مفهوم البدلية العقابية في اللاهوت البروتستانتي ج2 – د. أنطون جرجس

مفهوم البدلية العقابية في اللاهوت البروتستانتي ج2 – د. أنطون جرجس

مفهوم البدلية العقابية في اللاهوت البروتستانتي ج2 – د. أنطون جرجس

نستكمل أحبائي استعراض مفهوم البدلية العقابية عند رجال الإصلاح البروتستانتي، وسأستعرض مفهوم البدلية العقابية عند جون كالفن مؤسس الكنيسة الكالفنية وأحد أهم الدعائم التي ترتكز عليها الكنيسة المشيخية المصلحة، ثم سأطرح الاعتراضات على نظرية البدلية العقابية بمفهموها اللاتيني الغربي المدرسي والبروتستانتي في شرح عمل المسيح الخلاصي على الصليب.

يتحدث كالفن في كتابه “مبادئ الإيمان المسيحي” عن عمل المسيح في المصالحة بين الله والإنسان من خلال طاعة الله وإرضاء عدالة دينونة الله واحتماله قصاص الخطيئة، وتتجلى بذلك أوضح أشكال البدلية العقابية من تقديم جسد المسيح أي جسدنا ثمن لإرضاء دينونة الله، ودفع عقوبتنا في هذا الجسد، كالتالي:

“المطلب الثاني لمصالحتنا مع الله هو أن الإنسان الذي ضل بعصيانه، مطالب بإصلاح الوضع عن طريق طاعته، وإرضائه عدالة دينونة الله، واحتماله قصاص الخطيئة. لهذا السبب، جاء ربنا كإنسان حقيقي وأخذ طبيعة آدم واسمه، ليأخذ مكان آدم في طاعة الآب، ويقدم جسدنا ثمنًا لإرضاء دينونة الله العادلة، وليدفع في هذا الجسد ذاته العقوبة التي نستحقها نحن” (مبادئ الإيمان المسيحي ٢: ١٢: ٣).

يتحدث كالفن عن إرضاء المسيح لغضب الله الآب العادل من خلال تقديم جسده ذبيحة لمحو ذنبنا كالتالي:

” أن طبيعتنا المشتركة مع المسيح هي الضمان لشركتنا مع ابن الله، وهو إذ لبس طبيعتنا هزم الموت والخطيئة معًا جاعلاً من هذا الانتصار والغلبة ملكًا لنا، وقدم الجسد الذي نال منا، ذبيحةً لكي يمحو ذنبنا من خلال كفارته وإرضائه غضب الله العادل” (المرجع السابق ٢: ١٢: ٣).

يتحدث كالفن أيضًا عن ملمح الغضب في البدلية العقابية وترضية غضب الله بكفارة المسيح كالتالي:

“فيسوع كوسيط طاهر وبلا عيب، يريد من خلال قداسته أن يصالحنا مع الله. لكن تمنعنا لعنة العدالة الإلهية من الاقتراب منه، والله بصفته قاضيًا، غاضب علينا. لهذا السبب، لابد من إدخال الكفارة لكي ينال المسيح ككاهن رضا الله من نحونا ويسترضي غضبه. لهذا السبب – بغرض أن يتمم وظيفته- كان عليه أن يتقدم بذبيحة” (المرجع السابق ٢: ١٥: ٦).

يستطرد كالفن أيضًا شارحًا ملمح العقوبة والغضب، وضرورة بحث الإنسان عن وسائل يسترضي بها غضب الله عليه، وأن الله لا يغفر الخطايا بدون عقاب وأنه على استعداد دائم للمعاقبة كالتالي:

“لا أحد يغوص في أعماق ذاته ويتأمل نفسه بجدية من دون أن يشعر بغضب الله عليه، وبأنه يعادي الله. ولهذا، يجب أن يسعى بجدية وراء طرق ووسائل يسترضي بها الله، وهذا يتطلب تكفيرًا عن الخطيئة. والضمانة المرجوة هي ضمانة غير عادية، فالخطاة واقعون تحت غضب الله ولعنته حتى يغفر ذنبهم. ولما كان الله قاضيًا عادلاً، فهو لا يسمح بكسر شريعته بدون عقاب، بل هو على أهبة الاستعداد للمعاقبة” (المرجع السابق ٢: ١٦: ١).

يتحدث كالفن عن ملمح اللعنة في البدلية العقابية، وكيف تم محو اللعنة بالتكفير عن الإثم من خلال ذبيحة جسد المسيح، والتطهير بدمه، كالتالي:

” فالبشر كانوا تحت اللعنة إلى الوقت الذي تم فيه التكفير عن إثمهم من خلال الذبيحة (غل٣: ١٠، ١٣) لقد كانوا غرباء عن الله إلى الوقت الذي تصالحوا فيه معه من خلال جسد المسيح (كو١: ٢١- ٢٢) […] فلو لم يكن معلنًا بوضوح أن غضب الله وعقابه، والموت الأبدي هي من نصيبنا، لكان من النادر أن ندرك كم حياتنا تعيسة بدون رحمة الله […]

وبينما هو (الخاطئ) في هذه الحال، شفع المسيح له كمحام، واحتمل في جسده العقاب، الذي كانت دينونة الله العادلة تنذر بإنزاله بكل الخطاة، وطهره بدمه من كل الشرور التي جعلته مكروهًا عند الله، وهكذا نال من خلال كفارة المسيح رضا الله الآب، وقُبلت ذبيحة المسيح المقدمة لأجله. وهدأ المسيح غضب الله بشفاعته التي بها حلّ سلام الله على البشر” (المرجع السابق ٢: ١٦: ٢).

يتحدث كالفن عن الثمن الذي دفعه المسيح بموته كدليل على إرضاء الله كالتالي:

“ولكي يأخذ عنا الدينونة، لم يكن كافيًا بالنسبة إليه أن يموت ميتة عادية، فلكي يدفع ثمن فدائنا كان لابد من اختيار نوع من الموت، يمكنه من خلاله أن يحررنا عن طريق أخذه عنا دينونتنا وحمله ذنبنا. […] لما كان في ذلك الموت دليل إرضاء لله” (المرجع السابق ٢: ١٦: ٥).

يستطرد كالفن للحديث عن التبرير المجاني بذبيحة المسيح واسترضاءنا وتسكيننا لغضب الله من خلالها قائلاً:

“وهذا يعني أننا نحن الذين <بالطبيعة أبناء الغضب> (أف٢: ٣) ومبعدين عنه بسبب الخطيئة، قد نلنا من خلال ذبيحة المسيح التبرير المجاني، واسترضينا الله وسكنا غضبه” (المرجع السابق ٢: ١٧: ٢).

يتحدث كالفن عن فكرة المبادلة العقابية بين المسيح وبيننا ليحمل عنا انتقام الله العادل كالتالي:

” وهكذا تمت تبرئتنا: فالذنب الذي جعلنا مدينين للقصاص نُقل إلى ابن الله (إش٥٣: ١٢)، ويجب أن نتذكر، فوق كل شيء، هذه المبادلة، لئلا نرتجف ونقلق كل حياتنا، كما لو أن انتقام الله العادل، الذي حمله ابن الله، مازال متسلطًا فوق رؤوسنا” (المرجع السابق ٢: ١٦: ٥).

ثم يتحدث كالفن عن ذبيحة المسيح كذبيحة تكفيرية قدمها المسيح للآب في الموت، لكي يدمر الآب قوة الخطية بنقل لعنة الخطيئة إلى جسد المسيح كالتالي:

” فقد دمّر الآب قوة الخطيئة عندما نقل لعنة الخطيئة إلى جسد المسيح، من هنا معنى هذا القول: قُدم المسيح إلى الآب في الموت كذبيحة تكفيرية، بحيث إنه إذ أتم التكفير من خلال ذبيحته، يمكننا أن نكف عن الخوف من دينونة الله” (المرجع السابق ٢: ١٦: ٦).

يتحدث كالفن أيضًا عن التبرير بدم المسيح المسفوك لأجلنا كالتالي:

“فنحن لا نقدر أن نؤمن بكل يقين أن المسيح هو فداؤنا، وفديتنا، والكفارة عنا، ما لم يكن قد قُدم كذبيحة […] ولذلك هناك إشارة إلى الدم في كل مرة يبحث الكتاب المقدس طريقة الفداء. لكن دم المسيح المسفوك لم يكن تكفيرًا فحسب، بل مغسلة أيضًا ليغسلنا من فسادنا” (المرجع السابق ٢: ١٦: ٦).

يتحدث كالفن عن طريقة مصالحتنا مع الله الذي كان يبغضنا بسبب الخطية بطاعة وتكفير وعقاب المسيح عنا لنوال استحقاقات فداء المسيح كالتالي:

” إن المسيح بطاعته، نال لنا حقًا النعمة عن استحقاق مع أبيه. […] وأنا أسلم جدلاً بأنه في حال صنع المسيح تكفيرًا لخطايانا، إذ هو دفع العقاب الذي علينا، إذ هو سكن غضب الله بطاعته – باختصار إذ هو كإنسان بار تألم لأجل الأشرار- فهو اكتسب الخلاص لنا من خلال بره الذي هو مساوٍ لاستحقاقه. لكن كما يقول بولس: “قد صولحنا مع الله بموت ابنه” (رو٥: ١٠- ١١). لكن لا تحصل المصالحة إلا حيث تسبقها الإساءة. فيكون المعنى كالتالي: الله الذي كان يبغضنا بسبب الخطيئة*، رضى عنا من خلال موت ابنه، وصار مؤيدًا لنا” (المرجع السابق ٢: ١٧: ٣).

يتحدث كالفن عن دم المسيح كثمن إرضاء دينونة الله، والتبرير بالدم، وتسكين غضب الله كالتالي:

“فإن كانت نتيجة سفكه دمه هي عدم نسبة خطايانا إلينا، يكون أنه قد تم إرضاء دينونة الله من خلال هذا الثمن […] وهذا يظهر بسهولة أن نعمة المسيح تضعف قيمتها كثيرًا ما لم تمنح ذبيحته القوة على التكفير، وتسكين الغضب، وإرضاء الله […] فلو لم يصنع المسيح تكفيرًا عن خطايانا، لما كان قيل إنه أرضى الله عن طريق حمله العقاب الذي خضعنا له” (المرجع السابق ٢: ١٧: ٤).

كما يتحدث كالفن عن مبدأ التعويض عن خطايانا بدفع الثمن لله أي دم المسيح كالتالي:

” فالله قدم ثمن الفداء في موت المسيح، ثم يدعونا إلى الالتجاء إلى دم المسيح [….] وهذه المقارنة لا تنطبق لو لم يكن هناك تعويض قد تم عن خطايانا بهذا الثمن [….] ما لم يُوضع عليه العقاب الذي نستحق، لهذا السبب يسمي الرسول الفداء بدم المسيح “غفران الخطايا” […] وقد أشار هناك إلى الجزاء أو التعويض الذي يعفينا من الذنب” (المرجع السابق ٢: ١٧: ٥).

نستعرض الآن أهم الانتقادات الموجهة لنظرية الإبدال العقابي في شرح عمل المسيح على الصليب:

١. نجد في ملمح الغضب في سياق الإبدال العقابي، تحويل أقانيم الثالوث إلى الآب الغاضب والابن المغضوب عليه، الذي يسكن غضب الآب ويهدئ من غضبه، وهذا يعتبر فصل بين أقنومي الآب والابن في جوهر الثالوث الواحد، وهذه هي الهرطقة الآريوسية بعينها.

٢. لا نجد أي دور لأقنوم الروح القدس في عملية الترضية والتعويض والعقوبة ودفع الثمن، تلك الأمور التي قدمها الابن للآب، ولا وجود ولا حضور جلي لأقنوم الروح القدس في تلك الأمور، مما يؤدي إلى التقليل من شأن أقنومية الروح القدس، وهذه هي الهرطقة الأفنومية والمقدونية.

٣. إخضاع الله لقوانين وشروط ملزمة له في عملية قبول الثمن والتعويض، وضرورة قبول الترضية لأجلنا. وحاشا لله أن يخضع لمثل هذه القوانين والشروط. فالله غير المحدود، وخالق الكل، وواضع النواميس، كيف يمكن إخضاعه لقوانين ونواميس؟ حاشا.

٤. تقديم صور مشوهة وثنية صنمية عن الله تظهره أنه إله غاضب على البشر ويكرههم ويبغضهم بسبب خطاياهم رغم أنه لا توجد مثل هذه المشاعر والأهواء في جوهر الله، فهل الغضب صفة من صفات الجوهر الإلهي؟ وتظهر البدلية العقابية الله أنه يحتاج مَن يهدئه ويسكن غضبه، ويجعله يعود يحب البشر مرة أخرى بعدما أبغضهم بسبب خطاياهم!

٥. كيف يمكن نقل جميع ذنوب البشر إلى جسد المسيح، بالرغم من أنه القدوس بلا خطية، وشابهنا في كل شيء ما خلا الخطية وحدها، بل بالحري أتخذ المسيح جسدًا مائتًا لكي يهبه الحياة الأبدية بحياته وموته وقيامته وصعوده وجلوسه عن يمين الآب، وليس بمجرد حمل الخطايا في جسده الطاهر من الخطية ليُعاقب بها في جسده لأجلنا كما يتحدث منظرو البدلية العقابية.

٦. تلغي البدلية العقابية مفاعيل الأسرار الكنسية الخلاصية كالمعمودية والميرون والتناول، لأنه بحسب البدلية العقابية تم إيفاء الدين ودفع الثمن بموت المسيح، فما الحاجة لأن نموت مرة أخرى ونُدفن ونقوم في المعمودية بعدما مات المسيح عنا مرة واحدة، ولماذا نمارس القداسات ونكرر ذبيحة وصلب وعقاب المسيح مرات ومرات على المذابح، طالما تم العقاب والترضية والإيفاء، فلا حاجة لمثل هذه الطقوس في سياق نظرية البدلية العقابية ومفاهيمها وشروحاتها. البدلية العقابية باختصار تدحض وتلغي أسرار الكنيسة.

٧.تشرع وتكرس وتحرض البدلية العقابية على العنف والتعذيب والعقاب، فطالما الله يعاقب ابنه لأجل البشر، وينزل جم غضبه على الابن لأجلنا، وينزل العقاب عليه لأجلنا، فهذا خير مرشد ودليل لنا لتقليد الله ومحاكاته بإنزال العنف والعقاب والغضب على ابنائنا أيضًا. صور مشوهة ووثنية وعنيفة عن الله الصالح محب البشر.

٨. تؤدي البدلية العقابية إلى صراع الصفات داخل الجوهر الإلهي الواحد، ما بين محبته ورحمته، وعدله وقصاصه من البشر الخطاة العصاة، وهكذا تحدث البدلية العقابية انقسام وانفصام داخل الجوهر الإلهي بين صفتي العدل والرحمة، وإلى تقسيم الله إلى إله غاضب قاسي منتقم وكاره، وإله محب وصالح ورحيم ورؤوف، وهذه هي الهرطقة الغنوصية والمانوية عينها. وهذا لا يليق بالله، وحاشا أن يوجد داخل الجوهر الإلهي.

مفهوم البدلية العقابية في اللاهوت البروتستانتي ج2 – د. أنطون جرجس

مفهوم البدلية العقابية في اللاهوت البروتستانتي ج1 – د. أنطون جرجس

مفهوم البدلية العقابية في اللاهوت البروتستانتي ج1 – 

 

مفهوم البدلية العقابية في اللاهوت البروتستانتي ج1 – د. أنطون جرجس

مفهوم البدلية العقابية في اللاهوت البروتستانتي أو المصلح بصفة عامة، واللاهوت اللوثري بصفة خاصة من خلال عرض أفكار ومفاهيم أحد أهم شخصيتين ممثلتين لذلك اللاهوت اللوثري وهما: مارتن لوثر، وفيليب ميلانكتون.

نبدأ أولاً بمارتن لوثر، حيث ترد أهم الإشارات إلى مفاهيم البدلية العقابية بأجلى صورها ومفهوم ترضية الله الآب بمعاقبة وموت المسيح في عظاته وشروحاته على رسالة بولس إلى أهل غلاطية، حيث يفسر لوثر آية (غلا٣ :١٣) “اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ” كالتالي:

“ولذلك صوره ناموس موسى العام بريئًا، بالرغم من أنه كان في شخصه الخاص، لأنه وجده (الناموس) وسط الخطاة واللصوص […] ولذلك حينما وجده الناموس وسط اللصوص، لعنه وقتله مثل لصٍ”

Commentary on Galatians (1535).

ثم يستطرد لوثر في شرح نفس الآية موضحًا عمل المسيح في حمل عقوبة الخطية قائلاً:

“قد وُضعت الخطية عليه (المسيح)، ويأتي الناموس ويقول: فليمت كل خاطئ. فلذلك إن كنت قد تذللت، أيها المسيح، كونك بديلاً، ومذنبًا، وحملت العقوبة، وحملت أيضًا الخطية واللعنة”

Ibid.

ثم يستمر لوثر أيضًا في شرح نفس الآية مفسرًا ماهية الإبدال العقابي الذي أتمه الله في المسيح بعد طغيان الناموس علينا قائلاً:

“وعندما رأى الآب الرحيم أن الناموس طغى علينا، ووُضعنا تحت اللعنة، ولا يوجد أي شيء يمكنه أن يحررنا منها، أرسل ابنه إلى العالم، ووضع عليه جميع خطايا كل البشر، وقال له: كن أنت، بطرس ذاك الناكر، وبولس ذاك المضطهد والمجدف والعنيف، وداود ذاك الزاني، وذاك الخاطئ الذي أكل من التفاحة في الفردوس، ذاك اللص على الصليب، باختصار، كن أنت شخص كل البشر، الذي قد صنع خطايا كل البشر، وبالتالي، فلتدرك أنت، كيف أنك تدفع وتصنع ترضية لأجلهم.

ثم يأتي الناموس ويقول: وجدت ذاك الخاطئ آخذًا عليه خطية جميع البشر، ولا أرى خطية أكثر من ذلك إلا فيه، لذا فليمت على الصليب. وهكذا يهاجمه الناموس ويقتله، وهذا مصنوع من أجل تطهير العالم كله من كل خطيئة، وصُنع الكفارة، وبالتالي أيضًا، هل تحرر من الموت، ومن كل أسقامه”.

Ibid.

ويستمر لوثر شارحًا نفس الآية للوقوف على أفضل تصوّر للترضية التي صنعها المسيح لأجلنا نحن البشر كالتالي:

” وهذا ما رآه جميع الأنبياء، أن المسيح كان ينبغي أن يكون جميع البشر، أعتى لص، وقاتل، وزاني، وسارق، ومجدف، وملعون… إلخ مما مَن لم يكن هناك أعتى منه في العالم أبدًا في أي وقت، ولأنه الآن لم يحمل شخصه، والآن ليس هو ابن الله، المولود من العذراء، بل خاطئ لديه ويحمل خطية بولس الذي كان مجدفًا ومضطهدًا وعنيفًا، وخطية بطرس الذي أنكر المسيح، وخطية داود الذي كان زانيًا وقاتلاً، والذي جعل الأمم يجدفون على اسم الرب، باختصار، الذي لديه ويحمل في جسده كل خطايا جميع البشر -وليس لأنه ارتكبها، بل لأنه أخذ على جسده الأشياء التي فعلناها من أجل عمل ترضية لأجلهم بدمه”.

Ibid.

ويوضح لوثر أيضًا مفهوم البدلية العقابية وحمل المسيح لعنة الناموس عن الخليقة كلها في سياق شرحه لنفس الآية قائلاً:

” هذا هو بالحقيقة تصادم عجيب، حيث يتصادم الناموس هكذا ضد الخليقة مع خالقها، وضد كل حق، ويمارس على ابن الله كل طغيانه، الذي مارسه علينا، نحن أبناء الغضب. وبالتالي، لأن الناموس أخطأ بشكل مروع جدًا وبعدم تقوى شديدة ضد إلهه، فإنه يُستدعى من أجل اللعنة، ويُلعن […] وبالتالي، الناموس، الذي لعن وقتل جميع البشر من قبل، عندما لم يكن لديه القدرة على الدفاع عن نفسه، أو تطهير نفسه، فهو بدوره قد لُعن وقُتل كذلك، لكي ما يفقد كل حقه، ليس فقط ضد المسيح، الذي أهانه وقتله هكذا بدون وجه حق بشكل جائر، بل ضد جميع المؤمنين به أيضًا”.

Ibid.

*نرى هنا بوضوح عند لوثر مفهوم البدلية العقابية،حيث يعاقب الله في شخص المسيح كل الخطاة كبطرس وبولس وداود وجميع البشر الخطاة، كما نرى مفهوم تقديم الترضية لله بموت وعقاب المسيح لأجلنا.

ننتقل الآن إلى فيليب ملانكتون سكرتير لوثر ومساعده وصديقه، وأحد أهم رجالات الاصلاح البروتستانتي عامةً، واللوثري خاصةً، حيث يتحدث في كتابه المعنون ب “اعتراف أوجسبرج” عن التبرير والاستحقاق بالإيمان بموت المسيح، وغفران خطايا البشر جميعًا بترضية المسيح لله لأجلنا كالتالي:

“لا يمكن تبرير البشر أمام الله بقواهم، أو استحقاقاتهم، أو أعمالهم، بل يتم تبريرهم صراحةً من أجل المسيح بالإيمان، وحينما يعتقدون أنهم مقبلون على النعمة،وغُفرت خطيتهم من أجل المسيح، الذي بموته قد صنع ترضيةً من أجل خطايانا. وينسب الله هذا الإيمان من أجل البر أمامه”

Augsburg confession, Art. 4.

ويتحدث ملانكتون في نفس الكتاب عن المصالحة بيننا مع الله بذبيحة المسيح من أجل غفران الذنب الأصلي والخطايا الفعلية،حيث يقول:

” لقد تألم حقًا، وصُلب، ومات، ودُفن، لكي ما يصالح الآب معنا، ولكي ما يكون ذبيحةً ليس فقط من أجل الذنب الأصلي، بل من أجل جميع الخطايا الفعلية للبشر أيضًا”

Augsburg confession, 3

ثم يتحدث ملانكتون بوضوح جدًا عن مفهوم البدلية العقابية وتسديد الدين عن الإنسان المدان من أجل تبريره كالتالي:

“من أجل التبرير، وبحسب العرف القانوني، يشير هنا إلى تسديد دين المتهم، وإعلانه بارًا، ولكن على حساب بر الآخر، أي المسيح، حيث يتصل بر الآخر بنا عن طريق الإيمان”

Apology of Confession of Augsburg. P. 125, ap. Hagenbach, op. cit 3, 112.

ثم يتحدث ملانكتون عن كيفية إرضاء المسيح وتهدئته لغضب الله الواقع عليه لأجلنا كالتالي:

“وُضعت خطة الله العجيبة، فبالرغم من أنه عادل، وغاضب على الخطية بشكل رهيب، ولكنه على الأقل سوف يكون مستعدًا من أجل تهدئة واسترضاء غضبه الأكثر عدلاً، لأن ابنه صار يتوسل ويتضرع عنا، ولقد أنزل الغضب عليه، وصار كفارةً وذبيحةً لأجلنا”.

Declamatio, C. R., 11, p. 779, ap. Ritschl, op. cit. P. 202.

كما يشرح ملانكتون في دفاعه عن إيمان كنائس ساكسونيا كيف كانت ذبيحة المسيح من إرضاء عدل الله وغضبه على الجنس البشري من أجل المصالحة بينه وبين البشر كالتالي:

” ولكن ابن الله، يسوع المسيح ربنا، الذي هو صورة الآب الأزلي، صار وسيطًا، وشفيعًا، وفاديًا، ومبررًا، ومخلصًا. وبالتالي يتم تهدئة وإرضاء غضب الله فقط من خلال طاعته واستحقاقه […] ويُرى في تلك الذبيحة عدل الله، وغضبه ضد الخطية، وجزيل رحمته نحونا، والمحبة في الابن نحو الجنس البشري كله. مثل هذا هو قسوة عدله، حيث لا تتم المصالحة إلا بدفع العقوبة تمامًا.

مثل هذا هو عظم غضبه، حيث لا يمكن تهدئة واسترضاء الآب الأزلي إلا باستعطاف وموت الابن. مثل هذه هي رحمته، حيث أُعطي الابن لأجلنا. مثل هذا الحب كان في الابن تجاهنا، حيث أنه صب جم غضبه الحقيقي على نفسه”

Confessio. Ecclesia. Sax., 1550, in Melanchton’s Corpus Doctrinae Christianae, Leipzig, 1560.

يستطرد ملانكتون أيضًا في نفس السياق قائلاً:

” بالنسبة للقلب الذي يشعر حقًا بأن الله غاضب، ولا يستطيع أن يحب الله، ما لم يُستعلن إرضاؤه وتهدئته. بينما يخيفنا ويظهر أنه يطرحنا إلى موت أبدي، ولا تستطيع الطبيعة البشرية أن ترتقي بنفسها لكي تحب مَن هو غاضب، ويدين، ويعاقب”

Apology. Conf. Aug. P. 71.

كما يعدّد ملانكتون أيضًا هبات وعطايا الله على البشرية من خلال عمل المسيح الكفاري لأجلنا كالتالي:

” هبات وعطايا الله هي كالتالي: حمل الذنب والموت الأبدي، أي تهدئة واسترضاء عظم غضب الله”

Loci Praeripui. Theologici., p. 603.

ّويعرّف ملانكتون الموت الأبدي بأنه:

” هو الشعور باستمرار غضب الله الرهيب والفائق الوصف”

Ibid.

كما يوضح ملانكتون أن موت المسيح وليس طقوس الناموس هو الترضية الحقيقية لله من أجل خطايانا:

“لكي ما نعرف أن موت المسيح وليس طقوس الناموس هو الترضية أو الكفارة الحقيقية من أجل خطايانا”

Ibid, De Sacrificio, p. 572.

ثم يشرح ملانكتون عمل المسيح على الصليب بأنه:

” عمل مضمون للآخرين، أي مغفرة الذنب، والصفح عن العقاب الأبدي، وعمل المصالحة مع الله، وتهدئة غضب الله من أجل الآخرين، وصُنع ترضية من أجل الذنب والعقاب الأبدي”

Ibid, p. 571.

مفهوم البدلية العقابية في اللاهوت البروتستانتي ج1 – د. أنطون جرجس

Exit mobile version