تعافيت بك ف68 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

تعافيت بك ف68 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

تعافيت بك ف68 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

 

الجزء الثاني

الفصل الثامن والستون (بالطبع مستحيل)

 

“يمكن الهوىٰ غلاب ولكن إيه العمل في غُلب فراق الأحباب؟!”

_________________________

 

 

 

“ودت فقط لو أعود لنفسي، أود أن أجدني بعدما فقدت نفسي وذاتي وقُدرتي على مواساتي، اخشى أن أتوه مني في الزحام، وتزول مني قدرتي على الكلام، فكيف لي بمفردي أن أعيش في كل تلك الآلام، وكيف للمرء أن لا يُعانق الأحلام؟!.

 

 

 

أطمئن شباب العائلة وفتياتها على “عبلة” و استمر المزاح قائمًا بينهم وسخريةً على “وليد”، أما هي فكانت في عالمٍ أخر، حيث شردت في فيه هو تحديدًا، لم تتخيل أن يفعل ذلك لأجلها، كما أنه يجلس بجوارها ولا يفارقها، نزلت ببصرها نحو موضع كفها، فوجدته مُحاصرًا بين كفه وكأنه يُطمئنها بتلك الطريقة أنه سيبقى بجوارها، أو بطريقةٍ أخرى يعتذر لها عما حدث لها بمفردها دون أن يكون مجاورًا لها.

 

 

 

نزل الشباب خلف بعضهم تباعًا من الشقة، وظلت “هدير” معهم بعدما تابعت رحيل “حسن” بملامح وجه مُقتضبة، حرك “وليد” عيناهُ بتساوٍ بينهما ثم تحدث أخيرًا بتهكمٍ:

“و بعدين هتفضلوا قالبين خلقتكم كدا في وش أهالينا؟؟ فُكوا الخِلقة خلوها تتفك علينا”

 

 

 

رمقته كلتاهما بحدةٍ وأول من ردت عليه بعدما جذبت منه أطراف الحديث كانت “هدير”:

“نعم أنتَ عاوز إيه؟! خير يا سيدي؟!”

 

 

 

رد عليها ساخرًا منها:

“انعم الله عليكِ يا أستاذة هدير، مروحتيش مع حسن ليه؟! مش ناوية تبطلي هيافة بقى”

 

 

 

شهقت شهقة قوية بعدما تأهبت في جلستها وهي تردد خلفه باستنكارٍ:

“أنا هايفة؟! تصدق إنك رخم وبارد وتنح !!”

 

 

 

رد عليها مؤكدًا:

“آه أصدق وحطي عليهم متربيتش وسافل وقذر، حاجة مش جديدة يعني، بس أنتِ مروحتيش ليه؟!”

 

 

 

كانت الفتيات يتابعن ذلك الموقف وهن يحاولن كتم الضحكات، وقد نجحت “خديجة” في ذلك وتحدثت بنبرةٍ هادئة:

“وليد معاه حق يا هدير، كنتي روحتي معاه أحسن، شكله أصلًا كان زعلان لما خرج من البلكونة، كان متعشم إنك تروحي معاه، شكلك كسرتي بخاطره”

 

 

 

ردت عليها مُسرعةً:

“أنا مكانش قصدي أعمل كدا والله، أنا كنت بفهمه وضعي وأني مش هقدر أروح الشقة دلوقتي، هو أكيد فاهم حاجة زي دي”

 

 

 

ردت عليها “عبلة” بهدوء:

“لأ هو أكيد مش فاهم حاجة زي دي، حسن أكيد فاهم غلط وفاهم إنك كدا مش عاوزة ترجعيله، وبصراحة أي حد مكانه هيفكر كدا”

 

 

 

سألتها باهتمامٍ غلف نظراتها وسيطر على نبرتها بالكامل:

“هيفكر ازاي؟! هو قالي إنه مش هيضغط عليا وأنه متقبل الوضع دا لحد ما أنا أرجعله”

 

 

نطقت “خديجة” تلك المرة بنبرةٍ منفعلة إلى حدٍ ما:

“و ليه من الأول؟! ما تروحي يا بنتي شقتك مع جوزك وخلاص، لازمتها إيه البهدلة دي ليكم انتم الاتنين؟!”

 

 

 

ردت عليها مُفسرةً بصوتٍ مختنقٍ:

“علشان أنا مش عاوزة أروح هناك وحاسة إني لو روحت هتخنق، حنان دي الوحيدة اللي خوفتني صح، خلصت مني القديم والجديد، الوحيدة اللي مقدرتش أقف قصادها أكتر من كدا وعلشان خاطر الحب، أنا عاوزة أروح بيتي وارجعه زي ما كان بس غصب عني عقلي مش مستوعب غير شكلي وأنا نازلة معيطة وبجري في وشي”

 

 

 

اقتربت في تلك اللحظة منها “خلود” تقول بطريقتها المعتادة التي تختلط دومًا بالدَهاء:

“يا هبلة وكدا حنان تبقى كسبت وعملت اللي هي عاوزاه، فرقت بينكم وممكن تستغل دا وتسخن حسن عليكي، دي مش بعيد تاخده تجوزه كمان”

 

 

 

حركت “هدير” رأسها نحوها بسرعةٍ كبرى وهي تقول بنبرةٍ جامدة:

“مستحيل !! دي لو عملت كدا أنا أشرب من دمها بجد، أنا ساكتة ليها بما فيه الكفاية”

 

 

 

ردت عليها مسرعةً بنفس الدهاء والحِنكة التفكيرية:

“ليه مستحيل !! مش جوزها عمال يكلمه وبيحاول يتواصل معاه؟! ممكن تكون هي اللي مسلطاه، لو منك أحلق على جوزي، مش بعيد هو نفسه يتقل عليكي وميردش على مكلماتك، اسمعي مني، تاكلي الشهد، ارجعي بيتك وعيشي فيه براحتك، ومتخليش فرصة لحد يقرب من حسن، حتى لو أخته الحرباية دي”

 

 

 

انتفضت “هدير” فورًا من مقعدها تنزل للأسفل دون أن تتفوه بكلمةٍ واحدة، فيما ابتسمت “خلود” بانتصارٍ وخبثٍ غلف نظرات عينيها، حينها تحدث “وليد” بفخرٍ:

“تربيتي بجد مش هزار !! ما شاء الله خليفتي في الملاعب”

 

 

 

غمزت له وهي تقول بثقةٍ:

“عيب عليك، يا رب هو بس يسمع كلامي وميعكش الدنيا”

 

 

 

وزعت “خديجة” النظرات بينهما بتساوٍ ثم تحدثت بقلقٍ منهما:

“بقولكم إيه انتم الاتنين؟! أنا بخاف منكم أصلًا، اوعوا تكونوا بتعملوا مصيبة؟!”

 

 

 

نظر كليهما لبعضهما وما لبثوا ثوانٍ من التقاء نظراتهما حتى انفلتت ضحكاتٍ خافتة منهما يحاولا كتمها حتى لا يفتضح أمرهما، بينما “خلود” شردت فيما حدث منذ قليل قبل رحيل “حسن” من البيت.

 

 

 

(قبل ذلك بلحظات)

 

 

 

خرج “حسن” من الشقة و”هدير” تتابعه بعينيها وهو يذهب دون حتى أن يحاول توديعها، فقط تجاهلها كما لو أنها قطعة من قطع الديكور الموضوعة بأحد الأركان دون أن يكترث أحدٌ بوجودها، خرج من الشقة فلحقته “خلود” نحو الخارج بعدما تابعت نظرات الأخرى، وقبل أن يخرج من باب البيت أوقفته مُسرعةً وهي تقول:

“استنى يا حسن !! عاوزاك معلش ضروري”

 

 

 

عقد ما بين حاجبيه ثم التفت لها يقول بتعجبٍ:

“خير يا خلود؟! فيه حاجة ولا إيه؟!”

 

تعافيت بك ف68 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

تعافيت بك ف67 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

تعافيت بك ف67 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

تعافيت بك ف67 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

 

الجزء الثاني

الفصل السابع والستون (ليلٍ لا يدوم)

 

“خُلق لكل مرءٍ وطنًا، ولكني عاشق وطني هو عينيكِ”

_________________________

 

 

 

لا ليلٍ يدوم إلا وعقبه نهار، فلا ليلٍ وُجِدَ بدون نهار، كذلك لا تبقى الخبايا في عُقر دارها فـ يأتِ يومٌ تنكشف به الأسرار، ويبقى القلب يَصرُخ كمن يصارع في كَمدٍ حتى يأتِ حديثٌ يثلج نيرانه كـ سكب المياه فوق النار، فيغدو مُحلقًا في خفة كما الفراشة على أغصان الأشجار.

 

 

 

استمع “ياسين” لحديث الرجل بعينين متسعتين على أخرهما عند ذِكر اسم ذلك المدعو “هشام”، فتابع الرجل مُفسرًا:

 

 

 

“احنا كنا بنحاول نتفاهم معاه علشان ييجي يشوف حل، بس هو علطول كان رافض أي حلول علشان متبقاش عيبة في وشه، وأخر حاجة قبل ما أنتَ تيجي هو كلمنا وقال إن المهندس المسئول وصل المشروع، اتفاهموا معاه، وخلصوا الموضوع لو موصلتوش لحل هو عندكم وشوفوا صِرفة معاه”

 

 

 

سأله “ياسين” بلهجة صوتٍ حادة وجامدة:

“طب لما هو كدا من الأول متفاهمتوش معايا ليه من البداية؟! كان لازمته إيه طريقتكم دي من الأول معايا؟! كان لازمته إيه الحصار اللي اتعمل عليا وعلى العُمال؟! لو كنتوا فهمتوني من الأول أكيد كنا لاقينا حل، إنما بعمايلكم دي الدنيا باظت والخسارة بقت على الكل”

 

 

 

رد عليه الرجل مُردفًا:

“طب ما هو يا بني اللي قابلك محلوش حاجة، المدير نفسه ساب المشروع ومشي، ورأفت اللي جِه بعده ساب العُمال ومشي لوحده، أنتَ يعني اللي كنت هتحل؟!”

 

 

 

_” آه، كنت هحل ومستحيل ارضىٰ بالظلم لحد سواء انتم أو احنا، بس أنا من البداية اتغدر بيا، وانتوا كملتوا عليا، ووشي اللي اتعور دا من رجالتك”

 

 

 

تفوه “ياسين” بذلك بنفس الجمود والحِدة البادية عليه فتدخل الرجل الغليظ دائم الاشتباك يقول:

“هو أنتَ عاوز تبرطع براحتك من غير ما حد يوقفك؟! والسلاح اللي رفعته عليا وحطيته على رقبتي؟!”

 

 

 

تدخل “يوسف” يرد عليه بتهكمٍ:

“مش قولتلك بقرة الصحراء؟! هو أنتَ عاوز تثبتنا بالسلاح وتتهجم علينا وزعلان إن السلاح اللي اتحط على رقبتك؟! طب والسلاح اللي كنتوا مهددينا بيه؟! إيه وَحمة؟!”

 

 

 

رفع صوته وهو يتحدث، فرد عليه الرجل بنبرةٍ أقرب للانفعال:

“و أنتَ مالك بتتدخل ليه؟! خليك في حالك يا جدع أنتَ الموضوع ميخصكش أصلًا”

 

 

 

وقف “يوسف” من موضعه ثم سار حتى اقترب من الرجل ثم مال عليه بجزعه وهو يقول بخبثٍ هاديءٍ وكلماتٍ متريثة:

“صح أنا غلطان ومتربيتش علشان الموضوع ميخصنيش، زي ما هو برضه ميخصكش، علشان كدا احنا هنكون اتنين الموضوع ميخصهمش”

أنهى جملته ثم ضرب الرجل في وجهه برأسه حتى رجع الرجل للخلف ونزل الدم من أنفه فورًا، حينها هب “ياسين” منتفضًا والرجل الأخر من جلستهما، فتحدث “يوسف” مُسرعًا بعدما رفع كفيه في وضع الاستسلام:

“على الهادي يا رجالة، كُل ما في الموضوع إننا اتنين الموضوع ميخصهمش بيتفاهموا سوا، خليكم انتم كملوا كلامكم علشان الموضوع يخصكم”

 

عاد لموضعه يجلس عليه من جديد وحينما وجدهما ينظرا لبعضهما تحدث يلفت نظرهما بقوله:

“اقعدوا يا جماعة، أنا بس كنت بفهمه، هو عور ياسين وياسين ابن أصول مش هيعمله حاجة، بس أنا مليش في الأصول”

 

 

 

جلسا كليهما فتحدث “صالح” بقلة حيلة وآسفٍ:

“أنا هسكتلك بس علشان البشمهندس ياسين، وعلشان هما بدأوا معاه بالغلط وأنا منبه عليهم محدش يلمسه، خلونا بقى نشوف حل لمشكلتنا”

 

 

 

تحدث الرجل الآخر منفعلًا:

“بقولك حط السلاح على رقبتي، وهددنا بدل المرة يجي خمسة، وصاحبه ضربني”

 

 

 

رد عليه “صالح” بضجرٍ:

“و أنا عارفك يا عزوز، راجل عصبي وطبعك ناشف، قولتلك تفضل معاهم علشان ميبدأوش شغل، انما أنتَ عاوز تدوس وخلاص، وركبتنا حق حتى لو إحنا مش غلطانين”

 

 

 

تدخل “ياسين” يقول بنبرةٍ هادئة:

“بص يا شيخ صالح دلوقتي اللي أنا فهمته إن أنا اتبعت هنا عن قصد يعني لو قدرت أحل المشكلة يبقى خير وبركة ولو مقدرتش وروحت فيها أو على الأقل رجعت زي ما جيت يبقى خسارة وقت ومجهود ليا ولشغلي ولسمعتي في الشركة، أنا عن نفسي مسامح في كل دا وهبدأ من جديد كأني لسه واصل هنا، بس ليا طلب عندك”

 

 

 

رد عليه الرجل مُرحبًا بحديثه:

“تحت أمرك يابني اؤمرني”

 

 

 

نظر “ياسين” إلى “يوسف” الذي كان يحاول فهم حديثه على الرغم من حالة الاعياء التي اصابته والرجفة التي سارت بجسده، فأومأ له “ياسين” بأهدابه ثم قال بهدوء موجهًا حديثه للرجل:

“عاوز اروح شمال سينا نفسها، أو أي مكان أقدر افتح منه نت واتواصل مع الشركة ورئيس المشروع، ووعد مني كل المشاكل هتتحل وبوضع يرضيكم”

 

 

 

نظر الرجل لمساعده ثم زفر بقلة حيلة وقال بعدما رسم ابتسامة هادئة على وجهه:

“حاضر، نصلي الفجر بس قبل ما يفوتنا ونروح مطرح ما تَريد، حاجة تاني؟!”

 

 

 

حرك رأسه نفيًا ثم قال:

“متشكر، بس وعد مني إن كل حاجة هتتحل ومستحيل ارضى بالخسارة ليكم، خليك بس واثق فيا وحقك هيرجع، وأنا مبدأيًا كدا متأسف عن أي خساير حصلت ليكم، بالنيابة عن الشركة كلها كمان”

 

 

 

بنفس الوجه المبتسم رد عليه الرجل بنبرةٍ هادئة:

“من غير أسف يا بني متقولش حاجة، هو من الواضح كدا إن هشام دا كان قاصده يورطك في حاجة، لو أعرف من الأول إن الحكاية كدا مكنتش بدأت من الأول غلط كدا”

 

 

 

حرك رأسه موافقًا على حديث الرجل، فقال من جديد مُكملًا حديثه:

“بس يعلم ربنا يا بني أنا مش قاصد ليك الشر أو الأذى، خصوصًا إني حسيت إنك ابن أصول وبان عليك التربية والأخلاق، صحيح سماهم على وجوههم”

 

 

 

أبتسم له “ياسين” فتحدث “يوسف” بتهكمٍ:

“كل دا وسماهم على وجوههم؟! علشان كدا بوظتوا وشه؟! حِكَم !!”

 

تعافيت بك ف67 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

تعافيت بك ف66 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

تعافيت بك ف66 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

 

تعافيت بك ف66 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

 

الجزء الثاني

الفصل السادس والستون (الكرة في ملعبه)

 

“وقعتُ أسيرٌ في لمعة عينيك، شدتُ رحالي لأخطو إليكِ”

_________________________

 

 

 

مثل ورقةٌ بيضاء وقع عليها حِبرٌ فأصبحت مُلطخةً وغير قابلة للاستخدام قط، حتى أتى” هو” فكان مثل السِحر أمام الحِبر حتى أُزيل أثره تمامًا وعادت الصفحة بيضاء من جديد، ها قد عدنا وعادت صفحاتنا لنَخُط بها مرةً أخرىٰ وندون بها حياتنا حلوةً أو مُرة.

 

 

 

“خليك….يا ياسين….متمشيش”

تفوه بها “يوسف” في نومه يهزي دون أن يشعر هو بذلك، لمعت العبرات في عينيه اللاتي ثبتهما عليه والأخر يرتجف بشدةٍ وجسده يرتعش كمن مسه ماس كهربائي، رفع كفه يسمد على خصلات شعره مثل الأب الذي يجلس بجوار ابنه أثناء مرضه، في تلك اللحظة دلف الرجل” محسن” و هو يقول بلهفةٍ بعدما جلب ما طلبه منه “ياسين”:

 

 

 

“اتفضل يا بشمهندس ياسين، جيبتلك مياة بتلج ومعاهم ازازة خل، اتفضل ربنا يجعله بالشفا”

 

 

 

أخذ منه “ياسين” الأشياء ثم وضعها على الطاولة الصغيرة المجاورة للفراش، فيما وقف الرجل يتابعه بقلقٍ بلغ أشده وارتسم على ملامحه وهو يتضرع لله سبحانه وتعالى أن يُعيد لذلك الشاب عافيته، شرع “ياسين” في عمل الكمادات الطبية له بالماء المثلج الذي أخذ حرارته الباردة من مُكعبات الثلج المُضافة إليه.

 

 

 

تمم “ياسين” عمل الكمادات الطبية مُمررًا القماشة القطنية في مختلف انحاء جسده، ثم قام بسكب الخلِ على كفيه وقام بمسح جسده به وبعدها رفع الغطاء عليه يدثره به جيدًا وهو يربت عليه بأسى بحنانه المعتاد الذي يغدق به الجميع.

 

 

 

تنهد هو بعمقٍ بعدما لاحظ انخفاض الحرارةِ بدرجةٍ ملحوظة، جلس على المقعد مرةً أخرى فسأله” محسن” بنفس القلق البادي على قسمات وجهه:

“ها يا بشمهندس ياسين؟! الحرارة نزلت شوية؟! طمني؟”

 

 

 

حرك رأسه موافقًا حركةٍ خافتة بالكاد تُرى بالعين وتدل على تحرك رأسه، فخرج الرجل من الغرفة بصمتٍ وعاد مرةً أخرى تحت تعجب “ياسين” حينما قلب فمه للأسفل بحيرةٍ، حيث وجده يدلف له من جديد وفي يده صندوق للاسعافات الأولية، قطب “ياسين” جبينه بتعجبٍ فتحدث الرجل وهو يلهث بقوةٍ من فرط حركته:

“تعالى يا بشمهندس علشان اداوي جرحك قبل ما يورم، تعالى يلا”

 

 

 

رد عليه “ياسين” برفضٍ قاطعٍ:

“لأ يا عم محسن متتعبش نفسك، أنا هغسل وشي وهشوف مرهم كدا ولا حاجة”

 

 

 

اقترب منه الرجل يجلس أمامه وهو يقول بنبرةٍ مُصرة على قراره:

“لأ مينفعش، جرحك كدا هيلتهب وكدا غلط، أنا هطهره ليك وهحطلك مرهم، تعالى بس”

 

 

 

حرك رأسه موافقًا مُستسلمًا لحديث الرجل وهو يعلم تمام العلم أنه محقًا تمامًا، أمسك الرجل وجهه براحةٍ ثم أمسك القطنة الصغيرة بعدما قام بوضع المُطهر عليها يقوم بتطهير جبينه ثم أعاد الكُرة من جديد وهو يطهر الجرح الذي وقع على جبينه يفصل بينه وبين عينه اليُسرى مسافة قليلة، شرد “ياسين” في وجه الرجل وهو يبتسم بحنينٍ جارف حينما تذكر موقفًا مشابهًا لذلك مع” رياض” ، لمعت العبرات في عينيه وراح عقله يصور له ذلك المشهد كما لو أنه واقعًا ملموسًا يُجسد أمام ناظريه.

 

(منذ عدة سنوات)

كان “ياسين” حينها في منتصف المرحلة الثانوية وحينها دلف شقته بعد عودته من المدرسة وكان حينها والده ينتظره في الشقة دون والدته، دلف “ياسين” الشقة بخطواتٍ مُترددة بسبب الجرح الذي أصاب رقبته حينما تهجم عليه أحد الشباب وعلى أخوته وحينها اجتمعوا اربعتهم سويًا يضربونهم.

 

 

 

حاول الهروب من مواجهة والده والدخول لغرفته مباشرةً، لكن صوت والده أوقفه وهو يقول بنبرةٍ جامدة:

“تعالى يا ياسين، رايح فين؟! أنا شوفتك يا حلو، تعالى”

 

 

 

ازدرد لُعابه بخوفٍ وهو يقترب منه بخطواتٍ متمهلة بسبب ملابسه الغير مُهندمة والجرح الذي أصاب رقبته والخدش الكبير الذي توسط ذراعه، وقف أمام والده ونكس رأسه للأسفل بخجلٍ منه، فتحدث والده يسأله بثباتٍ واهٍ يتنافى مع الخوف الذي يأكل قلبه خوفًا عليه:

“مالك؟؟ إيه اللي عمل فيك كدا وبهدلك؟! خلاص بقيت بتاع خناقات ورجلك خدت على الموضوع دا يا ياسين؟!”

 

 

 

رد عليه مُسرعًا بكلماتٍ ظهرت بها لهفته وتوسله في هدوء والده حتى يستمع له:

“لأ والله يا بابا مش كدا، إحنا مكانش لينا علاقة أصلًا بالموضوع، بس فيه ولاد ضايقوا بنات واحنا اتدخلنا لحد ما الموضوع وصل لخناقة بينا بالايد”

 

 

 

أمعن والده النظر في وجهه يستشف صدق حديثه، فسأله بنبرةٍ جامدة وحروفٍ أكثر ثباتًا:

“احكيلي حصل إيه بالظبط؟! ومن غير خوف أو كدب، طالما أنتَ معملتش حاجة غلط، احكي”

 

 

 

تنهد “ياسين” بعمقٍ ثم قال:

“خرجنا من المدرسة احنا الأربعة وعدينا في طريقنا على مدرسة البنات أنتَ عارفها علشان نجيب عمار من مدرسته، لقينا ولاد زمايلنا واقفين بكلاب علشان يضايقوا البنات، وفيه بنت كانت عمالة تعيط وهما بيضحكوا عليها، طلبنا منهم يمشوا، قلوا أدبهم علينا وفيهم واحد شتمنا، مسكنا فيهم لحد ما ضربناهم، بس والله معملناش حاجة غلط”

 

 

 

كانت نظرات والده حادة وهي موجهة نحوه، فتحرك والده من أمامه دون أن يتفوه بكلمةٍ واحدة، ثم خرج له من جديد والأخر ينظر في اثره بتعجبٍ حتى ظهر والده مرةً أخرى أمامه وفي يده الأدوات الطبية التي قد يستخدمها في تطهير الجرح، ثم اقترب منه دون أن ينبث ببنت شفة، فقط وقف أمامه يقوم بتطهير الجرح حتى سأله “ياسين” بنبرةٍ مهتزة:

“بابا هو حضرتك مش بتتكلم ليه؟! على فكرة أنا مغلطتش في حاجة، ولا حد فينا غلط”

 

 

 

أبتسم له “رياض” و هو يقول:

“عارف إنك مش غلطان وعارف إن دمكم حامي ومبتتحملوش الغلط، بس عاوزك بعد كدا تكون حكيم أكتر، مش كل حاجة بالضرب والسلاح ورفع الصوت، لازم الأول تدي فرصة لعقلك أنه يفكر بحكمة، لأن لو الدنيا كلها ماشية بالدراع كان زمانها بقت غابة، فكر بالعقل واحسبها صح، وبعدين داخل خايف ليه؟؟ طالما مغلطتش في حاجة لازم تخلي عينك قوية، صاحب الحق عينه جامدة، طول ما أنتَ صاحب حق متخافش من حاجة”

 

تعافيت بك ف66 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

تعافيت بك ف65 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

تعافيت بك ف65 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

تعافيت بك ف65 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

 

 

الجزء الثاني

الفصل الخامس والستون (لا حول ولا قوة)

 

“بكى القلب خشيةً من حُب لا يدوم، فيبات القلم مقهورًا ومن الحزن ملكوم”

_________________________

 

 

 

“هل من الممكن أن يطير الطير بجناحٍ مكسور؟ هل يمكن لكفٍ وحيد أن يصفق بمفرده؟! هل يمكن للمرء أن ينتصر على العالم دون أن يجد من يدعمه؟! لطالما كان دائمًا وأبدًا جيش المرء عائلته، فهل يمكن لفردٍ دون جيشه أن يهزم جيشًا؟! إذن فلتبدأ الحرب حتى وإن خرج منها هو المهزوم، سيظل دومًا متذكرًا أنه كان بمفرده ذلك اليوم.

 

 

 

صدمةٌ تتجسد أمام عينيها بخيبة أملٍ حينما وجدت الفتاة أثناء ضحكاتها تسمك يده وقبل أن تحرك رأسها للجهةِ الأخرى وجدته يبعد يد الفتاةِ عنه ثم هب منتفضًا وهو يقول بلهجة صوتٍ حادة:

“لو سمحتي يا آنسة؟! حضرتك طلبتي مننا نشرحلك الحاجة اللي مش فهماها، وأنا ذوقيًا مني وافقت، لكن معلش فيه حدود مينفعش نتخطاها، ياريت نحافظ على الحدود اللي بينا”

 

 

 

أبتسم “عبدالرحمن” بفخرٍ وهو يطالع صديقه، فتحدثت الفتاةِ بتعجبٍ:

“فيه إيه يا عمار؟! احنا زمايل وبنضحك وبعدين محصلش حاجة لكل دا”

 

 

 

رد عليها بجمودٍ:

“لأ فيه، فيه إنك بتضحكي بشكل ملفت للانتباه وكدا غلط، وفيه إن الحدود اللي بيننا كزمايل مينفعش نتخطاها، وافتكري دايمًا إذا رُفعت الكُلفة، حلت الألفة، وكدا مينفعش، عن اذنكم أنا مش هكمل”

 

 

 

وقف “عبدالرحمن” مُسرعًا حينما وجد الضيق يعتلي ملامح صديقه، فقال بنبرةٍ هادئة:

“طب علشان احنا مش فاضيين، أنا هسجل الشرح بصوتي وو هصور الحل وابعته ليكم في الجروب للدفعة كلها”

 

 

 

نظرن الفتيات لبعضهن البعض ثم تحركن خلف بعضهن بين الملامح الساخرة والمتهكمة، وقبل أن يختفي أثرهن، رفع “عمار” صوته يوقفهن وهو يقول:

“استني يا آنسة من فضلك أنتِ وهي”

 

 

 

تلاشت بسمة “خلود” تلقائيًا بعدما اوقف الفتيات وقالت هامسةً بحنقٍ:

“ما أنتَ كنت ماشي حلو، هتعك ليه بقى؟!”

 

 

 

اقترب هو من الفتيات وهو يقول بطريقةٍ اهدأ من السابق:

“أنا متأسف على طريقتي بس أنا محبش أعمل حاجة غلط تتحسبلي بذنب في رقبتي، حضراتكم زمايلي بس مينفعش الحدود اللي بيننا نتخطاها، ومش علشان الناس ولا علشان المنظر العام، بس علشان رب الناس، مينفعش الحدود اللي ربنا وضعها لينا نتخطاها، ربنا يوفقكم وأنا هجمع كل السكاشن وانزلها في الجروب وعبدالرحمن يسجل بصوته الشرح”

 

 

 

تحركت الفتيات بخزيٍ من الموقف والذي أخذ يزداد بعد حديثه وطريقته وتوضيحه للأمور، فعاد هو للطاولة يجلس عليها وهو يزفر بقوةٍ ويرمق “عبدالرحمن” بغيظٍ، فتحدث الأخر بتوترٍ:

“متبصليش كدا وأنتَ عارف إن نيتي كانت خير، هما اللي طريقتهم مش كويسة، لزمتها إيه البصة دي؟!”

 

رد عليه بضجرٍ:

“علشان هما متخلفين، أنا فاهم انهم جايين علشان يقعدوا معانا علشان يغيظوا الشلة بتاعتهم القديمة، جو الجامعة والهبل دا أنا فاهمه، بس قولت مسوءش الظن علشان ماخدش ذنب، بس صوت ضحكهم علي مرة واحدة لما شافوا الشباب معديين، عالم متخلفة، ربنا ينجدنا منهم”

 

 

 

حرك “عبدالرحمن” رأسه متفهمًا ثم سأله بحيرةٍ من الأمر:

“طب والشرح هتنزله فعلًا الجروب؟! ولا مش مشكلة وهما أحرار؟!”

 

 

 

رد عليه مقررًا بثباتٍ:

“طبعًا، دي مفيهاش جدال، أنتَ عارف مبدأي، المشوار اللي تمشيه في ١٠٠ خطوة خلي غيرك ياخده في ١٠ خطوات، محدش بياخد رزق حد ولا مكانة حد”

 

 

 

سأله “عبدالرحمن” بسخريةٍ:

“أيوا يعني برضه أنا مش فاهم هتعمل إيه؟!”

 

 

 

أبتسم بيأسٍ ثم قال مُردفًا:

“يعني احنا فهمنا من الدكتور وحلينا كويس، ولقينا كريقة ابسط توفر علينا الجهد، يبقى نسهل الطريق على غيرنا علشان ربنا يكرمنا، وافتكر إن تكسيرك لمجاديف غيرك مش هيخلي مركبك تمشي أسرع”

 

 

 

ابتسم له “عبدالرحمن” و هو يقول:

“دي برضه اتعملتها منك أنتَ، بقيت لما بعمل حاجة وتاخد مني وقت وبعدها اعرف طريقة اسهل، اعرف كل الناس الطريقة الأسهل، بس حلوة جملة تكسير المجاديف دي”

 

 

 

أبتسم له وهو يقول:

“ياسين هو اللي قالي عليها، هو اللي علمني السلام النفسي دا”

 

 

 

حرك رأسه موافقًا تزامنًا مع قوله:

“ربنا يرجعه بالسلامة يا رب”

 

 

 

قبل أن ينطق “عمار” خلف حديثه، لفت نظره جلوس فتاةٍ تشبها إلى حدٍ كبيرٍ، لكنه ظن أن هذا فقط من وحي خياله، فماذا لها حتى تأتِ إلى هنا؟! ظل مرُكزًا ببصره عليها وخاصةً أنها تجلس بمفردها.

 

 

 

كانت هي تجلس بثباتٍ واهٍ بعد ذلك الموقف السابق وبعد حديثه مع الفتيات في الطاولة التي تقع خلفها مباشرةً، تجاهلت هي وجودهما من الأساس حتى سقطت حقيبتها واخفضت جسدها تأخذها، حينها استطاع هو رؤية مُحياها حينما مالت بحسدها في الجهة المعاكسة له، اتسعتا حدقتيه على أخرهما حتى اعتدلت هي فورًا ثم وجهت رأسها وثبتت جسدها للامام حتى لا يراها.

 

 

 

فتحدث هو مُسرعًا بذهولٍ سيطر عليه كليًا:

“مستحيل؟! هي هنا بتعمل إيه؟”

 

 

 

عقد “عبدالرحمن” ما بين حاجبيه مُستنكرًا حديثه وهو يقول:

“فيه إيه يا عمار؟! هي مين دي وبتعمل إيه هنا؟!”

 

 

 

انتبه لصوت رفيقه فصمت وسكت تمامًا والأخر يحرك رأسه له مُستفسرًا، وفي غضون ذلك اقترب “أحمد” منها يجلس بجوارها وهو يقول بضيقٍ:

“معلش اتأخرت عليكي، بس الست جوة طلعت عيني وقرفتني لحد ما صاحب طارق جه، زهقتي؟!”

 

تعافيت بك ف65 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

تعافيت بك ف64 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

تعافيت بك ف64 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

 

تعافيت بك ف64 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

 

 

الجزء الثاني

الفصل الرابع والستون (عقل مريض)

 

“رحل عني الحبيب وتركني وذهب، فياليته لم يغادرني ويا ليت الماء قادرًا على إطفاء ما بي من لهب.

_________________________

 

 

 

“خطأٌ وقع عليَّ إثمه، فلا أنا بمذنبٍ ولا أنا بفاعله، فما ذنبي أنا أعاني من خطأ الآخرين لـ أظل واقفًا كما لو أنني مَهين، ثمة بعض أخطاءٍ يقترفها غيرك وتنغرس بها قدمك ويحاسبونك عليها جميعهم كما لو أنك اقترفت الفعل المشين، ولكن على الرغم من وقوع الإثم ستبقى أنتَ دائنًا وليس بـ المدين”

 

 

 

وقف “ياسين” في الأرض ثابتًا والرجال المسلحون حوله وحول العُمال، وفجأة خرجت الطلقة من فوهة السلاح الآلي ولكن قبل أن تصل لمصدرها الموجهة نحوه كان “ياسين” يلتصق بالأرض وفوقه “يوسف” و قد هجم عليه من الخلف حتى يحول بينه وبين الرصاصة، وقد نجح في ذلك قبل أن تخترق جسد “ياسين”.

 

 

 

زفر العمال براحةٍ حينما تحرك “ياسين” و “يوسف” معًا مما دل عن نجاة كليهما من ذلك الاختراق، فتحدث “يوسف” منفعلًا في وجهه:

“أنتَ مجنون؟! واقف قدامه وهو ماسكلك السلاح؟! أنتَ بتفكر ازاي؟!”

 

 

 

رد عليه “ياسين” بضجرٍ وانفعالٍ:

“أنا مبهربش ومبخافش غير من اللي خلقني يا يوسف، بس أنا مش فاهم مين دول؟!”

 

 

 

كانت حالة الصدمة والذهول تسيطر على الجميع بعد تلك الواقعة والرجال كما هم بسلاحهم حتى اعتدل “ياسين” بعدما استند على يوسف واعتدل كليهما في تزامنٍ مع بعضهما، فتحدث الرجل الذي سبق وأطلق السلاح بعدائيةٍ شديدة:

“فلت منها يا بشمهندس، مع أني كان بِـ ودي اجيبها في دماغك، بس ملحوقة الرجالة موجودة وهياخدوا حقهم”

 

 

 

أشار لرجاله بعد حديثه حتى يقتربوا من “ياسين” و يطرحوه ارضًا، ولكن قبل أن تمتد قدم أيًا منهم رفع “يوسف” صوته قائلًا بلهجةٍ حادة:

“اقـف م في مكانك أنتَ وهو، اقسم بربي اللي هيقرب خطوة مننا أنا هفلقه نصين”

 

 

 

تحدث الرجل بصوتٍ منفعلٍ:

“ملكش دعوة أنتَ بالكلام دا، خليك في شغلك واحنا هناخد الهندسة نتفاهم معاه لحد ما اللي مشغلينه يظهروا”

 

 

 

حينها وبُغتةً أخرج “يوسف” سلاحًا يشبه السكين” مطوة” ثم حركها في كفه حتى ظهر نصلها الحاد ة بعدها اشهره في وجه الرجال وهو يقول بنفس الحِدة:

“طب اللي قلبه جايبه ييجي هنا، موضوعك مع صحاب الشغل، وياسين ملوش علاقة بكل دا، والبشمهندس في حمايتي”

 

 

 

طالعه “ياسين” بتعجبٍ، فتحدث الرجل بحدةٍ وغلظةٍ:

“و هو حقي أنا وحق الرجالة ة العطلة اللي بينا فيها دي مين يحاسبنا عليها؟! أنتَ ترضاها؟! أنا هاخد البشمهندس لحد ما اللي شغلوه يظهروا”

 

رد عليه “ياسين” منفعلًا:

“يا عم ناس مين دول؟! فيه حاجة في مخك؟؟ أنتَ تعرفني يا عم أنتَ؟! فــيه إيــــه”

 

 

 

نطق بنبرةٍ جهورية عالية تجمع الحزم والشدة، حتى اقترب منه الرجل وهو يشير برأسه نحو العُمال وقال:

“ابقى اسأل الناس اللي معاك وهما يعرفوك ولحد ما المشكلة دي تتحل وناسك يظهروا الراجل هتفضل محاوطاكم هنا، ولو الشغل بدأ، روحك هترجع تاني لربك”

 

 

 

اتسعتا حدقي العُمال بخوفٍ، بينما “يوسف” تحدث بتهكمٍ:

“اعملها علشان روحك تطلع قبل روحه، اقسملك بربي لو ياسين حد قرب منه بس لأموته، وروحي وروح اللي يتشددله تروح قبل روحه”

 

 

 

كان كما هو لازال يمسك السلاح بيده” المطوة” و هو يشهرها في وجه الرجال، فتحدث “ياسين” مُسرعًا بنبرةٍ أهدأ:

“يا حج، بالهدوء بس ونتفاهم، أنا معرفكش ومعنديش أي فكرة عن كلامك، ومشوفتكش قبل كدا، قولي إيه مشكلتك؟!”

 

 

 

رد عليه بنبرةٍ جامدة:

“لأ، زي ما هما رفضوا يتكلموا وفكرونا عيال صغيرة معاهم، يبقى يستحملوا بقى، وأنتَ هتفضل هنا بس رجالتي هيفضلوا معاكم هنا، ولو فكرت تبدأ شغل بس ههده فوق دماغك”

 

 

 

قبل أن يتفوه بكلمةٍ واحدة أطلق الرجل رصاصةً في الفراغ بسلاحه حتى يُنهي الحوار ثم توجه نحو السيارة يركبها والرجال كما هم وقفوا جميعًا بجانب بعضهم، والسلاح في أيديهم، يشهرونه في وجه “ياسين” و العُمال الذين وقفوا بخوفٍ والرجال حولهم يحاوطونهم حتى نظر لهم “ياسين” بتيهٍ و”يوسف” أغلق سلاحه ثم وضعه في جيب بنطاله.

_________________________

 

 

 

صرخت “حنان” في وجهيهما بهياجٍ واضحٍ وانفعالٍ بعد حديث “وليد”، فتحدث هو مُتشفيًا بها بقوله:

“قولتلك بلاش أنا علشان مزعلكيش، لو أنا واطي زيك كان زماني مطلقهم من بعض ومخلي أختي محفوظة في بيت أهلها وأنتِ هنا، وأخوكي الدنيا كلها مقفولة في وشه، بس أنا جدع علشان خاطر اخوكي قبل خاطر أختي”

 

 

 

تحدثت هي بتهكمٍ تسخر منه ومن حديثه:

“آه ما هو واضح فعلًا، بدليل إنك نصبت عليه وخدت منه كل حاجة ومش بعيد تكون متفق مع بنت عمك علشان تاخد ورثه وتسلمه ليك، بس أنا مش هسكت، هرفع قضية وهاخد حقي وهتهمك إنك بتستغل أخويا”

 

 

 

غمز لها بثباتٍ وهو يقول:

“خدي دي كمان بقى، بحطله حاجة أصفرة وبغرغر بيه علشان يسمع كلامي، روحي ارفعي القضية وأنا بنفسي هاجي أشهد معاكي”

 

 

 

اعتلى الغل قسمات وجهها وبات الحقد الدفين واضحًا على وجهها ونظرتها، فأضاف هو بدهاءٍ:

 

 

 

“أي عقد علشان تروحي تطعني فيه لازم يبقى على الأقل فيه نسبة بطلان، والعقد اللي معايا سليم مفهوش خدش حتى، خرج من حسن وهو كامل الأهلية وبالغ راشد دون اكراه أو اجبار، وراح لهدير البالغة العاقلة الراشدة من غير اي ضغط عليهل، يعني عندنا عقد متكامل الأركان، المحل والرضا وعلاقة السببية بينهم وهو أنها مراته واشترت كل حاجة منه وهو قبض التمن، هاتي أخرك بقى علشان اللي قدامك ملوش أخر يتجاب”

 

تعافيت بك ف64 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

تعافيت بك ف63 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

تعافيت بك ف63 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

تعافيت بك ف63 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

 

 

الجزء الثاني

الفصل الثالث والستون (وجهةٌ مصوبة)

 

“وجدت فيك نفسي وفي وجودك الحياة، كنتُ أنا الغريق وأنتَ طوق النجاة”

_________________________

 

 

 

ذوقت طعم الراحة فكنت كمن اغتنم غنائم الحرب بأكملها لصالحه، وبُغتتةً سُلبت مني تلك الراحة، فغدوت كما طفلًا صغيرًا تركته أمه وسط قبيلةٍ في حالة صراعٍ قُرعت بها طبول الحرب فوق رأس الجميع، وظللت أنا في المنتصف باكيًا أطلب أيديهم جميعًا لـ تنتشلني.

 

 

 

فرت عبراته من بين أهدابه دون أن يشعر هو بذلك، فقط سخونتها على وجنتيه هي من انذرته بذلك، لم يتخيل أن يسمع تلك الكلمات التي بمثابة خنجرًا يطعن في ثبات روحه حتى بات ممزقًا بالكامل، وهي أمامه تطالعه بجمود، حتى تحدث هو بنبرةٍ صوتٍ تشبه صوت الطفل الذي وقف يتوسل والدته باكيًا:

 

 

 

“أنتِ بتقولي إيه يا حنان؟؟ أنتِ بتخيريني على وجودك في حياتي؟! بتحطي حياتي معاكي في كفة ووجود مراتي معايا وراحتي في الكفة التانية؟!”

سألها مستنكرًا حديثها بذهولٍ امتزج ببكاءٍ مزق نياط قلبه هو نفسه، حتى ردت عليه هي بجمودٍ:

“أنتَ اللي حطيتنا في الموقف دا من الأول يا حسن، يا أنا يا هي، بس لو اختارتني يبقى هتسيب كل عيلة الرشيد، وترمي اليمين على مراتك وأعيش أنا وأنتَ مع بعض واعوضك عن كل حاجة بس وأنتَ في حضني، إنما كدا أنا كأني مليش لازمة”

 

 

 

اتسعتا حدقتيه بقوةٍ وحرك رأسه سلبًا بالنفي، غير مُصدقًا أنها امسكت الخنجر وطعنته في جرحه مباشرةً، فتدخل في تلك اللحظة “وليد” بعدما وقف في الخارج يراقبهما، وحينما رأى الأمور تزداد سوءًا بينهما، قرر التدخل بقوله الهاديء:

“استهدوا بالله يا جماعة، أهدي يا مدام حنان وياريت متتسرعيش في طلبك، مهما كان دا أخوكي”

 

 

 

ابتسمت هي بتهكمٍ وهي تقول:

“تقدر تقولي الاستاذ دخل هنا ازاي؟! أكيد مش جاي معاك، طبعًا أنتَ مديله نسخة يدخل بيها هنا، مش بقولك أنتَ مبديهم على الكل حتى أختك؟!”

 

 

 

يكفي عند هذا الحد فقد طفح الكيل منها ومن حديثها اللاذع، فاقترب “وليد” يقف مقابلًا لها وبجوار الأخر وهو يقول بطريقته المعتادة:

“بالراحة على نفسك بس علشان متروحيش فيها، وابلعي ريقك علشان…و لا بلاش لا تروحي فيها، دخولي اللي مزعلك دا ومخليكي مش طايقة نفسك، مرتين انقذ أخوكي من الموت، لما كان بيغيب عننا ونحس إنه اختفى زيادة عن الطبيعي، والمرتين كنا بنيجي نلحقه، وجودي اللي مزعلك أوي دا فعلشان أنا جاي ورا أخوكي علشان ميعملش فيكي أو في نفسه حاجة، إنما أنتِ فـ ربنا يخلص منك في اللي يخصك، وحق أختي اللي أنتِ خوضتي فيه دا مش مسامح فيه لا دنيا ولا آخرة، وهنتقابل قدام ربنا اخنا الاتنين وساعتها أنا هقوله أني مش مسامح، دا غير أنه هيخلص منك في الدنيا، أصل كله سلف ودين حتى المشي على الرجلين”

 

تجاهلت حديثه ثم نظرت لأخيها وهي تقول بلهجة صوتٍ حادة:

“اختار يا حسن؟! باقي عليا ولا هتختار عيلة الرشيد؟؟ أنا ولا هي يا حسن؟!”

 

 

 

أمعن النظر في وجهها وتعمق بنظره في عينيها لتلتحم نظراتهما سويًا في معركةٍ يكسوها الجمود والقسوة دون أن تشوبها شائبة لينٍ، وقبل أن تتحدث من جديد تطلب منه الإدلاء بقراره الأخير، صرخ هو بنبرةٍ صوتٍ جهورية:

 

 

 

“هــــي…..هختارها هي يا حنان، عارفة ليه؟! علشان هي متستاهلش أني اوجعها كدا، أنا كنت مستني انها هي اللي تخيرني بينك وبينها، وقولت لو عملت كدا أنا مش هأمن على نفسي معاها، بس هي طلعت احن منك عليا، هدير اختارت أنها تسيبني علشان متحطنيش في مقارنة زي دي، هدير اللي دبحتيها بكلامك واتهمتيها في شرفها وبسببك كانت هتضيع مني في الشارع، أنتِ بقى زيك زيها، بما انك خيرتيني يبقى هختارها هي، عارفة ليه؟! علشان اللي بيحب حد مبيخيرهوش، مبيساومهوش بوجوده في حياته، لو هختار يبقى أختار اللي أنا ارتخت معاها، وأنا مرتحتش غير معاها يا حنان، أنا معرفتش يعني إيه أنا انسان ليا خاطر ومشاعر غير لما هي بقت معايا، على عيني أقولك كدا يا حنان، بس أنا هختار مراتي، ومش طالب غير وجودها هي معايا”

 

 

 

ربتت على كتفه وهي تقول بجمودٍ:

“عيشت يا أخويا، عيشت يا ابن أمي وأبويا”

 

 

 

رفع كفيه يمسح وجهه بعنفٍ ثم تحدث بنبرةٍ متحشرجة:

“أنا ماشي وسايبلك البيت لحد ما شقتك تخلص والناس تروقها، مهما كان أنا مش هقدر اطردك من هنا، بس وأنتِ بتدعي لأبوكي وأمك الصبح دا لو بتفتكيرهم يعني، ابقي ادعي لأخوكي معاهم بالرحمة علشان حسن المهدي بالنسبة ليكي ميت”

 

 

 

تحرك من أمامها وهي تنظر في أثره بذهولٍ ونظرة عينيها غلفها القسوة والثبات، حتى اقترب “وليد” منها يقف مقابلًا لها وهو يقول بنبرةٍ ثابتة:

“أنا لحد أخر لحظة مستني منك دمعة واحدة تحسسني إنك ندمانة أو إنك موجوعة على اخوكي، بس أنا شايف جحود وعيون مفيهاش زرة حنية أو شفقة حتى على وجعه، وحسن يخصني زيه زي هدير، اقسملك بربي ما هسيبك ولا هقدر حتى اخرجك من دماغي، هقهرك زي قهرة هدير بالظبط لما غلطتي في شرفها وزي ما نزلتي دموع حسن، هوريكي واحد مني يكرهك في عيشتك وهخسرك كل حاجة، قابلي اللي جاي مني بقى، علشان اللي جاي كتير”

 

 

 

تحرك من أمامها بخطواتٍ رتيبة واثقة وهي خلفه تطالع اثره بحقدٍ عليه، دون حتى ان يكون عندها ذرة شفقة ولو صغيرة نحو اخيها الذي تصدع قلبه حديثها.

_________________________

 

 

 

نزل “وليد” من الشقة فوجد “حسن” يقف بجوار السيارة ونظراته موجهة في الفراغ أمامه وعينيه تنطق بكل كلمات الوجع والألم، اقترب منه يقف مقابلًا له يسأله بنبرةٍ خافتة:

“حسن؟! أنتَ كويس؟!”

 

 

 

توجه له ببصره بعدما كان شاخصًا به في اللاشيء، وحينما التقت نظراتهما استطاع “وليد” استشفاف الوجع بهما على كونه لم يُفصح هو بذلك، فاخفض “حسن” رأسه يُطرقها للأسفل وفقط تحدث بكلماتٍ قليلة منكسرة يقول:

“وديني لـ هدير يا وليد، عاوز أروح عندها، ينفع؟!”

 

تعافيت بك ف63 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

تعافيت بك ف62 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

تعافيت بك ف62 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

 

تعافيت بك ف62 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

 

الجزء الثاني

الفصل الثاني والستون (حرية الاختيار)

 

“و كأنني موعودٌ بفراق الأحباب، فكلما أحببتُ شيئًا، ذوقت منه الغياب”

_________________________

 

 

 

“ألا لَيْتَ بذنب الحُبِ ما بُليتَ، فبعدما استأنستُ بوجودك، غدوت في رحيلك عائلًا وكأنني بدونِ بيتَ، فراح القلب يَصرُخ باكيًا، كيف حالك في بعادي يا من ظننتُ أنني بِكَ تعافيتَ، كيف أتقبل غيابك بعد الرحيل، وأنا من وجدت بِكَ الحياةِ يوم أتيتَ؟”

 

 

 

( في شمال سيناء)

 

 

 

كان كليهما ينظر للسماء رافعًا رأسه بوجلٍ، متنهدًا بقلة حيلة، لا يملك أيًا منهما سوى النظر لها والطمع في التيسير، حتى تحدث “يوسف” بسخريةٍ:

“بس قلبهم ميت أوي أنهم يجيبوك بعد اسبوع من مشيان رأفت، إيه مستبيعين أوي كدا؟”

 

 

 

حرك “ياسين” رأسه نحوه وقد عقد ما بين حاجبيه بتعجبٍ من حديث الأخر، فتحدث مُضيفًا:

“جابوك بدري، أنا قولت فيها شهر لحد ما تيجي، عملت إيه أنتَ علشان يرموك هنا؟!”

 

 

 

حرك “ياسين” كتفيه ببساطةٍ وهو يقول بهدوء:

“معملتش حاجة، أنا كنت قاعد في مكتبي زي كل يوم، بعتولي أروح أقابل المدير، روحت أقابله قالي إن رأفت مراته ولدت باين أو حاجة زي كدا، وأنا زيه في نفس الكفاءة وهكمل الشغل مكانه، جيت”

 

 

 

حرك رأسه له يسأله بتعجبٍ واستنكارٍ معًا:

“مراته بتولد؟! ليه متجوز أرنبة؟؟ ما هي ولدت من شهرين، اشتغلوك يا عسل؟!”

 

 

 

ردد خلفه باستنكارٍ:

“اشتغلوني؟! اشتغلوني ازاي يعني؟! دا شغل وأكيد الشركة مش هتلعب معايا يعني”

 

 

 

أومأ له موافقًا ثم تحدث منهيًا ذلك الحوار:

“أكيد طبعًا، بس أنتَ شكلك ابن بلد ومجدع، رغم إني شاكك فيك وهتطلع رخم، بس أنا بعرف أتعامل مع الرخمين”

 

 

 

أبتسم “ياسين” بيأسٍ من طريقته ثم رفع رأسه للسماء مرةً أخرى ووضع كفيه داخل جيبي معطفه، وسرعان ما ابتسم حينما وجد نجمةً في السماء تضوي وكأنها تقصده هو تحديدًا، حرك الأخر رأسه نحوه يسأله بتهكمٍ:

“إيه حكايتك؟! أنتَ عاشق ولا إيه؟؟”

 

 

 

سأله “ياسين” مُبتسمًا:

“ليه بتقول كدا؟؟ علشان ببص للسما يعني؟!”

 

 

 

أردف مُفسرًا:

“لأ، علشان ضحكت للنجمة، والنجوم ميضحكش ليها غير العاشق، أو اللي ماتله حد عزيز”

 

 

 

تحدث “ياسين” بهدوء:

“بلاش ماتلي حد عزيز دي، خلينا في الأولى ومشيها عاشق”

 

 

 

سأله بثباتٍ:

“اللي بتعشقها دي بقى، حبيبتك ولا خطيبتك ولا هي متعرفش أصلًا إنك موجود؟!”

 

 

 

رد عليه مُبتسمًا بعدما رفع كفه يشير نحو الدبلة التي تتوسط اصبعه:

“مراتي….اللي بحبها دي مراتي”

 

أبتسم له بسخريةٍ وهو يقول:

“لأ، جديدة دي، جديدة وحلوة بصراحة”

 

 

 

وضع “ياسين” كفه في جيب معطفه وهو يقول بثباتٍ:

“براحتك، كدا كدا مش مضطر اثبتلك حاجة، بس أنا بحب مراتي بجد”

 

 

 

رد عليه “يوسف” متفهمًا:

“يا عم ربنا يكرمك ويخليكم لبعض، بس كل اللي قابلتهم هنا جايين طفشانين أساسًا، أنتَ الوحيد اللي شكلك زعلان”

 

 

 

حرك رأسه موافقًا ثم تحدث بهدوء:

“مبكرهش في حياتي قد الغُربة، الغربة مرة زي ما بيقولوا كدا، وبالذات لواحد زيي كان متحاوط بالونس، سيبت أخواتي ومراتي وأبويا وأمي، يمكن دي حاجة جديدة عليا، بس أهو هتعود”

 

 

 

رد عليه الأخر بنبرةٍ يشوبها ألمٍ طفيفٍ:

“أهو أنا طول عُمري معرفش يعني إيه ونس، يمكن بفضل هنا بالشهور علشان اهرب مني أني مليش حد، مكدبش عليك بكون مرتاح هنا، وبصراحة؟! العيون البدوية اللي هنا متتسابش”

 

 

 

اتسعتا حدقتي “ياسين”، فابتسم له الأخر ببرودٍ وهو يقول:

“آه نسيت أقولك، أنا راجل نقطة ضعفي حاجتين، محشي ورق العنب والعيون السود”

 

 

 

أبتسم “ياسين” بسخريةٍ وهو يقول:

“أنتَ ضربت الاتنين في الخلاط مع بعض؟؟ سبحان الله، مكتوبين عليا النُسخ اللي زيكم”

 

 

 

سأله باهتام:

“مين دول؟؟”

 

 

 

_” أخواتي، وليد وعامر”

تفوه “ياسين” ببساطةٍ وهدوء، فأومأ الأخر مُتفهمًا، فتحدث “ياسين” مُستفسرًا بهدوء:

“هو ليه مفيش شبكة هنا؟! اللي عاوز يكلم ناسه يكلمهم إزاي؟”

 

 

 

رد عليه بنبرةٍ هادئة:

“هنا مفيش أبراج للشبكة، محتاج تمشي حوالي تلاتة أربعة كيلو كدا، عند السوق والمدينة من برة”

 

 

 

رد عليه “ياسين” مُسرعًا باستنكارٍ:

“تلاتة أربعة كيلو !! علشان اتكلم في التليفون؟! إيه الهم دا بس؟”

 

 

 

أبتسم له ببرود ثم حرك رأسه ينظر للسماء مرةً أخرى، بينما “ياسين” أخرج هاتفه يطالعه بيأسٍ بعدما تأكد من فشله في محاولة الوصول لهم.

 

 

 

و خلفهم وبعدما وقف يراقبهما ويراقب جلوسهما الهاديء، حينها أخرج هاتفه يهاتف شخصًا ما، وهو يتحدث باللهجة البدوية:

“أيوا يا اخو…عسعست مِتل ما بدك، يورالي إنه المهندس الجديد، بتريدني أتدخل؟! ولا؟”

 

 

 

رد عليه الأخر مُسرعًا يرفض تدخله وطلب منه التريث لحين التأكد من هويته وإن كان مُحقًا قادمًا للعمل في هذا المشروع، حينها سيتم التدخل في ذلك الشأن.

_________________________

 

 

 

عاد “وليد” من وجهته ثم توجه نحو شقته، ينادي على زوجته حتى تقوم “هدير” بوضع غطاء رأسها، وبعدها دلف الشقة بانهاكٍ ثم جلس على المقعد المقابل للأريكة وهما يجلسا سويًا في غرفة التلفاز، فسألته “عبلة” بقلقٍ:

“ها عملت إيه يا وليد؟! أوعى تكون اتهورت وعكيت الدنيا؟! احنا عاوزينك تحل مش تعقد”

 

تعافيت بك ف62 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

تعافيت بك ف61 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

تعافيت بك ف61 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

تعافيت بك ف61 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

 

 

الجزء الثاني

الفصل الواحد والستون (عصفورٌ في اليد)

 

“أوصدتِ في وجهي بابك…

حكمتَ على قلبي بغيابك”

_________________________

 

 

 

و كأنني يا صديقي مُعتمٌ فيخشوني الآخرين، أو ربما بهتت روحي وبات القلب حزين، أو ليس لي مكانًا في هذا العالم؟! وربما أنا به سجين، فياليت كل ما شعر به القلب ليس حقيقةً، ويا ليت دنياي تعطف عليَّ وأنا المسكين، غدوت عن نفسي غريبًا وداخلي يبكي قهرًا من فرط الحنين.

 

 

 

_” طلقني يا حسن….طلقني علشان نرتاح احنا الاتنين”

 

 

 

تفوهت بها “هدير” بثباتٍ زائفٍ وهو يطالعها بأعين متلهفة، لكنها صدمته بقولها كمن مسك السكين وطعنه غدرًا دون أن يرأف بحاله، ازدرد لُعابه بخوفٍ وهو يحرك رأسه مُستنكرًا ما تفوهت به، فأضافت هي بصوتٍ مختنقٍ متحشرجٍ نتيجة تماسكها الزائف:

 

 

 

“طلقني علشان لا أنا ولا أنتَ هنعرف نرتاح سوا، أنا مبعرفش أعيش في صراعات، سيبني علشان أختك ترتاح وعلشان متاخدش واحدة زيي بتستغلك”

 

 

 

أمسك مرفقها بحدة وهو يهزها في يده بعنف ورافق حركته تلك قوله المنفعل:

“أنتِ واعية لنفسك بتقولي إيه؟! سامعة كلامك يا هدير؟! حرام عليكي دا أنا بلف عليكي زي المجنون من امبارح، أنا عيطت علشانك زي اليتيم اللي اتيتم للمرة التانية، ليه يا هدير؟!”

 

 

 

بكت هي رغمًا عنها من نبرة صوته المتألمة والوجع الذي بدا عليه، فأضاف هو متوسلًا لها:

“أنتِ عيشتي معايا شوفتي مني حاجة وحشة طيب؟! زعلتك في حاجة؟؟ والله العظيم أنا مش عاوز غيرك أنتِ بس من الدنيا”

 

 

 

زاد بكائها ونحيبها حتى شهقت بقوةٍ وامتزج البكاء بالوجع والآهات، فأضاف هو بنبرةٍ باكية ودموعه تنهمر على وجنتيه:

“ليه عاوزة تيتميني تاني؟! ليه عاوزة ترجعيني غريب في الدنيا دي، وأنا مش طالب غير وجودك فيها؟!”

 

 

 

حركت رأسها نفيًا وهي تبكي وكأنها لا تملك الجواب على أسألته الموجوعة، فترك مرفقها وهو يقول مُقررًا بصوتٍ مختنقٍ:

“أنا مش هطلق يا هدير، مش هرضى بغربتي بعد ما لقيت الونس، أنا هبقى أناني المرة دي”

 

 

 

ترك المكان بأكمله بعد تلك المقابلة وخاصةً مع بكائها الذي أخذ يزداد مثل الطفل الصغير، فرحل هو من البيت بأكمله وبداخله نيرانٌ ملتهبة تحرق روحه، أما هي ارتمت على الأريكة وهي تبكي فركضت لها “عبلة” من الداخل تحتضنها وهي تبكي معها، حينها جلس “وليد” على ركبتيه أمامهما يسألها بنبرةٍ هادئة مُراعيًا حالتها وما تمر به:

 

 

 

“أنا مش هضغط عليكي في حاجة، بس هقولك إن حسن ميستاهلش إنك تسيبيه، حسن طيب وابن حلال، ولو هو مش كدا أنا عمري ما هسلمك ليه”

 

ردت عليه هي بوجعٍ وصراخٍ:

“أنا بعمل كدا علشان هو يرتاح، مش هيستحمل إنه يتوجع تاني بأي طريقة، أنا بختار الوجع الأحن عليه، هو لازم يفهم إننا مش هننفع مع بعض”

 

 

 

ربتت “عبلة” على رأسها بعدما احتوتها بين ذراعيها، فسألها “وليد” بثباتٍ:

“مفيش حاجة اسمها وجع أحن من وجع تاني، في النهاية كله وجع، وأنا متأكد إن حسن معملكيش حاجة أصلًا، ولو حنان هي السبب تبقي غبية لو سيبتيه علشانها”

 

 

 

تحدثت هي ببكاءٍ وصراخٍ منفعلًا في وجهه:

“أنتَ مش فاهم حاجة، مشوفتش وجعي كان عامل ازاي منها ومن كلامها، دبحتني وأنا واقفة قصادها مش عارفة أرد، عايرتني بموضوع جوازنا وإنك أنتَ اللي طلبت منه يتدخل ويلحقني، اتهتمني في شرفي أني غلطت مع راشد وأنتم لزقتوني لـ حسن علشان سُمعة العيلة”

 

 

 

صُعق هو مما وقع على سمعه وكأنه يمسك أسلاك الكهرباء مباشرةً فسرت القشعريرة في جسده مثل سريان الكهرباء في الأجساد، وزوجته لم تختلف عنه كثيرًا حتى ارتخى كفيها من على “هدير” و هي تطالعهما بذهولٍ؛ حتى تحدث “وليد” بنبرةٍ مهتزة:

“أنتِ بتقولي إيه يا هدير…..أكيد فيه حاجة غلط، مستحيل”

 

 

 

صرخت في وجهه وهي تقول:

“ليه مستحيل !! دا اللي حصل فعلًا…قالتلي كلام زي السم، أنا محسيتش بنفسي غير وأنا برفع ايدي عليها علشان أضربها، مسكت ايدي وطردتني من البيت، أنا اللي خلاني نزلت أني كنت هموتها، كنت هرميها من البلكونة علشان النار اللي جوايا تهدى، مكانش ينفع أفضل في مكان واحد معاها، كانت هتخلص بموت واحدة فينا”

 

 

 

كانت تتحدث عن وجعها بصراخٍ رغم قوته إلا أنه أظهر صوتها المُنكسر، فأضافت هي بنبرةٍ أكثر وجعًا:

“لأول مرة أحس أني اتيتمت وأمي ماتت، وأول مرة أحس اني محتاجة أخ يلحقني ويجيبلي حقي، أنا عيني اتكسرت يا وليد، عيشت عمري كله رافعة عيني في وش الكل، وجت هي عرفت تكسرني صح، أبوس إيدك خليه يطلقني، مش هستحمل وجع أكتر من كدا ولا هو هيتحمل”

 

 

 

نزلت دموعه إثر حديثها الذي بعثر ثباته وهز كيانه، فتحدث بنبرةٍ متحشرجة:

“أنتِ مش يتيمة، أنا وكلنا معاكي، وعندك بدل الأخ أربعة يجيبوا حقك، وحتى لو كلهم اتخلوا عنك، وليد أخوكي في ضهرك ومش هسيب حقك”

 

 

 

سألته بخزيٍ وخجلٍ بنبرة صوتها المنكسرة ودموعها تنساب بحريةٍ أطلقت هي لها العنان:

“حتى بعد كل حاجة حصلت زمان هتقف معايا؟!”

 

 

 

حرك رأسه موافقًا ثم تحدث مُفسرًا:

“كل حاجة حصلت زمان أنا نسيتها ورميتها من دماغي خلاص، ومهما حصل احنا ولاد عم وعمري ما هقبل إن حد يمسك ولو بكلمة، متقلقيش”

 

 

 

حركت رأسها موافقةً وهي تبكي، فطالعته “عبلة” بامتنانٍ له ولحديثه، فتحدث هو بعدما زفر بقوةٍ:

“ادخلي ريحي يا هدير ونامي كويس، علشان لما تصحي هتقوليلي كل حاجة، أنا لازم افهم حصل إيه علشان أعرف اتصرف صح”

 

تعافيت بك ف61 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

تعافيت بك ف60 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

تعافيت بك ف60 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

تعافيت بك ف60 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

 

 

الجزء الثاني

الفصل الستون (تمزق الروح)

 

“فكيف لـ مُـري أن يُطيب؟!

و أنا من تركني الحبيب…”

_________________________

 

 

 

“أشعر وكأن روحي فارقت جسدي وفلت بعيدًا عني، سرتُ خاويًا مثل ورقةً ممزقة تملؤها الثقوب وأنا هنا عانيت من ويلاتي وعلى أمري مغلوب، فلا يسعني الكون ولا أنا بـ محبوب، وراح قلبي يتساءل هل أنا مليءٌ بالعيوب، أم أنَّ وجعي في لوحي مكتوب؟!

 

 

 

نزلت دون أن تعي عواقب ما هي مُقدمةً عليه، ولكن جرح كرامتها جعلها تود الهرب بعيدًا وهي تكاد تُجزم بأنه جرحها ذلك لن يداويه ألف طبيب، سارت دون وجهةً مُحددة ودموعها تنهمر على خديها كمثل الشلالات وهي تسير متسرعة الخُطى تأخذ الخطوة في اثنين حتى أنها لا ترى أمامها شيئًا.

 

 

 

فقط خيالات متحركة من كثرة تشوش رأسها من شدة دموعها التي غطت على رؤيتها المُجردة للأشياء، حتى توقفت عن السير وكأن قدماها لن تُكمل تلك المهمة وأعلنت التوقف، وقفت تلهث بقوةٍ والحديث يتردد على مسامعها وكأنها تقوله لها من جديد، رفعت كفيها تُغلق أذنيها حتى تصمها عن تلك الكلمات المؤذية وحينما زاد ارتفاع الكلمات ارتمت على ركبتيها وهي تصرخ بوجعٍ والدموع تمتزج بشهقاتها ونحيبها الذي أخذ يزداد.

 

 

 

و فجأة تحققت أكبر مخاوفها ومرت قطة سوداء بجوارها وهي تموء بصوتٍ عالٍ فركضت “هدير” مُسرعةً دون أن تقصد وجهة معينة، وفي تلك اللحظة ودت لو هاتفته حتى تطمئن بسماع صوته، لكن حتى هاتفها فقد طاقته ونفذت بطاريته في ثوانٍ فتأكدت أن تلك الليلة لن تمر مرور الكرام عليها.

_________________________

 

 

 

وقف “ياسين” مشدوهًا من حديث رئيسه بعدما ترك الفراش، فأكد عليه المتحدث قوله:

“ياريت الرد يوصلنا يا أستاذ ياسين، حضرتك ناوي تسافر تباشر إدارة المشروع ولا لأ؟؟ لو حضرتك موافق ياريت تجهز علشان الاتوبيس هيتحرك الفجر”

 

 

 

شد على فروة رأسه ثم حرك رأسه للجهة الأخرى ينظر لها فوجدها تحرك رأسها موافقةً بقلة حيلة وعبراتها تنساب على وجنتيها، حرك رأسه باستفسارٍ وكسا الاستنكار ملامح وجهه، فهزت رأسها موافقةً له مرةً أخرى، حينها تحدث هو بتيه يجاوب على حديث الأخر:

 

 

 

“تـم….تمام يا فندم، حاضر هجهز نفسي واتحرك إن شاء الله”

 

 

 

رد عليه الأخر بارتياحٍ:

“تمام يا ياسين، وأنا هبعتلك حالًا تفاصيل المكان ورقم الباص اللي هتتحرك بيه”

 

 

 

أغلق المكالمة معه ثم اقترب منها يجلس بجوارها وهو يسألها بتوجسٍ وحذرٍ:

“خديجة !! أنتِ موافقة أني أسافر؟! أنا كدا همشي النهاردة وأسيبك؟! فاهمة أنتِ وافقتي على إيه؟؟”

 

 

 

رفعت كفها تمسح دموعها بعنفٍ ثم حركت رأسها موافقةً وتحدثت بصوتٍ مختنقٍ:

“حرام عليا أكون أنانية علشان نفسي وبس، روح يا ياسين وخلي بالك من نفسك، شوف شغلك وأهتم بمستقبلك، حرام تضيع كل حاجة من إيدك علشاني”

 

خطفها بين ذراعيه في عناقٍ قويٍ وهو يتشبث بها ويشدد مسكته لها، وكعادتها كلما تذكرت أنها ستحرم من هذا العناق بكت وهي تتمسك به.

_________________________

 

 

 

كان “خالد” واقفًا في المطبخ بجوار زوجته و”يونس” على كتفيه يهز قدميه بمرحٍ وهو يضرب والده في منكبيه، والأخر يقوم بتقطيع الخضروات لعمل” السَلطة” و زوجته تقوم بطهي الطعام أمام البوتجاز، وفجأة ضرب “يونس” والده حتى يشاكسه، فتحدث “خالد” مُحذرًا له:

“هرميك من على كتفي يا حيوان !! لم نفسك يا يونس”

 

 

 

ضحك الأخر ثم أخفض نفسه يقبل خَد والده بمرحٍ ثم قام بعضه وهو يضحك بقوةٍ فتأوه “خالد” ثم تحدث بنبرةٍ جامدة:

“هو أنا مخلف كلب !! اقسم بالله هرميك على البوتجاز، أنا مجنون”

 

 

 

تحدثت “ريهام” بيأسٍ منهما:

“هو انتو ضراير !! فيه إيه منك ليه؟؟ بطلوا فضايح بقى”

 

 

 

تحدث “خالد” بسخريةٍ:

“الحيوان اللي قاعد فوق كتافي دا عمال يضرب كل شوية وأنا ساكتله، كفاية سايبه قاعد على كتافي ومحسسني أني شمبانزي وابنه في الجبلاية”

 

 

 

ضحكت “ريهام” بقوةٍ وهي تتخيل هيئتهما بتلك الطريقة، فسألها هو بغموضٍ غلف نبرته:

“بتضحكي علي إيه يا سكر؟! شكلك هتطردي أنتِ والقرد اللي على كتافي دا”

 

 

 

ردت عليه هي بنبرةٍ جاهدت حتى تتفوه بها بسبب كثرة ضحكاتها:

“بتخيل شكلكم أنتم الاتنين وأنتم في المطبخ كدا مقفول عليكم زي القفص وأنا برميلكم موز وسوداني”

 

 

 

تحدث هو بغير تصديق وحنقٍ من حديثها وضحكاتها:

“طب أرمي عليها يمين الطلاق دي ولا أعمل فيها إيه؟! اضحكي ياختي، اضحكي، إن شاء الله هجيلك في القفص اللي جنبنا”

 

 

 

ضحكت مرةً أخرى ثم التفتت حتى تباشر طهي الطعام، بينما هو رفع ثمرة الخضار في يده وهو يقول بسخرية لابنه:

“كُل يا يونس، معلش بقى مفيش موز، الجنينة لسه محنتش علينا”

 

 

 

ضحكت هي بسخريةٍ وهو يطعم ابنه الخضروات والأخر يأكلها بمرحٍ حتى صدح صوت هاتف “خالد”، فمسح يده في المناديل الورقية الموجودة أمامه ثم أخرج الهاتف من جيب بنطاله، وحينها وجد رقم “ياسين”، رد عليه بمرحٍ:

“يا مساء العسل يا غالي، خير”

 

 

 

تنهد “ياسين” بعمقٍ ثم تحدث بنبرةٍ مهتزة وكأنه مجبورًا على ذلك الحديث:

“خير…. المهم يا خالد أنا مسافر الفجر، عاوزكم معايا وأبويا وأمي جايين في السكة”

 

 

 

سأله “خالد” بذهولٍ واستنكارٍ:

“الفجر !! إزاي دا ياخويا؟! مش قالولك رد علينا؟! هو هبل؟!”

 

 

 

رد عليه بنفاذ صبرٍ:

“يا خالد هعمل إيه يعني؟! الاتوبيس هيتحرك الفجر وأنا لازم أكون مستني هناك، هتيجي معايا؟!”

 

تعافيت بك ف60 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

تعافيت بك ف59 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

تعافيت بك ف59 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

تعافيت بك ف59 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

 

الجزء الثاني

الفصل التاسع والخمسون (فراق الحبيب)

 

ألا لَيْتَ حدود ذراعيْك لي بيتَ

_________________________

 

 

 

“غادرني الحبيب وعاد قلبي غريب، فياليتني ما أحببتُ يومًا ويا ليتني ما كنت منك القريب، نزل الدمعِ وزاد الوجعِ وأنا ابكي من لوعة فراق الحبيب وصدى قلبي تردد على السمعِ وهو يردد:

“ألا ليتَ قلبي بهوىٰ الحُب ما أصيب”

و لكني سأظل آملًا وأدعو بكامل رجائي وأنا ظني في اللّٰه لا يَخيب” .

 

 

 

_” دا عقد فض شراكة للشغل اللي ما بينا، محتاج توقيعكم عليه”

تفوه “حسن” بتلك الكلمات بثباتٍ أمام الشباب وكلًا منهم لا يصدق حدثه، فتلك الجملة وقعت على السمعِ كما وقع الصاعقة التي هزت ثبات الأجواء.

 

 

 

سادت لحظة صمت في المكان وهدوء، أشبه بهدوء ما قبل العاصفة خاصةً مع لزوم الصمت من قبلهم جميعًا وفقط أعينهم تجول بالمكان نحو ذلك الجالس حتى تحدث “طارق” بنبرةٍ مشوشة واستنكارٍ في كلماته:

“ازاي مش فاهم؟؟ عقد فض شراكة !! يعني إيه؟؟”

 

 

 

رد عليه بنفس الجمود والثبات:

“خلاص الشغل اللي ما بينا يا طارق، الشركة ما شاء الله بقت في حتة تانية خالص، أظن وجود اسمي معاكم ملوش لازمة”

 

 

 

تدخل “وئام” بنبرةٍ أقرب للانفعال من شدة غيظه:

“أنتَ أكيد اتجننت رسمي، الشركة دي بتاعتنا احنا التلاتة والاتفاق كان انها تقف وتكمل بينا ومحدش فينا يسيب مكانه دا، جاي دلوقتي عاوز تنسحب منها؟!”

 

 

 

سأله باستنكارٍ بات واضحًا في صوته وطريقته ومعالم وجهه، فحرك “حسن” رأسه موافقًا ثم تحدث بنبرةٍ أقل ثباتًا يشوبها بعض التردد:

“أنا بعمل كدا علشان أضمن حقوق الناس، أنا مش عاوز اسمي يفضل معاكم فيها”

 

 

 

تدخل “وليد” يسأله بثباتٍ وثقةٍ لم تهتز منذ بداية الجلسة:

“اومال عاوز إيه؟؟ بتشوف غلاوتك عندنا مثلًا؟؟ غالي والطلب رخيص يا أبو علي”

 

 

 

تهكم في حديثه بسخريةٍ من الأخر الذي زفر بقوةٍ ثم تحدث بجمودٍ:

“وليد !! أنا مش عاوز هزار، عاوز إمضة وئام وطارق على الورق دا، وكدا أحسن”

 

 

 

تحدث “وليد” بثقةٍ:

“الحوار دا مش داخل دماغي، حصل إيه علشان تتقلب كدا؟! ما هو احنا مش سراير علشان تتقلب علينا براحتك، عرفني إيه الحوار بدل ما اعرف أنا بطريقتي”

 

 

 

تنفس الصعداء بعمقٍ ثم تحدث على مضضٍ:

“علشان فيه شريك جديد هيجي مكاني، هيدخل مكاني بنفس قيمة نصيبي”

 

 

 

عقدوا جميعًا ما بين حاجبيهم يستنكرون حديثه وكلماته، فتحدث “أحمد” مدهوشًا مما وقع على سمعه:

“شريك !! هو من إمتى بيدخل شريك ما بينا؟! مش طارق مانع إن حد غريب يدخل في الشغل !”

 

 

رد عليه بنبرةٍ هادئة:

“الشريك مش هيكون غريب، الشريك دا من دمكم ومن منكم”

 

 

 

ازداد الاستنكار أكثر من قبل على ملامحهم وقبل أن يهم أيًا منهم بالحديث، تكلم هو برزانةٍ:

“هدير ….الشريك الجديد معاكم هتكون هدير الرشيد مراتي وبنت عمكم”

 

 

 

نظر أربعتهم لبعضهم البعض بأعين متسعة قد تصل لمرحلة الجحوظ، وتشوش وتخبطٍ فأضاف هو بثباتٍ:

“عاوز أضمن حق هدير علشان لو جرالي حاجة يبقى حقها محفوظ، وعاوز كمان أكتب لها الشقة وبيت الساحل باسمها”

 

 

 

رمقه “وليد” بامعانٍ وكأنه يحاول سبر أغواره بعد ذلك الحديث خصيصًا وهو يهرب بنظراته في شتى أنحاء الغرفة، فتحدث “طارق” مُستفسرًا بذهولٍ طغى عليه:

“ليه دا كله يا حسن؟؟ ما هي مراتك وعايشة معاك ومفيش بينكم فلوس ولا فرق، ليه عاوز تكتب كل حاجة ليها؟!”

 

 

 

تحدث بعدما زفر بقلة حيلة:

“علشان الدنيا مش مضمونة وعلشان محدش عارف عمره فاضل فيه قد إيه، هدير مراتي وحبيبتي كمان بس أنا عاوز أضمن حقها، على الأقل لو حصلي حاجة تتسند من بعدي، علشان كدا عاوز اتنازل عن نصيبي معاكم هنا ليها هي”

 

 

 

اقترب منه “وئام” يجلس بجواره على يد مقعده ثم احتواه بين ذراعيه وهو يقول بهدوء:

“يا حسن أنتَ أخونا وهدير اختنا، بطل الكلام الأهبل دا، نصيبك هيفضل معانا باسمك زي ما هو، عاوز تأمن مراتك يبقى بينكم وبين بعض، إنما الشغل يفضل زي ما هو باسمك”

 

 

 

تنفس الهواء مباشرة على رئتيه ثم تحدث على مضضٍ:

“خلاص…. يبقى البيت والشقة والعربية كلهم يروحوا ليها”

 

 

 

_” لأ !! العربية دي موديل السنة، أنا عامل حسابي أخدها لما تموت”

تفوه “أحمد” بذلك مُسرعًا بخوفٍ زائفٍ جعلهم يضحكون عليه حتى “حسن” نفسه، فتدخل “طارق” يسأله باهتمامٍ:

“هو الكلام دا إيه اللي فتحه؟! حصل حاجة يا حسن؟!”

 

 

 

حرك رأسه نفيًا ثم قال بنبرةٍ مترددة الوتيرة في حروفها:

“لأ بس افتكرت من كام يوم كدا موت أبويا وانه كان مأمني أنا وحنان كويس وكذلك أمي برضه، علشان كدا عاوز أأمن مراتي”

 

 

 

ضيق “وليد” جفنيه بشدة يحاول التوصل لطرف الخيط في الحديث على الرغم من اقتناعه بنسبة قد تكون منعدمة لكنه الحديث على أي حالٍ اقنعه، لكن هناك بالطبع ما يخفيه عنهم وهذا ما ظهر عليه حينما هرب بعينيه من نظرات الأخر.

_________________________

 

 

 

وصل “ياسين” مقر عمله بعدما قام بتوصيل “ياسر” في طريقه إلى عمله هو الآخر، جلس في مكتبه وشرع في تنفيذ عمله وقلبه وعقله يفكر بتلك التي استمرت في البكاء منذ الأمس حتى نزوله من البيت.

 

 

 

و على عكس عادتها لم تشاركه في وجبة الإفطار بل أعدته له وتحركت نحو الداخل تاركةً إياه بمفرده يتناول طعامه وملامح وجهها أصبحت باهتةً، فحتى عينيها هربت من عينيه وكأنها تخشى التقاء نظراتهما سويًا.

 

تعافيت بك ف59 ج2 – رواية تعافيت بك PDF

Exit mobile version