ماذا قصد المسيح بقوله إن البشر «آلهة»؟ يوحنا 10: 34
اقتباس المزمور لا يجعل البشر آلهة بالطبيعة بل يوضح تفرد المسيح كابن الله

يُعد قول المسيح في يوحنا 10:34 من النصوص التي يكثر استخدامها لإثارة إشكال حول ألوهية المسيح. فعندما قال اليهود إن المسيح يجدف لأنه قال:
«أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ»
يوحنا 10: 30
أمسكوا حجارة ليرجموه، لأنهم فهموا أن كلامه يحمل ادعاءً إلهيًا. وفي أثناء الرد عليهم قال يسوع:
«أَلَيْسَ مَكْتُوبًا فِي نَامُوسِكُمْ: أَنَا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ؟»
يوحنا 10: 34
فهل كان المسيح يعلم أن البشر آلهة مثل الله؟ وهل كان ينفي ألوهيته عندما استشهد بالمزمور 82؟
المسيح لم يقل إن البشر آلهة بالطبيعة أو أنهم يملكون ذات جوهر الله. بل استشهد بمزمور 82 ليبين أنه إذا كان الكتاب المقدس نفسه يطلق لقبًا إلهيًا على قضاة ورؤساء اختارهم الله ليكونوا ممثلين له، فكيف يكون تجديفًا أن يعلن هو، الابن الذي قدسه الآب وأرسله إلى العالم، مكانته الفريدة كابن الله؟ فالفرق بين البشر والمسيح هو فرق جوهري: البشر ينالون مكانة روحية بالتبني والنعمة، أما المسيح فهو الابن الأزلي المرسل من الآب.
الشبهة
يقول المعترض: إذا كان المسيح هو الله حقًا، فلماذا استشهد بآية تقول:
«أَنَا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ»؟
أليس هذا يعني أن البشر أيضًا يمكن أن يكونوا آلهة، وبالتالي لا يكون لقب «ابن الله» دليلًا على ألوهية المسيح؟
المشكلة تأتي من الخلط بين استخدام كلمة «إله» كلقب وظيفي أو تمثيلي، وبين ألوهية الله الذاتية. فالكتاب المقدس قد يستخدم بعض الألفاظ الإلهية لمن يمثلون سلطان الله، لكنه لا يجعلهم مساويين لله في الطبيعة أو المجد.
أولًا: سياق كلام المسيح هو إثبات ألوهيته وليس إنكارها
قبل هذه العبارة مباشرة قال المسيح:
«أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ»
يوحنا 10: 30
وفهم اليهود لهذا الكلام واضح جدًا؛ فقد قالوا:
«لَسْنَا نَرْجُمُكَ لأَجْلِ عَمَل حَسَنٍ، بَلْ لأَجْلِ تَجْدِيفٍ، فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلَهًا.»
يوحنا 10: 33
إذن المشكلة التي واجهها المسيح لم تكن أنه قال فقط «أنا مرسل من الله»، بل أنهم فهموا أن كلامه يحمل ادعاءً إلهيًا.
ثانيًا: ماذا يعني «أنتم آلهة» في مزمور 82؟
يرجع المسيح إلى مزمور 82:6:
«أَنَا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ، وَبَنُو الْعَلِيِّ كُلُّكُمْ.»
السياق في المزمور يتحدث عن قضاة وحكام أعطاهم الله مسؤولية تنفيذ العدل والحكم باسمه. لم يكونوا آلهة حقيقيين، بل كانوا ممثلين لسلطان الله.
فالكلمة تشير إلى المكانة التي حصلوا عليها بسبب دعوتهم الإلهية، لا إلى امتلاك طبيعة إلهية.
ثالثًا: حجة المسيح هي حجة من الأقل إلى الأعظم
يقول المسيح:
«إِنْ قَالَ آلِهَةً لأُولَئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللهِ، وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ، فَالَّذِي قَدَّسَهُ الآبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالَمِ أَتَقُولُونَ لَهُ: إِنَّكَ تُجَدِّفُ؟ لأَنِّي قُلْتُ: إِنِّي ابْنُ اللهِ.»
يوحنا 10: 35-36
منطق المسيح هو:
- إذا كان الكتاب المقدس أطلق لقبًا إلهيًا على بشر بسبب خدمتهم كممثلين لله.
- فكيف يكون تجديفًا أن يعلن المسيح، الذي أرسله الآب وقدسه، أنه ابن الله؟
رابعًا: الفرق بين بنوة المؤمنين وبنوة المسيح
الكتاب المقدس بالفعل يدعو المؤمنين أبناء الله، لكن بنوتهم ليست مثل بنوة المسيح.
المؤمنون أبناء بالتبني والنعمة:
«وَإِنْ كُنْتُمْ أَبْنَاءً فَأَنْتُمْ وَرَثَةٌ أَيْضًا بِاللهِ.»
غلاطية 4: 7
أما المسيح فهو الابن الذي له علاقة أزلية بالآب:
«وَالْكَلِمَةُ كَانَ اللهَ.»
يوحنا 1: 1
فالمؤمن يصبح ابنًا لأن الله يمنحه هذه المكانة، أما المسيح فهو الابن الأزلي الذي أُرسل من الآب إلى العالم.
خامسًا: المسيح يركز على كونه المرسل من السماء
في إنجيل يوحنا يتكرر التأكيد أن المسيح هو المرسل من الآب:
- يوحنا 4:34
- يوحنا 5:23-24
- يوحنا 6:38-40
- يوحنا 8:16-18
- يوحنا 17:3
- يوحنا 20:21
فالأنبياء أيضًا أرسلهم الله، لكنهم أُرسلوا من الأرض إلى الناس. أما المسيح فيعرض يوحنا شخصه باعتباره الذي جاء من عند الآب السماوي.
سادسًا: لماذا استخدم الكتاب أحيانًا لفظ «آلهة» للبشر؟
هذا الاستخدام يشبه تعبيرات مثل:
- بنو إسرائيل.
- بنو يهوذا.
- بنو عمون.
- بنو بابل.
فالانتساب إلى شيء يدل على الانتماء أو التمثيل، وليس على امتلاك طبيعة ذلك الشيء.
وبنفس الطريقة، يمكن أن يُطلق على بعض الحكام والقضاة لقب «آلهة» لأنهم يمثلون سلطان الله في القضاء، وليس لأنهم صاروا كالله في الجوهر.
هل يوجد تناقض؟
لا يوجد تناقض. المسيح لم يستخدم مزمور 82 ليقول إن البشر مثل الله، بل ليكشف ضعف اعتراض اليهود: فإذا كان الكتاب نفسه يستخدم لقبًا إلهيًا بشكل تمثيلي لمن اختارهم الله، فليس تجديفًا أن يعلن المسيح مكانته الخاصة كابن الله.
قول المسيح «أنتم آلهة» لا يساوي بين البشر والله، بل يشير إلى مكانة أعطاها الله لبعض خدامه كممثلين لسلطانه. أما المسيح فمكانته مختلفة تمامًا: هو الابن الذي قدسه الآب وأرسله، وليس مجرد إنسان نال لقبًا رمزيًا.
خلاصة دفاعية
اقتباس المسيح من مزمور 82 لا يقلل من ألوهيته، بل على العكس يؤكد منطقه. فهو لم يقل إن البشر آلهة بالطبيعة، وإنما أظهر أن الكتاب يستخدم ألفاظًا عظيمة لمن نالوا سلطانًا بالنعمة، فكم بالحري هو الذي لم ينل مكانته بالتبني بل هو الابن الأزلي المرسل من الآب. الفرق بين المؤمن والمسيح ليس فرق درجة فقط، بل فرق طبيعة ومصدر.
المصدر
Archer, G. L. 1982. New International Encyclopedia of Bible Difficulties. Zondervan Publishing House: Grand Rapids, MI. p. 373.