هل الله هو الأول في حياتك؟ ج3 – الأب أنتوني م. كونيارس

هل الله هو الأول في حياتك؟ ج3 – الأب أنتوني م. كونيارس

هل الله هو الأول في حياتك؟ ج3 – الأب أنتوني م. كونيارس

 

 

هل الله هو الأوَّل في حياتك؟

اطلبوا أوَّلاً ملكوت الله وبرَّه، وهذه كلُّها تُزاد لكم

 

لماذا جاء المسيح؟

بالإضافة إلى ما يُعلِنه السيِّد المسيح ليُعبِّر عمَّن يكون هو بالأقوال: «أنا هو I am», نجده يُعلِن عن سرِّ مجيئه إلى العالم بالقول: «جئتُ I came»:

«لا تظنُّوا أنِّي جئتُ لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئتُ لأنقض بل لأكمِّل» (مت5: 17).

«لأنِّي لم آتِ لأدعو أبرارًا بل خطاة إلى التوبة» (مت9: 13).

«لأنَّ ابن الإنسان قد جاء لكي يطلُب ويُخلِّص ما قد هلك» (لو19: 10).

«ابن الإنسان لم يأتِ ليُخْدَم بل ليخدِم, ويبذل نفسه فدية عن كثيرين» (مت20: 28).

«لأنِّي قد نـزلتُ من السماء, ليس لأعمل مشيئتي, بل مشيئة الذي أرسلني» (يو6: 38).

«أتيتُ ليكون لهم حياة, وليكون لهم أفضل» (يو10: 10).

«الآن نفسي قد اضطَرَبَت. وماذا أقول: أيُّها الآب نجِّني مِن هذه السَّاعة؟ ولكن لأجل هذا أتيتُ إلى هذه السَّاعة. أيُّها الآب, مجِّد اسمك! فجاء صوتٌ مِن السماء: “مجَّدتُ وأُمجِّد أيضًا”» (يو12: 27-28).

   «أنا قد جئتُ نورًا , حتى كل مَن يؤمِن بي لا يمكث في الظُّلمة» (يو12: 46).

«… لم آتِ لأدين العالم بل لأُخلِّص العالم» (يو12: 47).

«لهذا قد وُلِدتُ أنا, ولهذا قد أتيتُ إلى العالَم لأشهد للحق. كلُّ مَن هو مِن الحق يسمع صوتي» (يو18: 37).

«خرجتُ مِن عند الآب, وقد أتيتُ إلى العالم, وأيضًا أترك العالم وأذهب إلى الآب» (يو16: 28).

بعد رؤية هذه التَّصريحات الرَّائعة التي نطق بها السيِّد المسيح ابن الله, كيف لا نُعطيه الأولويَّة في حياتنا؟

سجناء الأمور غير المهمَّة

تصبح الحياة سجنًا عندما تصير الأمور غير المهمَّة كليَّة الأهميَّة. التفاهة وما ليس له قيمة يأخذان وضعهما ليربكا وضع الأولويَّات في حياتنا, وعادة ما تكون لحساب الأسرة والأصدقاء فيما يأخذ الله خطوة إلى الخلف, وتأخذ الأمور غير الضَّروريَّة المكانة الأولى. لم يستطع الشَّاب الغني أن يتخلَّى عن انشغاله بالأمور غير المهمَّة حتى يتبع المسيح, فكان سجينًا للأمور غير المهمَّة.

كثيرون يُشبهون فيلكس الوالي الروماني الذي قال لبولس: «أمَّا الآن فاذهب, ومتى حصلتُ على وقتٍ أستدعيك» (أع24: 25), والوقت لم يأتِ أبدًا. ولا زال آخرون كثيرون مثل يهوذا الإسخريوطي يقعون ضحيَّة لِلَمعان الفضَّة. لا زالت هناك ضغوط تضغط علينا لنكون سجناء الأمور غير الهامَّة, لذا أوصانا السيِّد المسيح: «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه, وهذه كلُّها تُزاد لكم».

قصَّة:

ذهبت طفلة ذات ثلاثة أعوام مع جدَّيها إلى المدفن حيث ترقُد الجدَّة الأكبر. قالت البنت لأمِّها: “لماذا لم تأخذ الجدَّة عكَّازها وأقراطها معها؟” أجابتها الأُم: “هي لا تحتاج تلك الأشياء بعد”. سوف يأتي الوقت الذي فيه لن نحتاج هذه الأمور بعد. كل تلك الأمور غير المهمَّة التي نعتبرها ذات أهميَّة قصوى لن نحتاج إليها فيما بعد. وعندئذٍ ما هو مهم بالفعل سوف يصبح واضحًا جدًّا, وسوف يوضع كل شيء في مكانه الصَّحيح. «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه, وهذه كلُّها تُزاد لكم».

جون واناماكر

كان جون واناماكر John Wanamaker المدير العظيم لواحد من المتاجر المشهورة بالولايات المتحدة الأمريكيَّة, كان مشرفًا على مدارس أحد مكوَّنة من ألف عضو. عندما سأله البعض: “كيف تجد الوقت الكافي لمدارس الأحد؟” أجاب: “تعليم الصِّغار والشباب عن السيِّد المسيح هو عملي الأوَّل, أمَّا الأمور الأخرى فأعتبرها ثانويَّة. كان هذا الرجل بالفعل على حق, فقد تعلَّم أن يطلب «أولاً ملكوت الله وبرَّه, وهذه كلُّها تُزاد لكم».

المشكلة لدى العديد من الناس هو أنَّه ليس لديهم غرضٌ عامٌّ أو توجُّهٌ في الحياة. فعلى سبيل المثال قارَنَ توماس كارليل Thomas Carlyle الناس بالسُّفُن, وقال إنَّ 75% من الناس يشبهون سُفُنًا بلا دفَّة, وهي عُرضَة لكلِّ تغيُّر في الرِّيح والمد والجزر, فهي تتحرَّك بلا هدف, فيما يتمنَّى ركَّابها أن تدخل الميناء, ولكن عادة ما ينتهي بها الأمر إلى الاصطدام بالصُّخور والتحطُّم عليها. ولكن عندما نعطي لله الأولويَّة في الحياة, فهذا يستبدل التجوُّل من حياة بلا هدف إلى حياة ذات هدف. كما أنَّه أيضًا يُوجِّهنا نحو الهدف الذي خلقنا الله له, وهو الاتِّحاد بالله: «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه, وهذه كلُّها تُزاد لكم».

مِن سيِّئٍ إلى أسوأ

يشرح الأب بيتر جيلكويست سهولة أن نصبح مُشتَّتين عندما يتعلَّق الأمر بموضوع الأولويَّات في الحياة. ويروي الأب القصَّة التالية في مقال كان قد كتبه من قبل ويقول فيه:

”تقابلتُ منذ سنتين مع طالب جامعي كان قد ذهب إلى مؤتمر أرثوذكسي مع والدته التي أجبرته بلباقة على الحضور معها. لكن الأمور للأسف سارت من سيِّئ إلى أسوأ, فقد اشتكى الطالب في اليوم الثاني من سوء الغذاء, إلاَّ أنَّه أخذ يتحدَّث معي فقال لي: “كطفلٍ كنتُ مسيحيًّا, وخدمتُ على  المذبح وتحدَّثتُ عن الإيمان مع الأصدقاء. أمَّا الآن, فعندما تضطرب بي الأمور أذهب لأعترف ثمَّ أسقط ثانية, وأعترف مرَّة أخرى, وبعد ذلك انتابني شعور أنَّني لن أتغيَّر أبدًا, وبدا لي أنَّني كلَّما أحاوِل كلَّما تسوء الأمور”. ثمَّ قال الشاب إنَّنا مِن خلال حديثنا فإنَّ الأمور تتَّضِح أكثر. فقال له الأب: “هل تغضب منِّي إذا وصفتُ لك المشكلة؟” فأجاب الشاب: “تفضَّل وأخبرني”. قلتُ له: “في مرحلة ما في حياتك جذبك العالم والأصدقاء والرياضة والفتيات عن الطريق الرُّوحي وأبعدوك عنه, وأخذت الأمور تسوء لأنَّك نحَّيتَ الله جانبًا, وبدأت تعيش حياتك بنفسك. صرتَ مَلِكًا لنفسك وجعلتَ السيِّد المسيح رقم 19 في اهتماماتك ال20”. سألني الشاب: “كيف عرفت ذلك؟” فأجبته: “لأنَّني فعلتُ نفس الشيء لمَّا كنتُ في عمرك, فإذا كنتَ ترغب في العودة, فأنا مُستعِدٌّ أن أُساعدك لتعود إلى الله”. قابلني الشاب في ذلك اليوم وصلَّينا معًا, وقرَّر الشاب أنْ يبدأ بداية جديدة في حياته, وعلى مدى الأيَّام الباقية في المؤتمر كانت هناك ابتسامة تعلو وجهه؛ تلك التي لم تكن موجودة مِن قبل”.

كل ما فعله الشاب هو أنَّه أعاد ترتيب الأولويَّات في حياته, فقَبِلَ ثانية ما أُعطيَ له في المعموديَّة, واستجاب لدعوة أنَّ ما يجب أنْ نُركِّز عليه في حياتنا هو إعطاء الأولويَّة لله في حياتنا, ولنكرِّس كل قلبنا للمسيح. «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه, وهذه كلُّها تُزاد لكم».

نحن نصنع لأنفسنا ما يهلكنا في النَّهاية

اختيار الأولويَّة الخطأ في حياتنا يمكن أنْ يهلكنا.

قصَّة:

يروي هنرى نووين Henri Nouwen  في كتابه: “الشافي المجروح” قصَّة خياليَّة قديمة هنديَّة. تقول القصَّة إنَّ أربعة إخوة أُمراء قرَّروا أن يُتقنوا مهارات مُعيَّنة, وبعدما مرَّ زمان طويل تقابل الإخوة ليعرض كل واحد منهم ما تعلَّمه. قال الأخ الأوَّل: “أتقنتُ نوعًا مِن العلوم أستطيع به أن آخذ عظمة من عظام أي كائن حي وأكسوها لحمًا يتناسب معها”. فقال الثاني: “وأنا أستطيع أن أجعل جلد هذا الحيوان وشعره ينموان”. وقال الثالث: “أستطيع أن أعمل لهذا الكائن أطرافًا يتحرَّك بها إذا وُجِد اللحم والجلد والشَّعر”. وأخيرًا قال الرابع: “يمكنني أن أُعطي هذا الكائن حياة إنْ كانت هيئته كاملة”.

ذهب الإخوة الأربعة معًا إلى الغابة ليبحثوا عن عظمة يمكنهم أن يمارسوا دراساتهم وعلومهم عليها, وتصادف أن وجدوا عَظْمَة أسد. أضاف الأوَّل منهم لحمًا لهذه العظمة, والثاني جعل الجلد والشَّعر ينموان, وجعل الثالث لها أطرافًا تلائمها, وظلَّ الثلاثة منتظرين ما سيصنعه أخوهم الرابع, الذي تمكَّن بدوره أن يُعطي الحياة للجثَّة الموجودة, وما إنْ تحرَّك الأسد حتى قفز هذا الوحش على الأربعة رجال وقتلهم جميعًا واختفى في الغابة.

مغزى هذه القصَّة الخياليَّة هي أنَّ لدينا القدرة على ابتكار وصنع ما مِن شأنه أن يهلكنا ويُدمِّرنا؛ فالأهداف والأحلام والأولويَّات الخطأ من شأنها أن تُهلِك حياتنا, إلاَّ إذا طلبنا ملكوت الله وبرَّه أولاً, ليعطي حياة حقيقيَّة لِمَا نعيشه. وعلى سبيل المثال, فبالعِلم يمكننا أن نبتكر الأشياء التي يمكنها في النهاية أن تهلكنا.

قال فاكلاف هافل Vaclav Havel الرئيس السابق لتشيكوسلوفاكيا: “لم نتعلَّم حتى الآن كيف نصنع الأخلاق قبل السياسة والعِلم والاقتصاد”.

وعندما نفشل في أن نجعل لله أولويَّة حياتنا وبره وملكوته, وعندما نفشل في أن نضع الأخلاق قَبْل السِّياسة والعلوم والاقتصاد, فنحن ندفع ثمنًا فادحًا. لذلك نحن نحتاج «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه, وهذه كلُّها تُزاد لكم».

الذين يجعلون مِن الشُّهرة أولويَّة حياتهم

هناك العديد من الأشياء التي من الممكن أن نجعلها الأولى في حياتنا. يجعل الكثيرون من الشُّهرَة قمَّة أولويَّاتهم في الحياة, فتصبح هي كل ما يستهلك مشاعرهم, ويُضحُّون بكلِّ شيءٍ على مذبح الشُّهرة, ومثال على ذلك هو د. كريستيان برنارد Dr. Christian Barnard الذي أجرى أوَّل عمليَّة زرع قلب. ولمَّا كان هذا الطبيب ملحدًا, فقد كان يعتقد أنَّ الإنسان هو مجرَّد جسم ودم بلا روح, والقلب في اعتباره مجرَّد آلة يمكن أن يستبدلها الإنسان, وبالرغم من ذلك, فإنَّ عمليَّة زرع القلب لن تنقذ أرواح البشر مِثل التَّطعيم ضدَّ الإنفلونـزا.

اشتهر د. برنارد بعلمه وكان فخورًا بنفسه, وظنَّ أنَّه سينال حتمًا جائزة نوبل, التي لم يحصل عليها! فقد دمَّره الكبرياء فعلاً. قالت زوجته التي طلَّقها إنَّه لمَّا اشتهر, كان يقضي الساعات الطوال محدقًا في المرآة, وكان تجسيدًا لثالوث الذات ego: لي me, نفسي myself, أنا I. كان يقول لزوجته إنَّ الناس يُعجَبون به وليس بها على الإطلاق. وعندما كان يُسأل, كان يبدي وجهة نظره في كلِّ الموضوعات التي لا تمتُّ بِصِلَة إلى موضوع زراعة القلب مثل نجوم السينما والرياضة, وموضوعات أخرى مثل ارتفاع درجة حرارة الأرض. عندما اقترب من نهاية حياته وصار مريضًا, فقد ظلَّ مُتشبِّثًا بفكرة أن يظل شابًّا على الدوام, فظلَّ يحقن نفسه بأدوية مختلفة ليمنع مظاهر الشَّيخوخة وتجعُّد بشرته. إنَّ استحواذ فكرة الشُّهرة عليه وبحثه المحزن الدَّؤوب عن إكسير الشباب, يشرح حقيقة المَثَل القائل: “الذين يريد عدو الخير أن يُدمِّرهم يجعلهم أوَّلاً مشهورين”.

إعطاء الأشياء الخطأ الأولويَّة في الحياة قد يكون مميتًا. لو جعل برنارد اللهَ أولاً في حياته بدلاً مِن الذات والشُّهرة, لجاءت كل أولويَّات الحياة الأخرى في مكانها السَّليم.

الذين يجعلون مِن العَمَل أولويَّة الحياة

يوجد بعض الأشخاص الذين بدلاً من الشُّهرة يجعلون مِن عملهم أولويَّة الحياة. نشرت إحدى المجلاَّت المُتخصِّصَة في الاقتصاد مقابلات مع مائة من الشَّخصيَّات الأكثر نجاحًا كمديرين تنفيذيِّين. قال الشَّخص الذي جاء على قمَّة العشرة الأوائل: “الوصول إلى مستوى النجاح في الأعمال التجاريَّة الذي حصلت عليه يتطلَّب الالتـزام التام. إذا كانت أُسرتك تمثِّل إلحاحًا عليك, احصل على أُسرة جديدة, هذا بالضَّبط ما فعلته”. ولكن الناس صارت أكثر حكمة الآن عمَّا سبق, يترك الكثيرون من المديرين التنفيذيِّين العمل في شركاتهم ولديهم هذا التَّفسير: “إنَّ الأمر لا يستحق”. تُوافِق الكثير من العائلات على العيش بدخل أقل مع تواجد أكبر للأم وللأب. الشَّخص الذي قال: “اُحصل على أُسرة جديدة”, كان من الممكن أنْ يقول: “اُحصل على وظيفة مختلفة” أو: “اُحصل على بعض القِيَم الأخلاقيَّة الجديدة” أو: “اجعل ما هو مهم في الحياة أولاً لك”. ما قَصَدَه ذلك المدير الذي على القمَّة عندما أسقط أسرته كان يقصد أن يقول بالفعل: “اُحصل على أُسرة جديدة, لا تهتم أو تعبأ ما إذا كنتَ موجودًا معها أم لا”. مثل هذه الأسرة لديها مطالب أقل ولا تجعلك تشعر بالذَّنب لغيابك عنها طالما تحصل على المال من أجلها.

هل هذا هو كل ما تعنيه الحياة؟

في مرحلة ما في الحياة نحتاج أن نطرح هذا السؤال, حتى ولو كان منَّا مَن هو أكثر المديرين والمسؤولين نجاحًا: “هل هذا هو كل ما تعنيه الحياة؟” قال أحد المديرين المشهورين CEO عندما تقاعد: “لديَّ ابنٌ يعيش في مكان ما, وليس لديه الآن وقتٌ لي, وأنا لا ألومه. في الحقيقة لا أعلم أي شيء عنه, فعندما كان معي في البيت لم أُخصِّص أي وقت له, فقد أهملته تمامًا بسبب انشغالي في عملي”.

الأولويَّات التي نختارها لها نتائج وعواقِب تلاحقنا في نهاية المطاف, لذلك صار من الواجب علينا أن نضع الأمور الأولى في المكانة الأولى. ضَع الزرَّ الأوَّل في مكانه الصَّحيح, وباقي الأزرار ستأتي في مكانها الصَّائب تلقائيًّا: «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه, وهذه كلُّها تُزاد لكم».

ماذا عنك لو امتَحَنْتَ حياتك اليوم؟ أو طُلِبَ منك أن تعطي حساب وكالتك؟ هل قضيتَ حياتك من أجل المال؟ هل تخلَّيتَ عن مثاليَّاتك وعائلتك وذبحتها على مذبح الرِّبح؟ هل جعلتَ قِيَم العالم الذي بلا إله تتحكَّم في حياتك؟ بل وربَّما جعلتَ الله بالقرب منك, ولكن على مسافة؟ اليوم يطلب منَّا السيِّد المسيح أن نختار مَن نخدمه, لأنَّه: «لا يقدر أحد أن يخدم سيِّدَيْن. لأنَّه إمَّا أنْ يُبغِض الواحد ويُحب الآخَر, أو يلازم الواحد ويحتقر الآخَر. لا تقدرون أن تخدموا الله والمال» (مت6: 24).

ثنائيَّة الرَّأي والفكر

نجد في ثنائيَّة الفكر العدو الرِّئيسي لجعل الأولويَّة الأولي في الحياة لله. عبَّر الراحل هنري نووين عن كيف أنَّ ازدواجيَّة الرَّأي تمنعنا مِن أن نجعل لله الأولويَّة بقوله:

”يُمكنني أن أعترف وأُشخِّص مخاوفي وأتعابي التي عشتها خلال السنين الثلاث الأخيرة فأقول إنَّ ثنائيَّة الرَّأي في حياتي انتابتني ومعها فقدتُ البساطة التي فيها. وبالفعل كم كان قلبي منقسمًا وما زال إلى الآن. أريد الله ولكن أريد في نفس الوقت أن أكون رجل أعمال كبيرًا. أريد أن أكون مسيحيًّا حقيقيًّا, ولكنِّي أريد أن أكون ناجحًا في عملي كمعلِّم أو واعظ يُشار له بالبنان. أريد أن أكون قدِّيسًا, ولكن أريد أن أستمتع بإثارة الخطيَّة. أريد أن أكون بالقرب من السيِّد المسيح, ولكن أريد أن أكون مشهورًا يمدحني ويحبني الجميع. لا عجب مِن أن الحياة أصبحت مشروعًا متعبًا. يقول كيركيجارد Kierkegaard: “صفات القدِّيس وخصائصه أن يطلب شيئًا واحدًا”. ولكنَّني أطلب أكثر من شيءٍ واحد؛ قلبي منقسم, وعقلي منقسم, وولائي منقسم جدًّا“.

ثنائيَّة الرَّأي والفكر عدوٌّ كبير لتقرير الأولويَّات, وهي تمنعنا مِن أن نجعل حياتنا تُركِّز على قيمة عظيمة فائقة للحياة: «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه, وهذه كلُّها تُزاد لكم», وهي تجعلنا نُصاب بانفصام الشَّخصيَّة, فيصبح كل واحد منَّا شخصين مختلفين أو أكثر, يتدافعون في اتِّجاهات مختلفة. علاج هذه الثنائيَّة هي أن نكون ذوي رأي واحد: «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه, وهذه كلُّها تُزاد لكم».

الشِّفاء من الثُّنائيَّة

بالإضافة إلى الرأي الواحد والقلب الواحد والفكر الواحد, ما الحل لمشكلة الثنائيَّة؟ إنَّه: “القلب الجديد” الذي وعدنا الله أن يعطيه لنا:

«وأعطيكم قلبًا جديدًا, وأجعل روحًا جديدة في داخلكم, وأنـزع قلب الحجر مِن لحمكم وأعطيكم قلب لحم»

(حز36: 26).

هذا: “القلب الجديد” يجعلنا بنعمة الله نستطيع التحرُّك إلى الأمام مِن تعدُّد الاهتمامات إلى رؤية أكثر وضوحًا نحو ما هو أساسي. يُذكِّر القدِّيس بولس المسيحيِّين في أفسس بثمار القلب الجديد فيقول:

«أنْ تخلعوا مِن جهة التصرُّف السَّابق الإنسان العتيق الفاسد بحسب شهوات الغرور, وتتجدَّدوا بروح ذهنكم, وتلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البِرِّ وقداسة الحق… عاملين مشيئة الله مِن القلب» (أف4: 22-24, 6: 6).

هذا “القلب الجديد”يتحوَّل من ازدواجيَّة الرَّأي وتعدُّد الاهتمامات, ويُركِّز على طلب شيء واحد, أنْ يعمل مشيئة الله:

«… أفعل شيئًا واحدًا: إذ أنا أنسى ما هو وراء وأمتدُّ إلى ما هو قدَّام. أسعى نحو الغرض لأجعل جُعالة دعوة الله العليا في المسيح يسوع» (في3: 13-14).

يقول السيِّد المسيح:

«طعامي أنْ أعمل مشيئة الذي أرسلني وأُتمِّم عمله»

(يو4: 34).

«لتكن مشيئتك, كما في السماء كذلك على الأرض»

(مت6: 10).

افترض!

افترض أنَّك تجري مقابلات مع أشخاص تقدَّموا للحصول على وظيفة لشغل مكان مهم جدًّا. ماذا سيكون ردَّ فعلك نحو إجابات مثل هذه؟ 

السؤال: هل أنت شخصٌ يُعتَمَد عليه؟   

الإجابة: لبعض الوقت.

السؤال: هل تؤدِّي عملك بشكلٍ جيِّد؟

الإجابة: أحيانًا.

السؤال: هل تجد صعوبة في اتِّخاذ القرارات؟

الإجابة: نعم ولا…

لنضع الأمور في نصابها وبشكلٍ أفضل, دعني أستخدم كلمات الكتاب المقدَّس: «رجلٌ ذو رأيين هو متقلقل في جميع طرقه» (يع1: 8). الأشخاص الأقوياء في الرب يعرفون ماذا تعني أن تكون كلمة: “نعم” التي يقولونها: “نعم”, وكلمة: “لا”, “لا”.

لعلَّ التَّعريف التقليدي لازدواجيَّة الرَّأي هو المَثَل الذي قدَّمه القدِّيس أغسطينوس St. Augustine عندما كان يقول: “يارب طهِّرني, ولكن ليس الآن”. كان القدِّيس يشرح هنا ازدواجيَّة الرَّأي التي وردت في رسالة القدِّيس يعقوب عندما قال: «المُرتاب يُشبِه موجًا من البحر تخبطه الرِّيح وتدفعه, فلا يظن ذلك الإنسان أنَّه ينال شيئًا من عند الرب. رجلٌ ذو رأيين هو متقلقل في جميع طرقه» (يع1: 6-8).

رأيتُ منذ عدَّة سنوات لافتة معلَّقة على مكتب ناظر محطَّة القطار في شنغهاي تقول: “نستلم حقائبك ونوزِّعها في جميع الاتِّجاهات”. كم عدد الأشخاص الذين يحاولون أن يوزِّعوا نفوسهم في جميع الاتِّجاهات, وليس لهم التَّماسُك ولا الرَّأي الواحد. يطلب منَّا الرب يسوع أن نُركِّز على شيء واحد في غاية الأهميَّة في الحياة ألا وهو الله, وملكوته وبرُّه. اختر شيئًا واحدًا والتـزم به: «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه, وهذه كلُّها تُزاد لكم».

مركزان للاهتمام

أكمل أحد الرسَّامين الشبان لوحة طبيعيَّة رائعة الجمال, وعرضها على أسرته. قال أحد الأفراد عنها: “جميلة جدًّا”, وعلَّق آخَر عليها قائلاً: هي تحفة فنيَّة رائعة”. ولكن هزَّ أحد أقاربه الكبار في السنِّ رأسه معبِّرًا عن عدم موافقته على هذه الآراء. سأله الشاب الفنان: “هل لا تُحب هذه اللوحة التي رسمتها؟”, فأجابه ذلك الشَّخص: “إنَّني أُقدِّرها, ولكن لن تعيش هذه اللوحة طويلاً, فهذه اللوحة لها مركزان للاهتمام, وأشار بإصبعه قائلاً: انظر فستجد هنا شجرة كبيرة, كما هناك أيضًا جبل تكسوه الثلوج, فيلتبس على الناس موضوع اللوحة, وهكذا ستبدأ أنت نفسك في أن تكره اللوحة”. لا يوجد عمل فنِّي يمكنه البقاء والاستمرار وبه مركزان للاهتمام.

تضطرب صورة الحياة كلِّها عندما ينقسم ولاء الإنسان. قال الرب يسوع: «لا تقدرون أن تخدموا الله والمال». لن يوجد داخلنا سلام لأنَّ هناك أرض معركة داخلنا ينقسم فيها الولاء. قال بولس الرسول: «ليَ الحياة هي المسيح» (في1: 21), وهذا نموذج للرَّأي الواحد غير المنقسم. عندما يكون السيِّد المسيح مركز الحياة ومحورها ونقطة التَّركيز فيها, سيكون للحياة توجُّه ومعنى, وستُعطي الفرح والبهجة لكلِّ ما نعيشه. نحن في أشدِّ الحاجة لأن نتخلَّص من الولاء المنقسم. «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه, وهذه كلُّها تُزاد لكم».

ما معنى: “ملكوته”؟

ما معنى: « اطلبوا أولاً ملكوت الله؟» ما هو المقصود بملكوت الله؟ قدَّم لنا السيِّد المسيح قصَّتين توضِّحان قيمة ملكوت الله في (مت13: 44-46). قال إنَّه كان يوجد إنسان يحفر في الحقل, فوجد فيه كنـزًا مخفي, ومِن فرحه مضى وباع كلَّ ما كان له واشترى ذلك الحقل. وأخبرنا السيِّد المسيح أيضًا قصَّة أخرى عن تاجر كان يقضي حياته كلها في البحث عن اللآلئ الغالية, وأخيرًا وجد لؤلؤة كانت هي أجمل لؤلؤة رأتها عيناه, فمضى وباع كل ما كان له واشترى هذه اللؤلؤة الغالية. هذه هي المشاعر التي يتعيَّن علينا أن نحملها نحو ملكوت الله. لنكون مواطنين في هذا الملكوت, فإنَّ هذا الأمر يستحق كل شيء نملكه وكل شيء نكونه. يجب أنَّ كل ما يمنعنا من أن نصبح مواطنين لهذا الملكوت نقطعه ونلقيه بعيدًا. يقول لنا الرب أن نطلب الملكوت أولاً وليس أخيرًا. استخدَم الرب تشبيهًا أقوى ليُعبِّر به عن أهميَّة ملكوت الله عندما قال: «إنْ كانت عينك اليمنى تُعثرك فاقلعها وألقها عنك, لأنَّه خيرٌ لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يُلقَى جسدك كلُّه في جهنَّم» (مت5: 29, مر9: 43-48). مثل هذه الأولويَّة تتطلَّب إجراء عمليَّات جراحيَّة كثيرة.

ملكوت الله هو…

ماذا يعني ملكوت الله؟

ملكوت الله يعني أنَّ السيِّد المسيح يجلس على عرش القلب ليصبح رقم “واحد”, وأن نطيعه أكثر من الآخَرين.

ملكوت الله يعني أن نُحب بعضنا مثلما أحبَّنا المسيح.

ملكوت الله يعني أن نسير الميل الثاني.

ملكوت الله يعني أن نغفر بعضنا لبعض مثلما غفر لنا المسيح.

ملكوت الله يعني أن نقول الحق في محبَّة.

ملكوت الله يعني أن نحب من يكرهنا.

ملكوت الله يعني: «لتكن مشيئتك, كما في السماء كذلك على الأرض».

ملكوت الله يعني أن نصلِّي من أجل الذين يسيئون إلينا.

ملكوت الله يعني أن نكون خدَّامًا لإخوتنا.

ملكوت الله يعني أن نطعم الجائع.

ملكوت الله يعني أن نـزور المحبوس والمريض.

ملكوت الله يعني أن نغسل أقدام الآخَرين لو لزم الأمر مثلما فعل السيِّد المسيح.

وهكذا, في كلمات عمليَّة وشخصيَّة جدًّا, قدَّمنا معنى مُبسَّطا لعبارة: «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه».

ما هو ليس ملكوت الله

لنُفكِّر لحظات في ما ليس هو ملكوت الله. قالت إحدى السيِّدات:

”ذات يوم, أخذتُ كتابي المُقدَّس, وحدث أنَّني قرأتُ الأصحاح السادس من إنجيل متى: «لذلك أقول لكم لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون, ولا لأجسادكم بما تلبسون» (مت6: 25). أخذتُ في البكاء بحرارة, وبدموع غاضبة تساءلتُ كيف يطلب الله منِّي هذا الشيء؟ ألا يعرف كيف كنتُ أجتهد لأنفِّذ ما ينبغي عليَّ أن أفعله في حياتي؟ وحتى أثناء غضبي لاحظتُ أنَّ الفقرة التالية تقول: «لكن اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه» فشعرتُ بالخجل من نفسي, وأدركتُ أنَّني لم أُفكِّر مليًا في ملكوت الله, فقد كنتُ أعيش في ملكوتي. لا عجب أنَّني كنتُ قلقة, وكنتُ أُحاول أن ألعب دور الله لمن هم حولي, فقد كنتُ أحاول أن أَسِدَّ كل احتياجاتهم كل الوقت“.

بعدما كشف الله لهذه السيِّدة هذه الحقيقة, توقَّفَت أن تحيا في ملكوت ذاتها, أدركت أنَّها عندما تضع نفسها وعائلتها في يدي الله, يقلُّ قلقها وترتفع جودة العناية المُحبَّة.

مثال آخَر على ما هو ليس ملكوت الله

أُقدِّم لكم مثالاً آخَر عمَّا هو ليس ملكوت الله.

قصَّة:

تمَّ استدعاء أحد الأطباء ليكشف على أحد المرضى وهو رئيس شركة كبيرة, كان يعاني من أزمات ربو متـزايدة, وعندما حدثت له الأزمة الأخيرة, بدا أنَّه لن ينجو منها. لم يجد الطبيب سببًا عضويًّا لمرضه, لذا سأله: “هل هناك ما يزعجك؟” أجابه المريض: “لا, فأنا عضوٌ في الكنيسة وعضوٌ فعَّال, فلا يوجد ما يزعجني”, فتركه الطبيب وهو حائر. في اليوم التالي أرسل المريض مُستدعيًا الطبيب وقال له:

”طبيبي العزيز, أخبرتك بالأمس أنَّه لا يوجد ما يزعجني, ولكنَّني كنت أتحدَّث إلى الله كل ليلة أمس, وظهرت أمامي بحروف واضحة على السَّقف كلمات تقول: «اطلبوا أولاً ملكوت الله», وعلى الحوائط رأيتُ نفس الجملة مكتوبة بوضوح: «اطلبوا أولاً ملكوت الله», ومكتوب أيضًا على أرضيَّة الحجرة: «اطلبوا أولاً ملكوت الله». أستطيع الآن أن أخبرك، “أيُّها الطبيب العزيز”، أنَّني كنتُ أطلب أولاً ملكوت جون براون John Brown. كنتُ أترقَّى في عملي في الشركة إلى أن أصبحتُ على قمَّتها, ولكنَّني فعلتُ ذلك بقساوة دون أن أكترث بالآخَرين. كنتُ إنسانًا متمركزًا حول نفسي تمامًا, ولكن شيئًا ما حدث لي الآن, فأنا أطلب الآن أولاً ملكوت الله“.

قال الطبيب: “تركتُ المريض متأثِّرًا والدموع في عيني. لقد رأيتُ للتو مولدًا جديدًا لنفس”: «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه, وهذه كلُّها تُزاد لكم».

يا الله, ليأتِ ملكوتي

أودُّ أن أشارككم مثالاً آخَر لِما هو ليس ملكوت الله. هناك الكثيرون من المسيحيِّين الذين يخدعون أنفسهم بأنهم أعضاء في ملكوت الله, في حين أنَّهم ليسوا كذلك, فهم أعضاء في ملكوت ذواتهم their own ego. هؤلاء هم الذين يأتون إلى المسيح من أجل أن يملوا عليه في صلواتهم ما يتوقَّعون أن يُنفِّذه لهم, وصلواتهم تجري على هذا المنوال:

”إلهي, دعني أُقدِّم لك ملخَّصًا حول موقفي الحالي. أنت ترى أنَّني الآن متورِّطٌ ومشغولٌ بهذا الأمر, كما لديَّ الأمور التالية في أجندتي الخاصَّة, وهنا أريد منك مساعدة ولو قليلة. لا أُثقِل عليك في أمور أخرى؛ ولكن إنْ باركتني أيضًا سيكون هذا الأمر رائعًا. نعم, أعتقد أن هذا يكفي لهذا اليوم فقد أطلتُ عليك. أشكرك, يمكنك أن تنصرف الآن“.

مثل هؤلاء الناس لا يطلبون ملكوت الله وبرَّه أولاً, ولكن ملكوت الذات. لقد تعاملوا مع الرب يسوع كما يتعامل الناس مع الجِن ليُحقِّق طلباتهم.

مثل هؤلاء لديهم الخطط الأنانيَّة وذواتهم وطموحاتهم وأولويَّاتهم وأغراضهم, ويطلبون الله ببساطة ليخدمهم, وصلواتهم هي هكذا: “يارب, لتكن مشيئتي, ليأتي ملكوتي”. لكي تكون في ملكوت الله, فهذا يعني أنَّك تحيا وفق قانونه. هو الأوَّل وليس نحن. ملكوت الله هو أغلى شيء في الحياة, تمامًا مثل الكنـز المخفي في الحقل واللؤلؤة الكثيرة الثمن. تلك التي متى وجدتها, فأنت تُضحِّي بكلِّ شيء لتمتلكها. الأمور الأرضيَّة تبدو بلا قيمة أمامها عند مقارنتها, رغم روعتها وجمالها. هذا هو الغرض الأسمى في الحياة وشُغلنا الشَّاغل: «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه, وهذه كلُّها تُزاد لكم».

هذه كلُّها تُزاد لكم

ماذا كان يقصد الرب يسوع بهذه الكلمات: «هذه كلُّها تُزاد لكم»؟ أبونا السماوي يعلم أنَّنا نحتاج إلى أمور كثيرة في حياتنا وقد تعهَّد أن يعطيها لنا: «فلا تهتمُّوا قائلين: ماذا نأكل؟ أو ماذا نشرب؟ أو ماذا نلبس؟ فإنَّ هذه كلَّها تطلبها الأمم. لأنَّ أباكم السماوي يعلم أنَّكم تحتاجون إلى هذه كلِّها. لكن اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه, وهذه كلُّها تُزاد لكم» (مت6: 31-33). أبونا السماوي يعلم أنَّنا نحتاج إلى هذه الأمور: الطعام والمسكن والملبس وأنَّه سوف يعطيها لنا؛ ولكن حاجتنا الأعظم هي إلى الأشياء الأبديَّة: الإيمان, المحبَّة, الفرح, السلام, التسامح, الحياة الأبديَّة. هذه هي عطايا الله التي لا تُقدَّر بثمن ومحفوظة لنا عن طريق حياة وموت ابن الله الرب يسوع وقيامته المجيدة.

كل تلك البركات الأخرى, والتي يعطي الله الكثير منها إنَّما هي لمدَّة قصيرة من الوقت؛ أمَّا ملكوته فدائمٌ إلى الأبد. لهذا قال السيِّد المسيح: «لا تكنـزوا لكم كنوزًا على الأرض حيث يُفسِد السُّوس والصَّدأ, وحيث ينقب السَّارقون ويسرقون. بل اكنـزوا لكم كنوزًا في السماء, حيث لا يفسد سوس ولا صدأ, وحيث لا ينقب سارقون ولا يسرقون» (مت6: 19-20), «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه, وهذه كلُّها تُزاد لكم». يقول الرب يسوع: اطلبوا ملكوت الله أولاً, وسوف يعتني الله بكم أفضل ممَّا تهتمُّون أنتم بأنفسكم.

يصيغ القدِّيس يوحنا ذهبي الفم هذا بقوله:

[اطلبوا أولاً الأشياء التي تخص الله, أمَّا الأشياء التي تخص الإنسان فسوف تأتيكم حالاً وبكفاية].

يقول الرب يسوع إنَّ الاحتياجات الوقتيَّة في الحياة سوف تُزاد لكم ولن تنقص. لهذه الأمور مكانها, ولكن ليس المكان الأوَّل.

يكتب مايستر إيكارت Meister Eckhart ويقول:

”إذا كنتَ تريد الله فقط, سوف تنال كل الأشياء بالتبعيَّة“.

ركِّز على الأولويَّات الأساسيَّة, ثمَّ الأولويَّات الثانويَّة ستأتيك تباعًا.

توجد في كتابات الكنيسة الأولى وآدابها قولاً للسيِّد المسيح غير موجود في الأناجيل. يقول هذا القول: ” اطلبوا الأشياء عظيمة الشَّأن, ثمَّ الأشياء الصَّغيرة سوف تُزاد لكم. اطلبوا السمائيَّات, وأمَّا الأرضيَّات فستـُزَاد لكم”. يحثُّنا السيِّد المسيح على الأولويَّة الأولى, أولويَّة الأولويَّات: «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه, وهذه كلُّها تُزاد لكم».كل شيء آخَر سوف يهتم بنفسه, والأخريات كلها ستكون لكم. وبعيدًا من أن تحتقروا هذه الأشياء, فإنَّكم ستقدِّرون قيمتها أكثر لأنَّها عطايا من الله أعطاها لأولاده الذين يحبُّهم. ولكن كيف يمكننا أن نعطي لملكوت الله الأولويَّة الأولى في الحياة, فالقصَّة التالية ستساعدنا على الإجابة.

قصَّة:

الفلاح وملكة النَّحل

ذات مرَّة, رأى فلاح سربًا من النَّحل في غابة قريبة منه, فخطر في باله فكرة هي أنَّه سيكون أمرًا لطيفًا ومربحًا أن يقتني نحلاً في مزرعته, وبذلك سيتوفَّر له ولعائلته العسل, بل وربَّما في المستقبل يصير تاجرًا كبيرًا في بيع العسل. أحضر الفلاح صندوقًا للخلايا وذهب إلى الغابة حيث رأى النحل, وأمسك بمجموعة منها ووضعها في الخليَّة التي اشتراها. ذهب الفلاح في اليوم التالي إلى الغابة وأمسك بمجموعة أخرى, وظلَّ يفعل نفس الشيء لعدَّة أيَّام آملاً وحالِمًا أن يصبح تاجر عسل عظيم الشَّأن؛ ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان, فقد كان النحل يعود إلى الغابة مرَّة أخرى. وفي إحباط وحزن شديد ذهب الفلاح لاستشارة أحد النحَّالين المتخصِّصين وسأله: “ما السَّبب في عودة النحل؟ هل مِن مشكلة؟ لماذا لا يبقى النحل في الخلايا التي أحضرتها رغم توفَّر كل أصناف الزهور في مزرعتي الكبيرة؟” أجابه النحَّال: “الطريقة الوحيدة لنقل سِرب النَّحل إلى حيث تريد هو أن تمسك أولاً بروح هذا السِّرب, وبمجرَّد أن تمسك بروح السِّرب, فالنحل كله سيطيعك”. سأله الفلاح مُستغرِبًا: “وماذا تكون روح النحل هذه لأمسك بها؟” أجابه النحَّال: “امسك بمَلِكَة النحل, فالهدف الوحيد في حياة النحل هو أن يخدم المَلِكَة, وجميع النحل سيأتي إلى مزرعتك”. الرب يسوع هو ملك الملوك ورب الأرباب وسيِّد الأسياد, ومتى مَلَك على النفس, فكل شيء يتبعه: «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه, وهذه كلُّها تُزاد لكم».

مثال: داود النبي

هيَّا بنا نتطلَّع إلى بعض الأمثلة لأشخاص طلبوا ملكوت الله وبرَّه أولاً. نقرأ في (1مل11: 4) ما يلي: «ولم يكن قلبه (سليمان) كاملاً مع الرب إلهه كقلب داود أبيه». كان داود هو حبل القياس عندما أراد الله أن يحكم على قلب سليمان, لأنَّ قلب داود كان كاملاً في نظر الله. لم يسقط داود أبدًا في عبادة آلهة أخرى كما فعل سليمان وملوك العبرانيِّين. ولكن ما الذي يجعل القلب كاملاً؟ كان قلب داود قلبًا ذا هدفٍ واحد فقط, وهو أن يعرف الله ويحبه ويخدمه. يقول داود: «واحدة من الرب سألتُ وإيَّاها ألتمس: أنْ أسكن في بيت الرب كلَّ أيَّام حياتي» (مز27: 4).

هذا هو القلب ذو الرَّأي الواحد. لم يكن داود كاملاً بمعنى أنَّه لم يخطئ أبدًا لأنَّه أخطأ بالفعل؛ لكن بمعنى أنَّ قلبه كان في مكانه السَّليم, كان مكرَّسًا بالكليَّة لله. لم يكن هناك شيء مهم لداود مثل علاقته بالله. طَلَبَ داود ملكوت الله وبرَّه أولاً, وهذا هو نوع الوحدانيَّة التي يتطلَّبها الله منَّا. عندما وضع داود الله أولاً قبل كل شيء آخَر في الحياة, أصبح هذا النوع من الأشخاص الذين يمكن أن يستخدمهم الله, واستخدم الله داود بالفعل وبقوَّة.

مثال آخَر: الملك سليمان

وكمثال آخر, الملك سليمان. عندما تبوَّأ سليمان العرش خلفًا لأبيه داود, ظهر الله له في حلم وعرض عليه أن يعطيه أي شيء يتمنَّاه: العُمر الطويل, الغنى, النّصرة في الحروب؛ لكن الملك سليمان الفتى الغض لم يختر شيئًا من كل هذا, بل طرحه كله جانبًا, بل طلب من الله ذهنًا حكيمًا يحكم به شعبه بشكلٍ سليم. هذا الاختيار أبهج الله جدًّا حتى إنَّه منح سليمان, ليس الحكمة فقط, ولكن هبات أخرى أيضًا؛ ولأنَّ سليمان طلب أفضل شيء, فإنَّ الله أزاد له كل شيء أيضًا: «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه, وهذه كلُّها تُزاد لكم».

مثال ثالث: جاك إيكيرد

رأينا داود وسليمان مَثَلَيْن, وها نحن نضيف مَثَلاً ثالثًا وهو “جاك إيكيرد Jack Eckerd”. بعدما أسَّس جاك سلسلة من الصيدليات ومؤسَّسات الأدوية, فإنَّه صار مسيحيًّا. حدث فيما كان يتفقَّد جاك إحدى صيدليَّاته أن رأى على أحد الأرفف مجموعة من مجلات تحوي صُوَرًا عارية. ورغم أنَّ جاك كان قد كبر في السِّن, إلاَّ أنَّه استدعى أحد المديرين وطلب منه أن يرفع هذه المجلات. اعترضت إدارة الصيدليَّة على هذا القرار بالقول إنَّ الزبائن يستمتعون بقراءة هذا المجلات والتطلُّع إلى الصُّوَر الهابطة, بل وبعضهم يطلبون شراءها بالإضافة إلى الأدوية, وبالتالي كانت هذه المجلات تُدرُّ أرباحًا طائلة. اعترض جاك صاحب سلسلة الصَّيدليَّات وفضَّل الخسارة عن أن تُعرَض هذه المجلات في الصيدليَّات. وتمَّ تنفيذ القرار حيث أُزيلت تلك المجلات من الـ 1700 فرعًا التي تتبعه. ومنذ تلك اللحظة, أخذ جاك حملة هادئة ليشجِّع المحلات الأخرى لتتبع نهجه. وضع جاك ملكوت الله وبرَّه أولاً في حياته, وعندما فعل هذا, كان عليه أن يفعل نفس الشيء في تجارته, في خضوعٍ لله ولإرادته. وضع جاك الله في قمَّة أولويَّات حياته, ولم يكن هذا قرارًا عشوائيًّا أو سهلاً, ولكنَّه صمَّم أن يُنجزه: «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه, وهذه كلُّها تُزاد لكم».

ما الذي يأتي على

قمَّة العشرة الأمور في حياتك؟

الحياة هي مسألة أولويَّات, وتتحدَّد نوعيَّة حياتنا وجودتها على الأشياء التي نعطيها المكانة الأولى في حياتنا. ما الشيء الذي يشغل المكانة الأولى في حياتك؟ ما الذي يأتي على قمَّة العشرة الاهتمامات الأُوَل Top Ten في حياتك؟ ما الذي يأتي أولاً؟ ما الذي تجاهد لتبلغه أو تحصل عليه؟ ما الذي يحكُم محبَّتك ويسود على قلبك؟ ما الذي يجعلك تذهب أو تجيء؟ هل يمكنك أن تقول بصدق وبشجاعة إنَّه لا يمكن لشيء أن يسبق المسيح في حياتك؟

يمكن أن تُدمَّر حياة أكثر الناس نجاحًا بسبب حقيقة واحدة بسيطة جدًّا وهي أنَّ هذا الشَّخص لم يتمكَّن من ترتيب أولويَّاته بالشَّكل السليم. يقول بولس الرسول: «يسوع رب» (في2: 11). كانت هذه هي أولويَّة بولس الرسول المطلقة, رقم: “واحد”. والسؤال الآن: هل يسوع ربٌّ لي؟ هل يسوع بالحق ربٌّ لك؟ قال أحد الأشخاص: “كُن حذرًا فيما تسعى إليه في الحياة, فقد يحدث أن تحصل عليه بالفعل”, ولكن يبقى السؤال الآن: “هل سيمكنك أن تحيا بهذا الشيء بعد أن تحصل عليه؟ هل سيرضيك؟ أم سوف يصيبك بالاستنـزاف, وفي النهاية يُدمِّرك؟

ألا تتَّفق معي أنَّ كثيرين منَّا يضيعون حياتهم بحثًا عن: “هذه الأمور كلها”, وينتهي بهم الأمر بأنَّهم يخسرون ما هو ثمين جدًّا. أما كان ميشيل نوفاك Michael Novak على حق عندما قال: “ما بعد طعم اللَّذة هو الملل”. والكتاب المقدَّس هو أكثر واقعيَّة وصدقًا عندما قال إنَّ ثمرة الخطيَّة هي عبوديَّة وموت. لقد أنقذنا الله من أن نتوقَّف عند أقل هدف في الحياة يعوقنا من أن نعرف شخصه في المسيح, وأن نذوق ونختبر قوَّة قيامة ابنه. «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه, وهذه كلُّها تُزاد لكم»

مدَّة حياة واقعيَّة

وقتٌ ينقضي في النوم                23 عامًا       32.9%

وقتٌ ينقضي في العمل                16 عامًا      22.8%

وقتُ ينقضي في مشاهدة التلفاز      8 أعوام      11.9%

وقتٌ ينقضي في الأكل                6 أعوام        8.6%  

وقتٌ ينقضي في السَّفَر                6 أعوام        8.6%

وقتٌ ينقضي في الملاهي               4.5 عامًا      6.5%

وقتٌ ينقضي في المرض                4 أعوام         5.7%

وقتٌ ينقضي في الملابس ومتعلِّقاتها    عامان          2.8%

وقتٌ ينقضي في الأمور الدينيَّة         نصف عام     0.7%

الإجمالي                                 70 عامًا        100%

عندما تبلغ حياتك نهايتها, ما نوع القصَّة التي سترويها حياتك؟ هل سيظهر أنَّك رتَّبتَ أولويَّاتك بشكلٍ سليم؟ بمعنى أنَّك طلبتَ أولاً ملكوت الله وبرَّه؟ ألن تكون حكيمًا الآن إذا سعيتَ لتغيير الأسلوب الذي تقضي به وقتك وحياتك ومواردك؟ مَن سوى الله يكون رقم: “واحد”؟, فهو الألف والياء, البداية والنهاية, من ثمَّ فهو جدير ليأخذ المكانة الأولى في الحياة. ألم يسبقنا الرب يسوع نفسه عندما قدَّم حياته أولاً لأجلنا على الصليب؟ أَمَا ينبغي أن نضعه في المكانة الأولى في حياتنا؟ يقول القدِّيس بولس: «أسعى نحو الغرض لأجل جعالة دعوة الله العليا في المسيح يسوع» (في3: 14). «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه, وهذه كلُّها تُزاد لكم». إذا لم يكن الله على قمَّة سلَّم أولويَّات حياتك, فلا تتوانَ عن التحرُّك إلى أعلى ليصير الله على قمَّة السلَّم. وَصَفَ السيِّد المسيح القيمة التي لا تُقدَّر لملكوته عندما قال: «أيضًا يشبه ملكوت السماوات كنـزًا مُخفَى في حقل, فوجده إنسانٌ فأخفاه. ومِن فرحه مضى وباع كلَّ ما كان له واشترى ذلك الحقل. أيضًا يُشبه ملكوت السماوات إنسانًا تاجرًا يطلب لآلئ حسنة, فلمَّا وجد لؤلؤة واحدة كثيرة الثَّمن, مضى وباع كلَّ ما كان له واشتراها» (مت23: 44-46). الكنـز غالٍ جدًّا لدرجة أنَّه يستحق أن تكون له الأولويَّة في الحياة, والكارثة العظمى أن تخسره, لذلك: «اطلب أولاً ملكوت الله وبرَّه» وسوف تفوز بالكنـز المخفى في الحقل, واللؤلؤة الكثيرة الثَّمن.

جَعْل الله الأوَّل في حياتنا

هل أجعل لله وللكنيسة الأولويَّة في حياتي؟ في وقتي ومواهبي وممتلكاتي؟ هناك دفتران يخبران عن الإجابة, الأول دفتر المواعيد, والثاني دفتر الشِّيكات. الدَّفتر الأوَّل يوضِّح ماذا نفعل بوقتنا, والدَّفتر الآخَر يوضِّح ماذا نفعل بالمال الذي نملكه. وهذان الشَّيئان هما أكثر الموارد قيمة. كيف يظهر أنَّني أجعل لله الأولويَّة في حياتي من دفتر المواعيد (الأجندة)؟ ودفتر الشِّيكات؟عندما أخطِّط للتصرُّف في مالي, كيف سأخطِّط نصيب الرب والكنيسة في تقدماتي؟ إنْ كان الله هو الأول, فسيظهر هذا في تقدمات وقتي ومواهبي وممتلكاتي. الإله الحقيقي هو ذاك الذي أضعه في المرتبة الأولى في الحياة. كل حياة الإنسان مرسومة أن تكون لتمجيد الله, وعندما نستخدم مواردنا لتمجيده, فإنَّ صوت تمجيد الله يصبح أكثر عذوبة وقبولاً لديه.

إنْ كان الرب يسوع هو إلهي الذي أحبَّني وأسلم نفسه لأجلي, عندئذٍ لن يوجد شيءٌ غالٍ عليه لنضحي به من أجله, فهو يأتي دائمًا رقم: “واحد”. اذكر أبانا إبراهيم الذي لم يكن غاليًا عليه أن يُقدِّم: “ابنه وحيده الذي يحبُّه مُحرَقَة طاعة لله” (تك28).

اجعل ليوم الرب الأولويَّة

يوم الأحد هو يوم الرب. هو رمزٌ لإعلان أنَّ الله يملك على جزء من وقتنا وحياتنا وأنفسنا. نحن نعترف في هذا اليوم أنَّ الوقت كلَّه هو من الله. عند نهاية كل يوم, نمضي إلى المكان الذي يخصُّنا, أي إلى منـزلنا حيث هناك أحبَّاؤنا: الزوجة والأولاد. وهكذا بالمثل نذهب يوم الأحد إلى المكان الذي ننتمي إليه الذي هو الله. يُقدِّم لنا يوم الأحد فرصة لنتعرَّف على هويَّتنا, أنَّنا أبناء الآب السماوي, وفيه نعرف مَن نحن, لأنَّنا سنعرف ونتعرَّف على مَن سنذهب إليه لنكون كل حين معه.

يُقدِّم لنا يوم الأحد فرصة رائعة نستجيب فيها لحبِّ الله لنا, فباقي الكائنات غير الحيَّة لا يمكنها أن تستجيب لمحبَّة الله. نحن في كامل حريَّتنا أن نتقبَّل حبَّه, وأن نبادله حبًّا بحبٍّ لأنَّه أحبَّنا أولاً. نحن نمجِّده ونُسبِّحه نيابة عن الخليقة كلها وباسمها. هذا ما نفعله في ليتورجيَّة يوم الأحد.

يوم الرب جوهرة مقدَّسة وثمينة على أجندة أيَّام الأسبوع, حيث يُذكِّرنا كل يوم أحد أنَّ الإنسان لا يحيا بالخبز وحده بل بكل كلمة تخرج من فم الله. نحتاج أن نتذكَّر في نهاية كل أسبوع أنَّنا لسنا متجوِّلين وحدنا في هذا العالم, ولكن الله موجودٌ معنا يُقدِّم لنا نفسه كل أسبوع في سرِّ الإفخارستيَّا كخبز سمائي, خبز الحياة.

يأتي يوم الأحد ليُذكِّرنا كل أسبوع أنَّه يوجد ما هو أكثر لحياتنا من الروتين المتكرِّر لكل يوم. يُذكِّرنا كل يوم أحد أنَّه يوجد داخلنا شيء مُقدَّسٌ فينا يظل جائعًا حتى بعد أن نطعم أجسادنا؛ شيء ليس مجرَّد الحياة, ولكنَّه يبحث عن معنى وهدفٍ للحياة.

كيف يمكننا أن نبني علاقة شخصيَّة قويَّة مع شخص إذا كنَّا لا نُخصِّص له الوقت والتَّفكير والانتباه؟ هل نتخيَّل أنَّه يمكن أن نبني علاقة قويَّة وحميمة مع الله, ونجعله مركز حياتنا, ونعرف إرادته وننال عطاياه دون أن نعطيه الوقت الكافي خاصَّة في يومه كل أسبوع؟

تكلَّم ت. إس. إليوت T. S. Eliot حديثًا ساخرًا عن الذين يعملون بجد طوال الأسبوع, أو يقضون كل الأسبوع في مرح دون الاهتمام بيوم الرب فقال:

”هُم قوم مهذَّبون, لكن بلا إله,

وثنهم هو طريق الأسفلت,

والآلاف من كُوَر الجولف الضائعة“.

بالتأكيد, هؤلاء الناس الذين لا يقدِّسون يوم الأحد, سيفقدون كل شيء؛ لأنَّهم يفقدون الله. أمَّا هؤلاء الذين يعرفون سرَّ الأحد, فإنَّهم يجدون أنَّ الحياة تستحق أن تُعاش, والموت لا يكون سوى إعلان لبدء حياة جديدة مع المسيح, في سبت أبدي فيه راحة أبديَّة لشعب الله.

الإنسان الذي يتاجر في يوم الرب من أجل عطلة نهاية أسبوع فارغة وجوفاء, إنَّما قد حصل على صفقة سيِّئة جدًّا. في سعيه لملء حياته بالمتعة أو بالعمل, فقد فرَّغ اليوم من معناه. في عالم بدون الله يمكن أن يكون وقت الفراغ جحيمًا.

حدث أن ذهبت امرأة إلى السوبر ماركت يوم الأحد, ليس إلاَّ لتشتري كرتونة سجاير وهي تقول: “ليس من شيء أعمله سوى التدخين”.

وعلى النقيض من ذلك, نجد امرأة مسيحيَّة تقيَّة بسيطة تصف يوم الأحد فتقول: “أنا أحمل أعباء كثيرة لا يعرف أحد عنها شيئًا… أقوم بأعمال شاقَّة طوال الأسبوع, وطبيعة عملي تسبِّب لي إحباطًا. يوم الأحد أذهب إلى الكنيسة لكي أعطي الله فرصة ليتحدَّث إليَّ. هناك أملأ أوعيتي الفارغة بالرجاء والإيمان والمحبَّة, ثمَّ يرسلني الله مرَّة أخرى إلى العمل بالقوَّة التي أحتاجها لأحمل أعبائي”.

بدون الله, يصبح يوم الأحد هو اليوم الذي نشعر فيه بالألم والفراغ الداخلي, وليس اليوم الذي نفرح ونبتهج فيه بالخلاص.

ومع الله, يصبح يوم الأحد ـ الذي هو يوم الرب ـ يصبح مثل اليوم الذي خلقه الله ليكون عليه, اليوم الذي فيه تمتلئ أوعيتنا الفارغة بالمحبَّة والرجاء والصبر, ويتحقَّق فيه وعد الله: «إليه نأتي, وعنده نصنع منـزلاً» (يو14: 23).

عندما نشترك في الليتورجيا الإلهيَّة المقدَّسة كل يوم أحد, فنحن نذوق ونختبر ملكوت الله. يوم الرب في الأساس هو يوم الملكوت. نجعل لله أولويَّة حياتنا في هذا اليوم, بأن نطلب ملكوته ونُشارِك فيه من خلال سرِّ الإفخارستيَّا المقدَّس.

بعض النصائح العمليَّة

لمساعدتنا في جعل الأولويَّة لوجود الله في حياتنا

إليك مجموعة من النصائح العمليَّة التي تجعل لله الوجود الأوَّل في حياتنا:

(1) اِجعل لحضور الله الأولويَّة في حياتك بتخصيص أيقونة للعائلة ومكان مُخصَّص للصلاة في منـزلك.

(2) صلِّ صلاة يسوع دائمًا أثناء النهار والليل. صلاة يسوع هي الطريقة التي بواسطتها تتدرَّب لكي تجعل لله الأولويَّة في حياتك, لكي تكون واعيًا أنَّك دائم الوجود في حضرته.

(3) اطلب من أب اعترافك أن يساعدك بوضع قانون يومي شخصي للصلاة.

(4) اقرأ كلمة الله كل يوم. خذ من الله وعدًا أو آية وكرِّرها على مدى اليوم.

(5) اجعل لمشيئة الله الأولويَّة في حياتك. تُقاس درجة النمو في الحريَّة الحقَّة بمقدار جعل أن يكون لله الأولويَّة في حياتك. الشَّخص الأكثر حريَّة هو الشَّخص الأكثر خضوعًا لله في المسيح. كان السيِّد المسيح هو الأكثر حريَّة الذي عاش على الأرض, لأنَّه جعل إرادة الله هي الأولى: «لتكن مشيئتك, كما في السماء كذلك على الأرض» (مت6: 10).

(6) ذكِّر نفسك دائمًا بأنَّك سوف تنتقل مِن هذا العالم وتظهر أمام الله. يقول آباء الكنيسة: ”إذا نسينا الموت الجسدي, سوف نموت روحيًّا“.

(7) انتبه بإخلاص ليوم الرب عن طريق الذِّهاب إلى الكنيسة والتناول وحضور الاجتماعات الروحيَّة.

(8) استعد للتناول, وذلك بتلاوة الصلوات التي تُتلى قبل التناول وبعده.

(9) اقرأ كتابًا روحيًّا بانتظام, هذا يساعدك في نموِّك الرُّوحي.

(10) انضم لمجموعة تدرس الكتاب المقدَّس.

(11) استغل كل عام موسم الصوم الكبير في فحص ذاتك روحيًّا, وحقِّق فيه إنجازات شارك بها أب اعترافك.

اِجعل لله الأولويَّة في وقتك ومواهبك وممتلكاتك. فالمال على سبيل المثال يصبح شيئًا مقدَّسًا عندما يُقدَّم لله, وهو يُترجَم بالرُّوح القُدُس إلى أعمال رحمة تُمجِّد الثالوث القدُّوس.

هذه بعض النصائح التي يمكن عن طريقها جعل حضور الله في حياتك واقعيًّا. من المهم جدًّا أن تُقرِّر ما هي أولويَّاتك, وتقضي وقتًا في الانتباه إليها. إذا لم نفعل ذلك, ستدخل أمور كثيرة وتأخذ موضع الصَّدارة؛ ولن يصبح الله مُهمًّا في حياتنا, ويفقد أولويَّته القصوى. «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه, وهذه كلُّها تُزاد لكم».

افتح الباب

نقرأ في إنجيل القدِّيس يوحنا قوله: «والكلمة صار جسدًا وحلَّ بيننا, ورأينا مجده مجدًا كما لوحيد من الآب مملوء نعمة وحقًّا» (يو1: 14). هذا الكلمة الذي صار إنسانًا هو الله الذي غطَّى السارافيم وجوههم بأجنحتهم كما رآهم في الرُّؤيا إشعياء, وسمعهم يهتفون وهو مرتعد وخائف قائلين: «قدوس, قدُّوس, قدُّوس ربُّ الجنود!» (إش6: 3). الملائكة لا تجسر أن تنظر إليه, إنَّها عظمة الله التي لا يقدر الإنسان بسببها أن يرى الله ويعيش. الله الكلمة, والابن الوحيد الذي لا يُدنَى منه اقترب جدًّا منَّا لدرجة أنَّه يقول: «هأنذا واقفٌ على الباب وأقرع. إنْ سمع أحدٌ صوتي وفَتَح الباب, أدخل إليه وأتعشَّى معه وهو معي» (رؤ3: 20). الله العظيم الذي لا يحويه الفضاء الخارجي يريد أن يصنع منـزله في الغرفة الداخليَّة لقلبك وقلبي.

قال العلاَّمة أوريجانوس:

[كل كائن حي روحي هو بالطبيعة هيكلٌ لله, وخُلِق ليستقبل في داخله مجد الله].

عندما نفتح الباب لنستقبل السيِّد المسيح, فنحن نَدَع مجد الله يدخل ويجعلنا هياكل حيَّة لمجده.

قال الأب جورج فلوروفسكي Fr. George Florovsky:

”يقرع الله دائمًا على باب قلب الإنسان, ولكن الإنسان وحده هو الذي يمكنه أن يفتح إن شاء“.

لا يقرع المسيح مرَّة واحدة ولكن باستمرار. المسيح يقرع على الباب طالبًا الدخول كما لو كان لا يوجد أي مكان آخَر له في الكون. الكون كله موطئ قدميه, ومع ذلك, نجده يقرع على الباب طالبًا دخول قلبك وقلبي, لأنَّه مِن كلِّ الأماكن في هذا الكون, قلبنا هو المكان الذي يريده بشدَّة أن يصبح منـزله. هذا هو المكان الذي يريد أنْ يُقيم فيه, ليقضي الوقت معك, يُحبُّك ويضمُّك إلى صدره ليمنحكَ الحياة الأبديَّة.

لكلِّ شخص منَّا, بغضِّ النَّظر عن شعوره أنَّه محبوبٌ أم لا, يأتي السيِّد المسيح ويقول كما قال لزكا: «أسرع وانـزل, لأنَّه ينبغي أن أمكث اليوم في بيتك» (لو19: 5). وكما نادى على زكا باسمه شخصيًّا, هكذا ينادينا شخصيًّا كل واحد باسمه: «هأنذا واقفٌ على الباب وأقرع. إنْ سمع أحدٌ صوتي وفَتَح الباب, أدخل إليه وأتعشَّى معه وهو معي». إذا سمعتَ صوته وفتحتَ الباب, سوف يدخل السيِّد المسيح حياتك ويرافقك الآن وفي الأبديَّة. عندما نفتح الباب فسيدخل. إنْ وجد نفوسنا سوداء بالخطيَّة, فسيجعلها أبيض من الثلج. إنْ وجدنا عراة, فسيكسونا بثوب برِّه بالاتِّحاد به. إنْ وجدنا عِطاشًا وجائعين, فسيرتِّب أمامنا المائدة المسيانيَّة الزاخرة بالمن السَّماوي. وإنْ وجدنا في زريبة قذرة, فسيحوِّلها إلى هيكلٍ مقدَّسٍ: «أَمَا تعلمون أنَّكم هيكل الله, وروح الله يسكن فيكم؟» (1كو3: 16).

الله جعل نفوسنا قصرًا له, هيكلاً مقدَّسًا. لذلك, عندما تسمع طرق الباب, افتح الباب, لأنَّ العريس يدعوك إلى مائدة العُرس العظيم, مائدة الاحتفال بإتمام الاتِّحاد بين المسيح ونفسك. يوجد مكان في انتظارك على مائدة الرب, مكان بجوار السيِّد, مكان تركه مُعظمنا خاليًا فترة طويلة.

يقول القدِّيس يوحنا ذهبي الفم:

[الفردوس على عتبة بيتك].

افتح الباب واجعله يدخل! الزمن في نظر الله هو: “الفترة الفاصلة للانتظار بين طَرْق السيِّد على الباب, واللحظة التي نفتح فيها الباب واسعًا أمامه”. الأولويَّة رقم: “واحد” هي أن تفتح ذهنك وقلبك ليسوع, ليكون هو الرب والسيِّد.

   ¶ صــلاة ¶

”عزيزي يسوع الغالي,

لا تكفيني الأيَّام كلُّها لأستطيع أن أشكرك,

على تركك للسماء لتأتي وتبحث عنِّي.

فأنا أعرف أنَّك تقتفي خطواتي وتتبعني,

لأنَّك تُحبُّني وتريد أن تهبني السماء.

هذا شرفٌ لا أستحقُّه,

فأنا أعرف أنَّك لستَ قاطنًا في القلعة أعلى قمَّة الجبل,

بل أنتَ واقف خارج باب نفسي,

تنتظرني أن أفتح لك لتدخل إليَّ, وأفتح الباب لحضورك.

تعالَ يا ربِّي يسوع تعالَ! واجعل ملكوتك حقيقيًّا فيَّ.

تعشَّ معي وأنا معك. لك كل المجد إلى الأبد.

آمين“.

 

هل الله هو الأول في حياتك؟ ج3 – الأب أنتوني م. كونيارس

هل الله هو الأول في حياتك؟ ج2 – الأب أنتوني م. كونيارس

هل الله هو الأول في حياتك؟ ج2 – الأب أنتوني م. كونيارس

هل الله هو الأول في حياتك؟ ج2 – الأب أنتوني م. كونيارس

 

 

هل الله هو الأوَّل في حياتك؟

اطلبوا أوَّلاً ملكوت الله وبرَّه، وهذه كلُّها تُزاد لكم

 

ماذا يحدث عندما نضع ذواتنا أولاً؟

يوجد مثال آخر لهذا الإحباط والفشل اللذين يحدثان لنا عندما نَدَع أشخاصًا أو أشياءَ تأخذ مكان الله وعرشه, حدَّثنا عنه “إيرل جاباى” Earl Jabay  الذي وضع كتابًا بعنوان: “مملكة الذات”, يقول فيه:

”القيام بأعمال تحليل الأمور, ومجموعات المعارك في السباقات, وأمور كثيرة مثل التأمُّل في الأمور الفائقة المُبهَمَة, وتدريب الحواس؛ هذه كلُّها لا تُقدِّم دائمًا حلولاً مريحة, لأنَّها لا تتعامل مع مشكلة الإنسان العظمى: “العوائد المتأصِّلَة, الذات الشَّرِهَة والنَّهِمَة”, ومِن الحق أن نقول إنَّك أنتَ وأنا لسنا بخير ولسنا على ما يُرام, طالما أنا وأنت نجلس على العرش الأعظم في مملكة الذات. لأنَّ البقاء دائمًا على العرش في مملكة الذات هو أمر مستحيل, وهو محفوفٌ ومُحاطٌ بالإحباط والغيظ والاستياء والغضب القاتل, وفي النَّهاية الاكتئاب والمرارة“.

حينما نُتوِّج الذات, مثل مَلِك على إنساننا الدَّاخلي, فسننتهي إلى حياة مُتْعِبَة ومُرَّة ومُحْبِطَة وفارغة. ولكن فقط, عندما نُتْوِّج الله وليس الذات أولاً: فكل هذه الأمور تُعطَى لنا وتزاد كما قال السيِّد المسيح, والأمور الأقل أهميَّة سوف تأتى بعد الأولويَّات ذات الأهميَّة القصوى.

ماذا يحدث عندما نفشل في أن نجعل الله أولاً؟

ماذا يحدث عندما نفشل في أن نجعل الله أولاً, ونترك أمورًا أخرى تصعد إلى أعلى على قائمة أولويَّاتنا؟ هل ننهزم؟ هل نتقدَّم بأوراق المواطنة في ملكوت الله ونتركها؟ بالطبع لا. علينا أنْ نستمرَّ في المحاولة, من خلال التوبة اليوميَّة، نسقط ونقوم, حتى أخيرًا, وبنعمة الله نقوم أكثر من أن نسقط. لا يوجد شخص منَّا يُحقِّق مستوى 100 % ويجعل الله أوَّلاً كل الوقت, ولكنَّنا نظل نجاهد, نسقط ونقوم. علينا ألاَّ نكف عن تصحيح أولويَّاتنا بأن نستمر في دَفع أولويَّة الله في حياتنا إلى أعلى, باستمرار وبثبات, حتى يصبح الله على القِمَّة, ويكون هو: “الكل في الكل”.

البندقيَّة أولاً, مسيحيُّون ثانياً

نادرًا ما سَمَحَت البندقيَّة, مدينة العصور الأولى, للإيمان أنْ يتدخَّل مع شهوتهم للثَّروة. كان شعارهم: “نحن بنادقة أولاً ثمَّ نحن مسيحيُّون بعد ذلك”. ولهذا السبب, فقد ارتكبوا العديد من الخطايا مثل الزنا والاغتصاب والشذوذ, كما احتلُّوا القسطنطينيَّة في القرن الثاني عشر, ودمَّروا الكنائس, وهكذا أضعفوا المدينة إلى أنْ سقطت غنيمة للأتراك العثمانيِّين بعد فترة وجيزة من الزمن. عندما تزور كاتدرائيَّة القدِّيس بطرس في البندقيَّة اليوم, فإنَّك ترى الأيقونات والكنوز الأخرى التي نهبها البندقيُّون من القسطنطينيَّة. قال أحد الأشخاص: “إنَّ ثِقَل هذه الغنائم هو المسؤول جزئيًّا عن أنَّ البندقيَّة تغرق الآن ببطء”. هل كان سيحدث هذا الأمر لو كانوا مسيحيِّين أولاً ثمَّ بنادقة ثانيًا؟ مرَّة أخرى, الحياة مسألة أولويَّات. تتحدَّد جودة الحياة التي نعيشها ونوعيَّتها بهذه الأشياء التي نعطيها المرتبة الأولى في حياتنا. ومع ذلك يحدث مع الكثير منَّا أن الأمور الأولى تأتي أخيرًا, والأمور الأخيرة تأتي أولاً. ولذلك يظل التحدِّي الأكبر أمامنا هو أن نُعِيد ترتيب أولويَّاتنا. «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه».

الزواج: مسألة وضع الطَّرَف الآخَر أولاً

يُشبِّه الإنجيل علاقتنا مع الله بالزواج. عندما يقترن شخصان معًا, لابدَّ أن يضع كل واحد الطرف الآخَر أولاً. في كلمة الزواج بالإنجليزيَّة wedding تأتي كلمة نحن we قبل كلمة أنا I. لابدَّ أنْ يترك الزوجان كل شيء آخَر ويقترنان معًا إلى أن يفرق بينهما الموت. عندما نَدَع شخصًا آخَر يأخذ مكان الطرف الآخَر في الزواج, نسمِّي ذلك: “زنا”. هكذا هو الحال في علاقتنا مع الله في المسيح. حينما نَدَع أي شخص أو أي شيء يأتي في المرتبة الأولى في مشاعرنا قبل المسيح, وعندما لا يكون المسيح أولاً, وعندما لا يشغل الرب المرتبة الأولى في حياتنا, يحدث الزنا الرُّوحي, لأنَّنا نحن المسيحيِّين مرتبطون بالمسيح: «أنتم أيضًا قد متُّم للناموس بجسد المسيح, لكي تصيروا لآخَر, للذي أُقيم من الأموات لنُثمِر لله» (رو7: 4). كما أنَّه لا يوجد أي أولويَّة أرضيَّة قبل الزوج والزوجة, كذلك فإنَّ ربَّنا لن يقبل أن يُشارِك عرش قلوبنا وعقولنا مع آخَر؛ فهو إلهٌ غيور, لا يقبل أن تكون هناك آلهة أخرى أمامه. «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه».

التغلُّب على المشقَّات

الذي يمنع الكثير منَّا أن نطلب الله أولاً هو أنَّنا مُشتَّتون, فالشَّيطان يتصرَّف مثل الرجل المسؤول عن التحويلة, فهو يحب أن يُشتِّت أولاد الله عندما يخدمون الله بنشاط ليمنعهم من تحقيق أهدافهم الروحيَّة الأولى, فهو يرى أنَّ بإمكانه أنْ يشغل أذهاننا بشيءٍ ما لكي يُشتِّت انتباهنا ويضعف قوَّتنا, وهذا الشيء ممكن أن يكون إزعاجًا صغيرًا أو حزنًا قليلاً, أو قد يكون خوفًا أو قلقًا. ولكن قبل أن نتعرَّف على هذا الشيء, فغالبًا ما تكون أفكارنا وطاقاتنا مُركَّزة على أمور ثانويَّة, نُركِّز على الأمور الصغيرة بدلاً مِن أن نطلب أولاً إرادة الله. نحن نسمح للشيطان أن يُشتِّتنا ويُحوِّلنا بعيدًا عن الطَّريق الرئيسي. توصَّل آباء البريَّة إلى بصيرة قويَّة عن الطَّريقة التي يعمل بها الشَّيطان ليُشتِّتنا عن الصلاة.

سأل الإخوة الأب أغاثون Abba Agathon قائلين:

”مِن بين كل الأعمال الصَّالحة, ما هي الفضيلة التي تطلب جهدًا أعظم؟

أجاب الأب: سامحوني, ولكنِّي أظن أنَّه لا يوجد عمل أعظم مثل الصلاة لله, لأنَّ كل مرَّة يريد الإنسان أن يُصلِّي, فإنَّ أعداءه (الشياطين) يريدون أن يمنعوه من الصلاة, لأنَّهم يعلمون جيِّدًا أنَّهم بإبعاده عن الصلاة يمكنهم إعاقة رحلة الإنسان. أيُّ عمل صالح يمكن للإنسان أن يتعهَّد به, إذا ثابر فيه فسيحصل عليه, أمَّا الصلاة فهي حربٌ حتى النَفَس الأخير“.

الصلاة: “حربٌ حتى النَفَس الأخير”, لأنَّ الشَّيطان دائمًا يحاول أن يُشتِّتنا ليبعدنا عن الطريق ويفصلنا عن الهدف الرئيسي في الحياة.

قلبًا نقيًّا اخلُق فيَّ يا الله

في الأيام التي سبقت ظهور الحاسوب, حيث كانت الآلات الكاتبة ما زالت تُستخدم, كان شخصٌ يكتب مزمورًا, وكان يريد أن يكتب آية: «قلبًا نقيًّا اخلق فيَّ يا الله», إلاَّ أنَّه ضغط على المفتاح الخطأ وانتهى به الأمر إلى كتابة: “قلبًا صافيًا clear” بدلاً مِن قلبًا نقيًّا clean, فقد كتب كلمة clear بدلاً من كلمة clean. قال الشَّخص مُعلِّقًا لمن اعتبره قد أخطأ الكتابة: “لا أظن أنَّني قد ارتكبتُ خطأً كبيرًا, فالقلب يحتاج إلى أن يُصفَّى من المُشتِّتات مِن قبل أن يستطيع أنْ يسمع كلمة الله تدعوه أنْ يطلبه أولاً”.

قال لويس C.S. Lewis:

”نحن نُركِّز دائمًا على الإطار الخارجي للموضوع بدلاً من لُب الموضوع وجوهره“.

تمَّ مؤخَّرًا إجراء استطلاع رأي للتعرُّف على ضروريَّات الحياة الأهم للأمريكان. قال البعض: “لا يمكنني الحياة بدون أدوات المطبخ”. قال 79% من العيِّنة إنَّهم لا يمكنهم الحياة بدون فُرن الميكروويف, وقال 49% إنَّه لا يمكنهم الحياة بدون آلة الرد الآلية للتليفون, 36% قالوا إنَّ أهم شيء لديهم هو جهاز الفيديو, وقال آخَرون إنَّه لا يمكنهم الاستغناء عن نظامهم الغذائي القائم على الأطعمة المجمَّدة. قال آخرون إنَّ الهاتف المحمول لا غِنَى عنه لهم, وقال البعض عن أهميَّة وجود كرسي مُريح بالمنـزل. يا لها مِن قائمة أولويَّات شيِّقة للمنشغلين بأمور الدنيا التافهة, ولكن القصَّة التالية تستحق بالفعل الفوز بجائزة الاستطلاع.

حذائي ثمنه مائتا دولار

قصَّة:

ذات مرَّة تحطَّم قطار, وقُتِل الكثيرون وجُرِح العديد, وكان صوت الصراخ وآهات الألم تُسمَع من تحت الحطام, والقليلون الذين نجوا حاولوا باستماتة إنقاذ الآخَرين. وسط كل هذا كانت هناك سيِّدة تجلس بجوار حقيبتها التي تمزَّقَت, وكانت تبكي وتصرخ: “حذائي الذي سعره مائتا دولار فُقِد”. كان الحذاء هو مركز اهتمام تلك المرأة وسط هذا المشهد المأساوي الرَّهيب لتحطُّم القطار, بينما المرأة تصرُخ طالبة المساعدة من كلِّ ناحية حولها.

ألا يُصوِّر هذا بوضوح ما يحدث لنا عندما لا نطلب ملكوت الله وبرَّه أولاً في حياتنا؟ فنترك أنفسنا لتصبح مشغولة أو بالأحرى تُسيطِر عليها أمور شخصيَّة تافهة, فنفقد الموضوع العظيم والغرض الكبير الأسمى من الحياة؛ وفي النهاية يصير الأمر مُضحكًا. فيما نرى حولنا أنَّ العالم يُدَمَّر والجميع يصرخون طلبًا للنجاة, نجد مَن يتحسَّر على خسارة حذاء ثمنه 200 دولار.

سُئِل أحد الأشخاص عن الوصفة التي يمكن بها أن يصير الإنسان مليونيرًا فقال: “عليك أن تتفكَّر في المال ليل نهار. عليك أن تحلم بالمال أثناء نومك كما أفعل أنا”.

هذا ما يمكن أن يحدث لو جعلنا المال والقِنيَة والممتلكات أولويَّات الحياة بدلاً من أنْ نطلب أولاً ملكوت الله وبرَّه. لدينا حياة واحدة, وهذه الحياة سنُكمِلها, وسوف نقضيها مرَّة واحدة. هذه الحياة سوف نعيشها على أفضل حال عندما لا نتشتَّت في أمور تافهة. الحياة قصيرة جدًّا على أن نقضيها في أمور جيِّدة, ولكن ليست جيِّدة بالقدر الكافي, يجب أن نقضيها في أمور جيِّدة جدًّا لا غبار عليها. عندما يسألني الناس: “لماذا لا تلعب الجولف؟”, أقول لهم: “بالنِّسبة لي كخادم للمسيح, فإنَّ لِعبة الجولف تستغرق فترة طويلة والحياة قصيرة جدًّا, ولم يحدث أنَّ قائمة أولويَّات حياتي كان بها الوقت الكافي لهذه اللعبة.

الحياة, بالتَّأكيد, هي قصيرة جدًّا لا تحتمل أن نُضِيعها في أنشطة ضارَّة تأخذنا بعيدًا عن الله. ماذا عن حياتك؟ وماذا عن حياتي؟ إنْ لم نُفكِّر في عمل أولويَّات لحياتنا, فإنَّنا بالتأكيد سنضيعها. أولئك الذين لا يطلبون الله أولاً ويبحثون عنه, ينتهي بهم الأمر بأنَّهم لن يطلبوه على الإطلاق.   

انتحار المُراهِقين ـ السبب الحقيقي

عندما نُفكِّر في الظاهرة المأساويَّة للزيادة المخيفة في انتحار المراهقين, نجد مَن يلوم المخدِّرات أو الكحول أو الجنس غير المشروع والإيذاء البدني للأطفال وانتهاك حُرمتهم, ومُشاهدة التلفاز لأوقات طويلة, والأسلحة الناريَّة والأفلام التي تتَّصف بالعنف. قد تكون هذه أسباب ولكنَّها ليست السَّبب الحقيقي. السَّبب الحقيقي لانتحار المراهقين هو أنَّنا أدرنا ظهرنا لله. إنَّنا في حفلٍ صاخب, نضع فيه الماديَّة وتدليل النَّفس في قمَّة هَرَم القِيَم الخاصَّة لحياتنا؛ ووضعنا أسفل الهرم الطبيعة الروحيَّة للإنسان. نحن نكلِّم أولادنا مرَّة ومرَّات عديدة عن الأشياء التي تجلب السعادة, وأنَّ هذه السَّعادة هي جُلُّ الهدف من الحياة. نحن أنشأنا الشباب وربَّيناهم على كذبة كبيرة قد تؤدِّي بهم إلى اليأس والقنوط. علينا أن نفضح الهيدونيزم hedonism التي هي محبَّة اللذَّات والتعبُّد لها؛ إنَّها كذبة كبيرة وسراب دائمًا ما يتبخَّر. الحقُّ موجودٌ في كلمة الله: «مَن يجدني يجد الحياة» (أم8: 35).

كيف نطلب الله أولاً؟

من السَّهل أن نتحدَّث عن وضع الله في المكانة الأولى في حياتنا, ولكن كيف يمكننا أن نُحقِّق هذا في حياتنا؟ يُقدِّم لنا القدِّيس بولس مثالاً في رسالته إلى أهل فيلبي عندما يقول: «ولكنِّي أفعل شيئًا واحدًا… أسعى نحو الغرض لأجل جَعالة (مكافأة) دعوة الله العُليا في المسيح يسوع» (في3: 13و14). لَمْ يعِش القدِّيس بولس حياة عشوائيَّة, لكنَّه وَضَع الله أولاً في حياته وحافَظَ على أوَّلاً في حياته. يقول الرسول: «ولكنِّي أفعل شيئًا واحدًا… ». متى نصبح أصحَّاء وقدِّيسين ونبدأ في أنْ نحيا حياة متوازِنَة؟ عندما نضع السيِّد المسيح في المكانة الأولى في حياتنا, عندما نُنظِّم حياتنا حول هذا المركز الحيوي الديناميكي؛ عندها نكون كاملين ومُقدَّسين.

ضابط المرور في عمله

عندما يصبح المسيح هو الأوَّل في حياتنا, فهو يُنظِّمها. يصبح مثل شرطي المرور الذي يقف في عمله في منطقة تقاطع الطُّرُق والشوارع ويُنظِّم تدفُّق السيارات والمشاة. عندما لا يتواجد ضابط مرور في هذا المكان, توجد الفوضى وحوادث التصادم, ويسيطر على المشهد الهرج والمرج. لا يحدث هذا عندما نسمح للسيِّد المسيح أن يوجِّه مرور أفكارنا في عقولنا وقلوبنا, حيث يوجد في حياتنا التنسيق والتناغم والتوازن والسلام والفرح وتصبح الحياة تُمجِّد الله. أُقدِّم لك بعض الأمثلة:

قال لاعب كرة قدم شهير: “عندما لا ألعب كرة القدم, فإنَّني أتحدَّث عن كرة القدم, وعندما لا أتحدَّث عن كرة القدم أُفكِّر في كرة القدم. كانت كرة القدم هي العاطفة المسيطِرة في حياته, بل كانت هي كل حياته. وهذا هو الحال, فلن يصبح الإنسان خبيرًا في أي شيء إلاَّ إذا أصبح هذا الشيء هو العاطفة المسيطِرة في حياته ويمكنه أن يقول عن هذا الشيء: “بالنِّسبة لي الحياة هي كرة القدم, أو العمل, أو عائلتي, أو أي شيء آخَر”.

ماذا كان يعني عند القدِّيس بولس الرسول أن يقول: «ليَ الحياة هي المسيح» (في1: 21)؟ كان المعنى هو أن يُبشِّر بالإنجيل في كلِّ العالم الذي يُسيطِر عليه الرومان وقتئذٍ.

ماذا كان الأمر يعني بالنِّسبة للأخ لورانس Brother Lawrence أن يقول: «لِيَ الحياة هي المسيح»؟ كان يعني أنَّه كان يشعر بحضور المسيح عندما كان يغسل الأطباق, تمامًا مثل نفس الشُّعور عندما كان يتناول من الأسرار المقدَّسة.

ماذا كان الأمر يعني للأم ماريا سكوبسوفا Maria Skobsova أن تقول: «لِيَ الحياة هي المسيح»؟ كان يعني هذا خدمة الفقراء والجياع, كان يعني أن تبني مطبخًا تُقدِّم فيه الحساء لهم. كان الأمر يعني أن تُضحِّي بحياتها لتنقذ امرأة يهوديَّة في معسكر للنازيين.

كان أحد المؤمنين يبدأ حياته كل صباح بهذه الصلاة:

”يا إلهي, أنتَ هو الهدف الحقيقي لحياتي.

في كل أمور عملي هذا اليوم, لا تسمح أبدًا ألاَّ أراك.

أرِني كيف أجعل كل أنشطتي هذا اليوم خطوة نحوك.

لو كان أي وقت أو أي حَدَث في حياتي أو عادة تأخذني في اتِّجاه آخَر,

أرِني ما هو هذا الأمر وساعدني على التخلُّص منه“.

شخصٌ آخَر كان يحتفظ بأيقونة للسيِّد المسيح على منضدة المطبخ, وكان يقول إنَّ الأيقونة توضِّح توجُّهه في الحياة, وتعطيه نوعًا من التَّركيز, وتُمكِّنه من عمل أولويَّات لحياته مع الاحتفاظ بإرادة المسيح أن تكون الأولى في كل ما يفعله“.

جِني لِند Jenny Lind

مثال آخَر هو مُطربة الأوبرا الشَّهيرة “جِني لِند”, فهذه تَرَكَت المسرح في أوج شهرتها ولم تعد إليه أبدًا. وجدها صديق لها ذات يوم على الشَّاطئ والكتاب المقدَّس موضوعٌ على ركبتيها وانتباهها كله موجَّهٌ نحو غروب الشمس الرائع, فسألها كيف حدث هذا أن تتركي المسرح في أوج شهرتك؟ أجابته ” جِني لند”: “عندما جعلني هذا أفكِّر أقل وأقل في هذا (وأشارت إلى الكتاب المقدَّس), كما لم أُفكِّر أبدًا في هذا (وأشارت إلى غروب الشَّمس), فماذا يمكنني أن أفعل؟! لقد رتَّبَت ” جِني لِند” أولويَّتها في الحياة, وجَعَلَت ملكوت الله وبره أولاً.

قال شخص آخَر: “اهتممتُ بألاَّ أُربِك حياتي بأشياء لا معنى لها, فعلتُ هذا عندما كنتُ أسأل نفسي ليس فقط: “هل أحتاج لهذا؟” ولكن أيضًا: “هل هذا له معنى وأهميَّة في حياتي؟”. إذا لم يكن مُهمًّا كنتُ أتركه, كنتُ أحاول ألاَّ أُربِك نفسي بأنشطة وأمور لا معنى لها, من شأنها أن تبعدني عن الغرض الأساسي لحياتي, وبهذا كنتُ أجد وقتًا لأستمتع بأسرتي وأن أعمل الأشياء التي تهمُّ فعلاً في الحياة”.

إهمالٌ مُخطَّطٌ له

شخص آخَر كانت عازفة كمان مشهورة, سُئِلَت ذات مرَّة كيف أتقَنَت العزف على آلة الكمان؟ أجابت على هذا السؤال بكلمتين: “إهمالٌ مُخطَّط”. ثمَّ أخذت تشرح قائلة: “هناك أشياء عديدة كانت تأخذ وقتي. عندما كنتُ أذهب إلى حجرة النوم بعد تناول الإفطار, كنتُ أُرتِّب السَّرير وأُعيد تنظيم الحجرة وأنفض عنها التراب وأعمل كل ما يبدو ضروريًّا, وعندما كنتُ أفرغ من أعمالي أتوجَّه إلى آلة الكمان. مثل هذا النظام والترتيب كان يمنعني من إنجاز ما كنتُ أتمنَّاه في العزف على الكمان. لذلك عكستُ ترتيب الأمور, فخطَّطتُ عن عمد أن أتجاهل عَمَل أي شيء آخَر إلى أن أنتهي من تدريبي على الآلة. كان برنامج الإهمال المُخطَّط له هو سرَّ نجاحي”. يمكننا عن طريق الإهمال المُخطَّط له للأمور التافهة أن نعطي الأولويَّة الأولى في حياتنا للسيِّد المسيح. «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه, وهذه كلُّها تُزاد لكم».

هنري فورد Henry Ford

قصَّة:

هناك قصَّة تُروَى عن هنري فورد أنَّه ذات مرَّة طلب من مهندس سيَّارات شاب أن يُخبره عن طموحه الرَّئيسي في الحياة, فأخبره المهندس الشاب بأنَّه يريد أن يصير غنيًّا, وغنيًّا جدًّا, وكل شيء آخَر بالنِّسبة له هو أمرٌ ثانوي. سلَّم هنري فورد المهندسَ بعد يومين حقيبة صغيرة, وعندما فتحها وجد فيها نظَّارة, وكانت العدستان عبارة عن دولارين من الفضَّة. قال له هنري: “اِلبس هذه النظَّارة”, فلبسها الشاب, فسأله هنري: ماذا تَرَى؟” أجابه المهندس: “لا أرى شيئًا. النقود تحجب عنِّي كل شيء”. قال له هنري: “ربَّما يتعيَّن عليك أنْ تُعِيد التفكير في طموحك. لو ارتديتَ نظارة بها عدستان تُمثِّلان أهم شيء في حياتك, ماذا سترى؟ هل ستكون قادرًا على الرُّؤية؟ هل ستُعاق رؤيتك لله ولملكوته؟ هل سيكون قلبك طاهرًا ونقيًّا بالقدر الكافي أن ترى الله وتضعه في المرتبة الأولى في حياتك؟ قال الشاب المهندس: “النقود تحجب كل شيء عنِّي”, وأشياء أخرى كثيرة تفعل نفس الشيء أيضًا.

العشاء الأخير ليوناردو دا فينشي Leonardo Da Vinci

مثال آخَر يساعدنا في فهم كيفيَّة إعطاء السيِّد المسيح الأولويَّة العُظمى في حياتنا مُرتبِطٌ بلوحة العشاء الأخير التي رسمها ليوناردو دا فينشي. بعد أن انتهى دافنشي من رسمها, طلب رَأْي أحد أصدقائه فيها. أُعجِب هذا الصَّديق باللوحة ومدحها جدًّا وقام بشرح إيجابيَّات ونقاط القوَّة الموجودة باللوحة بما فيها الكأس التي كان المسيح يحملها في يده. كانت الكأس تبدو كما لو كانت حقيقيَّة جدًّا لدرجة تجعل الفرد لا يقدر أن يُحوِّل نظره عنها. قال دا فنشي: “إنْ كانت الكأس بهذا الشكل, فلا يجب أن يوجد شيء يُشتِّت الانتباه عن شكل المسيح”. وبسرعة قام دا فنشي برسم كأس أقل جمالاً.

لا شيء ولا أحد يجب أنْ يُشتِّت الانتباه عن المسيح. يجب أن يكون السيِّد المسيح هو المركز الرئيسي في الحياة. لا يجب أن يوجد أي شيء يُحوِّل الانتباه بعيدًا عن الله الذي هو رب الكل. «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه, وهذه كلُّها تُزاد لكم».

الكلب والأرنب

قصَّة:

يروي آباء الكنيسة قصَّة كلب وأرنب ليشرحوا لنا كيف يكون تلميذ الرب واضح الرُّؤية عندما يرى المسيح, بمعنى أن يختبر حضوره وقوَّته في الحياة. عليك أن تتخيَّل كلاب الصَّيد التي تُطارد الأرانب البريَّة. تخيَّل واحدًا من هذه الكلاب يرى أرنبًا على مسافة وفي الحال يقوم بمطاردته, والكلاب الأخرى التي مع ذلك الكلب تراه يجري فتجري معه بالرغم من أنَّها لم تَرَ الأرنب. سوف تستمر في الجري مع الكلب ولكن لفترة من الزمن. عندما تُجهَد الكلاب من التعب, فإنَّها تتوقَّف عن المطاردة وترجع إلى الوراء. ومع ذلك, فإنَّ الكلب الذي رأى الأرنب سوف يستمر في مطاردته بنفسه. لن يسمح للجهد أو للتعب أن يمنعاه من تكميل المشوار, بل سيخاطر بحياته ولا يعطي نفسه أيَّة راحة. لن يسمح لرجوع الكلاب المحيطة به أن يُعطِّله. سوف يستمر في الجري حتى يمسك بالأرنب الذي رآه. لن يعبأ الكلب بالحواجز المُعْثِرَة في طريقه سواء كانت حجارة أو أشواكًا أو جروحًا أصابته.

بمجرَّد أنْ يضع التلميذُ المسيحَ أولاً في حياته, وبمجرَّد أن يرى المسيح ويختبر حضوره, فإنَّه يكون كمن وجد ضالَّته المنشودة ويجاهد مهما كانت الصُّعوبات للحصول عليها ونوالها. سيستمر في الجهاد إلى النهاية ولن يهتم بشيء آخَر. سوف يطلب المسيح برأي واحد بِغَضِّ النظر عن كم من الناس سقطوا في السِّباق. لن يسمح بأي شيء أن يقف في طريقه حتى يحصل على هدفه وهو أن يتَّحد بالمسيح, لماذا؟ لأنَّه الجائزة الحقيقيَّة بالنِّسبة له, لأنَّه اختبر المسيح ورآه بعينيه.

يسوع هو الرب

أحد تعاليمنا الأساسيَّة في الإيمان هي أنَّ: “يسوع رب”, هذا يعني أن نعطيه الأولويَّة رقم: “واحد” في حياتنا. واحدة من العقائد الأولى في الكنيسة هي: “المسيح رب Christos Kyrios”. نعترف في قانون الإيمان النيقاوي ونقول: “نؤمن برب واحد يسوع المسيح… نور مِن نور… إله حق مِن إله حق, مُساوٍ للآب في الجوهر… الذي به كان كل شيء… تألَّم وقُبِر وقام مِن بين الأموات كما في الكتب, وصعد إلى السماوات وجلس عن يمين الآب, وأيضًا يأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات, الذي ليس لمُلكه انقضاء”.

“المسيح رب Christos Kyrios”وله الأولويَّة في حياتنا. الأولويَّة رقم: “واحد” في حياة كل أحد منَّا هي أن يتعرَّف على حقيقة أنَّ يسوع رب, وأنْ يُقرَّ بسيادته, وأنْ يعبده كرقم: “واحد”, ويحبَّه كرقم: “واحد”, ويخدمه كرقم: “واحد” ويطيعه كرقم: “واحد”. قبل صعود الرب يسوع إلى السماء بقليل قال لتلاميذه: «دُفِعَ إليَّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض» (مت28: 18). هو الرب. يقول بولس الرسول عنه: «الكل في الكل». له كل سلطان في السماء وعلى الأرض؛ وهذا هو السبب الذي لأجله يعترف الأرثوذكس بأنَّ: “المسيح رب Christos Kyrios”.

هل كانت الإمبراطوريَّة الرومانيَّة غير متسامحة؟

ولكن هذه العقيدة البسيطة: “المسيح رب Christos Kyrios” سرعان ما تحوَّلَت إلى أمرٍ خطير, حيث مات عددٌ لا يُحصى من المسيحيِّين لأنَّهم اعترفوا بها. حدث هذا ليس لأنَّ الإمبراطوريَّة الرومانيَّة كانت غير متسامحة, بل هي كانت متسامحة بالفعل في كثير مِن الأوجه. كانت الإمبراطوريَّة مُتسامحة مع وجود أي إله أو أي إلهة مِن أي دين, وعندما كان يظهر أي إله جديد أو إلهة جديدة, لم يكن الرومان يهاجمونه, بل كانوا يضيفونه إلى البانثيون Pantheon (هيكل كل الآلهة) الذي كان بمثابة تجميع لآلهة مختلفة من كل أنحاء العالم. لذلك, عندما جاء المسيحيُّون وبدأوا يعبدون السيِّد المسيح كربٍّ, مِن المحتمل أنَّ الرومان أضافوه إلى مجموعة الآلهة. كانت المُشكلة هي أنَّ المسيحيِّين رفضوا إضافة المسيح إلى أي مجموعة من الآلهة المختلفة, وأصرُّوا على حقيقة أنَّه لا توجد آلهة كثيرة ولكن إله واحد فقط: “المسيح رب Christos Kyrios”, وجعلوا الأمر واضحًا جدًّا أنَّ المسيح لن يُشاركه أي شخص آخَر في ربوبيَّته وألوهيَّته, ولم يُقدِّموا المسيح على أساس أنَّه واحد مِن طُرُقٍ كثيرة نحو الخلاص: «وليس بأحد غيره الخلاص. لأن ليس اسمٌ آخَر تحت السماء, قد أُعطِيَ بين الناس, به ينبغي أن نخلص» (أع4: 12). وكان هذا هو السبب الذي جعل المسيحيِّين الأوَّلين ينشدون في واحدة من ترنيماتهم الأولى التَّسبحة التي كتبها بولس الرسول مُرفِّعًا فيها المسيح إلى الأولويَّة. اِقرأ له:

«رفَّعَه الله أيضًا, وأعطاه اسمًا فوق كل اسم, لكي تجثو باسم يسوع كلُّ ركبة ممَّن في السماء ومَن على الأرض, ومَن تحت الأرض. ويعترف كلُّ لسان أنَّ يسوع هو ربٌّ لمجد الله الآب»

(في2: 9- 11).

ربَّما كانت الإمبراطوريَّة الرومانيَّة متسامحة, ولكن لم يكن ممكنًا على الإطلاق أن تَقْبَل الدَّولة بأن يكون اسم المسيح اسمًا فوق كل الأسماء الأخرى, وأنْ تجثو كل ركبة أمامه. كان لسان حالها: يمكنك أن تعبُد أي إله يُسعدك طالما أنَّك تُقر بأنَّ كل الأديان الأخرى صحيحة, وطالما تقول: “قيصر رب Caesar is Lord” وتَقبَل بألوهيَّته عليك. يمكنك أن تنتمي لأيِّ دِينٍ يعجبك طالما أنتَ مُستعد أن تقول: “قيصر رب Caesar is Lord”.هذا بالضَّبط ما رفض المسيحيُّون الأوائل أن يقولوه وامتنعوا عنه ودفعوا حياتهم ثمنًا له. أن يقول المسيحي: “المسيح رب Christ is Lord” يعني أنَّ له الأولويَّة رقم واحد على كلِّ حياته.

عندما أقول: “المسيح رب Christos kyrios-Christ is Lord”, فأنا أقول إنَّه ليس المال ولا النجاح ولا إمبراطور روما, ولكن يسوع المسيح هو فقط الرب, ليس هناك رب آخَر, ولا أي مَلِك أرضي ولا أي إله آخَر أو آلهة أخرى. يسوع المسيح فقط هو الذي يقدر أن يُخلِّصنا من الخطيَّة والموت. يسوع المسيح فقط هو الذي يقدر أن يعطينا عطيَّة الحياة الأبديَّة. يسوع المسيح هو الوحيد الذي له الحق في امتلاك ولائنا له. يسوع المسيح فقط هو الذي قال: «أنا هو الطَّريق والحق والحياة. ليس أحدٌ يأتي إلى الآب إلاَّ بي» (يو14: 6).  

الرب يسوع ينسب لنفسه الأولويَّة

نَسَب الرب يسوع لنفسه الأولويَّة كإله عندما قال:

«فأجاب بطرس حينئذٍ وقال له: “ها نحن قد تركنا كلَّ شيءٍ وتبعناك. فماذا يكون لنا؟” فقال لهم يسوع: “الحقَّ أقول لكم: إنَّكم أنتم الذي تبعتموني, في التَّجديد, متى جلس ابن الإنسان على كرسيِّ مجده, تجلسون أنتم أيضًا على اثني عشر كرسيًّا تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر. وكلُّ مَن ترك بيوتًا أو إخوة أو أخوات أو أبًا أو أُمًّا أو امرأة أو أولادًا أو حقولاً مِن أجل اسمي, يأخذ مئة ضعفٍ ويرث الحياة الأبديَّة. ولكن كثيرون أوَّلون يكونون آخِرين, وآخِرون أوَّلين”»

(مت19: 27-30).

«فكلُّ مَن يَعترِف بي قدَّام الناس أعترف أنا أيضًا به قدَّام أبي الذي في السماوات. ولكن مَن ينكرني قدَّام الناس أُنكره أنا أيضًا قدَّام أبي الذي في السموات»

(مت10: 32-33).

«مَن أحبَّ أبًا أو أُمًّا أكثر منِّي فلا يستحقُّني, ومَن أحبَّ ابنًا أو ابنة أكثر منِّي فلا يستحقُّني. ومَن لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقُّني. مَن وجد حياته يُضِيعُها, ومَن أضاع حياته مِن أجلي يجدها. مَن يَقْبَلكم يقْبَلني, ومَن يَقْبَلني يَقْبَل الذي أرسلني»

(مت10: 37-40).

أمَّا بولس الرسول في رسالته إلى أهل رومية, فنجده يكتب بهذا الخصوص:

«لأنَّك إنِ اعترفت بفمك بالرب يسوع, وآمنت بقلبك أنَّ الله أقامه مِن الأموات, خَلَصت. لأنَّ القلب يُؤمَنُ به للبِرِّ, والفمُ يُعتَرَفُ به للخلاص… لأنَّ ربًّا واحدًا للجميع, غنيًّا لجميع الذين يَدعون به. لأنَّ: “كلَّ مَن يدعو باسم الرب يخلُص»

(رو10: 9-13).

الأولويَّة الأعلى والأسمى

الأولويَّة الأسمى في الحياة هي أنْ تعرف الله في المسيح, وأنْ تثق فيه, وأن تطمئن إليه, وأنْ تسلك الطريق الضيِّق معه. إنَّها تَقَبُّل كل ما تحمله الحياة بكلِّ الثقة والإيمان في المسيح. إنَّها تقبُّل المُر ولندع المسيح يُحوِّله إلى الأفضل. إنَّها أنْ نسلك الطريق السَّليم الذي يريدنا المسيح أن نسلك فيه بدلاً من الطرق الأخرى التي قد تبدو جذَّابة, ولكنَّها في نهاية الأمر تظهر أنَّها مميتة ومُحبِطَة ومُدمِّرَة.

كتبت واحدة من الأعضاء في كنيستنا كتابًا بعنوان: “كنتُ أعتقد أنَّ هناك طريقًا”. جاءت فكرة الكتاب بعدما قاد ابنها ذو الأربعة عشر عامًا سيَّارة العائلة في طريق ثلجي وتعلَّق في جسر فيه, ممَّا اضطرهم أن يقطروا العربة ليخرجوها. عندما سُئِل الفتى كيف حدث هذا, أجاب والدته قائلاً: “كنتُ أظنُّ أنَّ هناك طريقًا”. كم فرد منَّا انتهى به الأمر عالقًا في جسرٍ ثلجي, أو في وحل, أو في طريق مُغلَق لأنَّه اعتقد أنَّه يوجد هناك طريق؟

كتبت لين Lynn Assimacopoulos في كتابها تقول:

”الله دائمًا مُستعِد, منتظرٌ دعوتنا ونداءنا له لينقذنا مِن: “كنتُ أظُن أنَّ هناك طريقًا”, بسيَّارة روحيَّة تقطرنا لتُخرِجنا خارجًا. لن يسألنا الله بصوتٍ عالٍ غاضِب: “هل قلتُ لكم إنَّه يوجد طريقٌ هناك؟” أو: “هل أعطيتكم علامة لتذهبوا فيه؟” أو: “هل رأيتم ضوء هدايتي مُشرقًا لكم فيه؟” لا, لن يفعل هكذا, ولكنَّه قد يهزُّ رأسه في هدوء ويُخرجنا من المشكلة, ثمَّ يبتسم ويتمنَّى لنا أن نسير في الطريق السَّليم مرَّة أخرى“.

الرب يسوع هو وحده الطريق, وله الأولويَّة رقم: “واحد”.

الله يُحبُّنا في ابنه أكثر ممَّا نُفكِّر أو نتصوَّر, هو يُحبُّنا حبًّا جمًّا, حبًّا لا يُدرَك ولا يُقاس مداه, حبًّا قد يُقال إنَّه حبٌّ لا يُصدِّقه عقل؛ هذا الحُب الذي تجلَّى في المسيح يسوع, الذي مات لأجلنا, كي لا يحيا أولئك الذين آمنوا به فيما بعد وعاشَروه وتعلَّقوا به من أجل أولويَّات تافهة, مُربِكَة ومُرتبِكَة, ولكن بالإيمان والثقة فيه, ذاك الذي مات لأجلهم وقام ثانية. السيِّد المسيح ترك كل شيء لأجلك ولأجلي ولأجل كل واحد منَّا شخصيًّا. إنَّه يستحق أن نعطيه كل كياننا, وهو وحده الذي يستحق أن نعطيه المرتبة الأولى, الأولويَّة رقم: “واحد”. «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه, وهذه كلُّها تُزاد لكم».

ولاءات مُنقسِمَة

ما يمنعنا مِن أن نجعل للسيِّد المسيح الأولويَّة في حياتنا ليس فقط الأمور المُشتِّتَة الكثيرة التي ذكرناها من قبل, بل توجد أيضًا ولاءاتنا المنقسمة. قال أحد الأشخاص: “مأساة العالم هي أنَّ الناس أعطت ولاء الدرجة الأولى للقضايا ذات المرتبة الثانية, وهذه القضايا خانتهم”. غالبًا ما يكون الاهتمام الزائد بقضايا المرتبة الثانية هو الذي يرسم على جباهنا تلك الخطوط, والأعباء والهموم على قلوبنا. إنَّ اهتمامنا بهذه الأمور الأخرى كما قال السيِّد الرب هي التي تلقي بنا في مشكلة القلق: «فإنَّ هذه كلَّها تطلبها الأمم. لأنَّ أباكم السماوي يَعلم أنَّكم تحتاجون إلى هذه كلِّها» (مت6: 32). نحن نقلق بزيادة, وبشكلٍ مُبالَغ فيه يؤثِّر على صحَّتنا وعلى حال الذين نحبهم. نحن نقلق أيضًا على الأمور الماديَّة, ونقلق بكثرة على سُمعتنا والقيل والقال وما يعتقده الناس فينا. نحن نقلق أيضًا بشكلٍ كبير على النجاح فيما نعمله. هذا قليل من أمور كثيرة تُقلِقنا. وهنا بالضَّبط, كما يقول الرب, يكمن سر مشاكلنا. هذه الأشياء ليست ذات أهميَّة كبيرة. شيء أكبر وأعظم يجب أن يشغل مركز حياتنا. علينا أن نجعل ملكوت الله في تفكيرنا اليومي وحياتنا, وعندئذٍ فقط, ستكون حياتنا في اهتمام روحي أكثر عُمقًا ونرى الأشياء في وضعها الصحيح, وعندئذٍ سوف نَكُفُّ عن عمل جبال من لا شيء, حيث نُحوِّل اللاشيء إلى جبال. وسنكف عن الشَّكوى مِن أكبر مشاكلنا, ثم نقول لمشاكلنا: “كم أنَّ إلهنا كبير”.

مريم ومرثا

عندما كان الرب يسوع مع مريم ومرثا في منـزلهما, جلست مريم عند قدميه وهي تصغي بانتباه لكلِّ كلمة يقولها الرب. أمَّا مرثا فكانت في الناحية الأخرى مُشتَّتة بأمور كثيرة في المطبَّخ, لدرجة أن أتتها الشَّجاعة لتعطي الأوامر للسيِّد المسيح وتقول له: «يا ربُّ, أَمَا تُبالي بأنَّ أختي قد تركتني أخدم وحدي؟ فقُل لها أن تُعينني» (لو10: 40), ولكنَّني أدعوكم الآن ألاَّ تكونوا قساة على مرثا؛ ألا نفعل نحن نفس الشيء؟ ألا نعطي أحيانًا الأوامر للسيِّد كما فعلت مرثا, بل ونخبره بالضَّبط ماذا يجب أن يفعله لأجلنا, لكن الرب أجابها قائلاً: «مرثا, مرثا, أنتِ تهتمِّين وتضطربين لأجل أمور كثيرة, ولكن الحاجة إلى واحد. فاختارت مريم النَّصيب الصَّالح الذي لن يُنـزَع منها» (مت10: 41-42). مرثا, كما يقول القدِّيس أغسطينوس, تُمثِّل الحالة التي نحن عليها, أمَّا مريم فهي تُمثِّل ما يجب أن نكون. الحاجة إلى واحد. لا تضطرب لأجل أمور كثيرة. اختارت مريم النصيب الذي لن يُنـزَع منها. اختَر النصيب الصالح. لا تستطيع أن تقوم بهذا بدون ترتيب الأولويَّات في الحياة أولاً. قال الرب لمرثا: «الحاجة إلى واحد».

ما هو هذا الشيء الواحد؟ إنَّه السيِّد المسيح الذي يجب أن نُركِّز عليه كل رغبتنا وانتباهنا. كتب القدِّيس يوحنا كاسيان John Cassian بخصوص أنْ يكون الله هو الأوَّل في حياتنا, فقال:

”يصبح الله حبَّنا كله ورغبتنا كلها. درسنا وعملنا, وكل فكرنا وحياتنا وكلامنا وتنفُّسنا. سنرتبط به حتى يصبح اشتياقنا وتفكيرنا فيه وحده“.

أليس هذا ما فعله زكا وهو على الشَّجرة. كان زكا يُركِّز عينيه على المسيح, عليه وحده, فنال بَرَكَة أن يسمع المسيح يقول له: «يا زكَّا, أسرِع وانـزل, لأنَّه ينبغي أن أمكث اليوم في بيتك» (لو19: 5). «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه, وهذه كلُّها تُزاد لكم».

لماذا يجب أن نجعل للسيِّد المسيح الأولويَّة في حياتنا؟

بدأتُ ذات يوم أن أتأمَّل في هذا السؤال: لماذا يجب أن نجعل للسيِّد المسيح الأولويَّة في حياتنا؟ تأمَّلتُ في هذا الأمر وصلَّيت, إليك بعض الإجابات :

تحدَّث القدِّيس يوحنا ذهبي الفم عن حقيقة أنَّ الله في حبِّه العظيم لنا جعل مِن كلِّ واحدٍ منَّا أولويَّة لشخصه الإلهي, فنحن أوَّل مَن ذُكِرنا في كتابه المقدَّس. عبَّر القدِّيس يوحنا ذهبي الفم John Chrysostom عن هذه الحقيقة عندما وَضَع الكلمات التالية على لسان السيِّد المسيح:

”أنا أبٌ لك, وأخٌ وعريس ومنـزل, وطبيبٌ وثوب, وأصل وحجر زاوية. مهما يكن ما تريده فأنا هو لك. لا أريد أن تكون في احتياج لأي شيء. سوف أخدمك لأنَّني لم آتِ لأُخدَم بل لأخدِمكَم, أنا صديق ورأس وأخ وأخت وأم. أنا كل شيء لك, ولكن كُن فقط على صِلة بي. أنا افتقرتُ لأجلك وبحثتُ عنك. صُلبتُ وقُبرتُ لأجلك؛ وهناك عند الآب أشفع فيك, وهنا على الأرض سفيرٌ أرسله الآب لك. أنت كل شيء لي؛ أخ ووريث وشريك وصديق وعضو في جسدي. ماذا ترغب أكثر مِن هذا؟“

إذا كان الله قد جعلنا أولويَّة له بهذا النطاق الواسع كما وصفه القدِّيس ذهبي الفم, ألا ينبغي أن نجعله أولاً لنا؟ ألن نكون حَمْقَى إذا جعلنا لنا أولويَّة غير الله؟ «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه, وهذه كلُّها تُزاد لكم».

حُب بهذا العُمق, وهذا العلو, وهذا الاتِّساع

هناك سبب آخَر لجعل ملكوت الله وبره أولويَّة حياتنا يشرحه لنا الكاتب الرُّوحي الغربي توما الكمبيسي Thomas A. Kempis في قصيدة رائعة عن محبَّة الله, والتي صيغَت منها فيما بعد ترنيمة. عنوان هذه القصيدة: “حبٌّ هكذا عمقه, وهكذا علوُّه, وهكذا اتِّساعه”. يقول الكاتب فيها:

”أيُّها الحُب, كم أنتَ عميقٌ وواسعٌ وعالٍ,

أيُّها السِّر العظيم والرائع!

لدرجة أنَّ ابن الله,

يتَّخذ لنفسه هيئة ميِّتَة من أجل الأموات!

لم يُرسِل ملاكًا لجنسنا,

ذا مرتبة عالية أو منخفضة,

ولكنَّه هو نفسه أتي إلى العالم,

ولبس ثوب الإنسانيَّة.

لأجلنا اعتمد! وقاده الرُّوح بعد ذلك,

وذاك الذي أطعم الألوف صام,

لأجلنا قبِل مِن المُجرِّب تجارب قاسية,

ولأجلنا غلب المُجرِّب.

لأجلنا صلَّى, ولأجلنا علَّم,

لأجلنا قام بكلِّ عمل.

وبالكلمات والآيات والأفعال,

لا زال يبحث لا عن نفسه ولكن عنَّا.

لأجلنا ارتضى أنْ يُسلِّمه أُناس أشرار للصَّلب,

وجُلِد, وهُزِء به,

ولبس إكليل شوك,

ولأجلنا أسلم الرُّوح.

لأجلنا قام من الأموات ثانية,

لأجلنا ارتفع إلى العُلا ومَلَك,

لأجلنا أرسل الرُّوح القُدُس هنا,

ليرشدنا ويُقوِّينا ويُفرحنا.

كل المجد لربِّنا وإلهنا.

لأجل هذا الحب,

الذي هكذا عمقه, وهكذا علوُّه, وهكذا اتِّساعه,

الثالوث القدُّوس,

المعبود إلى الأبد وأبد الآبدين“.

(توما الكمبيسي 1380- 1471  Thomas A. Kempis 1380 – 1471)

إذا كان الله يحب كل واحد منَّا, ألا يجب أن نبادله الحُب إلى الدَّرجة التي نودُّ بها بكلِّ الصدق أن نجعل لملكوته ولبرِّه الأولويَّة فوق كل شيء؟

الرب يسوع يتوسَّل مِن على الصليب

ما زال هناك سبب آخَر لجعل السيِّد المسيح أولويَّة حياتنا. في الكتاب التَّكريسي الرَّائع: “حوار مع المُخلِّص”, والذي كتبه الراهب الأرثوذكسي ليف جيليه Fr. Lev Gillet, يقول فيه:

”تعالَ يا ابني المحبوب وابنتي المحبوبة!

غُفِرَت خطاياكم. عَبَر صليبي المسافة بيني وبينكم.

دفعتُ الثمن الذي لك, ليس ذهبًا ولا فضَّة بل دمي الغالي.

تعالَ لكي أفرح بك.

تعالَ حتى أضع عليك تاج الخلاص,

وأسكب عليك حُبِّي وروحي وأُقدِّمك إلى أبي.

أنتَ أغلى خرافي, وجعلتُ ثمنك هو دمي.

نقلتُك مِن سُلطان الظَّلمة حيث كنتَ في قيود الشَّيطان,

إلى مملكة النُّور.

لقد حميتُك بنعمتي, أعنتُك بيمين خلاصي,

ونقشتُ اسمك على راحة يدي اليمنى“

(إش49: 16).

طالما حب الله عظيمٌ هكذا, وموجَّه نحونا شخصيًّا, فكيف لا نجعل ملكوت الله وبرَّه أوَّلاً؟

الصليب, القبر, القيامة

يوجد سببٌ آخَر لجعل ملكوت الله وبرِّه أول شيء لنا. يُصلِّي الكاهن قُرب نهاية الليتورجيا صلاة رائعة يُقدِّم فيها الشُّكر والتَّسبيح لله لِمَا صنعه مِن أجلنا… كل ما اجتازه مِن أجلنا: الصَّليب, القبر, القيامة في اليوم الثالث, الصُّعود إلى السموات والجلوس عن يمين الآب, ومجيئه الثاني المخوف المملوء مجدًا؛ ثمَّ يسترسل في الصلاة ويقول: ”نُقدِّم لك قرابينك ممَّا لك, على كلِّ حال, ومِن أجل كلِّ حال, وفي كلِّ حال“.

هذه الأفعال الخلاصيَّة تُلخِّص لنا كل ما عمله المسيح لأجلنا؛ فالابن أخلى ذاته من المجد الذي كان له مع الآب منذ الأزل آخذًا جسد بشريَّتنا ليعطينا مجده ويُشرِكنا فيه. لأجلنا صار خادمًا وعبدًا, فغسل أرجل تلاميذه. لم يكن السيِّد الرب مُجبَرًا على ذلك, لكن بسبب حبِّه لنا عمل هذا طواعية: “مِن أجلنا, ومِن أجل خلاصنا”. هو حَمَل الصَّليب كي ننال غفران الخطايا والحياة الأبديَّة وشركة الطبيعة الإلهيَّة. نحن البَشَر الذين أخطأنا, وكان يجب أن نُصلَب وليس هو الذي بلا خطيَّة؛ ومع ذلك فقد ذهب ليُصلَب عنَّا, فأنقذنا: «مِن سُلطان الظَّلمة, ونقلنا إلى ملكوت ابن محبَّته» (كو1: 13), هذا الذي: «أحبَّني وأسلم ذاته لأجلي» (غل2: 20).لم يمُت الرب فقط مِن أجل آثامنا, ولكنَّه حملها أيضًا إلى القبر ودفنها معه كما دُفِنَّا معه في المعموديَّة. وبعد ثلاثة أيَّام قام ثانية وغلب الموت بموته. لم يقُم الرب فقط, بل أيضًا: «أقامنا معه» (أف2: 6) بنعمته الغافرة. لا توجد خطيَّة لا تُغفَر, لأنَّه إن تُبنا: «واعترفنا بخطايانا, فهو أمينٌ وعادل, حتى يغفر لنا خطايانا ويُطهِّرنا مِن كلِّ إثم» (1يو1: 9). وبعد قيامته المقدَّسة صعد إلى السماء وجلس عن يمين الآب.

يقول القدِّيس بولس إنَّه: «أجلسنا معه في السماويَّات» (أف1: 6), وذات يومٍ سوف نصعد هناك لنكون معه.

يقول الأب بيتر جيلكويست Fr. Peter Gillquist:

”العالَم ليس هو مكان إقامتنا الأساسي. هويَّتنا هي مع المسيح في ملكوت الله. لدينا عنوانٌ مكتوب عنده: إنَّه أقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات“.

عندما نموت, فإنَّ وطننا الأخير ليس حفرة في الأرض ولكن منـزلاً في السماء. وفي نفس الوقت, ومن خلال القدَّاس الإلهي, في الإفخارستيا والصلاة, نستمر في الصعود معه.

ماذا تكون الصلاة؟ ما هي الليتورجيا؟ ماذا يكون سر التناول إلاَّ صعودًا إلى حيث الله موجود. عند اليوم الأخير, سيأتي المسيح ثانية ليُدخِلنا إلى ملكوته حيث يكون هو لنكون معه إلى الأبد. كل هذه الأمور المذكورة في صلاة القدَّاس الإلهي فَعَلَها المسيح لأجلنا:

الصليب. القبر. القيامة في اليوم الثالث. الصُّعود إلى السماء, الجلوس عن يمين الله الآب. والمجيء الثاني المُمجَّد.

كل هذا لأجلنا, لأجلك, لأجلي, لأجل خلاصنا. ونحن نحتاج أن نَذكر المجيء الثاني للسيِّد المسيح مثل دقَّة القلب, كما كتب لويس يقول:

”في طرفة عين, وفي وقت قصير جدًّا, وفي أي مكان, وفي أي موضع كان يبدو أنَّه يفصلنا عن الله سيهرب في الحال, ويختفي ويتركنا عرايا أمامه؛ مِثل الإنسان الأوَّل, مِثل الإنسان الوحيد, كما لو كان لا يوجد سوى هو وأنا فقط معًا. وبما أنَّه لا يمكن تحاشي هذا اللقاء, وبما أنَّه يعني إمَّا البركة أو الرُّعب, ففيما أنت تهتم بأمور حياتك, يجب أن تستعد للأبديَّة“.

ليس فقط أن: “تهتم بأمور حياتك”, ولكن أيضًا أنْ تُعطي الرب يسوع الأولويَّة رقم: “واحد”. ماذا يكون أكثر حماقة مِن أن تجعل ما هو في المرتبة الثانية ليصبح الأفضل؟ كل ما نعتبره: “فاضلاً” في هذه الحياة يحتاج أن ينحني أمام: “الأفضل”, “دعنا نُكرِّس أنفسنا وحياتنا كلَّها للسيِّد المسيح إلهنا”. «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه, وهذه كلُّها تُزاد لكم».

مَن هو المسيح؟

استكمالاً لمناقشة فكرة لماذا يجب علينا أن نجعل للسيِّد المسيح الأولويَّة العظمى في حياتنا, أُذكِّركم بجملة: “أنا هو” التي كان يُردِّدها المسيح كثيرًا:

«أنا هو خبز الحياة. مَن يُقبِل إليَّ فلا يجوع. ومَن يؤمِن بي فلا يعطش أبدًا» (يو6: 35).

«أنا هو نور العالم. مَن يتبعني فلا يمشي في الظُلمة بل يكون له نور الحياة» (يو8: 12).

«أنا هو الباب. إنْ دخل بي أحد فيخلُص ويخرُج ويجد مرعى» (يو10: 9).

«أنا هو الراعي الصالح» (يو10: 14).

«أنا الكرمة وأنتم الأغصان. الذي يثبت فيَّ وأنا فيه, هذا يأتي بثمرٍ كثير» (يو15: 5).

«أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتي إلى الآب إلاَّ بي» (يو14: 6).

«أنا هو القيامة والحياة. مَن آمَن بي ولو مات فسيحيا. وكلَّ مَن كان حيًّا وآمَن بي فلن يموت إلى الأبد» (يو11: 25-26).

«أنا هو الألف والياء, الأول والآخِر, البداية والنهاية» (رؤ22: 13).

بالنَّظَر لهذه التَّصريحات الرَّائعة, كيف لا نُعطي المسيح الأولويَّة في حياتنا؟

كَتَب لويس C. S. Lewis قائلاً:

”ما يقوله السيِّد المسيح يختلف تمامًا عمَّا يقوله أي مُعلِّم آخَر. ويقول آخَرون: “هذا هو الحق بخصوص الكون, هذه هي الطَّريقة التي يجب أن نسلكها”. أمَّا الرب فيقول: «أنا هو الطريق والحق والحياة», ولا يستطيع أحد أن يبلغ الحقيقة المُطلَقَة إلاَّ عن طريقي (بي). حاوِل أن تحتفظ بحياتك فستُهلكها, ولكن إنْ أضعتها مِن أجلي فستجدها. إذا خجلتَ منِّي عندما تسمع هذه الدَّعوة, وذهبتَ في الطريق الأخرى, فأنا سأدينك لأنَّك ذهبت بعيدًا عنِّي عندما آتي ثانية كإله دون إخفاء. إذا كان هناك شيءٌ يبعدك عنِّي, مهما يكن هذا الأمر, فأَلْقِهِ بعيدًا. إن كانت عينك فاقلعها, وإن كانت يدك فاقطعها. إنْ جعلتَ نفسك أولاً ستكون أخيرًا. تعالَ إليَّ يا كلَّ مَن حِمله ثقيل, فسأضع الأمر في نصابه الصَّحيح. خطاياكم كلَّها مسحتها, فأنا قادرٌ أنْ أفعل هذا. أنا هو واهب الولادة الجديدة, أنا هو الحياة. كُلني, اشربني فأنا طعامك. وفي النهاية وأخيرًا لا تخف, فقد غلبتُ العالم. هذا هو الأمر كله“.

ويستمر لويس قائلاً:

”المسيحيَّة هي أمرٌ واقع, إنْ كان زائفًا, فالمسيحيَّة ليست بذات أهميَّة. وإنْ كان صحيحًا, فهي تكون في غاية الأهميَّة, بل لها الأهميَّة المُطلَقَة. ولكن الشيء الوحيد الذي لا تكونه المسيحيَّة هو أن تكون ذات أهميَّة متوسِّطة“.

 

هل الله هو الأول في حياتك؟ ج2 – الأب أنتوني م. كونيارس

هل الله هو الأول في حياتك؟ ج1 – الأب أنتوني م. كونيارس

هل الله هو الأول في حياتك؟ ج1 – الأب أنتوني م. كونيارس

هل الله هو الأول في حياتك؟ ج1 – الأب أنتوني م. كونيارس

 

هل الله هو الأوَّل في حياتك؟

اطلبوا أوَّلاً ملكوت الله وبرَّه، وهذه كلُّها تُزاد لكم

 

الأولوية العظمى للحياة

اِعمل أولويات: أطلب أولاً ملكوته

أنت تمتلك حياة واحدة تحياها, وأنا أيضًا. ولكن كم مِن أُناس   يضيعون حياتهم. قد يعيشون إلى السبعين، أو الثمانين أو التسعين عامًا دون تحقيق أي شيء. قال أحد الأشخاص: “عندما ذهب أبى إلى مستشفى مايوMayo Clinic  الشهيرة في نيويورك تقابل مع كل الأطباء والممرِّضات الذين قالوا له: يا سيِّد كلارك كلنا سنموت, وعلينا عندما نُدرك هذه الحقيقة أن نُفكِّر في كيف سنحيا حياتنا”.

بالفعل علينا أن نفكر جيِّدًا كيف سنحيا حياتنا وإلاَّ ستضيع منَّا, وسنفقد الهدف من الحياة نفسها.

هناك شيء واحد فقط ينقذنا من أن تضيع حياتنا, وهذا الأمر هام جدًّا لدرجة أنَّني سأكرِّره ثلاث مرات: الطريق الوحيد الذي ينقذنا من أن تضيع حياتنا هو: اِعمل الأولويَّات، اِعمل الأولويَّات، اِعمل الأولويَّات.

نسمع الكثير عن الأولويَّات عندما نتحدَّث عن الأعمال التجاريَّة. إذا لم يقم صاحب العمل التجاري بعمل أولويَّات في إدارته للعمل، حتمًا سيفشل. وهكذا نحن أيضًا.

تحدَّث السيِّد المسيح كثيرًا عن أهمية عمل الأولويَّات، فقال في الإنجيل:   

«لا تهتموا قائلين ماذا نأكل؟ أو ماذا نشرب؟ أو ماذا نلبس؟ فإنَّ هذه كلها تطلبها الأمم. لأنَّ أباكم السماوي يَعلم أنَّكم تحتاجون إلى هذه كلها, لكن اطلبوا أوَّلاً ملكوت الله وبِرَّه وهذه كلُّها تزاد لكم. فلا تهتمُّوا للغدِ, لأنَّ الغدَ يهتم بما لنفسه. يكفى اليوم شرُّه» (مت6: 31-33).

رتِّب أولويَّاتك جيِّدًا وجميع الأولويَّات الثانويَّة (الطعام والشراب والملبس) سوف تأتى تباعًا. اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره. هذه عبارة قويَّة عن ترتيب الأولويَّات. اطلب الله ليس في المرتبة الثانية أو الثالثة أو الرابعة. اطلب ملكوت الله أوَّلاً. رتِّب الأولويَّات. يتحتَّم علينا أن نرتِّب أولويَّاتنا. لماذا؟ لأنَّنا نحيا حياتنا هذه مرَّة واحدة وإمَّا أن نفعل هذا بالطريقة السليمة, وإلاَّ سنفشل في تحقيق الهدف الأصيل لحياتنا.

قال سى. إس. لويس C.S. Lewis ذات مرَّة:

 ”الآن يتَّضح لنا أن هناك العديد من الأشياء التي لا تستحق أن أهتم بها إذا كنتُ سأعيش لمدة سبعين عامًا, ولكن يجب أن أهتم بشكل جاد جدًّا بالأشياء التي سأحيا بها إلى الأبد“.

قال بسكال Pascal :

”بين السماء وجهنم توجد هذه الحياة التي نحياها, وهى أكثر الأشياء هشاشة في العالم“.

إذا لم نرتِّب أولويَّاتنا في هذه الحياة، فسوف نفشل وسوف نهلك كما يتَّضح لنا ذلك من كلمة الله. يطلب منَّا السيِّد المسيح أن تكون لنا أولويَّات في حياتنا.

«اطلبوا أوَّلاً ملكوت الله وبِرَّه وهذه كلُّها تزاد لكم».

اطلبوا

«اطلبوا!» هنا يبدأ الأمر كله.

كل شيء يبدأ بهذه الكلمة: “اطلبوا”, فالذي لا يطلب لا يجد. ولكن كيف ينبغي أن نطلب؟ أجاب الرب على هذا السؤال عندما قال: «وتطلبونني فتجدونني إذ تطلبونني بكل قلبكم» (إر13:29).  هؤلاء هم الذين يجدون الله: الذين يطلبونه من كل قلوبهم. الذي يطلبه ليس بقلبه كله لن يجده.

قصَّة:

أتى شاب إلى أحد الشيوخ القدِّيسين وطلب منه أنْ يُعلِّمه كيف يُصلِّي, فأمسك الشيخ برأس الشاب وغمرها في الماء بقوَّة. صارع الشاب وأراد أن يُحرِّر نفسه من هذه القبضة, وأخيرًا تركه القدِّيس. سأل الشابُّ الشَّيخَ لماذا فعلتَ هذا؟ أجاب رجل الله: “أنا فقط أعطيتُك الدَّرس الأول, عليك أن تجاهد وأن تغصب نفسك في الصَّلاة, وعليك بعد ذلك أن تشتاق أن تصلِّي بنفس القدر الذي كنت تريد به أن تتنفَّس وأنت في الماء, وعندئذ ستكون قادرًا على الصلاة باشتياق”.

قال السيِّد الرب: «وتطلبونني فتجدونني إذ تطلبونني بكل قلبكم». اِجعل ملكوت الله هو أولوَّيتك الأولى والأساسيَّة.

يقول الرب يسوع: «اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيِّق» (لو13: 24). الفعل اليوناني المُستخدم لكلمة “اجتهدوا” يأتي من الاسم اليوناني agon، وهو الجذر الذي يُشتَق منه كلمة agony بمعنى: “اشتياق أو عذاب”. “اجتهدوا” تعنى أن: ”تشتاق أن تدخل من الباب الضيِّق, وهو ما أطلق عليه آباء الكنيسة “النُّسك أو الجهاد ascesis” الذي يحدث في طلبنا لله ونجعله في المرتبة الأولى. ممَّا لاشكَّ فيه, فإنَّ عمليَّة الجهاد هذه قويَّة ومُجهِدة. في الواقع قال السيد المسيح: «ملكوت السموات يُغصَب والغاصبون يختطفونه» (مت 12:11).

لا يأتي ملكوت السموات إلى هؤلاء الكسالى الذين يأكلون البسكويت والشِّبسي أثناء فرجتهم على مباراة في كرة القدم, ولكن يجب أن يكون طلبنا لله أمرًا ذا قرارٍ وتصميم وقَطع, فهو يتضمَّن الالتزام بالسلوكيَّات والمثابرة والجهاد والنُّسك, كما يقول الرب: «وتطلبونني فتجدونني إذ تطلبونني بكل قلبكم».

قال وليم جيمس William James, مُبدِع علم النفس الأمريكي:

”إذا تمنَّيتَ أن تكون غنيًّا سوف تصبح غنيًّا, إذا أردتَ أن تكون صالحًا ستكون صالحًا, إذا أردتَ أن تكون متعلِّمًا ستكون متعلِّمًا. عليك أن تتمنَّى شيئًا محدَّدًا وليس مئات الأشياء غير المتوافقة معًا“.

لا تُبدِّد طاقاتك, ضع هدفًا رئيسيًّا لحياتك وجاهد من أجله! حدِّد الأولويَّات. حدِّد الأولويَّات. حدد الأولويَّات. حدِّد أفضل الأشياء التي تتمنَّاها فوق أي شيء آخر وتمسَّك بها. لا يستطيع الشَّخص الفاتر الهمَّة أن يصنع القرار الكبير الوحيد الذي يُوجِّه حياته كلها ويحدِّد هدفه. سوف تحصل على ما تطلب فقط عندما تطلبه من كل قلبك.

إذا كان على الإنسان أن يُصلِّى صلاة واحدة, فيجب أن تكون في أنْ يطلب من الله أن يعطيه روح التمييز ليكون قادرًا على التمييز بين الأشياء التي تهم والأشياء التي على المدى البعيد لا تهم.

«اطلبوا أوَّلاً ملكوت الله وبِرَّه وهذه كلها تزاد لكم».

أحبب الأولويَّة, ولتكن رقم: “واحد

سوف تحصل على ما تطلب إذا أحببتَ الشيء الذي تعطيه الأولويَّة الأولى في حياتك وتطلبها.

قال المُرشِد الرُّوحي المسيحي ب. أروب P. Aruppe:

”لا يوجد شيء أكثر واقعيَّة من أن تجد الله, وأن تقع في حبِّه حُبًّا مُطلقًا؛ إلى أبعد الحدود إلى النهاية. فالذي تحبه والذي يشغل خيالك سوف يؤثِّر على كل شيء, سوف يُحدِّد الأمر الذي تستيقظ من النوم لأجله في الصباح, والذي ستنشغل به حتى المساء, والطريقة التي ستقضي بها إجازة نهاية الأسبوع, ونوعيَّة قراءتك, وسلوكك تجاه الذين تعرفهم, وتجاه الذي يحزنك, والذي يُدهشك بالفرح. حِب واستمر في حبِّك وهذا سوف يُحدِّد كل شيء“.

أحبب الشيء الذي تطلبه فوق كل شيء في حياتك, وهذا سوف يحدد لك كل شيء. إذا أردتَ شيئًا بقوَّة وبحبٍّ كافٍ وبرغبة صادقة, سوف تحصل عليه. أليس هذا ما كان يقصده السيٍّد المسيح عندما قال: «طوبى للجياع والعطاش إلى البِر لأنَّهم يُشبَعون» (مت5: 6), فالأمر يتضمَّن الجوع والعطش, وهو يتطلَّب أيضًا التزامًا كاملاً وحبًّا وجهادًا.

حكى شخص حلمًا حلم به, فقال إنَّه تقابل مع السيِّد المسيح وسأله عن أكثر شيء يطلبه منَّا؟ أجابه السيِّد المسيح: “أريد أنَّ شعبي يطلبني, أشتاق إلى أنَّ شعبي يشتاق لي بنفس الدرجة التي أشتاق بها إليه”. الذين يشتاقون إلى الله يجدونه, «اطلبوا أوَّلاً ملكوت الله وبِرَّه وهذه كلُّها تزاد لكم».

رتِّب الأولويَّات. رتِّب الأولويَّات. رتب الأولويَّات.

الذين يطلبون يجدون, ولكن عليهم أنْ يطلبوا بكل قلوبهم وفكرهم ونفسهم وقوَّتهم. كن جائعًا وعطشانًا إلى البِر وسوف تشبع.

لا يجب أن يأتي الله أبداً في المرتبة الثانية

الحياة عبارة عن مجموعة من الأولويَّات التي تأتي في المقدِّمة, ونوعيَّة الحياة تتحدَّد بتلك الأشياء التي تعطيها الأولويَّة. ومع ذلك يحدث في حياة الكثيرين منَّا أنْ يأتي ما يجب أن يكون أولاً في المرتبة الأخيرة, وما يجب أن يكون في المرتبة الأخيرة يأتي أولاً.

قصَّة:

هناك قصَّة عن لص اقتحم ذات ليلة محلاًّ تجاريًّا كبيرًا, ولكنَّه لم يكن لصًّا حقيقيًّا, فهو لم يسرق شيئًا. كانت كل جريمته أنَّه مرَّ بكلِّ الممرَّات وأخذ يبدل بطاقات الأسعار ليضايق صاحب العمل الذي كان مُستاءً منه؛ وفى الصباح التالي وجد المتسوِّقون أن الفول على سبيل المثال يباع بـ 9.99 دولار وشريحة اللحم بـ 38 سنتًا. هذه هي الطريق التي يعبث بها الشيطان في حياتنا, فهو دائمًا يبدل بطاقة السِّعر حتى تصبح الأشياء ذات القيمة الأبديَّة تأتى في المرتبة الثانية أو الثالثة, والأشياء التي توجد اليوم هنا وتمضى غدًا تأتى للأسف على قمَّة الأولويَّات في حياتنا.

السيِّد المسيح يتحدَّث عن الأولويَّات

تحدَّث السيِّد المسيح عن الأولويَّة العظمى في الحياة عندما قال: «اطلبوا أوَّلاً ملكوت الله وبِرَّه وهذه كلُّها تزاد لكم», وقدَّم لنا العديد من الأمثلة عن تنفيذ ذلك في الحياة اليوميَّة. ذلك الإنسان الذي دعاه السيِّد المسيح ليصبح تلميذًا له, ولكنَّه اعتذر وقال: «يا سيِّد, ائذن لي أنْ أمضي أوَّلاً وأدفن أبي» (لو9: 59), وفى كلمات أخرى كأنَّه يقول: “إنَّ أبي رجل كبير السِّن, ويجب عليَّ أن أعتني به, وعندما يموت فسيأتي الاهتمام بما تطلبه منِّي, وعندئذٍ سآتي وأتبعك”, أمَّا السيِّد المسيح فلا يريد ذلك أبدًا, وهو لن يقبل أن يكون بعد أي شخص أو أي شيء, وقال له: «دَع الموتى يدفنون موتاهم, وأما أنتَ فاذهب ونادِ بملكوت الله».

وما قاله السيِّد المسيح لهذا الإنسان يقوله لنا نحن أيضًا كل يوم: “لن أقبل أن أكون ثانيًا على قائمة أولويَّاتك, إمَّا أن أكون أولاً أو لا أكون على الإطلاق, وأنا كإله لن أقبل المكانة الثانية أو الثالثة, وبصفتي رب هذا الكون, لا أقبل أنْ أكون بعد أي شخص أو أي شيء”.

وقال تلميذ آخر للسيِّد المسيح ذات يوم: «أتبعك يا سيِّد, ولكن ائذَن لي أوَّلاً أنْ أُودِّع الذين في بيتي» (لو9: 61). بالنِّسبة لهذا الشخص, فإنَّ عائلته تأتى في المرتبة الأولى والسيِّد المسيح يأتي بعد عائلته, فأجابه السيِّد المسيح بحزم: «ليس أحد يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء يصلح لملكوت الله». يجب أن يكون لله الأولويَّة الأولى. يسألنا السيِّد المسيح كما سأل بطرس: «أتحبُّني أكثر من هؤلاء» (يو21: 15).

لا يريد السيِّد المسيح تلاميذ يكون هو بالنِّسبة لهم شيئًا صغيرًا وأمرًا عاديًا ثانويًّا كما ورد في المَثَل الذي ذكره في (لو14: 6- 34), فإنَّ المدعوِّين إلى العشاء العظيم وضعوا الحقل والبقر والزوجة أولاً؛ وكذلك في مَثَل الغَني الغبي, وضع الغَنيُّ المحاصيل أولاً ونفسه في المرتبة الثانية أو الثالثة, ولكن الله قال له: «يا غبي! هذه الليلة تُؤخَذ نفسك منك» (لو 16:12 – 21).

نرى في هذه الأمثلة كيف أنَّ الأعذار تُؤثِّر على أولويَّاتنا, والله إله غيور لن يقبل آلهة أخرى أمامه.

«اطلبوا أوَّلاً ملكوت الله وبِرَّه وهذه كلها تزاد لكم».

لا يضع الحب الحقيقي شيئًا فائقًا في الحب في المرتبة الثانية أو قبل الأخيرة. عندما بدأ أبونا إبراهيم في تقديم ابنه إسحق محرقة لله, أثبت أنَّ الله هو الأول وإسحق هو الثاني. لم يتردَّد أبونا إبراهيم في التضحية بإسحق وتقديمه لله, فالحياة مسألة أولويَّات. وإذا كان لدينا مشكلة, فمن المحتمل أن تكون أولويَّاتنا ليست في ترتيبها السليم. عندما يصبح السيِّد المسيح الألف والياء, البداية والنهاية, الأوَّل والأخير بالنِّسبة لنا, وكلُّ شيء يكون بينهما, فإنَّ كل شيء آخر سيكون في مكانه السليم, تمامًا كما تضع الزرار الأوَّل في مكانه الأول في المعطف, ولكن عندما تضع الزرار الثاني أو الثالث في الفتحة الأولى, فلن يستقيم شيء.

عبَّر الشاعر الروسى بوشكن  Pushkinعن هذا جيِّدًا عندما قال:

”يجب علينا أن نعطي الله المكانة الأولى في حياتنا, وإذا أعطيناه المرتبة الثانية, فهذا يعنى أنَّنا لا نعطيه أي مكان على الإطلاق“.

 الأشياء الأولى يجب أن تأتى أوَّلاً, عليك أنْ تُرتِّب الأولويَّات. تُرتِّب الأولويَّات. تُرتِّب الأولويَّات.

الأولويَّات تُحدِّد حياتنا

الأولويَّات ليست مجرد اختيارات هامشيَّة في حياتنا, إنَّها تُحدِّد حياتنا. أنت تصبح مثلما تعطيه الأولويَّة في الحياة. عِش من أجل اللذة, فستصبح أنانيًا وفارغًا وشاعرًا بالملل. عِش من أجل الشُّهرة, فسوف تصبح متغطرسًا ومتمركزًا حول ذاتك. عِش من أجل القوَّة, فستصبح مستبِّدًا وظالمًا وطاغية وغير حسَّاس للناس. عِش من أجل الثَّروة, فستصبح طمَّاعًا. عِش من أجل المسيح ومن أجل مشيئة الله في حياتك واطلبه أوَّلاً, فستصبح عطوفًا ومُحبًّا مِثل الرَّاعي الصالح. نحن نصير مثل الإله الذي نعبده, حيث إنَّ الأولويَّة في حياتنا هي التي تصبح إلهنا.

ويعتقد سي. إس. لويسC.S. Lewis   أنَّنا عندما نضع الله أوَّلاً في حياتنا, فإنَّ كل شيء آخر في الحياة بما في ذلك محبَّتنا الأرضيَّة تزيد, وكتب يقول:

”عندما أتعلَّم أنْ أُحِبُّ الله أكثر من أي محبة أرضيَّة أخرى, فإنَّني عندئذٍ سأُحبُّ الأمور الأرضيَّة أكثر مما أفعل الآن. وعندما أتعلَّم أنْ أُحب الأمور الأرضيَّة على حساب محبَّتي لله وبدلاً من الله, سأتحوَّل إلى الحالة التي فيها لن أُحب أموري الأرضيَّة على الإطلاق. عندما توضع الأمور الأولى في مكانتها الأولى, فإنَّ الأمور الثانوية لا تنقص بل تزيد“.

نحن مخلوقون من أجل الله, وطالما نحن نضع علاقتنا مع الله كأولويَّة أولى, فسوف نجد السَّعادة التي ننشدها, وسيختفي الألم, وسيختفي الفراغ. إنَّها مسألة أولويَّات الأشياء, الأولى تأتي أوَّلاً. رتب الأولويَّات. رتب الأولويَّات. رتِّب الأولويَّات.

الطيران بالمقلوب

قصَّة:

يُحكَى أنَّ أحد الطيَّارين كان يتدرَّب على الغارات بسرعة عالية بطائرة حربيَّة, وأدار جهاز تحكُّم الطائرة اعتقادًا منه أنَّه صعودٌ مفاجئ, ولكنَّه هبط ناحية الأرض, إذ لم يكن مدركًا أنه يطير بالمقلوب.

أليس هذا مثالاً لحياتنا اليوم؟ يعيش معظمنا بسرعة مُدمِّرَة لدرجة أنَّنا لا نلاحظ أننا نطير بالمقلوب.

أنْ نتجاهل كلمة الله ونعطى الأولوَّية لآرائنا بدلاً من ذلك, فهذا يشبه كثيرًا الطيران بالمقلوب, فندمِّر صحَّتنا وعائلتنا وكرامتنا ونسير في الحياة ولا نعلم أيَّ طريقٍ يؤدِّي إلى فوق, ولا أي طريق يؤدِّي إلى أسفل؛ وفى نهاية الأمر كما تخبرنا كلمة الله أنَّه سينتهي بنا الأمر أنْ نصير مُحطَّمين في مكان اسمه الجحيم؛ وعندما نعطي الله الأولويَّة الأولى في حياتنا, فإنَّنا سنمضي في طريق حياتنا ونحن نطير في شكل سليم إلى أعلى.

الأولويَّات تُصبح القِيَم التي نؤمن بها

تُعطي أولويَّاتنا صورة واضحة عن قِيَمنا. ما نضعه في المكانة الأولى في حياتنا يكون هو قِيَمنا الحقيقيَّة. يمكننا أن نستخدم فكرة الهَرَم لشرح كيف تُشكِّل قِيَمَنا ترتيبًا هرميًّا. نحن نضع الأشياء في أسفل, والأشخاص فوق الأشياء, والله على القِمَّة. يجب أنْ يكون الترتيب: الأشياء, الإنسان, والله يكون على قِمَّة الهرم. عندما نضع الله وملكوته في المرتبة الأولى في الترتيب الهرمي لأولوَّياتنا, فإنَّ كل الأولويَّات الأخرى في الحياة سوف تأتي في مكانها السليم من حيث الأهميَّة.

مِثْل المِكبح (فرامل) في عجلة

عبَّر C.S. Lowis عن هذا بقوله:

”إذا كانت علاقتك سليمة مع الله, فأنت بلا شك على علاقة طيِّبة مع كل المخلوقات. تمامًا مِثْل وضع مِكبح العجلة مُثبَّتًا جيِّدًا في مركز العجلة وفي حافَّتها, عندئذٍ سترتبط الأجزاء جميعًا معًا في مكانها السليم الواحدة مقابل الأخرى“.

يُعَرِّف الأب باباي Babai، واحد من الآباء السريان في القرن السابع أولويَّات المسيحي بشرح أبعادها السلبيَّة فيقول:

 ”اِفصل نفسك (أو ذاتك) من أيِّ شيء لن يصاحبك وأنتَ خارج مِن هذا العالم. «اِعمل لا من أجل الطعام البائد بل من أجل الطعام الباقي للحياة الأبدية» (يو6: 27), كما يقول السيِّد المسيح أيضًا: «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه… », وأيضًا: «لأنَّه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كلَّه وخسر نفسه؟» (مت16: 26)“

قال شيستيرتون G.K.Chesterton ذات مرة, عن مقابلته لإحداهن لاختيارها مديرة منـزل, إنَّ السؤال الصعب ليس: “هل تعرفين أن تطبخي؟” ولا: “هل أنتِ مديرة منـزل جيِّدة؟ ولكن السؤال التالي هو الصَّعب: “ما رأيكِ في الكون؟” وبكلمات أخرى: “ما رأيك في الله؟”, “ما أو مَن  على قمَّة قائمة الأولويَّات في الحياة؟”, “ما أو مَن يأتي أوَّلاً في حياتِكِ؟” هذه هي الأسئلة الهامَّة التي تكشف الشخصيَّة والقِيَم, وهذه الأسئلة سوف تُعرِّفك ما إذا كانت هذه السيِّدة ربَّة منـزل جيِّدة أو ربَّة منـزل أمينة أو أي شيء آخر.

مركز تتكامل حوله حياتك

ذات يوم, عاد من الحرب جندي صغير في القوَّات الجويَّة الأمريكيَّة, فوجد أنَّه من المستحيل أن يستقرَّ, إذ كان يشعر بعدم الارتياح في المنـزل, وعدم الرضا في العمل, ويشعر بالإحباط لأنَّه غير قادر على أن يجد نفسه, فذهب إلى أحد الأطباء النفسيِّين. وبعد عدد من الجلسات تمكَّن الطبيب النفسي من تشخيص المشكلة. قال له الطبيب: “أنت تحتاج إلى مركز تتكامل حوله حياتك”.

عبَّر عن هذه الفكرة أحد علماء النفس بقوله: “السعادة هي التحرُّك بكل قلبك في اتِّجاه رئيسي واحد”, وهذا بالفعل ما كان السيِّد المسيح يُعلِّمه عندما طلب منَّا أن نجعل ملكوت الله وبرَّه المركز الذي تتكامل حوله حياتنا, وبالتالي نتحرِّك بكل قلوبنا في اتِّجاه رئيسي واحد. تمامًا مثل نهر المسيسبي العظيم, فهو يجمع مياه ألف نهر صغير ويحملها إلى قلب القارَّة إلى خليج المكسيك. الحياة العظيمة، النفس العظيمة هي التي تجمع الطاقات وتُوجِّهها إلى غرض مركزي, وهذه بالضَّبط هي الدعوة الموجَّهة إلينا في كل صلاة ليتورجيَّة, ليس مرَّة واحدة بل مرَّات عديدة أن تتكامل حياتنا كلها حول المسيح إلهنا: “هيَّا بنا نُسلِّم أنفسنا وكل حياتنا والآخَرين, للمسيح إلهنا”. حياتنا كلها تصير للمسيح إلهنا, فهذه هي الأولويَّة الأولى. هذه هي الدعوة للتكامل: «اطلبوا أوَّلاً ملكوت الله وبِرَّه», الأشياء الأولى أولاً. اعمل الأولويَّات. اعمل الأولويَّات. اعمل الأولويَّات.

أُعجَبُ بمقولة فورسيث P.T. Forsythe:

”إذا لم يكن داخلنا شيء فائق، فنحن سنخضع ونستسلم لِما يحيط بنا“.

حارس المنار

قصَّة:

هناك قصَّة عن حارس لمنارة كانت توجد على أحد السواحل ذات الطبيعة الصَّعبة. وكان زيت الإضاءة يُعطَى كل شهر مرَّة واحدة, وكانت المهمَّة هي المحافظة على المنارة مضيئة طوال الليل. ذات يوم، طلبت منه أمٌّ بعضًا من الزيت لتستخدمه في تدفئة أولادها، فوافق وأعطاها. وفي يوم آخر طلب منه أحد الفلاحين كمية من الزيت ليستخدمها في إشعال مصباح للقراءة ليلاً, فوافق ثانية وأعطاه. وهكذا أخذ حارس المنارة يوافق على كل طلب, وأخذ يُوزِّع على الناس الزيت ليرضي الجميع, وقبل نهاية الشَّهر كان الزيت قد فرغ. وحدث في ليلة عندما كان لا يوجد أي ضوء يلمع في المنارة أن اصطدمت ثلاث سفن بالحجارة, ومات أكثر من 100 شخص. عندما أجرت الجهات المسئولة تحقيقًا مع الحارس، اعترف بما فعل ولماذا. لكن الضابط قال له: “لقد أُعطيتَ مُهمَّة واحدة وهى أن تجعل الضوء مشتعلاً, وكلُّ شيءٍ آخر كان أمرًا ثانويًّا, فليس هناك ما تدافع به عن نفسك”.

الأولويَّة الأولى في حياة المسيحي هي أن يجعل النور مضاءً من أجل السيِّد المسيح. أن يطلب أولاً ملكوت الله وبرَّه. إذا لم يحدث هذا الأمر هكذا، فلن يوجد لدينا ما نُدافع به عندما نظهر أمام كرسي الله من أجل الدينونة.

قال أحدهم:

”إنَّ الأمر يشبه ملكاً أرسلك إلى مقاطعة لتنفيذ مهمَّة معيَّنة واحدة محدَّدة وخاصَّة, فذهبتَ أنتَ إلى المقاطعة وأنجزت مائة مهمَّة أخرى, ولكن إذا لم تُنَفِّذ هذه المهمَّة المحدَّدة التي أُرسلتَ من أجلها, فأنت لم تُحقِّق شيئًا. لهذا جاء الإنسان إلى العالم من أجل مهمَّة محدَّدة, وهذا هو هدفه وإذا لم يُحقِّقه، فإنَّه لم يُنجز شيئًا. وهذه المهمَّة الواحدة التي أَرسلنا الله من أجلها إلى العالم, هي أن نعرف ونحب ونخدم الله على الأرض حتى نسعد معه في السماء“.

«اطلبوا أوَّلاً ملكوت الله وبِرَّه وهذه كلها تزاد لكم». اعمل الأولويَّات. اعمل الأولويَّات. اعمل الأولويات.

عمل الأشياء المهمَّة أولاً

إذا عملنا الأشياء المهمَّة أولاً، سيكون لدينا الوقت الكافي لإنجاز المهام الأقل أهميَّة أيضًا. دعوني أشرح هذا الأمر. قام شخص بملء إناء زجاجي كاملاً بالحجارة, وسأل المشاركون عمَّا إذا كان ممكنًا وضع أي شيء آخر في الإناء فكانت إجاباتهم: “لا”. ثم قام الشَّخص بأخذ إناء مملوء بالرمل وصبَّه داخل الإناء الذي به الحجارة, فاخترقت الرمال الفراغات الموجودة بين الحجارة داخل الإناء وملأتها. ثم طرح عليهم نفس السؤال: هل هناك فرصة لوضع أي شيء آخر في الإناء الممتلئ؟ وكانت إجاباتهم ثابتة: “لا”, عندئذ قام بصب ماء داخل الإناء الذي يبدو ممتلئًا. ثمَّ قام هذا الشَّخص بشرح معنى هذه التجربة فقال: الصخور الكبيرة تُمثِّل الأشياء المهمَّة التي يتعيَّن علينا عملها في حياتنا, بينما الماء والرمل يُمثِّلان الأشياء الأقل أهميَّة. إذا وُضِع الماء والرمل أولاً في الإناء الزجاجي, فلن يوجد هناك مكان لوضع الحجارة؛ ولكن لما وُضعت الحجارة الكبيرة أولاً، كانت هناك مساحة كافية للمهام الأصغر والأقل أهميَّة.

كم مرَّة حاولنا إنجاز المهام الصغيرة أولاً حتى يمكننا أن نتفرَّغ لإنجاز المهام الأكبر “الأعظم”, فيحدث أن نتوقَّف عن إتمامها أو أن ينفد منَّا الوقت. إذا لم نكن ملتزمين بأن نطلب أولاً الله وملكوته، فسوف نلتزم بإنجاز المهام الأقل أهميَّة في حياتنا, وسوف نهدر أهم الموارد التي نمتلكها: والتي هي حياتنا, والتي كما ذكرنا سابقًا هي مورد لا يمكن تجديده. إذا أهملتَ عن وعي الالتـزام بالأمور الهامَّة, فسيكون اهتمامك بالأمور غير الهامة. ليس هناك وقت كافٍ لإنجاز كل شيء, ولكن هناك دائمًا الوقت الكافي لإنجاز الأمور الهامَّة.

كلَّما يتقدَّم بنا العمر ويصبح الوقت مقصَّرًا تظهر الحاجة إلى عمل أولويَّات, وندرك أنه لا يجب علينا أن نترك الأشياء نصف منجزة في حالة عدم إنجازها كليَّةً . علينا أن نختار جيِّدًا ونُرتِّب أولويَّاتنا حول ما سوف نفعل, لأنَّه لا يوجد الوقت الكافي لإنجاز كل الأمور, وهكذا علينا أن ننجز فقط الأمور التي تهم.

صاغ الكاتب الرُّوسي تيرجينف Turgenev هذا الأمر فقال:

”يبدو لي أنَّ اكتشاف ما نجعله في المرتبة الأولى في حياتنا هو مشكلة هذه الحياة“.

سر الحياة الحقيقية هو أن تجد هدفًا تحيا لأجله, وتبنى حياتك كلها حوله, وتعطى نفسك له بكلِّ قوَّتك. وهذا الهدف كما قال السيد المسيح: «اطلبوا أوَّلاً ملكوت الله وبِرَّه وهذه كلها تزاد لكم».  اعمل الأشياء المهمَّة أولاً طالبًا ملكوت الله وبره, وباقي هذه الأمور ستأتي تباعًا. الأولويَّات ذات الأهميَّة تأتى قبل الأولويَّات الثانويَّة. الأولويَّات هي بالدرجة الأولى من الأهميَّة, وهى ترسم صورة للإنسان تُعبِّر عنه. هي تقول شيئًا عن الحياة, كما تعمل شيئًا من أجل الحياة.

حافظ على أولوياتَّك مستقيمة

السيِّد المسيح على سبيل المثال حافظ على أولوَّياته واضحة ومستقيمة, فقد قال: «ينبغي أن أعمل أعمال الذي أرسلني ما دام نهار, يأتي ليلٌ حين لا يستطيع أحدٌ أن يعمل» (يو9: 4). مهمَّتنا الأساسيَّة كلَّما تقدَّم بنا العمر هي أن نحافظ على أولويَّاتنا واضحة ومستقيمة. أولويَّتنا الأولى الأساسيَّة هي الله وبره ومشيئته وملكوته، ثم كل شخص آخر وكل شيء آخر يأخذ المرتبة الثانية أو الثالثة بعد الله؛ فهو الألف والياء، البداية والنهاية وكل شيءٍ بينهما. الأولويَّات مُهمَّة في حياتنا, فهي الفيصل بين النجاح والفشل, بين الحياة والموت, بين السماء والجحيم.

قال أحدهم قولاً حسنًا:

”بدون وجود أهداف لك في الحياة لا تستطيع أن تعرف ماذا تفعل. بدون أولويَّات لا تعلم ماذا تفعل أولاً. بدون وجود موعد لإنجاز المهام لا تعرف متى تفعل أي شيء. بدون تقييم ما فعلت لا تعرف ما جَودة ما فعلته. هدفنا الرئيسي الوحيد هو الاتِّحاد بالله“.

هذه هي أولويَّاتنا, ولدينا موعد نهائي لإنجازها, وسوف يكون هناك تقييم أمام الله. في نفس الوقت، تُقَيِّمنا ضمائرنا طوال الوقت، وكذلك رفقاؤنا المسيحيون, والكتاب المقدس، وآباؤنا وأمَّهاتنا الروحيُّون. أولويَّتنا هي أن نطلب أولاً ملكوت الله عن طريق عمل مشيئته وحبه من كل القلب. الموعد النهائي لإنجاز هذا هو الآن لأنَّنا لا نملك الغد.

قال الأب ديمتري ستانيلو Fr. Dumitru Stanilo:

”الوقت بالنسبة لله يعنى الزمن الفاصل بين قرعه على بابنا واللحظة التي نفتح له الباب“ (انظر رؤ 20:3).

هل سنستجيب لقرعه على الباب أم سنخيِّب آماله وتوقُّعاته. قال السيد المسيح: «يا أورشليم, يا أورشليم!… كم مرَّة أردتُ أنْ أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها, ولم تريدوا!» (لو13: 34). لا أستطيع أن أُفكِّر في كلمات أكثر حزنًا من «لم تريدوا», والسَّبب وراء هذه الكلمات الحزينة هو أنَّنا نضع الأشياء التي من الدرجة الثانية في المرتبة الأولى. ومثل هذا الفشل في إعطاء الله الأولويَّة الأولى سوف يؤدِّي في النهاية إلى البُعد عن ملكوت الله.

تجاهل المجوهرات على سفينة تايتنك Titanic

يستخدم الله في بعض الأحيان بعض الظروف الصَّعبة لمساعدتنا في إعادة ترتيب أولويَّات حياتنا. حدث في مساء الرابع عشر من إبريل 1912م, أنَّ أكبر سفينة وتدعى تايتَنك اصطدمت بجبل جليدي في مياه المحيط الأطلنطي, وبعد أربع ساعات غرقت في قاع المحيط. احتُفِظ بمكان على أحد قوارب النجاة لسيِّدة معيَّنة أخذت في الخطو نحو القارب, ولكنها تساءلت ما إذا كان من الممكن أن تُسرِع إلى مكتبة السفينة لتُحضر شيئًا ما؟ سُمِحَ للمرأة بخمس دقائق فقط, هَرْوَلَت فيها السيِّدة عبر ممرَّات الباخرة. وعندما عَبَرَت الصَّالة، لَمَحَت بعض المجوهرات الثَّمينة ملقاة على الأرض, وكان يبدو أن أحد المسافرين فيما هو يجري للنجاة, وبعد أن أخذ كل شيء من خزانته سقطت منه تلك المجوهرات على الأرض. يا لها من فرصة ثمينة! كانت الثَّروة على بعد مسافة صغيرة جدًّا من أصابع السيِّدة. ومع ذلك، تجاهلت السيدة المجوهرات وأسرعت إلى المكتبة وسحبت نسخة من الكتاب المقدس وعادت مُسرعة إلى مركب النجاة الذي ينتظرها. كان من المُحتَمَل صباح هذا اليوم, عندما كان كل شيء على الباخرة جيِّدًا, ألاَّ تُعطي المرأة القيمة الأولى للكتاب المقدَّس عن الجواهر, ولكن في مواجهة الموت، فإن الأشياء الثَّمينة الغالية تبدو بلا قيمة, والأشياء التي كانت تبدو بلا قيمة تصبح قَيِّمَة.

تذكَّر ما قاله الأب باباي:

[اِفصل نفسك (أو ذاتك) من أيِّ شيء لن يصاحبك وأنتَ خارجًا مِن هذا العالم].

 للأسف، فإن الأمر يكون كارثة عندما نُغيِّر أولويَّاتنا إلى طلبات أرضيَّة زائلة. «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره, وهذه كلها تُزاد لكم».

اطلب أولاً

اطلبوا أولاً ملكوت الله. لماذا ينبغي علينا أن نضع الله في المرتبة الأولى في حياتنا؟ لأنَّ الله يضعنا في المرتبة الأولى لديه: «لأنَّه هكذا أحب الله العالم… » (يو16:3), حتى أنَّه وَضَعَنا في المرتبة الأولى. كل شيء عمله السيِّد المسيح عمله لأجلنا, فلم يحيا حياته لأجل نفسه ولكن لأجلنا. المسيح تجسَّد لأجلنا ولأجل خلاصنا, سفك دمه على الصليب لأجلنا من أجل غفران خطايانا, مات على الصليب لأجلنا, وقام من الموت لأجلنا ليبيد موتنا, وصعد إلى السماء لأجلنا ليشفع فينا, وسوف يأتي في آخر الزمان ليأخذنا إليه إلى الموضع حيث لم ترَ عين ما أعدَّه الله للذين يحبُّونه. هذه هي الأسباب التي تجعلنا نضع الله في المكانة الأولى في حياتنا. ليس فقط لأنه هو الله إلهنا, ولكنَّ لأنه في محبَّته لنا يضعنا دائماً أولاً. الله يستحق نفس المكانة في قلوبنا رقم: “واحد”, الألف والياء, البداية والنهاية, ليكون المسيح كما يقول بولس الرسول: «الكل في الكل» (كو3:10-11).

يقول ويلز H.G Wells :

”إذا لم يوجد الله، فلن يكون شيء مهم. أمَّا إذا وُجد الله، فلا شيء آخر يهم“.

في كل وصايا الله لنا, ما هي الوصيَّة التي تأتى أولاً والأكثر أهميَّة؟  يقول الرب يسوع إنَّ أهم وصيَّة هي:

«اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا رب واحد. وتحبُّ الرب إلهك مِن كلِّ قلبك، ومِن كلِّ نفسك، ومِن كلِّ فكرك, ومِن كلِّ قدرتك. هذه هي الوصيَّة الأولى. وثانية مثلها هي: تحبُّ قريبك كنفسك. ليست وصيَّة أخرى أعظم من هاتين»

(مر12: 28-31).

أحبِب الرب فوق كل شيء,

أَوْ لا تحبه على الإطلاق

يقول القدِّيس أغسطينوس St. Augustine:

[الذي لا يحب المسيح فوق الكل. لا يحب المسيح على الإطلاق].

كما يضيف أيضًا قوله:

[لا يُقيَّم السيِّد المسيح على الإطلاق, إلاَّ إذا قيَّمناه فوق الكل].

قال القدِّيس كبريانوس St. Cyprian of Carthage أسقف كارطاجنَّة:

[اِجعل المسيح أولاً لأنَّه يضعك في المرتبة الأولى لديه, ولا تدع شيئاً يفصلك عن محبَّته].

يضيف جون رسكن John Ruskn على ذلك فيقول:

”توجد العديد من الأمور التي قد يتغاضى عنها الله في قلوبنا, ولكن يوجد شيء واحد لا يقبله الله على الإطلاق وهو أن نعطيه المكانة الثانية. الإنسان الذي يعطي السيِّد المكانة الثانية, فهو لا يعطيه أي مكان على الإطلاق“.

قال أحد الأشخاص:

”يحب أن يكون الله هو الرَّئيس وليس مواطنًا عاديًا“.

ذات مرة قال هنري دريموند Henry Drummond لمجموعة من الشباب الجامعي:

”أيُّها السَّادة، أطلب منكم أن تطلبوا أولاً ملكوت الله, أو لا تطلبوه على الإطلاق. أوعدكم بأوقات تعيسة إذا أعطيتم الله المرتبة الثانية في حياتكم, فالله لن يكون مُهمًّا بالنسبة لك إلاَّ إذا أعطيته المكانة الأولى“.

يقول القدِّيس أغسطينوس:

[نفوسنا خُلِقَت له, وستظل مُتْعَبَة إلى أن تجد راحتها فيه].

بعض الأولويَّات في حياة المسيحي الحقيقي

وفيما نحن نطلب ملكوت الله أولاً وبره، يخبرنا السيِّد المسيح أنَّه توجد بعض الأمور الأخرى التي يجب أن تأخذ المكانة الأولى في حياتنا, وإليكَ الأمور الثلاثة الأولى التي نجدها في إنجيل القديس متى:

الأولويَّة الأولى:

   «فإن قدَّمتَ قربانك إلى المذبح، وهناك تذكَّرت أنَّ لأخيك شيئًا عليك، فاترك هناك قربانك قدَّام المذبح واذهب أولاً اصطلح مع أخيك, وحينئذ تعال وقدِّم قربانك» (مت5: 23-24).

الأولوية الثانية:

«ولماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك, وأمَّا الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها؟ أَم كيف تقول لأخيك: دعني أخرج القذى من عينك، وها الخشبة في عينك. يا مرائي، أَخرج أولاً الخشبة من عينك, وحينئذ تُبصِر جيِّدًا أن تُخرج القذى من عين أخيك» (مت7: 3-5).

الأولوية الثالثة   :

«الويل لكم أيها الكتبة والفريسيُّون المراؤون! لأنَّكم تنقُّون خارج الكأس والصحفة, وهما مِن داخل مملوآن اختطافًا ودعارة. أيُّها الفرِّيسي الأعمى! نقِّ أولاً داخل الكأس والصحفة, لكي يكون خارجهما أيضًا نقيًّا» (مت23: 25-26).

ولكن أولاً

توجد كلمتان تكثران كثيرًا في هذه الأيَّام في الإعلانات التجارية في الراديو والتلفاز وهما: “لكن أولاً… لكن أولاً سجائر مارلبورو, ولكن أولاً الكوكاكولا الدايت، ولكن أولاً لا يفوتك التخفيض الهائل على الأحذية في نوردستروم؛ لكن هذه ليست أولويَّات السيِّد المسيح, فأولويَّاته هي أولاً ملكوت الله وبره… ولكن اذهب أولاً اصطلح مع أخيك… أخرج أولاً الخشبة من عينك…  نظِّف أولاً داخل الكأس والصحفة.

لكن أولاً… عليك أنْ تختار هدفًا كبيرًا وأنْ تتمسَّك به, وهذا الهدف الكبير هو ملكوت الله. السيِّد المسيح هو بِكر كلِّ خليقة (أي رأسها), وهو قبل كل الدهور, إنَّه رب الأرباب وإله الآلهة وملك الملوك, ويوم الرب هو الأول بين أيام الأسبوع. الإنجيل هو الأوَّل بين الكتب, وفي الواقع, فهو وحده الذي يُعرَّف أنَّه: “الكتاب”. والكنيسة هي الأولى بين المؤسَّسات, هي جسد المسيح التي أحبَّها وأسلم نفسه لأجلها. الأوَّل بين الأوراق الماليَّة هو العشور, وما نقدِّمه لله وللفقراء. الأولى بين كل الدَّعوات التي جاءتنا هي دعوة الله: «تعالَ اتبعني».

في البدء… الله

كل البدايات يجب أن تبدأ بالله. نقرأ في بداية سفر التكوين (1:1): «في البدء خلق الله»، الله يجب أن يكون أولاً, أوَّل فكرة في الصباح؛ الهدف الأوَّل لكلِّ نشاط أثناء اليوم يجب أن يكون من أجله. كتب الراحل هنرى نوين Henry Nouwen  يقول:

”يقول القدِّيس أغسطينوس إنَّ: “الله هو الحقيقة الوحيدة”, ونحن نكون حقيقيِّين عندما نكون فيه وهو فينا. لأجل هذا، فإنَّ أيقونة السيِّد المسيح التي على الكتاب المقدس الخاص بي تؤثِّر فيَّ جدًّا. عندما أُوضِّح اتِّجاهي، عندما أحاول أن أعيش لله, يكون لحياتي معنى وبؤرة أُركِّز عليها, وعندئذ تأتي كل الأنشطة والمشكلات والاهتمامات في مكانها السليم“.

«اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه» تعني أنَّ الأشياء الأولى تأتى أولاً. كم ستكون الحياة بسيطة عندما لا نكون منقسمين؛ عندما يكون لدينا هدف كبير في الحياة: أنْ نسير مع الله، أنْ نرضى الله، أنْ نعمل مشيئته.

توفير مواردنا المحدودة

من أجل هدف الحياة الأكبر

كما أنَّ لدينا قوَّة جسمانيَّة محدودة, كذلك لنا حدود في قوَّتنا الروحيَّة والوجدانيَّة. قال أحد الأشخاص:

”كلَّما سعد الناس وفرحوا خارج الله، كلَّما كان فرحهم بالله ضعيفًا. وكلَّما كانت آمالهم تتعلق بأمور غير الله، كلَّما كانت آمالهم تضعف نحو الله“.

لاعب كرة القدم الذي يبدو متعَبًا أثناء المباراة لأنَّه خاض سباق ماراثون في صباح اليوم, فإنَّ مدرِّبه وزملاءه سوف يوبِّخونه كثيرًا على ذلك, والعامل الذي يأتي إلى العمل متعَبًا لأنَّه قضى الليل كله يشاهد التلفاز لن يجد مبرِّرًا أمام رئيسه في العمل, والمتوقَّع منَّا أن نحافظ على طاقتنا من أجل الأمور الهامَّة في الحياة. الله لا يتوقَّع منَّا أقل من ذلك.

ذات مرَّة كتب أحد الأشخاص المسيحيِّين الأتقياء عن ضرورة المحافظة على قوَّتنا الروحيَّة والوجدانيَّة المحدودة فقال:

”كانت هناك لحظة فارقة في حياتي الروحيَّة حدثت عندما أدركتُ أنه إذا كنت مُصِرًّا أن تُنهَك قُوَّتي من خلال كل حدث رياضي أو سباق سياسي، وكل حركة في البورصة, أو أي أمر عائلي؛ إذا تركت هذه الأمور تخطف قلبي، فلن أحتفل بيوم الرب بشكل حقيقي, ولن أفرح بثمار المعموديَّة, أو بالعشاء الربَّاني, أو بعيد الميلاد, أو بعيد القيامة, أو أي احتفال حقيقي. تعلَّمتُ أن: “أحفظ قلبي” (أم 23:4)، لأن قلبي ليست له قدرة غير محدودة ليبتهج أو ينـزعج. عندما أنشغل بالأمور العابرة فأنا أُنهِك قلبي وقدراته عن الاهتمام بالأشياء المهمَّة بالفعل“.

حافظ على مواردك من أجل الأمور الهامَّة في الحياة.

قال القديس أنبا مقار المصري St. Macarius of Egypt:

[لا يستطيع الإنسان أن يمتلك نفسه ومحبَّة الروح السماوي إلاَّ إذا قطع نفسه من كل أمور هذا العالم وأخضع نفسه لطلب محبَّة المسيح. لابد أن يُحرِّر الإنسان ذهنه من كل الاهتمامات العالميَّة حتى يؤخذ كليَّة بالهدف الواحد الوحيد, الذي هو أنْ يُوجِّه كل هذه الأمور حسب الوصيَّة, حتى تصبح كل اهتماماته وجهاده وانشغاله في الجهاد لاقتناء فضائل الإنجيل والروح السماوي, ويصير شريكًا في برِّ المسيح وتقديسه].

وتظهر كذلك الدعوة لعمل الأولويَّات في الترنيمة التالية التي تُصلَّى في كلِّ قدَّاس (بحسب الطَّقس البيزنطي):

”نحن الذين نمثِّل الشاروبيم سريًّا،

عندما نُصلِّى الثلاث تقديسات للثالوث المحيي،

لنترك عنا كل اهتمام عالمي حتى نَقْبَل ملك الكل,

الذي تُصاحبه الجنود السماوية, وتقول:

هلليلويا. هلليلويا. هلليلويا“.

قال ذات مرة بيتر دروكر Peter F. Drucker  شيئًا ينطبق تحديدًا على عمل أولويات مرتبطة بعلاقتنا بالله, فقال:

”ترتبط الكفاية بعمل الأشياء بشكل سليم. الفعاليَّة هي عمل الأشياء السليمة“.

نحن المسيحيِّين مدعوُّون لعمل الأشياء بشكل سليم عن طريق عمل الأشياء السليمة. وهذا يجعلنا نتمتع بالكفاءة والفعاليَّة, لأنَّنا نضع الأشياء أولاً. والشيء الصائب عمله هو: «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه»

 

كيف يُعبِّر بناء الأديرة عن هدفنا في الحياة

فيما نحن نطلب ملكوت الله أولاً، ماذا تكون الأشياء التي تصبح ذات أهميَّة في حياتنا؟ هذه الأشياء هي الحياة الليتورجيَّا ودراسة كلمة الله والصلاة الجماعيَّة والصلاة الفرديَّة والمحبَّة والعبادة والتسامح والصَّدقة والتناول من الأسرار المقدَّسة، مساعدة الفقراء، زيارة المرضى والذين ليس لهم أحد يذكرهم وإطعام الجياع. كل هذه الأمور تُشكِّل معنى الجهاد, وتُمثِّل النقطة المركزيَّة التي تدور حولها حياتنا. في كل هذه جميعًا، تصبح الإفخارستيا قلب وحدتنا مع المسيح.

ويُعبِّر البناء المعماري للدير عن هذه الحقيقة وهى إعطاء الله الأولويَّة الأولى في حياتنا, حيث تُبنى الأديرة ومبنى الكنيسة يتوسَّط الدير في المركز في قلب الدير, كما لو كان الدير كله أنشودة نسيج هندسيَّة، ليتورجيَّا مُعبَّرًا عنها بالحجارة, كما تقع قلالي الرهبان حول الكنيسة. تُشكِّل هذه القلالي مع المكتبة والمضيفة وباقي المباني التابعة “بناءً حيًّا”, تتوسَّطه الكنيسة حيث تُقدَّم الصلوات على مدار الأربعة والعشرين ساعة. نحن بلا شك لا نعيش في أديرة؛ ومع ذلك، أَلاَ نستطيع أن نجعل مَثَل الأديرة: الكنيسة والإفخارستيا والصلاة وقراءة كلمة الله ووصيَّة المحبَّة قلب حياتنا ومركزها؟ بالطبع نستطيع عندما نُرتب أولويَّاتنا بالشكل السليم, بأن نطلب: «أولاً ملكوت الله وبرَّه».

كيف عبَّرت الأيقونة في روسيا

عن أنَّ الله يجب أن يكون أولويَّة حياتنا

حديثًا قرأتُ ما كتبه الإنجليزي ستيفين جراهام Stephen Graham عن روسيا قبل الفترة السوفيتيَّة, فقد ذهب إليها في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين, وتجوَّل فيها كثيرًا، وتحدَّث اللغة الروسيَّة, وتزوَّج فتاة أرثوذكسيَّة, والمقطع التالي هو جزء من كتابه بعنوان: “روسيا غير المكتشفة” والذي نُشر في إنجلترا عام 1912م, وهو يشرح فيه كيف كان المسيحيُّون الأرثوذكس الرُّوس يضعون المرتبة الأولى لحضور الله في حياتهم في ذلك الوقت, فكتب يقول:

”كان لكلِّ منـزل في روسيا في ذلك الوقت أيقوناته الخاصَّة, والتي تُبرهِن على أنَّ ساكنيه هم لله… فقد كانت الأيقونة تجعل الله هو المالك لهم, وقد كانت الأيقونة هي تمامًا مثل العلامة التجاريَّة لأي شيء. كانت توجد أيقونة في كل حجرة في روسيا, بل وكانت توجد أيضًا في كل قاعة انتظار في محطات السكك الحديديَّة، وفي القاعات العامة وفي كل زنزانة في سجن. كانت الأيقونة توضع فيما يُعرَف بـ”رُكن الغرفة”, وهو الرُّكن الواقع تجاه شروق الشَّمس, وكان لا يليق لأي شخص أن يجلس ويعطي الأيقونة ظهره, فقد كان الفلاحون يُرتِّبون المناضد بحيث يكون مِن المتعذِّر أنْ يجلس شخصٌ ما ويعطى ظهره للأيقونة. لو أُتيحت لك الفرصة وقضيت الليلة في منـزل روسي، سوف تنام على السرير وتجد الأيقونة أمامها مصباح مُضيء, وهى تُطلُّ عليك طوال الليلة. واحترامًا للأيقونة، كان الشخص يرفع قبَّعته عند دخول الحجرة, وكأنَّها علامة أن الله موجود داخل الحجرة معك, فالأيقونة تمتلك الحجرة, أو بالأحرى هي تعبير عن الحضرة الإلهيَّة فيها. وكما أنَّ الشمس والقمر والنجوم تأخذ مكانها خارج المنـزل, هكذا داخله تأخذ الأيقونات مكانها داخل الحجرات. يوجد لدى الرُّوس 117 يومًا مقدَّسًا في السَّنة, يبدو فيها المؤمن وكأنَّه يكتسب شيئًا فريدًا؛ بينما في إنجلترا هناك يومٌ مقدَّسٌ واحدٌ في الأسبوع بين أيَّامه السَّبعة. يُطلق الروسي على يوم الأحد: “يوم القيامة”, ولديه يوما صوم في الأسبوع, ويرفض الفلاحون التقويم المَدَني, ويُسمِّي اليوم بحسب اسم القدِّيس أو الذي يسبقه أو يليه.كل الرُّوس يطلقون أسماء القدِّيسين على الأطفال. رأيتُ بنفسي سائقي القطارات ينـزلون على رصيف محطَّة القطار وينحنون أمام الأيقونة الموجودة على الرصيف ثم يكملون مسيرتهم بالقطار. بل وحتى سائقو التاكسي يرشمون الصليب عندما يمرُّون أمام الأديرة والكنائس، والأيقونة تُقدِّس المنـزل وتُكرِّسه وتُخصِّصه, وهى تُذكِّر الرُّوس دائمًا أنَّ الله ليس مغلَقًا عليه داخل الكنيسة, بل هو موجود في كل مكان“.

الأيقونات والأيام الـ 117 تعطي الأولويَّة لله في روسيا القديمة، هل يمكنهم الآن عمل ذلك؟ ألم نُخلَق لهذا الغرض؟

رائد الفضاء بَظ ألدرن Buzz Aldrin

هناك أمثلة لا تُحصى عمَّا يحدث للناس عندما لا يطلبون ملكوت الله وبره أولاً، ويسعون وراء أهدافٍ أقل. قال رائد الفضاء الشَّهير “بظ ألدرن” إنَّه جعل الهبوط على سطح القمر هو الهدف الأعظم لحياته, بل وأصبح لهذا الهدف الأولويَّة الأولى بل وأيضًا الوحيد في حياته. الأولوية رقم واحد. وبعد تحقيق هذا الهدف ـ كما قال ألدرن ـ لم يوجد شيء أكثر باقيًا في حياته ليعمله. اجتاز ألدرن شعورًا بالإحباط بشكل كبير, فانصرف إلى شرب الخمر وشعر بالاكتئاب. هذا بالفعل ما يحدث لنا عندما نستبدل الله بأهداف أخرى غير ملكوت الله وبرِّه, وعندئذٍ نشعر بخيبة أمل شديدة. كان هناك قصد إلهي في هذا الشعور بالخيبة الذي انتاب رائد الفضاء “بظ ألدرن” وآخرين مثله عندما فشلوا في أنْ يجعلوا لله الأولويَّة في حياتهم. هذا الإحباط ليس هو إلاَّ من الله نفسه يقول لنا إنَّنا نسعى إلى الشبع في المكان الخطأ. يستخدم الله مثل هذا اليأس ليدعونا للرجوع إليه عن طريق التوبة, وعندما نجد الله، نجد الحياة. هذا ما كتبه القديس يوحنا الرسول: «مَن له الابن فله الحياة, ومَن ليس له ابن الله فليست له الحياة» (1يو 12:5).

 

هل الله هو الأول في حياتك؟ ج1 – الأب أنتوني م. كونيارس

Exit mobile version