وهو يضحك ثم حرر “عمار” من قبضة “عامر” وهو يقول:
“خلاص يا رجالة أنتم أخوات عيب كدا”
وقف”عمار” خلف “ياسين” وقبل كتفه ثم قال:
“الله يباركلك يا رجولة”
رد عليه “ياسين”:
“اخرس أنتَ خالص”
تحدث “خالد” قائلًا:
“بقولك إيه يا عامر، خلاص اعتبرنا منعرفش إنك معاك خاتم وإحنا هنتفاجأ، وهي كمان”
أيده الجميع بينما قالت”سارة”:
“أيوا صح أنا هعمل نفسي مش واخدة بالي”
وافقهم “عامر” ثم نظر لأخيه قائلًا:
“حسابي معاك في البيت، أنا هربيك”
رد عليه “ياسر”:
“مش لما تكون متربي أنتَ الأول”
انتشرت الضحكات والقهقهات عاى مزاح الشباب، في جو مليءٌ بالمرحِ والسعادة.
_______________
في منزل آلـ “رشيد” تحديدًا في شقة “طه” كان “وليد” يقنع عمه بأمر عقد القران، فتحدث “طه” قائلًا:
“أنا مش فاهم هو مستعجل ليه كدا؟ يعني إيه كتب الكتاب الأسبوع الجاي”
رد “وليد” مُبتسمًا نتيجة الفرحة التي تضج بأحشائه قائلًا:
“يا عمي إيه اللي يخلينا نأجل الموضوع طالما كل حاجة ماشية تمام، الشقة وشوفتها وأطمنت، الولد سألنا عليه وطلع أخلاقه مفيش منها، قولي بقى إيه اللي يقلق”
وقعت الجملة على الجميع كوقع الصاعقة، أما “خديجة” جحظت عيناها للخارج من طلب”ياسين”
وكل ما يدور برأسها هل ما طلبه صحيح؟ هل يريد عقد قران بتلك السهولة من خلال رؤيتها مرات قليلة إن وضعت في حد التعبير أن هذه تعتبر رؤية، كيف يطلب مثل هذا الطلب وهو لا يعرف عنها شيئًا، كيف تخبره بمخاوفها من نفسها ومن العالم بأجمعه، فاقت من شرودها على حديث والدها وهو يقول:
“معلش يا بني بس كتب كتاب إزاي بالسرعة دي؟ أنتَ لسه متعرفناش وبرضه من خلال قعدتك مع خديجة معتقدش إنك عرفت تحدد مصير الموضوع كله”
نظر “ياسين” إلى “وليد” لكي يعاونه في طلبه ثم تحدث قائلًا:
“أنا مع حضرتك في اللي قولته يا عمي، بس في حاجة كمان حضرتك مش واخد بالك منها، إن الجواب باين من عنوانه، وأنا من عنوان حضراتكم الجواب باين قدامي، ولو عليا حضرتك تقدر تسأل عليا وتطمن”
رد عليه والدها بإحراج من حديثه وهو يقول:
“لأ يا بني متقولش كدا، ربنا يعلم أنا قلبي مطمنلك إزاي، بس برضه هتكلم مع خديجة هي اللي من حقها تقرر، ولا إيه يا خديجة؟”
نظرت”خديجة” له بخوف، فتحدث والدها قائلًا:
“ها يا خديجة إيه رأيك؟”
وأيضًا لم يصله منها رد، فرفع صوته قائلًا:
“أنا مش بكلمك ما تردي عليا”
انتفضت نتيجة لصوت أبيها، وأغرورقت أعينها بالدموع، من يراها يظن أنها لا تريد التحدث وكأنها لا تبالي ولكن في الحقيقة هي كانت تحارب ذاتها ليخرج صوتها، عندما رأى “ياسين” تبدُل حالها، نظر لـ”وليد” وكأنه يقول له:
“دلوقتي بس أتأكدت”
فتحدث قائلًا:
“معلش يا عمي بعد إذنك، أنا عاوز أتكلم مع الآنسة خديجة لوحدنا لو مش هيضايق حضرتك”
نظر لها والدها بقوة ثم قال:
“ماشي يا حبيبي، وصلهم البلكونة يا أحمد يتكلموا براحتهم فيها”
أومأ له “أحمد” ثم امسك يد أخته وأخذها إلى الشرفة وياسين خلفه، قام بإضاءة المصباح لهم ثم نظر لأخته، وجدها خائفة وعيناها لم ترتفع من الأرض، فنظر إلى “ياسين” ثم قال له:
“معلش يا أستاذ ياسين، هي متوترة شوية، براحة عليها بس”
قال جملته ثم ضحك ليقنعه أنه يمازحه، بادله “ياسين” الضحك ثم قال:
“ولا يهمك يا أحمد وبعدين أنتَ شايفني واقفلها بعصاية؟ أنا هحاول أقنعها على قد ما أقدر وأتمنى إنها تفهمني”
قال جملته ثم ابتسم له بإطمئنان، نظر له أحمد بتعجب ثم خرج لوالده ووليد في ردهة الشقة، استأذن والده ودخل المرحاض، فجلس أحمد بجانب وليد ثم قال له:
“هو إيه اللي بيحصل يا وليد أنا مش فاهم حاجة؟”
ابتسم له “وليد” ثم قال:
“واضح كدا يا أحمد إن اللي بيحصل كل خير”
شعر”أحمد” بالضيق من الامبالاة التي يتحدث بها “وليد” فرفع صوته قائلًا:
“خير إيه يا بني أدم أنتَ، أنتَ عارف لو دا عرف خديجة طبعها إزاي ولا بنتعامل معها إزاي هيبقى ردة فعله إيه؟، طب مجاش في بالك لو سابها هنتصرف إزاي؟”
وضع “وليد” قدمًا فوق الأخرى بتكبر ثم قال:
“كل اللي أنتَ بتقوله دا ملوش لازمة، عيب عليك أنا وليد”
أخذ “أحمد” نفسًا عميقًا ثم قال:
“طب أنا معاك إنك وليد وإنك مفيش منك اتنين، تقدر تقولي رد فعله إيه لما يعرف”
رد عليه بإستفزاز:
“والله رد فعله كلنا شوفناه دلوقتي، أهوه”
نفخ “أحمد”وجنتيه بضيق منه ثم قال:
“يا بني أنتَ هتنقطني بالكلام؟ يعني إيه اللي أنتَ بتقوله دا؟”
وضع “وليد” يده على كتف “أحمد” ثم قال ببسمة رُسمت على وجهه:
“يعني يا غبي ياسين عرف كل حاجة، ومش بس كدا لأ قابل دكتورة هناء كمان.”
_________________
داخل الشُرفة كانت خديجة على وضعها ولم تتحدث بحرفٍ واحدٍ أما ياسين كان ينظر لها بقوة وثبات، أخذ نفسًا عميقًا ثم قال:
“أنا عارف إنك إتفاجأتي باللي أنا قولته، وعارف إنك من حقك ترفضي، بس أنا عاوز أطمنك إني مش عاوز في الدنيا دي غير إنك تكوني مرتاحة، وياريت لو حضرتك تتكلمي معايا ونتناقش براحتنا”
يبدو أنها لم تسمع ما قاله، لذلك لم يتغير في وضعها شيئًا ولا تحركت من الأساس، هذا ما ظهر له، ولكن في الحقيقة هي كانت تُعد الأرقام في سرها كما أخبرها وليد، نظر لها ياسين وهو ينتظر منها أن تتحدث، كان على وشك الحديث مرة أخرى ولكنها أوقفته بسؤال غير متوقع حينما قالت:
“لــيـه”
رد عليها مُتعجبًا:
“ليه إيه مش فاهم”
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت:
“ليه أنا، وليه عاوز تكتب الكتاب بالسرعة دي”
كان يعلم صراعاتها مع نفسها ويعلم مخاوفها، لذلك حاول أن يبثُ الطمأنينة بداخلها، فقال بهدوء:
“علشان أنا إرتحتلك يا أنسة خديجة، وعاوزك تكوني زوجة ليا، وواضح إن حضرتك شخصية خجولة يعني من الصعب تتكلمي بسهولة، والخطوبة دي ليها ضوابط كتير من الصعب إني أقدر ألتزم بيها، وعلشان ربنا يكرمني بيكِ لازم يكون كل شيء في موقعه الصح”
ردت عليه بهدوء دون أن تنظر إليه:
“ولو أنا رفضت؟”
كل حديثها يخرج منها بسرعة كبيرة وكأنها تتحدث وهي تركض على الرغم من جلوسها ثابتة إلا أنه يكاد يُجزم أن سرعة ضربات قلبها يسمعها بقوة كما لو أنها لم تنبض من قبل، لذلك رأف بحالها ثم قال:
“هكون خسرت كتير أوي يا خديجة”
كانت جملته بها حديث مُبطن لم تفهمه فوجهت بصرها له وجدته ينظر لها بإطمئنان، ثم تبدلت نظرته ونظر لها بقوة وكانت هذه المرة الثانية التي تلتقي بها العيون، إبتسم لها ثم قال: