كيف نوفق بين روايات إنكار بطرس للمسيح؟ متى 26: 34 ومرقس 14: 30 ولوقا 22: 34 ويوحنا 18
اختلاف التفاصيل لا يصنع تناقضًا بل يعطينا صورة كاملة للإنكار الثلاثي

تُثار شبهة حول روايات إنكار بطرس للمسيح، لأن الأناجيل تختلف في بعض التفاصيل: متى ولوقا يذكران أن بطرس سينكر المسيح ثلاث مرات قبل أن يصيح الديك، بينما مرقس يذكر أن ذلك سيكون قبل أن يصيح الديك مرتين. كما تختلف الروايات في الأشخاص الذين وجهوا الاتهام إلى بطرس، وفي مكان كل إنكار، وفي الألفاظ التي استخدمها بطرس. فهل هذه اختلافات متناقضة؟ أم أنها شهادات متعددة يمكن جمعها في سرد واحد متماسك؟
لا يوجد تناقض. فقول متى ولوقا إن بطرس سينكر المسيح قبل صياح الديك لا يناقض قول مرقس إن ذلك سيكون قبل صياح الديك مرتين، لأن من صاح مرتين يكون قد صاح مرة على الأقل. ومرقس يضيف تفصيلًا أكثر دقة، بينما متى ولوقا يذكران الصورة المختصرة. كذلك اختلاف الأشخاص والأماكن في روايات الإنكار لا يعني تناقضًا، بل يوضح أن بطرس واجه أكثر من سؤال واتهام في أكثر من موضع، وأن الإنكارات الثلاثة كانت مراحل متصاعدة في ليلة المحاكمة.
الشبهة
قال الرب يسوع لبطرس في متى:
الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ دِيكٌ تُنْكِرُنِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ.
متى 26: 34
أما مرقس فيورد النبوة بصورة أكثر تفصيلًا:
فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ، قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ مَرَّتَيْنِ، تُنْكِرُنِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ.
مرقس 14: 30
ولوقا يذكر المعنى في صورة أقصر:
فَقَالَ: أَقُولُ لَكَ يَا بُطْرُسُ، لاَ يَصِيحُ الدِّيكُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ تُنْكِرَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَعْرِفُنِي.
لوقا 22: 34
فيقول المعترض: هل قال يسوع إن بطرس سينكره قبل صياح الديك، أم قبل أن يصيح الديك مرتين؟ ثم عند سرد الإنكار نفسه، لماذا تختلف الروايات في الأشخاص الذين اتهموا بطرس؟ مرة جارية، ومرة رجال، ومرة قريب لعبد رئيس الكهنة. فهل نحن أمام روايات متناقضة؟
مفتاح الحل هو أن نميّز بين التناقض الحقيقي وبين اختلاف مقدار التفصيل. مرقس لا يناقض متى ولوقا، بل يضيف تفصيل «مرتين». وكذلك الأناجيل لا تعطي أربع قصص مختلفة، بل أربع شهادات جزئية عن حدث واحد، وعند جمعها نحصل على صورة أوفى لما جرى.
أولًا: صياح الديك مرة أو مرتين ليس تناقضًا
الاعتراض الأول متعلق بقول متى ولوقا «قبل أن يصيح الديك»، وقول مرقس «قبل أن يصيح الديك مرتين». لكن لا يوجد تعارض منطقي بين العبارتين. فمن الواضح أنه إذا صاح الديك مرتين، فقد صاح مرة على الأقل.
الأرجح أن يسوع ذكر التفصيل الكامل: أن الديك سيصيح مرتين قبل تمام الإنكار الثالث. أما متى ولوقا فاختصرا النبوة إلى العلامة العامة: قبل صياح الديك. وهذا طبيعي جدًا في نقل الكلام. فكاتب قد يذكر العبارة بتمام تفصيلها، وآخر يذكرها بصورتها المختصرة دون أن يغيّر معناها.
المهم في النبوة ليس عدد الصيحات في ذاته، بل الحقيقة الأساسية: أن بطرس، الذي أعلن استعداده للموت مع المسيح، سينكره ثلاث مرات في نفس الليلة قبل بزوغ الفجر.
ثانيًا: إضافة التفصيل لا تعارض الاختصار
إذا قال شاهد: «حدث هذا قبل صياح الديك»، وقال شاهد آخر: «حدث هذا قبل أن يصيح الديك مرتين»، فلا يوجد تناقض. الثاني قدّم تفصيلًا أكثر، والأول قدّم صياغة أعم.
يشبه هذا ما يحدث في قاعة دراسية: بعض الطلاب يدوّنون المحاضرة بتفصيل أكبر، وبعضهم يكتبون خلاصتها. اختلاف مستوى التفصيل لا يجعل أحدهم كاذبًا، طالما أن المعنى الأساسي واحد. وهكذا، مرقس يقدّم رواية أكثر اكتمالًا في هذه النقطة، بينما متى ولوقا يذكران العلامة العامة.
| الرواية | الصياغة | المعنى |
|---|---|---|
| متى | قبل أن يصيح ديك | الإنكار سيتم قبل علامة الفجر. |
| لوقا | لا يصيح الديك قبل أن تنكر ثلاث مرات | الإنكار الثلاثي سيتم قبل صياح الديك. |
| مرقس | قبل أن يصيح الديك مرتين | إضافة تفصيل أدق عن عدد الصيحات قبل اكتمال الإنكار. |
ثالثًا: نفس المبدأ ينطبق على روايات الإنكار نفسه
ليست المشكلة في النبوة فقط، بل أيضًا في سرد حادثة الإنكار. فكل إنجيل يذكر بعض التفاصيل التي لا يذكرها الآخرون. يوحنا مثلًا يقدّم معلومات كثيرة لا نجدها في الإزائيين، مثل دخول بطرس إلى دار رئيس الكهنة بواسطة التلميذ الآخر المعروف لرئيس الكهنة.
لكن هذا لا يعني وجود تناقض. بل تمامًا كما في التحقيقات القانونية، يجمع القاضي والشهود والباحثون أجزاء الشهادة من مصادر متعددة لكي تظهر الصورة الكاملة. قد يذكر شاهد المكان، ويذكر آخر الشخص، ويذكر ثالث صيغة السؤال، ويذكر رابع رد الفعل. هذه ليست تناقضات، بل أجزاء من الحدث نفسه.
رابعًا: دخول بطرس إلى دار رئيس الكهنة
بحسب يوحنا، دخل بطرس إلى دار رئيس الكهنة لأن تلميذًا آخر، غالبًا يوحنا، كان معروفًا عند رئيس الكهنة، فكلم البوابة وأدخل بطرس:
وَكَانَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَالتِّلْمِيذُ الآخَرُ يَتْبَعَانِ يَسُوعَ. وَكَانَ ذلِكَ التِّلْمِيذُ مَعْرُوفًا عِنْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، فَدَخَلَ مَعَ يَسُوعَ إِلَى دَارِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ. وَأَمَّا بُطْرُسُ فَكَانَ وَاقِفًا عِنْدَ الْبَابِ خَارِجًا. فَخَرَجَ التِّلْمِيذُ الآخَرُ الَّذِي كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، وَكَلَّمَ الْبَوَّابَةَ فَأَدْخَلَ بُطْرُسَ.
يوحنا 18: 15-16
بعد دخوله، جلس بطرس عند النار ليتدفأ في تلك الليلة الباردة. يقول لوقا:
وَلَمَّا أَضْرَمُوا نَارًا فِي وَسَطِ الدَّارِ وَجَلَسُوا مَعًا، جَلَسَ بُطْرُسُ بَيْنَهُمْ.
لوقا 22: 55
هذا هو المسرح الذي بدأ فيه سقوط بطرس: ليس في مواجهة رسمية أمام مجلس، بل وسط خدام وحراس وجوارٍ ورجال واقفين حول النار، بينما كان المسيح في الداخل تحت المحاكمة.
خامسًا: الإنكار الأول بدأ عند الجارية البوابة
تذكر الروايات أن أول من واجه بطرس كانت جارية. بحسب مرقس، رأته جارية من جواري رئيس الكهنة وهو يستدفئ، فنظرت إليه وقالت:
وَأَنْتَ كُنْتَ مَعَ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ.
مرقس 14: 67
ولوقا يذكر أنها تأملت فيه وهو جالس عند النار وقالت:
وَهذَا كَانَ مَعَهُ.
لوقا 22: 56
أما يوحنا فيورد سؤالها بصورة مباشرة:
أَلَعَلَّكَ أَنْتَ أَيْضًا مِنْ تَلاَمِيذِ هذَا الإِنْسَانِ؟
يوحنا 18: 17
فجاء الإنكار الأول من بطرس:
لَسْتُ أَنَا.
يوحنا 18: 17
وتسجل الأناجيل الإزائية صيغًا أخرى من نفس الرد:
لَسْتُ أَدْرِي مَا تَقُولِينَ.
متى 26: 70
لَسْتُ أَدْرِي وَلاَ أَفْهَمُ مَا تَقُولِينَ.
مرقس 14: 68
لَسْتُ أَعْرِفُهُ يَا امْرَأَةُ.
لوقا 22: 57
هذه العبارات لا تتناقض؛ بل يمكن أن تكون أجزاء من رد واحد متوتر. فعندما يُفاجأ الإنسان باتهام خطير، قد يجيب بأكثر من عبارة في نفس اللحظة: «لست أنا»، «لا أعرفه»، «لا أفهم ما تقولين».
سادسًا: بعد الإنكار الأول انتقل بطرس إلى الدهليز أو الرواق
بعد هذه المواجهة الأولى، يبدو أن بطرس شعر بالخطر، فتحرك من مكانه إلى الدهليز أو الرواق. يقول مرقس:
فَخَرَجَ خَارِجًا إِلَى الدِّهْلِيزِ، فَصَاحَ الدِّيكُ.
مرقس 14: 68
هنا يذكر مرقس الصياح الأول للديك، وهو التفصيل الذي لا يذكره متى ولوقا. وهذا ينسجم مع نبوته الدقيقة: قبل أن يصيح الديك مرتين، ينكر بطرس ثلاث مرات. الصياح الأول جاء بعد الإنكار الأول وقبل اكتمال السقوط.
سابعًا: الإنكار الثاني جاء بعد اتهامات متكررة من أكثر من شخص
في موضعه الجديد، لفت بطرس الانتباه مرة أخرى. متى يقول إن جارية أخرى رأته وقالت للذين هناك:
وَهذَا كَانَ مَعَ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ.
متى 26: 71
ومرقس يذكر أن الجارية بدأت تقول للحاضرين:
إِنَّ هذَا مِنْهُمْ.
مرقس 14: 69
ولوقا يصوغ الموقف في صورة رجل يوجه الاتهام:
وَبَعْدَ قَلِيلٍ رَآهُ آخَرُ وَقَالَ: وَأَنْتَ مِنْهُمْ.
لوقا 22: 58
ويوحنا يذكر أن الواقفين عند النار سألوه:
أَلَعَلَّكَ أَنْتَ أَيْضًا مِنْ تَلاَمِيذِهِ؟
يوحنا 18: 25
هل هذا تناقض؟ لا. من الطبيعي جدًا في مكان مزدحم أن تبدأ جارية بالكلام، ثم يلتقط آخرون الاتهام، ثم يوجهه أحد الرجال إليه مباشرة، ثم يشاركه الواقفون بالسؤال. فالإنكار الثاني لم يكن بالضرورة جوابًا على جملة واحدة من شخص واحد، بل على موجة اتهام من أكثر من شخص في فترة قصيرة.
حينئذ أنكر بطرس مرة ثانية، وبحدة أكبر:
فَأَنْكَرَ أَيْضًا بِقَسَمٍ: إِنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ الرَّجُلَ.
متى 26: 72
فَأَنْكَرَ أَيْضًا.
مرقس 14: 70
يَا إِنْسَانُ، لَسْتُ أَنَا.
لوقا 22: 58
فَأَنْكَرَ ذَاكَ وَقَالَ: لَسْتُ أَنَا.
يوحنا 18: 25
نلاحظ التصاعد هنا: الإنكار الأول كان محاولة تهرب، أما الثاني في متى صار بقسم. بطرس يدخل أعمق في السقوط.
ثامنًا: الإنكار الثالث حدث بعد نحو ساعة وبسبب لهجته الجليلية
لوقا يذكر تفصيلًا مهمًا: أن الإنكار الثالث حدث بعد نحو ساعة:
وَلَمَّا مَضَى نَحْوُ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ أَكَّدَ آخَرُ قَائِلًا: بِالْحَقِّ إِنَّ هذَا أَيْضًا كَانَ مَعَهُ، لأَنَّهُ جَلِيلِيٌّ أَيْضًا.
لوقا 22: 59
وهنا اشتدت الدائرة حول بطرس. فالبعض عرفه من لهجته، إذ قالوا:
حَقًّا أَنْتَ أَيْضًا مِنْهُمْ، فَإِنَّ لُغَتَكَ تُظْهِرُكَ.
متى 26: 73
ومرقس يذكر نفس المعنى:
حَقًّا أَنْتَ مِنْهُمْ، لأَنَّكَ جَلِيلِيٌّ أَيْضًا، وَلُغَتُكَ تُشْبِهُ لُغَتَهُمْ.
مرقس 14: 70
أما يوحنا فيضيف تفصيلًا خطيرًا جدًا: أحد الذين واجهوا بطرس كان قريبًا لعبد رئيس الكهنة الذي قطع بطرس أذنه في البستان:
قَالَ وَاحِدٌ مِنْ عَبِيدِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، وَهُوَ نَسِيبُ الَّذِي قَطَعَ بُطْرُسُ أُذْنَهُ: أَمَا رَأَيْتُكَ أَنَا مَعَهُ فِي الْبُسْتَانِ؟
يوحنا 18: 26
هذا التفصيل يشرح لماذا ذُعر بطرس في الإنكار الثالث. فالموضوع لم يعد مجرد تشابه لهجة أو اتهام عام، بل صار هناك شاهد محتمل رآه في جثسيماني، وربما يربطه بالهجوم على عبد رئيس الكهنة.
تاسعًا: الإنكار الثالث كان الأشد
في هذا الضغط الشديد، بدأ بطرس يحلف ويلعن:
فَابْتَدَأَ حِينَئِذٍ يَلْعَنُ وَيَحْلِفُ: إِنِّي لاَ أَعْرِفُ الرَّجُلَ! وَلِلْوَقْتِ صَاحَ الدِّيكُ.
متى 26: 74
فَابْتَدَأَ يَلْعَنُ وَيَحْلِفُ: إِنِّي لاَ أَعْرِفُ هذَا الرَّجُلَ الَّذِي تَقُولُونَ عَنْهُ! وَصَاحَ الدِّيكُ ثَانِيَةً.
مرقس 14: 71-72
هنا بلغ إنكار بطرس ذروته. لم يعد يقول فقط «لست أنا»، بل صار يحلف ويلعن لينفي معرفته بالمسيح. ومباشرة بعد ذلك صاح الديك ثانية بحسب مرقس، أو صاح الديك بحسب التعبير المختصر في متى ولوقا ويوحنا.
عاشرًا: نظرة المسيح كسرت قلب بطرس
ينفرد لوقا بتفصيل مؤثر للغاية: في اللحظة التي اكتمل فيها إنكار بطرس، التفت الرب ونظر إليه:
فَالْتَفَتَ الرَّبُّ وَنَظَرَ إِلَى بُطْرُسَ، فَتَذَكَّرَ بُطْرُسُ كَلاَمَ الرَّبِّ، كَيْفَ قَالَ لَهُ: إِنَّكَ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ تُنْكِرُنِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. فَخَرَجَ بُطْرُسُ إِلَى خَارِجٍ وَبَكَى بُكَاءً مُرًّا.
لوقا 22: 61-62
وهذا التفصيل لا يناقض بقية الروايات، بل يشرح عمق الانهيار الداخلي لبطرس. لم يكن بكاؤه مجرد ندم بعد سماع الديك، بل كان نتيجة اجتماع ثلاثة أمور: اكتمال النبوة، وسماع صياح الديك، ونظرة الرب إليه وهو تحت المحاكمة.
حادي عشر: تركيب الروايات الأربع في سرد واحد
عند جمع روايات متى ومرقس ولوقا ويوحنا، يمكن بناء تسلسل متماسك جدًا للأحداث:
- تنبأ يسوع أن بطرس سينكره ثلاث مرات قبل تمام علامة صياح الديك، ومرقس يضيف أن الديك سيصيح مرتين.
- تبع بطرس يسوع من بعيد بعد القبض عليه.
- دخل بطرس إلى دار رئيس الكهنة بمساعدة التلميذ الآخر المعروف عند رئيس الكهنة.
- جلس بطرس عند النار ليتدفأ.
- واجهته جارية عند الباب أو في الداخل، فسألته إن كان من تلاميذ يسوع.
- أنكر بطرس أول مرة، قائلًا إنه لا يعرفه ولا يفهم ما يقال.
- انتقل إلى الرواق أو الدهليز، فصاح الديك أول مرة بحسب مرقس.
- اتهمته جارية أخرى، ثم شارك آخرون في الاتهام، فسُئل مرة أخرى هل هو من تلاميذ يسوع.
- أنكر بطرس ثانية، وزاد الأمر إلى القسم بحسب متى.
- بعد نحو ساعة، اشتد الاتهام بسبب لهجته الجليلية، وتدخل قريب عبد رئيس الكهنة الذي رأى بطرس في البستان.
- أنكر بطرس ثالثة بلعن وحلف.
- صاح الديك ثانية، فتذكر بطرس كلام الرب.
- نظر يسوع إلى بطرس، فخرج وبكى بكاءً مرًا.
هذا التسلسل لا يجبر أي نص على معنى غريب، بل يسمح لكل شهادة أن تأخذ مكانها الطبيعي في الصورة الكاملة.
ثاني عشر: جدول يوضح الإنكارات الثلاثة
| الإنكار | المكان التقريبي | من وجّه الاتهام؟ | رد بطرس | الملاحظات |
|---|---|---|---|---|
| الأول | عند النار في الدار بعد دخوله | جارية البوابة أو جارية من جواري رئيس الكهنة | لست أنا، لا أعرفه، لا أفهم ما تقولين | بداية السقوط ومحاولة التهرب. |
| الثاني | الرواق أو قرب جماعة أخرى عند النار | جارية أخرى، ومعها بعض الواقفين أو أحد الرجال | لست أنا، لا أعرف الرجل، مع قسم بحسب متى | اتهام جماعي متزايد، وصياح أول للديك بحسب مرقس. |
| الثالث | بعد نحو ساعة، في نفس نطاق دار رئيس الكهنة | رجال من الواقفين، مع قريب عبد رئيس الكهنة | لا أعرف هذا الرجل، مع لعن وحلف | الاتهام اشتد بسبب اللهجة الجليلية ورؤية بطرس في البستان. |
ثالث عشر: لماذا تختلف أسماء الأشخاص في الروايات؟
السبب أن كل رواية تذكر جانبًا من موجة الاتهام، لا بالضرورة شخصًا واحدًا فقط. فالإنكار الواحد قد يبدأ بسؤال من جارية، ثم يتكرر من الواقفين، ثم يصاغ في فم رجل آخر. وفي جو كهذا، لا يكون المطلوب أن يذكر كل بشير كل شخص تكلم، بل أن يذكر العنصر الذي رآه مهمًا في روايته.
لذلك:
- متى يذكر جارية ثم جارية أخرى ثم الواقفين.
- مرقس يذكر جارية ثم نفس الجارية أو جارية أخرى ثم الواقفين.
- لوقا يختصر الموقف في جارية ثم آخر ثم آخر.
- يوحنا يضيف البوابة والواقفين وقريب عبد رئيس الكهنة.
هذه ليست أربع روايات متضاربة، بل شهادات تكميلية عن ليلة مليئة بالحركة والناس والأسئلة والاتهامات.
رابع عشر: لماذا لا يمكن اعتبار هذه فروقًا قانونية قادحة؟
Archer يشبّه الأمر بسماع شهادة عدة شهود في محكمة. القاضي أو هيئة المحلفين لا يتوقعون أن يقول كل شاهد نفس الكلمات بالضبط. بل إن التطابق الحرفي الكامل قد يكون علامة على التلقين. أما الشهادات الحقيقية، ففيها قدر كبير من الاتفاق في الجوهر، مع اختلافات في التفاصيل التي يلاحظها كل شاهد.
وهذا ما نجده في روايات إنكار بطرس:
- الجميع يتفقون أن يسوع تنبأ بإنكار بطرس.
- الجميع يتفقون أن الإنكار كان ثلاث مرات.
- الجميع يتفقون أن الإنكار حدث في ليلة محاكمة المسيح.
- الجميع يتفقون أن بطرس كان في دار رئيس الكهنة أو في محيطها.
- الجميع يتفقون أن صياح الديك كان العلامة التي ذكّرت بطرس بكلام الرب.
- الجميع يتفقون أن بطرس خرج منكسرًا وبكى.
أما الفروق، فهي في مقدار التفصيل: من قال السؤال؟ في أي موضع من الدار؟ ما الصيغة الدقيقة للرد؟ هل ذكر صياح الديك الأول أو اكتفى بالصياح الأخير؟ هذه فروق طبيعية في الشهادة، وليست تناقضات.
خامس عشر: البعد الروحي في القصة
ليست القصة مجرد تمرين في التوفيق بين الروايات. إنها تكشف سقوط بطرس التدريجي. بدأ بطرس قبل ذلك واثقًا بنفسه:
وَإِنْ شَكَّ فِيكَ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ أَبَدًا.
متى 26: 33
ثم قال:
وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ.
متى 26: 35
لكن في لحظة الخوف، أمام جوارٍ وخدام ورجال في دار رئيس الكهنة، سقط في إنكار متدرج: تهرب، ثم قسم، ثم لعن وحلف. ومع ذلك، لم تكن القصة نهاية بطرس، بل بداية انكساره الحقيقي. فالذي بكى بكاءً مرًا هو نفسه الذي سيُردّه المسيح لاحقًا إلى الخدمة.
وهذا البعد الروحي مهم في الرد الدفاعي: تنوع الروايات لا يهدم القصة، بل يجعلها أكثر واقعية وعمقًا. نحن لا نقرأ قصة مصطنعة، بل شهادة مركبة عن إنسان حقيقي انهار تحت الضغط، ثم ردّه المسيح بالنعمة.
هل يوجد تناقض؟
لا يوجد تناقض في روايات إنكار بطرس. اختلاف «صياح الديك» و«صياح الديك مرتين» هو اختلاف بين اختصار وتفصيل. واختلاف الأشخاص الذين اتهموا بطرس يرجع إلى أن الاتهامات جاءت من أكثر من شخص وفي أكثر من موضع. وعند جمع الروايات الأربع، نحصل على سرد واضح ومتماسك للإنكار الثلاثي.
مرقس يضيف أن الديك صاح مرتين، بينما متى ولوقا يذكران صياح الديك بصورة عامة. ويوحنا يضيف تفاصيل المكان والأشخاص. اختلاف التفاصيل لا يناقض الحدث، بل يساعدنا على تركيب صورة أوسع لسقوط بطرس وتوبته.
خلاصة دفاعية
الشبهة تفترض أن كل اختلاف في التفاصيل بين الشهود يعني تناقضًا، وهذا افتراض غير صحيح. الأناجيل الأربعة تتفق في جوهر الحدث: بطرس أنكر المسيح ثلاث مرات في ليلة المحاكمة، قبل تمام علامة صياح الديك، ثم تذكر كلام الرب وخرج وبكى. أما مرقس فيضيف تفصيل الصياح مرتين، ويوحنا يضيف تفاصيل الدخول إلى الدار وقريب عبد رئيس الكهنة، ولوقا يضيف نظرة المسيح إلى بطرس. هذه التفاصيل لا تتصادم، بل تتكامل. ومن ثم فإن روايات إنكار بطرس لا تهدد موثوقية الأناجيل، بل تقدم مثالًا قويًا على تنوع الشهادة الصادقة واتحادها في الحقيقة.
المصدر
Archer, G. L. 1982. New International Encyclopedia of Bible Difficulties. Originally published: Encyclopedia of Bible Difficulties. Zondervan’s Understand the Bible Reference Series, p. 339. Zondervan Publishing House: Grand Rapids, MI.