تخطى إلى المحتوى

هل يعلّم العهد الجديد المسالمة المطلقة وإلغاء عقوبة الإعدام؟ متى 26: 52

  • بواسطة

المحتوى

هل يعلّم العهد الجديد المسالمة المطلقة وإلغاء عقوبة الإعدام؟ متى 26: 52

وصايا المسيح للفرد لا تلغي سلطان الدولة في حفظ العدل وردع الشر

هل يعلّم العهد الجديد المسالمة المطلقة وإلغاء عقوبة الإعدام؟ متى 26: 52
هل يعلّم العهد الجديد المسالمة المطلقة وإلغاء عقوبة الإعدام؟ متى 26: 52

يستشهد البعض بقول المسيح لبطرس: “رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ”، وبوصايا العظة على الجبل عن عدم مقاومة الشر، ليقولوا إن العهد الجديد يعلّم المسالمة المطلقة، ويرفض كل استخدام للقوة، سواء في الدفاع عن المجتمع أو تطبيق العقوبة أو الحرب العادلة. لكن هل كانت وصايا المسيح تقصد إلغاء مسؤولية الدولة في حماية الناس وتنفيذ العدل؟ أم أنها تتكلم عن سلوك المؤمن الشخصي، لا عن وظيفة الحكومة في حفظ النظام؟

الإجابة المختصرة
العهد الجديد لا يعلّم المسالمة المطلقة بمعنى إلغاء سلطان الدولة أو تعطيل القضاء أو منع الدفاع الشرعي عن المجتمع. نعم، يعلّم المسيح المؤمن كفرد ألا ينتقم لنفسه، وألا يرد الشر بالشر، وأن يشهد بالمحبة والقداسة. لكن هذا لا يلغي وظيفة الدولة التي يصفها بولس في رومية 13 بأنها “خادمة الله” وتحمل “السيف” لمعاقبة فاعل الشر. لذلك لا يجوز نقل وصايا السلوك الشخصي مباشرة إلى وظيفة الدولة بحيث تُلغى الشرطة والقضاء والعقوبات.

الشبهة

قال الرب يسوع لبطرس، بعد أن استل السيف دفاعًا عنه:

رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ، لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ.
متى 26: 52

وقد يُفهم هذا الكلام عند البعض كإدانة مطلقة لكل استعمال للقوة ضد الجريمة أو العدوان، بل كرفض لعقوبة الإعدام والحرب والدفاع بالسلاح. ويستشهدون أيضًا بقول بولس:

إِذْ أَسْلِحَةُ مُحَارَبَتِنَا لَيْسَتْ جَسَدِيَّةً، بَلْ قَادِرَةٌ بِاللهِ عَلَى هَدْمِ حُصُونٍ. هَادِمِينَ ظُنُونًا وَكُلَّ عُلْوٍ يَرْتَفِعُ ضِدَّ مَعْرِفَةِ اللهِ، وَمُسْتَأْسِرِينَ كُلَّ فِكْرٍ إِلَى طَاعَةِ الْمَسِيحِ.
2 كورنثوس 10: 4-5

فهل هذه النصوص تعني أن المسيحي لا يجوز له أن يقبل أي استخدام للقوة؟ وهل يعلّم العهد الجديد إلغاء عقوبة الإعدام؟ وهل يقف ضد وظيفة الدولة في الحرب أو القضاء أو حفظ النظام؟

مفتاح فهم الشبهة
المفتاح هو التمييز بين سلوك المسيحي كفرد، ووظيفة الدولة كسلطة عامة. المسيح يمنع المؤمن من الانتقام الشخصي ومن استعمال العنف لخدمة ملكوت روحي ليس من هذا العالم، لكن العهد الجديد لا يلغي سلطان الدولة في حفظ النظام ومعاقبة الشرير وحماية المجتمع.

أولًا: أسلحة خدمة الإنجيل ليست جسدية

لا شك أن بولس، في 2 كورنثوس 10، يعلّم أن خدمة الإنجيل لا تعتمد على السيف أو الإكراه الجسدي، بل على الحق وقوة الله. فالمسيحي لا يربح النفوس بالعنف، ولا يهدم الأفكار الكاذبة بالسلاح، بل بالكرازة، والتعليم، والدفاع عن الحق، وقوة الروح.

وهذا صحيح تمامًا في مجال خدمة الإنجيل. فالمسيحية لا تُفرض على الناس بالقهر، ولا تُحمى حقيقتها بالسيوف، ولا يتحول خادم المسيح إلى مقاتل جسدي لإجبار الناس على الإيمان.

لكن السؤال الحقيقي ليس: هل يستخدم المسيحي السيف في التبشير؟ فالجواب قطعًا: لا. بل السؤال هو: هل هذه النصوص تتكلم عن وظيفة الدولة في القضاء، أو الحرب، أو حماية المجتمع من المجرمين؟ هنا يجب أن نميز بين المجالين.

ثانيًا: العظة على الجبل تتكلم عن سلوك المؤمن الشخصي

العظة على الجبل تعرض معيارًا روحيًا ساميًا لحياة ابن الله كمواطن في ملكوت الله. فهي تعلم المؤمن أن يتصرف بالمحبة والوداعة، لا بروح الانتقام الشخصي.

قال المسيح:

كُنْ مُرَاضِيًا لِخَصْمِكَ سَرِيعًا مَا دُمْتَ مَعَهُ فِي الطَّرِيقِ، لِئَلاَّ يُسَلِّمَكَ الْخَصْمُ إِلَى الْقَاضِي، وَيُسَلِّمَكَ الْقَاضِي إِلَى الشُّرْطِيِّ، فَتُلْقَى فِي السِّجْنِ.
متى 5: 25

وقال أيضًا:

وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا.
متى 5: 39

المقصود هنا ليس تعطيل القضاء أو منع الدولة من حماية الناس، بل منع الفرد من الانتقام لنفسه والدخول في دائرة رد الشر بالشر. ولذلك يقول بولس أيضًا:

لاَ تُجَازُوا أَحَدًا عَنْ شَرّ بِشَرّ. مُعْتَنِينَ بِأُمُورٍ حَسَنَةٍ قُدَّامَ جَمِيعِ النَّاسِ.
رومية 12: 17

فالمؤمن، من جهة سلوكه الشخصي، مدعو أن يشهد للمسيح بالمحبة، والغفران، واحتمال الأذى، ورفض الانتقام. وهذا هو النور الذي ينبغي أن يراه الناس في أعماله:

فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ.
متى 5: 16

ثالثًا: وصايا عدم الانتقام لا تلغي وظيفة الدولة

الخطأ الكبير هو أخذ وصايا المسيح للفرد، ثم تطبيقها مباشرة على الدولة، كأن الحكومة أيضًا يجب ألا تقاوم الشر، ولا تعاقب المجرم، ولا توقف المعتدي. لو فُهمت عبارة “لا تقاوموا الشر” بهذا المعنى السياسي والقضائي، لكان معناها إلغاء الشرطة، والمحاكم، والسجون، وكل نظام للعدالة.

وهذا يؤدي إلى فوضى كاملة، حيث يصبح المجتمع فريسة للمجرمين والعنيفين. وهذا لا يمكن أن يكون قصد المسيح؛ لأنه لا يمجد الله، بل يترك الشر بلا رادع.

إذن، العظة على الجبل لا تلغي وظيفة الدولة، بل تنظم سلوك المؤمن الشخصي. أما وظيفة الدولة فتُشرح بوضوح في رومية 13.

رابعًا: رومية 13 يثبت أن الدولة تحمل السيف بسماح الله

يقول بولس عن السلطات:

لِتَخْضَعْ كُلُّ نَفْسٍ لِلسَّلاَطِينِ الْفَائِقَةِ، لأَنَّهُ لَيْسَ سُلْطَانٌ إِلاَّ مِنَ اللهِ، وَالسَّلاَطِينُ الْكَائِنَةُ هِيَ مُرَتَّبَةٌ مِنَ اللهِ.
رومية 13: 1

ثم يقول:

فَإِنَّ الْحُكَّامَ لَيْسُوا خَوْفًا لِلأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ بَلْ لِلشِّرِّيرَةِ. أَفَتُرِيدُ أَنْ لاَ تَخَافَ السُّلْطَانَ؟ افْعَلِ الصَّلاَحَ فَيَكُونَ لَكَ مَدْحٌ مِنْهُ، لأَنَّهُ خَادِمُ اللهِ لِلصَّلاَحِ. وَلكِنْ إِنْ فَعَلْتَ الشَّرَّ فَخَفْ، لأَنَّهُ لاَ يَحْمِلُ السَّيْفَ عَبَثًا، إِذْ هُوَ خَادِمُ اللهِ، مُنْتَقِمٌ لِلْغَضَبِ مِنَ الَّذِي يَفْعَلُ الشَّرَّ.
رومية 13: 3-4

عبارة “لا يحمل السيف عبثًا” مهمة جدًا. فالسيف ليس رمزًا للسجن فقط، بل رمز لسلطان العقوبة القصوى، أي سلطان الحياة والموت في تنفيذ العدالة. بولس لا يقول إن الدولة تحمل السيف ظلمًا أو خارج قصد الله، بل يصفها بأنها “خادم الله” لمعاقبة فاعل الشر.

إذن، العهد الجديد يميز بين المؤمن الذي لا ينتقم لنفسه، والدولة التي تحمل السيف لإقامة العدل وردع الشر.

خامسًا: بولس نفسه اعترف بشرعية عقوبة الموت

عندما وقف بولس أمام فستوس قال:

لأَنِّي إِنْ كُنْتُ آثِمًا، أَوْ صَنَعْتُ شَيْئًا يَسْتَحِقُّ الْمَوْتَ، فَلَسْتُ أَسْتَعْفِي مِنَ الْمَوْتِ. وَلكِنْ إِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا يَشْتَكِي عَلَيَّ بِهِ هؤُلاَءِ، فَلَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يُسَلِّمَنِي لَهُمْ. إِلَى قَيْصَرَ أَنَا رَافِعٌ دَعْوَايَ.
أعمال الرسل 25: 11

بولس، وهو الرسول الملهم، لم يقل إن الدولة لا تملك سلطان الموت إطلاقًا. بل قال إنه لو فعل شيئًا يستحق الموت، فلا يرفض الموت. هذا اعتراف واضح بأن الدولة لها سلطان قضائي في الحياة والموت إذا كان الجرم يستحق ذلك.

وهذا ينسجم مع العهد القديم، حيث أعطى الله للحكومة البشرية مسؤولية معاقبة القتل:

سَافِكُ دَمِ الإِنْسَانِ بِالإِنْسَانِ يُسْفَكُ دَمُهُ، لأَنَّ اللهَ عَلَى صُورَتِهِ عَمِلَ الإِنْسَانَ.
تكوين 9: 6

هذا النص لا يقوم على فكرة الانتقام الشخصي، بل على قداسة حياة الإنسان لأنه مخلوق على صورة الله. لذلك فالقتل العمد ليس مجرد اعتداء على إنسان، بل انتهاك لصورة الله في الإنسان.

سادسًا: إن طُبّق “لا تقاوموا الشر” على الدولة، انهار النظام كله

لو كانت وصية المسيح في متى 5: 39 موجهة إلى الدولة بالمعنى الحرفي المطلق، فهذا يعني أن الدولة لا يجوز لها أن تقاوم المجرم، ولا أن توقف القاتل، ولا أن تمنع المعتدي، ولا أن تحاكم أحدًا، ولا أن تسجن أحدًا.

لكن هذا يتعارض مع تعليم رومية 13، ويتعارض مع أبسط وظيفة للحكومة، وهي حماية الأبرياء. فالمسيح لم يأتِ ليؤسس فوضى تمجد الشر، بل ليعلن ملكوت الله. أما الدولة، في عالم ساقط، فلها وظيفة ردع الشر وحماية الناس.

إيضاح مهم
المسيحي كفرد لا ينتقم لنفسه. أما الدولة، بصفتها سلطة عامة، فليست فردًا غاضبًا ينتقم لإهانته الشخصية، بل جهاز عدالة مسؤول عن حماية المجتمع ومعاقبة الشر. الخلط بين الاثنين هو أصل الشبهة.

سابعًا: أمثال المسيح نفسها لا تنفي العقوبة القضائية

في مثل الأمناء، يقول الملك عن أعدائه:

أَمَّا أَعْدَائِي، أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِيدُوا أَنْ أَمْلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأْتُوا بِهِمْ إِلَى هُنَا، وَاذْبَحُوهُمْ قُدَّامِي.
لوقا 19: 27

وفي مثل الكرامين الأردياء، قال المسيح عن صاحب الكرم:

يَأْتِي وَيُهْلِكُ هؤُلاَءِ الْكَرَّامِينَ، وَيُعْطِي الْكَرْمَ لآخَرِينَ.
لوقا 20: 16

لا يعني هذا أن المسيح يدعو الأفراد إلى الانتقام الشخصي، لكنه يوضح أن فكرة الدينونة والعقوبة ليست غريبة عن تعليمه. فالمسيح لا يعلّم رحمة بلا عدل، ولا محبة بلا قضاء.

ثامنًا: العهد الجديد لا يلغي عقوبة القاتل في الشريعة

يقول سفر العدد:

وَلاَ تَأْخُذُوا فِدْيَةً عَنْ نَفْسِ الْقَاتِلِ الْمُذْنِبِ لِلْمَوْتِ، بَلْ إِنَّهُ يُقْتَلُ.
العدد 35: 31

ويقول أيضًا:

لاَ تُدَنِّسُوا الأَرْضَ الَّتِي أَنْتُمْ فِيهَا، لأَنَّ الدَّمَ يُدَنِّسُ الأَرْضَ، وَعَنِ الأَرْضِ لاَ يُكَفَّرُ لأَجْلِ الدَّمِ الَّذِي سُفِكَ فِيهَا إِلاَّ بِدَمِ سَافِكِهِ.
العدد 35: 33

بحسب هذا المنطق الكتابي، القتل العمد ليس أمرًا يمكن تسويته بمجرد تعويض مالي، ولا بعقوبة رمزية، لأنه سفك دم إنسان مخلوق على صورة الله. والعهد الجديد لا يقدم نصًا يلغي هذا المبدأ من جهة مسؤولية الدولة في العدل.

ويذكر العهد القديم أن أورشليم، في أيام منسى، امتلأت بالدم البريء:

وَسَفَكَ أَيْضًا مَنَسَّى دَمًا بَرِيئًا كَثِيرًا جِدًّا، حَتَّى مَلأَ أُورُشَلِيمَ مِنَ الْجَانِبِ إِلَى الْجَانِبِ.
2 ملوك 21: 16

وكان هذا من أسباب الدينونة على يهوذا، لأن ترك الدم البريء بلا عدل يفسد الأرض والمجتمع.

تاسعًا: هل تملك الدولة حق الدفاع ضد العدوان الخارجي؟

السؤال الآخر المتصل بالمسالمة هو: هل يجوز للدولة أن تدافع عن نفسها ضد عدوان خارجي؟ وهل يجوز لها أن تستدعي مواطنيها لحمل السلاح حمايةً للمجتمع؟

في العهد القديم لا شك أن إسرائيل مارست الحرب بأمر الله في مواقف معينة، ويكفي ذكر يشوع وداود لإظهار أن الحرب لم تكن محرمة مطلقًا. لكن ماذا عن العهد الجديد؟

قول المسيح لبطرس في متى 26: 52 لا يتكلم عن واجب الدولة في الدفاع، بل عن وضع خاص جدًا: بطرس يحاول بالسيف منع القبض على المسيح، بينما المسيح جاء طوعًا ليُسلّم نفسه ويفدي العالم. لذلك قال له:

رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ، لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ.
متى 26: 52

هذا لا يلغي واجب الدولة في الدفاع عن شعبها. إنه يمنع استعمال السيف للدفاع عن المسيح في لحظة كان فيها يسلم نفسه بإرادته لفداء البشر.

عاشرًا: المسيح استخدم مثال الملك الذي يحسب كلفة الحرب

قال المسيح:

وَأَيُّ مَلِكٍ، إِنْ ذَهَبَ لِمُقَاتَلَةِ مَلِكٍ آخَرَ فِي حَرْبٍ، لاَ يَجْلِسُ أَوَّلًا وَيَتَشَاوَرُ: هَلْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُلاَقِيَ بِعَشَرَةِ آلاَفٍ الَّذِي يَأْتِي عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ أَلْفًا؟
لوقا 14: 31

لو كانت الحرب في ذاتها محرمة دائمًا وبلا أي استثناء، لكان استخدام هذا المثال صعبًا جدًا. لكن المسيح يستخدمه كصورة مفهومة لمسؤولية الملك في تقدير الموقف واتخاذ القرار. وهذا لا يعني تمجيد الحرب، لكنه يدل أن الحرب، في مستوى الدولة، ليست مساوية تلقائيًا للانتقام الشخصي المحرم على الفرد.

حادي عشر: قول المسيح لبيلاطس يميز بين ملكوته والدول الأرضية

قال المسيح لبيلاطس:

مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هذَا الْعَالَمِ، لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لاَ أُسَلَّمَ إِلَى الْيَهُودِ. وَلكِنِ الآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا.
يوحنا 18: 36

هذا النص مهم جدًا. المسيح يقول إن خدامه لا يقاتلون لمنع تسليمه، لأن ملكوته ليس من هذا العالم. لكن كلامه يتضمن اعترافًا ضمنيًا بأن الممالك التي من هذا العالم تستخدم القتال للدفاع عن سلطانها وحدودها.

إذن، سبب منع القتال في تلك اللحظة ليس أن كل قتال مرفوض مطلقًا، بل أن ملكوت المسيح في مجيئه الأول ليس ملكوتًا سياسيًا أرضيًا يُحمى بالسلاح.

ثاني عشر: المسيح تكلم عن دينونة الملك على القتلة

في مثل عرس ابن الملك، قال المسيح:

فَلَمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ غَضِبَ، وَأَرْسَلَ جُنُودَهُ وَأَهْلَكَ أُولئِكَ الْقَاتِلِينَ، وَأَحْرَقَ مَدِينَتَهُمْ.
متى 22: 7

الملك في المثل يمثل سلطانًا قضائيًا يدين القتلة. مرة أخرى، هذا لا يعلّم الفرد أن ينتقم لنفسه، لكنه يظهر أن فكرة القضاء على القتلة ليست غريبة عن منطق المسيح في أمثاله.

ثالث عشر: الحروب ستستمر إلى مجيء المسيح الثاني

قال المسيح عن الأزمنة الأخيرة:

وَسَوْفَ تَسْمَعُونَ بِحُرُوبٍ وَأَخْبَارِ حُرُوبٍ. اُنْظُرُوا، لاَ تَرْتَاعُوا. لأَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ تَكُونَ هذِهِ كُلُّهَا، وَلكِنْ لَيْسَ الْمُنْتَهَى بَعْدُ. لأَنَّهُ تَقُومُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ، وَمَمْلَكَةٌ عَلَى مَمْلَكَةٍ.
متى 24: 6-7

المسيح لا يقدّم وهمًا بأن التاريخ البشري سيبلغ مجتمعًا بلا حرب بمجرد إلغاء العقوبات أو نزع السلاح من الدول. السلام الكامل لن يتحقق إلا بسلطان المسيح عند مجيئه وملكه الكامل.

رابع عشر: العهد الجديد لا يدين مهنة الجندية في ذاتها

لو كانت الجندية في ذاتها خطية، لوجدنا في العهد الجديد دعوة صريحة للجنود المؤمنين أن يتركوا خدمتهم العسكرية. لكننا لا نجد ذلك.

بل إن المسيح مدح إيمان قائد المئة:

فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ، تَعَجَّبَ وَقَالَ لِلَّذِينَ يَتْبَعُونَ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ أَجِدْ وَلاَ فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَانًا بِمِقْدَارِ هذَا.
متى 8: 10

ولم يقل له إن عليه أن يترك خدمته العسكرية لكي يُقبل إيمانه.

وكذلك كرنيليوس، قائد المئة، كان أول الأمم الذين قُبلوا في الكنيسة بهذه الصورة الواضحة:

أَتُرَى يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَمْنَعَ الْمَاءَ حَتَّى لاَ يَعْتَمِدَ هؤُلاَءِ الَّذِينَ قَبِلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ كَمَا نَحْنُ أَيْضًا؟ وَأَمَرَ أَنْ يَعْتَمِدُوا بِاسْمِ الرَّبِّ.
أعمال الرسل 10: 47-48

لم يطلب بطرس من كرنيليوس أن يترك مهنة الجندية كشرط للمعمودية. وهذا لا يعني تبرير كل فعل عسكري أو كل حرب، لكنه يعني أن المهنة العسكرية ليست مدانة في ذاتها في العهد الجديد.

خامس عشر: بولس استخدم صورة الجندي كنموذج للالتزام

قال بولس لتيموثاوس:

فَاشْتَرِكْ أَنْتَ فِي احْتِمَالِ الْمَشَقَّاتِ كَجُنْدِيٍّ صَالِحٍ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ. لَيْسَ أَحَدٌ وَهُوَ يَتَجَنَّدُ يَرْتَبِكُ بِأَعْمَالِ الْحَيَاةِ، لِكَيْ يُرْضِيَ مَنْ جَنَّدَهُ.
2 تيموثاوس 2: 3-4

كما قال:

مَنْ تَجَنَّدَ قَطُّ بِنَفَقَةِ نَفْسِهِ؟ مَنْ يَغْرِسُ كَرْمًا وَمِنْ ثَمَرِهِ لاَ يَأْكُلُ؟ أَوْ مَنْ يَرْعَى رَعِيَّةً وَمِنْ لَبَنِ الرَّعِيَّةِ لاَ يَأْكُلُ؟
1 كورنثوس 9: 7

في هذا النص الأخير، يضع بولس الجندي بجانب غارس الكرم وراعي القطيع كمثال لمهنة لها حق في النفقة. من الصعب أن تكون الجندية شرًا في ذاتها ثم يستخدمها بولس بهذه الطريقة دون أي تحفظ.

سادس عشر: عبرانيين 11 يمدح رجال إيمان حاربوا

يقول كاتب العبرانيين:

وَمَاذَا أَقُولُ أَيْضًا؟ لأَنَّهُ يُعْوِزُنِي الْوَقْتُ إِنْ أَخْبَرْتُ عَنْ جِدْعُونَ، وَبَارَاقَ، وَشَمْشُونَ، وَيَفْتَاحَ، وَدَاوُدَ، وَصَمُوئِيلَ، وَالأَنْبِيَاءِ، الَّذِينَ بِالإِيمَانِ قَهَرُوا مَمَالِكَ، صَنَعُوا بِرًّا، نَالُوا مَوَاعِيدَ، سَدُّوا أَفْوَاهَ أُسُودٍ، أَطْفَأُوا قُوَّةَ النَّارِ، نَجَوْا مِنْ حَدِّ السَّيْفِ، تَقَوَّوْا مِنْ ضَعْفٍ، صَارُوا أَشِدَّاءَ فِي الْحَرْبِ، هَزَمُوا جُيُوشَ غُرَبَاءَ.
عبرانيين 11: 32-34

لو كانت المسالمة المطلقة تعليمًا مسيحيًا يلغي كل استعمال للسلاح في كل العصور، لكان من الصعب أن يمدح العهد الجديد رجالًا “صاروا أشداء في الحرب” و“هزموا جيوش غرباء” كأمثلة إيمان.

والكاتب لا يقول: هؤلاء كانوا أبطالًا في الماضي لكنهم اليوم يكونون خطاة بحسب شريعة المسيح. بل يضعهم ضمن سحابة شهود الإيمان.

سابع عشر: هل هذا يبرر كل حرب وكل عقوبة؟

من المهم جدًا ألا يُساء فهم الرد. القول إن العهد الجديد لا يعلّم المسالمة المطلقة لا يعني أن كل حرب عادلة، ولا أن كل حكم بالإعدام عادل، ولا أن كل دولة تستخدم السيف بطريقة مرضية لله.

فالكتاب يطالب الدولة بالعدل، ويحاسب الحكام الظالمين، ويرفض سفك الدم البريء. لكن الاعتراض المطروح ليس عن سوء استعمال السيف، بل عن أصل وجود السيف نفسه. والكتاب يثبت أن السيف، كسلطان قضائي للدولة، موجود بسماح الله لتنفيذ العدل وردع الشر.

ما لا يعلّمه الرد ما يعلّمه الرد
لا يبرر الانتقام الشخصي يؤكد أن الدولة لها وظيفة قضائية
لا يبرر الحروب العدوانية يقبل مبدأ الدفاع عن المجتمع ضد العدوان
لا يبرئ الحكام الظالمين يؤكد أن السلطة مسؤولة أمام الله
لا يجعل العنف وسيلة للكرازة يفرق بين خدمة الإنجيل ووظيفة الدولة

هل يوجد تناقض؟

لا يوجد تناقض بين قول المسيح لبطرس “رد سيفك” وبين تعليم رومية 13 عن سلطان الدولة الحامل للسيف. المسيح كان يمنع بطرس من استخدام العنف للدفاع عن ملكوت روحي وعن مسار الفداء، أما بولس فيتكلم عن وظيفة الدولة في حفظ النظام ومعاقبة الشرير.

ولا يوجد تناقض بين وصية المؤمن ألا ينتقم لنفسه وبين مسؤولية الدولة أن تنفذ العدل. الفرد مدعو إلى الغفران وعدم رد الشر بالشر، أما الدولة فمدعوة إلى حماية المجتمع وردع الجريمة.

خلاصة الفكرة
العهد الجديد يرفض الانتقام الشخصي والعنف كوسيلة للكرازة، لكنه لا يلغي سلطة الدولة في العقوبة أو الدفاع. المؤمن لا يحمل السيف ليفرض الإنجيل، لكن الدولة “لا تحمل السيف عبثًا” لأنها خادمة الله لإقامة العدل وردع الشر.

خلاصة دفاعية

إن تعليم العهد الجديد ليس مسالمة مطلقة تلغي القضاء والشرطة والدفاع، ولا هو دعوة إلى عنف شخصي أو انتقام فردي. بل يميز بين ملكوت المسيح الروحي الذي لا يُفرض بالسيف، وبين الدولة في العالم الحاضر التي تتحمل مسؤولية حفظ النظام وحماية الأبرياء.

ولذلك، فقول المسيح لبطرس في متى 26: 52 لا ينسخ رومية 13، ولا يلغي تكوين 9: 6، ولا يبطل مبدأ العدل القضائي. إنما يعلن أن تلميذ المسيح لا يدافع عن المسيح بسيف بشري، ولا يرد الشر بشر، بينما تظل الدولة مسؤولة أمام الله عن استعمال السيف بالعدل لا بالظلم.

المصدر

Archer, G. L. 1982. New International Encyclopedia of Bible Difficulties. Originally published as Encyclopedia of Bible Difficulties. Zondervan’s Understand the Bible Reference Series, p. 341. Zondervan Publishing House: Grand Rapids, MI.

هل يعلّم العهد الجديد المسالمة المطلقة وإلغاء عقوبة الإعدام؟ متى 26: 52

الوسوم: