تفسير كورنثوس الثانية 7 – الأصحاح السابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير كورنثوس الثانية 7 – الأصحاح السابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير كورنثوس الثانية 7 – الأصحاح السابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير كورنثوس الثانية 7 – الأصحاح السابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

الاصحاح السابع

لنموت معكم،
ونعيش معكم!

في استطراد يتحدث الرسول بولس مع شعبه ليكشف لهم عن مفهوم الحب الأبوي الصادق، فهو مستعد أن يموت معهم ويعيش معهم. هذا الحب لا يقوم على عواطف بشرية مجردة، وإنما على شهوة الالتقاء معًا كأسرة واحدة في حضن اللَّه. ما يفرح قلب الرسول بولس هو توبتهم وخلاصهم وتمتعهم بالمجد الأبدي.

تعزى الرسول بتوبة شعبه عندما سمع من تيطس عن توبتهم وتعزيات اللَّه لهم. فقد فرح تيطس نفسه إذ استراحت نفسه بهم (13:7) وفرح معه وبه الرسول بولس. راحة الخادم فى تعزيات شعبه الإلهية بالتوبة الصادقة.

١. تقدم في القداسة ١.

٢. لنموت معكم ونعيش معكم ٢-٣.

٣. أخبار معزية وسط الضيق ٤-٧.

٤. حزن التوبة وحزن العالم ٨-١١.

٥. الحب غاية كتابته ١٢.

٦. تعزيات وأفراح مشتركة ١٣-١٦.

١. تقدم في القداسة

إذ يكشف الرسول بولس عما في قلبه من تهليلٍ بسبب توبتهم يؤكد لهم إن غاية إيمانه وكرازته أن يتمتع هو وكل الشعب بالحياة المقدسة في الداخل والخارج. أن يسلك الكل في طريق القداسة في خوف اللَّه.

“فإذ لنا هذه المواعيد أيها الأحباء،

لنُطهر ذواتنا من كل دنس الجسد والروح،

مكمّلين القداسة في خوف اللَّه” [1].

يشير هنا إلى الوعود الإلهية التي سبق الحديث عنها في الآيات السابقة وهي أن يكون اللَّه لهم إلهًا وهم له شعبًا (١٦:٢)، ويكون لهم أبًا وهم يكونون له بنين وبنات (١٨:٢)، وأن يقبلهم متى اعتزلوا النجاسة (١٧:٢).

يلزمنا الاهتمام بطهارة الجسد والروح، لأن اللَّه القدوس يتمجد في الجسد كما في النفس، في الإنسان ككل. مادمنا نود تحقيق الوعد الإلهي أن يكون اللَّه لنا أبًا يلزمنا أن نسعى نحو الكمال والقداسة لأنه هو الكامل القدوس.

يطالبنا بولس الرسول بالهروب ليس فقط من دنس الجسد بل “من كل” دنس الجسد، حتى نوجد في قداسة الروح، في مخافة الرب باسم يسوع المسيح. لأن من يمنع نفسه عن الرذائل لكن ليس في المسيح، لا يصير طاهرًا وبارًا فيه.

  • نجد هنا تعليمًا بأن ندهش من أجل هبات اللَّه غير المنطوق بها في المسيح يسوع وبخوف أعظم أن نتطهر من كل دنس الجسد والنفس[1].

القديس باسيليوس الكبير

  • قدم لنا اللّه في حنو محبته وصايا مطهرة، حتى أننا، إن أردنا، نقدر بمراعاتنا للوصايا أن نتطهر، لا من الخطايا فحسب، بل ومن الشهوات أيضًا، لأن الخطايا شيء والشهوات شيء آخر.

فالشهوات هى الغضب والزهو وحب الملذات والكراهية والشهوات الدنسة وما شابه ذلك. أما الخطايا فهي تنفيذ هذه الشهوات عمليًا، بمعنى أن الإنسان بجسده ينفذ الأعمال التي تثيرها فيه شهواته. فالإنسان يمكن أن تكون له شهوات ولكنه لا يخرجها إلى حيز التنفيذ.

كانت الشريعة (في العهد القديم) تهدف إلى تعليمنا عدم صنع ما لا نريده لأنفسنا، وبالتالى حرمت علينا مجرد التنفيذ العملى للشر.

أما الآن (في العهد الجديد)، فإننا مطالبون بطرد الشهوة ذاتها، التي تدفعنا نحو الشر. فنطرد البغضة ذاتها ومحبة الملذات وحب الكرامة وغير ذلك من الشهوات[2].

  • ليتنا نتخلص من قذارة الخطية، فيظهر الجمال الأول الذي للفضيلة. يقول داود النبي في المزمور: “يا رب بجمالك أعطيت جمالي قوة” (مز 8:29). لنتطّهر حتى تظهر صورة اللَّه فينا، وهذا هو ما يريده اللَّه منّا، أن نكون بلا دنس ولا نقص ولا عيب[3].

القديس دوروثيؤس

مخافة الرب هي رأس الحكمة وأساس الحياة المقدسة، فإن اللَّه القدوس يعمل في خائفيه الذين يترجون رحمته.

يلتزم المؤمن أن يهرب من كل ما يدنس جسده سواء العين أو الأذن أو اليد أو البطن خلال النهم والزنا والكسل، وأيضًا ما يدنس النفس سواء الاستمتاع بمديح الآخرين أو الغضب الخ. هذا من الجانب السلبي وأما الجانب الإيجابي فهو التمتع بمخافة الرب كأبناء يحرصون على مشاعر أبيهم القدوس. بهذا يتمتع المؤمن بفكر المسيح، ويسلك في طريق القداسة ليتمتع بكمالها.

  • إن أراد أحد أن ينال حب اللّه، فليكن فيه مخافة الرب، لأن الخوف يولِّد بكاء، والبكاء يولد قوة. وإذا ما كملت هذه كلها فى النفس، تبدأ النفس تثمر فى كل شيء. وإذ يرى اللّه فى النفس هذه الثمار الحسنة، فإنه يشتمها رائحة بخور طيبة، ويفرح بها هو وملائكته، ويشبعها بالفرح، ويحفظها فى كل طرقها حتى تصل إلى موضع راحتها دون أن يصيبها ضرر.

إذ يرى الشيطان الحارس العلوى العظيم يحيط بالنفس، يخاف أن يقترب منها أو يهاجمها بسبب هذه القوة العظيمة.

إذًا، اقتنوا هذه القوة حتى ترتعب الشياطين أمامكم، وتصير أعمالكم سهلة، وتتلذذوا بالعمل الإلهى، لأن حلاوة حب اللّه أشهى من العسل.

حقًا أن كثيرين من الرهبان والعذارى فى المجامع، لم يتذوقوا هذه الحلاوة الإلهية، ولم يقتنوا القوة الإلهية، ظانين أنهم قد نالوها، بالرغم من عدم جهادهم. أما من يجاهد لأجلها فينالها حتمًا خلال المراحم الإلهية، لأن اللّه لا يحابى الوجوه.

فمن يريد أن يكون له نور اللّه وقوته، يلزمه أن يستهين بكرامات هذا العالم ودنسه، ويبغض كل أمور العالم ولذة الجسد، وينقى قلبه من كل الأفكار الرديئة. ويقدم للّه أصوام ودموعًا ليلاً ونهارًا بلا هوادة كصلوات نقية، عندئذ يفيض اللّه عليه بتلك القوة.

اجتهدوا أن تنالوا هذه القوة، فتصنعوا كل أعمالكم بسهولة وُيسر، وتصير لكم دالة عظيمة قدام اللّه، ويهبكم كل ما تطلبونه[4].

القديس أنبا أنطونيوس

  • الحب نسل عدم الشهوة، وعدم الشهوة هو زهرة الحياة العاملة التى تقوم بدورها بتنفيذ الوصايا.

مخافة الرب هو الحارس لممارسة الوصايا، وهو ثمرة الإيمان السليم.

الاعتقاد (الإيمان النظرى العقلى البحت) هو صلاح النفس الداخلي، وهو غالبًا ما يوجد حتى عند الذين لا يؤمنون باللّه (إيمانًا عمليًا)[5].

القديس مار أوغريس

  • يقول يوحنا: “المحبة الكاملة تطرد الخوف إلى خارج” (1 يو 8:4)، فلماذا يقول النبي الطوباوي داود: “اتقوا (خافوا) الرب يا قديسيه” (مز 93:4)؟

هذا يكشف عن نوعين من الخوف:

النوع الأول أولي، والنوع الثاني خوف كامل.

الأول يخص المبتدئين، والثاني يخص القديسين الكاملين الذين بلغوا إلى قامة الحب الكامل.

فمن يطيع إرادة اللّه بسبب خوفه من العذاب يكون خوفه مبتدئًا. وأما الذي ينفذ إرادة اللّه بسبب حبه للّه لكي يرضيه، وقد بلغ بهذا الحب إلى الخوف الكامل. وبواسطة هذا الخوف (الكامل) يخاف لئلا يفقد تلك البهجة التي يتمتع بها بوجوده مع اللّه ويخشى لئلا يخسرها. هذا هو الخوف الكامل، المولود من الحب، الذي يطرد الخوف البدائي إلى الخارج[6].

القديس دوروثيؤس

٢. لنموت معكم ونعيش معكم

“اقبلونا، لم نظلم أحدًا،

لم نفسد أحدًا،

 لم نطمع في أحد” [2].

يسأله أن يحبوه كما هو يحبهم، وأن يقبلوه كرسولٍ، فقد أكد لهم أنه مُرسل من قبل اللَّه، وأنه أمين في عمله الرسولي.

يطلب الرسول من شعبه أن يقبلوه ولا يستخفوا به وبالعاملين معه، وهو لا يعني قبول أشخاصهم، بل قبول الإنجيل الذين يكرزون به. إنه ليس لدى الكورنثيين أي سبب لعدم قبولهم الخدام.

كان الرسول بولس حريصًا ألا يعثر أحدًا، وكما جاء في حديثه مع قسوس كنيسة أفسس: “فضة أو ذهب أو لباس أحد لم أشته” (أع ٣٣:٢٠). وهاهنا يقول: “لم نظلم أحدًا، إذ لم نمارس عملاً قط ضد العدالة. ولم نفسد أحدًا بأي تعليم كاذب أو فكر موذٍ. ولم نطمع في أحد إذ لم نشته شيئًا مما لأحد، ولم نطلب أمرًا زمنيًا.

  • هذه هي سمة الخادم الحقيقي، فنسمع صموئيل النبي يقول لشعبه: “هأنذا فاشهدوا عليِّ قدام الرب وقدام مسيحه: ثور من أخذت؟ وحمار من أخذت؟ ومن ظلمت؟ ومن سحقت؟ ومن يد من أخذت فدية لأغضي عيني عنه فأرد لكم؟ (١صم ٣:١٢).

كأنه يقول لهم انظروا ماذا فعل بكم المعلمون الكذبة؟ لقد ظلموكم وأفسدوا فكركم وخدعوكم.

“اقبلونا” (اجعلوا لنا موضعًا فيكم make room for us)، أي لتحبونا. يقول: “من طردنا؟ من استبعدنا من قلوبكم؟[7]

القديس يوحنا الذهبي الفم

“لا أقول هذا لأجل دينونة،

لأني قد قلت سابقًا أنكم في قلوبنا،

لنموت معكم ونعيش معكم” [3].

لم يكتب هذا لينتقدهم أو يدينهم، وإنما ليفتح عيونهم فيميزوا بين الرسل الحقيقيين والخدام الأمناء وبين المعلمين الكذبة. فإنه لا يستطيع الكذبة أن يقولوا هكذا أن الشعب في قلوبهم، يموتون معهم ويعيشون معهم.

أراد الرسول بولس أن يتحققوا بأي فكر يتحدث معهم. إنه بالتأكيد يود أن يدرك مدى اتساع قلبي، فإنه ليس فقط لم يطمع في اقتناء شيء من أحدٍ، إنما يجد مسرته في دخول الكل إلى قلبه، فيجدوا فيه الحب الفائق. يلتقوا في قلبه بمسيحه الذي يشارك البشرية آلامها لتشاركه بهجة سمواته. في قلب الرسول يدرك ترجمة عملية لشركة المسيح للمؤمنين وشركة المؤمنين لمسيحهم. إنه سفير المحبوب يسلك بروحه.

  • إنه يظهر حنوًا عظيمًا حتى حين يُعامَل باستخفاف. إنه يختار أن يموت وأن يحيا معهم… إن حلََّ الخطر، فمن أجلكم مستعد أن أحتمل كل شيءٍ. ليس الموت ولا الحياة ذات قيمة في ذاتهما عندي، فمن أجلكم أفضل الموت عن الحياة والحياة عن الموت[8].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • من يُقدم لأجل ترشيحه للكهنوت يلزم أن يكون كموسى… حتى عندما يُصب على الشعب الموت المرهب لبعض العصاة يتقدم ليكون هو بين الموت والحياة، لكى لا يهلك أحد من شعبه.
  • الإنسان الذي له روح الكهنوت وفكره هو ذاك الذي بكونه راعيًا صالحًا يتقدم للموت من أجل قطيع الرب بروح ورعة. بهذا يكون (كموسى) في كسر شوكة الموت، وصد قوته، وازالته الى أبعد الحدود.

الحب هو العضد الذي يزكيه، مقدمًا نفسه للموت من أجل مقاوميه[9].

 القديس أمبروسيوس

  • أيها المعلم شفيع الأسرار الإلهية تكلم بالحب…

الذي يعلم ولا يحب يرتدع بالسكوت،لأنه باطلاً يتعب بتصنيف الكلام غير المربح. الماهر العظيم إن شاء أن يربح سامعيه فليحب كثيرًا ويتكلم قليلاً مع تلاميذه.

  • الملابس التي يرتديها الكاهن داخل بيت المقدس هي الحب المبسوط على ضميره عندما يقترب. إكليل الكاهن يكرز للشعب: ان هذا هو الحب الذي يربط جميع الصالحات، والقادر أن يدخل الى اللَّه[10].

مار يعقوب السروجي

٣. أخبار معزية وسط الضيق

“لي ثقة كثيرة بكم،

لي افتخار كثير من جهتكم،

قد امتلأت تعزية،

وازددت فرحًا جدًا في جميع ضيقاتنا” [4].

من جهته فإن حبه لهم بلا حدود، يموت معهم ويعيش معهم، أما من جهتهم فمحبتهم له اعطته ثقة عظيمة ليكتب بكل جرأة وصراحة، وهو معتز بحبهم له ويفتخر بها. محبتهم ملأت قلبه بالتعزية وسط ضيقاته وآلامه، جعلته متهللاً جدًا. إنه أب ينسى كل أتعابه حين يرى أولاده محبين له، يفتحون قلوبهم له.

جاء تعبير “ازددت فرحًا جدًا” Huperperisseuomai يحمل معنى الفرح الذي لا يُعبر عنه، وهو فعل يوناني يندر جدًا استخدامه، لم يستخدم في كل العهد الجديد.

كان الرسول بولس مقتنعًا بسبب الطريقة التي تجاوب بها الكورنثيون لتوبيخه لهم في رسالته الأولى، مما شجعه أن ينصحهم مرة أخرى. أوضح أن تجاوبهم هذا أعطاه تعزية فامتلأ فرحًا بالرغم منن كل الأحزان التي تحل به. إنه يتعزّى وسط تجاربه وضيقاته، إذ يُسرّ من أجل خلاصهم.

تجاوب الشعب بالتوبة قدم للرسول بركات لا حصر لها، منها الاتي:

 * ثقة في شعبه أنه شعب اللَّه المختار.

 * افتخار واعتزاز بعمل اللَّه فيه وفيهم.

 * تعزية ملأت كل فراغٍ في داخله.

 * فرح عظيم لن تقدر الضيقات أن تحطمه.

توبة الشعب هي سند للكاهن، موضع اعتزازه وتعزيته وفرحه بنعمة اللَّه العاملة فيهم خلاله. هي علامة الحب للَّه وخدامه الأمناء.

تكريم الشعب للكاهن يتجلى بقوة خلال التوبة حيث تتهلل نفس الكاهن وتستريح بخلاص اخوته في الرب.

كثيرا ما كان القديس يوحنا ذهبي الفم يطالب شعبه بالتعبير عن حبهم له لا بالتهليل والتصفيق بل بالتوبة اليومية والطاعة للوصية الالهية.

  • إنني لست في حاجة إلى مديح أو تصفيق أو صخب أو ضجيج!

إني أطلب شيئًا واحدًا، ليتكم تصغون إليه في هدوء وتعقل: إفعلوا ما اقوله! هذا هو مديحكم لي. هذا هو ثناؤكم علي…

نحن لسنا هنا في مسارح للتمثيل، ولا ترون أمامكم ممثلين تصفقون لهم. هنا مدرسة روحية، نظهر فيها طاعتنا بأعمالنا[11].

  • ما حاجتي إلى هذا التصفيق، علامة الفرح والاعجاب؟

المديح الذي أرجوه منكم أن تظهروا أقوالي معلنة في أعمالكم، فأصير إنسانًا سعيدًا[12].

القديس يوحنا ذهبي الفم

“لأننا لما أتينا إلى مكدونية لم يكن لجسدنا شيء من الراحة،

بل كنا مكتئبين في كل شيء،

من خارج خصومات،

من داخل مخاوف” [5].

كان الرسول بولس المتسم بالفرح الدائم يعاني من نوع من الكآبة بسبب الاضطهادات الخارجية من اليهود والأمم ومن المعلمين الكذبة ومخاوفه على الشعب في الداخل. فقد ترك بولس أفسس وذهب إلى ترواس حيث توقف إلى حين ثم جاء إلى مكدونية حيث كتب هناك هذه الرسالة. كان يترقب مجيء تيطس ليخبره عن ثمر رسالته الأولى، وإذ تأخر صار في كآبة.

  • كان على الرسول بولس أن يحارب ليس فقط أعداءً خارجيين بل وأعداءً في الداخل في شركة مع الكنيسة. لقد خشي أن ينحرف مؤمنون إلى أمورٍ ضارةٍ[13].

ثيؤدورت أسقف قورش

  • “كنا مكتئبين في كل شيء” كيف في كل شئ؟ حروب من الخارج من غير المؤمنين، مخاوف من الداخل من أجل الضعفاء بين المؤمنين لئلا يُفقدوا. فإن هذا لم يحدث بين الكورنثيين وحدهم بل وفي مواضع أخرى[14].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“لكن اللَّه الذي يُعزّي المتضعين

عزّانا بمجيء تيطس” [6].

كيف تعزى بولس؟ ينسب الرسول تعزيات قلبه الداخلية أولاً إلى اللَّه الذي يسكب تعزياته على المتواضعين، وبعد ذلك ينسبه إلى مجيء تيطس الذي قدم تقريرًا مفرحًا عن ثمر رسالته الأولى في حياة الكنيسة في كورنثوس. لقاؤه مع تيطس فرِّح قلبه فقد كان الرسول يعتز جدًا بالصداقة، خاصة مع العاملين في ملكوت اللَّه على الأرض. إنه يتطلع إلى تيطس كابن خاص عزيز لديه جدًا، وشريك معه في ذات الإيمان (تي ٤:١). أما الأخبار التي حملها فقدمت تعزيات أعظم بكثير من تعزيات الصداقة الشخصية. ما أبهج قلب الرسول جدًا هو توبتهم وحزنهم الذي يجلب فرحًا في الرب. وكما يقول سليمان الحكيم: “من يوبخ إنسانًا يجد أخيرًا أكثر من المطري باللسان” (أم ٢٣:٢٨).

يرد الرسول التعزية لا إلى الصداقة مع تيطس ولا إلى أخبار كورنثوس مفرحة، لكن إلى اللَّه إله كل التعزيات كمصدر كل تعزية وكل صلاح.

يرى البعض أن مجيء تيطس أعطى راحة لبولس الرسول لأن الإنسان المتألم يجد تعزية حينما يجد أحدًا مخلصًا يقترب إليه.

يرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص أن الرسول بولس يستخدم هنا كلمة “يُعزّي” لتشير إلى قوة اللَّه واهبة الشفاء[15].

“وليس بمجيئه فقط،

بل أيضًا بالتعزية التي تعزى بها بسببكم،

وهو يخبرنا بشوقكم ونوحكم وغيرتكم لأجلي،

حتى إني فرحت أكثر” [7].

سرّ التعزية:

أولاً: مجىء تيطس إليه كابنٍ وصديقٍ وعاملٍ معه.

ثانيًا: جاء متهللاً بتعزيات إلهية بسبب موقف أهل كورنثوس الروحي البنِّاء.

ثالثًا: كشف عن شوقهم أن يروا الرسول بولس، وأن يصححوا من أخطائهم السلوكية والعقيدية والكنسية.

رابعًا: كشف عن حزنهم على ما سبق أن ارتكبوه.

خامسًا: غيرتهم على مساندة الرسول في كرازته وخدمته.

٤. حزن التوبة وحزن العالم

“لأني وإن كنت قد أحزنتكم بالرسالة لست أندم مع إني ندمت،

فإني أرى إن تلك الرسالة أحزنتكم ولو إلى ساعة” [8].

لقد كان الرسول مترددًا بعد كتابته الرسالة الأولى، إذ لم يكن يود بعثها بهذا الحزم. كأنه يقول لهم: “لقد الزمتموني بالكتابة بهذا الأسلوب مع شوقي الشديد إلى الترفق بكم والحنو وإظهار كل حب”. ومع أنه ندم بعد بعثها إليهم لكنها أثمرت بتوبتهم فلم يندم بل فرح بالثمر المتكاثر الذي جناه. هذا ما عناه بقوله “لست أندم مع إني ندمت”

الآن ليس وقت للحزن، فقد حزنتم ولو إلى ساعة، وقد حان وقت الفرح المشترك. أنا حزنت لأني كتبت لكم بحزمٍ، وأنتم حزنتم على ما فعلتموه، ها نحن نتعزى معًا ونفرح الآن معًا. حزنتم إلى حين ها أنتم ونحن نفرح إلى الأبد بخلاص الرب وعمله معكم.

“الآن أنا أفرح لا لأنكم حزنتم،

بل لأنكم حزنتم للتوبة،

لأنكم حزنتم بحسب مشيئة اللَّه،

لكي لا تتخسَّروا منّا في شيء” [9].

حزنكم للتوبة ولِّد تغييرًا شاملاً في الفكر والسلوك. حزن العالم يحطم النفس ويفسد السلام ويضعف الجسد، أما حزنكم فحزن التوبة الذي جدد ما في داخلكم، وأبهج الكل، ولم يسبب أدنى خسارة بسببنا.

كم كانت فرحة الرسول بولس بتوبتهم، لقد جددت طاقات الرسول الذي كان حزينًا على بعث الرسالة إليهم. تهللت نفسه بتوبتهم للخلاص المفرح.

  • هنا يعلمنا بولس أن هذا النوع من الحزن له قيمته الذي غايته هو اللَّه لا العالم. يقول إنه بالحق قد صرتم حزانى إذ تشعرون بالتوبة أمام اللَّه… لاحظوا أولئك الذين كانوا في العهد القديم حزانى في وسط أتعابهم الجسيمة. والذين نالوا نعمة، بينما الذين وجدوا بهجتهم في الملذات استمروا تحت العقوبة. لهذا فإن العبرانيين الذين تنهدوا في أنين في أعمال مصر (خر 23:2) نالوا نعمة الأبرار، والذين أكلوا خبز الحزن والخوف تمتعوا بالصلاح الروحي[16].

القديس أمبروسيوس

“لأن الحزن الذي بحسب مشيئة اللَّه ينشئ توبة لخلاص بلا ندامة،

وأما حزن العالم فينشئ موتًا” [10].

يميز الرسول بين نوعين من الحزن:

أولاً: حزن حسب مشيئة اللَّه، حزن بسبب كسر للوصية الإلهية. هذا الحزن المقدس هو من أجل التمتع ببهجة الخلاص. فلا يستريح الإنسان التائب حتى يجد موضعًا في الأحضان الإلهية خلال عمل المسيح الخلاصي، فيرتفع قلب التائب إلى السماء.

ثانيًا: حزن العالم الذي يقوم على فقدان بعض أمور العالم المادية أو المعنوية، سواء كانت ممتلكات أو حقوق زمنية أو كرامة أرضية. هذا الحزن يحطم النفس ويسبب هزالاً للجسم مع أمراض، يدفع إلى الموت والهلاك الزمني والأبدي.

هنا يقدم الرسول مفهومًا إنجيليًا رائعًا للحزن حسب مشيئة اللَّه، فإنه يدفع إلى التوبة بمعنى الرجوع إلى أحضان اللَّه لا اليأس، ويولد إصلاحًا وتجديدًا مستمرًا، ويصحبه سلام اللَّه وفرح داخلي. فلا يندم الإنسان أو يحزن على ممارسته للحزن المقدس.

  • يقول انه يوجد أكثر من نوع من الحزن، الواحد حزن العالم والآخر حزن حسب مشيئة اللَّه. حزن العالم ينشئ موتًا، بينما الحزن الآخر ينشئ توبة للخلاص. فإنه بالتأكيد متى ناحت نفس على حياتها الشريرة لأنها تشعر بآثارها الشريرة، مثل هذا الألم لا يمكن نزعه عن الحزن الذي يُدعى مطوبًا[17].
  • ليس شيء يرد القلب إلى الحكمة مثل الحزن، وليس شيء أعذب من الحزن الورع[18].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

  • الذي يحزن حسب اللَّه يحزن في توبةٍ عن خطاياه، ويحزن على شروره فيجلب عدلاً. أولاً دع ما لا يسرّك حتى يمكنك أن تصير على ما أنت ليس عليه[19].
  • إني وجّهت أذنيّ إلى صلاة هذا الإنسان، وسمعته يقول: اللَّهم ارحمني، اشفي نفسي فإني أخطأت إليك (مز7:108). إنه يندب خطاياه؛ إني أعرف الحقل، إني أتطلع إلى الثمرة. شكرًا للَّه. فإن الحفر في مكانٍ صالح، فإنه ليس بالعمل غير النافع، إنه ينتج ثمرة. حقًا إنه وقت للحزن المثمر، حتى نحزن على حال موتنا، وعلى كثرة التجارب، وهجمات الخطاة الخاطفة السرية، الاصطدام ببين الرغبات، الصراع بين الأهواء التي تتمرد دومًا على الأفكار الصالحة. لهذا فلنحزن ونكتئب على هذا الحال[20].

القديس أغسطينوس

في وسط بهجة قيامة المسيح المتألم المصلوب يحدثنا القديس أغسطينوس عن هذا الحزن الصالح الذي يراه حقلاً مثمرًا، يثمر بهجة سماوية.

  • على أي الأحوال إني أتعجب كيف أن اللَّه الذي من البداية قدم للبشرية الألم النابع عن الخطية، أنه ينزع هذا القرار بحكم وقرار بحله. اسمع الآن: الخطية تنتج ألمًا، وخلال الألم تبطل الخطية. تطلّع بحرصٍ. اللَّه يهدد المرأة، يجلب عليها العقوبة بسبب عصيانها، ويخبرها: “بالوجع تلدين أبناء” (تك 16:3). أظهر الألم كحصادٍ للخطية. على أي الأحوال أي سخاءٍ هو هذا! فإنه يحوّل العقوبة ذاتها التي قدّمها إلى خلاصٍ. الخطية تلد ألمًا، والألم يحطم الخطية. وذلك كما أن شجرة تلد دودة تقوم هي نفسها بإبادة الشجرة عينها. هكذا الألم الذي تلده الخطية يقتل الخطية حين يرافقه بالتوبة…

الألم صالح للذين يتوبون بإخلاص. الحزن الذي يتبع الخطية يناسب الذين يخطئون”.

لتحزن على الخطية فلا تنتحب على العقوبة. اعتذر للقاضي قبل امتثالك في المحكمة. أما تعلم أن كل الذين يرغبون في ملاطفة القاضي يفعلون ذلك ليس عندما تقدم القضية، بل قبل دخولهم إلى المحكمة، أو خلال الأصدقاء او بطرق أخرى بها يلاطفون القاضي؟

نفس الأمر بالنسبة للَّه، فإنك لا تقدر أن تقنع الديّان خلال وقت المحاكمة. إنه يمكنكم أن تترافعوا مع الديّان قبل وقت الدينونة[21].

  • التوبة نار تلتهم كل ضعف بشري، تنزع التهاون والكسل وثقل الجسد، وتعطي للنفس جناحًا تطير به نحو السماء، وتظهر لها خلال هذه القمّة المرتفعة بطلان هذه الحياة الحاضرة.

من لا يرتفع إلى مركز المراقبة لا يستطيع أن يلتقط صورة صادقة للأرض ومحتوياتها. فإن أمورًا كثيرة تظلم مجال الرؤية وتصم الأذنين وتلعثم اللسان. لهذا يليق بالإنسان أن ينتزع نفسه من هذا الصخب، ويبتعد عن الدخان، ويدخل إلى الوحدة ليجد السلام العميق والهدوء والسكون مع الاستنارة.

عندما تركز الأعين على حب اللَّه، ولا تعود تسمع الأذن إلا كلماته وكأنها سيمفونية روحية عذبة، تصبح النفس أسيرة (اللَّه) تشعر بتقزز من الطعام والنوم.

حقًا أن ضجة العالم والاهتمامات المادية تنزلق على النفس لكنها لا تدخل إليها، وبارتفاع النفس هكذا لا تعود تبالي بفرقعات العواصف الأرضية.

وكما أن سكان الجبال لا يعودون يسمعون أصوات المدينة ولا يرون ما يدور فيها، إنما يحسبون هذه كلها أشبه بضجيج مبهم، هكذا الذين تركوا العالم بإرادتهم وانطلقوا يطيرون في مرتفعات الفلسفة (الحكمة) لا يعودون يدركون شيئًا عن أحوال العالم، لأن كل حواسهم متجهة نحو السماء.

إذن لنبحث لا عن وحدة البرية فحسب، إنما عن وحدة الرغبة الداخلية. لنختبئ فوق أعلى قمة النفس حيث لا يسكن فيها شيء أرضي.

إن قوة التوبة كمثل هواء يطرد الغبار ويكتسح الشهوات أسرع من الدخان.

القديس يوحنا ذهبي الفم

“فإنه هوذا حزنكم هذا عينه بحسب مشيئة اللَّه كم أنشأ فيكم من الاجتهاد،

بل من الاحتجاج،

بل من الغيظ،

بل من الخوف،

بل من الشوق،

بل من الغيرة،

بل من الانتقام،

في كل شيء أظهرتم أنفسكم أنكم أبرياء في هذا الأمر” [11].

يكشف الرسول بولس عن ثمار الحزن المقدس، ألا وهي:

أولاً: الاجتهاد أو الاهتمام العملي بالنفوس لكي تتمتع بالحياة المقدسة في الرب. الاجتهاد في التمتع ببركات الطاعة للوصية الإلهية، والتخلص من كل فساد لحق بها بسبب الخطية.

  • تنقسم الفضيلة الى أمرين: ترك الشر وفعل الخير. الانسحاب من الشر ليس كافيًا لبلوغ الفضيلة، إنما هو بداية الطريق الذي يقود اليها ، لا تزال تبقى هناك حاجة لنشاط عظيم[22].
  • ان نزعت الأشواك وتركت الحقل عاطلاً يعود فيمتلئ أعشابًا غير نافعة. إذن الضرورة ملحة لشغل الحقل وزرع البذور الصالحة والنباتات المفيدة.

 لنطرد الغضب ونصنع الشفقة.

 لننزع كل مرارة ونثبت الحنان.

 لنستبعد الحقد والسخط ونزرع التسامح عوضًا عنهما[23].

القديس يوحنا الذهبي الفم

ثانيًا: الاحتجاج والغيظ، بمعنى رفض التجاوب مع أية خطية تسللت إلى الجماعة. التوبة تولد ثورة مقدسة ضد الفساد.

  • اندم على إثمك طالما لا يزال في القلب، قبل أن يصبح فعلاً. نقِ ضميرك وليقم الميت في بيت الضمير. أما إذا خرج الاثم من الفكر إلى الفعل فلا تيأس. فإن الميت لا يقوم وهو في داخل البيت بل وهو محمول على الاكتف.

القديس أغسطينوس

ثالثًا: الخوف على المشاعر الإلهية الأبوية، فيود التائب أن يلتزم بعلاقات الحب المقدسة مع اللَّه، ولا يجرحها بأية خطية ظاهرة أو خفية. كما يعني هنا الخوف من أن يحزن قلب الرسول بولس الذي يطلب خلاصهم.

  • يليق بك أن تظل على هذا الصليب حياتك كلها لأنه لا مجال لنزع الصليب في هذه الحياة التي قيل عنها في المزمور “اللهم، سمرْ خوفك في لحمي” (مز 130:119)

للجسد ميول لحمية، والمسامير هي وصايا عدلك، ومخافة الرب هي التي ترفعك على الصليب وتجعلك قربانًا مقبولاً لديه تثبت الجسد بالمسامير…

عشْ دومًا هنا، فإن أردت ألا تغوص في وحل الأرض فلا تنزل عن الصليب .

القديس أغسطينوس

رابعًا: الشوق نحو الالتقاء باللَّه والتمتع بالشركة معه، وشوقهم للرسول بولس الذي كان حازمًا معهم في رسالته الأولى.

  • هلم الى المسيح؛ ففيه غايتك وما دونه طريق…

ليكن مخلصك غاية تتوق إليها يا من لم تُدعى للارض بل للسماء. إنك لست مدعوًا لسعادةٍ أرضية بل لسعادة سماوية… لحياة مع الملائكة إلى الأبد.

ليكن فاديك هو آخر ما تصبو إليه وتتوق، فهو رجاؤك وقوتك…

اركض وراءه فتستريح، فقد جاء المسيح إليك لكي تتبعه…

اركض الآن لتفرح فيما بعد في الوطن.

القديس أغسطينوس

خامسًا: الغيرة على قدسية الكنيسة والعمل الكرازي الذي يقوم به الرسول.

سادسًا: الانتقام من عدو الخير إبليس، أو من الخطية لا الخاطي.

بسلوكهم أظهر أهل كورنثوس أنهم أبرياء hegnous ليس فقط بمعنى أنهم لا يحملون روح التمرد والعصيان عليه والمقاومة، ولا أنهم متشبثون بأخطائهم وسلوكهم الشائن، وإنما أنهم بلا لوم من جهة سعيهم لإزالة الفساد والخطأ. هذا لا يعني أنهم أبرياء بلا سلوك خاطئ تمامًا، لكن جادون في الإصلاح وفي الاهتمام بخلاص نفوسهم وإرضاء اللَّه.

البعض وهم يتوبون يخشون أن يخطئوا مرة أخرى. لكن الإنسان الذي يعرف أنه قد تشوّه بواسطة الخطية يشتاق أن يُصلح نفسه. الإنسان الذي يعرف أنه يُنتهر لأجل صالحِه يبدأ يختبر الغيرة ليدخل إلى الكمال في الأعمال الصالحة.

  • من يثير حزنًا صالحًا فينا هو المحسن إلينا[24].

القديس باسيليوس الكبير

  • يحدثهم عن الصفات التي تعمل فيهم خلال الغيرة. “كم أنشأ فيكم من الاجتهاد بل الاحتجاج” للدفاع عني. “بل من الغيظ” نحو الذي يخطئ. “بل من الخوف” لأنه بالحق الغيرة الزائدة والتصحيح السريع هما من عمل الذين يخافون. ولئلا يبدو أنه يمجد نفسه انظر كيف أنه يخفف من هذا بسرعة قائلاً: “نعم أي شوق عندكم من نحوي“. “نعم أية غيرة” لأجل اللَّه. “نعم، أي انتقام، لأنكم تدافعون عن شرائع اللَّه التي انتهكت[25].

القديس يوحنا الذهبي الفم

٥. الحب غاية كتابته

“إذًا وإن كنت قد كتبت إليكم فليس لأجل المذنب،

ولا لأجل المذنب إليه،

بل لكي يظهر لكم أمام اللَّه اجتهادنا لأجلكم” [12].

أظهر القديس بولس بكل وضوح أن المغفرة يلزم منحها للذين أخطأوا ليس فقط من أجلهم هم أنفسهم، وإنما أيضًا لأجل الكنيسة، لأنه عندما يخطئ شخص يسبب تعبًا لكثيرين.

أوضح الرسول غايته من الرسالة الأولى بخصوص الشاب الذي ارتكب الخطأ مع امرأة أبيه مبينًا أنه لم يرتكب ذلك لكي يعاقب الشاب المخطئ، ولا لكي يهدئ من الأب الذي أخطأ ابنه في حقه، وإنما ما يشغله هو قداسة الكنيسة كلها. كتب لأجل الكل وليس لأجل إنسانٍ معين أو آخر. إنه ليس بالقاضي الذي يحكم على هذا أو ذاك، إنما الرسول الذي يهتم بخلاص كل أحدٍ وتقديس الجماعة كلها.

  • يلمح هنا إلى أمر أبعد، وهو كما اننا تحدثنا بكل الأمور بينكم بالحق (ربما يقصد هنا مديحه لتيطس أمامهم) هكذا ما قلناه عنكم لتيطس ظهر أنه حق.[26]

القديس يوحنا الذهبي الفم

٦. تعزيات وأفراح مشتركة

“من أجل هذا قد تعزّينا بتعزيتكم،

ولكن فرحنا أكثر جدًا بسبب فرح تيطس،

لأن روحه قد استراحت بكم جميعًا” [13].

كثيرًا ما يكشف الرسول في هذه الرسالة عن شركة الحب وشركة الفرح كما عن شركة الحزن. فإذ تعزوا بالتوبة تعزى هو معهم ؛ وإذ قادهم الحزن حسب مشيئة اللَّه إلى الفرح فرح بالتالي تيطس وفرح بولس جدًا لفرح تيطس. سرّ فرح تيطس أن نفسه استراحت بجميعهم أو بقداسة الكنيسة وخلاصها.

“فإني إن كنت افتخرت شيئًا لديه من جهتكم لم أخجل،

بل كما كلّمناكم بكل شيء بالصدق

كذلك افتخارنا أيضًا لدى تيطس صار صادقًا” [14].

لم يخجل الرسول من إبراز اعتزازه بأهل كورنثوس وافتخاره بهم إمام تلميذه تيطس. لا يقوم هذا الافتخار على مجاملات بشرية ولا كنوعٍ من المداهنة، بل على الصدق والحق الإنجيلي، إذ يقوم على اهتمامهم بخلاص أنفسهم ونموهم روحيًا.

“وأحشاؤه هي نحوكم بالزيادة متذكرًا طاعة جميعكم

كيف قبلتموه بخوفٍ ورعدةٍ” [15].

أحشاؤه هو نحوكم بالزيادة” تعبير يكشف عن فرحه الشديد، سرّه طاعته للرسول بولس في الرب، وحبه المتزايد نحوهم كرد فعلٍ لمحبتهم للرسول بولس. هذا بجانب قبولهم لتيطس في وقارٍ شديدٍ كمن له سلطان من قبل الرب المخوف.

يقول بولس الرسول أن ذهن تيطس وعاطفته كانا يهتمان بهم، إذ لاحظ تقدمهم، لأن ذهن القديس يهتم بكل ما هو صالح.

“أنا افرح إذًا إني أثق بكم في كل شيء” [16].

واضح أن الرسول بولس مقتنع تمامًا بصدق توبتهم، وقد انعكس فرح تيطس بهم على الرسول بولس ففرح بدوره واطمأنت نفسه في ثقة أنه لن تستطيع رياح التعاليم الكاذبة ولا مثيرات المعلمين الكذبة أن تهزهم.

كان الرسول بولس مسرورًا ليس فقط من أجل الحل الصالح للمشكلة، لكن أيضًا من أجل الأعمال الصالحة التي بها يصلحون ممارستهم السابقة القديمة. هذا هو السبب الذي لأجله كان له ثقة كاملة فيهم.

  • ليست كثرة الخطايا هي التي تجلب اليأس للبشر، إنما فساد نيتهم…

ليس السقوط في ذاته خطيرًا، إنما بالأحرى يكمن الخطر في البقاء فى حالة السقوط!

الجرح في ذاته لا يميت، إنما بالأكثر إهمال الجريح للعلاج!

لا أقول هذا لكي تهملوا، إنما لكي تكفوا عن اليأس”.

له أيضًا تعبير رائع في التشجيع علي الجهاد في طريق التوبة والفضيلة بغير يأس: “عندما تبدأون في الإصلاح فإنكم وإن كنتم تعصون شريعتكم مرة ومرتين وثلاثا وعشرين مرة، لا تيأسوا. قوموا من جديد، استعيدوا نشاطكم مرة أخري فإنكم بالتأكيد منتصرون[27].

القديس يوحنا الذهبي الفم

 

من وحي 2 كو 7

احملني بالحب اليك،

فأحمل بالحب اخوتي!

v وعودك الالهية تتلألأ أمام عيني.

ُترى متى تتحقق في كمالها؟

متى التقى بك فتحملني إلى حجالك.

هناك أدرك بهاء قداستك !

قل كلمة فيهرب كل دنس من نفسي كما من جسدي.

قل كلمة فأتمتع مع اخوتي بالحياة المقدسة.

قل كلمة فنعيش جميعًا فيك يا أيها القدوس.

  • سمرْ خوفك في لحمي فاشتهى القداسة.

يدخل بي إلى حبك فابلغ إلى أحضانك.

مخافتك هي طريق الحب!

مخافتك هي طريق القداسة!

  • هب لي أن أخدم اخوتي.

لا أطمع إلا في حملهم إلى عرشك بروحك القدوس.

أحملهم بالحب، فأحيا معهم وأموت معهم

أرتدى ثياب الحب، ثياب الكهنوت الخفية.

بها أستطيع الدخول إلى قدس الأقداس,

وبدونها لن أقدر على اللقاء معك.

  • هب لهم محبتهم لي,

يكرمونني بتوبتهم لك، والتصاقهم بك.

أراهم في حضنك دومًا ينمون ,

فتمتلئ نفسي ثقة ويقينا بخلاصهم.

أفتخر بعملك في حياتهم.

تنسكب تعزيات الروح عليَّ.

افرح بالحق ولا يقدر حتى الموت

أن يحطم فرحي بهم!

  • هب لي أن أتلمس حزن توبتهم.

يحزنون على خطاياهم، وأنا أحزن معهم.

أنا شريك معهم في الضعف.

ليفرحوا ببهجة خلاصهم،

فاشترك معهم في بهجتهم وأتََعزى.

بعمل روحك القدوس فيهم وفيّ.

  • ليكن لي ولهم حزن التوبة المثمر.

أمد يدي فأقطف من شجرة التوبة.

ثمارًا هذه عذوبتها.

أقطف اجتهادًا في التمتع ببرك.

فيلتهب قلبي ثورة ضد الفساد.

اقتني مخافتك التي تحملني إلى حبك الإلهي.

يزداد شوقي الى الشركة معك،

وحنيني إلى رؤياك.

أحمل غيرتك على مقدساتك.

أخيرا اقتني أسلحة البرّ لأحطم إبليس عدوي الخطير.

هذه ثمار حزني المفرح!

هذا هو عمل روحك فيَّ وفي كل شعبك.

الذي يهبنا تعزية سماوية، ويستريح هو فينا.

لأقطف مع كل شعبك ثمر التوبة،

فنسير معًا في موكب نصرتك.

[1] Concerning Baptism 1:2.

[2] الفيلوكاليا، 1993، ص 177.

[3] تأملات في مديح للقديس غريغوريوس النزينزي.

[4] Letter, 9.

[5] الفيلوكاليا، 1993، ص 142.

[6] الفيلوكاليا، 1993، ص 187.

[7] In 2 Cor. hom 14. PG 61: 537.

[8] In 2Cor. hom 14. PG 61: 538.

[9] الحب الرعوي، ص 458.

[10] الحب الرعوي، ص 458-460.

[11] In Matt. Hom 17:6.

[12] Statues, Hom 2:10.

[13] PG 82:418.

[14] In 2 Cor. hom 14. PG 61: 540.

[15] Against Eunomius, 2:14.

[16] Paradise 15:77.

[17] The Beatitude, sermon 3. (ACW)

[18]. In Ephes., hom. 24.

[19] Easter Season 254:2.

[20] Easter Season 254:4.

[21] Hom. On Repentance and Compunction 7:6:19.

[22] In Thess, Hom., 5.

[23] In Eph., Hom. 16.

[24] The Long Rules, 52.

[25] In 2Cor. hom 16. PG 61: 552.

[26] In 2Cor. hom 16. PG 61: 555.

[27] In 1 Cor. Hom. 88.

تفسير كورنثوس الثانية 7 – الأصحاح السابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل مرقس 7 الأصحاح السابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل مرقس 7 الأصحاح السابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل مرقس 7 الأصحاح السابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل مرقس 7 الأصحاح السابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح السابع

الحياة الداخلية

جاء السيد المسيح إلى العالم لكي يدخل بنا إلى إنساننا الداخلي، فلا نهتم بالشكليات الخارجية والمظاهر، إنما نطلب تجديد إنساننا العميق، لهذا وبخ المهتمين بالوصايا في شكلها دون روحها.

  1. 1. السيد المسيح والغسلات 1-23.
  2. شفاء ابنة المرأة الفينيقية 24-30.
  3. شفاء أصم أعقد 31-37.
  4. السيد المسيح والغسلات

لام الفريسيون تلاميذ السيد المسيح لأنهم رأوا بعضًا منهم يأكل بأيدٍ غير مغسولة، وقد شرح الإنجيلي كيف كان اليهود يهتمون بغسل الكؤوس والأباريق وآنية النحاس والأسرة وكل ما يأتي من السوق، متمسكين بتقليد الشيوخ.

لم ينتقد السيد المسيح الغسل في ذاته، لكنه انتقد الانشغال به على حساب الغسل الداخلي، والاهتمام بتقاليد حرفية على حساب الوصية في أعماقها، إذ أجابهم “وقال لهم: حسنًا تنبأ إشعياء عنكم أنتم المرائين كما هو مكتوب: هذا الشعب يكرمني بشفتيه، وأما قلبه فمبتعد عني بعيدًا. وباطلاً يعبدونني وهم يعلمون تعاليم هي وصايا الناس. لأنكم تركتم وصية الله وتتمسكون بتقليد الناس: غسل الأباريق والكؤوس وأمورًا أخر كثيرة مثل هذه تفعلون. ثم قال لهم: حسنًا رفضتم وصية الله لتحفظوا تقليدكم” [6-9].

ويلاحظ في حديث السيد المسيح الآتي:

أولاً: يقدم السيد المسيح لكل إنسان ما يحتاج إليه، فعندما جاءته الجموع البسيطة تحمل المرضى إلى الأسواق مشتاقة أن يلمسوه فيُشفون، وهبهم سؤل قلبهم، وكل من لمسه شُفي (6: 56)، أما جماعة المتعلمين أي الفريسيون فقد جاءوا لا لينالوا شيئًا بل ليتصيدوا أخطاء، فقدم لهم أيضًا ما يحتاجون إليه، إذ كشف لهم جرحهم العميق ليطلبوا طبيبًا قادرًا على شفاء جراحات نفوسهم.

ثانيًا: هاجم السيد المسيح تمسك اليهود بالشكليات القاتلة تحت ستار الحفاظ على التقليد، إذ كانوا أشبه بمن يكرمون الرب بشفاهم، أما قلوبهم فمبتعدة عن الله. وقد سبق لنا في دراستنا “الأرثوكسية والتقليد” التمييز بين التقليد الحرفي القاتل الذي يناقض الوصية ويعثر النفس في انطلاقها في الروحيات نحو السماويات وبين ما حمله التقليد من تراث روحي أصيل أو تدبير تعبدي جميل كالليتورجيات اليهودية بما حملته من تسابيح ومزامير الخ.، الأمور التي لم يعارضها السيد ولا تلاميذه، بل كانوا يذهبون إلى الهيكل ويشتركون مع اليهود في عبادتهم، وإن كان بمفهوم مسيحي جديد.

لكي نعرف لماذا انتقد السيد المسيح هذه الغسلات اليهودية يلزمنا أن نوضح ما قاله بعض الدارسين أنها لم تكن بهدف صحي، وإنما إجراءات طقسية حرفية، فعندما يغسل اليهودي يديه للتطهير يأتي بماء في آناء حجري طاهر طقسيًا، ثم يرفع الشخص يديه إلى أعلى ويصب عليها كمية من الماء، ثم يعود فيخفضهما إلى أسفل ويصب كمية أخرى من الماء من على المعصمين لتنزل إلى الأصابع فيطهّر طقسيًا.

وكان اليهودي يعتقد أنه ما لم يفعل ذلك وبدقة يمتلكه روح نجس اسمه شيبتا، ثم يُصاب بالفقر والهلاك. ومن شدة تمسك اليهود بهذا الطقس قيل أنه حينما رفض أحد المعلمين ممارسته دُفن عند موته في مقابر الهراطقة، وعندما سُجن أحد الربيين في سجن روماني كان يستخدم الماء المحدود في تطهير يديه مفضلاً ذلك عن الشرب حتى مات من العطش. وقد قدمت المشناه[1] أنواعًا كثيرة من طقوس الغسلات اليهودية.

بلا شك نقد الفريسيين لتلاميذ السيد المسيح بخصوص عدم غسلهم الأيادي قبل الأكل كان مجرد مثل يقدمونه، إذ كان الفريسيون في ريائهم لا يطيقون التلاميذ المتحررين من هذا الرياء. الإنسان الحرفي لا يطيق الفكر الروحي بل يقاومه، محولاً حياته إلى مناقشات غبية وعقيمة!

ثالثًا: اتهمه الفريسيون بأن تلاميذه يكسرون لا وصية الله بل تقاليد الشيوخ، أما هو فكشف لهم خلال الناموس والأنبياء أنهم يسلكون بالرياء، ويكسرون الوصية، ويحتاجون بالحق إلى طبيبٍ قادر أن يخلصهم من دائهم. فقد قدم لهم مثلاً خطيرًا لانحرافهم، إذ يسمحون للشخص أن يمتنع عن إعالة والديه بحجة أن ما يقدمه لهما قد سلمه قربانًا لله. بهذا يكون قد كسر وصية الله الخاصة بإكرام الوالدين يسنده في ذلك تقليد الشيوخ الخاطيء لكي يزداد إيراد الهيكل ويكون للقادة نصيبًا ماديًا أعظم. كأن هذا التقليد جاء لا ليخدم الوصية الإلهية ويسندها بل يقاومها ويحطمها.

إذ يظنون في أنفسهم أنهم حراس الناموس أكد لهم أنهم يبطلون كلام الله وناموسه خلال تقليدهم الخاطيء. وإذ يفتخرون أنهم يحفظون النبوات قدم لهم نبوة إشعياء النبي عنهم: “هذا الشعب يكرمني بشفتيه وأما قلبه فمبتعد عني” [6] (إش 29: 13 الترجمة السبعينية).

إذ كشف للفريسيون والكتبة جراحاتهم الداخلية “دعا كل الجمع، وقال لهم: اسمعوا مني كلكم وافهموا. ليس شيء من خارج الإنسان إذا دخل فيه يقدر أن ينجسه، لكن الأشياء التي تخرج منه هي التي تنجس الإنسان. إن كان لأحد أذنان للسمع فليسمع” [14-16]. كشف لهم السيد المسيح مفهوم النجاسة الحقيقية، هذا المفهوم الذي لم يكن ممكنًا لليهودي أن يتقبله ما لم تصر له الأذن الروحية القادرة أن تدرك الروحيات مرتفعة فوق الحرف. فقد عاش اليهودي يهتم ألا يتنجس بمأكولات محرمة (لا 11) ولا يلمس ثيابًا دنسة أو متاعًا دنسًا أو يسكن بيتًا نجسًا الخ.

كان في ذهن اليهودي قائمة طويلة مرعبة لما ينجسه، وقد جاء السيد يكشف عن جذور النجاسة التي تمس الحياة الداخلية لا المظاهر الخارجية. “لأنه من الداخل من قلوب الناس تخرج الأفكار الشريرة: زنى فسق قتل. سرقة طمع خبث مكر عهارة عين شريرة تجديف كبرياء جهل. جميع هذه الشرور من الداخل وتنجس الإنسان”[21-23]. هذه القائمة للرذائل يقدمها لنا العهد الجديد دائمًا للتحذير، كالقائمة التي في رو 1: 29-31، وأيضًا التي في غل 5: 13-19.

هذه القائمة لا تحتاج إلى توضيح، غير أن كلمة “طمع” هنا في اليونانية تعني “يريد أكثر”، أي لا يشبع، وكلمة “خبث” تعني “الأعمال الشريرة”، وهي سمة من يفرح في مصائب الآخرين، لذلك يدعى إبليس بالخبيث، “والمكر” يعني “يوقع في الفخ”، وأخيرًا يقصد بالجهل الحماقة الروحية.

 رابعًا: يرى البعض في أكل التلاميذ الطعام بأيدٍ غير مغسولةٍ إشارة إلى بسط أيديهم للعمل الكرازي بين الأمم الذين تطلع إليهم اليهود كشعوب دنسة غير مقدسة.

خامسًا: إن كان السيد قد انتقد هؤلاء الفريسيين في اهتمامه بالشكل دون الجوهر الداخلي، لهذا لاق بنا نحن كمسيحيين أن نهتم بالأعماق الداخلية، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يلزم أن يكون اهتمامنا بسلوكنا عظيمًا، لماذا؟ لأنه يجب ألا يكون اجتماعنا المستمر هنا مجرد اجتماع ندخل إليه، وإنما يلزم أن نحمل بعض الثمار على الدوام. فإن أتيتم وخرجتم بلا ثمر يكون دخولكم بلا نفع… إن كنتم تشتركون في الترنم بمزمورين أو ثلاثة وتمارسون الصلوات كيفما كان، فهل تظنون أن هذا كافٍ لخلاصكم[2]؟]

سادسًا: يرى بعض الدارسين أن هذا التعليم الذي قدمه السيد المسيح للفريسيين والكتبة كما للجموع إنما يمثل مقدمة لائقة للقصة التالية الخاصة بشفاء ابنة الفينيقية، إذ أراد السيد أن يؤكد أنه لا يوجد شعب طاهر وشعب نجس، إنما الحاجة إلى القلب الطاهر الداخلي.

  1. شفاء المرأة الفينيقية

لم يسترح السيد لهؤلاء الذين يعيشون حسب الشكل الخارجي، الذين بلا روح وبلا أعماق داخلية، لذلك “قام من هناك ومضى إلى تخوم صور وصيدا” [24]، أي ترك خاصته وذهب إلى منطقة الأمم، وكأنه يعلن أن خاصته قد فقدته بشكلياتها، بينما يتمتع به الغرباء خلال شعورهم بالحاجة إليه.

يقول الإنجيلي: “ودخل بيتًا وهو يريد أن لا يعلم أحد، فلم يقدر أن يختفي[24]. لماذا دخل سرًا ولم يرد أن يعلم به أحد؟ ربما لأنه لم يحن بعد وقت الكرازة بين الأمم، إنما جاء هذه الدفعة كعربون فقط، وكرمز لتركه خاصته وانطلاقه للأمم. ويرى بعض الدارسين أن السيد وقد رأى الفريسيين يلومون تلاميذه لأنهم يأكلون بأيدٍ غير مغسولة، فكم بالأكثر عندما يجدون المعلم نفسه يدخل إلى شعب في نظرهم دنسًا، وينعتونه بأنهم “كلاب!

لم يقدر السيد أن يختفي لأن امرأة كنعانية “كان بابنتها روح نجس سمعت به، فأتت وخرت عند قدميه” [25]. وكأن السيد قد أراد أن يعلن لتلاميذه كيف أغلق اليهود ضد أنفسهم أبواب محبته بالرغم مما قدمه لهم، بينما جاء الأمم إليه خاضعين ومؤمنين بالرغم من دخوله إليهم سرًا. ولكي يكشف لهم بالأكثر إيمان الأمم به تمنع في البداية عن العطاء، قائلاً لها: “دعي البنين أولاً يشبعون، لأنه ليس حسنًا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب” [27]. فجاءت إجابة المرأة تشهد أن البنين طرحوا خبزهم بينما من حسبهم اليهود كلابًا استحقوا خبز البنين بتواضعهم وإيمانهم.

حمل هذا الحوار عتابًا من السيد موجهًا لليهود، فمن جانب أنه جاء ليقدم لهم خبز البنين، لكنهم رفضوا الخبز السماوي، ومن جانب آخر احتقروا الأمم حاسبين إياهم دنسين كالكلاب، مع أنهم بالإيمان يتمتعون بما لا يتمتع به البنون.

كشف هذا الحوار عن حكمة الكنعانية فإنها لم تهاجم دعوة الأمم ككلاب، وإنما في حكمة قالت بأنه وإن حُسبت هكذا فهي تطمع في التمتع بالفتات الساقط من مائدة أربابها، فأعلنت أن أبناء هذا العالم أحكم من اليهود الجاحدين.

يرى بعض الدارسين أن كلمة “كلاب” هنا في اليونانية تعني “Pups”، نوعًا من الكلاب تستخدم كدمية لطيفة وليست كلاب الحراسة الشرسة، الأمر الذي يخفف من المعنى. هذا وأن لهجة الحديث ونبرات صوته بلا شك كانت جذابة فتحت الباب للكنعانية لتكمل الحوار، فإن كثير من العبارات التي تبدو قاسية في تسجيلها كتابة، إذ تُقدم بطريقة لطيفة تخفف من حدتها.

على أي الأحوال، لم يكن سهلاً على اليهود قبول الكرازة بين الأمم، لكن السيد المسيح هنا يفتح الباب لهم، حتى يمكن للرسولين بولس وبرنابا أن يقولا مجاهرة: “كان يجب أن تكلموا أنتم أولاً بكلمة الله، ولكن إذ دفعتموها عنكم، وحكمتم أنكم غير مستحقين للحياة الأبدية، هوذا نتوجه إلى الأمم” (أع 13: 46). مرة أخرى يقول الرسول بولس: “دمكم على رؤوسكم، أنا بريء، من الآن أذهب إلى الأمم” (أع 18: 6).

  1. شفاء أصم أعقد

يبدو أن السيد المسيح لم يرد أن يبقي كثيرًا بين الأمم حتى لا يتعثر فيه اليهود ككاسرٍ للناموس، إذ يرونه في شركة مع الأمم الدنسين، لذلك يقول الإنجيلي: “ثم خرج أيضًا من تخوم وصور وصيدا، وجاء إلى بحر الجليل في وسط حدود المدن العشر” [31].

هناك جاءوا إليه بأصم أعقد، فوضع إصبعه في أذنيه وتفل ولمس لسانه، ورفع نظره نحو السماء ثم قال له: انفتح، فانفتحت أذناه وانحل رباط لسانه.

كان هذا الأصم الأعقد عند حدود المدن العشر يحتاج إلى السيد المسيح نفسه لكي يهبه إمكانية السماع لكلمة الله والنطق بها. إن كانت المدن العشر تشير إلى الوصايا العشر أو الناموس، فإن هذا الناموس كشف ما اتسم به الإنسان كعاجزٍ عن السماع لصوت الله والتكلم بأعماله، لهذا جاء السيد يضع إصبعه في أذنيه، أي يرسل روحه القدوس الذي يُسمى إصبع الله (خر 8: 19)، ليفتح الأذن الداخلية، فتسمع الصوت الإلهي عاملاً فيها.

أما كونه قد تفل ولمس لسانه، إنما ليشير إلى عطية الحكمة الإلهية التي وهبها السيد للبشرية لكي تنطق بأعمال الله وحكمته. أما تطلع السيد إلى السماء بأناتٍ، فلكي يعلن أن ما يقدمه هو عطايا سماوية يرفضها الجسدانيون.

يختم الإنجيلي هذه المعجزة بقوله: “وبهتوا إلى الغاية، قائلين: إنه عمل كل شيء حسنًا، جعل الصم يسمعون، والخرس يتكلمون” [37]. لعله بهذه العبارة يعود بنا إلى بداية الخليقة، حيث رأى الله كل شيء حسنًا، فالذي كان يعمل في البدء لأجل الإنسان هو بعينه قد جاء ليجدد الخليقة، ويرد للإنسان بهجته وسلامه. ويرى بعض الدارسين[3] أن هذه العبارة: “عمل كل شيء حسنًا” إنما تعني: “كيف تحققت هكذا فيه النبوات حسنًا!”

[1] لمعرفة “الشناة” راجع كتابنا: الأرثوذكسية والتقليد.

[2] In Matt. hom 7: 9.

[3] Nineham, p. 202.

تفسير انجيل مرقس 7 الأصحاح السابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير كورنثوس الأولى 7 – الأصحاح السابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير كورنثوس الأولى 7 – الأصحاح السابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير كورنثوس الأولى 7 – الأصحاح السابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير كورنثوس الأولى 7 – الأصحاح السابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

الباب الثالث

 

 

 

مشاكل اجتماعية

7-10

مشاكل اجتماعية

الكنيسة في قدسيتها تهتم بوحدة الجماعة وتقديس كل عضوٍ كما بتقديس العائلة والجماعة.

عالج الرسول بولس في الإصحاحات السابقة ما سمعه من عبيد خلوي عن المشاكل التي كانت قائمة في كورنثوس، الآن يجيب على التساؤلات التي قُدمت على يدي مندوبيهم:

  1. أسئلة تدور حول الزواج والبتولية والعلاقات الجسدية الخ. (ص 7).
  2. التساؤل بخصوص الطعام المكرّس للآلهة الوثنية إن كان يجوز أكله أم لا (ص 8).
  3. حقوق الرسول والكارز بالإنجيل لدى الشعب (ص9).
  4. ما هو موقف المؤمن من الولائم في هيكل وثني؟ وما موقفه من اللحوم في السوق العام؟ وما موقفه من وليمة في بيت صديق وثني؟ (ص 10)

 

الاصحاح السابع

الزواج والبتولية

النظرة إلى الزواج والبتولية في العصر الرسولي

يجيب الرسول في هذا الإصحاح عن بعض الأسئلة التي بعث بها الكورنثوسيون إليه، منها هل يليق بالمؤمن ألا يتزوج في الظروف المعاصرة في كورنثوس؟ غالبًا ما قام بالتساؤل بعض المسيحيين الذين من أصل أممي وبعض ممن هم من أصل يهودي.

كان اليهود يرون الزواج أمرًا ضروريًا، ويحسبون من لا يريد الزواج قد ارتكب جرمًا. بينما يتطلع كثير من الفلاسفة إلى الزواج كشرٍ يجلب متاعب لا حصر لها، لكنه شر لا بد منه.

في قوانين Lycurgus كان غير المتزوجين يمنعون من مشاهدة الألعاب العامة، وفي قوانين Sportans كان غير المتزوجين يُعاقبون. وأعلن أفلاطون بأن هؤلاء لا يستحقون أية كرامة، ومع هذا وجد فلاسفة يونانيون يدافعون عن العزوبية وعدم الزواج.

أدت النظرة الخاطئة للجسد إلى تطّرفين: الأول الاستهانة به كعنصر ظلمة كله شهوات، فأسلمه هذا الفريق للزنا. والثاني دنسوا النظرة إلى العلاقات الزوجية الجسدية فنادوا بامتناع المتزوجين عن المعاشرة الزوجية.

دافع العلامة أوريجينوس، كما فعل من قبله معلمه القديس إكليمنضس السكندري، عن شرعية الزواج، ضد الإنكراتيين Encratites، الذين كان أغلبهم مرقيونيين Marcionites ومونتانيين Montanists. فيشير إليهم كـ “أتباع تعاليم الشياطين” كقول القديس بولس في 1 تي 3:4. في مرات كثيرة أشار إلى تحريمهم للزواج، ومناداتهم بالنسك (لكون بعض الأطعمة دنسة)[1]. جاء في كتابات أوريجينوس ضد المرقيونيين أنه ليس شيء خلقه اللَّه غير طاهر في ذاته. وأنه لا يتنجس شيء ما إلا بالأفكار والنيات الشريرة للبشر. إنهم يُحرمّون الزواج الذي حققته العناية الإلهية[2]. دافع أوريجينوس عن الزواج المسيحي، بصفته نموذجًا للاتحاد بين الكنيسة والمسيح.

ويمكن تلخيص ما ورد في هذا الإصحاح عن الزواج والبتولية في النقاط التالية:

ا. يعلن الرسول عن سمو الحياة البتولية [1، 8] بالنسبة لمن لم يتزوج أو البتول. فقد عاش الرسول بولس بتولاً، متفرغًا للخدمة دون تحرق. فالبتولية ليست غاية في ذاتها، بل هي تكريس الطاقات والإمكانيات للعبادة أو الكرازة. فإن كان الرسول يشتاق أن يقتدي الكل به، ذلك ليس لأن الزواج خطية، وإنما لأجل الرب لمن وُهبوا هذه العطية. “فأريد أن تكونوا بلا همّ. غير المتزوج يهتم في ما للرب كيف يرضي الرب. وأما المتزوج فيهتم في ما للعالم كيف يرضي امرأته” [33].

ب. يلزم إلا يمتنع أحد عن العلاقات الزوجية كأمرٍ دنسٍ. إنما يمكن الامتناع إلى حين، للتفرغ للعبادة، وبموافقة الطرفين.

ج. إن قبل أحد الزوجين الإيمان المسيحي، وقبل الطرف الثاني، وهو غير مسيحي، أن يبقى معه فلا يمتنع الأول. لأن غير المؤمن مقدس في المؤمن، وإلا يُحسب الأولاد نجسين. هذا لا يعني التصريح للمسيحي بالزواج بغير المؤمنة، إنما يتحدث عمن كانا متزوجين قبل قبول أحدهما الإيمان بالمسيح.

د. لا يليق بالمتزوج أن يندم على زواجه، ويمكن للبتول أن يبقى هكذا، لكنه إن تزوج لا يخطئ. من لا يضبط نفسه فليتزوج، “لأن التزوج أفضل من التحرق” [9]. ولكل مؤمن موهبته الخاصة من اللَّه: الزواج أو البتولية [7].

يقول ثيؤدورت أسقف قورش: [سأل أهل كورنثوس بولس إن كان من حق المسيحيين المتزوجين، وقد نالوا العماد أن يتمتعوا بالعلاقات الجسدية بين الزوجين. أجاب بولس يمدح العفة، ويدين الزنا ويسمح بالعلاقات الزوجية[3].]

  1. الزواج أفضل من التحرق 1-9
  2. السماح بالبقاء مع غير المؤمنين 10-16
  3. البقاء في الحال الذي عليه 17-24.
  4. البتولية أفضل 25-35.
  5. موقف الإنسان من عذرائه 36-38.

6-اعتزاز الأرامل بمركزهن 39-40

1. الزواج أفضل من التحرق

وأما من جهة الأمور التي كتبتم لي عنها

فحسن للرجل أن لا يمس امرأة” [1].

كانت الكنيسة في كورنثوس تعاني بجانب الانشقاقات تحت أسماء قادة معينين من صراعات بسبب مفاهيم الجنس والعلاقات الجسدية والزواج. فمن جهة كانت كورنثوس تفتخر بهيكل أفروديت وما تمارسه الكاهنات المكرسات للفساد لحساب الهيكل. ولعل البعض كان يحسب هذا التسيب علامة من علامات التحضر والتقدم. وأن العفة والطهارة نوع من التزمت غير اللائق بمواطني مدينة عظيمة مثل كورنثوس.

ومن الجانب الآخر تطلع البعض إلى الزواج وكأنه زنا مباح فقام بعض المعلمين الكذبة ينادون بالامتناع عن الزواج لأنه نجاسة وإشباع لشهوات جسدية. جاء رفضهم للزواج كمظهر من مظاهر القداسة والتقوى.

وظهرت آراء كثيرة متضاربة بين هذين التطرّفين، لهذا بعث البعض بأسئلتهم في هذا الشأن إلى القديس بولس الرسول بكونه مؤسس الكنيسة هناك والمسئول عنها، يطالبونه بإجابة محددة على أسئلتهم.

  • إذ أُثيروا بواسطة الأذهان الفاسدة للرسل الكذبة الذين في ريائهم علّموا برفض الزواج حتى يحملوا مظهر القداسة أكثر من الآخرين، لهذا كتب أهل كورنثوس إلى بولس يسألونه عن هذه الأمور. وإذ كانوا غير سعداء بهذا التعليم تجاهلوا كل ماعدا ذلك وركزوا على هذا الأمر وكثفوا أسئلتهم[4].

أمبروسياستر

  • يقول البعض أن هذا المقال يوجهه الرسول إلى الكهنة؛ لكنني أرى مما جاء بعد ذلك أن الأمر ليس كذلك، وإلا ما كان يقدم نصيحته في عبارة عامة. فلو أن هذه الأمور خاصة بالكهنة لقال: “جيد بالمعلم أن لا يمس امرأة”[5].

القديس يوحنا الذهبي الفم

بدأ إجاباته على أسئلتهم بوضع المبدأ العام: “حسن للرجل أن لا يمس امرأة“. وهو هنا يقدم تقديره الخاص لحياة البتولية التي يراها أنها حياة أفضل، لكنها ليست ملزمة للجميع.

  • إذا كانت شرور البشر تحتاج إلى قوانين رادعة، فإن البتولية تأخذ مكانها المساوي للملائكة[6].

القديس كبريانوس

  • كل الكلمات البشرية قاصرة عن أن تضيف شرفًا أكبر لنعمةٍ فائقة كالبتولية.
  • ما انفصلت البتولية قط عن الملتصق بواهب صفات الألوهية… إن كل قواميس اللغة وأساليب البلاغة تُحتقر احتقارًا إن اُستخدمت في مدحها.
  • البتولية رفيقة الإنسان في عمله الروحاني، ومساعدة له في البلوغ إلى الهدف السامي للحياة… إنها الطريق العملي في علم الحياة الإلهية. وهي تهب الأشخاص قوة حتى أنهم يتشبّهون بالطبائع الروحانية[7].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

يعتبر أوريجينوس البتولية أعظم المواهب كمالاً بعد الاستشهاد. ففي ذبيحة البتولية، يكون الإنسان هو الكاهن من خلال فكره، والذبيحة من خلال جسده، وذلك على مثال المسيح فوق الصليب. تمثل البتولية حلقة وصل متميزة بين السماء والأرض، حيث كان اللَّه قادرًا أن يتحد بالبشرية فقط من خلال جسد “مقدس” أخذه من امرأة عذراء بدون علاقة زوجية[8].

ولكن لسبب الزنى ليكن لكل واحد امرأته،

وليكن لكل واحدة رجلها” [2].

بجانب حياة الشركة والتعاون الأسري، فإن أحد أهداف الزواج هو حماية الغرائز الجنسية من الانحراف، فعلى الزوجين مسئولية اهتمام كل منهما بالآخر. تقدم لنا الحكمة الإلهية الزواج كعلاجٍ عملي ضد الزنا بكل أنواع الشهوات غير اللائقة. لكي يتجنب الإنسان السقوط في الزنا فيكون للرجل زوجته، وللزوجة رجلها.

  • لا يظن أحد أنني أُقلل من قيمة الزواج كسُنّةٍ ونظام. نحن لا نجهل أن الزواج ليس غريبًا عن بركة اللََّه[9].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

  • البتولية ليست احتقارًا للزواج… ولا تلمح هذا الاستعلاء، لأن العلاقة بين الرجل والمرأة كعلاقة المسيح بالكنيسة[10].

القديس أغناطيوس الثيؤفورس

  • من حيث أنه في الابتداء ظن أبونا أنهما اثنان، أنظر كيف لصقهما وضمهما معًا ليكونا جسدًا واحدًا بواسطة سرّ الزواج. لأنه يقول عِوض هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته، ويكون الاثنان جسدًا واحدًا.

القديس يوحنا ذهبي الفم

  • كيف يمكننا أن نعبَّر عن سعادة الزوجية التي تعقدها الكنيسة، ويثبتها القربان، وتختمها البركة؟[11]

العلامة ترتليان

ليوفِ الرجل المرأة حقها الواجب

وكذلك المرأة أيضًا الرجل” [3].

  • يسمح اللَّه لنا بالزواج، إذ ليس كل إنسانٍ قادرًا على حالة السموّ المُلزم بالنقاوة المطلقة[12].
  • إنك تمتنع عن زوجتك التي ارتبطت بها. تقول إنني لا أسيء إليها وتظن أنك تقدر أن تعيش عفيفًا في نقاوة أعظم. أنظر كيف تحطم زوجتك البائسة كنتيجة لتصرفك، فإنها عاجزة عن احتمال طهارتك! يجب أن تلتصق بها جسديًا، لا من أجلك وإنما من أجلها هي![13]

العلامة أوريجينوس

  • هذا هو السبب لماذا يدعو الأمر دينًا (يفي به) ليظهر أنه ليس أحد سيدًا على نفسه بل كل منهما خادم للأخر… الآن إن كان ليس للزوج أو الزوجة سلطان على جسديهما، بالأكثر ليس لهما سلطان على ممتلكاتهما. هذه مساواة عظمى في الكرامة وليس لأحدهما سلطان خاص أو حق خاص[14].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • يلزم للزوج والزوجة أن يخضع كل للآخر في هذا الأمر. إذ صار الاثنان جسدًا واحدًا وإرادة واحدة حسب ناموس الطبيعة[15].

أمبروسياستر

  • تقتضي النواميس البشرية أن تكون النساء عفيفات وإن لم تكن هكذا تعاقب، ولا تطالب بذلك بالنسبة للرجال. ذلك لأن الرجال هم الذين وضعوا الشرائع فلم يضعوا أنفسهم على قدم المساواة مع النساء، بل أعطوا لأنفسهم تقديرًا أكثر. أما الرسول القديس الذي أوحى له بالنعمة الإلهية فهو أول من وضع قانون العفة موضع تطبيق للرجال أيضًا[16].

ثيؤدورت أسقف قورش

ليس للمرأة تسلط على جسدها بل للرجل،

وكذلك الرجل أيضًا ليس له تسلط على جسده بل للمرأة” [4].

ليس للرجل أن يتسلط علي جسده بل يقدمه لزوجته، وأيضا ليس للزوجة تسلط علي جسدها بل تقدمه للزوج. بهذا فإن الزنا وتعدد الزوجات هما خرق لقانون الزواج، حيث سلم كل منهما جسده للطرف الآخر، وليس من حقه أن يسلمه لشخص ثالث.

لا يسلب أحدكم الآخر إلا أن يكون على موافقة إلى حين،

لكي تتفرغوا للصوم والصلاة،

ثم تجتمعوا أيضًا معًا،

لكي لا يجربكم الشيطان لسبب عدم نزاهتكم” [5].

بالنسبة للمتزوجين فقد صاروا في ملكية متبادلة، كل يقدم جسده للآخر كملكٍ له، ليس له حق الامتناع عن العلاقة الجسدية وإلا صار سالبًا حق الآخرين [5]. فامتناع أي طرف من العلاقة الجسدية دون رضا الطرف الآخر هو سلب لحقوق الزواج. وبالأولي الالتصاق بطرف ثالث سلب لها. يمكن الامتناع إذا اتفق الاثنان للتفرغ للصوم والصلاة إلي حين، دون ضغط من أحد الطرفين على الآخر [5].

يُلاحظ أن الرسول لم يقل: “للصوم والصلاة”، وإلا كان ذلك معناه أن العلاقة دنسة، إنما “لكي تتفرغوا” لهما. يقول الرسول: “أقول ذلك علي سبيل الإذن لا علي سبيل الأمر” [6]، لئلا يظن من لا يمتنعا عن العلاقة للتفرغ أنهما قد كسرا وصية إلهية… إنه طريق الكمال للقادرين!

  • ليس من الصعب بالنسبة للمتزوجين المخلصين أن يضعوا لمدة أيام ما تعهد به الأرامل والبتوليون القديسون أن يفعلوه كل أيام حياتهم، لهذا لتلتهب فيكم الغيرة، ولتُضبط الشهوات[17].

القديس أغسطينوس

  • يلزم أن تتم أسرار الزواج بقدسيةٍ وبتريثٍ وليس بأهواء مشوشة[18].

العلامة أوريجينوس

  • لست أخجل أن أنطق بهذا ما دام بولس لم يخجل من القول: “لا يسلب أحدكم الآخر”[5] فيبدو ما يقوله مخجل أكثر مما أقوله، ومع هذا لم يخجل. فإنه لا يهتم بالكلمات بل بالأعمال التي توضع في مكانها اللائق كما بسيوف[19].
  • لماذا هذا؟ لأن شرورا عظيمة تصدر عن هذا النوع من الامتناع. لأن الزنا والنجاسة ودمار العائلات غالبًا ما يحدث بسبب هذا. فإن كان الرجال وهم لهم نساؤهم يتعرّضون لارتكاب الزنا فبالأكثر يسقطون إن نزعت عنهم هذه التعزية… يمكنك أن تعيش مع زوجة وتهتم بالصلاة. ولكن بالعفة تصير الصلاة أكثر كمالاً. إذ لم يقل: “لكي تصلوا، بل قال: “لكي تتفرغوا للصلاة“، فما يتكلم عنه ليس بسبب دنس ما وإنما للتفرغ أكثر… ألا ترون المعنى القوي الذي يقصده بأن العفة أفضل، ومع هذا فهو لا يُلزم الشخص العاجز عن بلوغها، لئلا يعترض أحد[20].

القديس يوحنا الذهبي الفم

ولكن أقول هذا على سبيل الإذن لا على سبيل الأمر” [6].

علي سبيل الإذن، أي ليس وصية إلهية من لا ينفذها يُحسب عاصيًا للَّه، إنما هي وصية لمن يطلب الكمال، الأمر الذي لا يقدر الكل أن ينفذه.

  • ماذا يعني هذا؟ لا تلزموا أنفسكم بشيٍء أكثر من طاقتكم لئلا خلال امتناعكم المشترك تسقطون في الزنا؛ لئلا يجرّبكم الشيطان لسبب عدم نزاهتكم. ولكي لا يبدو كمن يأمر وهو مجرد يسمح بذلك (لأن ما يُطلب من شخص كأخلاقيات أقوى يختلف عما يسمح به للضعفاء)، لهذا أضاف في الحال: “ولكن أقول هذا على سبيل الإذن لا على سبيل الأمر، لأني أريد أن يكون جميع الناس كما أنا“، وكأنه يقول: “لست أمركم أن تفعلوا هذا، لكنني أسامحكم إن فعلتموه”[21].

القديس أغسطينوس

  • ولكن أقول هذا… لاعلى سبيل الأمر” [6]. لأن هذا ليس حكم إلزامي بل هو متروك لمحبي العفة… أتريد أن تعرف رأي بولس في هذا الأمر؟ “لأني أريد أن يكون جميع الناس كما أنا” [7][22].

القديس يوحنا الذهبي الفم

لأني أريد أن يكون جميع الناس كما أنا،

لكن كل واحدٍ له موهبته الخاصة من اللَّه،

الواحد هكذا والآخر هكذا” [7].

 يدرك المؤمن إن ما هو عليه هو من قبيل العناية الإلهية، فيعيش في شكرٍ دائمٍ بلا تذمرٍ.

  • يعطى بولس راحة للمتزوجين بالقول أن الزواج هبة من اللَّه[23].

ثيؤدورت أسقف قورش

  • “لأني أريد أن يكون جميع الناس كما أنا” (1 كو 7:7)، أي يمارسون العفة. لم يرد أن يلزمهم أن يرتبطوا بحدود ضيقة، فيطلب أمورًا مشددة للغاية، إنما اكتفى أن يقدم لهم فضيلة معتدلة[24].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • بالحقيقة هؤلاء يحتلون مرتبة عالية أمام اللَّه الذين يتركون كل الأعمال العلمانية ويخدمونه في عفة جادة، ولكن كما يقول الرسول “كل واحد له موهبته الخاصة من اللَّه، الواحد هكذا والآخر هكذا“. إذن إذ يصلى البعض من أجلكم يحاربون ضد أعدائكم غير المنظورين، وأنتم إذ تحاربون من أجلهم تقاومون البرابرة، الأعداء المنظورين[25].

القديس أغسطينوس

  • إذ يربط اللَّه بين الرجل والمرأة (في الزواج) معًا، لذلك توجد هبة مُقدمة لمن يربط بينهما اللَّه. عرف بولس ذلك فأعلن أن الزواج حسب كلمة اللَّه يعادل طهارة البتولية المقدسة، قائلاً: “أريد أن يكون جميع الناس كما أنا، لكن كل واحدٍ له موهبته الخاصة من اللَّه، الواحد هكذا والآخر هكذا” (1 كو 7:7). فمن يربط بينهم اللَّه، يطيعون في فكرهم وعملهم الوصية القائلة، “أيها الرجال، أحبوا نساءكم، كما أحب المسيح أيضًا الكنيسة” (أف 25:5)[26].

العلامة أوريجينوس

ولكن أقول لغير المتزوجين وللأرامل

أنه حسن لهم إذا لبثوا كما أنا” [8].

 ولكن إن لم يضبطوا أنفسهم فليتزوجوا،

لأن التزوج أصلح من التحرق” [9].

 يرى البعض أن دعوة الشهوة تحرقًا ونارًا اقتبسها الرسول بولس عن قصة الحاخام عمرام[27]:

قيل أن مجموعة من النساء سُبين وأُحضرن إلى Nehardea حيث أودعن في علية الحاخام عمرام. ولكي لا تهرب إحداهن رُفع السلم وبقين في العلية حتى يتقدم من يفديهن. عبرت إحداهن علي نافذة العلية، وإذ كان جمالها باهرًا أُسر الحاخام بجمالها، فاحضر السلم ليصعد إليهن. في منتصف الصعود صار ضميره ينخسه علي هذا التصرف غير اللائق. فأخذ يصرخ: نار! نار! في بيت عمرام! تجمهر الجيران حول البيت واضطر أن ينزل من السلم.

جرى إليه الحاخامات يسألونه إنك أخزيتنا إذ لا توجد نار في البيت. أجابهم عمرام: “خير لي أن تخجلوا هنا في بيت عمرام في هذا العالم من أن أخزيكم في الحياة العتيدة“. وصار يستحلف الشهوة الرديئة أن تخرج منه، فخرجت كعمود من نار. عندئذ قال عمرام “أنتِ نار، وأنا جسد، لكنني قد غلبتكِ!”

  • غاية بولس تجنب الزنا لا وضع عقبات في طريق طالبي طريق الحياة السامية[28].

أمبروسياستر

  • مثل هذا الشخص (الذي يقدر أن يضبط نفسه) لا يخطئ ضد العهد (بزواجه)، لكنه لا يحقق الغرض السامي للأخلاقيات الإنجيلية[29].

القديس إكليمنضس السكندري

  • لماذا أنت تعرف بأنه توجد ضرورة للعلاج من الشهوة ومع هذا تعترض عليّ عندما أقول أن الشهوة مرض؟ إن كنت تتعرف على العلاج فلتتعرف أيضًا على المرض![30]

القديس أغسطينوس

2. السماح بالبقاء مع غير المؤمنين

وأما المتزوجون فأوصيهم لا أنا بل الرب

أن لا تفارق المرأة رجلها [10].

لا يجوز للمتزوجين الانفصال عن بعضهما البعض بسبب دنس نظرتهم للعلاقة الجسدية. “أوصيهم لا أنا بل الرب” [10]. هذه وصية إلهية من يكسرها يخطئ في حق الوصية الإلهية.

  • لأن ما سيقوله هو أمر من المسيح ألا تفارق الزوجة إلا لعلّة الزنا (مت 32:5؛ 9:19؛ مر 11:10؛ لو 18:16) لذلك يقول: “لا أنا بل الرب”[31].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • لقد أعُطي هذا لنا كي نفهم أنه لا يطلق الواحد الآخر مادام الاثنان مؤمنين[32].

القديس أغسطينوس

وإن فارقته فلتلبث غير متزوجة أو لتصالح رجلها

ولا يترك الرجل امرأته” [11].

  • يسمح اللَّه بتطليق الزوجة بسبب الزنا، لكن ماذا يقصد هنا بالزنا؟ هل يقصد المعنى العام الذي نفهمه، أي ارتكاب النجاسة؛ أم المعنى الذي يستخدمه الكتاب المقدس عند حديثه عن الأمور المحرمة كعبادة الأوثان والطمع. وبذلك يكون الزنا هو كل تعدٍ على الناموس بسبب الشهوة الشريرة. ولكي نكون مدققين نفحص رأي الرسول عندما يقول “وأما المتزوّجون فأوصيهم لا أنا بل الربُّ أن لا تفارق المرأَة رجلها. وإن فارقتهُ فتلبث غير متزوّجة أو تصالح رجلها. ولا يترك الرجل امرأته” (1 كو 10:7-11). فقد يحدث أن تفارقه بسبب الزنا، لأنه لا يجوز لها تركه إلا لهذا السبب، كالرجل الذي لا يترك زوجته إلا لنفس العلة، وإلا فما الداعي أن يكمل الرسول قائلاً: “لا يترك الرجل امرأته”.

لم يضف الرسول “لعلة الزنا” التي سمح بها رب المجد، لأنها مفهومة ضمنًا أن الترك لعلة الزنا، فيخضع الرجل للقاعدة التي تخضع لها المرأة، فإذا ترك زوجته (لعلة الزنا) يلبث غير متزوج أو يصالح زوجته. لأنه ليس بالأمر الشرير أن يصطلح مع امرأته التي زنت، مثل تلك المرأة التي لم يجرؤ أحد على رجمها، والتي قال لها الرب: “اذهبي ولا تخطِئي أيضًا” (يو11:8). لذلك نجد أن الرب أجبر الزوج على عدم تطليق زوجته لغير علة الزنا، أما في حالة الزنا فلا يأمره بتطليقها بل سمح له بذلك. وهذا يشبه القول بالسماح للمرأة أن تتزوج بعد وفاة زوجها، فإن تزوجت قبل وفاته تكون مخطئة، أما إذا لم تتزوج بعد وفاته فلا تكون مخطئة لأنها لم تؤمر بالزواج بل يُسمح لها بذلك.

نلاحظ أن في شريعة الزواج يخضع الرجل لنفس القواعد التي فرضت على المرأة. فعندما يحدث الرسول المرأة: “ليس للمرأَة تسلُّط على جسدها بل للرجل” (1 كو 4:7)، يحدث الرجل أيضًا: “وكذلك الرجل أيضًا ليس له تسلط على جسده بل للمرأة“. فما دامت القواعد بينهما متشابهة، لذلك لا يجوز للمرأة أن تترك رجلها إلا لعلة الزنا كالرجل تمامًا[33].

  • شرح الرسول هذا الأمر قائلاً بأن الزوجة تكون مرتبطة ما دام رجلها حيًا، ولكن إن مات رجلها فيُسمح لها بالزواج. وفي هذه المسألة لم يذكر الرسول رأيه الخاص – كما في بعض نصائحه – بل يوصي بأمر الرب، وذلك بقوله: “وأما المتزوّجين فأوصيهم لا أنا بل الربُّ أن لا تفارق المرأَة رجلها ولا يترك الرجل امرأته” (1 كو10:7-11). أعتقد أنه بنفس القاعدة إذا ترك الرجل زوجته. ربما أن الترك يكون بسبب الزنا – ذلك الاستثناء الوحيد الذي أراده الرب – لذلك فلا يُسمح للمرأة أن تتزوج ما دام رجلها حيًا ولا للرجل أن يتزوج ما دامت المرأة التي طلقها حية.

حقًا لتعتبر زيجات مباركة بالأكثر تلك التي يستطيع فيها كلا الطرفين، سواء بعد إنجاب الأطفال أو قبل الإنجاب لعدم الاهتمام بأن يكون لهما نسل أرضي، أن يتفقا اتفاقًا مشتركًا على الامتناع تلقائيًا كل عن الآخر. على أنه ينبغي أن يكون الاتفاق برضى الاثنين. حتى لا ينتج عن ذلك ترك الواحد للآخر (دون إرادة الثاني) فيخالف وصية الرب التي لا تسمح بالترك. فإن اتفق كليهما معًا فسيحيا حياة روحية لا جسدية وبالتالي لا يكون قد طلقها[34].

القديس أغسطينوس

وأما الباقون فأقول لهم أنا لا الرب:

أن كان أخ له امرأة غير مؤمنة،

وهي ترتضي أن تسكن معه،

فلا يتركها” [12].

يقصد بالباقين الذين قبِل أحد الطرفين منهما الإيمان المسيحي وبقي الآخر غير مسيحي، فإن الأمر في يدّ غير المؤمن؛ إن أراد البقاء فليبقَ، وإن فارق فليفارق، ولا يكون الطرف الآخر مستعبدًا له… أي يجوز له أن يتزوج بمسيحي. هنا يتحدث عن زيجات سابقة للإيمان، وقبل طرف دون آخر الإيمان. لا يتشكك المؤمن بالتصاقه بغير المؤمن مادام الزواج قد تمّ قبل دخوله الإيمان… الآخر مقدس ليس في ذاته إنما في المؤمن، وأولاده مقدسون فيه.

  • واضح أن المرأة التي ترتبط بعابد وثنٍ هي معه جسد واحد. حسنًا! هما جسد واحد، ومع ذلك لا تصير دنسة، بل طهارة الزوجة تغلب دنس الزوج. مرة أخرى فإن طهارة الزوج المؤمن تغلب دنس الزوجة غير المؤمنة. كيف إذن في هذه الحالة الدنس يُغلب ويسمح بالعلاقة بينهما، بينما في حالة المرأة الزانية لا يُدان الرجل عندما يفارقها؟ لأنه هنا يوجد رجاء أن العضو الضائع قد يخلص خلال الزواج، أما في الحالة الأخرى فالزواج قد انحلّ فعلاً وكلاهما قد فسدا، أما هنا فالخطأ من جانب واحد لا من جانب الاثنين…

لكن الأمر هنا ليس بخصوص شخصين لم يجتمعا بعد (الزواج) بل بخصوص الذين ارتبطوا فعلاً به. إنه لم يقل إن أراد أحد أن يأخذ له زوجة غير مؤمنة، بل قال: “إن كان أخ له امرأة غير مؤمنة” [12]… ماذا إذن هل اليوناني (الأممي غير المؤمن) مقدس؟ بالتأكيد لا، إذ لم يقل أنه مقدس بل قال أنه “مقدس في زوجته“، قال هذا لا ليعني أنه مقدس (في ذاته)، وإنما لكي يخلص المرأة تمامًا قدر المستطاع من مخاوفها ويقود الرجل لكي يرغب في الحق[35].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • يقول بولس هذا عن حالة اثنين أمميين، أحدهما صار مؤمنًا. عادة الوثني يكره المسيحية، والمسيحي لا يريد أن يتأثر بالوثنية، ولهذا يقول بولس إن كان الاثنان سعيدان في عيشتهما معًا يلزم أن يستمرا[36].

أمبروسياستر

  • لا يعنى بولس أن المرأة ملتزمة أن تتزوج غير مؤمن وإنما هي ملتزمة أن تبقى معه ما دامت كانت أصلاً متزوجة ( قبل قبولها الإيمان) [37].

سيفريان أسقف جبالة

  • الزواج عطية روحية، ولكن لا تكون هكذا إن تمت مع غير المؤمنين. لا يُعطى روح اللَّه ليسكن في هؤلاء الذين هم غير مؤمنين[38].

العلامة أوريجينوس

والمرأة التي لها رجل غير مؤمن،

وهو يرتضي أن يسكن معها فلا تتركه” [13].

 لأن الرجل غير المؤمن مقدس في المرأة،

والمرأة غير المؤمنة مقدسة في الرجل،

وإلا فأولادكم نجسون وأما الآن فهم مقدسون” [14].

  • والحكمة من وصية الرسول هو أن عدم تركها قد يترك لها فرصة للإيمان. فيقول “لأن الرجل غير المؤْمن مقدَّس في المرأَة، والمرأَة غير المؤْمنة مقدَّسة في الرجل” (1 كو 14:7).

أظن أن بعض النساء صرن مؤمنات بواسطة أزواجهن المؤمنين كما صار بعض الرجال مؤمنين بواسطة زوجاتهم المؤمنات.

لم يؤيد الرسول نصيحته بذكر أسماء بل بأمثلة قائلاً “وإلا فأولادكم نجسون. وأما الآن فهم مقدسون“. لأن أولادكم الآن مسيحيون، هؤلاء الذين تقدسوا بسبب إيمان أحد الوالدين أو كليهما معًا. وقداسة هؤلاء الأولاد لم تكن تحدث لو انهار الزواج بإيمان أحد الزوجين (أي ترك الطرف الآخر لعدم إيمانه) ولكن المؤمن احتمل غير المؤمن تاركًا له مجالاً للإيمان. واحتمال الضعفاء هذا من مشورة الرب إذ يقول: “ومهما أنفقت أكثر فعند رجوعي أوفيك” (لو 35:10) [39].

القديس أغسطينوس

  • الزوج والزوجة هما واحد كما أن الخمر والماء هما واحد عند امتزاجهما معًا. كما أن الشريك غير المؤمن يفسد المؤمن. لهذا السبب فإن الذي لم يتزوج بعد يلزمه بكل حرص إما أنه لا يتزوج نهائيًا أو يتزوج في الرب[40].

العلامة أوريجينوس

  • أبناء المؤمنين كانوا بمعنى ما معينين للقداسة والخلاص، وبعربون هذا الرجاء يسند بولس الزيجات التي يود أنها تستمر[41].

العلامة ترتليان

  • عندما يكون الأطفال طاهرين وقديسين وغير مُفسدين بعدم الإيمان تكون النصرة لإيمان الوالدين[42].

سيفريان أسقف جبالة

ولكن أن فارق غير المؤمن فليفارق،

ليس الأخ أو الأخت مستعبدًا في مثل هذه الأحوال،

ولكن اللَّه قد دعانا في السلام [15].

  • الزوج المسيحي يمكنه أن يترك زوجته دون لوم عليه حتى إن كانا قد تزوجا قانونيًا ما دامت ترفض الزوجة أن تعيش معه لأنه مسيحي[43].

القديس أغسطينوس

  • الزواج الذي يُعقد بدون صلوات للَّه غير مُلزم، لهذا لا يُحسب خطية إن انحل من أجل اللَّه. أما الشريك غير المؤمن فهو يخطئ ضد اللَّه وضد الزواج، لأنه هو أو هي لا يرغب أن يعيش في زواج مقدس للَّه. ليس له حق أن يذهب إلى المحكمة لأجل هذا، لأن من يترك الزواج يفعل هذا بسبب كراهيته للَّه، ولهذا فإنه أو إنها لا يُحسب أهلاً للاستماع إليه[44].

أمبروسياستر

  • لا يكون الشريك المؤمن هو سبب الطلاق. ولكن إن أراد الشريك غير المؤمن أن ينفصل يكون الشريك المؤمن بريئًا وليس عليه اتهام[45].

ثيؤدورت أسقف قورش

  • إن كان في كل يوم يلطمك ويدخل معك في صراع فإنه من الأفضل أن تنفصلا فإن هذا هو ما يعنيه بقوله: “ولكن اللَّه قد دعانا في السلام” [15]. فإن الطرف الآخر هو الذي وضع أساس الانفصال كمن قد ارتكب دنسًا[46].

القديس يوحنا الذهبي الفم

لأنه كيف تعلمين أيتها المرأة هل تخلصين الرجل؟

أو كيف تعلم أيها الرجل هل تخلص المرأة؟” [16]

يليق بالمسيحي الذي سبق زواجه أو زواجها بغير مؤمن ألا يهرب من صليبه بل يقبل الطرف الآخر لا لأجل نفع زمني أو إشباع رغبات جسدية أو نفسية أو اجتماعية وإنما لأجل خلاص الشريك، أما إذا رفض الشريك الشركة معه لقبوله الإيمان فهذا علامة من قبل الرب لكي يترك، لأنه لا يعلم أن كان قادرًا علي جذبه للإيمان أم لا.

3. البقاء في الحال الذي عليه

غير أنه كما قسم اللَّه لكل واحد،

كما دعا الرب كل واحد،

هكذا ليسلك،

وهكذا أنا آمر في جميع الكنائس” [17].

من الواضح أن مدينة كورنثوس التي ضمّت جنسيات مختلفة كثيرة، وثقافات فكرية متباينة، وديانات متنوعة مع انتشار الفساد سبب ارتباكًا لبعض الذين قبلوا الإيمان بالمسيحية. فثارت تساؤلات كثيرة، منها:

  • ما موقفي من الطرف الآخر (الزوج أو الزوجة) الذي يرفض مشاركتي في الإيمان الجديد؟
  • ما هو موقفي منه إن كان يقبل البقاء معي دون الإيمان؟
  • وما موقفي إن كان يسيء المعاملة ويدخل في مشاحنات من أجل قبولي الإيمان؟
  • إن كنت مختونًا قبل الإيمان أو من الغرلة، فهل ملتزم بالختان؟
  • ما هي نظرة المسيحية لي إن كنت منتسبًا إلى طبقة من الأشراف، أو كنت عبدًا؟

هذه الأسئلة وما على شاكلتها احتاجت إلى إجابات صريحة من الرسول بولس، حتى يطمئن الكل أنهم سالكون الطريق الإنجيلي الآمن والسليم. أو بمعنى آخر، هل الظروف الأسرية أو الاجتماعية أو الثقافية يمكن أن تقف عائقًا عن التمتع بالحياة الإنجيلية؟

  • من الخطأ أن تفترض بأن الظروف التي تسود عندما يؤمن إنسان ما، وأنها تقف عائقًا له في أن يصير مقدسًا[47].

ثيؤدور أسقف المصيصة

دعي أحد وهو مختون،

فلا يصر أغلف،

دعي أحد في الغرلة،

فلا يختتن” [18].

“ليس الختان شيئًا وليست الغرلة شيئًا بل حفظ وصايا اللَّه” [19].

  • الختان في ذاته لا يعنى شيئًا، إنما كان وصية من اللَّه. من جانب آخر فإن الغرلة هي الطريق الذي به خلقنا اللَّه عليه، فلا مكافأة عليه أيضًا[48].

سيفريان أسقف جبالة

الدعوة التي دعي فيها كل واحد فليلبث فيها” [20].

لا تستطيع الظروف الخارجية إن تعوق المؤمن الحقيقي عن الشهادة لحق الإنجيل، إن كان يهوديًا أو أمميًا، متزوجًا أو أعزب، حرًا أو عبدًا، فإنه يستطيع أن يشهد للحياة الجديدة المقامة خلال الوضع الذي هو فيه، في المسيح يسوع يتحد الكل معا كأعضاء في جسده بلا تمييز بين رجل وامرأة، يهودي ويوناني، بربري أو سكيثي، مختون أو في الغرلة، عبد أو حر (كو 3 : 11). فإن نعمة اللَّه لا تحدها هذه الأمور.

ليستمر ويواصل العمل الذي كان عليه قبل الإيمان، مادام هذا العمل ليس فيه ارتكاب للخطية. عِوض الانشغال بتغيير الموقف يضع المؤمن في قلبه أن يشهد لمسيحه بشكرٍ وفرحٍ بحياته الجديدة في الموضع والظروف التي هو فيها.

المؤمن الحقيقي إنسان شاكر للَّه، يدرك أن كل الأمور تعمل معًا لخيره، فإن كان قد قبل الإيمان وهو مختون أو أغلف، متزوج أو أعزب، سيد أو عبد، لا يشغله شيء سوى يد اللَّه العاملة لبنيانه، والتي تختار ما هو لإكليله.

ضربة عدو الخير الخطيرة ضد المؤمن هي التذمر، فيشتهي دومًا أن يكون علي حال غير ما هو عليه. أما المؤمن الحقيقي الغالب فهو دائم الشكر يشعر انه محمول علي الأذرع الأبدية. له أب سماوي يخطط بحكمته السماوية ما يفوق كل فكر بشري.

لا يحزن اليهودي الذي قبل الإيمان المسيحي أنه يحمل في جسده علامة العهد القديم، ولا يضطرب الأممي الذي آمن لأنه غير مختتن، ظانا أن الختان ضروري لخلاصه.

الختان أو الغرلة كلاهما لا شيء، إنما الطاعة للَّه كأب سماوي، أي السلوك بروح البنوة المطيعة والأمينة، هو موضوع اهتمامنا.

  • الحالة التي دُعينا ونحن فيها هي في ذاتها أمر لا يعنى شيئًا. كمثال غير المتزوج يمكنه أن يعيش طاهرًا كما يمكنه أيضا أن ينشغل بالخطية بكل عمقه. نفس الأمر هو حق بالنسبة للمتزوج أيضا. لو أن المسيحيين وحدهم هم الذين يشتركون في حياة العزوبية لأمكن القول بأن العزوبية هي وضع إلهي طاهر. لكن اتباع مرقيون أيضا يمارسونها… فالعزوبية مكرمة فقط عندما تلتحف بحياة الكنيسة وسلوكها مع معرفة نقية وبالحق[49].

العلامة أوريجينوس

  • يقول بولس ذلك لأنه بالنسبة للَّه لا فرق بين أحد الطريقين[50].

سفيريان أسقف جبالة

دعيت وأنت عبد فلا يهمك،

بل وإن استطعت أن تصير حرًا فاستعملها بالحري” [21].

إن كنت قد قبلت الإيمان وأنت عبد، اُشتريت بمال، أو وُلدت كعبد يملكك آخر هذا لن يقلل من قيمتك، ولا يؤذيك لكن أن وجدت الفرصة لنوال الحرية فاقتنيها لأجل المنفعة الزمنية الحاضرة، ولاستخدامها للبنيان.

  • يشجع بولس العبيد أن يخدموا سادتهم الأرضيين لكي يُظهروا لهم أنهم مستحقون للحرية. العبد الذي لا يمارس عمله بلياقة يجدف على اسم المسيح ولا يصنع شيئًا لأجل اللَّه[51].

أمبروسياستر

  • إني عبد لهذا الأمر واهتم بما أنا مرتبط به. فإنني أعرف أنه مكتوب أن ما يُغلب به الشخص يُسلم إليه كعبد… من يحررني من هذه العبودية الشديدة القسوة إلا ذاك الذي قال: “إن حرركم الابن فبالحقيقة تكون أحرارا” (يو8 : 36)[52].

العلامة أوريجينوس

  • يقول بولس لا يجوز لعبد أن يهرب، فيستخدم الدين عذرًا له[53].

ثيؤدور أسقف قورش

  • ليس الختان شيئًا وليست الغرلة شيئًا، بل حفظ وصايا اللَّه. الدعوة التي دُعي فيها كل واحدٍ فليلبث فيها. دُعيت وأنت عبد فلا يهمك” [19-21]. هذه الأمور لا تساهم في شيء في الإيمان، لهذا لا تدخل في حوار وصراع ولا ترتبك، فإن الإيمان يطرد كل هذه الأمور… “بل وإن استطعت أن تصير حرًا فاستعملها بالحري” [21]، بمعنى بالأحرى استمر كعبدٍ. الآن على أي أساس يطلب من الشخص الذي يمكن أن يتحرر أن يستمر كعبدٍ؟ إن ما يعنيه أن العبودية لن تؤذي بل هي نافعة…

يقول البعض أن الكلمات “فاستعملها بالحري” تشير إلى الحرية، فيفسرونها هكذا: “إن كنت لم تستطع أن تكون حرًا كن حرًا“. لكن هذا التعبير يناقض طريقة بولس… كيف يكون العبد حرًا؟ لأنه يحررك ليس فقط من العبودية للخطية بل ومن العبودية الخارجية حتى وإن كنت مستمرًا كعبدٍ، فإنه لم يسمح للعبد أن يكون عبدًا حتى وإن كان إنسانًا ملتزم بالعبودية. وهذا عجب، فإنه يتحرر من الأهواء وأمراض الفكر، عندما يستهين بالغنى والغضب وما أشبه ذلك من الأهواء[54].

القديس يوحنا الذهبي الفم

لأن من دعي في الرب وهو عبد فهو عتيق الرب،

كذلك أيضًا الحر المدعو هو عبد للمسيح” [22].

إن كنت قد قبلت الإيمان وأنت عبد فلا تنشغل كثيرًا بالعبودية فتتمرر نفسك، لكن تطلع إلي الحرية التي وهبك إياها سيدك فتعيش بروح القوة والفرح. وإن كنت حرًا فأنت مدعو عبدًا للمسيح، عبودية الحب العجيب، حيث يقودنا بروحه القدوس إلى مجد ملكوته. عبوديتنا للسيد المسيح تكشف لنا عن خطته العجيبة لننال الحرية الحقيقية الأبدية.

  • من يخلص من الخطية هو بحق حر… على أي الأحوال فإنه حتى المؤمن الحر هو عبد المسيح، لأن التحرر من اللَّه هو أخطر خطية على الإطلاق[55].

أمبروسياستر

  • يود بولس أن يظهر أن العبيد والسادة متساوون. جميعنا أحرار بالمسيح لأنه حررنا من طغيان إبليس، وبإرادتنا نحن عبيد للمسيح، لأنه إذ تحررنا قادنا إلى ملكوته[56].

أوكيومينوس

  • هكذا هي المسيحية، في العبودية تهب حرية[57].

القديس يوحنا الذهبي الفم

قد اشتريتم بثمن،

فلا تصيروا عبيدا للناس” [23].

يشتري الإنسان عبدًا، فيملك جسد،ه لكنه لن يقدر أن يسيطر علي أعماقه الداخلية أما السيد المسيح فاشترانا بدمه ليحرر الداخل.

  • كيف يكون الحر عبدًا؟ عندما يخدم الناس في خدمة شريرة، إما لأجل النهم أو رغبة في الثروة… فمثل هذا الشخص وإن كان حرًا فهوعبد أكثر من أي إنسان آخر… كان يوسف عبدًا لكنه لم يكن عبدًا لبشرٍ، لأنه وهو في العبودية كان أكثر حرية من كل من هم أحرار. كمثال لذلك لم يخضع لسيدته، ولا خضع للأهداف التي كانت تبغيها وهي مالكة له. مرة أخرى كانت هي حرة لكنها لم تكن حتى مثل العبد، فكانت تناجي خادمها وتتوسل إليه[58].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • جاء المسيح وردنا حين كنا نخدم ذاك السيد الذي بِعنا أنفسنا له بالخطية. لذلك يظهر بأنه يرد الذين له، هؤلاء الذين خلقهم. إنه يخلص الشعب الذي اختار سيدًا آخر بارتكاب الخطية[59].

العلامة أوريجينوس

  • ثمن الإنسان هو دم المسيح. فقد قيل: “قد اشتريتم بثمنٍ، فلا تكونوا عبيدًا للناس” تحاول قوات الشرير أن تجعل هذا الثمن بلا نفع بالنسبة لنا. يحاولون أن يعودوا بنا إلى العبودية حتى بعدما تحررنا[60].

القديس باسيليوس الكبير

  • لقد اشترينا بثمن مرتفع هكذا، فالمسيح وحده الذي يملك كل شيء قادر أن يدفعه. لهذا فمن أُشترى بثمن يلزم أن يخدم أكثر، مجاهدًا أن يرد للمشترى شيئًا. إذ اشترانا اللَّه يليق بنا أن لا نعود فنكون عبيدًا للناس. عبيد الناس هم الذين يقبلون الخزعبلات البشرية[61].

أمبروسياستر

  • أي ثمن أعظم من أن يسفك الخالق دمه من أجل المخلوق؟![62]

القديس جيروم

ما دعي كل واحد فيه أيها الاخوة

فليلبث في ذلك مع اللَّه” [24].

يسمو الإيمان فوق كل الأوضاع. “ما دُعي كل واحد فيه أيها الاخوة فليلبث في ذلك مع اللَّه” [24].

يرى البعض أن بعض العبيد قبلوا الإيمان المسيحي فظنوا أنه من واجب سادتهم أن يحرروهم كاخوة لهم في المسيح يسوع. ما يؤكده الرسول هنا هو ألا يرتبك العبيد حتى إن لم يحررهم سادتهم. فالإيمان المسيحي يلزم السيد أن يعامل عبده كأخٍ له، يحبه ويقدره ويترفق به حتى وإن لم يحرره.

4. البتولية أفضل

وأما العذارى فليس عندي أمر من الرب فيهن،

ولكنني أعطي رأيًا كمن رحمه الرب أن يكون أمينًا” [25].

بالنسبة للعذارى يشتاق أن يبقين هكذا إن أمكن [25، 26]. أما قوله: “فليس عندي أمر من الرب فيهن ولكنني أُعطي رأيًا كمن رحمه الرب أن يكون أمينًا، فأظن أن هذا حسن لسبب الضيق الحاضر أنه حسن للإنسان أن يكون هكذا” [26]، لا يعني أن الرسول متشكك في الأمر، إنما لا يقدم وصية ملزمة وإلا التزمت جميع العذارى ألا يتزوجن حتى لا يكسرن الأمر الإلهي. هنا يقدم طريقًا لراغبي وراغبات الكمال البتولي كنصيحة وليس كأمر واجب.

بكل أمانة يعلن الرسول أنه لم يتسلم أمرًا من الرب في هذا الموضوع لكنه يكتب كرسولٍ يعلن له الروح القدس الحق ويوحي له به.

  • من الواضح أن بولس يقول هذا ليس لأن لديه أمر بأن يعلم بخصوص البتولية، وإنما لأن اللَّه لم يخبره بأن هؤلاء الناس يلتزمون بممارسة العفة (البتولية). لهذا يكتب مقدمًا رأيه وموصيًا بالطهارة ( البتولية) دون إلزامهم بها[63].

سفيريان أسقف جبالة

  • هنا يبلغ بولس حكمة علوية، لكنه يتردد في فرض (العفة) مباشرة، لأن هذا قد يظهر لسامعيه أنه غير مقبول. لهذا وضع الأمر كأنه رأي لا وصية ملزمة[64].

أوكليمينوس

  • بعض الأحكام تقدم كوصايا اللَّه، بينما أحكام أخرى أكثر مرونة يتركها اللَّه لقرار الأفراد. النوع الأول هو الوصايا التي تمس الخلاص، والأحكام الأخرى للحياة الأفضل التي وإن لم نحفظها إلا أننا نخلص. إنها ليست ملزمة بأية طريقة، إنما ممارستها أمر اختياري[65].

العلامة أوريجينوس

فأظن أن هذا حسن لسبب الضيق الحاضر

أنه حسن للإنسان أن يكون هكذا” [26].

  • يعلم بولس هنا أن البتولية أفضل، ليس فقط لأنها بالأكثر تسر اللَّه، وإنما أيضًا لأنها طريق معقول يسلكونه في الظروف الحاضرة[66].

أمبروسياستر

أنت مرتبط بامرأة فلا تطلب الانفصال،

أنت منفصل عن امرأة فلا تطلب امرأة” [27].

 يعتبر الزواج مع قدسيته رباط لأن فيه كل طرف ملتزم بواجبات نحو الطرف الآخر، لذا لا يطلب حل هذا القيد أو الرباط.

  • إنه لا يتحدث عن تلك التي اختارت البتولية، لأنه لو كانت كذلك لكانت تخطئ… الشر ليس في العِشرة الزوجية وإنما في إعاقة جديّة الحياة[67].

القديس يوحنا الذهبي الفم

لكنك وإن تزوجت لم تخطئ،

وإن تزوجت العذراء لم تخطئ،

ولكن مثل هؤلاء يكون لهم ضيق في الجسد،

وأما أنا فإني أشفق عليكم [28].

يبدو أنه ظهرت جماعات تدنس النظرة نحو الزواج أو تحرمنه (1 تي 4 :3) لهذا يؤكد الرسول أنه لا يحسب الزواج خطية، لكن من يدرك حقيقة الحياة كفترة قصيرة للعبور الي السماء لا يود أن يرتبك بمسئوليات الزواج بل يكرس طاقاته للعمل لحساب ملكوت اللَّه.

  • البتول تخلص من المتاعب الأرضية وتتحرر بطهارتها، إذ هي تنتظر العريس الطوباوي[68].

العلامة أوريجينوس

  • من يتزوج لا يخطئ لأنه يفعل أمرًا مسموحًا به. أما إذا رفض ذلك فيستحق المديح والإكليل في السماء، لأن هذا يتطلب ضبطًا عظيما للنفس لتجنب عمل ما هو ليس بممنوع[69].

أمبروسياستر

فأقول هذا أيها الاخوة

الوقت منذ الآن مقصر

لكي يكون الذين لهم نساء كان ليس لهم” [29].

 لا تقوم البتولية على تدنيس النظرة إلى العلاقات الزوجية الجسدية وإنما على التفرغ للعبادة والخدمة، لأن الوقت مقصر. فالعالم خليقة اللَّه الجميلة والمقدسة، لكن كثيرين لا يستعملونه للتفرغ للعمل لحساب ملكوت اللَّه، هكذا الزواج مقدس، يرفضه البعض لا لدنس فيه وإنما من أجل الخدمة أو العبادة لضيق الوقت.

إذ الحياة فترة عابرة فإنه من يتزوج كمن لا يتزوج، تعبر حياته سريعًا بكل ملذاتها وآلامها، فلا يضع المؤمن قلبه في الراحة الجسدية.

  • أنصتوا أيها الاخوة القديسون فإن رسول المسيح يقول في الكنيسة… “لكي يكون الذين لهم نساء كأن ليس لهم” [29]. ونحن نعرف الكثير من الاخوة الذين أثمروا خلال النعمة، والذين من أجل اسم المسيح مارسوا ضبطا كاملاً باتفاق مشترك دون أن يحجموا عن الحب الزوجي. نعم فإنه كلما قلت العلاقات الأولى ( الجسدية) تزيد الأخرى قوة[70].

القديس أغسطينوس

  • الذين يعرفون أن نهاية العالم قد اقتربت يتحققون من أنهم قريبًا يتعزون، لذا يريح الواحد الآخر بهذا الرجاء[71].
  • يعني بولس بهذا أن نهاية العالم قادمة سريعًا. إذ يقدم هذه الحقيقة يلتزم المؤمنون ألا يرتبكوا بأن يكون لهم أطفال وإنما يكرسون أنفسهم لخدمة اللَّه. فإنه ستوجد ضغوط كثيرة غير متوقعة، وربما يسقطون في حبائل الشيطان. ليس أحد من بيننا له مخاوف لائقة من الضغوط التي سبق فأخبرنا عنها المخلص ويود أن يسقط فيها[72].

أمبروسياستر

  • الذين لديهم عقر جسدي يلزمهم أن يحفظوا الإثمار في نفوسهم، والذين لا يستطيعون أن ينجبوا أطفالاً أرضيين يلزمهم أن يلدوا أطفالاً روحيين. أعمالنا هي أطفالنا. إن كنا نتمم أعمالاً صالحة كل يوم فإنه لا ينقصنا النسل الروحي[73].

قيصريوس أسقف آرل

  • ليملك الشخص لا أن يُملك، ليمسك بالشيء لا أن يمسكه الشيء، ليكن سيدًا على ممتلكاته لا عبدًا لها وذلك كقول الرسول… [29ـ 32]. ما هذا؟ ألا تحبوا ما تمتلكونه في هذا العالم؟ ليت هذه الممتلكات لا تمسك بأيديكم آلتي يجب أن تمسك باللَّه. ليت حبكم لا يكون منشغلاً بشيء إذ به تعبرون في الطريق إلى اللَّه، وتلتصقوا بالذي خلقكم[74].

القديس أغسطينوس

 “والذين يبكون كأنهم لا يبكون،

 والذين يفرحون كأنهم لا يفرحون،

 والذين يشترون كأنهم لا يملكون” [30].

ليمارس المؤمن حياته التي توجد فيها أحزان وأفراح، وشراء وبيع الخ.، لكنه يليق ألا يضع قلبه في هذه الأمور فيصير عبدًا للأحداث، بل يبقي قلبه مترفعًا نحو السماء، مدركًا أن كل الأحداث زمنية ومؤقتة.

والذين يستعملون هذا العالم كأنهم لا يستعملونه،

لأن هيئة هذا العالم تزول” [31].

فأريد أن تكونوا بلا هم،

غير المتزوج يهتم في ما للرب كيف يرضي الرب” [32].

من جانب آخر فإن المؤمن في جهاده الروحي يصارع مع متطلبات جسده، فإن تزوج غالبًا ما يصارع أيضًا مع متطلبات الطرف الآخر عوض التفرغ للعبادة والخدمة. كمثال قد يودّ المؤمن أن ينتقل أو يسهر أو يصوم لفترات طويلة لأجل الخدمة، فيقف الطرف الثاني عائقًا بسبب عدم رغبته أو عدم استعداده في ذلك الحين. هذا ما عناه الرسول بقوله: “أريد أن تكونوا بلا هَّم؛ غير المتزوج يهتم في ما للرب كيف يرضي الرب، وأما المتزوج فيهتم في ما للعالم كيف يرضي امرأته” [32، 33].

  • الانشغال بالأمور الخاصة باللَّه ليس قلقًا بل هو خلاص. يخبرهم بولس أنه يود أن يتحرروا من القلق[75].

أوكيمينوس

  • يسمح بولس بالزواج ويحسبه مستحقًا البركة، ولكن يقابله وضعه هو باهتماماته باللَّه مشيرًا إلى أن الأمرين ليسا متعارضين[76].

القديس باسيليوس الكبير

  • عندما تنتهي الدينونة وتزول هذه السماء وهذه الأرض، ستكون سماء جديدة وأرض جديدة. لأن هذا العالم يزول بتغيير هيئته لا بدماره المطلق. لذلك يقول الرسول: “لأن هيئة هذا العالم تزول، فأريد أن تكونوا بلاهم” [31، 32]. ستزول هيئة العالم لا الطبيعة[77].

القديس أغسطينوس

  • هنا يوضح بولس لماذا البتولية مفضلة عن الزواج. فإنها لا ترتبط بالجنس كأمر صالح أو خاطئ، إنما الموضوع هو القلق الذي تنزعه عن الفكر والتركيز على عبادة اللَّه[78].

سيفريان أسقف جبالة

  • طلب زوجة وأسرة أمر زمني. أحيانا من أجل حفظ سعادتهم يلزم ممارسة ما هو مستحق للعقوبة[79].

أمبروسياستر

  • يستحيل على الشخص الذي يتجه نحو العالم، ويرتبك باهتماماته، وينشغل قلبه بإرضاء الناس أن يتمم وصية السيد الأولى والعظمى: “حب الرب إلهك من كل قلبك وكل قوتك”، كيف يستطيع أن يحقق هذا وقلبه منقسم بين اللَّه والعالم، ويسحب الحب الذي مدين به للَّه وحده إلى مشاعر بشرية؟ “غير المتزوج يهتم في ما للرب كيف يرضى الرب، وأما المتزوج فيهتم في ما للعالم كيف يرضى امرأته” [33][80].
  • عندما يكون أمامنا سيدان لنختار أحدهما، إذ لا نستطيع أن نخدمهما معًا، لأنه “لا يقدر إنسان أن يخدم سيدين”. لذلك فإن الشخص الحكيم يختار السيد الأكثر نفعًا له. هكذا أيضًا عندما يوجد أمامنا زيجتان لنختار إحداهما، لا نستطيع أن نقيم عقد زواج مع كليهما، فإن “غير المتزوج يهتم في ما للرب كيف يرضى الرب، وأما المتزوج فيهتم في ما للعالم كيف يرضى امرأته” [32، 33]. أكرر أن غاية العقل السوي ألا يفوته الاختيار الأكثر فائدة[81].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

أما المتزوج فيهتم في ما للعالم كيف يرضي امرأته” [33].

 “إن بين الزوجة والعذراء فرقًا،

غير المتزوجة تهتم في ما للرب لتكون مقدسة جسدًا وروحًا،

وأما المتزوجة فتهتم في ما للعالم كيف ترضي رجلها” [34].

  • المرأة غير المتزوجة لديها حصن البتولية الذي يحميها من عواصف هذا العالم. هكذا إذ تتحصن في حماية اللَّه لا تضطرب برياح، لذلك فإنه لكي نتأهل لكي نراه، سواء كنا في البتولية أو الزواج الأول أو الثاني لنسلك هكذا وهو أن نبغي ملكوت السموات خلال نعمة ورأفات ربنا يسوع المسيح الذي له المجد والقوة والكرامة مع الآب والروح القدس الآن وإلى الأبد آمين[82].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • الروح البشرية هي التي أما أن تقدس الجسد أو تفسده. فإن حاول شخص أن يكون له جسم طاهر ونفس فاسدة، فعليه أن يختار أحد الأمرين. إما أن يكرم النفس أو يُسحب الجسم إلى الفساد[83].

أمبروسياستر

هذا أقوله لخيركم ليس لكي ألقي عليكم وهقًا،

بل لأجل اللياقة والمثابرة للرب من دون ارتباك” [35].

في الأعداد 35-40 ربما يتحدث عمن اتفقا بعد الزوج على الحياة البتولية بكامل حريتهما، فليسلكا هكذا؛ أما إن ضعف أحدهما فلا خطية إن ارتبطا ببعضهما جسديًا.

5. موقف الإنسان من عذرائه

ولكن إن كان أحد يظن أنه يعمل بدون لياقة نحو عذرائه إذا تجاوزت الوقت وهكذا لزم أن يصير فليفعل ما يريد.

إنه لا يخطئ فليتزوجا” [36].

كلمة “عذارى” في اليونانية تنطبق علي البتول شابا كان أو فتاة.

يرى البعض أن الرسول بولس يعني هنا أنه إن عاش إنسان ما بدون زواج مشتاقًا إلى تكريس وقته للعبادة والكرازة، ولكنه شعر بعجزه عن السلوك في طهارة فلا يخجل من أن يتزوج علانية، مهما بلغ سنّه.

ولعلّه لهذا كان قادة الرهبنة يطلبون التزام طالبي الرهبنة عدم الالتحاق بها إلا بعد فترة طويلة من الاختبار. فإن شعر بالضعف لا يخزى إن عاد ليتزوج.

  • بولس يريد دائمًا الأفضل للمسيحيين. فإن أراد أحد بحق أن يتزوج فالأفضل له أن يتزوج علانية بالسماح الممنوح له عن أن يسلك بطريقة رديئة ويكون في عارٍ خفية[84].

أمبروسياستر

وأما من أقام راسخا في قلبه وليس له اضطرار

بل له سلطان على إرادته

وقد عزم على هذا في قلبه أن يحفظ عذراءه فحسنًا يفعل” [37].

هنا يتحدث عمن وهبه اللََّه إرادة قوية ليُمارس حياة البتولية، وقد قضى فترة اختبار وأدرك قوة إرادته وإصراره على هذا الفكر، فلا يتراجع.

يرى البعض أن الرسول يعالج موضع إنسان له ابنة عذراء، إن شعر أنه لصالحها ولعفتها أن تتزوج فليسندها في ذلك. أما إذا أدرك تصميمها علي البتولية وإنها قادرة علي حفظها فيفعل أحسن أن يتركها بتولاً.

هنا نلاحظ ثلاثة أمور هامة في زواج الأبناء والبنات:

  1. ألا يقف الوالدان في سلبية في أمر زواجهم إنما يعملان ما هو لصالح أولادهم.
  2. أن القرار في يد الأبناء، فليس من حق الوالدين أن يُلزما الأبناء بالزواج أو عدمه.
  3. ألا ينشغل الوالدان بنظرة المجتمع بل بما هو لبنيان نفوس أولادهم.

إذَا من زوج فحسنًا يفعل،

ومن لا يزوج يفعل أحسن” [38].

  • المرتبط بقيود الزواج مقيد، الآخر حرّ. واحد تحت الناموس والآخر تحت النعمة. الزواج صالح إذ خلاله ننال ميراث الملكوت السماوي واستمرار المكافآت السماوية[85].

القديس أمبروسيوس

6-اعتزاز الأرامل بمركزهن

“االمرأة مرتبطة بالناموس ما دام رجلها حيًا،

ولكن أن مات رجلها فهي حرة لكي تتزوج بمن تريد،

في الرب فقط” [39].

  • ليت النسوة يصغين إلى هذا هؤلاء اللواتي يدخلن في زواجٍ ثانٍ ويسيئون مضطجع الزوج الراحل، مع أنهن يحبونه. لست بهذا أمنع الزواج الثاني، ولا أنطق بهذا على أنه دنس. فإن بولس لن يسمح لي بذلك، فيغلق فمي بقوله للنساء: ” إن تزوجت لم تخطئ” [ 28، 40]. لكنها ليتها تنصت إلى ما بعد ذلك:” ولكنها أكثر غبطة إن لبثت هكذا ” [40]. هذه الحال أفضل من الأخرى، لماذا؟ لأسباب كثيرة. فإنه الأفضل ألا يتزوج الإنسان نهائيًا عن أن يتزوج، وأما هذه الحال فهي أفضل بكثير. قد تقول: “ولكن البعض لا يحتملون الترمل ويسقطون في متاعب كثيرة”. نعم لأنهم لا يعرفون ما هو الترمل. لأنه ليس الترمل مستثنى من الزواج الثاني، وأما البتولية فلا يسمح لها بالزواج نهائيا![86]

القديس يوحنا الذهبي الفم

“ولكنها أكثر غبطة أن لبثت هكذا بحسب رأيي

وأظن أني أنا أيضًا عندي روح اللَّه” [40].

  • إن ماتت زوجة أو زوج والآخر تزوج فهل هذا خطية؟ لا، لكن إن بقى بدون زواج ينال كرامة أعظم ومجدًا أفضل في عيني الرب[87].

هرماس

  • إنها مطوبة إن تزوجت وصار لها زوج يحميها، لكن تكون أكثر تطويبًا إن كانت من أجل التقوى ترفض الزواج وتكرس حياتها بالكامل للَّه[88].

سفيريان أسقف جبالة

  • لاحظ أن بولس لم يقل بأن المرأة التي تعقد زواجا ثانيا ستكون بائسة. إنما يقول بأنها تكون أكثر سعادة إن بقيت بلا زواج. إنه موضوع درجات[89].

ثيؤدورت أسقف قورش

  • عندما يقول: “لأجل اللياقة” و”لكي تصغى للرب من دون ارتباك” [35]، يقدم ملخصًا لكل الفضيلة بطريقة معينة. ها أنتم ترون أنه ليس مجرد عدم عقد زواج ثان يمكن وحده أن يجعلها أرملة، إنما تحتاج إلى أمور أخري ضرورية. ولكن لماذا لا يشجع الزواج الثاني؟ هل هذا الأمر ممنوع؟ حتما لا! لأن هذه هرطقة. وإنما أراد هنا فقط أن تنشغل بالأمور الروحية موجهًا كل اهتمامها إلى الفضيلة. لأن الزواج ليس حالة من الدنس وإنما حالة انشغال. إنه يتحدث عن إيجاد وقت وليس أنهن يصرن أكثر طهارة ببقائهن بغير زواج. لأن الزواج بالتأكيد يتطلب اهتمامات عالمية أكثر. إن امتنعت عن الزواج لكي تجد وقتًا أكبر لخدمة اللَّه ولم تنتفع بهذا الوقت فلا نفع لها من ذلك، مادامت لا تتمم كل الخدمات للغرباء والقديسين[90].

القديس يوحنا الذهبي الفم

من وحيّ 1 كو7

لتُهيئني ليوم عرسي يا أيها البتول!

  • أقمت حواء زوجة لآدم الأول،

وتممت عرسه في جنة عدن!

باركت عرس قانا الجليل،

وقدست كل زواج يتم حسب مسرتك!

  • أتيت إلى أرضنا لتُهيئني عروسًًا بتولاً.

أشتهي يوم عرسي بك يا أيها العريس السماوي البتول!

  • هب لي في زواجي أن أُكرّس قلبي لك في بتولية الروح.

وهب لي في بتوليتي أن أتحد بك يا أيها البتول!

روحك القدوس يهب الحب والتكريس،

يهب البتولية والطهارة،

يُشَّكلني ويهيئني ليوم عرسي بك.

  • أعمالك فائقة للطبيعة وعجيبة.

وُلدتَ من البتول، وبقيت بعد ولادتك بتولاً.

أتيت لتُقيم عرسًا سماويًا.

اخترت البشرية عروسًا.

تُقيم منها عروسًا بتولاً،

تضم متزوجين بتوليين بالروح،

وأرامل بتوليين بالقلب،

وبتوليين بالجسد لأجل بتولية الروح!

روحك يضم الكل: المتزوجين والأرامل والبتوليين.

يقيم من الجميع العروس البتول!

[1] Comm. In Rom., 9:2.

[2] De Principiis 11:7.

[3] PG 82:271.

[4] CSEL 81:70.

[5] In 1 Corinth., hom. 19.

[6] كيفية الطهارة وفوائدها، 7.

[7] فلسفة البتولية، 1، 2، 5،.

[8] راجع كتاب: الزواج والبتولية عند العلامة أوريجينوس، القمص تادرس يعقوب ملطي، ترجمة الدكتور جورج بطرس، 1996.

[9] فلسفة البتولية، 8.

[10] Ad Polycarb 5:1.

[11] To his Wife 2:9.

[12] In Gen. 3:6; 5:4.

[13] Commentary on 1 Cor. 3:33:23-25.

[14] In 1 Corinth., hom. 19:2.

[15] CSEL 81:71.

[16] PG 82:271.

[17] Lent 209:3.

[18] On Prayer 2:2.

[19] In 1 Thess., hom. 5.

[20] In 1 Corinth., hom. 19:3.

[21] Sermons for Christmas and Epiphany, sermon 1:22.

[22] In Galat., hom. 2.

[23] PG 82:274.

[24] In 1 Tim., hom. 10.

[25] Ep. 198:5.

[26] Frag. On 1 Cor. 34, 37.

[27] tract kiddushim, foll, 81.

[28] CSEL 81:72.

[29] Stromata 3:82:4.

[30] Against Julian, 15.

[31] In 1 Corinth., hom. 19:4.

[32] Question 83.

[33] Sermon on the Amount 1:16:43.

[34] Sermon on the Amount 1:14:39.

[35] In 1 Corinth., hom. 19:4.

[36] CSEL 81:75-76.

[37] Pauline Commentary from the Greek Church.

[38] Commentary on 1 Cor. 3:34:42-45.

[39] Sermon on the Amount 1:16:45.

[40] Commentary on 1 Cor. 3:36:2-5..

[41] On the Soul 39:4.

[42] Pauline Commentary from the Greek Church.

[43] Questions of Dulcitius,1.

[44] CSEL 81:76-77.

[45] PG 82:278.

[46] In 1 Corinth., hom. 19:4.

[47] Pauline Commentary from the Greek Church.

[48] Pauline Commentary from the Greek Church.

[49] Commentary on 1 Cor. 3:37:35-43.

[50] Pauline Commentary from the Greek Church.

[51] CSEL 81:79.

[52] Homilies on Exodus 13 Fathers of the Church 71:374.

[53] PG 82:279.

[54] In 1 Corinth., hom. 19:5.

[55] CSEL 81:80.

[56] Oecumenius: Pauline Commentary from the Greek Church.

[57] In 1 Corinth., hom. 19:6.

[58] In 1 Corinth., hom. 19:5.

[59] Homilies on Exodus 6.

[60] Homilies 21 Fathers of Church 46:344-345.

[61] CSEL 81:80-81.

[62] Homilies 29 Fathers of Church 48:220.

[63] Pauline Commentary from the Greek Church.

[64] Pauline Commentary from the Greek Church.

[65] Commentary on 1 Cor. 3:39:2-6.

[66] CSEL 81:82.

[67] In 1 Corinth., hom. 19:7.

[68] Commentary on 1 Cor. 3:39:51-52.

[69] CSEL 81:83.

[70] Sermons on New Testament Lessons.

[71] CSEL 81:85.

[72] CSEL 81:83-84.

[73] Sermons 51 :3

[74] Sermons on New Testament Lessons.

[75] Pauline Commentary from the Greek Church.

[76] The Long Rules 5.

[77] City of God 20:14.

[78] Pauline Commentary from the Greek Church.

[79] CSEL 81:86.

[80] On Virginity, 9.

[81] On Virginity, 20.

[82] In 1 Corinth., hom. 19:7.

[83] CSEL 81:86.

[84] CSEL 81:89.

[85] Synodal Letters.

[86] In 2 Tim., hom. 7.

[87] The Shepherd 4:4.

[88] Pauline Commentary from the Greek Church.

[89] PG 82:286.

[90] In 1 Tim., hom. 14.

تفسير كورنثوس الأولى 7 – الأصحاح السابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

Exit mobile version