يعتبر جزءاً أساسياً من الدراسات اللاهوتية المسيحية؛ حيث يُولى اهتمام خاص بتحليل النصوص الكتابية لكشف المعاني والرسائل التي تضمنها هذا القسم من الإنجيل. يشمل العهد الجديد مجموعة من الكتابات، مثل الأناجيل الأربعة، سفر أعمال الرسل، الرسائل البولسية، وكتاب الرؤيا، وغيرها، وكلها تحظى بعناية فائقة في عملية التفسير.
يستهدف المفسرون استخراج الدروس الأخلاقية والروحية وكذلك الإرشادات العملية للحياة المسيحية المعاصرة. يتناول التفسير مختلف الجوانب الأدبية، الثقافية، التاريخية واللاهوتية للنص الكتابي، ويحرص على تقديم تأويل يتسق مع المعتقدات المسيحية وتعاليم الكنيسة.
في مسيرة التفسير، يستعين العلماء باللغات الأصلية التي كُتب بها العهد الجديد – اليونانية بالأساس – ويعتمدون على مخطوطات قديمة ومصادر أركيولوجية لتحقيق دقة أكبر في فهم النصوص. إن تفسير العهد الجديد لا يهدف فقط لفهم النص في سياقه الأصلي، بل أيضاً للتطبيق العملي لتعاليمه في سياقات حياتية معاصرة.
ما هي أسفار العهد الجديد؟
أسفار العهد الجديد هي مجموعة من النصوص الدينية التي تُعتبَر جزءًا أساسيًا من الكتاب المقدس المسيحي. تتكون هذه الأسفار من سبعة وعشرين كتابًا، وتسرد حياة وتعاليم يسوع المسيح والأحداث التي تلت صعوده إلى السماء، كما توثق أعمال تلاميذه ورسائلهم. تأتي هذه الأسفار مُرتبة كالتالي:
فهرس تفسير العهد الجديد للقمص تادرس يعقوب (تفسير الاباء للعهد الجديد)
فهرس تفسير العهد الجديد للقمص تادرس يعقوب (تفسير الاباء للعهد الجديد)
فهرس تفسير العهد الجديد للقمص تادرس يعقوب (تفسير الاباء للعهد الجديد)
يُعد تفسير العهد الجديد للقمص تادرس يعقوب ملطي (من تفسير الآباء الأولين) من أهم المراجع التفسيرية المتاحة للقرّاء الناطقين بالعربية والمهتمين بدراسة العهد الجديد وفق شروحات الآباء.
ويهدف التفسير إلى توفير كيفية فهم بعض الآباء لنصوص العهد الجديد، ويهدف إلى تفقديم تفسير عميق للنصوص الكتابية وتأكيد أهمية وقيمة العهد الجديد في حياة المؤمنين.
يستخدم القمص تادرس يعقوب ملطي الأساليب والمنهجيات التي تسهم في توضيح مضمون الكتاب المقدس وتطبيقه في الحياة. اليومية.
تفسير إنجيل متى – تفسير إنجيل مرقس – تفسير إنجيل لوقا – تفسير إنجيل يوحنا
تفسير سفر أعمال الرسل
تفسير رسالة رومية – تفسير الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس – تفسير الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس – تفسير الرسالة إلى أهل غلاطية – تفسير الرسالة إلى أهل أفسس – تفسير الرسالة إلى أهل فيلبى – تفسير الرسالة إلى أهل كولوسي – تفسير الرسالة الأولي إلى أهل تسالونيكي – تفسير الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي – تفسير الرسالة الأولى إلى تيموثاوس – تفسير الرسالة الثانية إلى تيموثاوس – تفسير الرسالة إلى تيطس – تفسير الرسالة إلى فليمون – تفسير الرسالة إلى العبرانيين
تفسير رسالة يعقوب الرسول – تفسير رسالة بطرس الأولى – تفسير رسالة بطرس الثانية – تفسير رسالة يوحنا الأولى – تفسير رسالة يوحنا الثانية – تفسير رسالة يوحنا الثالثة – تفسير رسالة يهوذا
تفسير سفر الرؤيا
فهرس تفسير العهد الجديد للقمص تادرس يعقوب (تفسير الاباء للعهد الجديد)
تفسير كورنثوس الثانية 8 – الأصحاح الثامن – القمص تادرس يعقوب ملطي
تفسير كورنثوس الثانية 8 – الأصحاح الثامن – القمص تادرس يعقوب ملطي
تفسير كورنثوس الثانية 8 – الأصحاح الثامن – القمص تادرس يعقوب ملطي
الباب الرابع
خدمة القديسين
ص 8- ص 9
خدمة القديسين
مع اهتمام الخادم بحياته الروحية وحياة الآخرين لا يتجاهل خدمة القديسين، لا كعطاءٍ إنسانيٍ بحت بل كعمل روحي.
يسألهم الرسول أن يقدموا نفوسهم قبل مالهم (1:8-8) “أعطوا أنفسهم أولاً للرب ولنا بمشيئة اللَّه” (5:8) .
إنه ثمر عمل المسيح (9: 11)، فقد علمنا العطاء عمليًا. “من أجلكم أفتقر وهو غنى لكى تستغنوا أنتم بفقره” (9:8). صار السباق بينهم من يصير غنيًا متمتعًا بفقر المسيح الاختيارى.
إذ تحدث في الإصحاح السابق عن التعزيات المتبادلة والفرح العظيم الذي غمر أهل كورنثوس بتوبتهم، وانعكاس هذا على الرسول بولس، تحدث عن الحب العملي تجاه فقراء أورشليم الذين عانوا الكثير بسبب اضطهادهم وحلول مجاعة بها وأيضًا بسبب الحروب؛ هذا وطلب منهم أن يقبلوا تلميذه تيطس ورفيقيه.
إنه كرسول للأمم لم يتغافل عن احتياجات المسيحيين الذين من أصل يهودي، ولا حسب الخدمة في أورشليم ليست من اختصاصاته. إنه أب محب لكل البشركسيده، شعر بالالتزام أن يحث المسيحيين من أصل أممي للمساهمة بسخاء في تقديم احتياجات الكنيسة في أورشليم.
في هذا الإصحاح يظهر الرسول اهتمامه الشديد بالفقراء أينما وجدوا، وليس فقط فقراء الكنائس التي يخدم فيها. كما أبرز ضرورة اختيار أناس موثوق في أمانتهم وإخلاصهم أمام اللَّه والناس حتى لا يتعثر أحد فيهم أثناء خدمته الخاصة بالعطاء. كما سألهم أن يربطوا عطاء القلب بالمال، ويربطوا السخاء بالحكمة والاعتدال.
انتهز الرسول فرصة تقديم كنائس مكدونية، أي الكنائس في فيلبي وتسالونيكي وبيريه وغيرها من منطقة مكدونية، العطاء بسخاء لحث أهل كورنثوس ومسيحيي أخائية للإقتداء بها. السخاء الذي اتسمت به هذه الكنائس ليس نابعًا عن جو من المنافسة، ولا حب الظهور، ولا لمجرد عاطفة بشرية مجردة، إنما هو ثمر نعمة اللَّه التي تعمل في القلب، فيصير محبًا لا لإعطاء المال فحسب، بل ولبذل الذات. إنه عطاء خلال الحب الإلهي المنسكب في النفس.
كل عطاء بل وكل فضيلة صالحة هي عطية أو نعمة من اللَّه. أيضًا إنها نعمة اللَّه هي التي تحول حياتنا لكي تكون بنِّاءة ونافعة في حياة الآخرين.
يقول الرسول بولس أنهم يتقبلون نعمة اللَّه، وأنهم قبلوا كلمة الإيمان بتقوى.
الصدقة صناعة، حانوتها في السماء، ومعلمها ليس إنسانا بل اللَّه.
القديس يوحنا الذهبي الفم
نعمة اللَّه يقصد بها بولس اقتناء كل عملٍ صالح. بقوله هذا لا يُستثنى دور الإرادة الحرّة، ولكن التعليم هنا هو أن كل عمل صالح يصير ممكنًا بعون اللَّه[1].
ثيؤدورت أسقف قورش
إذ تعمل النعمة الإلهية في قلب المؤمن تفتح قلبه بالحب لاخوته فيصير متشبهًا باللَّه.
ليس شيء يجعلنا هكذا مقربين من اللَّه وعلى شبهه مثل العمل الحسن[2].
الصدقة قوية وذات سلطان حثى تحل القيود والأغلال،
وتبدد الظلام،
وتخمد سعير نار جهنم،
وتؤهل فاعلها للتشبه باللَّه، لقوله: “كونوا رحماء كما أن أباكم الذي في السماوات هو رحوم”[3].
الرحمة بالآخرين فضيلة سامية، يُسر اللَّه بها. وهي صفة عالية تتسم بها النفوس الصالحة وتزيدها فخرًا ونبلاً. إنها من صفات اللَّه.
القديس يوحنا الذهبي الفم
عملان للرحمة يجعلان الإنسان حرًا: اغفر يُغفر لك، أعطِ فتنال.
ماذا يشحذ منك الفقير؟ خبزًا. ماذا تشحذ من اللَّه؟ المسيح القائل: “أنا هو الخبز الحيّ النازل من السماء”.
إن أردت أن تطير صلواتك مرتفعة إلى اللَّه، هب لها جناحين: الصوم والصدقة[4].
القديس أغسطينوس
“إنه في اختبار ضيقة شديدة
فاض وفور فرحهم وفقرهم العميق لغنى سخائهم” [2].
مع أن مسيحيي مكدونية فقراء ومضطهدون، يعانون من الضيق لكنهم أغنياء للغاية في البهجة والفرح أنهم وجدوا فرصة سانحة للعطاء للاخوة في ضيقة أشد، أكثر فقرًا واضطهادًا.
هكذا خلال نعمة اللَّه تشعر الكنائس الفقيرة والتي في محنة بالالتزام أن تسند الكنائس التي أكثر منها فقرًا أو ضيقًا. بمعنى آخر لا يُعفى مسيحي من العطاء، لأنه يئن مع أنات من هم أكثر منه تعبًا واحتياجًا.
العطاء بسخاء يِوِّلد وفورًا من الفرح الداخلي. فإذ يعطي الإنسان مما لديه تنفتح أبواب قلبه ليتقبل عطايا السماء السخية المقدمة له.
بالرغم من أن المكدونيين كان لديهم عجز في المصادر المادية كانت نفوسهم غنية، إذ هم يخدمون القديسين بضمير طاهر، محاولين أن يُرضوا اللَّه لا الناس.
هذا هو علوّ التسبيح، لأنه في الأحزان يبقون في سلام، وفي أعماق الفقر يعطون بسخاء مما لديهم[5].
ثيؤدورت أسقف قورش
من له نفس رحيمة يكون كمن له كنز من البركات، إذ تكون ينبوعًا لاحتياجات اخوته ومصدر تمتع بكل المكافآت التي أعدها الإله[6].
الرحمة تُصعد الإنسان إلى علوٍ شامخٍ، وتعطيه دالة بليغة عند اللَّه[7].
القديس يوحنا الذهبي الفم
إن كنت حزينًا وأنت تعطي فأنت تفقد كلاً من الخبز والاستحقاق، لأن اللَّه يحب المعطي المسرور[8].
القديس أغسطينوس
“لأنهم أعطوا حسب الطاقة،
أنا أشهد وفوق الطاقة،
من تلقاء أنفسهم” [3].
في سخائهم لم يضعوا قاعدة للعطاء كأن يقدموا العشور أو أكثر، إنما كانوا يشعرون بالرغبة في تقديم كل ما يمكنهم تقديمه، بل وفاقوا حتى هذا المبدأ. فقدموا أنفسهم للَّه بكل قلوبهم، وقدّموا لهم من أعوازهم، أكثر فأكثر فوق طاقتهم، متشبهين بالأرملة التي قدمت الفلسين، وهما كل ما كانت تملكه.
“ملتمسين منّا بطلبة كثيرة
أن نقبل النعمة وشركة الخدمة التي للقديسين” [4].
الرسول في أبوته الحانية رفض مثل هذا العطاء بالرغم من احتياج كنيسة أورشليم، لأنه فوق طاقتهم. ألهب هذا التصرف بالأكثر قلوبهم ليصروا على العطاء، فصاروا يتوسلون إليه بإلحاح لكي يقبل العطية، حاسبين في ذلك نعمة ينالونها من قبل اللَّه وشركة في خدمة القديسين.
كان إصرارهم بثقة كاملة في الإيمان وبذهن نقي متطلعين إلى المكافآت السماوية مما جعل الرسول يقبل عطاياهم في النهاية.
“شركة الخدمة التي للقديسين”: بالعطاء نعلن عن عضويتنا العاملة في جسد المسيح المقدس. ما نقدمه للمحتاجين هو عطاء للرأس الذي يهتم بكل أعضاء جسده المقدس.
بقدر ما يكون الإنسان من “الأصاغر” هكذا بالأكثر يأتيك المسيح خلاله، لأن من يعطي إنسانًا عظيمًا يفعل هذا بزهوٍ، أما من يقدم للفقراء فبنقاوةٍ يفعل هذا من أجل المسيح[9].
القديس يوحنا الذهبي الفم
“وليس كما رجونا،
بل أعطَوا أنفسهُم أولاً للرب ولنا بمشيئة اللَّه” [5].
لم يكن ينتظر بولس الرسول مثل هذا العطاء العجيب فإنهم ليس فقط قدموا ما هو فوق طاقتهم، بل أعطوا أنفسهم للرب وللرسول ومن معه حسب مشيئة اللَّه. قدموا أنفسهم أولاً للرب، وأذ رأوا في مشيئة اللَّه أن يقدموها لخدامه حققوا هذه المشيئة الإلهية لحساب مجد اللَّه.
لن تقبل العطية ما لم تُقدم أولاً للرب وحسب مشيئته ولمجد اسمه القدوس، مقدمين أنفسهم أو قلوبهم قبل ممتلكاتهم.
الكلمات “ليس كما توقعنا” تشير ليس فقط إلى رغبة المكدونيين في العطاء، بل وإلى كمية العطاء[10].
ثيؤدورت أسقف قورش
“حتى أننا طلبنا من تيطس أنه كما سبق فابتدأ
كذلك يتمم لكم هذه النعمة أيضًا” [6].
بدأ تيطس خطة الجمع لأهل أورشليم حين كان قبلاً في كورنثوس. وكانت الكنيسة هناك قد قبلته بتكريمٍ عظيمٍ، وشعر الكل بحبه لهم. الآن يرسله الرسول لكي يتمم هذه المهمة الخاصة بنعمة العطاء.
حسنًا يشير إلى العطاء فيدعوه نعمة (2 كو 8: 6)… فإنه صلاح عظيم وعطية من اللَّه… هذه النعمة أعظم من اقامة الموتى. فإن اطعام المسيح وهو جائع أعظم بكثير من إقامة الموتى باسمه… فعند عمل آيات تكون أنت مدينًا للَّه، وفي تقديم العطاء تجعل اللَّه مدينًا[11].
القديس يوحنا الذهبي الفم
٢. دعوة للعطاء
“لكن كما تزدادون في كل شيء:
في الإيمان والكلام والعلم وكل اجتهاد ومحبتكم لنا،
ليتكم تزدادون في هذه النعمة أيضًا” [7].
يشجعهم الرسول من أجل مواهبهم وتقدمهم، طالبًا منهم أن يضموا إليها نعمة العطاء.
أظهر فيض هذه النعم عليهم مبتدئا بالإيمان ويختمها بمحبتهم للرسل والخدام، وكأنه يقول لهم بأن لديهم إمكانيات التمتع بهذه النعمة الخاصة بالعطاء، مادام لديهم وفرة من الإيمان وأيضًا الحب. فالإيمان هو مصدر النعم خاصة إن اتحد بالكلام أي بالتعليم، والعلم والمعرفة، والاجتهاد. تحمل كنيستهم كنوز الشهادة الحية مع المعرفة الصادقة لإرادة اللَّه والمثابرة للنمو في ملكوت اللَّه، فماذا بعد ينقصهم؟ لقد تأهلوا عمليًا للعطاء كما يليق. إنهم أغنياء في الإيمان والحب مع المعرفة الروحية الصادقة، وتأهلوا لميراث الملكوت، هذا يدفعهم للعطاء للمضطهدين من أجل الملكوت والمحتاجين.
“لست أقول على سبيل الأمر،
بل باجتهاد آخَرين مختبرًا إخلاص محبتكم أيضًا” [8].
لم يرد أن يصدر أمرًا بالعطاء ولا أن يضع حدودًا معينة، معطيا لهم الفرصة لكي يظهر كل واحد حبه الداخلي الذي يسمو فوق كل قانون ملزم. قانونهم في العطاء هو حبهم الخالص وقلوبهم المتسعة ومعرفتهم الصادقة لمشيئة اللَّه، وإرادتهم المقدسة الحرة. أما المثل العملي أمامكم فهو غيرة الآخرين (كنائس مكدونية) واجتهادهم، لا بل السيد المسيح نفسه، إذ يقول:
“فإنكم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح
أنه من أجلكم افتقر وهو غني
لكي تستغنوا أنتم بفقره” [9].
من غنى نعمته أنه وهو الغني، خالق الكل، من أجلنا افتقر، حيث أخلى نفسه وصار في شكل العبد، وأطاع حتى الموت موت الصليب، حتى بفقره الإرادي هذا نتمتع بحبه، ونغتني بنعمته فيصير لنا حق الشركة معه في الميراث الأبدي.
صار الرب فقيرًا لكي يعطي راحة للفقراء. صار مع البشر فقيرًا حتى لا ييأس أحد من الخلاص بسبب فقره[12].
القديس جيروم
إن كنت تتمثل باللَّه قدر امكانية طبيعتك، فستلبس أنت نفسك الشكل الطوباوي[13].
القديس غريغوريوس أسقف نيصص
مَن مِن بين البشر يعرف كل كنوز الحكمة والمعرفة المخفية في المسيح ومحتجبة في فقر جسده؟ مع كونه غنيًا صار فقيرًا من أجلنا حتى بفقره نغتني. عندما لبس قبولنا للموت قتل الموت، ظهر في فقرٍ لكنه وعدنا بالغنى الذي ارجأه فقط، إنه لم يفقد الغنى الذي أُخذ منه[14].
القديس أغسطينوس
ليس شيء يثير النفس العظيمة الحكيمة (الفيلسوفة) لإتمام الأعمال الصالحة مثل تعلمها بأنها بهذا تتشبه باللَّه. أي تشجيع يعادل هذا؟ لا شيء! هذا يعرفه بولس تمامًا عندما حثهم على التواضع[15].
القديس يوحنا الذهبي الفم
“أُعطى رأيًا في هذا أيضًا،
لأن هذا ينفعكم أنتم الذين سبقتم فابتدأتم منذ العام الماضي،
ليس إن تفعلوا فقط بل إن تريدوا أيضًا” [10].
لا يتحدث كمن يصدر أمرًا بل كمن يعطي مشورة، وهي أنكم قد بدأتم هذا العمل منذ عام فيليق بكم أن تكملوه بالعمل مع المسرة.
بقوله “تريدوا” thelein هنا تتمموا العمل مع الإرادة، أو المسرة. عملهم يشبه برعمًا قد نبت لكن يحتاج إلى اهتمام وتكملة حتى لا يموت.
“ولكن الآن تمموا العمل أيضًا
حتى إنه كما إن النشاط للإرادة
كذلك يكون التتميم أيضًا حسب ما لكم” [11].
لا يتجاهل الرسول إرادتهم الصادقة للعمل، لكن يليق بكل شخص أن يعمل قدر المستطاع، فإن الإرادة ينقصها العمل. العمل بغير إرادة جادة تنزع عن النفس الفرح والبهجة، والإرادة بغير عملٍ جاد تقتل ما هو صالح فيها.
“لأنه إن كان النشاط موجودًا
فهو مقبول على حسب ما للإنسان
لا على حسب ما ليس له” [12].
إن كانت الإرادة قائمة ونشيطة تصير مقبولة لدى اللَّه إن تُرجمت إلى عملٍ جادٍ قدر ما يستطيع المؤمن، حسب ما لديه دون إن يقدم مما هو ليس ملكه، كأن يسلب حق والديه عليه أو حق أولاده وزوجته تحت دعوى العطاء.
“فإنه ليس لكي يكون للآخرين راحة ولكم ضيق” [13].
فلا يقدم الإنسان للآخرين حتى يصيروا في حالة ترف بينما تئن أسرته من العوز. يلزمه أن يكون حكيمًا في عطائه، فيرتبط الحب بالحكمة.
“بل بحسب المساواة،
لكي تكون في هذا الوقت فُضالتُكم لأعوازِهم،
كي تصير فُضالتُهم لأعوازِكم، حتى تحصل المساواة” [14].
بحكمة يقدم الشخص مما يفضل عنه ليقدم الضروريات للغير، كما يقبل من الغير ما يفضل عنهم لإشباع ضرورياته. فيوجد نوع من المساواة. لقد سمحت العناية الإلهية بوجود نوعٍ من عدم التساوي في ما يمتلكه الأشخاص، لكي تفتح الباب لممارسة الحب عمليًا بالعطاء المتبادل بين البشرية.
كيف تكون المساواة؟ أنتم وهم تقدمون من فضلات كل منكم وتشبعون احتياجات الآخر. وأي نوع من المساواة هذا: تقديم الروحيات مقابل الجسديات؟ فإنه من هذا الجانب أسمى من الآخر، فلماذا يدعو ذلك مساواة؟ إما بسبب الفيض والاحتياج، أو يقول هذا بخصوص الحياة الحاضرة فقط. لهذا السبب بعد قوله “المساواة” أضاف “في الحياة الحاضرة“. الآن يقول هذه الأمور لكي يصد الأفكار المتشامخة التي للأغنياء، ولكي يُظهر أنه بعد رحيلنا من هنا سيكون للأمور الروحية فضل أعظم. هنا نتمتع بالمساواة، وأما هناك فسيوجد تمييز أعظم وتفوق عظيم عندما يضئ الأبرار أكثر بهاءً مما للشمس[16].
القديس يوحنا الذهبي الفم
من يقدم عونًا مؤقتًا للذين لهم مواهب روحية إنما يحسبون شركاء في المواهب الروحية. فإنه وان كان الذين لهم مواهب روحية قلة قليلة، بينما كثيرون لديهم الأمور الزمنية بفيض، فإنه بهذه الوسيلة يمكن لمن لهم ممتلكات أن يشتركوا في فضائل المحتاجين، بأن يقدموا مما يفضل عنهم للفقراء المقدسين[17].
البابا غريغوريوس (الكبير)
“كما هو مكتوب الذي جمع كثيرًا لم يفضل،
والذي جمع قليلاً لم ينقص” [15].
يشير هنا إلى ما ورد في سفر الخروج (١٨:١٦) حيث جمع بنو إسرائيل من المن في الصباح قبل الدفء، فالذين أكثروا في الجمع لم يكثر، وما تبقى منه إلى اليوم التالي فسد، ومن جمع أقل أكل هو وأسرته وشبعوا ولم يشعروا بالحاجة إلى طعامٍ أكثر. هكذا إذ نعطي أو نأخذ، بالعطاء لا نصير في عوزٍ، وبالأخذ لن يصير لنا ما يفضل عنا، لأننا حتمًا نترك كل ما لدينا.
٣. توصيته بتيطس ورفيقيه
“ولكن شكرًا للَّه
الذي جعل هذا الاجتهاد عينه لأجلكم في قلب تيطس” [16].
ما يشغل قلب بولس يشغل قلب تيطس تلميذه، فقد انطلق من نفسه إلى كورنثوس ليحثهم على العطاء. هنا يقدم الرسول ذبيحة شكر للَّه الذي وضع في قلب تيطس ما وضعه في قلبه نحوهم.
“لأنه قبل الطلبة،
وإذ كان أكثر اجتهادًا،
مضى إليكم من تلقاء نفسه” [17].
لم يتضايق الرسول لأن تيطس تحرك من نفسه للعمل، بل فرح به، وشكر اللَّه الذي عمل في قلب تلميذه كما في قلبه هو. لقد أوصاه الرسول بالذهاب إليهم فوجد أنه كان قد وضع في قلبه أن يفعل ذلك قبل أن يسأله.
“وأرسلنا معه الأخ الذي مدحه في الإنجيل في جميع الكنائس [18].
يرى البعض إن هذا الأخ الذي طلب منه الرسول مرافقة تيطس هو لوقا البشير. هذا الأخ يعرفه كثيرون خلال خدمته، ويمتدحونه في كنائس كثيرة. البعض يرى أن هذا الأخ هو سيلا أو برنابا أو مرقس أو أبلوس. على أي الأحوال كان الشخص معروفًا جدًا للكنيسة في كورنثوس، ورفيقًا للرسول بولس في خدمته، إذ يقول:
“وليس ذلك فقط،
بل هو منتخب أيضًا من الكنائس،
رفيقًا لنا في السفر مع هذه النعمة المخدومة منّا،
لمجد ذات الرب الواحد ولنشاطكم” [19].
إنه خادم موثوق فيه يعمل لحساب ملكوت اللَّه ولنمو الكنيسة في كورنثوس.
بقوله: “مُنتخب من الكنائس، رفيقًا لنا في السفر” تكشف أن الرسول بولس كان يقدر رأي الجماعة حتى في اختيار من يرافقه في رحلاته التبشيرية.
يبدو لي أنه يشير إلى برنابا بكونه هذا الشخص… ولكن ما هذا: “هذه النعمة المخدومة منا”؟ يقصد لكي يعلن الكلمة ويكرز بالانجيل، أو لكي يخدم في أمور المال. نعم بالأحرى يبدو أنه يشير إلى كليهما[18].
القديس يوحنا الذهبي الفم
“متجنبين هذا:
أن يلومَنا أحد في جسامة هذه المخدومة منّا” [20].
كان الرسول يهتم جدًا ألا يتعثر أحد فيه أو في من يعمل معه، فكان العاملون معه مختارين من الكنائس، لهم سمعتهم الحسنة وسلوكهم غير الملوم، خاصة وأنه في هذه الخدمة يأتمن الشخص على فيض كبير من العطاء، فلا يسمح لأحد من الأشرار أن يشوه سمعة الخادم أو يتهمه بالطمع أو الخيانة.
“معتنين بأمور حسنة،
ليس قدام الرب فقط،
بل قدام الناس أيضًا” [21].
لا يكفي الخادم أن يكون مشهودًا له من اللَّه فقط العارف بالخفايا وإنما من الناس أيضًا حتى لا يتعثروا في الكنيسة.
بينما يناضل (الرسول) من أجل الحياة المستقيمة اهتم أن يدافع عن سمعته الصالحة أيضًا، معتنيًا بأمور حسنة في نظر اللَّه والناس. يخشى اللَّه ويرعى الناس. في نفس حديثه يفضل أن يُسر الآخرين بالأعمال أكثر من الكلام، حاسبًا إن الشيء يُقال عنه حسنًا إن كان متفقًا مع الواقع العملي، وأن المعلم يلزمه أن يضبط الكلمات، ولا يسمح للكلمات أن تتحكم فيه. هذا ما يقوله: “لا بحكمة الكلام لئلا يتعطل صليب المسيح”[19].
القديس أغسطينوس
“وأرسلنا معهما أخانا الذي اختبرنا مرارًا في أمور كثيرة أنه مجتهد،
ولكنه الآن أشد اجتهادًا كثيرًا بالثقة الكثيرة بكم” [22].
رافقهما خادم ثالث يعرفه الرسول بولس ويثق جدًا في غيرته ومحبته وأمانته، وقد زادت غيرته ونشاطه عندما أعلن أهل كورنثوس ثقتهم هم أيضًا فيه. كما أن الخادم الأمين يلهب قلوب شعب اللَّه للعمل، فإن ثقة الشعب بالخادم تدفع الخادم للعمل بأكثر قوة واجتهاد. علاقة الراعي بالرعية علاقة متبادلة، كل منهما يسند الآخر. يقال أن الخادم الثالث هو أبلوس.
“أما من جهة تيطس فهو شريك لي وعامل معي لأجلكم،
وأما أخوانا فهما رسولا الكنائس ومجد المسيح” [23].
ختم حديثه بخصوص هذه الإرسالية للجمع بمدح الجميع، تيطس كشريك معه في الخدمة (مع أنه تلميذه) والرسولين الأخوين هما رسولا الكنائس ليعملا لمجد المسيح، غالبًا لوقا وأبلوس الرسولان.
“فبينوا لهم وقدام الكنائس بينة محبتكم،
وافتخارنا من جهتكم” [24].
بعد أن مدح هؤلاء القادمين إليهم سألهم أن يترجموا محبتهم لهم عمليًا حتى يفتخر الرسول بأهل كورنثوس كشعب محب لخدام المسيح الأمناء.
بالكلمات المقدسة “قدام الكنائس” يقصد لمجد الكنائس أو كرامتها. فإن كنتم تكرمونهما فأنتم تكرمون الكنائس التي ارسلتهما. فلا تعبر الكرامة إليهما وحدهما بل وإلى الذين أرسلوهما، الذين ساموهما،وما هو أكثر من هذه لمجد اللَّه. فاننا إذ نكرم الذين يخدمونه، فإن السيرة الحسنة والمديح يعبران إليه، وإلى الجسد العام للكنائس[20].
القديس يوحنا الذهبي الفم
لم يكن إيليا خادم الرب فى حاجة إلى خدمة الناس، إذ أرسل له الرب الغراب ومعه الخبز واللحم (1 مل 4:17-9). لكن لكي تتبارك الأرملة التقية أرسل لها الرب إيليا. وهذا الذي كان يطعمه الرب سرًا أطعمته الأرملة التقية. وقد أعلن الرب جزاء هذه الخدمة “من يقبل بارًا باسم بار فأجر بار يأخذ، ومن سقى أحد هؤلاء الصغار كأس ماء بارد فقط باسم تلميذ فالحق أقول لكم أنه لا يضيع أجره” (مت 41:10، 42).
القديس أغسطينوس
2 كو 8
قلبي بين يديك،
هب له حب العطاء!
نزلت إليّ يا أيها الغني،
لكي أقتنيك في داخلي!
افتقرتَ من أجلي، لكي أتجاسر واتحد بك.
أتمتع بك، فتهبني شركة سمائك.
تعطيني من حياتك المقامة، فاغتني بك أبديًا.
من يفتح قلبي بالحب، فيجد مسرته في العطاء؟
نعمتك يا أيها الغني تهبني الحب.
لتحمل قلبي إلى سمائك المتسعة،
وليشكله روحك الناري فيصير أيقونتك،
يتسع جدًا ويصير سمائيًا، فيفيض بالعطاء بسرورٍ.
نعم، نعمتك هي تشكل أعماقي.
تحوّل قلبي الحجري إلى قلب سماوي.
تجعلني مقربًا إليك، ومتشبهًا بك.
تحل قيود محبتي للعالم الضيق،
وتحطم متاريس أنانيتي.
هوذا إرادتي بين يديك، قدسها.
تتناغم مع إرادتك إذ تعمل حسب نعمتك.
أجد لذتي في العطاء، متشبهًا بك يا صانع الخيرات.
وأحسب كل ما بين يدي ملكًا لك،
أوكلتني عليه لحساب كل بشرٍ.
فلا أكون كفمٍ يغلق على الطعام ولا يسلمه للمعدة وبقية الأعضاء،
تفسير كورنثوس الثانية 7 – الأصحاح السابع – القمص تادرس يعقوب ملطي
تفسير كورنثوس الثانية 7 – الأصحاح السابع – القمص تادرس يعقوب ملطي
تفسير كورنثوس الثانية 7 – الأصحاح السابع – القمص تادرس يعقوب ملطي
الاصحاح السابع
لنموت معكم،
ونعيش معكم!
في استطراد يتحدث الرسول بولس مع شعبه ليكشف لهم عن مفهوم الحب الأبوي الصادق، فهو مستعد أن يموت معهم ويعيش معهم. هذا الحب لا يقوم على عواطف بشرية مجردة، وإنما على شهوة الالتقاء معًا كأسرة واحدة في حضن اللَّه. ما يفرح قلب الرسول بولس هو توبتهم وخلاصهم وتمتعهم بالمجد الأبدي.
تعزى الرسول بتوبة شعبه عندما سمع من تيطس عن توبتهم وتعزيات اللَّه لهم. فقد فرح تيطس نفسه إذ استراحت نفسه بهم (13:7) وفرح معه وبه الرسول بولس. راحة الخادم فى تعزيات شعبه الإلهية بالتوبة الصادقة.
١. تقدم في القداسة ١.
٢. لنموت معكم ونعيش معكم ٢-٣.
٣. أخبار معزية وسط الضيق ٤-٧.
٤. حزن التوبة وحزن العالم ٨-١١.
٥. الحب غاية كتابته ١٢.
٦. تعزيات وأفراح مشتركة ١٣-١٦.
١. تقدم في القداسة
إذ يكشف الرسول بولس عما في قلبه من تهليلٍ بسبب توبتهم يؤكد لهم إن غاية إيمانه وكرازته أن يتمتع هو وكل الشعب بالحياة المقدسة في الداخل والخارج. أن يسلك الكل في طريق القداسة في خوف اللَّه.
“فإذ لنا هذه المواعيد أيها الأحباء،
لنُطهر ذواتنا من كل دنس الجسد والروح،
مكمّلين القداسة في خوف اللَّه” [1].
يشير هنا إلى الوعود الإلهية التي سبق الحديث عنها في الآيات السابقة وهي أن يكون اللَّه لهم إلهًا وهم له شعبًا (١٦:٢)، ويكون لهم أبًا وهم يكونون له بنين وبنات (١٨:٢)، وأن يقبلهم متى اعتزلوا النجاسة (١٧:٢).
يلزمنا الاهتمام بطهارة الجسد والروح، لأن اللَّه القدوس يتمجد في الجسد كما في النفس، في الإنسان ككل. مادمنا نود تحقيق الوعد الإلهي أن يكون اللَّه لنا أبًا يلزمنا أن نسعى نحو الكمال والقداسة لأنه هو الكامل القدوس.
يطالبنا بولس الرسول بالهروب ليس فقط من دنس الجسد بل “من كل” دنس الجسد، حتى نوجد في قداسة الروح، في مخافة الرب باسم يسوع المسيح. لأن من يمنع نفسه عن الرذائل لكن ليس في المسيح، لا يصير طاهرًا وبارًا فيه.
نجد هنا تعليمًا بأن ندهش من أجل هبات اللَّه غير المنطوق بها في المسيح يسوع وبخوف أعظم أن نتطهر من كل دنس الجسد والنفس[1].
القديس باسيليوس الكبير
قدم لنا اللّه في حنو محبته وصايا مطهرة، حتى أننا، إن أردنا، نقدر بمراعاتنا للوصايا أن نتطهر، لا من الخطايا فحسب، بل ومن الشهوات أيضًا، لأن الخطايا شيء والشهوات شيء آخر.
فالشهوات هى الغضب والزهو وحب الملذات والكراهية والشهوات الدنسة وما شابه ذلك. أما الخطايا فهي تنفيذ هذه الشهوات عمليًا، بمعنى أن الإنسان بجسده ينفذ الأعمال التي تثيرها فيه شهواته. فالإنسان يمكن أن تكون له شهوات ولكنه لا يخرجها إلى حيز التنفيذ.
كانت الشريعة (في العهد القديم) تهدف إلى تعليمنا عدم صنع ما لا نريده لأنفسنا، وبالتالى حرمت علينا مجرد التنفيذ العملى للشر.
أما الآن (في العهد الجديد)، فإننا مطالبون بطرد الشهوة ذاتها، التي تدفعنا نحو الشر. فنطرد البغضة ذاتها ومحبة الملذات وحب الكرامة وغير ذلك من الشهوات[2].
ليتنا نتخلص من قذارة الخطية، فيظهر الجمال الأول الذي للفضيلة. يقول داود النبي في المزمور: “يا رب بجمالك أعطيت جمالي قوة” (مز 8:29). لنتطّهر حتى تظهر صورة اللَّه فينا، وهذا هو ما يريده اللَّه منّا، أن نكون بلا دنس ولا نقص ولا عيب[3].
القديس دوروثيؤس
مخافة الرب هي رأس الحكمة وأساس الحياة المقدسة، فإن اللَّه القدوس يعمل في خائفيه الذين يترجون رحمته.
يلتزم المؤمن أن يهرب من كل ما يدنس جسده سواء العين أو الأذن أو اليد أو البطن خلال النهم والزنا والكسل، وأيضًا ما يدنس النفس سواء الاستمتاع بمديح الآخرين أو الغضب الخ. هذا من الجانب السلبي وأما الجانب الإيجابي فهو التمتع بمخافة الرب كأبناء يحرصون على مشاعر أبيهم القدوس. بهذا يتمتع المؤمن بفكر المسيح، ويسلك في طريق القداسة ليتمتع بكمالها.
إن أراد أحد أن ينال حب اللّه، فليكن فيه مخافة الرب، لأن الخوف يولِّد بكاء، والبكاء يولد قوة. وإذا ما كملت هذه كلها فى النفس، تبدأ النفس تثمر فى كل شيء. وإذ يرى اللّه فى النفس هذه الثمار الحسنة، فإنه يشتمها رائحة بخور طيبة، ويفرح بها هو وملائكته، ويشبعها بالفرح، ويحفظها فى كل طرقها حتى تصل إلى موضع راحتها دون أن يصيبها ضرر.
إذ يرى الشيطان الحارس العلوى العظيم يحيط بالنفس، يخاف أن يقترب منها أو يهاجمها بسبب هذه القوة العظيمة.
إذًا، اقتنوا هذه القوة حتى ترتعب الشياطين أمامكم، وتصير أعمالكم سهلة، وتتلذذوا بالعمل الإلهى، لأن حلاوة حب اللّه أشهى من العسل.
حقًا أن كثيرين من الرهبان والعذارى فى المجامع، لم يتذوقوا هذه الحلاوة الإلهية، ولم يقتنوا القوة الإلهية، ظانين أنهم قد نالوها، بالرغم من عدم جهادهم. أما من يجاهد لأجلها فينالها حتمًا خلال المراحم الإلهية، لأن اللّه لا يحابى الوجوه.
فمن يريد أن يكون له نور اللّه وقوته، يلزمه أن يستهين بكرامات هذا العالم ودنسه، ويبغض كل أمور العالم ولذة الجسد، وينقى قلبه من كل الأفكار الرديئة. ويقدم للّه أصوام ودموعًا ليلاً ونهارًا بلا هوادة كصلوات نقية، عندئذ يفيض اللّه عليه بتلك القوة.
اجتهدوا أن تنالوا هذه القوة، فتصنعوا كل أعمالكم بسهولة وُيسر، وتصير لكم دالة عظيمة قدام اللّه، ويهبكم كل ما تطلبونه[4].
القديس أنبا أنطونيوس
الحب نسل عدم الشهوة، وعدم الشهوة هو زهرة الحياة العاملة التى تقوم بدورها بتنفيذ الوصايا.
مخافة الرب هو الحارس لممارسة الوصايا، وهو ثمرة الإيمان السليم.
الاعتقاد (الإيمان النظرى العقلى البحت) هو صلاح النفس الداخلي، وهو غالبًا ما يوجد حتى عند الذين لا يؤمنون باللّه (إيمانًا عمليًا)[5].
القديس مار أوغريس
يقول يوحنا: “المحبة الكاملة تطرد الخوف إلى خارج” (1 يو 8:4)، فلماذا يقول النبي الطوباوي داود: “اتقوا (خافوا) الرب يا قديسيه” (مز 93:4)؟
هذا يكشف عن نوعين من الخوف:
النوع الأول أولي، والنوع الثاني خوف كامل.
الأول يخص المبتدئين، والثاني يخص القديسين الكاملين الذين بلغوا إلى قامة الحب الكامل.
فمن يطيع إرادة اللّه بسبب خوفه من العذاب يكون خوفه مبتدئًا. وأما الذي ينفذ إرادة اللّه بسبب حبه للّه لكي يرضيه، وقد بلغ بهذا الحب إلى الخوف الكامل. وبواسطة هذا الخوف (الكامل) يخاف لئلا يفقد تلك البهجة التي يتمتع بها بوجوده مع اللّه ويخشى لئلا يخسرها. هذا هو الخوف الكامل، المولود من الحب، الذي يطرد الخوف البدائي إلى الخارج[6].
القديس دوروثيؤس
٢. لنموت معكم ونعيش معكم
“اقبلونا، لم نظلم أحدًا،
لم نفسد أحدًا،
لم نطمع في أحد” [2].
يسأله أن يحبوه كما هو يحبهم، وأن يقبلوه كرسولٍ، فقد أكد لهم أنه مُرسل من قبل اللَّه، وأنه أمين في عمله الرسولي.
يطلب الرسول من شعبه أن يقبلوه ولا يستخفوا به وبالعاملين معه، وهو لا يعني قبول أشخاصهم، بل قبول الإنجيل الذين يكرزون به. إنه ليس لدى الكورنثيين أي سبب لعدم قبولهم الخدام.
كان الرسول بولس حريصًا ألا يعثر أحدًا، وكما جاء في حديثه مع قسوس كنيسة أفسس: “فضة أو ذهب أو لباس أحد لم أشته” (أع ٣٣:٢٠). وهاهنا يقول: “لم نظلم أحدًا، إذ لم نمارس عملاً قط ضد العدالة. ولم نفسد أحدًا بأي تعليم كاذب أو فكر موذٍ. ولم نطمع في أحد إذ لم نشته شيئًا مما لأحد، ولم نطلب أمرًا زمنيًا.
هذه هي سمة الخادم الحقيقي، فنسمع صموئيل النبي يقول لشعبه: “هأنذا فاشهدوا عليِّ قدام الرب وقدام مسيحه: ثور من أخذت؟ وحمار من أخذت؟ ومن ظلمت؟ ومن سحقت؟ ومن يد من أخذت فدية لأغضي عيني عنه فأرد لكم؟ (١صم ٣:١٢).
كأنه يقول لهم انظروا ماذا فعل بكم المعلمون الكذبة؟ لقد ظلموكم وأفسدوا فكركم وخدعوكم.
“اقبلونا” (اجعلوا لنا موضعًا فيكم make room for us)، أي لتحبونا. يقول: “من طردنا؟ من استبعدنا من قلوبكم؟[7]
القديس يوحنا الذهبي الفم
“لا أقول هذا لأجل دينونة،
لأني قد قلت سابقًا أنكم في قلوبنا،
لنموت معكم ونعيش معكم” [3].
لم يكتب هذا لينتقدهم أو يدينهم، وإنما ليفتح عيونهم فيميزوا بين الرسل الحقيقيين والخدام الأمناء وبين المعلمين الكذبة. فإنه لا يستطيع الكذبة أن يقولوا هكذا أن الشعب في قلوبهم، يموتون معهم ويعيشون معهم.
أراد الرسول بولس أن يتحققوا بأي فكر يتحدث معهم. إنه بالتأكيد يود أن يدرك مدى اتساع قلبي، فإنه ليس فقط لم يطمع في اقتناء شيء من أحدٍ، إنما يجد مسرته في دخول الكل إلى قلبه، فيجدوا فيه الحب الفائق. يلتقوا في قلبه بمسيحه الذي يشارك البشرية آلامها لتشاركه بهجة سمواته. في قلب الرسول يدرك ترجمة عملية لشركة المسيح للمؤمنين وشركة المؤمنين لمسيحهم. إنه سفير المحبوب يسلك بروحه.
إنه يظهر حنوًا عظيمًا حتى حين يُعامَل باستخفاف. إنه يختار أن يموت وأن يحيا معهم… إن حلََّ الخطر، فمن أجلكم مستعد أن أحتمل كل شيءٍ. ليس الموت ولا الحياة ذات قيمة في ذاتهما عندي، فمن أجلكم أفضل الموت عن الحياة والحياة عن الموت[8].
القديس يوحنا الذهبي الفم
من يُقدم لأجل ترشيحه للكهنوت يلزم أن يكون كموسى… حتى عندما يُصب على الشعب الموت المرهب لبعض العصاة يتقدم ليكون هو بين الموت والحياة، لكى لا يهلك أحد من شعبه.
الإنسان الذي له روح الكهنوت وفكره هو ذاك الذي بكونه راعيًا صالحًا يتقدم للموت من أجل قطيع الرب بروح ورعة. بهذا يكون (كموسى) في كسر شوكة الموت، وصد قوته، وازالته الى أبعد الحدود.
الحب هو العضد الذي يزكيه، مقدمًا نفسه للموت من أجل مقاوميه[9].
القديس أمبروسيوس
أيها المعلم شفيع الأسرار الإلهية تكلم بالحب…
الذي يعلم ولا يحب يرتدع بالسكوت،لأنه باطلاً يتعب بتصنيف الكلام غير المربح. الماهر العظيم إن شاء أن يربح سامعيه فليحب كثيرًا ويتكلم قليلاً مع تلاميذه.
الملابس التي يرتديها الكاهن داخل بيت المقدس هي الحب المبسوط على ضميره عندما يقترب. إكليل الكاهن يكرز للشعب: ان هذا هو الحب الذي يربط جميع الصالحات، والقادر أن يدخل الى اللَّه[10].
مار يعقوب السروجي
٣. أخبار معزية وسط الضيق
“لي ثقة كثيرة بكم،
لي افتخار كثير من جهتكم،
قد امتلأت تعزية،
وازددت فرحًا جدًا في جميع ضيقاتنا” [4].
من جهته فإن حبه لهم بلا حدود، يموت معهم ويعيش معهم، أما من جهتهم فمحبتهم له اعطته ثقة عظيمة ليكتب بكل جرأة وصراحة، وهو معتز بحبهم له ويفتخر بها. محبتهم ملأت قلبه بالتعزية وسط ضيقاته وآلامه، جعلته متهللاً جدًا. إنه أب ينسى كل أتعابه حين يرى أولاده محبين له، يفتحون قلوبهم له.
جاء تعبير “ازددت فرحًا جدًا” Huperperisseuomai يحمل معنى الفرح الذي لا يُعبر عنه، وهو فعل يوناني يندر جدًا استخدامه، لم يستخدم في كل العهد الجديد.
كان الرسول بولس مقتنعًا بسبب الطريقة التي تجاوب بها الكورنثيون لتوبيخه لهم في رسالته الأولى، مما شجعه أن ينصحهم مرة أخرى. أوضح أن تجاوبهم هذا أعطاه تعزية فامتلأ فرحًا بالرغم منن كل الأحزان التي تحل به. إنه يتعزّى وسط تجاربه وضيقاته، إذ يُسرّ من أجل خلاصهم.
تجاوب الشعب بالتوبة قدم للرسول بركات لا حصر لها، منها الاتي:
* ثقة في شعبه أنه شعب اللَّه المختار.
* افتخار واعتزاز بعمل اللَّه فيه وفيهم.
* تعزية ملأت كل فراغٍ في داخله.
* فرح عظيم لن تقدر الضيقات أن تحطمه.
توبة الشعب هي سند للكاهن، موضع اعتزازه وتعزيته وفرحه بنعمة اللَّه العاملة فيهم خلاله. هي علامة الحب للَّه وخدامه الأمناء.
تكريم الشعب للكاهن يتجلى بقوة خلال التوبة حيث تتهلل نفس الكاهن وتستريح بخلاص اخوته في الرب.
كثيرا ما كان القديس يوحنا ذهبي الفم يطالب شعبه بالتعبير عن حبهم له لا بالتهليل والتصفيق بل بالتوبة اليومية والطاعة للوصية الالهية.
إنني لست في حاجة إلى مديح أو تصفيق أو صخب أو ضجيج!
إني أطلب شيئًا واحدًا، ليتكم تصغون إليه في هدوء وتعقل: إفعلوا ما اقوله! هذا هو مديحكم لي. هذا هو ثناؤكم علي…
نحن لسنا هنا في مسارح للتمثيل، ولا ترون أمامكم ممثلين تصفقون لهم. هنا مدرسة روحية، نظهر فيها طاعتنا بأعمالنا[11].
ما حاجتي إلى هذا التصفيق، علامة الفرح والاعجاب؟
المديح الذي أرجوه منكم أن تظهروا أقوالي معلنة في أعمالكم، فأصير إنسانًا سعيدًا[12].
القديس يوحنا ذهبي الفم
“لأننا لما أتينا إلى مكدونية لم يكن لجسدنا شيء من الراحة،
بل كنا مكتئبين في كل شيء،
من خارج خصومات،
من داخل مخاوف” [5].
كان الرسول بولس المتسم بالفرح الدائم يعاني من نوع من الكآبة بسبب الاضطهادات الخارجية من اليهود والأمم ومن المعلمين الكذبة ومخاوفه على الشعب في الداخل. فقد ترك بولس أفسس وذهب إلى ترواس حيث توقف إلى حين ثم جاء إلى مكدونية حيث كتب هناك هذه الرسالة. كان يترقب مجيء تيطس ليخبره عن ثمر رسالته الأولى، وإذ تأخر صار في كآبة.
كان على الرسول بولس أن يحارب ليس فقط أعداءً خارجيين بل وأعداءً في الداخل في شركة مع الكنيسة. لقد خشي أن ينحرف مؤمنون إلى أمورٍ ضارةٍ[13].
ثيؤدورت أسقف قورش
“كنا مكتئبين في كل شيء” كيف في كل شئ؟ حروب من الخارج من غير المؤمنين، مخاوف من الداخل من أجل الضعفاء بين المؤمنين لئلا يُفقدوا. فإن هذا لم يحدث بين الكورنثيين وحدهم بل وفي مواضع أخرى[14].
القديس يوحنا الذهبي الفم
“لكن اللَّه الذي يُعزّي المتضعين
عزّانا بمجيء تيطس” [6].
كيف تعزى بولس؟ ينسب الرسول تعزيات قلبه الداخلية أولاً إلى اللَّه الذي يسكب تعزياته على المتواضعين، وبعد ذلك ينسبه إلى مجيء تيطس الذي قدم تقريرًا مفرحًا عن ثمر رسالته الأولى في حياة الكنيسة في كورنثوس. لقاؤه مع تيطس فرِّح قلبه فقد كان الرسول يعتز جدًا بالصداقة، خاصة مع العاملين في ملكوت اللَّه على الأرض. إنه يتطلع إلى تيطس كابن خاص عزيز لديه جدًا، وشريك معه في ذات الإيمان (تي ٤:١). أما الأخبار التي حملها فقدمت تعزيات أعظم بكثير من تعزيات الصداقة الشخصية. ما أبهج قلب الرسول جدًا هو توبتهم وحزنهم الذي يجلب فرحًا في الرب. وكما يقول سليمان الحكيم: “من يوبخ إنسانًا يجد أخيرًا أكثر من المطري باللسان” (أم ٢٣:٢٨).
يرد الرسول التعزية لا إلى الصداقة مع تيطس ولا إلى أخبار كورنثوس مفرحة، لكن إلى اللَّه إله كل التعزيات كمصدر كل تعزية وكل صلاح.
يرى البعض أن مجيء تيطس أعطى راحة لبولس الرسول لأن الإنسان المتألم يجد تعزية حينما يجد أحدًا مخلصًا يقترب إليه.
يرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص أن الرسول بولس يستخدم هنا كلمة “يُعزّي” لتشير إلى قوة اللَّه واهبة الشفاء[15].
“وليس بمجيئه فقط،
بل أيضًا بالتعزية التي تعزى بها بسببكم،
وهو يخبرنا بشوقكم ونوحكم وغيرتكم لأجلي،
حتى إني فرحت أكثر” [7].
سرّ التعزية:
أولاً: مجىء تيطس إليه كابنٍ وصديقٍ وعاملٍ معه.
ثانيًا: جاء متهللاً بتعزيات إلهية بسبب موقف أهل كورنثوس الروحي البنِّاء.
ثالثًا: كشف عن شوقهم أن يروا الرسول بولس، وأن يصححوا من أخطائهم السلوكية والعقيدية والكنسية.
رابعًا: كشف عن حزنهم على ما سبق أن ارتكبوه.
خامسًا: غيرتهم على مساندة الرسول في كرازته وخدمته.
٤. حزن التوبة وحزن العالم
“لأني وإن كنت قد أحزنتكم بالرسالة لست أندم مع إني ندمت،
فإني أرى إن تلك الرسالة أحزنتكم ولو إلى ساعة” [8].
لقد كان الرسول مترددًا بعد كتابته الرسالة الأولى، إذ لم يكن يود بعثها بهذا الحزم. كأنه يقول لهم: “لقد الزمتموني بالكتابة بهذا الأسلوب مع شوقي الشديد إلى الترفق بكم والحنو وإظهار كل حب”. ومع أنه ندم بعد بعثها إليهم لكنها أثمرت بتوبتهم فلم يندم بل فرح بالثمر المتكاثر الذي جناه. هذا ما عناه بقوله “لست أندم مع إني ندمت”
الآن ليس وقت للحزن، فقد حزنتم ولو إلى ساعة، وقد حان وقت الفرح المشترك. أنا حزنت لأني كتبت لكم بحزمٍ، وأنتم حزنتم على ما فعلتموه، ها نحن نتعزى معًا ونفرح الآن معًا. حزنتم إلى حين ها أنتم ونحن نفرح إلى الأبد بخلاص الرب وعمله معكم.
“الآن أنا أفرح لا لأنكم حزنتم،
بل لأنكم حزنتم للتوبة،
لأنكم حزنتم بحسب مشيئة اللَّه،
لكي لا تتخسَّروا منّا في شيء” [9].
حزنكم للتوبة ولِّد تغييرًا شاملاً في الفكر والسلوك. حزن العالم يحطم النفس ويفسد السلام ويضعف الجسد، أما حزنكم فحزن التوبة الذي جدد ما في داخلكم، وأبهج الكل، ولم يسبب أدنى خسارة بسببنا.
كم كانت فرحة الرسول بولس بتوبتهم، لقد جددت طاقات الرسول الذي كان حزينًا على بعث الرسالة إليهم. تهللت نفسه بتوبتهم للخلاص المفرح.
هنا يعلمنا بولس أن هذا النوع من الحزن له قيمته الذي غايته هو اللَّه لا العالم. يقول إنه بالحق قد صرتم حزانى إذ تشعرون بالتوبة أمام اللَّه… لاحظوا أولئك الذين كانوا في العهد القديم حزانى في وسط أتعابهم الجسيمة. والذين نالوا نعمة، بينما الذين وجدوا بهجتهم في الملذات استمروا تحت العقوبة. لهذا فإن العبرانيين الذين تنهدوا في أنين في أعمال مصر (خر 23:2) نالوا نعمة الأبرار، والذين أكلوا خبز الحزن والخوف تمتعوا بالصلاح الروحي[16].
القديس أمبروسيوس
“لأن الحزن الذي بحسب مشيئة اللَّه ينشئ توبة لخلاص بلا ندامة،
وأما حزن العالم فينشئ موتًا” [10].
يميز الرسول بين نوعين من الحزن:
أولاً: حزن حسب مشيئة اللَّه، حزن بسبب كسر للوصية الإلهية. هذا الحزن المقدس هو من أجل التمتع ببهجة الخلاص. فلا يستريح الإنسان التائب حتى يجد موضعًا في الأحضان الإلهية خلال عمل المسيح الخلاصي، فيرتفع قلب التائب إلى السماء.
ثانيًا: حزن العالم الذي يقوم على فقدان بعض أمور العالم المادية أو المعنوية، سواء كانت ممتلكات أو حقوق زمنية أو كرامة أرضية. هذا الحزن يحطم النفس ويسبب هزالاً للجسم مع أمراض، يدفع إلى الموت والهلاك الزمني والأبدي.
هنا يقدم الرسول مفهومًا إنجيليًا رائعًا للحزن حسب مشيئة اللَّه، فإنه يدفع إلى التوبة بمعنى الرجوع إلى أحضان اللَّه لا اليأس، ويولد إصلاحًا وتجديدًا مستمرًا، ويصحبه سلام اللَّه وفرح داخلي. فلا يندم الإنسان أو يحزن على ممارسته للحزن المقدس.
يقول انه يوجد أكثر من نوع من الحزن، الواحد حزن العالم والآخر حزن حسب مشيئة اللَّه. حزن العالم ينشئ موتًا، بينما الحزن الآخر ينشئ توبة للخلاص. فإنه بالتأكيد متى ناحت نفس على حياتها الشريرة لأنها تشعر بآثارها الشريرة، مثل هذا الألم لا يمكن نزعه عن الحزن الذي يُدعى مطوبًا[17].
ليس شيء يرد القلب إلى الحكمة مثل الحزن، وليس شيء أعذب من الحزن الورع[18].
القديس غريغوريوس أسقف نيصص
الذي يحزن حسب اللَّه يحزن في توبةٍ عن خطاياه، ويحزن على شروره فيجلب عدلاً. أولاً دع ما لا يسرّك حتى يمكنك أن تصير على ما أنت ليس عليه[19].
إني وجّهت أذنيّ إلى صلاة هذا الإنسان، وسمعته يقول: اللَّهم ارحمني، اشفي نفسي فإني أخطأت إليك (مز7:108). إنه يندب خطاياه؛ إني أعرف الحقل، إني أتطلع إلى الثمرة. شكرًا للَّه. فإن الحفر في مكانٍ صالح، فإنه ليس بالعمل غير النافع، إنه ينتج ثمرة. حقًا إنه وقت للحزن المثمر، حتى نحزن على حال موتنا، وعلى كثرة التجارب، وهجمات الخطاة الخاطفة السرية، الاصطدام ببين الرغبات، الصراع بين الأهواء التي تتمرد دومًا على الأفكار الصالحة. لهذا فلنحزن ونكتئب على هذا الحال[20].
القديس أغسطينوس
في وسط بهجة قيامة المسيح المتألم المصلوب يحدثنا القديس أغسطينوس عن هذا الحزن الصالح الذي يراه حقلاً مثمرًا، يثمر بهجة سماوية.
على أي الأحوال إني أتعجب كيف أن اللَّه الذي من البداية قدم للبشرية الألم النابع عن الخطية، أنه ينزع هذا القرار بحكم وقرار بحله. اسمع الآن: الخطية تنتج ألمًا، وخلال الألم تبطل الخطية. تطلّع بحرصٍ. اللَّه يهدد المرأة، يجلب عليها العقوبة بسبب عصيانها، ويخبرها: “بالوجع تلدين أبناء” (تك 16:3). أظهر الألم كحصادٍ للخطية. على أي الأحوال أي سخاءٍ هو هذا! فإنه يحوّل العقوبة ذاتها التي قدّمها إلى خلاصٍ. الخطية تلد ألمًا، والألم يحطم الخطية. وذلك كما أن شجرة تلد دودة تقوم هي نفسها بإبادة الشجرة عينها. هكذا الألم الذي تلده الخطية يقتل الخطية حين يرافقه بالتوبة…
الألم صالح للذين يتوبون بإخلاص. الحزن الذي يتبع الخطية يناسب الذين يخطئون”.
لتحزن على الخطية فلا تنتحب على العقوبة. اعتذر للقاضي قبل امتثالك في المحكمة. أما تعلم أن كل الذين يرغبون في ملاطفة القاضي يفعلون ذلك ليس عندما تقدم القضية، بل قبل دخولهم إلى المحكمة، أو خلال الأصدقاء او بطرق أخرى بها يلاطفون القاضي؟
نفس الأمر بالنسبة للَّه، فإنك لا تقدر أن تقنع الديّان خلال وقت المحاكمة. إنه يمكنكم أن تترافعوا مع الديّان قبل وقت الدينونة[21].
التوبة نار تلتهم كل ضعف بشري، تنزع التهاون والكسل وثقل الجسد، وتعطي للنفس جناحًا تطير به نحو السماء، وتظهر لها خلال هذه القمّة المرتفعة بطلان هذه الحياة الحاضرة.
من لا يرتفع إلى مركز المراقبة لا يستطيع أن يلتقط صورة صادقة للأرض ومحتوياتها. فإن أمورًا كثيرة تظلم مجال الرؤية وتصم الأذنين وتلعثم اللسان. لهذا يليق بالإنسان أن ينتزع نفسه من هذا الصخب، ويبتعد عن الدخان، ويدخل إلى الوحدة ليجد السلام العميق والهدوء والسكون مع الاستنارة.
عندما تركز الأعين على حب اللَّه، ولا تعود تسمع الأذن إلا كلماته وكأنها سيمفونية روحية عذبة، تصبح النفس أسيرة (اللَّه) تشعر بتقزز من الطعام والنوم.
حقًا أن ضجة العالم والاهتمامات المادية تنزلق على النفس لكنها لا تدخل إليها، وبارتفاع النفس هكذا لا تعود تبالي بفرقعات العواصف الأرضية.
وكما أن سكان الجبال لا يعودون يسمعون أصوات المدينة ولا يرون ما يدور فيها، إنما يحسبون هذه كلها أشبه بضجيج مبهم، هكذا الذين تركوا العالم بإرادتهم وانطلقوا يطيرون في مرتفعات الفلسفة (الحكمة) لا يعودون يدركون شيئًا عن أحوال العالم، لأن كل حواسهم متجهة نحو السماء.
إذن لنبحث لا عن وحدة البرية فحسب، إنما عن وحدة الرغبة الداخلية. لنختبئ فوق أعلى قمة النفس حيث لا يسكن فيها شيء أرضي.
إن قوة التوبة كمثل هواء يطرد الغبار ويكتسح الشهوات أسرع من الدخان.
القديس يوحنا ذهبي الفم
“فإنه هوذا حزنكم هذا عينه بحسب مشيئة اللَّه كم أنشأ فيكم من الاجتهاد،
بل من الاحتجاج،
بل من الغيظ،
بل من الخوف،
بل من الشوق،
بل من الغيرة،
بل من الانتقام،
في كل شيء أظهرتم أنفسكم أنكم أبرياء في هذا الأمر” [11].
يكشف الرسول بولس عن ثمار الحزن المقدس، ألا وهي:
أولاً: الاجتهاد أو الاهتمام العملي بالنفوس لكي تتمتع بالحياة المقدسة في الرب. الاجتهاد في التمتع ببركات الطاعة للوصية الإلهية، والتخلص من كل فساد لحق بها بسبب الخطية.
تنقسم الفضيلة الى أمرين: ترك الشر وفعل الخير. الانسحاب من الشر ليس كافيًا لبلوغ الفضيلة، إنما هو بداية الطريق الذي يقود اليها ، لا تزال تبقى هناك حاجة لنشاط عظيم[22].
ان نزعت الأشواك وتركت الحقل عاطلاً يعود فيمتلئ أعشابًا غير نافعة. إذن الضرورة ملحة لشغل الحقل وزرع البذور الصالحة والنباتات المفيدة.
ثانيًا: الاحتجاج والغيظ، بمعنى رفض التجاوب مع أية خطية تسللت إلى الجماعة. التوبة تولد ثورة مقدسة ضد الفساد.
اندم على إثمك طالما لا يزال في القلب، قبل أن يصبح فعلاً. نقِ ضميرك وليقم الميت في بيت الضمير. أما إذا خرج الاثم من الفكر إلى الفعل فلا تيأس. فإن الميت لا يقوم وهو في داخل البيت بل وهو محمول على الاكتف.
القديس أغسطينوس
ثالثًا: الخوف على المشاعر الإلهية الأبوية، فيود التائب أن يلتزم بعلاقات الحب المقدسة مع اللَّه، ولا يجرحها بأية خطية ظاهرة أو خفية. كما يعني هنا الخوف من أن يحزن قلب الرسول بولس الذي يطلب خلاصهم.
يليق بك أن تظل على هذا الصليب حياتك كلها لأنه لا مجال لنزع الصليب في هذه الحياة التي قيل عنها في المزمور “اللهم، سمرْ خوفك في لحمي” (مز 130:119)
للجسد ميول لحمية، والمسامير هي وصايا عدلك، ومخافة الرب هي التي ترفعك على الصليب وتجعلك قربانًا مقبولاً لديه تثبت الجسد بالمسامير…
عشْ دومًا هنا، فإن أردت ألا تغوص في وحل الأرض فلا تنزل عن الصليب .
القديس أغسطينوس
رابعًا: الشوق نحو الالتقاء باللَّه والتمتع بالشركة معه، وشوقهم للرسول بولس الذي كان حازمًا معهم في رسالته الأولى.
هلم الى المسيح؛ ففيه غايتك وما دونه طريق…
ليكن مخلصك غاية تتوق إليها يا من لم تُدعى للارض بل للسماء. إنك لست مدعوًا لسعادةٍ أرضية بل لسعادة سماوية… لحياة مع الملائكة إلى الأبد.
ليكن فاديك هو آخر ما تصبو إليه وتتوق، فهو رجاؤك وقوتك…
اركض وراءه فتستريح، فقد جاء المسيح إليك لكي تتبعه…
اركض الآن لتفرح فيما بعد في الوطن.
القديس أغسطينوس
خامسًا: الغيرة على قدسية الكنيسة والعمل الكرازي الذي يقوم به الرسول.
سادسًا: الانتقام من عدو الخير إبليس، أو من الخطية لا الخاطي.
بسلوكهم أظهر أهل كورنثوس أنهم أبرياء hegnous ليس فقط بمعنى أنهم لا يحملون روح التمرد والعصيان عليه والمقاومة، ولا أنهم متشبثون بأخطائهم وسلوكهم الشائن، وإنما أنهم بلا لوم من جهة سعيهم لإزالة الفساد والخطأ. هذا لا يعني أنهم أبرياء بلا سلوك خاطئ تمامًا، لكن جادون في الإصلاح وفي الاهتمام بخلاص نفوسهم وإرضاء اللَّه.
البعض وهم يتوبون يخشون أن يخطئوا مرة أخرى. لكن الإنسان الذي يعرف أنه قد تشوّه بواسطة الخطية يشتاق أن يُصلح نفسه. الإنسان الذي يعرف أنه يُنتهر لأجل صالحِه يبدأ يختبر الغيرة ليدخل إلى الكمال في الأعمال الصالحة.
يحدثهم عن الصفات التي تعمل فيهم خلال الغيرة. “كم أنشأ فيكم من الاجتهاد بلالاحتجاج” للدفاع عني. “بل من الغيظ” نحو الذي يخطئ. “بل من الخوف” لأنه بالحق الغيرة الزائدة والتصحيح السريع هما من عمل الذين يخافون. ولئلا يبدو أنه يمجد نفسه انظر كيف أنه يخفف من هذا بسرعة قائلاً: “نعم أي شوقعندكم من نحوي“. “نعم أية غيرة” لأجل اللَّه. “نعم، أي انتقام، لأنكم تدافعونعن شرائع اللَّه التي انتهكت“[25].
القديس يوحنا الذهبي الفم
٥. الحب غاية كتابته
“إذًا وإن كنت قد كتبت إليكم فليس لأجل المذنب،
ولا لأجل المذنب إليه،
بل لكي يظهر لكم أمام اللَّه اجتهادنا لأجلكم” [12].
أظهر القديس بولس بكل وضوح أن المغفرة يلزم منحها للذين أخطأوا ليس فقط من أجلهم هم أنفسهم، وإنما أيضًا لأجل الكنيسة، لأنه عندما يخطئ شخص يسبب تعبًا لكثيرين.
أوضح الرسول غايته من الرسالة الأولى بخصوص الشاب الذي ارتكب الخطأ مع امرأة أبيه مبينًا أنه لم يرتكب ذلك لكي يعاقب الشاب المخطئ، ولا لكي يهدئ من الأب الذي أخطأ ابنه في حقه، وإنما ما يشغله هو قداسة الكنيسة كلها. كتب لأجل الكل وليس لأجل إنسانٍ معين أو آخر. إنه ليس بالقاضي الذي يحكم على هذا أو ذاك، إنما الرسول الذي يهتم بخلاص كل أحدٍ وتقديس الجماعة كلها.
يلمح هنا إلى أمر أبعد، وهو كما اننا تحدثنا بكل الأمور بينكم بالحق (ربما يقصد هنا مديحه لتيطس أمامهم) هكذا ما قلناه عنكم لتيطس ظهر أنه حق.[26]
القديس يوحنا الذهبي الفم
٦. تعزيات وأفراح مشتركة
“من أجل هذا قد تعزّينا بتعزيتكم،
ولكن فرحنا أكثر جدًا بسبب فرح تيطس،
لأن روحه قد استراحت بكم جميعًا” [13].
كثيرًا ما يكشف الرسول في هذه الرسالة عن شركة الحب وشركة الفرح كما عن شركة الحزن. فإذ تعزوا بالتوبة تعزى هو معهم ؛ وإذ قادهم الحزن حسب مشيئة اللَّه إلى الفرح فرح بالتالي تيطس وفرح بولس جدًا لفرح تيطس. سرّ فرح تيطس أن نفسه استراحت بجميعهم أو بقداسة الكنيسة وخلاصها.
“فإني إن كنت افتخرت شيئًا لديه من جهتكم لم أخجل،
بل كما كلّمناكم بكل شيء بالصدق
كذلك افتخارنا أيضًا لدى تيطس صار صادقًا” [14].
لم يخجل الرسول من إبراز اعتزازه بأهل كورنثوس وافتخاره بهم إمام تلميذه تيطس. لا يقوم هذا الافتخار على مجاملات بشرية ولا كنوعٍ من المداهنة، بل على الصدق والحق الإنجيلي، إذ يقوم على اهتمامهم بخلاص أنفسهم ونموهم روحيًا.
“وأحشاؤه هي نحوكم بالزيادة متذكرًا طاعة جميعكم
كيف قبلتموه بخوفٍ ورعدةٍ” [15].
“أحشاؤه هو نحوكم بالزيادة” تعبير يكشف عن فرحه الشديد، سرّه طاعته للرسول بولس في الرب، وحبه المتزايد نحوهم كرد فعلٍ لمحبتهم للرسول بولس. هذا بجانب قبولهم لتيطس في وقارٍ شديدٍ كمن له سلطان من قبل الرب المخوف.
يقول بولس الرسول أن ذهن تيطس وعاطفته كانا يهتمان بهم، إذ لاحظ تقدمهم، لأن ذهن القديس يهتم بكل ما هو صالح.
“أنا افرح إذًا إني أثق بكم في كل شيء” [16].
واضح أن الرسول بولس مقتنع تمامًا بصدق توبتهم، وقد انعكس فرح تيطس بهم على الرسول بولس ففرح بدوره واطمأنت نفسه في ثقة أنه لن تستطيع رياح التعاليم الكاذبة ولا مثيرات المعلمين الكذبة أن تهزهم.
كان الرسول بولس مسرورًا ليس فقط من أجل الحل الصالح للمشكلة، لكن أيضًا من أجل الأعمال الصالحة التي بها يصلحون ممارستهم السابقة القديمة. هذا هو السبب الذي لأجله كان له ثقة كاملة فيهم.
ليست كثرة الخطايا هي التي تجلب اليأس للبشر، إنما فساد نيتهم…
ليس السقوط في ذاته خطيرًا، إنما بالأحرى يكمن الخطر في البقاء فى حالة السقوط!
الجرح في ذاته لا يميت، إنما بالأكثر إهمال الجريح للعلاج!
لا أقول هذا لكي تهملوا، إنما لكي تكفوا عن اليأس”.
له أيضًا تعبير رائع في التشجيع علي الجهاد في طريق التوبة والفضيلة بغير يأس: “عندما تبدأون في الإصلاح فإنكم وإن كنتم تعصون شريعتكم مرة ومرتين وثلاثا وعشرين مرة، لا تيأسوا. قوموا من جديد، استعيدوا نشاطكم مرة أخري فإنكم بالتأكيد منتصرون[27].
تفسير كورنثوس الثانية 6 – الأصحاح السادس – القمص تادرس يعقوب ملطي
تفسير كورنثوس الثانية 6 – الأصحاح السادس – القمص تادرس يعقوب ملطي
تفسير كورنثوس الثانية 6 – الأصحاح السادس – القمص تادرس يعقوب ملطي
الباب الثالث
عمله الرسولي
ص 6 – ص 7
الإصحاح السادس
الخدمة وسمات الخادم
يحدثنا بولس الرسول عن الخادم نفسه وسلوكه في حياته وتصرفاته مع الغير:
الوقت مقبول 1-2.
بلا عثرة 3.
جهاده 4 – 10.
متسع القلب 11 – 13.
بلا شركة مع الظلمة 14 – 18.
1. الوقت مقبول
“فإذ نحن عاملون معه
نطلب إن لا تقبلوا نعمة اللَّه باطلاً” [1].
يليق بالخادم أن تتناغم رسالته مع الفكر الإنجيلي، فيكون هدفها “المصالحة مع اللَّه”. بهذا يتقبل غنى نعمة اللَّه عاملة فيه وبه، ولا يكون عمله باطلاً.
حين يعمل الخادم على سحب قلوب مخدوميه لنعمة اللَّه وعمله الخلاصي يستحق هذا اللقب “العامل مع اللَّه“. هذا ما يعتز به الرسول قائلاً: “نحن عاملون مع اللَّه“. نعمل معه تحت قيادته، ولحساب ملكوته ومجده السماوي. وقد جاء النص الأرمني: “نحن العاملون معًا مع اللَّه“.
يقول الرسول: “تقبلوا نعمة اللَّه“، وليس “تستخدموا أو تنتفعوا بنعمة اللَّه”، فالمؤمن يجد في قبوله النعمة ما يشبع أعماقه؛ هي في ذاتها غنى لا يقدر، لأنها تعني التمتع باللَّه نفسه ساكنًا فينا. ماذا يعني ألا نقبل نعمة الله باطلا سوى عدم الرغبة في تنفيذ الأعمال الصالحة بعون نعمته.
يخبر بولس سامعيه ألا يتراخوا لمجرد أن اللَّه يبحث عنهم ويرسلهم كسفراء. على العكس لذات السبب يلزمنا أن نسره وأن نحصد بركاتنا الروحية[1]
القديس يوحنا الذهبي الفم
بالحقيقة الإنسان الذي لا يضع أمامه إرادة اللَّه كهدفٍ له في حياته يصير تحت الخطر، فإنه إذ يكون في صحة يظهر عمل المحبة في غيرة لأعمال الرب. وعندما يكون مريضًا يحتمل ويمارس الصبر بفرح.
الخطر الاول والعظيم هو أنه بعدم ممارسة إرادة اللَّه يفصل الإنسان نفسه عن الرب، ويقطع نفسه عن شركة اخوته.
ثانيًا أنه مع عدم استحقاقه يخاطر فيشترك في البركات المعدة للمستحقين لها. هنا يلزمنا أن نتذكر كلمات الرسول: “ونحن نعينكم ونحثكم ألا تقبلوا نعمة اللَّه باطلاً”. يلزم أولئك الذين يدعون اخوة الرب ألا يقبلوا نعمة إلهية عظيمة كهذه بروح التهاون، ولا أن يسقطوا من كرامة عظيمة كهذه، بالإهمال في تحقيق إرادة اللَّه. إنما يلزمهم أن يطيعوا ذات الرسول القائل: “أنا الأسير في الرب، أسألكم أن تسلكوا بما يليق بالدعوة التي دعيتم إليها” (أف 1:4)[2].
القديس باسيليوس الكبير
“لأنه يقول في وقت مقبول سمعتك،
وفي يوم خلاص أعنتك.
هوذا الآن وقت مقبول.
هوذا الآن يوم خلاص” [2].
يقول اللَّه في إشعياء النبي: “في وقت القبول استحيتك، وفي يوم الخلاص أعدتك، فأحفظك، وأجعلك عهدًا للشعب لإقامة الأرض، لتمليك أملاك البراري” (إش ٨:٤٩). وقد اقتبسها الرسول عن الترجمة السبعينية.
ما هو الوقت القبول؟ مجىء المسيا هو وقت مسرة اللَّه ومراحمه الذي يتوقعه كل المؤمنين. ويوم الخلاص هو اليوم الذي فيه يقبل الإنسان خلاص اللَّه بالصليب ويتجاوب معه.
كأن الرسول يقول ما قد تنبأ عنه إشعياء النبي واشتهاه مؤمنو العهد القديم قد تحقق الآن. لقد صالحنا مع الآب، وسلم التلاميذ والرسل كلمة المصالحة خلال ذبيحة المسيح، إذ به تمت المغفرة عن الخطايا ونلنا فيضًا من النعمة الإلهية. بهذا صار الرسل يعملون معًا مع اللَّه، ويقبلون نعمة اللَّه ليس باطلاً.
“الآن” هو ملكنا، هو وقت مقبول ويوم خلاص، إما “غدًا” فليس في أيدينا ولسنا ندرك ما سنكون عليه إن أجّلنا قبول عمل اللَّه الخلاصي.
اليوم وقت لقبول الروح القدس الذي يكشف جراحاتنا الخفية، وينير أعيننا لإدراك خطورة مرضنا الروحي، لكي يحملنا إلى الطبيب السماوي، فيهبنا غنى نعمته المجّانية الواهبة برّه الإلهي العجيب عِوض ضعفنا. ويقدم لنا خبرة عربون عدم الفساد، ونتمتع بقيامة النفس لكي يشاركها الجسد فيما بعد قيامتها ومجدها الأبدي. هذا هو يوم الخلاص، الوقت المقبول قبل أن تعبر من هذه الحياة فنجد الباب مغلقًا.
يقول الرسول: “الآن وقت مقبول، الآن يوم الخلاص“.
هذا هو وقت التوبة، أما الحياة المقبلة فهي للمكافأة.
الآن هو وقت للاحتمال، وعندئذ سيكون يوم التعزية.
الآن اللََّه هو المعين للرجوع عن الطريق الشرير، عندئذ سيسأل بمهابة دون أن يخطئ عن الأفكار والكلمات والأعمال التي للبشرية.
الآن نتمتع بطول أناة، عندئذ سنعرف قضاءه العادل عندما نقوم، البعض في عقوبة لا تنتهي، والآخرون إلى حياة أبدية، فيتقبل كل واحدٍٍ جزاءً حسب أعماله[3].
القديس باسيليوس الكبير
إذ يلتقي الإنسان باللَّه مخلصه يتأسف على الزمن الذي ضاع منه.
تأخرت كثيرًا في حبي لك يا أيها الجمال الكلي القِدم والجديد على الدوام.
لنسبح الآن يا إخوتي لا لكي نفرح بالراحة بل بتعبنا. وذلك كالمسافرين الذين يغنون ويسبحون وهم سائرون في رحلتهم…
إن كنت تحقق تقدمًا فأنت تسير إلى الأمام، ليكن لك تقدم في الصلاح، تقدم في الإيمان الحق، تقدم في الحياة المستقيمة… لتغني وتكمل رحلتك.
القديس أغسطينوس
2. بلا عثرة
“ولسنا نجعل عثرة في شيء لئلا تُلام الخدمة” [3].
إيمان الرسول بولس وغيرته المتقدة وعمله الدائم من أجل خلاص نفسه والآخرين لم تدع مجالاً قط للعثرة. فقد كان الرسول بولس حريصًا كل الحرص ألا يعثر اليهود أو الأمم، فقد مات المسيح من أجل الكل. حينما يتحدث عن الناموس يحرص على تأكيد إنه صالح، وأنه لا يأخذ موقف المقاومة للناموس وإنما للحرف القاتل. وفي نفس الوقت لكي يربح الأمم يؤكد إنه لا حاجة للفرائض والتطهيرات الحرفية والرمزية.
قدم ثلاثة سمات للكرازة بالكلمة: غيرة متقدة مغامرة، ونفس مستعدة لاحتمال أية مخاطر مُحتمل حدوثها، ومعرفة وحكمة مرتبطان معًا. فإن حبه للمغامرة (في كرازته)، وحياته التي بلا لوم ما كانت تنفعه في شيء لو لم يتقبل قوة الروح. تطلع إليه إذ تظهر فيه هو أولاً، أو بالأحرى اسمع كلماته: “لئلا تُلام خدمتنا“[5].
تأمل، أي نوع من الرجال ينبغي أن يكون من يواجه أعاصير كهذه ويتصدى بمهارة لمعوقات عظيمة للصالح العام.
يلزم أن يكون مبجلاً في غير زهو، مهوبًا لكنه مترفق، إداريًا لكنه اجتماعي، متواضعًا لكنه مجامل، متواضعًا لكنه غير خانع، صارمًا ورقيقًا في نفس الآن… حتى يقدر أن يتغلب على هذه المصاعب جميعها[6].
يليق بالكاهن أن يتلألأ، فيضئ بسيرته الحسنة علي جميع الناس ليقتدوا بمثاله. أما إذا استحال هذا النور إلى ظلام، فماذا يحل بالعالم؟! أما يصير خرابًا؟[7]
لقد تركنا (الرب) هنا لنكون أنوارًا، لنعلم الآخرين، لنكون خميرة، نسلك كملائكة بين البشر، كرجالٍ مع أولادهم، كروحيين مع أناس طبيعيين فينتفعون منا، ونكون بذار تخرج ثمارًا.
لا حاجة للكلمات مادامت حياتنا تضئ!
لا حاجة للمعلمين ما دمنا نظهر أعمالاً!
ما كان يوجد وثني لو كنا مسيحيين بحق!
لو أننا نحفظ وصايا المسيح، ونحتمل الألم، ونسمح للغير أن يستفيدوا منا، إذ نشتم فنبارك، نعامل معاملة سيئة فنصنع خيرًا، لما بقي أحد بعد متوحشًا ولا يرجع إلى الصلاح[8].
ما أسوأ أن نكون فلاسفة في الكلمات لا في الاعمال![9]
نحن محتاجون الي سلوك حسن لا إلي لغة منمقة الي الفضيلة لا الي الخطابة الفذة، الي الأعمال لا إلي الكلام![11]
القديس يوحنا الذهبي الفم
ماذا أنتفع إذا كنت شاغلاً للمكان الأول في الجماعة، وأملك شرف الرئاسة، إن لم يكن لي من الأعمال ما يجعلني مستحقًا لهذه الكرامة؟![12]
العلامة أوريجينوس
بالرغم من أنه قد يحفظ الإنسان نفسه نقية من الخطية ولو في درجاتٍ ساميةٍ، لكنني أعرف أن من كان هذا حاله لا يقدر أن يقود الآخرين إلى الفضيلة. فمن تسلم رعاية شعبٍ لا يكفيه التحرر من الخطية… بل يلزمه أن يرتفع إلى صنع الخير كقول الوصية: “حد عن الشر وافعل الخير” (مز 37: 27).
ينبغي عليه ليس فقط أن تُمسح آثار الخطية من روحه، بل وتكون مزودة بالفضائل، حتى يفوقهم بالأحرى في الفضيلة أكثر من سموه عليهم من جهة الكرامة.
يلزمه ألا يعرف حدودًا لصنع الخير أو النمو الروحي… ولا يحسب تفوقه على العلمانيين ربحًا عظيمًا…
يجب ألا يقيس نفسه بالآخرين، أشرارًا كانوا أو إلى حدٍ ما متقدمين روحيًا، بل يقيس نفسه على ضوء الوصايا[13],
القديس غريغوريوس النزينزي
3. جهاده
“بل في كل شيء نظهر أنفسنا كخدام اللَّه،
في صبر كثير،
في شدائد،
في ضرورات،
في ضيقات” [4].
يكمل الرسول حديثه مظهرًا أنه هو وشركاءه في الخدمة يبذلون كل الجهد من أجل تحقيق خدمة المصالحة، مهما كلفتهم من ثمنٍ أو جهدٍ. ليس فقط يتحاشون أية عثرة، وإنما يعملون كي يظهروا خدامًا حقيقيين للَّه.
يمدح القديس يوحنا الذهبي الفم الرسول بولس فيقول:
[آه لو أعطيت أن ألقى بنفسي على جسد بولس، والتصق بقبره وأتطلع إلى تراب ذلك الجسد الذي أكمل نقائص (شدائد) المسيح، وحمل السمات وبذر الانجيل في كل موضع؟! نعم! تراب ذلك الجسد الذي تكلم المسيح خلاله!
يا لسرورى أن أنظر تراب العينين اللتين عميتا بالمجد ثم استردتا بصيرتهما مرة أخري من أجل خلاص العالم ! هاتان العينان اللتان وهما بعد في الجسد استحقتا معاينة المسيح! رأتا الأمور الأرضية وفي نفسي لم تنظراها رأتا الأمور التي لا ترى…
أود لو أتطلع إلى تراب قدميه اللتين جابتا المسكونة بلا كلل[14].]
يعملون “في صبرٍ كثير وشدائد“، فقد حلت الاضطهادات على الرسول بولس من كل جانب، من بني جنسه ومن الأمم، مع أسفارٍ كثيرة وأتعابٍ لاحد لها.
في “ضرورات” حيث تعرض للجوع والعطش والعري، ليس لديه حتى التزامات الحياة الضرورية. كثيرًا ما اضطر للعمل بيديه ليعيش هو ومن كانوا يخدمون معه.
في “ضيقات” حتى كاد لا يعرف ماذا يفعل.
هذا هو نصيب الخادم الأمين أن يشارك مسيحه صليبه، ويدخل معه في الطريق الضيق، ويواجه مصاعب كثيرة. وفي هذا كله يبقى أمينًا لرسالته، ليس فقط يعمل عمل الرب باجتهاد وإنما يقبل كل ما يحل به بشكر وبهجة قلب.
يجد لذته فى احتمال كل تعب من أجل الخدمة، ممارسًا كل فضيلة، متخليًا عن كل شيءٍ بفرح.
ما يشغل الخدام الكذبة هو أن يرضوا سامعيهم، أما الخدام الحقيقيون فيخدمون اللََّه ليرضوه لا الناس، يشاركون السيد آلامه، ولا يطلبون كرامة زمنية أو مديحًا من أحدٍ.
هذه هي نعمة الروح القدس التي تملأ النفس كلها والمسكن بالبهجة والقوة، فتعطي للنفس عذوبة لاحتمال آلام الرب، ولا يكون للألم الحاضر أثر جسماني، وذلك بسبب الرجاء في الأمور المقبلة.
لتدبروا حياتكم هكذا وأنتم تقتربون إلى الصعود إلى القوة العلوية والمجد خلال تعاونكم مع الروح، تحتملون كل ألمٍ وتجربة بفرحٍ، ولكي تظهروا مستحقين لسُكنى الروح فيكم، ومؤهلين لميراث المسيح. لا تنتفخوا ولا تضعفوا بعدم المبالاة إلى الدرجة التي فيها تسقطون أو تصيرون علّة خطية آخرين[15].
القديس غريغوريوس أسقف نيصص
نحن نسمع الرسول وهو تحت ذاك النير الهين والحمل الخفيف يقول: “في كل شئ نظهر أنفسنا كخدام الله، في صبرٍ كثيرٍ، في شدائدٍ، في ضروراتٍ، في ضيقاتٍ، في ضرباتٍ” الخ. وفي موضع آخر في نفس الرسالة يقول: “من اليهود خمس مرات قبلت أربعين جلدة إلا واحدة …” وغير ذلك من المخاطر التي يمكن أن تُعلن حقيقةً، لكن لا يمكن احتمالها إلا بمعونة الروح القدس[16].
القديس أغسطينوس
دعى الرسول الطوباوي ذلك عطية علانية متى كان الإنسان مستعدًا في الإيمان أن يتألم من أجل رجائه في اللََّه. إنه يقول: “لقد وُهب لكم من اللََّه لا أن تؤمنوا بالمسيح فحسب، وإنما أن تتألموا أيضًا من أجله” (في 29:1).كما كتب القديس بطرس في رسالته: “إن كنتم تتألمون من أجل البر فطوباكم فإنكم تصيرون شركاء في آلام المسيح” (1 بط 14:3؛ 13:4). لذلك عندما تكون في طريق سهل ومتعة لا تفرح، وعندما تحل ضيقة عليك لا تكن متجهّم الوجه، ولا تحسب هذا كأمرٍ غريب عن طريق اللََّه. لأن طريق اللََّه قد طُرق بواسطة كل الأعمار وخلال كل الأجيال، خلال الصليب والموت. من أين أتيت بفكرة أن الأحزان التي بالطريق لا تخص الطريق؟ ألا ترغب في أن تتبع خطوات القديسين؟ أتودّ أن تسافر بطريق خاص من عندك ليس فيه ألم؟
الطريق إلى اللََّه هو صليب يومي. لا يصعد أحد إلى السماء بالطريق السهل. نحن نعلم إلى أين يقود الطريق السهل[17].
القديس ماراسحق السرياني
“في ضربات، في سجون،
في اضطرابات، في أتعاب،
في أسهار، في أصوام” [5].
“في ضربات، في سجون“: إن كان سفر الأعمال قد قدم شهادة حية عما تعرض له الرسول من ضربات وسجون، إلا أنه بلاشك لم يسجل لنا كل ما تعرض له الرسول.
“في اضطرابات akatastasiais” حيث حدث أكثر من هياج مسلح ضد الرسول بسبب كرازته بالإنجيل وشهادته للسيد المسيح. ولعله يقصد اضطرار الرسول إلى التنقل من موضع إلى آخر بسبب الاضطهادات التي كانت تلاحقه.
“في أتعاب“: لم يكف عن العمل المستمر في كل مدينة أو دولة قدرما يستطيع لنشر كلمة اللَّه.
“في اسهار“: فقد قضى ليالٍ كثيرة لا يعرف فيها النوم أو راحة الجسد، يسهر لرعاية شعب اللَّه والصلاة من أجلهم. كان رجل صلاة، يساعد شعبه بصلواته على هزيمة عدوهم غير المنظور.
ليت كاهن الكنيسة يصلي على الدوام حتى يصير لشعبه الذي تحت رعايته الغلبة على قوات عماليق غير المنظورة، الذين هم الشياطين التي تهاجم من ينشد حياة التقوى في المسيح[18].
العلامة أوريجينوس
مع أن المجاهدين من أجل الإيمان الحق لم ينالوا بعد مكافأة، فالحق وحده يحث محبيه على مواجهة أي خطر من أجل هذا الإيمان الحق. يشهد القديس بولس بذلك فيقول: “إني متيقن أنه لا موت ولا حياة ولا ملائكة… يستطيع أن يفصلني عن محبة المسيح”.
لترى يا صديقي لهيب هذه المشاعر! لتنظر شعلة الحب! فإن بولس لا يشتهي ما للمسيح بل يشتهي المسيح نفسه فقط كما يقول. حبه هذا لا يرتوي. إنه مستعد أن يترك بفرح كل متعة وقتية أو مستقبلية، نعم وأيضًا أن يحتمل كل أنواع الألم حتى يظل هذا اللهيب مشتعلاً فيه بكل قوته.
ضرب لنا بولس الرسول مثلاً بالعمل كما بالكلام، فقد ترك لنا ذكريات معاناته وراءه.
عندما أتذكره وأتذكر الآباء البطاركة والأنبياء والرسل والشهداء والكهنة لا يسعني إلا أن أبتهج بما نعتبره عادة بؤسًا.
إنني أخجل عندما أتذكر كيف أن الذين لم يتلقوا قط ذات الدروس التي تلقنّاها إنما بالطبيعة الفطرية فقط كسبوا مواقع مرموقة في سباق الفضيلة[19].
الأب ثيؤدورت أسقف قورش
“في أصوامٍ“: ربما بعضها بسبب عدم وجود طعامٍ، وأخرى بإرادته لكي تعمل نعمة اللَّه فيه وفي خدمته.
“في طهارة، في علم،
في أناة، في لطف،
في الروح القدس،
في محبة بلا رياء” [6].
“في طهارة“: hagnoteeti ويعني بها طهارة الفكر أو بساطته مع طهارة العواطف والوجدان، مع الحياة العفيفة المقدسة التي يتطلبها الإنجيل. إذ لا يمكن الشهادة للمخلص والحنو على النفوس لتمتعها بالعمل الخلاصي دون طهارة الكارز ونقاوته. هذا ولا يمكن قبول الخلاص والتمتع بالشركة مع اللَّه في ابنه بالروح القدس ما لم يتطهر الإنسان من محبة شهوات العالم.
يليق بالكاهن الذي يخدم المذابح الإلهية قبل كل شيء أن يتمنطق بالطهارة، فإنه لن يصير في وسعه تطهير القديم وإرساء ما هو جديدٍ ما لم يلبس الكتان (البوص المبروم). كثيرًا ما تحدثنا عن الثياب الكتانية، خاصة في معالجتنا للملابس الكهنوتية، بأن هذا النوع يحمل شكل الطهارة، على أن الكتان يعود أصله إلى الأرض حيث يُدرك دون مزجه بشيء آخر[20].
العلامة أوريجينوس
“في علم أو معرفة“: فإن أية غيرة للعمل بدون معرفة للأسرار الإلهية وخطة اللَّه نحو الإنسان يتحول إلى جنون.
“في أناةٍ“: مهما بدت الظروف مثيرة.
“في لطفٍ“: لا يقف الكارز عند طول الأناة محتملاً من يحاولوا إثارته، وإنما بلطفه يقبل ما يصدر عنهم في حنو كأب يترفق بابنه المريض والفاقد وعيه، سالكًا هكذا مع كل إنسان خاصة مضطهديه.
“في الروح القدس“، يعمل بالروح القدس واهب المحبة والفرح والسلام الخ. (غلا ٥: ٢٢، ٢٣)، مدركًا أنه يعجز عن ممارسته خدمته وشهادته دون نعمة الروح الساكن فيه.
“في محبة بلا رياء“، التي كثيرًا ما عبّر عنها الرسول بولس بوضع الإنسان حياته من أجل أخيه، أن يُنفق من أجل خلاص الناس وامتداد ملكوت اللَّه.
هذه الفضيلة تجعل الإنسان متشبهًا باللَّه.
لاحظ كمّ الفضائل الأخرى التي تقل في أهميتها عن المحبة، هذه التي يرتكز محورها حول جهاد الإنسان ذاته ضد الشهوات، ومقاومته للنهم، والجهاد ضد محبة المال والغضب. أما المحبة فهي فضيلة يشترك فيها الإنسان مع اللَّه ذاته. لهذا يقول المسيح: “صلوا من أجل الذين يُسيئون إليكم ويطردونكم، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات” (مت44:5، 45).
اكتشف بولس أن المحبة هي تاج الفضائل، فسعى إلى غرسها بعناية فائقة.
لا يمكن لأحدٍ أن يحب أعداءه، ولا أن يحسن إلى مبغضيه، ولا أن يتألم من أجل المسيئين إليه. لكنه إن تذكر الطبيعة البشرية المشتركة بينهم لا يبالي بالآلام التي يسببونها له، فكلما ازدادوا قسوة عليه ترفق بهم. فالأب يحزن بالأكثر ويكتئب على ابنه المختل كلما ازداد جنون الابن وعنفه.
لقد شخّص بولس المرض الذي يسبب تلك الهجمات الشرسة ضده، فازداد اهتمامه بهم ورعايته لهم كمرضى.
نسمعه وهو يخاطبنا بلطفٍ وحنانٍ فائق عن الذين جلدوه خمس مرات (2 كو 24:11)، ورجموه وقيدوه وسفكوا دمه، واشتهوا تقطيعه إربًا، فيقول عنهم: “لأني أشهد لهم أن لهم غيرة اللَّه، ولكن ليس حسب المعرفة” (رو 2:10). وأيضًا ضيّق على الذين يُسيئون إليهم، قائلاً: “لا تستكبر بل خف، لأنه إن كان اللَّه لم يُشفق على الأغصان الطبيعية، فلعله لا يُشفق عليك أيضًا” (رو 20:11، 21). وحينما رأى الدينونة الواقعة عليهم لم يسعه إلا أن يعمل ما يقدر عليه، وهو أنه بكى وناح من أجلهم بلا توقف[21].
القديس يوحنا الذهبي الفم
يشير بالأكثر إلى ما لا تقدر بثمن مضيفًا “في طهارة“، وبجانبها كل ثمار الروح المعروفة … إذا قبل إنسان نصيحة سليمان واتخذ الحكمة الحقيقية معينة وشريكة الحياة، إذ يقول: “لتحبها فتحفظك، كرِّمها فتحتضنك”، عندئذ يظهر بطريقة أنه مستحق لهذه المحبة، ويحتفل مع بقية المدعوين للعرس المفرح في ثوبٍ بلا دنسٍ، ولا يُطرد خارجًا، عندما يُدعى ليجلس في تلك الوليمة لأنه ليس غير مرتدٍ ثوب العرس[22].
القديس غريغوريوس أسقف نيصص
“في كلام الحق،
في قوة اللَّه،
بسلاح البر لليمين ولليسار” [7].
“في كلام الحق“: أي الشهادة بكلمة اللَّه، الحق الإلهي المقدم من قبل اللَّه.
“في قوة اللَّه“: يتكلم الشخص كمن له سلطان من قبل اللَّه؛ فتنطلق الكلمة من القلب إلى القلب لتحرك كل كيانه بالقوة الإلهية. لا يعني بقوة اللَّه هنا مجرد المعجزات، وإنما العمل الإلهي في تجديد إرادة السامع وأفكاره وعواطفه، أي شوقه لقبول الكلمة.
“بسلاح البر لليمين ولليسار” تحدث الرسول بولس عن سلاح اللَّه في (أف ٦: ١٣-١٧)، الذي يحوي منطقة الحق ودرع البرّ وحذاء إنجيل السلام وترس الإيمان وخوذة الخلاص وسيف الروح. بسلاح اللَّه الكامل نغلب العدو الشرير تحت كل الظروف.
بقوله “لليمين ولليسار“، يعني أننا نغلب في وقت الفرح كما في وقت الأحزان، أو في مقاومة الشر والفساد كما في مقاومة البرّ الذاتي.
يدعو هذه الأمور “يسارا” التي تبدو كأنها محزنة، كأن مثل هذه لها مكافأة. لماذا يدعوها هكذا؟ إما حسب فهم الكثيرين لها، أو لأن اللَّه أمرنا أن نصلي ألا ندخل في تجربة[23].
القديس يوحنا الذهبي الفم
تعمل الفضيلة في اتجاهين مختلفين: أولهما الإيمان، وثانيهما السلوك وفقًا لضميرنا. ونحن هنا ننمي أنفسنا في كلا الاتجاهين، فلا يمسنا العدو بتجاربه ونحن لابسين درع الإيمان “في كلام الحق في قوة اللَّه، بسلاح البرّ لليمين واليسار” (2 كو 6: 7)[24].
القديس غريغوريوس أسقف نيصص
الإنسان الذي بحقٍ يبحث عن البرّ بحسب الفهم البشري يتزود بأذرع البرّ لليسار. والإنسان الذي يفعل ذات الأمر حسب تعاليم الحق والذي يبحث في هذا العمل عن الابن “البرّ” يحمل سلاح اليمين[25].
القديس ديديموس الضرير
أسلحة البرّ التي لليمين هي تلك التي تسر الذهن، وأما التي لليسار فهي لا تفعل ذلك[26].
الأب ثيؤدورت أسقف قورش
بالنسبة لمن يرتفع فكره تبدو له كل الأشياء متساوية في الكرامة، ولا يُفضّل شيئًا عن الآخر، لأن فترة الحياة تجري بالمتناقضات على قدم المساواة. وفي مصير كل شخص توجد قوة للحياة إما صالحة أو شريرة. كما يقول الرسول: “بأسلحة اليمين واليسار، بكرامة أو هوان“. لذلك فالشخص الذي يطهّر ذهنه وبحق يمتحن حقيقة الوجود يسير في طريقه من الميلاد إلى الموت، لا يفسده بالملذات أو يحطمه بالعنف، ولكن بحسب عادة المسافرين يتأثر قليلاً بما هو يلاقيه.
فإنه عادة ما يسرع المسافرون عند نهاية الرحلة سواء كانوا يسيرون عبر المروج والحقول المخصبة أو عبر البراري والأماكن القاسية، فالمسرّات لا تعطلهم، والأمور المحزنة لا تعوق سبيلهم. لذلك فإنه هو نفسه يُسرع دون ارتباك عن الهدف الموضوع أمامه، غير منحرفٍ عن الطريق. إنه يعبر هذه الحياة متطلعًا إلى السماء وحدها، وذلك مثل قائدٍ صالحٍ يوجّه سفينته إلى موقع الوصول العلوي[27].
القديس غريغوريوس أسقف نيصص
“بمجدٍ وهوانٍ،
بصيتٍ رديءٍ وصيتٍ حسن،
كمضلّين ونحن صادقون” [8].
“بمجد وهوان“: تكريم الناس له أو إهانتهم له لن يؤثر على رسالته وغيرته ومحبته لخلاص اخوته. يليق بالكارز أن يتوقع حربًا من الجانبين، بالتكريم الزائد حتى ينسى رسالته ويهتم بكرامته الشخصية، أو بالإهانة والتجريح حتى ينشغل بالدفاع عن نفسه وتبرير تصرفاته وينسى خلاص نفسه وخلاص أخوته.
“بصيت ردىء وصيت حسن“: إن نالته إهانات يحسب ذلك ضرورة لكي يتمجد اللَّه فيه حتى بصيته الردىء، ويدرك إن كل نجاح هو من قبل اللَّه. وبصيت حسن حيث يحسب إن اللَّه يستر على ضعفاته من أجل بنيان ملكوت اللَّه.
“كمضلين ونحن صادقون“: لم يضطرب الرسول حين أُتهم بأنه يقدم تعاليم باطلة مضللة، إذ هو واثق من الحق الذي قبله من الرب.
لا تمل نحو المديح، لئلا وأنت تربح المديح تُهين اللََّه. يقول الرسول: “إن كنت أُرضي الناس فلست عبدًا للمسيح” (غلا 10:1). لقد كفَّ عن إرضاء الناس عندما صار عبدًا للمسيح. يسير جندي المسيح بصيت حسن أو صيت رديء، الواحد عن يمينه والآخر عن يساره. ليس من مديحٍ يجعله في تيه وبهجة، وليس من توبيخ يحطمه. إنه لا ينتفخ بالغنى ولا يتحطم بالفقر. الفرح والحزن (الزمنيين) يمقتهما على قدم المساواة. الشمس لا تحرقه بالنهار ولا القمر بالليل (مز 6:121) [28].
القديس جيروم
إن كنا نعيش حياة تستحق “الصيت الحسن” وقيل عنّا حسنًا، فدعنا الآن نحتمل “الصيت الرديء” من الأشرار. أضف إلى هذا إن كان الذين يحبّون الحق يعجبون بنا حقًا، فلنضحك إذًا عندما نُدعى دجّالين. عندما خلصنا من مخاطر كثيرة قال كثيرون عنّا إننا معروفون لدى اللََّه. الآن دع الذين يريدون أن يدعوننا أننا مجهولون بينما نحن معروفون أكثر. هكذا إذ نحتمل ما يحدث لنا نُعاقب لكننا “لا نٌقتل“، وإذ نحن فرحون فإننا نشبه الحزانى[29].
العلامة أوريجينوس
يوجد كثيرون يمدحون حياة الصالحين أكثر مما ينبغي. فلئلا يتسلل أي تيه لدى الصالحين بسبب هذا المديح يسمح اللَّه القدير للأشرار أن يقذفوا بسمعتهم ويوبخوهم بعنف، حتى إذا ما نبعت خطية ما في القلب بسبب كلام المديح تُصد بواسطة من يسبهم. لهذا يشهد معلم الأمم بأنه يستمر في الكرازة “بصيت ردئ وصيت حسن” قائلا أيضًا: “كمضلين ونحن صادقون“.
إن كان قد وُضع تقرير ردىء عن بولس ودُعي مضلاً، فكيف يحسب المسيحي أن أمر صعب إن سمع كلمات جارحة من أجل المسيح؟ ولماذا ننطق بهذه الكلمات ضد قديسين؟ لنتحدث عن قدوس القديسين نفسه، فإن كان اللَّه الذي صار إنسانًا من أجلنا سمع اتهامًا جارحًا بأنه شيطان وذلك قبل موته، ودُعي مضللا بعد موته بواسطة مضطهديه (مت ٦٣:٢٧)[30].
البابا غريغوريوس (الكبير)
“ليضحك من يضحك! وليتهكم من يتهكم! هذا لن يشغل ذهني فإني لم أشغل هذا الموضع إلا لأكون مرفوضًا وأضحوكة!
إني مستعد أن أحتمل كل شيء.
من يصر على تصرفاته ولم يسمع لتحذيري أمنعه من الدخول في الكنيسة كما بصوت بوقٍ، حتى إن كان أميرًا أو إمبراطورًا.
أعفوني من عملي وإلا فلا تلزموني أن أكون تحت اللعنة.
كيف أجلس على هذا الكرسي إن لن أفعل ما يليق به؟ خير لي أن أنزل عنه، لأنه ليس أمَّرْ من وجود أسقف لا يفيد شعبه[31].
القديس يوحنا الذهبي الفم
“كمجهولين ونحن معروفون،
كمائتين وها نحن نحيا،
كمؤدَّبين ونحن غير مقتولين” [9].
كان الذين يَبغضون الرسول بولس ومن معه يحسبون أن ما يحل بهم من ضيقات يومية هو ثمرة شرورهم، لكن هؤلاء الخدام إذ يكرزون بالكلمة يختبرون كل يوم قوة قيامة المسيح المبهجة في الضيقات.
“كمجهولين ونحن معروفون“: قد يستخف الناس بالكارز ويحسبونه مجهولاً لا كيان له. بلا مركز مرموق في المجتمع، بينما السماء عينها تمجده. كان الرسول بولس ورفقاؤه غير معروفين للأشرار بينما كانوا معروفين تمامًا للمؤمنين المقدسين في الرب.
كأننا نكرز خفية في خوف وخجل بينما نحن نشهد لخلاصنا علانية أينما وُجدنا، لا نفعل شيئًا في الخفاء.
“كمائتين وها نحن نحيا” وذلك خلال المخاطر المستمرة والاضطهادات والأتعاب حيث نعاني من ميتات كثيرة، لكننا في هذا كله نختبر الحياة الجديدة المقامة كعطية توهب لنا خلال الشركة مع المسيح غالب الموت.
“كمؤدبين ونحن غير مقتولين” كأننا أبناء متمردون وعصاة نستحق التأديب حتى الموت، لكننا نحيا غير مقتولين وذلك حسب مسرة أبينا السماوي.
“كحزانى، ونحن دائمًا فرحون،
كفقراء، ونحن نُغني كثيرين،
كأن لا شيء لنا، ونحن نملك كل شيء” [10].
“كحزانى ونحن دائما فرحون“: في كل الظروف وبالرغم من كل الاضطهادات والشدائد نبدو كحزانى لكن الفرح لا يفارقنا، لأننا نتمتع بتهليل الغلبة والنصرة: فقد غلبنا ونغلب ونبقى بالنعمة الإلهية غالبون. تعزيات الروح القدس وسط الضيق لا تفارقنا.
ما دام “في هذه الخيمة” المعلنة للموت ويتثقل بهذا الوجود فإنه يحزن طوال رحلته كما يقول المرتل في أغنيته السماوية. بالحق إنهم كانوا يعيشون في الظلمة هؤلاء الذين يرحلون في هذه الخيام الحية، بينما كان المبشر يئن باستمرار خلال هذه الرحلة[32].
القديس غريغوريوس أسقف نيصص
“كفقراء ونحن نغني كثيرين“: يُحتقر الكارز كفقيرٍ لا يقتني شيئًا من هذا العالم بينما يقدم للقلوب الفارغة من فيض غنى مخازن المسيح. ليس له فضة ولا ذهب، ولا بيوت وأراضٍ لكنه يقدم ملك السماء والأرض الذي في أعماقه ليتمتع الكثيرون به ويشبعون.
“كأن لا شئ لنا، ونحن نملك كل شئ“: في المظهر لا نملك شيئًا، في الأعماق نتمتع بكنوز النعمة الفائقة، وشركة المجد الداخلي، وعربون ميراث الملكوت الأبدي!
قد يحدث أن قائدًا أو صاحب مركز شعبي يقول للمسيحي: “إما أن تكف عن أن تكون مسيحيًا أو إذا ما قاومت فلن يكون لك بيت أو أية ممتلكات”. إنه في وقت ما كان الأغنياء الذين يقررون أن يحفظوا غناهم ليتأهلوا بواسطة اللََّه أن يستخدموا هذا الغنى لأعمال صالحة، هؤلاء يختاروا أن يسلموا هذه الممتلكات من أجل المسيح عن أن ينكروا المسيح من أجل الممتلكات. هكذا صاروا كأناسٍ “ليس لهم شيء وهم يملكون كل شيء“، يملكون الحياة الأبدية في الدهر الآتي، لئلا بتسليم المسيح من أجل الغنى يسقطون في الموت الأبدي[33].
كان الرسول غنيًا في العالم الآخر هذا الذي قال: “كأن لا شيء لنا ونحن نملك كل شيءٍ”[34].
القديس أغسطينوس
4. متسع القلب
“فمُنا مفتوح إليكم أيها الكورنثيون،
قلبنا متسع” [11].
يقدم الرسول نفسه لأهل كورنثوس كأبٍ مهتم بأبنائه، مظهرًا لهم مشاعره الملتهبة نحوهم. إنه يحمل قلبًا متسعًا يمكن لكل أهل كورنثوس أن يجدوا لهم فيه مواضع. بهذا القلب المتسع المفتوح أمامهم يتحدث معهم في صراحة كاملة مع حنو وترفق. كأنه يقول لهم: “حديثي معكم ليس نابعًا عن رغبة في التعليم، إنما عن فيض حب نابع من قلبٍ متسعٍ منشغلٍ بكل واحدٍ منكم، يمكن أن يحفظكم في دفء الحب”.
هذا الدفء من عادته أن يهب اتساعًا، والاتساع هو عمل الحب. فإن الدفء فضيلة وغيرة… ليس شيء أكثر اتساعًا من قلب بولس الذي أحب كل المؤمنين بكل نقاوةٍ ليحتمل كل شيءٍ من أجل تحقيق حنوه. يقول: “فمنا مفتوح، قلبنا متسع“. إننا نحملكم جميعًا في داخله، ليس هذا فقط، وإنما كما بموضع متسع للغاية[35].
لم يقل “انتم لا تحبوننا”، وإنما “ليس بذات المقدار” حتى لا يجرحهم بعمق… إنه يحمل في رسائله شهادة أنه يُحِب ويُحَب، ولكن ليس بالتساوي… أنتم تستقبلون شخصًا، أما أنا فأستقبل المدينة بأكملها بشعبها الضخم[36].
كان لأيوب الباب المفتوح أمام الزائرين الذين استضافهم في بيته، أما بولس فكان له القلب المفتوح ليسع العالم كله، اتسم كرم ضيافته بالمسكونية. هذا دفعه للقول: “لستم متضايقين فينا بل متضايقين في أحشائكم” (2 كو12:6) [37].
بسبب هذا أنا أحتضنكم في قلبي علي الدوام.
ولهذا السبب أيضًا لا أعود أشعر بأتعاب التعليم، بل يصير الحمل سهلاً مادام المستمعون ينتفعون!
بحق أن هذه المكافأة لكافية لتجديد قوتي، تهبني أجنحة وترفعني،
تحثنى بالأكثر أن أحتمل الأتعاب القاسية لأجلكم!”
القديس يوحنا الذهبي الفم
بالرغم من عظمة اللَّه هذه فإنكِ تستطيعين أيتها النفس أن تقبليه، وهو يسكن فيكِ ويقودك بالتمام.
القديس غريغوريوس أسقف نيصص
“لستم متضيقين فينا،
بل متضيقين في أحشائكم” [12]
إن كنتم تظنون أنكم لا تجدون طريقًا متسعًا بالحب تسيرون فيه، فذلك ليس لضيقٍ في قلوبنا ولا لنقص في محبتنا، إنما هو انعكاس لضيق قلوبكم علينا، فتنعتوننا بما هو لكم. إنكم لا تفتحون قلوبكم لنا كم نفتح قلوبنا لكم.
يرتبط القوي بالضعيف فيسنده، ولا يسمح بهلاكه.
مرة أخرى إن ارتبط بشخص متكاسل يقيمه ويدفعه للعمل. قيل: “أخ يعينه أخ هو مدينة قوية”. هذه لا يفوقها بعد المسافة ولا السماء ولا الأرض ولا الموت، ولا أي أمر آخر، إنما هي أقوى وأكثر فاعلية من كل الأشياء. هذه وإن صدرت عن نفسٍ واحدةٍ، قادرة أن تحتضن كثيرين دفعة واحدة.
اسمع ما يقوله بولس: “لستم متضايقين فينا بل متضايقين في أحشائكم. كونوا أنتم أيضًا متسعين“[38].
القديس يوحنا الذهبي الفم
“فجزاء لذلك أقول كما لأولادي:
كونوا أنتم أيضًا متّسعين” [13].
كما يفتح الأب قلبه لأبنائه يليق بالأبناء أن يفتحوا له قلوبهم فيختبروا عذوبة الحب المتبادل. فتح قلوبهم يفتح بصيرتهم لإدراك اتساع قلب أبيهم. وكأن الرسول يتوسل إليهم: “حبوني كما أني أحبكم، فتختبرون حبي الذي لم تدركوه بعد.”
لقد رأيتم إنسانًا جاب الأرض كلها، لأن طموحه وهدفه هما أن يقود كل إنسانٍ إلى اللَّه. وقد حقق هذا الطموح بكل ما ادخره من قوة، وكأن العالم كله قد صاروا أبناءه، لهذا كان على عجلة من أمره.
كان دائم التجوال، كان دائم الحماس لدعوة كل البشرية لملكوت السماوات، مقدمًا الرعاية والنصح والوعود والصلاة والمعونة وانتهار الشياطين، طاردًا الأرواح المصرة على التحطيم.
استخدم إمكانياته الشخصية ومظهره والرسائل والوعظ والأعمال والتلاميذ وإقامة الساقطين بجهده الشخصي. فكان يسند المجاهدين ليثبتوا في جهادهم، ويقيم كل من طُرح ساقطًا على الأرض.
شارك القائد والطبيب الشافي في الصراع، فمدّ يد المعونة ليهاجم أو يدافع أو يرشد حسب الحاجة في ساحة العمل، فكان كل شيءٍ للمنشغلين بالصراع…
في عظمته كان أكثر توهجًا وغيرة من أية شعلة نارٍ. ومن جهة إكليل كل الفضائل فقد فاق في المحبة (كل الفضائل). وكما ينصهر الحديد في النار فيصير الكل نارًا ملتهبة، هكذا انصهر بولس في المحبة، حتى صار هو نفسه محبة متجسدة.
صار كأنه أب عام للعالم كله. نافست محبته محبة الآباء بالجسد، أو بالأحرى فاقهم جميعًا في المحبة الجسدية والروحية، وفي الاهتمام والرعاية باذلاً كل ماله وكلماته وجسده وروحه، بل وكل كيانه من أجل الذين يحبهم[39].
القديس يوحنا الذهبي الفم
5. بلا شركة مع الظلمة
“لا تكونوا تحت نيرٍ مع غير المؤمنين،
لأنه أيّة خلطة للبرّ والإثم؟
وأيّة شركة للنور مع الظلمة؟” [14]
يحذرهم الرسول من الشركة مع الأشرار غير المؤمنين. يعتبر “الصداقة مع غير المؤمنين” نيرًا، خلالها يثقل المؤمن أذنيه بنير كلمات معثرة، وعينيه بنير مناظر تفسد أعماقه، وهكذا كل حواسه تنحني لتحمل ما لا يليق بها كحواسٍ مقدسة للرب.
هنا يطلب رفض الشركة معهم في عبادتهم وفي السلوك في الإثم وأعمال الظلمة.
“لا تكونوا تحت نير مع غير المؤمنين” هذا تعبير عسكري يشير إلى التزام الشخص ألا يترك رتبته وموضعه ويذهب إلى موضع آخر أو يمارس عملاً ليس في حدود التزاماته.
يبدو أن بعض المسيحيين كانوا في صداقتهم مع الوثنيين يذهبون معهم إلى الهياكل ويشاركونهم ولائمهم وحفلاتهم التي لا تخلو من المفاسد الأخلاقية.
هذا وبالأكثر يقصد الرسول أيضا الزواج بغير المؤمنين، حيث لا يقدر الطرف المؤمن أن يختبر في بيته الحياة الكنسية السماوية، ولا أن يتمتع بعطية الروح القدس واهب التقديس.
مثل هؤلاء لا يقدرون أن يمارسوا الصلاة الربانية قائلين: “لا تدخلنا في تجربة”، لأنهم بكامل إرادتهم انحنوا ليحملوا تجربة ونيرًا يحطم إيمانهم العملي.
في العهد القديم لم يكن يسمح أن يوضع النير على حيوانين مختلفين مثل الثور والحمار معًا، لا أن تزرع بذور متنوعة ممتزجة معًا في حقل واحد، فكيف يختلط البر مع الإثم ويشترك النور مع الظلمة؟
يقول الرسول: “أية شركة بين النور والظلمة“؟ حيث يوجد تناقض فاصل، ولا يمكن المصالحة بين النور والظلمة. فالشخص الذي يشترك في الاثنين معًا لا يساهم في شيءٍ، لأجل تعارضهما، وتناقض الواحد للآخر في نفس الوقت في حياته المشتركة. إيمانه يمد الجانب المنير، لكن عاداته المظلمة تطفئ مصباح العقل.
حيث أنه من الاستحالة ومن غير المعقول أن يتوافق النور والظلمة، فالشخص الذي يضم الاثنين معًا يصير عدوًا لنفسه، إذ ينقسم إلى طريقين بين الفضيلة والشر.
إنه يقيم معركة معادية في داخله. وذلك أنه إذ يوجد عدوان غير ممكن أن ينتصر الاثنان كل على الآخر (لأن نصرة أحدهما تسبب موتًا للثاني)، هكذا أيضًا تحدث الحرب الداخلية بالارتباك في حياته، ليس ممكنًا للعنصر القوي أن يغلب دون أن يتحطم الطرف الآخر تمامًا. كيف يمكن للجيش الموقر أن يكون أقوى من الشر، عندما تهاجمه كتيبة الشر المقاومة؟
إن كان يليق بالأقوى في طريق للنصرة أن يقتل العدو تمامًا، هكذا فإن الفضيلة سيكون لها النصرة على الشر فقط عندما يفسح لها العدو كله الطريق خلال اتحاد العناصر المعقولة ضد العناصر غير السليمة… إذ لا يمكن للصالح أن يوجد فيّ ما لم يحيا خلال موت عدوّي.
يصير استحالة علينا أن نحتفظ بالمضادات التي نمسك بها بكلى اليدين، إذ لا توجد شركة بين كلا العنصرين في ذات الكائن. إن كنا نقتني الشر نفقد القوة لاقتناء الفضيلة[40].
لا توجد شركة للنور مع الظلمة، كما يقول القديس بولس (2 كو 14:6)، ولكن إذا انسحب كل الظلام يلزم للنور أن يأخذ مكانه، وأيضًا متى أُزيل الشرّ فإن الفضيلة تأخذ مكانه. وعند ما يتم هذا فإن قوة الجسد لا تتمكن من مقاومة الروح القدس (فإماتة الجسد تفقده معارضة الروح). فيصبح الجسد وديع الطباع فى جميع الظروف وخادمًا مطيعًا لحكم الروح القدس. فعندما ما يختفى الجندي الخبيث القاسي وشره، يحل محله الجندي المسلح بالفضيلة وهو يلبس درع البرّ على صدره، ويحمل سيف الروح القدس، ويحميه سلاح اللَّه الكامل وخوّذة الخلاص وترس الإيمان وسيف الروح (أف 14:6-17). لذلك يسلك الجسد كخادم للسيد وهو العقل، ويستجيب لكل أوامره فى الفضيلة التي تعمل لخدمة الجسد[41].
يبدو لي أن الله يقول لمثل هذا الإنسان (الفاسد) أمرًا كهذا: يا من حياتك فاسدة هل تدعو مصدر عدم الفساد، الآب؟ لماذا تدنس الاسم الطاهر بكلمتك الدنسة؟ لماذا تناقض هذه الكلمة وتهين الطبيعة غير الدنسة؟ إن كنت أبًا لك يليق بحياتك أن تتسم بسماتي الصالحة. انني لست أتعرف على صورة طبيعتي فيك. سماتك مناقضة لسماتي على خط مستقيم. أية شركة بين النور والظلمة؟ أية قرابة بين الموت والحياة؟ كيف يمكن أن توجد ألفة بين الطهارة والنجاسة؟[42]
ليس من طريقٍ نكتشفه نقيم به تناغمًا بين أشياء طبائعها متضادة وليس بينها شيء مشترك. يخبرنا الرسول بأنه ليست شركة بين النور والظلمة، أو بين البرّ والشر، وباختصار بين كل الصفات التي ندركها والاسم الخاص بجوهر طبيعة الله وبين كل ما يضاد ذلك الذي ندركه في الشر. إذ ترون استحالة أي اتحاد بين الأمور المتناقضة، نفهم أن النفس الفاسدة متغربة عن البلوغ إلى أصحاب الصلاح[43].
القديس غريغوريوس أسقف نيصص
إن راعينا فكر الرسل عن الهراطقة نجد في كل رسائلهم أنهم يمقتوا الدنس الرجس ويبغضوه… يقولون أنه لا توجد شركة بين العدل والظلم، ولا بين النور والظلمة، إذ كيف يمكن للظلمة أن تنير أو للظلم أن يقدم عدالة؟ إنهم ليسوا من اللََّه بل من روح ضد المسيح فكيف يمكن لأعداء اللََّه وقد ملأ روح ضد المسيح صدورهم أن يسلكوا في الأمور الروحية الإلهية؟[44]
القديس كبريانوس
لا يمكن أن يوجد نوعان من الحب متناقضان في إنسانٍ واحدٍ. فكما لا يوجد اتفاق بين المسيح وبليعال، وبين العدالة والظلم، يستحيل لنفس واحدة أن تحب كل من الصلاح والشر. يا من تحب الرب اكره الشرير إبليس. في كل عملٍ يوجد حب لواحدٍ وكراهية للآخر… يا من تحب الأشياء الصالحة لتكره الأشياء الشريرة، إذ لا تقدر أن تحبها ما لم تكره الشر[45].
القديس جيروم
“وأي اتفاق للمسيح مع بليعال؟
وأي نصيب للمؤمن مع غير المؤمن؟” [15]
للمسيح خطته واهتماماته ورسالته التي تختلف تمامًا عما لبليعال، فكيف يمكن للإنسان أن يخدم الاثنين معًا أو يرضيهما معًا.
الروح القدس هو عمادنا الحقيقي، لهذا السبب نبقى دومًا معمّدين، إذ هو دائمًا فينا، ولا يقدر شيء ما أن يحرمنا من عمادنا بإنكار اللََّه والانسجام مع الشياطين. في مثل هذه الحالات بالحق يعتزل الروح القدس، لأنه لا يقدر أن يقبل البقاء في موضع حيث يسكن الشيطان[46].
القديس مار فيلوكسينوس أسقف منبج
“وأيّة موافقة لهيكل اللَّه مع الأوثان؟
فإنكم أنتم هيكل اللَّه الحي.
كما قال اللَّه: إني سأسكن فيهم، وأسير بينهم،
وأكون لهم إلهًا، وهم يكونون لي شعبًا” [16].
المؤمن هيكل اللَّه قد تخصص وتكرس لخدمة اللَّه الذي وعد أن يسكن في أعماقه ويسير معه، ويقبله ابنًا له. فكيف يمكن أن تتحقق موافقة بين هيكل اللَّه وهيكل الوثن؟ اللَّه إله غيور لن يقبل أن يعطي مجده لآخر، ولا أن يشترك مع آخر في ذات القلب. ليس شيء أكثر دنسًا ونجاسة في عيني اليهودي من إقامة وثن في هيكل الرب، هكذا لا يليق الشركة بين العبادتين، فالوثني لن يعبد اللَّه خالقه، والمسيحي لن يعبد وثن. فإن اشترك الاثنان في عبادة واحدة، أو تزوج الاثنان ليعيشا في بيت واحد، كيف يمكن أن يتحقق ذلك؟
يؤكد الرسول اشتياق اللَّه لإقامة بيته المقدس في قلب المؤمن كهيكلٍ خاص به. إنه ليس بعابر طريق يبيت ليلة أو أكثر في قلب المؤمن إنما هو مالك للقلب وساكن دائم فيه، يسير في أعماقه. يعلن أنه إلهه، لا يشاركه أحد معه وهو يكون من شعبه يتقبل عمله الإلهي من تعليم واستنارة وعون وحماية وقيادة وشبع، يتقبل بركات إلهية لا حصر لها.
بسبب سكناه ننال كل ما يخص اللَّه الآب، وما يخص بالمثل ابنه الوحيد[47].
هكذا كانت مسرة اللَّه أن يأتي من السماء المقدسة، ويأخذ طبيعتك العاقلة. فقد أخذ جسدًا من الأرض ووّحده بروحه الإلهي، حتى تستطيع أنت (الأرضي) أن تنال الروح السماوي. وحينما تصير لنفسك شركة مع الروح ويدخل الروح السماوي في نفسك حينئذ تكون إنسانًا كاملاً في اللَّه، ووارثًا وابنًا[48].
يليق بالهيكل الإلهي البخور الذي يكون من أطيب رائحة. كل فضيلة هي بخور عقلي، مقبول تمامًا عند إله الكل[49].
القديس كيرلس الكبير
رأى يوحنا المدينة المقدسة نازلة من السماء مبنية على أسس من حجارة كريمة ولها اثنا عشر بابًا (رؤ 10:21-21)… في هذه المدينة يملك المسيح؛ وسكانها أنفسهم هم سكان وأبواب، بيوت وسكان. المسيح ساكن فيهم، المسيح يتحرك فيهم. يقول: “أنا أسكن وأتحرك فيهم“.
فكروا في النفس القديسة كيف أنها أقدس من أن تُوصف. إنها تضم المسيح الذي السماء ليست متسعة لتحويه!… يتحرك فيها! فبالتأكيد هي بيت متسع فيه يسير.
قيل: “أنتم هيكل اللَّه، والروح القدس يسكن فيكم” (راجع 1 كو 16:3). لنعد هيكلنا حتى يأتي المسيح ويجد مسكنه فينا، وتصير نفوسنا صهيون، وتكون برجًا يُقام في الأعالي، فتكون دومًا إلى فوق وليس إلى أسفل[50].
القديس جيروم
“لذلك اخرجوا من وسطهم واعتزلوا،
يقول الرب،
ولا تمسّوا نجسًا فأقبلكم” [17].
نظرًا لخطورة الموقف يطالبهم الرسول بالاعتزال كمن يهرب من البرص أو أي من وباءٍ معدٍ.
“وأكون لكم أبًا وأتم تكونون لي بنين وبنات،
يقول الرب القادر على كل شيء” [18].
باعتزالهم الأشرار لن يخسروا شيئًا، إذ تنفتح أعينهم ليروا اللَّه أبًا لهم؛ أية كرامة أو سعادة أعظم من هذه؟ يدخل المؤمن في الانتساب إلى الآسرة الإلهية، فيحمل سمات الأسرة من حياة سماوية مقدسة متهللة آمنة.
“يقول الرب القادر على كل شيءٍ” أو ضابط الكل. مهما بلغ حنو الآباء الأرضيين وحبهم كثيرًا ما يعجزوا عن إشباع احتياجات أبنائهم، إذ قد تنقصهم القوة أو الإمكانيات، أما الرب فقادر على كل شيءٍ، يعد ويفي، يقدم لأولاده أكثر مما يسألوا وفوق ما يحتاجوا.
اللََّه يريدنا أن نعتزل كل دنس وتلوث لكي يقبلنا كأبناء له. لهذا يحثنا الرسول بولس نحو الطهارة.
بولس نبوي في إخبارنا أن نصنع حاجزًا ليس بين أنفسنا والمتزوجين، وإنما بين أنفسنا والأمم الذين لازالوا يعيشون في اللاأخلاقيات، وأيضًا من الهراطقة الذين لا يعتقدون في الطهارة ولا في اللََّه[51].
تفسير كورنثوس الثانية 5 – الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي
تفسير كورنثوس الثانية 5 – الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي
تفسير كورنثوس الثانية 5 – الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي
الاصحاح الخامس
خدمة المصالحة مع السماوي
يختم الرسول حديثه عن خدمة العهد الجديد برفع القلوب إلى العرش السماوي لكي يدخل الكل إلى حضن الآب، وجاءت دعوة خدمته كسفيرٍ للسيد المسيح: “تصالحوا مع اللَّه!”
١. بيتنا السماوي ينتظرنا ١-١١
٢. الكل قد صار جديدًا ١٢-١٧
٣. تصالحوا مع السماوي ١٨-٢١
١. بيتنا السماوي ينتظرنا
أراد الرسول إن يكشف عن السرّ الخفي الذي يدفع الخادم الحقيقي كي لا يفشل ولا ييأس وسط الضيقات اليومية بل والميتات الكثيرة. إنه يرى أبواب السماء مفتوحة وبيته غير المصنوع بيدٍ بشريةٍ ينتظره. يرى حياة جديدة فريدة نال عربونها الآن، ويتمتع بكمالها في الأبدية. يرى حضن الآب ينتظره ليستقر فيه أبديًا.
يتحدث الرسول هنا عن ما يتوقعه ويرجوه في يقين وعن الحياة المطوَّبة الأبدية التي ينعم بها في الدهر الآتي.
“لأننا نعلم أنه إن نُقض بيت خيمتنا الأرضي،
فلنا في السماوات بناء من اللَّه،
بيت غير مصنوع بيدٍ أبدي” [1].
بقوله: “نحن نعلم” يكشف عن يقين الرجاء الذي فيه أن له موضع في السماء يدعوه بيتًا، إما حياته هنا فيدعوها “خيمة” لأنها غير مستقرة. هناك يجد له بيتًا أو مسكنًا، أو موضع راحة، أو بيت أبيه أو البيت الأبدي. إنه في الأعالي قام ببنائه اللَّه نفسه أعده لمحبوبيه، لا يُقارن بأي قصرٍ في هذا العالم.
يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن البعض يقولون بأن المنزل الأرضي هو العالم، لكن يبدو له أنه بالأحرى يشير الرسول إلى الجسد[1].
يقصد بالخيمة جسم الإنسان الذي تقطن فيه النفس كما في خيمة أثناء رحلتها في برية هذا العالم حتى تدخل كنعان السماوية. حينما تنحل الخيمة أو الجسد تنطلق النفس إلى الفردوس لترى مسكنًا جديدًا اختبرت عربونه وهي في الجسد، تقيم فيه حتى يوم الرب فيلبس جسدها عدم الفساد ويعيش الإنسان بكل كيانه في السماء عينها.
ماذا يعني بالبناء من اللَّه؟ يرى البعض أن الرسول يشير هنا إلى مركبة سماوية معينة يبعث بها اللَّه إلى النفوس عند خروجها من الأجساد، والبعض يظن أنها تشير إلى قيامة الجسد، وآخرون يروا أنها إشارة إلى الحالة المطوَّبة للقديسين المتمتعين بملكوت اللَّه. جسمنا الحاضر هو خيمتنا الأرضية، جسمنا المُقام هو بيتنا السماوي.
جاء في العظة الخامسة للقديس مقاريوس أن المسيحي الحقيقي إذ صارت له شركة الروح القدس، لأنه مولود من اللَّه من فوق، قد صارت مدينته في السماوات (في 20:3)، يكشف له الروح “الخيرات الأبدية كما في مرآة“. إنه يهبه سلام المسيح ومحبة الرب وشهوة السماء، وذلك خلال الآلام والعرق والتجارب والحروب الروحية الكثيرة، لكنه ينعم بهذه الأمور بنعمة اللَّه[2]. المسيحي الحقيقي يدخل إلى خبرة مجدٍ سماويٍ خارج عن الجسد، إذ يُجرح بجمالٍ آخر (غير جسدي) لا ينطق به[3]: “أولئك الذين تساقط عليهم ندى روح الحياة، أي ندى اللاهوت، فجرح قلوبهم بحب إلهي للمسيح الملك السماوي، وارتبطوا بذلك الجمال والمجد الفائق الوصف والحسن عديم الفساد وغنى المسيح الملك الحقيقي الأبدي، الغنى الذي يفوق الوصف[4]“.
بهذا الغنى يتدرب الإنسان على الحياة الملوكية، حتى متى جاء يوم الرب العظيم يدخل الملكوت فلا يراه غريبًا عنه، إنما عاش في عربونه وتمتع بغناه بالروح القدس وهو على الأرض.
يلزمنا نحن جميعًا أن نجتهد ونسعى في كل نوعٍ من الفضيلة، وأن نؤمن أننا سنقتني ذلك البيت ونمتلكه منذ الآن. لأنه إن كان بيت جسدنا يُنقض فليس لنا بيت آخر للنفس لكي تدخل فيه[5].
القديس مقاريوس الكبير
يتحدث بولس هنا عن عالمين مختلفين، واحد أرضي مصنوع بأيدٍ منظور، والآخر غير منظور مصنوع بغير أيدٍ، سماوي. على الأرض نفوسنا تلتحف بالجسد والدم وهما الجسم المنظور العضوي. لكن ما أن يُترك هذا الجسم تتحرك النفس نحو الجو السماوي حيث تستعيد جسمها لكنه جسم يتحول إلى جسمٍ سماويٍ[6].
القديس ديديموس الضرير
مرة أخرى يلمح بولس إلى القيامة التي لم يفهمها كثير من الكورنثيين أو لم يقبلوها. الخيمة الأرضية هي جسمنا. ومما لا يمكن إنكاره أنها ليست من صنع أيدٍ، ولكن بولس في بساطة يقارنها بالبيوت التي نعيش فيها. لم يكن يحاول أن يقدم مغايرة دقيقة بين الأرضي والسماوي بل بالأحرى أن يمجد الأخيرة قدر المستطاع[7].
ما هو المسكن؟ اخبرني. الجسم غير الفاسد الذي سنلبسه في القيامة. الآن نحن نئن، لأن ما سيحدث فيما بعد أفضل بكثير مما نحن عليه الآن… فإنه بالتأكيد ليس جسدًا ينزل إلينا من فوق. إنما التعبير يعلن عن النعمة التي تُرسل إلينا من فوق… لذلك يدعوها من هنا فصاعدًا ليست خيمة بل بيتًا، وهذا بالأحرى أكثر مناسبة. لأن الخيمة بالحق يمكن تمزيقها إلى قطع، أما المسكن فيبقى بلا تغيير[8].
القديس يوحنا الذهبي الفم
الجسم السماوي ليس شيئًا مختلفًا، إنما هو ذات الجسم الذي لنا الآن والذي سيتحول[9].
ثيؤدورت أسقف قورش
بخصوص طبيعتنا الجسمية يلزمنا أن نفهم أنه لا يوجد جسم واحد نستخدمه الآن في انحطاطٍ وفسادٍ وضعفٍ، وجسم مختلف نستخدمه فيما بعد في عدم فساد وفي قوةٍ ومجدٍ. وإنما هو ذات الجسم، تُنتزع عنه الضعفات الحاضرة، ويتحول إلى شيء من المجد ويصير روحانيًا. النتيجة هي أن ما كان إناءً للَّهوان هو نفسه يتنقى ويصير إناءً للكرامة ومسكنًا للطوباوية. ويلزمنا أن نؤمن أن جسمنا يبقى على هذا الحال إلى الأبد بدون تغيير كإرادة الخالق. لقد تحققنا من هذه الحقيقة الأكيدة بعبارة الرسول بولس حيث يقول: “لنا في السموات بيتًا غير مصنوعٍ بيدٍ أبدي”[10].
العلامة أوريجينوس
من جانب فإن جسمنا الفاسد هو ثقل على نفوسنا، ومن جانب آخر فإن علة هذا العائق ليس في طبيعة الجسم وجوهره. لذلك إذ نعرف فساده لا نرغب في أن نتعرّى من الجسم بل بالأحرى أن يلبس عدم فساده. في الحياة الخالدة سيكون لنا جسم، لكنه لن يصير بعد ثقلاً إذ لا يكون بعد فاسدًا… لقد تثقلنا إذن بهذا الجسم الفاسد. لكننا إذ نعلم أن حالة الثقل هذه ليست من طبيعة الجسم وجوهره إنما من فساده، لذا فإننا لا نرغب في أن نتخلص منه بل أن نلبسه مع عدم فساده. عندئذ سيوجد جسم، لكنه لا يعود يكون ثقلاً لأنه لا يعود يكون فاسدًا[11].
القديس أغسطينوس
لنتحدث الآن عن الزهد الذي أعلنه الكتاب المقدس والتقليد في أنواع ثلاثة. ليتأمله كل إنسان بدقة لكي يصير كاملاً.
النوع الأول هو الذي يختص بالجسد، فيزهد الإنسان الثروة والممتلكات التي في هذا العالم.
والنوع الثاني فيه ننبذ أساليب السلوك والرذائل القديمة الخاصة بالروح والجسد.
والنوع الثالث فيه تتحرر الروح من كل الحاضرات والمرئيات متأملة في الأبديات، فينشغل القلب بغير المنظورات.
لقد سمعنا أن اللَّه طلب من إبراهيم أن ينفذ هذه الأنواع الثلاثة (من الزهد) دفعة واحدة، إذ قال له: “اذهب من أرضك، ومن عشيرتك، ومن بيت أبيك” (تك 1:12)…
إذا نفذنا النوع الأول من الزهد بكل إخلاص وأمانة، لا ننتفع كثيرًا ما لم نكمله بالنوع الثاني بنفس الغيرة والاشتياق. فإذا ما نجحنا في هذا يمكننا أن نبلغ النوع الثالث حيث نخرج من “بيت أبينا” القديم، إذ “كُنَّا بالطبيعة أبناءَ الغضب كالباقين أيضًا” (أف 3:2)، مثبتين أنظارنا تجاه العلويات. ويُحدّث الكتاب المقدس أورشليم – التي احتقرت اللَّه الأب الحقيقي- عن الأب القديم قائلاً: “أبوكِ أَموريّ، وأمك حثّيَّة” (حز 2:16). وفي الإنجيل جاء: “أنتم من أبٍ هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا” (يو 24:8).
فإذ نترك هذا الأب عابرين من المنظورات إلى غير المنظورات نستطيع أن نقول مع الرسل: “لأننا نعلم أنهُ إن نُقِض بيت خيمتنا الأرضي فلنا في السموات بناء من اللَّه بيت غير مصنوعٍ بيدٍ أبديّ” (2 كو 1:5)، ونقول أيضًا: “فإن سيرتنا نحن هي في السماوات التي منها أيضًا ننتظر مخلّصًا هو الربُّ يسوع المسيح الذي سيغيّر شكل جسد تواضعنا ليكون علي صورة جسد مجدهِ” (في 20:3، 21)، وننطق بما يقوله داود الطوباوي: “غريب أنا في الأرض” (مز 19:119)…
يلزمنا أن نكون مثل أولئك الذين يُحدّث الرب أباه عنهم قائلاً في الإنجيل: “ليسوا من العالم كما أني أنا لست من العالم” (يو 16:17)، وأيضًا محدثًا التلاميذ أنفسهم قائلاً: “لو كنتم من العالم لكان العالم يحبُّ خاصَّتهُ. ولكن لأنكم لستم من العالم بل أنا اخترتكم من العالم لذلك يبغضكم العالم” (يو 19:15)[12].
الأب بفنوتيوس
“فإننا في هذه أيضًا نئن،
مشتاقين إلى إن نلبس فوقها مسكننا الذي من السماء” [2].
إذ نحن في هذا الجسد نئن من الضعفات التي تحل بنا والتجارب التي تواجهنا، فنشعر أن الحياة مملوءة بالآلام والأحزان. وكأن كل ما حولنا يصرخ: “قم ارحل من هذا الجسد إذ ليس فيه راحة”. حتى القديسون يشعرون أحيانًا بثقل جسد الخطية والفساد الذي يحل فيه، فيصرخون: “ويحي أنا الإنسان الشقي، من ينقذني من جسد هذا الموت؟” (رو ٢٤:٧).
حقًا يشعر المسيحي بأن جسده هو عطية إلهية مفرحة، والحياة هبة من قبل اللَّه، لكن تذوقه لعربون الأبدية يلهب في داخله الحنين أن يلبس جسده ثوب عدم الفساد، لكي يتهيأ للحياة السماوية.
جاءت كلمة “يلبس” بالعبرية labash لتعني ما يحيط بالجسم أو يغطيه أو يغلفه. جاء في الكتابات اليهودية أن موسى إذ دخل السحابة التحف بها كثوب، كما قيل عن الأبرار إنهم ملتحفون بالنور كثوب.
إما المسكن هنا فجاء بالعبرية “بيت” beeyt وفي ترجومOnkelos بيت الوجه هو البرقع، وبيت الأصابع هو القفاز، وبيت القدمين الحذاءان. فارتداء النفس المسكن هنا يعني التحافها بسمات معينة كالفضيلة.
يرى بعض اليهود أن للنفس ثياب في هذا العالم وفي الدهر الآتي. فاللَّه أرسل النفوس لكي تلتحف بثوب خلال دراسة الناموس والعمل الصالح. آدم بعد سقوطه تعرى إذ صار في حالة الخطية بدون ثوبٍ يستر النفس.
يرون أن الإسرائيليين نالوا ثيابًا تلتحف بها نفوسهم على جبل سيناء، لكنهم إذ عبدوا العجل المسبوك تعروا. هنا الثوب يشير إلى تمتع الإنسان بأيقونة اللَّه خلال الحياة المقدسة.
جاء في Synopsis Sohar عن الحكمة العلوية: عندما يقترب الوقت لرحيل إنسانٍ من هذا العالم ينزع ملاك الموت عنه ثوبه القابل للموت ويلبسه ثوبًا من الفردوس، فيه يرى الحكمة السامية ويتأملها. لذلك يُقال أن ملاك الموت يكون مترفقًا جدًا بالإنسان إذ ينزع عنه ثوب هذا العالم ويلبسه ثوبًا أثمن بكثير مُعد في الفردوس.
عندما يقول الرسول بأنهم يشتاقون أن يلبسوا فوقها مسكننا الذي من السماء بالتأكيد يعني بأن الذين يؤمنوا باللَّه ويسلكون بالروح قد أُعدوا للتمتع برؤية الخالق والمخلص المبهجة للغاية.
النفوس المقدسة للرب لن توجد عارية في الدهر الآتي إذ ترتدي ثياب البرّ والتسبيح والمجد، إذ غسلوا ثيابهم في دم الحمل (رؤ ١٤:٧). هذه النفوس تشعر بيقين الرجاء في هذا الثوب السماوي لذا تشتاق أن ترتديه بخروجها من العالم.
نلبس ثوب العرس الأبدي “السيد المسيح نفسه“، فلا يمكن لقوةٍ ما أن تنتزعنا عن وليمة السماء، أو تطردنا خارجًا. إذ قيل: “لما دخل الملك لينظر المتكئين رأى هناك إنسانًا لم يكن لابسًا لباس العرس، فقال له: يا صاحب، كيف دخلت إلى هنا، وليس عليك لباس العرس؟ فسكت، حينئذ قال الملك للخدام اربطوا رجليه ويديه وخذوه واطرحوه في الظلمة الخارجية” (مت 11:22-13).
إن كان المسيح هو ابن اللَّه، وأنتم قد لبستموه، إذ صار يغطيكم، وصرتم مثله، فإنكم قد صرتم واحدًا معه وتحملون شكله[15].
القديس يوحنا الذهبي الفم
إذ يتحدث القديس إكليمنضس الإسكندري عن ثياب المسيحي، يُطالبنا أن نرتدي الثياب اللائقة بنا كمسيحيين، وهي تختلف حسب سن الإنسان وطبيعته والظروف المحيطة به. فما يليق بشخصٍ ما قد يُحسب غير لائقٍ بالنسبة لغيره. لذا وجب أن يكون لنا روح التمييز لنختار الملبس اللائق بنا. وفي نفس الوقت يليق بنا أن ندرك أن لنا ثوبًا أهم يلتزم كل المؤمنين أن يرتدوه، ألا وهو شخص السيد المسيح، وهو ثوب ملوّن، يقدم لنا مواهب متعددة تبقى زاهية لا يقدر عامل الزمن أن يفقدها جمالها.
إلهي! انزع عني بنعمتك ثوب الأهواء والجحيم المظلم، وألبسني رداء نورك القدوس الذي هو العالم الجديد بنفسه، قبل أن أخرج من الجسد.
أعطني ربي جمال منظرك مأكلاً، وتجليات أسرارك المخفية في حضن جوهرك مشربًا مفرحًا.
اجعلني يا سيدي عضوًا في جسد وحيدك، فأشعر بسرّ اتحاده بك قدر ما تستطيع طبيعتي الضعيفة[16].
الويل للراهب الذي لا تفوح الخرق التي علي جسمه بالطيب، إذ يكون اللباس الذي يرتديه غريبًا![17]
الشيخ الروحاني (يوحنا الدّلياتي)
الثوب الذي نلبسه هو ربنا يسوع المسيح، والذي ينسدل حتى أقدامنا، والألوان المتعددة لهذا الثوب هي ألوان زهور الحكمة والأسفار المقدسة والأناجيل المتنوعة التي لا تبهت ولا تضيع ألوانها مع الزمن[18].
القديس إكليمنضس الإسكندري
إذ تعرت طبيعتنا عن الاستنارة الإلهية والبهاء الإلهي أخذ طبيعتنا وأعلنها مرة أخرى لتلاميذه المختارين، ملتحفة بطريقة ملحوظة على تابور (مت ٢:١٧؛ مر ٢:٩؛ لو ٢٩:٩). لقد أشار إلى ما كنا عليه يومًا ما وما سنصير عليه خلاله في الدهر المقبل إن اخترنا هنا ونحن أسفل أن نحيا حسب طرقه قدر المستطاع…
قبل العصيان اشترك آدم في الاستنارة بالبهاء الإلهي، وإذ بالحق التحف بثوب المجد لم يكن عاريًا ولا كان في موضع شائن لأنه كان عريانًا…
يدعو العظيم بولس هذا الاستنارة الإلهية والنعمة مسكننا السماوي… في طريقه من أورشليم إلى دمشق استلم بولس من اللَّه عربون هذه الاستنارة الإلهية وكسائنا… قبل أن يتطهر من اضطهاده عندما دخل في حوار مع ذلك الذي يضطهده، أو بالأحرى نال بريقًا خفيفًا من النور العظيم[19].
الأب غريغوريوس بالاماس
“وإن كنا لابسين لا نوجد عراة” [3].
من استعد للرحيل ونال عربون المجد لن يوجد عاريًا بل ينال المجد الأبدي الذي لا يزول.
يقول الرسول: “وإن كنا لابسين لا نوجد عراةً” (2 كو 3:5). فإذ نلبس الروح، ونكون هيكلاً مقدسًا له لا يترك حتى جسدنا عاريًا بل يسكب فيه مجد المسيح يسوع القائم من الأموات، كقول الرسول: “فالذي أقام المسيح من الأموات سيُحيي أجسادكم المائتة أيضًا بروحهِ الساكن فيكم” (رو 11:8)، “لكي تُظهَر حياة يسوع أيضًا في جسدنا المائت” (2 كو 11:4)، “لكي يُبتلَع المائت من الحياة” (2 كو 4:5)…
بهذا إذ يُهدم بيت خيمتنا الأرضي أي جسدنا، لا نظهر عُراة بل يكون “لنا في السماوات بناء من اللَّه بيت غير مصنوع بيدٍ أبديّ” (2 كو 1:5)، أي يظهر مجد السيد المسيح السماوي الذي كان مخفيًا في جسدنا الضعيف. وكما يقول القديسمقاريوس الكبير “لنسعَ إذًا أن نقتني ذلك اللباس هنا بالإيمان والحياة الفاضلة، حتى حينما نخلع الجسد لا نوجد عراة ولا يحتاج جسدنا في ذلك اليوم إلى شيء يمجده، لأن كل واحدٍ بقدر ما يُحسب أهلاً لشركة الروح القدس بالإيمان والاجتهاد يتمجد جسده في ذلك اليوم، لأن كل ما خزنته النفس في داخلها في هذه الحياة الحاضرة سوف يُعلن يومئذ، ويُكشف ظاهرًا في الجسد[20]“.
هذا المجد الذي للسيد المسيح، الذي يُلبسه الروح القدس لنفوسنا في الداخل، يصير مجدنا نحن وليس عارية، لهذا نحيا في هذا العالم بالحق أغنياء في الروح، نكون كملكٍ غنيٍ حينما يدعو الآخرين للوليمة يقدم بسخاء وبلا خوف من نفاذ كنوزه الداخلية التي له، أما الفقير الذي لا يملك شيئا فانه عندما يدعو الآخرين يستعير أدوات الوليمة إلى حين ثم يعود بعد الوليمة إلى فقره من جديد[21]: “لهذا يليق بنا أولاً أن نطلب من اللَّه باجتهاد قلب وإيمان أن يهبنا أن نجد هذا الغنى في قلوبنا، أي نجد كنز المسيح الحقيقي بقوة الروح القدس وفاعليته…[22] “
إن بقيت الطبيعة عارية وبنفسها فقط، ولم تنل الاتحاد والشركة مع الطبيعة الإلهية، فإنها لن تستقيم أبدًا أو تكتمل، بل تظل عارية ومستحقة للوم في طبيعتها الخاصة بسبب وضاعتها وأدناسها[23].
إنه يعني عراة من شركة الروح القدس والاندماج فيه. هذا الروح الذي فيه وحده تستطيع النفس المؤمنة أن تجد راحة[24].
القديس مقاريوس الكبير
اننا سنلبس إيماننا، هذا الإيمان هو رداء ودرع في نفس الوقت. رداء ضد العار ودرع ضد العدو[25].
القديس أغسطينوس
بالرغم من أن الجسد ينحل في الوقت المعين بسبب عصيانه البدائي، يوضع كما في بوتقة الأرض، لكي يُعاد من جديد، ليس كجسدٍ فاسدٍ هكذا، بل يكون طاهرًا لا يخضع للفساد، ويسترد كل جسم نفسه… ويقتني في كل الجوانب كل ما يخصه، ليست أجسامًا مختلفة عما كانت عليه… لكنها كما رحلت من هذا الحياة إن كانت في الخطايا أو في أعمال بارة. كما كانت الأجسام عليها ستكون هكذا ملتحفة بالحياة المستأنفة، وكما كانت في عدم إيمان ستُحاكم بأمانة[26].
القديس إيريناؤس
الإنسان الشرير غير المؤمن حتى أن افترضنا أنه يلتحف بجسمٍ سماويٍ يبقى عاريًا لأنه لا يفعل شيئًا لينال رداء الإنسان الداخلي[27].
القديس ديديموس الضرير
كن في تهليلٍ صالحٍ، لكن اعمل، جاهد بكل غيرة، فإنه لن يضيع شيء ما. كل صلاةٍ، كل مزمورٍ تغنيه، كل عمل صالح، كل صوم، كل حفظ للواجب الزوجي، العفة التي تُحفظ من أجل اللَّه، كل هذا يُسجل… فإنك ستقوم ملتحفًا إما بخطاياك أو بأعمالك البارة[28].
إن كان الإنسان بارًا فسيستلم جسمًا سماويًا قادرًا على الحديث مع الملائكة، أما إن كان الإنسان شريرًا فسينال جسمًا خالدًا يتلائم مع احتمال العقوبات عن الخطايا، فيحترق في نار أبدية دون أن يفنى. بعدل يعين اللَّه أية حالة تكون للجسم، لأننا لا نفعل شيئًا بدون الجسم[29].
القديس كيرلس الأورشليمي
سوف لا نوجد هناك بدون جسم، بل نتقبل في السماء ذات الجسم في شكلٍ غير فاسدٍ…
لكي لا يكون الكل متجاسرًا بسبب قيامة الجسد يقول: “إن كنا لابسين“، أي تسلمنا عدم الفساد والجسد غير الفاسد، “لا نوجد عراة” من المجد والأمان…
القيامة بالحقيقة هي عامة للجميع، لكن المجد ليس عامًا للجميع، إنما يقوم البعض في كرامةٍ، وآخرون في هوانٍ، البعض إلى الملكوت والآخرون إلى العقوبة[30].
القديس يوحنا الذهبي الفم
الكلٍ، الأبرار والأشرار على السواء، سيلبسون عدم الموت، لكن الأخيرين يُسلّمون لجهنم، وبنفس الشيء يوجدون عراة[31].
سفيريان أسقف جبالة
“فإننا نحن الذين في الخيمة نئن مثقلين،
إذ لسنا نريد إن نخلعها،
بل إن نلبس فوقها،
لكي يُبتلع المائت من الحياة” [4].
نحن الذين في الخيمة مثقلين بالضعف الجسدي والمتاعب والضيقات نئن بسبب الحمل الذي نلتزم به. وكأنه يقول بأن الحياة البشرية ككل هي حالة من التعب، خاصة بالنسبة لنا نحن الذين نُضطهد على الدوام ونحمل إماتة جسد الرب يسوع وإن كنا نختبر الحياة المقامة المتهللة في المسيح يسوع.
إننا لا نريد إن نخلع هذه الحياة وتحل ساعة رحيلنا قبل الوقت الذي يراه اللَّه مناسبًا لنا ولبنيان الكنيسة ومجد اسمه القدوس.
نريد إن نلبس فوقها إن يكون لنا الاستعداد الكامل للمجد الأبدي. لسنا نطلب الموت حتى تتحقق فينا إرادة اللَّه ويتم كل شيء بحكمته الإلهية.
بتمتعنا بعربون الخلود نتحسس بأن المائت قد أُبتلع بالحياة الأبدية. لم يعد للخطية أو الفساد سلطان علينا.
لسنا نريد أن نتخلص من الجسم، وإنما من الفساد الذي فيه. جسمنا هو ثقل علينا، ليس لأنه جسم بل لأنه فاسد وقابل للألم. ولكن إذ تحل الحياة الجديدة فإنها ستنزع هذا الفساد، أقول هذا الفساد لا الجسم نفسه[32].
القديس يوحنا الذهبي الفم
أرانا موسى النبي كمثالٍ، بواسطة مجد الروح الذي سطع على وجهه الذي لم يستطع أحد أن يتفرّس فيه، كيف أنه في قيامة الأبرار ستتمجد أجساد أولئك المستحقين، بمجدٍ تحصل عليه منذ الآن النفوس المقدسة الأمينة، إذ تُحسب أهلاً لاقتناء هذا المجد في داخلها، في الإنسان الباطن[33].
القديس مقاريوس الكبير
أليست هذه هي منطوقات مواطن أورشليم السماوية:
“صارت دموعي لي طعامًا نهارًا وليلاً” (مز ٣:٤٢).
“أعوم كل ليلة سريري بدموعي، بدموعي أبلل فراشي” (مز ٦:٦).
“تنهدي ليس بمستور عني” (مز ٩:٣٨).
“حزني قد تجدد” (مز ٢:٣٩)؟
أو أليس أولاد اللَّه الذين يئنون مثقلين لا يريدون أن يتعروا بل يلبسوا فوقها حتى يُبتلع المائت من الحياة؟ أليس حتى الذين لهم ثمار الروح يئنون داخلهم مترقبين التبني، خلاص أجسامهم؟ (رو ٢٣:٨). ألم بكن للرسول بولس نفسه مواطن أورشليم السماوية هذا كله عندما كان مثقلاً وفي حزن قلب مستمر من أجل إخوته الإسرائيليين؟ لكن سوف لا يكون موت في المدينة إلا عندما يُقال: “أين نضالك يا موت؟ أين شوكتك يا موت، فإن شوكة الموت هو الخطية”[34].
القديس أغسطينوس
بعد قيامتنا المقبلة سيكون جسدنا هو بعينه ويكون مختلفًا. هو بعينه من جهة الطبيعة، ومختلف من جهة المجد. هو بعينه في جوهره، ومختلف في قوته. حقيقة سيكون رقيقًا، لأنه سيكون غير قابلٍ للفساد. سيكون محسوسًا إذ لا يفقد طبيعته الحقيقية[35].
البابا غريغوريوس (الكبير)
إنه بعدل ينالون مكافأة آلامهم في الجسم الذي تألم فيه الأبرار وحزنوا وتزكوا بالآلام بكل وسيلة. وفي ذات الجسم الذي فيه قُتلوا من أجل محبتهم للَّه، فيه ذاته سيحيون، وفي ذات الجسم الذي فيه احتملوا العبودية فيه سيملكون[36].
القديس إيريناؤس
كانت حياة (الرسول) ثمينة عنده بسبب الفُرص الصالحة التي أُعطيت له، وفي نفس الوقت كانت رخيصة عنده بسبب اشتياقه للسماء والاتحاد مع المسيح هناك. وكما ذكرت عنه ولازلت أقول لا يوجد من هو أكثر تناقضًا في ميوله مثله. فهو مستعد دائمًا لأخذ الجانب الذي يمنح المميزات الأكثر، فلا يوجد من أحب الحياة هنا على الأرض مثله، وعلى النقيض الآخر لم يُفكر في الحياة هنا كثيرًا حتى ولو قارنته بهؤلاء الذين تخلوا عن هذه الحياة. لقد جّرد نفسه من كل الشهوات البشرية، فلم يربطه شيء على الأرض، فكان كل كيانه متحدًا بمشيئة اللَّه. تارة نراه يفكر في أن الحياة على الأرض والخدمة أكثر حاجة من أن يكون مع المسيح، ومرة أخرى نجده يئن ويطلب اللحظة التي فيها يخرج من الجسد، فكانت أمنيته الوحيدة أن يكون فيما يحقق له الربح الوفير مع المسيح حتى ولو كانت النتيجة عكس ما بدأه[37].
القديس يوحنا الذهبي الفم
لا يجب التوبيخ على الخوف من الضربات، ولكن ما يُلام فعلاً هو ارتكاب الخطية بسبب الخوف من الضربات. فالذي يخاف بدون اضطراب وفزع من الصراع يستحق الإعجاب أكثر من الذي لا يخاف مطلقًا، لأن ذلك يكشف عن قوة إرادته كدليلٍ واضحٍ. الخوف من الضربات أمر طبيعي، ولكن رفض الخطية الناتجة عن الخوف هو انتصار حقيقي للإرادة على ضعف الطبيعة البشرية، الحزن في حد ذاته لا يُلام، ولكن أن نجدف على اسم اللَّه بسبب الحزن خطية يجب التوبيخ عليها.
لو قلت أن بولس لم يحمل طبيعة جسدنا لاعترضتم بوجه حق على الضعفات البشرية فيه لإثبات عدم صحة كلامي. ولكن لو قلت بل أكدت أنه إنسان مثلنا وليس أفضل منا في الطبيعة، لكنه أسمى في قوة الإرادة فقط، فإن كل اعتراضاتكم بلا جدوى أو بالأحرى تتحول لصالح بولس، لأنه بذلك تثبت كيف انتصر على الطبيعة بالرغم من كل الضعفات البشرية. وبالإضافة إلى مدحه فإننا نُسكت شفاه من يعيبون فيه، ملتمسين لأنفسهم عذر ضعف الطبيعة البشرية، ونحثهم على ممارسة تقوية للإرادة.
ربما تعترض أنه في بعض الأحيان خاف من الموت، وهذا أيضًا شيء طبيعي جدًا. “فإننا نحن الذين في الخيمة نئن مثقلين” (2 كو 4:5) وأيضًا: “نحن أنفسنا أيضًا نئن في أنفسنا” (رو 23:8). نرى كيف أنه وازن بين ضعف الطبيعة وقوة الإرادة، فكثير من الشهداء وهم في طريقهم للاستشهاد امتلأوا من الخوف وارتعدوا، لكن هذا هو الذي جعلهم متميزين: حقيقة أنهم خافوا الموت، وبالرغم من ذلك تقدموا لملاقاته من أجل المسيح، وهكذا أيضًا بولس… بالرغم من أنه ارتعد أمام الموت إلا أنه اشتاق أن يفنى ويضمحل[38].
القديس يوحنا الذهبي الفم
القديسون وهم “في الخيمة يئنون مثقلين” بجسم التواضع يفعلون كل شيء بطريقةٍ لائقةٍ ليوجدوا في سرّ القيامة. عندما يشكل اللَّه جسمًا جديدًا للذين يكونون بالحق تلاميذ المسيح لا يكون في تواضع بل في مجد المسيح (في ٢١:٣)[39].
العلامة أوريجينوس
“ولكن الذي صنعنا لهذا عينه هو اللَّه،
الذي أعطانا أيضًا عربون الروح” [5].
اللَّه هو الذي وهبنا وجودنا وجسمنا، وذلك لنحيا خالدين بالجسد ويتمجد كياننا بالكامل. وهبنا الجوع والعطش إلى البرّ والخلود.
العربون هو دفع جزء من الدفعة يضمن سداد الدفعة كلها. فما ننعم به الآن من تعزيات الروح القدس والسلام الذي يفوق العقل والفرح المجيد هو عربون المجد الذي سنناله فيما بعد بالكامل.
هنا يظهر بولس أن هذه الأمور قد أُعدت من البداية. إنها لم تصدر الآن، وإنما منذ لحظات الخليقة، عندما خُلق آدم. فإن اللَّه لم يخلق الإنسان الأول لكي يموت وإنما ليجعله خالدًا. لتحقيق هذا يضيف بولس أننا قد نلنا الروح كعربونٍ (ضمان). يُقدمه اللَّه كمن صنع تعهدًا لنا بتحقيق وعوده. فعل بولس هذا لكي يُظهر أن ما يقول أكثر قبولاً للذين لا يعيرونه اهتمامًا[40].
لم يُخلق آدم لكي يموت، بل لكي يجاهد من أجل الخلود. ولكي يظهر مصداقيته. هذا ويقدم برهانًا عليه أضاف: “الذي أعطانا غيرة الروح”… والآن يعمل خلال المعمودية، ويهبنا عربونا ليس بقليلٍ: الروح القدس[41].
القديس يوحنا الذهبي الفم
بالرغم من أن الروح لا يقبل المزج مع غير المستحقين، إلا أنه يبدو بطريقة أنه حاضر معهم متى خُتموا، منتظرًا الخلاص الذي يتبع تغييرهم… لكن عندئذ عندما يدين الرب العالم في برّ سيكون الروح حاضرًا معه… وسيُنزع الروح تمامًا من النفس التي دنست نعمته. لهذا السبب: “ليس في الموت من يذكرك ولا في الجحيم من يعترف لك” (مز ٤:٦). لأن لا يعود عون الروح يوجد بعد. كيف إذن يمكن إدراك أن الدينونة تتحقق بدون الروح القدس بينما تشير الكلمة إلى أنه هو نفسه مكافأة الأبرار؟[42]“
القديس باسيليوس الكبير
إذ سبق اللَّه الخالق فرأى خطية آدم أعد العلاج لها. لأنه هو نفسه أعطانا باكورة الروح، حتى أنه بالمعجزات التي يفعلها الروح وسطنا نتأكد بأن الوعود الخاصة بالمستقبل صادقة[43],
الأب ثيؤدورت أسقف قورش
على أي الأحوال، نحن نرى الآن في غموضِ، لكن عندئذ سيكون وجهًا لوجهٍ. الآن نرى ما هو جزئي، أما بعد فسيكون كاملاً (1كو12:13). الإمكانية الحالية أن نرى في الكتب المقدسة بطريقة غامضة وجزئية إلى حد ما، ومع ذلك فهي في توافقٍ مع الإيمان الجامعي.
إنه عمل العربون الذي سُلم بواسطة الكنيسة البتول عندما جاء عريسها إلى أسفل. إنها ستتزوج في مجيئه الأخير عندما يأتي في المجد وعندما تراه وجهًا لوجه، لأنه يعطينا الآن كعربون الذي هو الروح القدس كقول الرسول[44].
القديس أغسطينوس
“فإذا نحن واثقون كل حين،
وعالمون أننا ونحن مستوطنون في الجسد
فنحن متغربون عن الرب” [6].
إننا مدركون تمامًا ما هو نصيبنا، فقد تمتعنا بعربون الروح وصار لنا الرجاء الثابت.
جاءت الكلمات باليونانية تحمل لهجة اليقين، فإذ نحن مستوطنون في الجسد، وهو اصطلاح يحمل معنى السكنى وسط الشعب، متغربون عن الرب، أي راحلون وسط شعب غريب الجنس.
فالسماء هي بيت المؤمن الحقيقي، وسكانها هم الشعب المنتمي إليه. هكذا النفس وهي مستوطنه في الجسد بكونه بيتها فهي متغربة عن مدينتها وشعبها، إذ هي مهيأة للمجد الأبدي اللائق بها لتكون في حضرة الرب، تلتقي به وجهًا لوجه.
يتحدث الرسول بولس عن خبرة، فقد ذاق انطلاق نفسه إلى السماء الثالثة لترى ما أعده اللَّه لمحبيه، فشعر بالحق أن نفسه متغربة عن هذا العالم، رحِّالة، ترجو البلوغ إلى مكان استقرارها الأبدي.
نحن الذين في هذا العالم “متغربون عن الرب” نسلك على الأرض. هذا حق، لكننا نسرع في طريقنا إلى السماء. إذ ليس لنا موضع دائم، بل عابرو السبيل ورحالة مثل سائر آبائنا[45].
القديس جيروم
اللَّه لازال حاضرًا، لكن لأننا لا نستطيع أن نراه نقول بأننا متغربون عنه مادمنا في الجسد[46].
أمبروسياستر
بالحقيقة جلب الإنسان لنفسه الموت، وأيضًا لابن الإنسان، غير أن ابن الإنسان جلب بموته وقيامته الحياة للإنسان… لقد رغب في أن يحتمل هذا أمام أعين أعدائه، حتى يظنوا كأنه متروك، ولكي ما يهب لنا نعمة العهد الجديد، حتى نتعلم أن نطلب سعادة أخرى، هذه التي نملكها الآن بالإيمان، لكننا سنراها بعد ذلك… الآن نعيش على رجاء، أما بعد ذلك فسنتمتع بالحقيقة[47].
ليكن مثل هذا الشخص بالأحرى إذ يقبل السلطة أن يكون ساميًا متحررًا من كل خداع كما قيل لنا أننا مادمنا في الجسد نحن متغربون عن الرب، وأننا نسلك بالإيمان لا بالعيان[48].
لذلك قبل أن يمكنك أن ترى آمن بما لم تره الآن. لتسلك بالإيمان لكي تنال العيان. فإن العيان سوف لا يبهج الشخص في بيته ما لم يعززه الإيمان في الطريق. هكذا يقول الرسول: “مادمنا في الجسد فنحن متغربون عن الرب“. وقد أضاف للحال لماذا نحن لا نزال في حالة سياحة وإن كنا قد آمنا قائلاً اننا نسلك نحن بالإيمان لا بالعيان[49].
إذ ونحن في هذا الجسد متغربون عن الرب فاننا بالنسبة للملائكة القديسين الذين يرون هذه الأمور نُحسب أطفالاً نرضع الإيمان. أما بعد ذلك فسنندهش بالعيان… سنأتي يومًا إلى العيان الذي وعد به يوحنا في رسالته: “أعزائي المحبوبين نحن أولاد اللَّه، ولم يظهر بعد ما سنكون عليه.” (١ يو٢:٣)[50].
في الوقت الحاضر تستنير هذه الأعين حسب ما يناسب ضعفها وذلك بالإيمان. فيما بعد تستنير بالعيان بما يناسب قوتها… الآن مادمنا في حالة الإيمان ماذا يقال عنا؟ “الآن نرى في مرآة مظلمة، ولكن عندئذ وجها لوجه” (١ كو ١٢:١٣)[51].
يقول إشعياء: “ما لم تؤمنوا لا تفهمون” (١٠:٦١ LXX). لنسلك بالإيمان مادمنا في سياحة عن اللَّه، حتى نبلغ العيان حين نراه وجهًا لوجه (٢ كو ٦-٧). إذ نسير بالإيمان لنصنع أعمالاً صالحة. في هذه الأعمال الصالحة لنحب اللَّه من أجل شخصه، ونكون عاملين في محبة قريبنا[52].
القديس أغسطينوس
“لأننا بالإيمان نسلك لا بالعيان” [7].
هنا نعيش بالإيمان، فنثق بكلمة اللَّه ووعوده الإلهية، ونتمتع بعربون المجد كتذوقٍ مقدم لما سنراه وجهًا لوجه بالعيان. الآن نسير بالإيمان لنتهيأ للحياة بالرؤية.
الذين يولدون بالروح من فوق يشعرون بالتغرب هنا حتى يلتقوا باللَّه أبيهم في سمائه. إنهم يغلقون أعين قلوبهم عما في العالم حتى يفتحونها في عالم المجد، حيث يتحول الإيمان إلى عيان.
الإيمان هو مدخل الأسرار. ما تقوم به عينا الجسد بالنسبة للأشياء الحسّية يقوم به الإيمان بعينيّ النفس، إذ يتطلع إلى الكنوز الخفيّة.
لنا عينان للنفس، كما لنا عينان، وذلك كقول الآب.
لكن هاتين ليس لهما ذات عمل البصيرة، فبالواحدة نرى مجد اللََّه الخفي المختوم داخل الطبيعة، مع قدرته وحكمته وفكره الأبدي من نحونا، هذه الأمور كلها التي يمكن إدراكها خلال عنايته الإلهية لنا على وجه الخصوص. بنفس العين نرى أيضًا الطغمات الروحية، رفقائنا. وأما بالعين الأخرى فنرى مجد طبيعة اللََّه المقدِّسة.
عندما يرغب اللََّه في تقديم أسرار روحية، يفتح بحر الإيمان بطريقة متسعة في أذهاننا[53].
القديس ماراسحق السرياني
يقول الإنجيل: “بالإيمان إبراهيم لما دُعي أطاع أن يخرج إلى المكان الذي كان عتيدًا أن يأخذه ميراثًا، فخرج وهو لا يعلم إلى أين يأتي” (عب 8:11)… توقف عن المعرفة الأرضية، ولم يتعلق فكره بأي شيء على الأرض، فتفوّق إبراهيم في الفهم والحكمة على كل أهل جيله، وعلى فلسفة الكلدانيين المعروفة وقتئذ. وفاق كل ما يُمكن إدراكه بالحواس، وكل جمالٍ جسدي آخر، ولذلك أبصر الجمال الإلهي الأصلي، وأبصر كل ما يمكن أن يُنسب إلى اللَّه من صفاتٍ مثل البرّ والقدرة على عمل أي شيء في الوجود الذاتي والحب. لقد فهم إبراهيم كل هذا حينما تقدم في الفكر، وأخذ كل هذه كمئونة في رحلته إلى السماء، وتقوى بالإيمان، وطبع كل هذا في قلبه، وارتفع فوق مستوى رؤية الأشياء المادية[54].
القديس غريغوريوس أسقف نيصص
بالإيمان لنا رجاء في اللَّه لأن شكله ليس منظورًا لنا. لكننا نعتقد إننا سنقطن معه وسنراه قدر ما يمكن للكائن البشري أن يراه. لأن موسى رآه عندما كان لايزال في الجسد (خر9:24-11؛ 11:33)، وتراه الملائكة بالطريقة التي تناسبهم[55].
سفيريان أسقف جبالة
لا نستطيع الآن أن نرى ما سنكون عليه فيما بعد، وإنما ندرك هذا بالإيمان وحده. هذه هو السبب لماذا بعد موت الجسد نريد أن نقف في حضرة اللَّه[56].
الأب ثيؤدورت أسقف قورش
لما كان الفهم يكمن في العيان وفي اللقاء الدائم، أما الإيمان فيقوتنا كالأطفال كابنٍ في قماط الأمور الزمنية (إذ نسلك الآن بالإيمان لا بالعيان)، علاوة على هذا فإننا ما لم نسلك بالإيمان لن نبلغ العيان الذي لن يزول بل يبقى دومًا، إذ يتنقى فهمنا بتمسكنا بالحق[57].
وسط ظلال هذه الحياة التي فيها نحن “متغربون عن الرب” ما دمنا نسلك بالإيمان لا بالعيان، تعتبر النفس المسيحية مهجورة، ولا تكف عن الصلاة، وعن التطلع بعيني الإيمان إلى كلمة الكتاب المقدس الإلهي[58].
القديس أغسطينوس
“فنثق ونُسر بالأولى أن نتغرب عن الجسد،
ونستوطن عند الرب” [8].
إذ نسلك الآن بالإيمان نشتهي أن نتمتع بما هو بالعيان، ففي وسط أتعابنا الكثيرة نثق بما نلناه من عربون الروح وبالمواعيد الإلهية مشتهين إن نخرج من الجسد ونتغرب عنه إلى حين لنتمتع بالمجد الذي ننعم به ونراه.
وضع بولس أعظم الأمور في النهاية، فإن المعية (الاستوطان) مع المسيح أعظم من نوال جسدٍ غير فاسد.
بتحاشيه الإشارة المباشرة للأمور المؤلمة مثل الموت والنهاية، يعالج بولس هذه الأمور بطريقة تجعل السامعين إليه مشتاقين إليها بدعوتها “حضور مع الرب“. بنفس الطريقة عبر على الأمور العذبة لهذه الحياة وعبّر عنها بعبارات مؤلمة إذ يدعوها “التغرب عن الرب“. فعل هذا لكي لا نولع بالتسكع بما نحصل عليه الآن بل نتهيأ للرحيل إلى ما هو أفضل[59].
القديس يوحنا الذهبي الفم
أطلب أن لا تنزعج نفوسنا قط، بل بالأكثر أننا في وسط المصاعب والسيوف المصوّبة ضد أعناقنا نتحصّن بسلام اللَّه الذي يفوق كل فهم، وتكون هادئة عندما نحسب أن الذين هم غرباء عن الجسد هم مستوطنون مع رب الكل[60].
العلامة أوريجينوس
“لذلك نحترس أيضًا،
مستوطنين كنا أو متغربين،
أن نكون مرضيين عنده” [9].
على أي الأحوال سواء كنا لانزال في الجسد أو في طريقنا السريع لخلق ما يشغلنا فما نحرص عليه وما نجاهد من أجله هو سرور اللَّه بنا. جاءت كلمة “نحترس” philotimoumetha تعني كلمة محبة الكرامة، ومحبة المجد الأبدي أو الطموح في نواله، فإننا لا نكف عن أن ندرس ونجاهد عاملين لكي نحب ذاك الذي وهبنا الوجود وسيهبنا الأمجاد الأبدية ونرضيه ونخدمه. هكذا سواء كنا أحياء أو منتقلين ما يشغلنا وما نطمح فيه هو أن نكون موضع رضا اللَّه.
“لأنه لابد أننا جميعًا نظهر أمام كرسي المسيح،
لينال كل واحدٍ ما كان بالجسد،
بحسب ما صنع،
خيرًا كان أم شرًا” [10].
سرّ شهوة قلب المؤمن أن يكون موضع رضا اللَّه هو ترقبه للظهور أمام العرش الإلهي للدينونة، فيتمتع بعمل النعمة التي سندته وبررته، فينال حسب ما صنعه وهو في الجسد. فما يمارسه الإنسان في العالم الحاضر وهو في الجسد ينال ثمره بفيضٍ في يوم الرب العظيم.
استخدم القديس كيرلس الكبير هذه الآية للرد على القائلين بأن الجسد أُعطيَ للنفس كعقوبةٍ.
إن كان فقط من أجل الأمور التي صُنعت بالجسد ينال الإنسان إما عقابًا على يد الديّان أو يُحسب أهلاً لمكافأةٍ لائقةٍ، فإنه لا توجد إشارة إلى خطايا سابقة قبل الوجود في الجسد، ولا سؤال عما حدث قبل مولده، فكيف يكون للنفس وجود سابق على وجودها في الجسد؟ وكيف أُذلت بسبب الخطية كما يقول البعض، لأن الدينونة تكون على ما فعله الإنسان في حياته على الأرض؟[61]
القديس كيرلس الكبير
أما بالنسبة لنا نحن الذين نحتل الموقف الوسط بين الإنسان الكامل والمرتد عن الإيمان، عندما نقف أمام كرسي الحكم الذي للمسيح، يرتد إلينا ما فعلناه، خيرًا كان أم شرًا. فإننا لسنا طاهرين تمامًا حتى أن أفعالنا الشريرة لا تلتصق بنا، ولا نحن سقطنا تمامًا حتى أن أفعالنا الصالحة تكون منسية[62].
حساب الحياة كلها بأكملها تقدم بدقةٍ فيما يدعى بملكوت السماوات الذي يشبه ملكًا حيث نقف أمام كرسي المسيح للحكم، وينال كل واحد ما قد فعله في الجسد إن كان خيرًا أو شرًا. وإذ يتم الحساب يقدم فيه كل كلمة بطالة نطق بها البشر (مت ٣٦:١٢)، وكل كأس ماء بارد قُدم للشرب باسم تلميذٍ (مت ٤٢:١٠)[63].
العلامة أوريجينوس
تصالحوا مع اللَّه
“فإذ نحن عالمون مخافة الرب نقنع الناس،
وأما اللَّه فقد صرنا ظاهرين له،
وأرجو أننا قد صرنا ظاهرين في ضمائركم أيضًا” [11].
إذ نتمتع بمخافة الرب ونترقب يومه العظيم نقنع الناس أن يقبلوا الإيمان بذاك القادر أن يبررهم ويقدسهم ويمجدهم في ذلك اليوم.
مخافة الرب التي هي رأس الحكمة تدفعنا للشهادة للَّه والاهتمام بخلاص البشر، ليس إرضاءً للناس ولا لنوال مكافأة منهم، وإنما إرضاء لذاك الذي يفحص قلوبنا ويعرف نياتنا الداخلية. وإذ نسعى هكذا باستقامة قلب نرجو إن يتكشف ذلك أمام ضمائر الناس الداخلية فيتمثلوا بنا ويجاهدوا معنا.
يجب أن نغرس الفضيلة في نفوسنا من الداخل على أن لا نهمل أن يكون منظرنا الخارجي حسنًا فيلزم أن نعتني بما هو شريف أمام اللَّه والناس (2 كو 11:5)[64].
القديس غريغوريوس أسقف نيصص
“لأننا لسنا نمدح أنفسنا أيضًا لديكم،
بل نعطيكم فرصة للافتخار من جهتنا،
ليكون لكم جواب على الذين يفتخرون بالوجه لا بالقلب” [12].
يعتذر الرسول بولس عن دفاعه عن نفسه وعن العاملين معه موضحًا أنه ليس من أجل نفسه ومن معه، ولا لأنه يطلب منهم شيئًا، وإنما التزم بذلك لكي يقدم لهم ما ينطقون به لدى المتهمين ضده. إنه لا يطلب لنفسه مديحًا، بل يقدم لهم مادة كي لا يعطل أحد خدمتهم بسبب.
إنهم يفتخرون بما هو منظور، وبما هو مكشوف للعيان. لهذا يمارسون كل عمل لأجل محبة الكرامة. بينما هم فارغون داخليًا يرتدون بالحقيقة مظهر التقوى والأمور المكرمة، لكنهم مهجورون من الأعمال الصالحة[65].
القديس يوحنا الذهبي الفم
“لأننا إن صرنا مختلين فللَّه،
أو كنا عاقلين فلكم” [13].
لم يكن بالأمر السهل على الرسول بولس أن يدافع عن نفسه، فقد حسب نفسه كمن صار مختل العقل أو مجنونًا. وقد فعل هذا من أجل اللَّه، حتى لا تتعطل الخدمة فإن ظهر كمجنونٍ أو كعاقلٍ لا يشغله هذا، لكنه يطلب ما هو للَّه، وما يسندهم في خدمتهم.
يرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص أن الرسول يقصد بقوله “مختلّين” الُسكر الروحي بالجمال الإلهي الذي يفوق كل تصورٍ.
إذ اضطر للدفاع عن خدمته رفع قلوبهم معه إلى السماء ليروا الرسول مشغولاً لا بالبقاء في خيمة الجسد الوقتية بل في البناء السماوي والسماويات فصار كمن سكر بحب اللَّه والانشغال بالأبديات، وهكذا دخل فيما يدعوه البعض بالسكر الروحي.
قد يتهمنا البعض بالخلل العقلي… قال الرسول بولس لفستوس الوالي: “لست أهذي أيها العزيز فستوس، بل أنطق بكلمات الصدق والصحو” (أع 25:26). وقد اختبر بطرس الرسول أيضًا هذا السُكر الروحي خلال الجوع والعطش (أع 10:10)[66].
القديس غريغوريوس أسقف نيصص
ملاحظاتي هذه ليست عشوائية، بل تشرح صعوبة حكمة بولس الرسول. فإنك تمدحه عندما يهرب من المخاطر بنفس المقدار حينما يواجهها، إذ كان يرى في الأولى حكمة، وفي الثانية شجاعة. وفي استخدامه الكلام بافتخار أو عدم افتخاره يحمل الاثنان نفس معنى التواضع، ففي الأولى يتحدث بتمييز وفي الثانية بوداعة… هدف كل أعماله وميوله هو خلاص نفوس الجموع وبالتالي يقول: “لأننا إن صرنا مختلين فللَّه، أو كنا عاقلين” (2 كو 13:5).
لا نجد شخصًا أخر لديه سببًا للافتخار وفي نفس الوقت خالٍ من أي كبرياء وتمجيد. تأمل في كلماته: “العلم ينفخ” (1 كو 1:8) كلمات يلزمنا جميعًا اقتنائها. ولكن بالتأكيد كان هو أكثر من أي إنسانٍ أخر ذا علم أو معرفة، وهذا لم يجعله متكبرًا بل متواضعًا، إذ يقول: “لأننا نعلم بعض العلم” (1 كو 9:13)، و”أيها الاخوة أنا لست أحسب نفسي إني قد أدركت” (في 13:3)، “فإن كان أحد يظن أنه يعرف شيئًا، فإنه لم يعرف شيئًا بعد كما يجب أن يعرف” (1 كو 2:8)[67].
القديس يوحنا الذهبي الفم
“لأن محبة المسيح تحصرنا،
إذ نحن نحسب هذا:
إنه إن كان واحد قد مات لأجل الجميع،
فالجميع إذًا ماتوا” [14].
لم يشغل قلب بولس دفاعه عن نفسه، إنما ما يشغله عشقه للسيد المسيح الذي حاصر قلبه بعذوبة الحب، وسحب كل كيانه إلى الصليب، ليراه قد مات عن الجميع كي يموت معه الكل ويرتفعوا معه إلى سمواته ويشتركوا معه في أمجاده السماوية.
هكذا سحب الرسول القراء من الحديث عن محبته هو ومن معه لهم وإخلاصهم في الخدمة إلى التمتع بالحب الإلهى العملي خلال الصليب، ورفع قلوبهم إلى السماوي. عند الصليب يموت الكل مع المسيح، خاصة الخدام، فلا يطلب الخادم ما لنفسه بل ما هو لمجد اللَّه وبنيان كنيسته.
لا تحدثوني عن المدن أو الشعوب والملوك والجيوش والمال والولايات والسلطات، فهذه كلها فانيات، ولكن اهتموا بالفرح السماوي لتروا المحبة الفائقة التي في المسيح.
مجد الملائكة ورؤساء الملائكة وأي شيء آخر أقل شأنًا عنده من محبة المسيح، فامتلك في أعماقه الداخلية أعظم ما يمكن للإنسان امتلاكه، أي محبة المسيح التي بها اعتبر نفسه أسعد الناس، وبدونها يفقد كل رغبة في أية سلطة أو مبادئ أو قوات.
بهذا الحب فضًل أن يُحسب ضمن الرُتب الوضيعة على أن يُحسب ضمن أعظم النبلاء بدونه. كان العقاب الوحيد في نظره أن يتجرًد من هذا الحب، فذاك هو الجحيم نفسه، والتأديب والشر الأبدي. على عكس ذلك فإن امتلاك محبة المسيح هي السماء، وهي الحياة، وهي العالم كله، وهي أن يصير ملاكًا، وهي الفرح الحاضر، والفرح المقبل، وهي أن يصير ملكًا، وهي الوعد، وهي الصلاح الأبدي.
خارج هذا لا يوجد أي شيء آخر، سواء كان مُبهجًِا أو مؤلمًا. احتقر العالم المنظور كله كأنه ورقة شجرة جافة متعفنة، فالطغاة والناس المملوءون بنار الغضب في نظره مجرد حشرات صغيرة، الموت والاستبداد والاضطهاد في نظره كلهو الأطفال، طالما أنه من أجل المسيح. فاحتضن كل هذا بفرحٍ، واعتبر قيوده في سلاسل جائزة أثمن وأغلى من تاج نيرون، فصار سجنه سماءً،واحتمل جراحات السياط باشتياق كاشتياق المتسابق نحو الجائزة[68].
القديس يوحنا الذهبي الفم
“وهو مات لأجل الجميع،
كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم،
بل للذي مات لأجلهم وقام” [15].
هذه هي خطة السيد المسيح في عمله الخلاصي إنه إذ يرتفع على الصليب يجذب الكل إليه (يو ٣٢:١٢)، فيعيشوا معه كجسدٍ له، يعيشون لو كما هو لهم. يموتون معه ويقومون معه، يتألمون معه ويتمجدون معه ويرتفعون إلى حيث هو قائم في سمواته.
بمعنى أن الحياة البشرية تعني في ذاتها أقل فأقل، لكنها تنمو في المسيح حتى أن الذين يعيشون لا يعيشون لأنفسهم بل لذاك الذي مات من أجل الكل وقام؛ فيقول كل واحدٍ منا ما يقوله الرسول: “أحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ”. حقًا ينبغي أن ذاك يزيد وأنا أنقص[69].
القديس أغسطينوس
“إذًا نحن من الآن لا نعرف أحدًا حسب الجسد،
وإن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد،
لكن الآن لا نعرفه بعد” [16].
“لا نعرف أحدًا حسب الجسد“، بمعنى أننا لا نرتبط بالشخص ونقدِّره من أجل علاقاته الأسرية أو الرباطات الدموية أو الإمكانيات الجسدية أو المادية إنما نتعرف عليه خلال محبة المسيح الفائقة كشريكٍ معنا في الآلام والأمجاد السماوية.
علامة الاتحاد الحقيقي مع السماوي من الجانب السلبي هو الفطم عن العالم ومن الجانب الإيجابي هو التمتع بالخليقة الجديدة التي على صورة الخالق.
يُفطم المؤمن عن العالم وعن الجسديات حتى في معرفته للمسيح نفسه لا تقف المعرفة عند حدود الجسد وإلا حُسب كمن لم يعرفه بعد. تنطلق محبة المسيح إلى قلوبنا وتنحدر محبة العالم تحت أقدامنا.
لم يتمتع بولس الرسول بالتعرف على شخص الرب يسوع وهو بعد في الجسد في هذا العالم كما تمتع به التلاميذ والرسل. هذا لن يقلل من رسوليته، فإنه التقى بالمسيح الساكن في السماء، وتجلى أمامه بل وفي أعماقه.
لقد قيم اليهود أنفسهم إذ رأوا أن إبراهيم هو أبوهم حسب الجسد، وأيضًا تشامخ بعض المعلمين الذين من أصل يهودي في كورنثوس لأنهم رأوا يسوع حين كان بالجسد على الأرض أثناء خدمته، وحسبوا أنفسهم أفضل من الرسول بولس الذي لم يرَ السيد أثناء خدمته.
كل عقل يرتفع ويتشكل في الصلاة حسب نقاوته. فإن كان مهتمًا بالأمور المادية الأرضية يحمل هذه النظرة أمامه، وتبقى هذه النظرة قدام عينيْ نفسه الداخليتين في رؤيته للرب يسوع، سواء عندما جاء في تواضعه في الجسد، أو عند مجيئه في عظمته. أمثال هؤلاء لا يقدرون أن يروا الرب يسوع آتيًا في ملكوته، إذ هم مُمسكون بنوع من الضعف اليهودي (أي النظرة المادية)، ولا يستطيعون القول مع الرسول: “وإن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد لكن الآن لا نعرفهُ بعدُ” (2 كو 16:5).
أما الذين يرتفعون فوق الأعمال والأفكار الأرضية السفلية، ويصعدون على جبل الوحدة (العزلة) المرتفع، متحرّرين من الاضطراب بكل المتاعب والأفكار الأرضية، في أمان من تدخل الخطايا، ممجّدين بإيمانٍ قويٍ، هؤلاء يمكنهم أن يتطلعوا بعيون نقية إلى لاهوته، وفي أعالي الفضيلة يكتشفون مجده وصورة سموه…
يُعلن يسوع للموجودين في المدن والقرى والمزارع، أي الذين لهم أعمال يقومون بها، لكن ليس بالبهاء الذي يظهر به لمن يصعدون معه على جبل الفضائل السابق ذكره… ففي الوحدة (العزلة) ظهر اللَّه لموسى وتحدث مع إيليا[70].
الأب اسحق
لاحظوا أنه حتى ذاك نفسه الذي هو الحق والكلمة، والذي به كان كل شيء، وقد صار جسدًا ليسكن بيننا، مع ذلك يقول الرسول: “وإن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد لكن الآن لانعرفه بعد“، لأن المسيح لم يرد فقط أن يهب ممتلكات لمن يكمل الرحلة، بل أيضا أن يكون هو نفسه الطريق للذين يشرعون في السير[71].
القديس أغسطينوس
فإننا نتعلم من الرسول ألا نعرف المسيح بنفس الطريقة الآن كما كان قبلاً… بمعنى أن معرفة إحداهما تعلن لنا عن تدبيره المؤقت، والثانية عن وجوده الأبدي[72].
لكي يفضي بهذا السرّ العظيم عن طريق تجسده وهو إن الطهارة هي المؤشر الوحيد الكامل لحضرة اللَّه ومجيئه؛ وأنه لا يستطيع أحد بالحقيقة أن يضمن هذا لنفسه ما لم يتغرب تمامًا عن أهواء الجسد. ما حدث مع مريم التي بلا دنس عندما أشرق خلالها كمال اللاهوت الذي في المسيح يحدث مع كل نفسٍ تسلك حياة البتولية. حقًا لا يعود يأتي السيد بحضور جسدي: “لا نعرف المسيح بعد حسب الجسد“، بل هو حضور روحي. يسكن فينا ويأتي معه الآب كما يخبرنا الإنجيل[73].
القديس غريغوريوس أسقف نيصص
“إذًا إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة،
الأشياء العتيقة قد مضت،
هوذا الكل قد صار جديدًا” [17].
ما أخطر إن يعتز الإنسان بتعرفه عن المسيح خلال القراءة وحدها أو خلال المعجزات الملموسة دون أن تتجدد طبيعته ليصير أيقونة له. فمن هو في المسيح، أي المؤمن الحقيقي، يتمتع بسكنى المسيح في قلبه بالإيمان وبالتجديد المستمر خلال عمل روحه القدوس، فيمارس بنوته للَّه جاحدًا بنوته القديمة التي لإبليس وأعماله الشريرة.
في المسيح ننال قلبًا جديدًا وفكرًا جديدًا وسلوكًا جديدًا وحياة جديدة، كما نعيش في خليقة جديدة، في السماويات.
من كان في المسيح يحيا حرًا من الخطية ومن محبة العالم وشهوات الجسد. إنه لا ينشغل بما يُرى وإنما بما لا يُرى.
المؤمن الحق ليس فقط يتمتع بالتجديد المستمر في داخله، وإنما يرى كل شيءٍ جديدًا؛ يتطلع خلال عيني المسيح فيرى حوله خليقة جديدة.
جاء الاسم هنا “الخليقة” Ktisis ktisoc في اليونانية بالمونث حيث أغلب الأسماء المؤنثة تنتهي بـ “sis” بينما المذكر بـ “ma”. فالمؤنث يشير إلى التحرك والعمل والانتاج. الخليقة هنا ليست جامدة لكنها عاملة ومثمرة.
إن آمن بي أحد يأتي إلى خليقة أخرى، إذ يولد ثانية بالروح… يليق بنا أن نعيش له… يحثنا بولس على حياة الفضيلة… مظهرًا كيف أنها “خليقة جديدة“. يضيف: “الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا”. ما هي الأشياء العتيقة؟ إما الخطايا أو عدم التقوى أو حفظ الممارسات اليهودية. نعم بالأحرى يعني هذه وتلك[74].
القديس يوحنا الذهبي الفم
هذا هو نفس الغرض الذي من أجله جاء ربنا يسوع المسيح، أن يغير الطبيعة البشرية، ويحوّلها، ويجدّدها.
يخلق النفس خلقةً جديدةً، النفس التي كانت قد انتكست بالشهوات بواسطة التعدّي,
جاء المسيح لكي يوحّد الطبيعة البشرية بروحه الخاص، أي روح اللاهوت، وقد أتى ليصنع عقلاً جديدًا، ونفسًا جديدة، وعيونًا جديدة، وآذانًا جديدة، ولسانًا جديدًا روحانيًا. وبالاختصار أُناسًا جددًا كلية، هذا هو ما جاء لكي يعمله في أولئك الذين يؤمنون به. إذ صيّرهم أوانٍ جديدة، ويمسحهم بنور معرفته الإلهية، لكي يصب فيهم الخمر الجديدة، التي هي روحه، لأنه يقول أن “الخمر الجديدة ينبغي أن توضع في زقاقٍ جديدة” (مت 17:9)[75].
القديس مقاريوس الكبير
صارت طبيعة الإنسان كلها خاطئة في شخص الذي خُلق أولاً. لكنها الآن قد تبرّرت من جديد في المسيح، لأنه صار لنا بداية ثانية لجنسنا بعد تلك البداية الأولى، ولذلك فكل الأشياء قد صارت جديدة فيه[76].
قد برز لنا عالم جديد (بمجيء مخلصنا)، وقد صارت لنا فيه كل الأشياء جديدة[77].
القديس كيرلس الكبير
عندما شاخت الخليقة الأولى وتلاشت كانت هناك حاجة إلى خليقة جديدة في المسيح (كما يقول الرسول الذي يؤكد أننا لا نعود نرى في الخليقة الثانية أي أثر لما قد شاخ، قائلا: “إذ نخلع الإنسان العتيق بكل أعماله وشهواته نلبس الإنسان الجديد المخلوق حسب اللَّه”، “إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا”)، لأن خالق الطبيعة البشرية في الخليقة الأولى… أخذ ترابًا من الأرض وشكل الإنسان، مرة أخرى أخذ ترابًا من العذراء ولم يشكله إنسانًا مجردًا بل إنسانًا له. لقد خلق ثم صار خليقة. الكلمة خلق جسدًا، ثم صار الكلمة جسدًا حتى يحول جسدنا إلى روح، إذ صار شريكًا معنا في الجسد والدم. هذه الخليقة الجديدة في المسيح التي بدأ هو نفسه بها، دُعي البكر، بكر الجميع، كلاً من الذين ولدوا في الحياة والذين حيوا بالقيامة من الأموات[78].
مرة أخرى إذ جعل نفسه بكر القيامة، نال اسم “بكر الراقدين”، إذ له الأولوية في كل شيء. بعد ذلك كما يقول الرسول: “الأشياء القديمة قد مضت”. إنه يصير بكر الخليقة الجديدة للبشر في المسيح بميلادٍ جديدٍ مزدوج، واحد بالمعمودية المقدسة والآخر كنتيجة للقيامة من الأموات، صار بالنسبة لنا في كليهما رئيس الحياة والبكر… هذا البكر له أيضًا اخوة يتحدث عنهم مع مريم: “اذهبي اخبري اخوتي، أنا ذاهب إلى أبي وأبيكم، وإلهي وإلهكم”. في هذه الكلمات لخص كل غايته من تدبيره كإنسان[79].
القديس غريغوريوس أسقف نيصص
يقول لكي نثبت بأعمالنا ما نعلنه بالكلمات أن “الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا” “وإذا كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة”[80].
القديس يوحنا الذهبي الفم
“ولكن الكل من اللَّه،
الذي صالحنا لنفسه بيسوع المسيح،
وأعطانا خدمة المصالحة” [18].
كل هذه العطايا التي تمس تجديدنا الداخلي، أو الخلقة الجديدة هو هبة من اللَّه تمتعنا بها خلال المصالحة مع الآب في المسيح يسوع. فإن كانت الخطية قد نزعت التصاقنا باللَّه وحطمت العلاقة به، فتحولت إلى عداوة، فإن عمل المسيح الخلاصي هو المصالحة. صالحنا اللَّه مع نفسه بابنه الوحيد الجنس يسوع المسيح.
كل النعم التي ننالها من اللَّه مصدرها المصالحة التي تحققت بالشفيع الكفاري يسوع المسيح.
قدم لنا إلهنا خدمة المصالحة، ووهبنا الكتاب المقدس، الكلمة الإلهية، بكونه كلمة المصالحة، حيث تمتعنا بالسلام مع اللَّه خلال دم الصليب. نزع الصليب روح العداوة التي سيطرت على القلب نحو الإلهيات والسماويات، وقدم روح المصالحة معها والالتصاق بها.
إذ ترون قوله: “أعطانا خدمة المصالحة” يستخدم قول مُصلح قائلاً: لا تظنوا أننا نعمل بسلطاننا. نحن خدام. الذي يعمل كل الأشياء هو اللَّه، الذي صالح العالم بواسطة ابنه الوحيد[81].
القديس يوحنا الذهبي الفم
“أي إن اللَّه كان في المسيح مصالحًا العالم لنفسه،
غير حاسب لهم خطاياهم،
وواضعًا فينا كلمة المصالحة” [19].
بقوله هذا يعلن إن اللَّه هو الذي يطلب من جانبه المصالحة. نحن بادرنا بالعداوة والمقاومة والتمرد والعناد وهو الذي يبادر بالحب وطلب المصالحة. هو الذي يسعى إلينا مقدمًا لنا إنجيله، “كلمة المصالحة”.
يوجد عالم شرير وعالم صالح، العالم الشرير هو كل البشر الأشرار في هذا العالم، والعالم الصالح هو كل الصالحين في العالم[82].
“كون العالم (بالرب) ولم يعرفه العالم” (يو ١٠:١). أي عالم كوِّن به؟ وأي عالمٍ لم يعرفه؟ إنه ليس العالم الذي كُوِّن به؟ السماء والأرض، كيف لم تعرفه السماء هذه التي عند آلامه اظلمت الشمس؟ كيف لم تعرفه الأرض التي عندما عُلق على الصليب تزلزلت؟ لكن “العالم لم يعرفه” هذا الذي “رئيس هذا العالم يأتي ولا يجد فيّ شيئًا” (يو ٣٠:١٤). يُدعي الاشرار العالم، غير المؤمنين يدعون العالم. لقد نالوا هذا الاسم من أجل ما يحبونه. فبحبنا للعالم نُدعى “العالم”. بحبنا للَّه نصير آلهة. هكذا بحب العالم ندعى العالم، لكن اللَّه صالح العالم معه في المسيح[83].
القديس أغسطينوس
الأناجيل أربعة. هذه الأربعة كما لو كانت عناصر إيمان الكنيسة، خلالها قد اجتمع حقا العالم الذي صولح مع اللَّه في المسيح[84].
العلامة أوريجينوس
“إذًا نسعى كسفراء عن المسيح،
كأن اللَّه يعظ بنا،
نطلب عن المسيح: تصالحوا مع اللَّه” [20].
إن كان اللَّه هو المبادر بطلب المصالحة يليق بخدامه كسفراء عنه أن يبادروا من جانبهم بطلب المصالحة. إنهم يتوسلون إلى الخطاة أن يقبلوا هذه المصالحة باسم اللَّه.
الخدام كسفراء للسيد المسيح يمثلونه، معلنين إرادته في مصالحتهم مع الآب، والكشف عن حب اللَّه الفائق لهم. كممثلين للمسيح الشفيع الكفاري يطلبون عن الخطاة ويسألون الخطاة أن يقبلوا عمله الكفاري، فيتمتعوا بأحضانه الإلهية التي تحملهم إلى حضن الآب.
كسفراء عن المسيح، أي نيابة عنه، لأننا خلفناه في أعماله. لا تظنوا أنه يُطلب عنكم بواسطتنا، وإنما المسيح نفسه يطلبكم بواسطتنا… لقد هوجم ذاك الذي يمنح عشرات الالوف من البركات. وإذ هوجم ليس فقط لم يستخدم العدالة، وإنما أيضًا بذل ابنه الوحيد لكي يُصالح… ماذا يطلب؟ “تصالحوا مع اللَّه“. لا يقول “صالحوا اللَّه معكم”. إنه لا يحمل كراهية بل أنتم تحملونها. لن يحمل بغضة قط[85].
القديس يوحنا الذهبي الفم
“لأنه جعل الذي لم يعرف خطية خطية لأجلنا،
لنصير نحن برّ اللَّه فيه” [21].
الذي لم يعرف خطية صار ذبيحة خطية مقدمة عنا. الكلمة العبرية hamarita الواردة هنا ترجمت في السبعينية في أسفار الخروج واللاويين والعدد “ذبيحة خطية offering–Sin“.
إذ قبل مسيحنا أن يكون تقدمة خطية وضع كل البشرية أيديهم عليه ليحمل كل ثقل الخطايا.
إذ احتل مسيحنا موضعنا حُسب كمن هو أعظم الخطاة، وهبنا أن نحتل موضعه فنُحسب في عيني الآب أبرارًا، إذ نحمل برّ المسيح.
هكذا قدم لنا هذا الإصحاح عرضًا رائعًا لمفهوم الخلاص وخدمة المصالحة مع الآب وتمتعنا ببرّ المسيح، حيث صار المسيح في موضعنا وقدم نفسه عنا ذبيحة خطية. إنه عرض فريد ورائع يكشف عن خبرة الرسول الفائقة مع صليب رب المجد يسوع المسيح.
يعني أن ذاك الذي هو بار صار خطية، أي تألم كخاطي مُدان كمن لُعن ليموت[86].
القديس يوحنا الذهبي الفم
حدث أن صار مطيعًا إذ “أخذ ضعفاتنا وحمل أمراضنا” شافيًا عصيان البشر بطاعته، حتى بجلداته يشفي جرحنا، وبموته يطرد الموت العام لكل البشر. فمن أجلنا صار مطيعًا، ومن أجلنا صار “خطية” و”لعنة ” لأجل التدبير لحسابنا، وليس بحسب الطبيعة، إنما صار هكذا في حبه للبشر[87].
القديس غريغوريوس أسقف نيصص.
من هو هذا الذي لم يعرف خطية إلا ذاك الذي قال: “هوذا رئيس العالم يأتي ولا يجد فيّ شيئًا” (يو ٣٠:١٤).
جعل الذي لم يعرف خطية خطية لأجلنا، فالمسيح نفسه الذي لم يعرف خطية جعله اللَّه خطية لأجلنا. ماذا يعني هذا يا أخوة؟ لو أنه قيل: “جعله يُخطئ” لكان الأمر لا يُحتمل، فكيف نقبل ما قيل: “جعله خطية“، فيصير المسيح نفسه خطية؟
الذين لهم معرفة بكتب العهد القديم يدركون ما أقوله. لأن هذا ليس بالتعبير الذي استخدم مرة واحدة بل تكرر باستمرار، فالذبائح من أجل الخطايا تُدعى “خطايا”. كمثال كان الماعز يقدم عن خطية، والكبش، وكل ما يُقدم عن خطية يُدعى خطية… ففي موضع تقول الشريعة: “يضع الكهنة أياديهم على الخطية” (لا ٢٩:٤)… كانت الخطية تقدم، وتبطل. قد سفك دم المخلص، قد أبطل صك المدين. هذا الدم الذي سفك عن كثيرين لمغفرة الخطايا (مت ٢٨:٢٦)[88].
القديس أغسطينوس
V V V
من وحي 2 كو 5
نفسي تسبحك في خيمة جسدها!
إنها تترقب مسكنها معك أبديًا!
لك المجد يا من وهبتني خيمة الجسد!
خيمة جميلة من عمل يديك،
لكنها زمنية ومؤقتة.
بإرادتي الفاسدة أفسدتها،
خلالها ترحل نفسي منطلقة إليك.
تُرى متى اَلتقي بك وأتمتع بالمسكن السماوي!
متى أحمل جسدًا روحانيًا على مثال جسدك القائم من الأموات؟
تفسير كورنثوس الثانية 3 – الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي
تفسير كورنثوس الثانية 3 – الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي
تفسير كورنثوس الثانية 3 – الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي
الإصحاح الثالث
خدمة العهد الجديد
تحدث الرسول بولس في الإصحاح السابق عن الحب المتبادل بين الراعي والرعية وبين الرعية وبعضها البعض، وقد طلب منهم إن يمَّكنوا للخاطئ التائب المحبة الصادقة العملية. الآن يكشف الرسول عن خدمة العهد كخدمة روح تهب الحياة، لا خدمة الحرف القاتل، مقدمًا مقارنة بين إنجيل العهد الجديد وحرفية الناموس، دون الإساءة إلى الناموس ذاته. اظهر أيضًا ما لهذه الخدمة من مجدٍ لا يُقارن بمجد العهد القديم، وطلب منهم إن يرفعوا البرقع الذي لم يعد له حاجة، حتى يدركوا أعماق مجدها.
١. بين الإنجيل والناموس ١-٥.
٢, خدمة مجيدة ٦-١١.
٣, خدمة بلا برقع ١٢-١٧.
١. بين الإنجيل والناموس
“أفنبتدئ نمدحُ أنفسنا،
أم لعلنا نحتاج كقوم رسائل توصية إليكم،
أو رسائل توصية منكم” [1].
يعلن لهم الرسول بولس أنه ليس في حاجة إلى توصية شفهية أو كتابية إليهم من كنائس أخرى، أو منهم إلى كنائس أخرى. فإن خدمته هي خدمة العهد الجديد العظيمة والمكرمة، فلا يحتاج إلى مديح من إنسان ليهب كرامةً أو مجدًا. خدمته إلهية وتذكيته من قبل اللَّه نفسه الذي دعاه لهذه الخدمة. إنه لن يتشك في دعوة اللَّه له، وفي إخلاصه للخدمة، ونصرته بالمسيح يسوع، ومعية اللَّه له.
يقول القديس ديديموس الضرير أن الرسول بولس يُظهر برقّةٍ دهشته أن الكورنثيين كانوا لا يزالوا لا يدركون ما وراء استخدامه السلطان الرسولي[1]. فإنه لا يتحدث هنا للافتخار، وإنما لكي لا يخدعهم أحد.
“أنتم رسالتنا،
مكتوبة في قلوبنا،
معروفة ومقروءة من جميع الناس” [2].
هم الرسالة التي لم يقرأها بفمه، ولا يبعث بها إلى الكنائس الأخرى، إنما يقرأها بقلبه، فتتهلل أعماقه الداخلية من أجل غنى نعمة اللَّه العاملة فيهم. ليس من يبهج قلب الخادم أكثر من أن يقرأ عمل اللَّه في حياة مخدوميه. فيهم يتعرف على ما بلغه من نجاح بالنعمة الإلهية.
إنهم في قلب بولس الرسول حيث شعلة نيران الحب المتقدة، لا يحتاج إلى من يذكره بهم، كأنهم موضوع محبته الفائقة. أينما ذهب يقرأ الحاضرون ما حمله لهم من حبٍ، دائم الحديث عنهم أو عن عمل اللَّه معهم خلاله.
كان خلاص الكورنثيين في قلب بولس وقلوب من معه، فهو دائم التفكير في هذا[2].
أمبروسياستر
يقارن القديس يوحنا الذهبي الفم بين رسالة القديس بولس الرسول ورسالة العظيم بين الملائكة رئيس الملائكة ميخائيل، فيقول:
كانت رسالة ميخائيل (رئيس الملائكة) هي الاهتمام بشعب اليهود (دا 1:12)، أما مهمة بولس الرسول فكانت للأرض والبحار، المسكونة منها وغير المسكونة، هذا لا يعنى التقليل من رسالة الملائكة! حاشا! لكنني اوضٌح أن الإنسان يمكنه التمتع بشركة الملائكة، بل يصير في نفس الرتبة والمكانة[3].
القديس يوحنا الذهبي الفم
“ظاهرين أنكم رسالة المسيح مخدومة منّا،
مكتوبة لا بحبر، بل بروح اللَّه الحي،
لا في ألواح حجرية،
بل في ألواح قلب لحمية” [3].
كأنه يقول ما حاجتي إلى رسائل توصية وأنتم أنفسكم بحياتكم الجديدة رسالة توصية، منقوشة لا بحبر على ورق، لكنها بالروح في قلوبنا، تشهدون لعملي أمام ضميري كما أمام الناس. حياتكم هي خير خطاب مفتوح دومًا ومقروء.
إنهم رسالة المسيح، أما بولس وغيره من الرسل والخدام فمجرد خدام لهم، آلات يعمل بالسيد المسيح فيهم، مصدر كل صلاح فيهم.
في العهد القديم قدم لهم اللَّه الوصايا على الواح حجرية (خر 31: 18؛ تث 9: 10)، الآن حلّ عهد النعمة، ونزع عنهم الطبيعة الحجرية، وسجل شريعته بروحه القدوس على الواح القلب اللحمية. وكما سبق فوعد في حزقيال: “أعطيكم قلبًا جديدًا، وأجعل روحًا جديدة في داخلكم، وأنزع قلب الحجر من لحمكم، وأعطيكم قلب لحمٍ، وأجعل روحي في داخلكم”. (حز ٣٦: ٢٦-٢٧) هكذا يقيم اللَّه من قلب المؤمن ما هو أشبه بتابوت العهد الذي يضم بداخله لوحي الشريعة والإنجيل مكتوبين بإصبع اللَّه، أي بروحه القدوس.
يرى الرسول في نفسه أشبه بالحبر الذي به يُسجل إصبع اللَّه، أي الروح القدس، إنجيله في داخل قلوب الملايين.
هكذا إذ يتحدث الرسول بولس عن خدمته في وسطهم يعلن مجدها العجيب كالآتي:
أولاً: إنهم رسالته [2] التي سجلها الرسول بولس بغنى نعمة اللَّه فيه مع جهادٍ وميتاتٍ كثيرة.
ثانيًا: إنهم رسالة المسيح، إذ صاروا إنجيلاً عمليًا مقروءً من الجميع.
ثالثًا: يسجل روح اللَّه الحيّ إنجيل المسيح في قلوبهم.
رابعًا: تحولت قلوبهم إلى تابوت عهد جديد يحوي إنجيل النعمة.
خامسًا: صار الرسول أشبه بالحبر الذي يكتب به الروح في قلوبهم.
سادسًا: إنجيل المسيح مُسجل في قلوبهم حيث عواطفهم ومشاعرهم ونياتهم وأفكارهم ممتصة بالكامل لحساب ملكوت اللَّه.
نقرأ أن الشريعة كتبت بإصبع اللَّه، وأعطيت خلال موسى، خادمه المقدس. يرى الكثيرون إصبع اللَّه أنه الروح القدس[4].
القديس أغسطينوس
“ولكن لنا ثقة مثل هذه بالمسيح لدى اللَّه” [4].
لدى الرسول بولس كمال اليقين بأن اللَّه قد قبل خدمته، وعلامة القبول هي قبول الأمم للإيمان بتمتعهم بعمل المسيح الخلاصي. هذا دليل صدق خدمته ونجاحها.
“ليس أننا كفاة من أنفسنا،
إن نفتكر شيئًا كأنه من أنفسنا،
بل كفايتنا من اللَّه” [5].
هذا اليقين في قبول الخدمة لدى اللَّه وإثمارها في حياة الأمم، خاصة أهل كورنثوس، لم يدفع الرسول إلى العجرفة ولا ينسب لنفسه إمكانية إنارة الذهن أو تجديد القلب، إنما يدرك أنه أداة في يد اللَّه. فاللَّه وحده هو الذي يهب الإرادة المقدسة والفكر النقي والعواطف الطاهرة والأحاسيس المباركة. هو مصدر كل قوة وبركة ونعمة.
أن يكون لنا السلطان أن نكون أبناء اللَّه (يو 12:1) هذا لا يقوم على قوة بشرية، بل على قوة اللَّه. يتقبلونه من اللَّه الذي يوحي في القلب البشري بالأفكار المقدسة، خلالها نهتم “بالإيمان العامل بالمحبة” (غل 6:5)… فإنه “ليس أننا كفاة من أنفسنا بل كفايتنا من اللَّه“، الذي في سلطانه قلوبنا وأفكارنا[5].
القديس أغسطينوس
“الذي جعلنا كفاة لأن نكون خدام عهدٍ جديدٍ،
لا الحرف بل الروح،
لأن الحرف يقتل،
ولكن الروح يحيي” [6].
إذ حاول المعلمون الكذبة التسلل إلى الكنيسة في كورنثوس ركزوا على الالتزام بالتطبيق الحرفي للناموس الموسوي لمقاومة الرسول بولس المُتهم بكسره للناموس.
سبق أن سأل: “من هو كفوء لهذه الأمور؟” (٢ كو ١٦:٢)، وقد جاءت الإجابة هنا أن اللَّه جعله هو والعاملين معه كفاة أن يكونوا خدامًا لعهدٍ جديدٍ.
دعاه اللَّه لخدمة العهد الجديد، به يخدم بالروح لا بالحرف القاتل. هنا يقارن الرسول بين خدمة العهد القديم التي اتسمت بالحرف وخدمة العهد الجديد التي يلزم ممارستها بالروح. الخدمة الأولى إذ يغلب عليها الحرف قاتلة، لأنها لا تتعدى الكشف عما بلغ إليه الإنسان من فسادٍ، دون تقديم إمكانية البلوغ إلى عدم الفساد. ليس الناموس في ذاته قاتل، إنما هو مرآة تكشف عن الموت الذي حلّ بالخاطي بسبب عصيانه، أما خدمة العهد الجديد فتقدم العلاج.
لم يتحدث الرسول هنا كمن يضاد خدمة العهد القديم، إنما يحذر من الحرف حتى إن تمسك بها خدام العهد الجديد. فإن كان اليهود برفضهم الفهم الروحي للناموس لم يتمتعوا بخلاص المسيح هكذا أيضًا خدام العهد الجديد إن رفضوا الفهم الروحي للإنجيل يتعثرون.
يلزمنا أن نسبَح مع الطوباوي داود قائلين: “قوتي وترنمي” ليس بإرادتي الحرة ذاتها. ولكن بواسطة “الرب، وقد صار لي خلاصًا”. لم يكن معلم الأمم جاهلاً بهذا عندما أعلن أنه قد صار كُفوء ليكون خادمًا للعهد الجديد، ليس بحسب استحقاقه وجهاده بل برحمة اللَّه، “ليس أننا كفاة من أنفسنا أن نفتكر شيئًا كأنهُ من أنفسنا، بل كفايتنا من اللَّه الذي جعلنا كفاةً لأن نكون خدام عهد جديد” (2 كو 5:3، 6)[6].
الأب بفنوتيوس
الحرف يعني ما هو مادي، والروح ما هو عقلي، والذي ندعوه روحيًا[7].
صرنا كفاة باللَّه خادم العهد الجديد، الذي يقود برهان الروح والقوة، حتى متى اتفق المؤمنون معه يصير إيمانهم لا بحكمة البشر بل بقوة اللَّه[8].
العلامة أوريجينوس
بحق يقول بولس: “الحرف يقتل والروح يحيي“. فالحرف يختن جزءً صغيرًا من الجسم، إما الروح المُدرك فيحفظ ختان النفس والجسد بالكامل، فتُحفظ الطهارة، ويُحب التدبير، وتُنزع الأجزاء غير الضرورية (إذ ليس شيء غير ضروري مثل رذيلة الطمع وخطايا الشهوة، هذه التي لا تنتمي للطبيعة، إنما جاءت ثمرة للخطية). الختان الجسداني هو رمز، ولكن الختان الروحي هو الحقيقة، الواحد يقطع عضوًا والثاني ينزع الخطية[9].
يعطي الروح الحياة. لكن يجب أن تفهموا أن وهب الحياة الذي من عمل الآب والابن والروح القدس لا ينقسم، ولتتعلموا وحدة وهب الحياة خلال الروح، إذ يقول بولس: “الذي أقام يسوع المسيح من الأموات سيُحيي أجسادكم المائتة أيضًا بروحه الساكن فيكم” (رو11:8)[10].
القديس أمبروسيوس
كان الناموس روحيًا لكنه لم يَمنح الروح. كان لدى موسى الحرف لا الروح، بينما أودع لدينا منح الروح[11].
القديس يوحنا الذهبي الفم
كيف يُعطي الروح الحياة؟ بأن يتمم الحرف فلا يقتل[12].
لتشتاقوا إلى المسيح، اعترفوا للمسيح، آمنوا بالمسيح، فإن الروح يُضاف إلى الحرف، فتخلصون. فإن نزعت الروح عن الحرف فإن “الحرف يقتل”. وإذ قتل، فأين الرجاء؟ “لكن الروح يحيي”[13].
يا من تخافون الرب سبّحوه، لتعبدوه لا كعبيدٍ بل كأحرارٍ.
تعلموا أن تحبوا من تخافوه، فتستطيعون أن تُسبحوا من تحبونه.
خاف رجال العهد القديم اللَّه بسبب الحرف الذي يُرعب ويقتل ولم يكن لهم الروح الذي يحيي، فكانوا يجرون نحو الهيكل بالذبائح ويقدمون ضحايا دموية. كانوا يجهلون ما كان ظلاً خلالها، مع أنه كان رمزُا للدم القادم الذي به نخلص[14].
يأمر اللَّه بالعفة، وهو الذي يهب العفة. يأمر بالناموس، ويعطي الروح، لأن الناموس بدون النعمة يجعل الخطية تزداد (رو20:5). والحرف بدون الروح يقتل. إنه يأمر لكي يعلمنا كيف نسأل عون النعمة حينما نحاول الطاعة لوصاياه وفي ضعفنا نسقط بقلقٍ تحت الناموس. وأيضًا لكي يجعلنا شاكرين له من أجل عونه لنا، إن كنّا نستطيع أن نحقق أي عمل صالح[15].
إن نزعتم الروح كيف ينفع الناموس؟ تحدث مراوغة. لهذا يقول الكتاب: “الحرف يقتل”. الناموس يأمر، وأنتم لا تطيعونه. توجد أمور ممنوعة، وأنتم تمارسونها. انظروا فإن الحرف يقتل[16].
ليرتبط الروح بالناموس، فإنكم إذ تستلمون الناموس وليس لديكم عون الروح لا تتممون ما جاء في الناموس… ليكن لكم الروح، ليعينكم حتى تتممون ما تؤمرون به. متى كان الروح غائبًا يقتلكم الحرف… لا تستطيعون أن تعتذروا بحجة الجهل مادمتم قد تسلمتم الناموس. الآن، إذ تعلمتم ما يجب أن تفعلوه ليس لكم أن تعتذروا بالجهل… لكن لماذا يقول الرسول: “الحرف يقتل والروحيحيي“؟ كيف يعطي الروح الحياة؟ لأنه يجعل الحرف يتحقق فلا يقتل. المقدّسون هم الذين يحققون ناموس اللَّه حسب عطية اللَّه. يمكن للناموس أن يأمر، لكنه لا يقدر أن يعين. الروح يُضاف كمعينٍ، فتتم وصايا اللَّه بفرحٍ وبهجة. بلاشك كثيرون يلاحظون الناموس عن خوفٍ، ولكن الذين يحفظونه خشية العقوبة يفضلون لو أن الذي يخافونه غير موجودٍ. وعلى العكس، فإن الذين يحفظون الناموس بحبهم البرّ يفرحون ويحسبونه ليس غريبًا عنهم[17].
بناموس الأعمال يقول لنا اللَّه: “اصنعوا ما آمركم به”، ولكن بناموس الإيمان نقول للَّه: “أعطنا ما أوصيت به”[18].
القديس أغسطينوس
لم يقل بولس “خدمة الناموس”، بل قال “خدمة الموت“، متحدثًا بالأحرى عن نتائجه لكي يقلل من جاذبيته[19].
ثيؤدور أسقف المصيصة
يظهر بولس نتائج الخدمتين، فبينما في الأولى يركز على نتائجها وهو الموت والفصل عن اللَّه؛ يركز في الخدمة الثانية على الروح نفسه[20].
خدم الناموس الموت لكنه لم يكن هو السبب. الذي سبب الموت هو الخطية، ولكن الناموس جلب العقوبة، وأظهر ما كانت عليه الخطية… لم يخدم الناموس لإيجاد الخطية أو الموت، وإنما لاحتمال العقوبة بواسطة الخاطي، حتى أنه بهذا صار أكثر تدميرًا بالخطية[21].
القديس يوحنا الذهبي الفم
“ثم إن كانت خدمة الموت المنقوشة بأحرف في حجارة
قد حصلت في مجد،
حتى لم يقدر بنو إسرائيل إن ينظروا إلى وجه موسى
لسبب مجد وجهه الزائل” [7].
يقصد بخدمة الموت هنا الناموس الذي ثبت عقوبة العصاة، وبه تعرفنا على الخطية فاشتهيناها. هذه الخدمة (الوصايا العشرة) قد سُجلت على ألواحٍ حجرية وهي خدمة مجيدة مملوءة سموًا. ففي استلام الشريعة دخن الجبل وظهرت بروق وحدثت رعود، وأشرق وجه موسى مستلم الشريعة. البهاء الصادر عن ملامح موسى النبي يكشف عن مجد الشريعة التي تسلمها.
كان المجد الذي ظهر على وجه موسى رمزًًا للمجد الحقيقي، وكما لم يستطع اليهود أن ينظروا إلى وجه موسى، هكذا فإن المسيحيين يحصلون على مجد النور في داخل نفوسهم. أما الظلمة فتضمحل وتهرب، إذ لا تحتمل لمعان النور[22].
القديس مقاريوس الكبير
الأمور التي وُعد بها هي أبدية، ولذلك قيل أنها مكتوبة بروح اللَّه، على خلاف الأمور الوقتية المكتوبة بحبرٍ، والتي تذبل وتفقد قوتها لتسجل أي شيء[23].
أمبروسياستر
اللَّه هو الذي كتب ذاك الناموس، ولكن بولس وأصحابه هيأوهم لقبول الكتابة. وذلك كما أن موسى قطع الحجارة واللوحين (خر1:34-4) هكذا شكل بولس نفوسهم[24].
القديس يوحنا الذهبي الفم
يظهر بولس أفضلية نعمة الروح عن الناموس، وسموّ كرازة الرسل عن تدبير الأنبياء[25].
سفيريان أسقف جبالة
كتب اللَّه بهذا الإصبع على اللوحين الحجريين اللذين استلمهما موسى. فإن اللَّه لم يُشكّل الحروف التي نقرأها بإصبع جسدي؛ إنما بالروح أعطي الناموس…
فإن كانت رسالة الرسول كُتبت بالروح ماذا يقف في طريق التزامنا بالاعتقاد بأن ناموس اللَّه كُتب ليس بحبرٍ بل بروح اللَّه هذا الذي لا يُشين أسرار قلوبنا وأذهاننا بل ينيرهما؟[26]
القديس أمبروسيوس
كما أن القلم هو أداة للكتابة متى حركته يد شخصٍ مختبرٍ ليسجل ما يُكتب، هكذا أيضًا لسان البار عندما يحركه الروح القدس يكتب كلمات الحياة الأبدية في قلوب المؤمنين. يغمسه لا في حبرٍ، بل في “روح اللَّه الحيّ”. لذلك فإن الكاتب هو الروح القدس، لأنه حكيم ومعلم قدير للكل. ويكتب الروح بسرعة لأن حركة عقله سريعة. يكتب الروح الأفكار فينا، “لا على ألواح حجرية بل على ألواح القلب اللحمية”. يكتب الروح حسبما يناسب حجم القلب أكثر أو أقل، إما أمورًا واضحة للكل أو أكثر غموضًا، حسب نقاوة القلب السابقة. وبسبب سرعة الكتابة تنتهي الكتابة، يمتلئ العالم الآن بالإنجيل[27].
القديس باسيليوس الكبير
هذه هي نواميس العقل، كلمات تهب وحيًا، مكتوبة بإصبع الرب، ليست على ألواح حجرية بل منحوتة في قلوب البشر. إنها تسند فقط الذين قلوبهم لم تلتصق بالفساد. لذلك فإن ألواح القلب القاسي تنكسر، وإيمان الأصاغر يتشكل في أذهانٍ حسّاسة.
كِلا الناموسين خدما الكلمة كوسيلة لتعليم البشرية، واحد خلال موسى، والآخر خلال الرسل[28].
القديس إكليمنضس السكندري
ربما يكون رب البيت هو يسوع نفسه الذي يُخرج من كنزه، حسب وقت تعليمه، أشياء جديدة روحية، تتجدد دائمًا بواسطته في الإنسان الداخلي للأبرار، هؤلاء الذين يتجددون يومًا فيومًا (٢ كو ١٦:٤). وأيضًا يخرج عتقاء منقوشة على حجارة، في القلوب الحجرية للإنسان العتيق، حتى أنه بمقارنة الحرف باستعراض الروح يغني الكاتب الذي يصير تلميذًا لملكوت السماء، ويجعله على شبهه حتى يصير التلميذ كمعلمه. يتمثل أولاً بمن يتمثل بالمسيح، ثم يتمثل بالمسيح نفسه، وذلك كما قال بولس: “تمثلوا بي كما أنا أيضًا بالمسيح” (١ كو ٢:١١)[29].
إذ يُفهم أمران بخصوص الناموس، خدمة الموت المنقوشة في حروف، والتي ليس لها علاقة بالروح. وأيضًا خدمة الحياة التي تُفهم في الناموس بالروح، هؤلاء القادرون بقلبٍ مخلصٍ أن يقولوا: “نحن نعلم أن الناموس روحي” (رو ١٤:٧). ولهذا فإن الناموس مقدس، والوصية مقدسة وبارة وصالحة” (رو ١٢:٧)، وهي الغرس الذي غرسه الآب السماوي[30].
العلامة أوريجينوس
“فكيف لا تكون بالأولى خدمة الروح في مجد؟” [8]
“لأنه إن كانت خدمة الدينونة مجدًا،
فبالأولى كثيرًا تزيد خدمة البرّ في مجد” [9].
يقصد بخدمة الدينونة الناموس الذي يتحقق من الخطية ويدينها، بينما يقصد بخدمة البرّ إنجيل العهد الجديد الذي يبرر من يؤمن بالرب يسوع البار، فيحمل المؤمن برِّ المسيح.
عظيم هو الناموس ومجيد ومهوب للغاية، وذلك لمقاومته للخطية ومناهضة مملكة الظلمة، فكم بالأكثر الإنجيل الذي يهب البرّ، ويقيم فينا مملكة النور. ما يبغيه الناموس ويعجز عن تحقيقه يقدمه لنا الإنجيل بفيضٍ؛ قدم الناموس ظلاً للحق وجلب الإنجيل الحق ذاته.
يدين الناموس الخطاة، وأما النعمة فتتقبلهم وتبررهم بالإيمان. إنها تقودهم إلى المعمودية المقدسة وتهبهم غفران الخطايا[31].
ثيؤدورت أسقف قورش
وصايا موسى هي “خدمة الدينونة“، أما النعمة بالمخلص فيدعوها “خدمة البرّ” التي فاقت في المجدٍ…
الناموس الذي يدين أُعطي بموسى، وأما النعمة التي تبرر، فقد صارت بواسطة الابن الوحيد. فكيف لا يكون المسيح فائق المجد وبما لا يمكن مقارنته؟[32]
القديس كيرلس الكبير
لقد فسر بأكثر وضوح ما هو معنى “الحرف يقتل” قائلاً هكذا… اظهر الناموس الخطية، لكنه لم يسببها. “بالأولى كثيرًا تزيد خدمة البرّ في مجدٍ“، لأن هذين اللوحين بالحق أظهرا الخطاة وقاما بمعاقبتهم؛ أما هذه الخدمة فليس فقط لم تعاقب الخطاة بل جعلتهم أبرارًا، فإن هذا ما ينعم به العماد[33].
القديس يوحنا الذهبي الفم
بفضل مجد الروح الذي أشرق على وجه موسى والذي لم يستطع إنسان ما أن يحتمل التطلع إليه ظهر بهذه العلامة كيف تتمجد الأجساد بقيامة الأبرار. هذا المجد عينه سيحسب النفوس الأمينة أهلاً لنوال الأمجاد في الإنسان الداخلي، إذ نتأمل في مجد الرب بوجه مكشوف، أي في ذات الإنسان الداخلي، يتجلى من مجدٍ إلى مجدٍ حسب ذات الصورة[34].
الأب غريغوريوس بالاماس
يقول بولس هذا لأنه لا يوجد مجد أعظم من الخلاص من الموت.
على أي الأحوال بعدلٍ يحكم القاضي على المذنب ويدينه، لكنه يستحق كرامة أعظم إن أظهر الرحمة، إذ يُعطى للمذنب فرصة لتصحيح طرقه[35].
أمبروسياستر
نحتاج أولاً إلى المجد الذي سيزول، وذلك من أجل المجد الفائق. وذلك كما نحتاج إلى المعرفة الجزئية التي تزول عندما تحل المعرفة الكاملة[36].
العلامة أوريجينوس
“فإن الممجد أيضًا لم يمجد من هذا القبيل لسبب المجد الفائق” [10].
اختفى مجد الناموس الممجد إلى حين أمام عظمة بهاء مجد الإنجيل الفائق. قدم البرّ والقداسة والصلاح والرحمة، وأعلن عن عظمة وغنى نعمة اللَّه الفائقة.
لم يكن ناموس موسى أكثر مجدًا من أجل البهاء الذي على وجهه (خر 29:34-35). هذا البهاء لا يفيد أحدًا وليست له مكافأة مجد. إنه بالحق أعاقه ليس خلال خطأ فيه بل خلال خطأ الخطاة[37].
أمبروسياستر
لم يحط بولس من قدر العهد القديم بل مدحه بطريقة سامية، حيث أن المقارنة بين اثنين في الأساس متشابهين في النوع[38].
القديس يوحنا الذهبي الفم
نور السراج يشرق ببهاء في ظلمة الليل، أما في الظهيرة فبالكاد يُرى بل ولا يُظن أنه نور[39].
ثيؤدورت أسقف قورش
“لأنه إن كان الزائل في مجد
فبالأولى كثيرًا يكون الدائم في مجد” [11].
يقدم لنا مقارنة بين الناموس والإنجيل، الأول مؤقت ينتهي بحلول الثاني. أما الأخير فيتعدى الزمن ويدخل بنا إلى الأبدية. بهاء وجه موسى زال بموته، أما بهاء مجد المسيح فإلهي ذاتي قائم إلى الأبد.
يقول أمبروسياستر: [لم ينكر بولس ما في الناموس من إشراق، كذلك اشراق وجه موسى (خر 29: 34-35)، لكن هذا الإشراق لم يستمر، لأنه كان رمزًا لا حقيقة. الاختلاف بين وجه موسى ومجد المسيح كاختلاف الصورة عن الشخص الذي له الصورة [40].]
٣. خدمة بلا برقع
يليق بخدام الإنجيل إلا يضعوا برقعًا على وجوههم كما فعل موسى النبي بل يكشفوا الحق الإنجيلي في كمال بهائه، فإن التدبير الإنجيلي واضح ومُقدم للجميع بروح البساطة، لا في رموزٍ ولا في ظلالٍ، بل في النور الإلهي الذي جاء إلى العالم ليراه الكل.
“فإذ لنا رجاء مثل هذا نستعمل مجاهرة كثيرة” [12].
فتحت بركات الإنجيل أمامنا باب الرجاء، وقدمت لنا يقينًا بأن الوعود الإلهية قد تحققت، وصار لنا إن ننالها، فهي للجميع. ويبقى اللَّه عاملاً وسيعمل على الدوام لحساب الكل.
مع الثقة واليقين بسمة الإنجيل بالوضوح وعدم الغموض، إذ لا يخفي عن المؤمن شيئًا. يليق بخدام العهد الجديد إن ينطقوا بالحق الإنجيلي في بساطة ووضوح حتى يمكن للكل إن يتمتعوا به.
يقول بولس الرسول أن لنا رجاء في رؤية المجد، لا من النوع الذي على وجه موسى، بل الذي رآه التلاميذ الثلاثة على الجبل حينما أعلن الرب عن نفسه (مت 1:17-2؛ مر 2:9-3). لهذا يليق بنا أن نتجاوب مع حب اللَّه قدر ما نستطيع بأن نكون حارين في حبنا له، ذاك الذي إذ يطهرنا من خطايانا يهبنا هذه الثفة. الآن يلزم أن تزيد ثقتنا، لأن ما نراه أخيرًا سيكون متناسبًا مع ما نؤمن به الآن[41].
أمبروسياستر
أي رجاء لنا؟ الرجاء بأن نعمة الروح لن تبطل مثل الناموس، بل تبقى حتى بعد القيامة[42].
سفيريان أسقف جبالة
“وليس كما كان موسى يضع برقعًا على وجهه،
لكي لا ينظر بنو إسرائيل إلى نهاية الزائل” [13].
لم يتأهل شعب بني إسرائيل إن يتطلعوا إلى بهاء وجه موسى، وهو مجد مؤقت وزائل. وقد سمح اللَّه لهم بذلك حتى يطلبوا ما هو أعظم: المجد الأبدي غير الزائل.
يقول بولس بأنه لا حاجة لنا أن نغطي أنفسنا كما فعل موسى (خر 33:34)، إذ نحن قادرون أن نرى المجد الذي يحيط بنا حتى وإن كان أكثر بهاءً من الأول[43].
القديس يوحنا الذهبي الفم
لماذا يقول هذا؟ لأن من يقطن في المعنى الحرفي المجرد، ويشغل نفسه بحفظ الناموس، يكون كما لو أن قلبه قد تغلف بقبول الحرف اليهودي مثل برقع موضوع عليه. هذا يحدث له بسبب جهله بأن الحفظ الجسدي للناموس قد بطل بحضور المسيح، وذلك من أجل أن الرموز تتحول إلى حقائق للمستقبل…
ذاك الذي له القوة أن يتطلع إلى أعماق معنى الناموس، وبعد ذلك يعبر خلال غموض الحرف كما من خلال برقع لكي يصل إلى الأمور التي لا يُنطق بها يكون مثل موسى الذي ينزع البرقع عندما يتحدث مع اللَّه. هذا يرجع عن الحرف إلى الروح.
هكذا ينطبق البرقع الذي على وجه موسى على غموض تعليم الناموس، وينطبق التأمل الروحي على الرجوع إلى الرب. مثل هذا… يصير بالأكثر مثل موسى الذي يتمجد وجهه باعلان اللَّه.
وكما أن الأشياء التي توضع بالقرب من الألوان البهية هي نفسها تحمل مسحة من البهاء المشرق حولها، هكذا ذاك الذي يركز نظره بثبات على الروح. فإنه يمجد الرب إلى حدٍ ما يتجلى إلى سمو أعظم، ويستنير قلبه كما بنورٍ ينسكب من الحق الذي للروح. هذا هو “التحول” إلى مجد الروح، ليس إلى درجة شحيحة أو باهتة أو غير واضحة، وإنما كما نتوقع بالنسبة لذاك الذي يستنير بالروح[44].
القديس باسيليوس الكبير
الحقيقة بأن العهد القديم لجبل سيناء أنتج أبناء العبودية، الآن لا يهدف سوى للشهادة للعهد الجديد. وألا تكون كلمات الرسول غير صادقة: “حتى اليوم ذلك البرقع نفسه عند قراءة موسى يوضع على قلوبهم”، ولكن عندما يتوجه إنسان من العهد القديم إلى المسيح “يُرفع البرقع“. ما يحدث هو أن النسمات العميقة التي لأولئك الذين يحدثون تغيرًا بالتحول من العهد القديم إلى الجديد، يبدأون في التطلع إلى السعادة الروحية أكثر من الأرضية[45].
يوجد بلا شكٍ برقع في العهد القديم، يُرفع حالما يأتي الإنسان إلى المسيح. عند الصلب انشق حجاب الهيكل (مت51:27) ليعني ما قاله الرسول عن برقع العهد القديم، ففي المسيح قد أُبطل[46].
ليس العهد القديم هو الذي أُبطل في المسيح، بل البرقع الذي يحجب، حتى يُفهم بالمسيح. بمعنى أنه يصير ظاهرًا مكشوفًا، وبدون المسيح يكون مخفيًا وغامضًا.
يضيف نفس الرسول في الحال: “عندما يرجع إلى الرب يُرفع البرقع“. لم يقل: “يُزال الناموس أو العهد القديم”. الأمر ليس كذلك! بنعمة الرب ما كان مُغطّى يُزال لعدم نفعه، يُزال الغطاء الذي يخفي الحق النافع.
هذا ما يحدث للذين يطلبون بشغفٍ وتقوى، وليس بكبرياءٍ وشرٍ، معنى الكتب المقدسة. بالنسبة لهم يُشرح لهم بوضوح نظام الأحداث وسبب الكلمات والتصرفات والتوافق بين العهدين القديم والجديد، فلا تبقى نقطة واحدة بدون اتفاقٍ تامٍ.
مثل هذه الحقائق السرية بلغت خلال الرموز، عندما تُحضر إلى النور. بتفسير الحقائق يُلزم الذين يرغبون في النقد إلى التعلم[47].
القديس أغسطينوس
يقول بولس أن الناموس يخفت، ويقصد بذلك أنه ينتهي في المسيح، الذي سبق فتنبأ الناموس عن مجيئه[48].
الأب ثيؤدورت أسقف قورش
“بل أُغلظَت أذهانهم،
لأنه حتى اليوم ذلك البرقع نفسه عند قراءة العهد العتيق باقٍ غير منكشف،
الذي يبطل في المسيح” [14].
إذ عكفوا على الحرف لا الروح، وأغمضوا أعينهم حتى لا يروا نور الإنجيل المُقدم لهم غلظت قلوبهم وامتلأوا غباوة. وكأن البرقع الذي يحجب بهاء وجه موسى عنهم لازال قائمًا. صار لهم برقع الظلمة والجهالة على قلوبهم، الذي يمنع التطلع إلى مجد الإنجيل من الإشراق عليهم.
ما حدث مرة في حالة موسى يحدث باستمرار في حالة الناموس. ما يُُقال ليس اتهامًا للناموس، وليس له انعكاس على موسى الذي وضع برقعًا، وإنما هو اتهام ضد ضيق أفق المهتمّين بحرفية الناموس اليهودي. فإن للناموس مجده اللائق به، وإنما هم كانوا غير قادرين على معاينته. فلماذا نتعجب من أن اليهود لم يؤمنوا بالمسيح، إذ لم يؤمنوا حتى بالناموس؟[49]
يوضع البرقع على قلوبهم… بسبب ذهن اليهود الثقيل الجسداني… ألا تروا أنه لم يكن البرقع على وجه موسى بل على البصيرة اليهودية؟ حدث هذا ليس لكي يخفى مجد موسي، وإنما لكي لا يروه، لأنهم لم يجدوا طريقًا للرؤية. فالعيب هو فيهم، هذا لم يجعل موسى مجهولاً في شيء ما[50].
القديس يوحنا الذهبي الفم
إذ تقلب (العروس) صفحات الأنبياء كمثال، صفحة فصفحة، تجد المسيح نابعًا منها. الآن إذ زال البرقع الذي غطى هذه الصفحات تدركه يبرز ويظهر من الصفحات التي تقرأها، ويندفع منا في اعلان واضح تمامًا[51].
العلامة أوريجينوس
“إلى هذا اليوم” لا تعني مجرد إلى وقت بولس، بل وإلى وقتنا أيضًا، وبالحقيقة إلى نهاية العالم[52].
القديس كيرلس الأورشليمي
“لكن حتى اليوم حين يُقرأ موسى،
البرقع موضوع على قلبهم” [15].
كان اليهود يغطون رؤوسهم بالكامل ببرقع Taliyt (من الكلمة العبرية Taalal وتعني “يغطي”) عند قراءة الناموس. هذا البرقع يبطل ويزول وذلك لأنه بالشركة مع المسيح تزول الظلمة، ويتجلى الحق بفكرٍ روحيٍ صادقٍ.
وجود البرقع ليس بسبب موسى، بل بسبب أذهانهم الجسدانية الفادحة[53].
القديس يوحنا الذهبي الفم
حجاب الهيكل يُمزق، لأن ما قد حُجب في يهوذا صار مكشوفًا لكل الأمم. يُمزق الحجاب، وتُعلن أسرار الناموس للمؤمنين، أما لغير المؤمنين فهي مخفية إلى هذا اليوم عينه. عندما يُقرأ موسى – العهد القديم – بصوتٍ عالٍ بواسطة اليهود في كل سبتٍ حسب شهادة الرسل “يغطى البرقع قلوبهم“. إنهم يقرأون الناموس، الذي فيه الحق الكافي، لكنهم لا يفهمون، لأن أعينهم تنمو في ظلامها فلا يقدروا أن ينيروها. إنهم بالحق مثل الذين يقول عنهم الكتاب المقدس: “لهم أعين ولا يرون، ولهم آذان ولا يسمعون”[54].
القديس جيروم
غير أن الظلال تجلب الحق، حتى إن كانت ليست الحق تمامًا. بسبب هذا وضع موسى المُوحى إليه إلهيًا برقعًا على وجهه، وتكلم هكذا إلى أبناء إسرائيل جميعًا. لكن بهذا العمل يصرخ بأنه يليق بالشخص أن يتطلع إلى جمال منطوقات لا خلال المظهر الخارجي الرمزي، وإنما بالتأملات الخفية فينا (2 كو 15:3-16). لذلك فلنرفع البرقع عن الناموس، ونجعل وجه موسى متحررًا من كل الأغطية، لنتأمل الحق عاريًا[55].
القديس كيرلس السكندري
مادام الإنسان لا يصغي للمعنى الروحي، يُوضع برقع على قلبه. وبسبب هذا البرقع الذي هو الفهم المتبلد، يُُقال أن الكتاب نفسه موضوع عليه برقع. هذا هو تفسير البرقع الذي يُقال أنه يغطي وجه موسى عندما يتحدث مع الشعب، بمعنى عندما يُقرأ الناموس علانية. أما إذا رجعنا إلى الرب، حيث يوجد كلمة اللَّه، وحيث يُعلن الروح القدس المعرفة الروحية، يُرفع البرقع، ونستطيع أن ننظر مجد الرب في الكتب المقدسة بوجهٍ بلا برقعٍ[56].
إشراق مجيء المسيح بإنارة ناموس موسى ببهاء الحق يرفع البرقع الذي يُغطّي حرف الناموس ويُغلق عليه، وذلك لكل من يؤمن به ويخفي في داخله هذه الأمور الصالحة[57].
العلامة أوريجينوس
يرى العلامة أوريجينوس أن هذا البرقع الذي حجب عن أعين اليهود معرفة ربنا يسوع هو الذي دفعهم لقتله ومقاومة كنيسته.
لم يقم اليهود حتى الآن ضد الأمم التي تعبد الأوثان وتجدف على اللَّه. إنهم لا يبغضونهم ولا ينقموا منهم، بل هم ناقمون على المسيحيين، ومشتعلون بكراهية لا تخمد تجاه من هجروا الأوثان وتحولوا إلى عبادة اللَّه[58].
إذ لم يبق لهم مذبح ولا هيكل ولا كاهن، ولم يكن بالتالي تقدمات ذبائح كانوا يشعرون بأن خطيتهم باقية فيهم، وأنه لا سبيل لهم لنوال المغفرة. إن كان الذي قتل الرب يسوع يهوديًا، فإنه لا يزال يتحمل مسئولية هذه الجريمة إلى يومنا هذا، وذلك ثمرة عدم فهمه لما في باطن الناموس والأنبياء[59].
العلامة أوريجينوس
يطالبهم العلامة أوريجينوس أن ينزعوا البرقع حتى تتحول أنظارهم من المفهوم الحرفي للَّهيكل والذبائح إلى المفهوم السماوي:
يا معشر اليهود، عندما تأتون إلى أورشليم وتجدون إنها خربت، وتحولت إلى تراب ورماد، فلا تبكوا كالأطفال (1 كو 4). لا تحزنوا، بل أنشدوا لكم مدينة في السماء بدلاً من تلك التي تبحثون عنها هنا على الأرض. ارتفعوا بأبصاركم، فستجدون في الأعالي أورشليم الحرة التي هي أمنا جميعًا (غلا 4: 26).
لا تحزنوا على غياب الهيكل هنا، ولا تيأسوا لافتقاركم إلى كاهن. ففي السماء تجدون مذبحًا وكهنة الخيرات العتيدة، على رتبة ملكي صادق، في موكبهم أمام اللَّه (عب 5: 10). فقد شاءت محبة الرب ورحمته أن ينزع عنكم الإرث الأرضي، حتى يتسنى لكم أن تطلبوا السماوي[60].
العلامة أوريجينوس
إن كان شعب اللَّه في العهد القديم دُعي “إسرائيل” ففي رأي العلامة أوريجينوس أن هذه الكلمة تعني “الذهن الذي يعاين اللَّه“. لهذا إذ وضع برقع على ذهنهم فلم يروا اللَّه وفقدوا هذا اللقب لكي تتقبله كنيسة العهد الجديد “إسرائيل الجديد” التي رجعت إلى الرب وتمتعت برؤية إلهية فائقة.
هذا البرقع الذي حرم اليهود من الرؤية السماوية وادراك سرّ الصليب ابقت اليهود عند مارة ليشربوا من مياه الناموس المرة، هذه التي يشرب منها المسيحيون فيجدونها خلال الصليب عذبة.
مازال اليهود عند مارة، مازالوا مقيمين عند المياه المرة، لأن اللَّه لم يريهم بعد الشجرة التي بها يصير الماء عذبًا. ألقى الرب بشجرة في المياه مما جعلها عذبة. أما عندما تأتي شجرة (صليب) يسوع ويسكن في داخلي تعليم مخلصي يصير ناموس موسى عذبًا، ويصير مذاقه لم يقرأه ويفهمه بالحقيقة حلوًا[61].
العلامة أوريجينوس
“ولكن عندما يرجع إلى الرب يُرفع البرقع” [16].
يتحدث هنا عن حالة موسى النبي (خر٣٤:٣٤). ولعله يشير هنا إلى رجوع اليهود إلى الإيمان بالسيد المسيح كربٍ وفادٍ، فينزع عنهم برقع الجهالة وعمى الذهن وقسوة القلب، إذ يشرق عليهم النور الحقيقي، ويروا الحق بكل وضوح.
يرى الرسول إن اليهود كجماعة ستقبل الإيمان بالمسيح، ويصيروا مع الأمم قطيعًا واحدًا لراعٍ واحدٍ وأسقف نفوس الكل.
يلزمنا أن نستعطف الرب نفسه، الروح القدس نفسه، لكي يرفع كل سحابة وكل ظلمة تجعل رؤية قلوبنا غامضة قاسية بوصمات الخطايا، حتى نستطيع أن نرى معرفة ناموسه الروحية العجيبة[62].
العلامة أوريجينوس
غاية البرقع ليس إخفاء موسى بل منع اليهود من رؤيته، إذ كانوا عاجزين عن فعل هذا. لكن عندما نرجع إلى الرب، فالبرقع يُرفع طبيعيًا.
عندما تحدث موسى مع اليهود كان وجهه مُغطّى، ولكن عندما تحدّث مع اللَّه رُفع البرقع. هكذا عندما نرجع إلى بالرب نرى مجد الناموس ووجه مُسلِّم الناموس غير مغطّيين. ليس هذا فقط، فإننا نحن سنكون في شاكلة موسى[63].
القديس يوحنا الذهبي الفم
لنحذر لئلا ليس فقط “عندما يُقرأ موسى” بل وأيضًا عندما يُقرأ بولس يوضع برقع على قلوبنا. إذا ما سمعنا بإهمال، إن كنا لسنا غيورين للتعلم والفهم ليس فقط أسفار الناموس والأنبياء، بل وحتى الرسل والأناجيل تُغطّى ببرقع عظيم.
إني أخشى لئلا بالإهمال العظيم وبلادة القلب ليس فقط تُحجب الأسفار الإلهية بالنسبة لنا بل وتُختم، حتى إذا ما وُضع كتاب في يدي إنسانٍ لا يقدر أن يُقرأ وإذ يُطلب منه أن يقرأ يقول: لا أستطيع القراءة. وإذا وضع في أيدي إنسانٍ قادرٍ على القراءة يقول: إنه مختوم.
لهذا فإننا نرى أنه يلزمنا ليس فقط أن تكون لنا غيرة لتعلم الأدب المقدس، بل ونصلّي إلى الرب ونتوسل إليه نهارًا وليلاً لكي ما يأتي الحمل الذي من سبط يهوذا ويمسك بنفسه السفر المختوم ويفتحه. فإنه هو الذي يفتح الأسفار، ويُلهب قلوب تلاميذه، فيقولوا: “ألم يكن قلبنا ملتهبًا فينا عندما فتح لنا الكتب المقدسة”؟ ليته الآن يرى أننا نتأهل ليفتح لنا ما أوحي به لرسوله، ويقول: “ولكن الرب هو روح، وحيث روح الرب فهناك حرية”[64].
العلامة أوريجينوس
يظهر بولس أن الروح واللَّه هما متساويان. حوّل موسى عينيه نحو اللَّه (خر 34:34)، ونحن نحوّل أعيننا نحو الروح القدس. كان يصعب على بولس أن يقول بأن ما يعلنه الروح أعظم مما رآه موسى لو أن الروح مجرد مخلوق وليس هو اللَّه نفسه[65].
ثيؤدورت أسقف قورش
الشخص الذي يتبارك بروح الرب يتحرر من دينونة الناموس، لأن المواهب الروحية تعطي قوتها بالروح. علاوة على ذلك فإن العطية توهب مجّانًا للمستعدين لقبولها[66].
سفيريان أسقف جبالة
اليهود هم مثل أولاد تحت إشراف معلم. الناموس هو معلمنا، يُحضرنا إلى السيد، والمسيح هو سيدنا… المعلم نخافه، والسيد يشير إلى طريق الخلاص. الخوف يحضرنا إلى الحرية، والحرية إلى الإيمان، والإيمان إلى الحب، والحب يجلب بنوة، والبنوة تجلب ميراثًا. لذلك حيث يوجد الإيمان تُوجد حرية، لأن العبد يعمل في خوفٍ، والحر يعمل بالإيمان. الأول تحت الحرف، والثاني تحت النعمة. الأول في عبودية والآخر في الروح. “وحيث روح الرب فهناك حرية”[67].
القديس أمبروسيوس
توجد فائدة لنزع برقع العروس: فعيونها أصبحت حرة بلا نقاب وتتمكن من النظر بدقة لترى محبوبها. ويشير نزع البرقع بلاشك إلى عمل الروح القدس حسب كلام الرسول: “ولكن عندما يرجع إلى الرب يُرفع البرقع. وأما الرب فهو الروح وحيث روح الرب هناك حرّية” (2 كو 16:3، 17) [68].
ليس في قدرة الإنسان أن يقتني مثل هذه العطية، لكن تختفي النية الإلهية وراء جسم الكتاب المقدس، كما خلف برقع، فبعض الشرائع والقصص التاريخية تغطي الحقائق التي يتأملها الذهن. لهذا يخبرنا الرسول أن الذين يتطلعون إلى جسم الكتاب المقدس ولهم برقع على قلوبهم غير قادرين أن ينظروا مجد الناموس الروحي، إذ هو مخفي وراء البرقع الموضوع على وجه واضع الناموس. لهذا يقول: “الحرف يقتل وأما الروح فيحيي”[69].
القديس غريغوريوس أسقف نيصص
“البرقع موضوع على قلبهم“، فلا يرون أن “الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا” (٢ كو ١٧:٥) …
لماذا هي أشياء عتيقة؟ لأنها نُشرت منذ وقت طويل.
ولماذا جديدة؟ لأنها تخص ملكوت اللَّه.
كيف يُنزع الحجاب؟ هذا ما يخبرنا به الرسول: “ولكن عندما يرجع إلى الرب يُرفع البرقع“. إذن اليهودي الذي لا يرجع إلى الرب لا يمكن لعيني ذهنه أن تنظران حتى النهاية. وذلك كما في هذا الزمان، أبناء إسرائيل في هذا المثال لا يحملون بصيرة ليعاينوا إلى النهاية، أي إلى وجه موسى. فإن وجه موسى المشرق يحوي رمزا للحق، والبرقع يعترض الرؤيا، لأن أبناء اسرائيل لم يستطيعوا حتى الآن أن يروا مجد ملامحه.
أي رمز قد بطل؟ هكذا يقول الرسول: “الذي يبطل”. لماذا يبطل؟ لأنه إذ يحضر الامبراطور تبطل صوره[70].
فان العهد القديم من جبل سيناء يجلب عبودية، ولا ينفع شيئًا ما لم يحمل شهادة للعهد الجديد. مادام موسى يُقرأ والبرقع على قلوبهم، ولكن إذ يرجع أحد إلى المسيح يبطل البرقع[71].
كلما ازداد عدد البراقع كرِّم ذاك الذي خلفها حتى وإن لم تدركه. لأن من هو أكثر كرامة تتدلى بالأكثر البراقع في قصره. تغطي البراقع المحفوظ وراءها مكرمًا سريًا، ومن يكرمها تنزع عنه البراقع، أما الذي يحتقرها فيطرد لكي لا يمسها. فإننا إذ نرجع إلى المسيح، يبطل البرقع[72].
يقول الرسول نفسه أن كل كنوز الحكمة والمعرفة مخفية فيه. هذه الكنوز لم يخفها لكي تُرفض، إنما لكي يثير الشوق إليها لأنها مخفية. هذا هو نفع الأمور السرية. كرم حتى ما لم تفهمه فيه. وكلما كانت كرامتها أكثر يزداد عدد الستائر التي تخفيها. الإنسان ذو المرتبة السامية يعلق ستائر أكثر في بيته. الستائر تضفي كرامة لما تحفظه سرًا، أما الذين يكرمونها فترفع عنهم الستائر. أما الذين يسخرون من الستائر فيخيبون ويمنعون من الاقتراب إليها. لذلك إذ نرجع إلى المسيح يبطل البرقع[73].
القديس أغسطينوس
“ملكوت اللَّه في داخلكم” (لو ٢١:١٧) … وذلك من أجل التوبة عن الحرف إلى الروح الحي؛ “إذ يرجع أحد إلى الرب يُرفع البرقع”[74].
العلامة أوريجينوس
“وأما الرب فهو الروح،
وحيث روح الرب هناك حرية” [17].
يقدم لنا بركة التمتع بالروح عوض الحرف، مؤكدًا إن مؤمني العهد الجديد سعداء لثلاثة أمور:
أولاً: التمتع بالنور عوض الظلمة.
ثانيًا: التمتع بالحرية الداخلية.
ثالثًا: تجديد الطبيعة حتى نصير أيقونة المسيح.
هنا يتحدث عن الحرية، فإذ يعمل الروح القدس خلال تدبير الخلاص الذي قدمه لنا السيد المسيح يتمتع المؤمن بالحرية من حرفية الناموس وعبودية الفساد، فيجد نفسه ملتصقًا باللَّه، تتناغم إرادته مع إرادة اللَّه. يتحرر القلب من عبودية الأنانية، فيتسع بالحب نحو كل البشرية، ويجري في طريق الوصية الإلهية المتسعة.
يرى البعض إن الرسول يعني بالروح هنا الإنجيل الذي نتمتع به بالروح لا بالحرف. فحيث ننعم بإنجيل الرب ننال بالنعمة الإلهية التي تحررنا ليس فقط من الحرف اليهودي القاتل وإنما أيضًا من الخطية وسلطانها وفسادها وموتها.
يليق بنا أن نعلم أن نزع هذا البرقع هو نوع من النعمة، لأنه يليق بالعين أن تكون حرة من كل عائقٍ، حتى يمكنها أن تبصر جمال الحبيب[75].
القديس غريغوريوس أسقف نيصص
أي إنسان يسعى إلى الوصول إلى كمال التعليم الإنجيلي، هذا الذي يعيش تحت النعمة، لا يسقط تحت سلطان الخطية، لأن البقاء تحت النعمة معناه العمل بالأمور التي تأمر بها النعمة. أما الإنسان الذي لا يُخضع نفسه للمطالب الكاملة الخاصة بكمال الإنجيل، فيلزمه ألا يجهل أنه وإن كان قد اعتمد، وإن صار راهبًا، لكنه بالرغم من هذا فهو ليس تحت النعمة، إنما مقيد بقيود الناموس ومُثقل بأثقال الخطية. لأن ذاك الذي وهب نعمة التبني ويقبل الذين يقبلونه، يرغب في أن يضيف إلى البناء لا أن يهدمه، إذ أراد أن يكمل الناموس لا أن يهدمه.
إذ لا يفهم البعض هذا الأمر، مهملين نصائح المسيح الرائعة ومواعظه، يتخذون من الحرية فرصة للإهمال والتهور الزائد، حتى أنهم يعجزون عن تنفيذ أوامر المسيح كأنها صعبة جدًا، محتقرين أيضًا وصايا الناموس الموسوي[76] كأمر عتيق، مع أن الناموس قدمها للمبتدئين والأطفال. بهذا ينادون بالحرية الخطيرة التي يلعنها الرسول قائلين “أَنخطئُ لأننا لسنا تحت الناموس بل تحت النعمة؟” (رو15:6). هؤلاء ليسوا تحت النعمة، لأنهم لم يتسلقوا قط مرتفعات تعاليم الرب. ولا هم تحت الناموس، لأنهم لم يقبلوا حتى تلك الوصايا البسيطة التي للناموس.
هؤلاء إذ هم ساقطون تحت سلطان الخطية المزدوج يظنون أنهم قد قبلوا نعمة المسيح… ويسقطوا فيما يحذرنا منه الرسول بطرس قائلاً : “كأحرارٍ وليس كالذين الحرية عندهم سترة للشر” (1 بط16:2). ويقول الرسول بولس الطوباوي: “فإنكم إنما دُعِيتم للحريَّة أيُّها الاخوة. غير أنهُ لا تُصيّروا الحرَّية فرصةً للجسد” (غلا 13:5)، أي دعيتم للتحرر من سلطان الخطية، وليس معنى إبعاد أوامر الناموس بمثابة تصريح بعمل الخطية. ويعلمنا الرسول بولس أن هذه الحرية لا توجد إلا حيث يوجد الرب، إذ يقول: “وأما الربُّ فهو الروح وحيث روح الرب هناك حرّيَّة” (2كو17:3)[77].
الأب ثيوناس
“ونحن جميعًا ناظرين مجد الرب بوجهٍ مكشوفٍ كما في مرآة،
نتغير إلى تلك الصورة عينها،
من مجدٍ إلى مجدٍ كما من الرب الروح” [18].
إذ ننعم بالنور الإلهي والحرية الحقيقية تتجدد طبيعتنا وتنمو كل يوم لكي نتشكل ونصير أيقونة المسيح خالقنا. نرتفع كما من مجدٍ إلى مجدٍ. هكذا يتذوق المؤمن خبرة يومية ومعرفة عملية خلال قوة الكلمة المجددة على الدوام.
كان اليهود عاجزين عن التطلع إلى وجه موسى وسيط العهد القديم، فكان لزامًا إن يضع على وجهه برقعًا. أما نحن فصار لنا الوجه المكشوف لنرى كما في مرآة كيف تتشكل طبيعتنا كل يوم حسب الوعود المجيدة التي لإنجيل المسيح وذلك بفعل الروح القدس “الرب الروح“.
يظهر أنه ليس ممكنًا للنفس أن تتحد باللَّه غير الفاسد بأية وسيلة ما لم تصرْ تقريبًا طاهرة خلال عدم الفساد، حتى تنعم الشبه بالشبه، وتقيم نفسها كمرآة تتطلع نحو نقاوة اللَّه، فيتشكل جمال النفس بالشركة في الجمال الأصلي والتمتع بانعكاسه عليها[78].
مادمنا قابلين للتغيير فالأفضل أن نتغير إلى ما هو أفضل: “من مجدٍ إلى مجدٍ“. وهذا يجعلنا نتقدم دائمًا نحو الكمال بالنمو اليومي، مع عدم الاكتفاء بحدودٍ معينة نحو الكمال. يعني عدم التوقف نحو ما هو أفضل، وعدم وضع أيّة حدود نقف عندها في نمونا[79].
نحن نرى الآن العروس يقودها الكلمة إلى أعلى درجات الفضيلة، إلى علو الكمال.
في البداية يرسل لها الكلمة شعاعًا من نورٍ من خلال شبابيك الأنبياء وكوى الوصايا. ثم يشجعها على أن تقترب من النور، وتصير جميلة بواسطة تحوّلها إلى صورة الحمامة في النور. وفي هذه المرحلة تأخذ العروس من الخير قدر ما تستطيع. ثم يرفعها الكلمة لكي تشارك في جمال أعلى لم تتذوقه من قبل. وبينما هي تتقدم تنمو رغبتها في كل خطوة، لأن الخير غير محدود أمامها. وتشعر باستمرار مع حلول العريس معها أنها قد ابتدأت صعودها للتوّ فقط. لذلك يقول الكلمة للعروس التى اقامها من النوم: “انهضي”. وإذ جاءت إليه يقول لها: “تعالي”، لأن الشخص الذي دعاها للنهوض بهذه الطريقة في استطاعته أن يقودها إلى الارتفاع والنهوض بها إلى مستوى أعلى.
الشخص الذي يجري نحو اللَّه ستكون أمامه مسافات طويلة. لذلك يجب علينا أن نستمر في النهوض، ولا نتوقف أبدا عن التقرب من اللَّه. لأنه كلما قال العريس: “انهض” و”تعال” فإنه يعطى القوة للارتفاع لما هو أفضل. لذلك لابد أن تفهم ما يأتى بعد في النص. عندما يحفز العريس العروس الجميلة لكي تكون جميلة فهو يذكرنا حقًا بكلمات الرسول الذي يطلب منا أن نسلك سلوكًا فاضلاً لكي نتغير من مجدٍ إلى مجدٍ (2 كو 18:3). وهو يعني بكلمة “مجد” ما فهمناه وحصلنا عليه من بركة في وقت من الأوقات، ولا يهم مقدار ما حصلنا عليه من مجدٍ وبركةٍ وارتفاعٍ، لأنه يُعتقد أننا حصلنا على أقل مما نأمل في الحصول إليه. ولو أنها وصلت إلى جمال الحمامة بما قد حققه إلا أن العريس يأمرها بأن تكون حمامة مرة أخرى بواسطة تحوّلها إلى شيءٍ أفضل. فإذا حدث ذلك فإن النص سوف يُظهر لنا شيئا أفضل من هذا الاسم “حمامة”[80].
القديس غريغوريوس أسقف نيصص
لا يشير هذا إلى الأمور التي ستنتهي بل إلى الأمور الباقية. الروح هو اللَّه، ونحن نرتفع إلى مستوى الرسل، لأننا جميعًا سنراه معًا بوجوه مكشوفة. إذ نعتمد تتلألأ النفس أكثر بهاءً” من الشمس. إذ تتطهّر بالروح، ليس فقط نعاين مجد اللَّه، بل ونقبل منه نوعًا من الإشراق[81].
القديس يوحنا الذهبي الفم
نتغير من معرفة الناموس إلى نعمة الروح. يجب أن نتذكر أننا نأتي من مجد الروح العامل فينا إلى مجد ميراثنا كأبناء. هذا هو عمل الروح، إذ يليق أن نفهم هنا كلمة “الرب” بمعنى الروح لا ابن اللَّه[82].
سفيريان أسقف جبالة
مع أن القول “كما في مرآة” يشير أنه ليس جوهريًا، إلا أنه يظهر بوضوح أننا على أي الأحوال نطلب أن نكون شبهه[83].
القديس مار اسحق السرياني
يسير الأمر هكذا: أعلن العهد القديم عن الآب علانية والابن بطريقة أكثر غموضًا. وأعلن العهد الجديد عن الابن وأوحى بلاهوت الروح. الآن الروح نفسه يسكن بيننا ويمدنا ببراهين أوضح عن نفسه. فإنه ليس من الأمان أنه عندما لم يُعرف لاهوت الآب بعد أن يُعلن عن الابن بوضوح، ولا عندما لا نتسلم لاهوت الابن أن نتحمل (أن تجاسرت بهذا التعبير) بالأكثر بلاهوت الروح القدس… لهذا السبب أظن أنه هكذا جاء الروح تدريجيًا ليسكن في تلاميذه، ويملأهم حسب إمكانية قبولهم له: في بدء الإنجيل، وبعد الآلام، وبعد الصعود، وعندئذ جعل قوتهم كاملة، إذ حلّ عليهم وظهر في ألسنة نارية. حقًا قد أعلن يسوع عنه قليلاً كما ستتعلّمون بأنفسكم متى قرأتم بأكثر انتباه[84].
القديس غريغوريوس النزينزي
أتريدون أن تعرفوا طريقًا آخر فيه تُحسبون لعجائب أعظم؟ كان اليهود في أيامهم عاجزين عن رؤية وجه موسى متجليًا مع أنه كان العبد رفيقهم وقريبهم. أنتم ترون وجه المسيح في مجده. لقد صرخ بولس عاليًا، قائلاً: “نحن جميعًا ناظرين مجد الرب بوجوه مكشوفة”. في ذلك الوقت كان المسيح يتبع اليهود، أما الآن فهو يتبعنا بالأكثر… الآن هو يتبعنا، فلسنا فقط نشكر موسى (الجديد) بل وشكرًا لاستعداد طاعتكم. لأن اليهود جاءوا في البرية بعد مصر، أما أنتم فستأتون إلى السماء بعد خروجكم. كان موسى قائدًا لهم ورئيسًا ممتازًا، أما نحن فلنا موسى آخر، الرب، يقودنا ويأمرنا[85].
القديس يوحنا الذهبي الفم
لست أظن أن هذا أمر مخيف (أقصد بذلك أن طبيعتنا متغيرة). ليكن التغيّر إلى الأفضل، فيكون لنا نوع من الجناح لنطير إلى الأمور الأعظم. لهذا ليته لا يحزن أحد إن رأى في طبيعته ميلاً للتغيّر. لتتغيّر في كل شيء إلى ما هو أفضل. ليتغيّر الشخص من مجدٍ إلى مجدٍ، فيصير أعظم خلال النمو اليومي، والكمال المستمر دون بلوغ حد الكمال بسرعة هكذا. فإن هذا هو الكمال الحقيقي، ألاّ تقف في النمو نحو ما هو أفضل وألا تضع حدًا للكمال[86].
القديس غريغوريوس أسقف نيصص
لم يدعُ الروح الرب فحسب، وإنما اضاف: “حيث روح الرب هناك حرية“. هكذا نحن جميعًا بوجه مكشوف، بانعكاس مجد الرب نتشكل من جديد إلى تلك الصورة عينها من مجدٍ إلى مجدٍ كما من الرب الروح، بمعنى نحن الذين قد رجعنا إلى الرب، كما بفهمٍ روحيٍ لكي نرى مجد الرب، كما في مرآة الكتب المقدسة، الآن نتغير من ذاك المجد الذي يردنا إلى الرب، إلى المجد السماوي[87].
القديس أمبروسيوس
تعبير الرسول “وجها لوجه” لا يلزمنا أن نعتقد أننا سنرى اللَّه بوجه جسدي فيه عينا الجسد، إذ سنراه بدون توقف في الروح. لو لم يشر الرسول إلى الوجه في الإنسان الداخل ما كان يقول: “ونحن جميعًا ناظرين مجد الرب بوجهٍ مكشوفٍ كما في مرآةٍ، نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجدٍ إلى مجدٍ كما في الرب“. فإنه بالإيمان نقترب إلى اللَّه، والإيمان هو عمل الروح لا الجسد[88].
القديس أغسطينوس
نلاحظ أن الرسول في هذا الإصحاح تحرك من الدفاع عن رسوليته ونجاح خدمته في كورنثوس كما في أماكن أخرى إلى إبراز عظمة خدمة العهد الجديد ومجدها لكي يتمتع بها كل المؤمنين:
أولاً: خدمة العهد القديم مجيدة كما حدث عند استلام موسى النبي للشريعة على جبل موسى، لكن الشعب خشي الموت، وطلبوا ألا يتحدث اللَّه معهم حتى لا يموتوا (خر١٩:٢٠؛ تث ١٦:١٨) فنالوا روح العبودية للخوف (رو ١٥:٨). إما نحن فنلنا روح القوة والحب (٢ تي ٧:١)، روح التبني للَّه الآب (٢ كو ١٢ : ١٨-٢٤).
ثانيًا: موسى الذي أضاء وجهه كان خادمًا لناموس منقوش على لوحي حجارة، أما الرسل فهم خدام العهد الجديد أو إنجيل المسيح المنقوش بالروح القدس في قلوب المؤمنين اللحمية لا الحجرية.
ثالثًا: قدم موسى الحرف الذي يقتل، أما الرسل فقدموا الإنجيل بالروح الذي يحيي.
رابعًا: نال موسي مجدًا، وأشرق وجهه لكن إلى حين، إما المجد الذي نناله من المسيح فهو دائم النمو، به نرتفع من مجدٍ إلى مجدٍ حتى نبلغ الأمجاد الأبدية.
خامسًا: كان الناموس مُعلنًا خلال رموز وظلال غامضة، أما إنجيلنا فجاء واضحًا وبسيطًا.
سادسًا: رأى اليهود مجد موسى الزائل في الخارج عنهم، أما المسيحيون فيرون شخص المسيح ساكنًا فيهم. هم رأوه في وجه موسى، إما نحن فنراه في داخلنا كما في مرآة تعكس بهاء مجد السماوي.
تفسير انجيل مرقس 15 الأصحاح الخامس عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي
تفسير انجيل مرقس 15 الأصحاح الخامس عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي
تفسير انجيل مرقس 15 الأصحاح الخامس عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي
الأصحاح الخامس عشر
أحداث الصليب
إذ تمت محاكمة السيد المسيح دينيًا في دار رئيس الكهنة، اُقتيد إلى بيلاطس الوالي الذي من حقه تنفيذ الحكم، وتحت إصرار الجماهير حكم عليه بالموت صلبًا.
محاكمته مدنيًا 1-15.
الاستهزاء به 16-20.
في الطريق إلى الصليب 21-22.
تقديم خمر ممزوجة مرًا 23.
اقتسام ثيابه 24.
صلبه بين لصين 25-28.
السخرية منه 29-32.
حدوث ظلمة 33.
تسليم الروح 34–37.
انشقاق حجاب الهيكل 38.
إيمان قائد المئة 39.
التفاف النسوة حوله 40-41.
دفنه 42-47.
محاكمته مدنيًا
إذ قضى السيد المسيح الليل كله في دار رئيس الكهنة يحتمل الإهانات وسط ظلمة أفكارهم الشريرة استقر الرأي أن يُسلم في يديّ الحاكم الروماني لقتله. يقول الإنجيلي: “وللوقت في الصباح تشاور رؤساء الكهنة والشيوخ والكتبة والمجمع كله، فأوثقوا يسوع، ومضوا به وأسلموه إلى بيلاطس” [1].
يا للعجب! قبضوا عليه وضمروا ضده لأنه لم يحقق لهم شهوة قلوبهم: الخلاص من المستعمر الروماني والسيادة الصهيونية في العالم، ولكي يقتلوه سلموه للحاكم الروماني بكونه مثير فتنة، يقيم نفسه ملكًا، ويحرض الشعب على عدم دفع الجزية لقيصر (لو 23: 1-2).
سلموه للحاكم الروماني ليقتله، فسلمهم الله لتيطس الروماني يحرق مدينتهم ويهدم الهيكل الذي ثاروا لأجله قائلين أنه سيهدمه… فتحقق فيهم قول المرتل داود: “أعطهم حسب فعلهم، وحسب شر أعمالهم، حسب صنع أيديهم أعطهم، ردّ عليهم معاملتهم” (مز 28: 4).
إذ جاءوا به إلى بيلاطس يوجهون له أخطر اتهام في ذلك الحين، إنه يقيم نفسه ملكًا، الأمر الذي لا يمكن للحاكم أن يتهاون فيه وإلا حُسب خائنًا لقيصر. لذلك “سأله بيلاطس: أنت ملك اليهود؟” [2]. “فأجاب وقال له: “أنت تقول” [2]. هكذا لم ينكر السيد المسيح مركزه كملكٍ، لكنه بحسب إنجيل يوحنا – أوضح لبيلاطس أنه ملك روحي، مملكته ليست من هذا العالم.
كان بيلاطس يتوقع أن يسمع حديثًا طويلاً من السيد المسيح فيه يدافع عن نفسه بشأن هذا الاتهام الذي عقوبته الموت، خاصة أنه يسمع عنه كمعلمٍ للجماهير في الهيكل وعلى الجبال وعلى الشواطئ، لا تنقصه البلاغة والقدرة عن الدفاع عن نفسه، لكن السيد المسيح التزم بالصمت، حتى سأله بيلاطس: “أما تجيب بشيء؟ انظر كم يشهدون عليك”، فلم يجيب يسوع أيضًا بشيء حتى تعجب بيلاطس [5].
يقول القديس أمبروسيوس: [أنه مثل رائع يدعو قلوب البشر أن تحتمل الإهانة بروح ثابتة. أتهم الرب وصمت! وكان في صمته محقًا لأنه لم يكن في حاجة أن يدافع عن نفسه. الدفاع عن النفس هو عمل الذين يخشون الهزيمة. أنه لا يؤكد الاتهام، إنما يستخف به بعدم تنفيذه. تُرى ماذا يخشى إن كان لا يريد أن يخلص نفسه، بل يود خلاص الجميع، مضحيًا بحياته ليقتني خلاصهم. لقد صمتت سوسنة وانتصرت (دا 13: 35)! إن أفضل القضايا هي التي تتبرر فيها دون دفاع[1]!]
يقول العلامة أوريجينوس: [كان مقتنعًا بأن حياته كلها وأعماله بين اليهود أفضل من أي كلام لدحض شهادة زور، وأسمى من أي كلام يقوله للرد على الاتهامات[2].]
كان صمت السيد المسيح يحمل قوة اجتذبت قلب بيلاطس فاشتاق أن يطلقه مقدمًا لليهود فرصًا كثيرة للتراجع، وإن كان من أجل الخوف خضع لمطلبهم. من بين هذه الفرص التي قدمها لهم الآتي:
الفرصة الأولى: كان عادة يطلق لهم في كل عيد أسيرًا واحدًا من طلبوه [6]، فسألهم: “أتريدون أن أطلق لكم ملك اليهود؟ لأنه عرف أن رؤساء الكهنة قدأسلموه حسدًا” [9-10]. لكن رؤساء الكهنة هيجوا الجمع لكي يطلق لهم باراباس الموثق مع رفقائه في الفتنة ولا يطلق يسوع. هكذا كان الكأس يمتلئ أكثر فأكثر، إذ يشتاق الروماني أن يطلقه، أما هم فكانوا يصرون على قتله!
يرى العلامة أوريجينوس[3] في إطلاق باراباس اللص وذبح السيد المسيح تحقيقًا لما جاء في سفر اللاويين عن يوم الكفارة العظيم (لا 16)، حيث يُطلق تيس في البرية يسمى باسم عزازيل ويذبح الآخر ويحسب من نصيب الرب. وفي نص منسوب للقديس جيروم يكرر فكرة العلامة أوريجينوس فيقول بأنه يوجد أمام بيلاطس تيسان، واحد يُطلق في برية الجحيم ترافقه خطايا الناس، والثاني يُذبح كحمل من أجل غفران الخطايا. باراباس من نصيب عزازيل، والمسيح هو الحمل الذي من نصيب الله.
الفرصة الثانية: عاد يسألهم من جديد لعلهم يراجعون أنفسهم، قائلاً لهم: “فماذا تريدون أن أفعل بالذي تدعونه ملك اليهود؟ فصرخوا أيضًا: اصلبه.فقال لهم بيلاطس: وأي شر عمل؟ فازدادوا جدًا صراخًا: أصلبه” [12-14]. يحدثهم بيلاطس بنطس بلغتهم فيدعو السيد المسيح “ملك اليهود”، فكان يليق بهم ألا يرفضوا هذا الملك السماوي لكنهم أصروا على رفضه طالبين صلبه، حتى بسقطتهم هذه انفتح الباب للأمم كقول الرسول بولس: “بذلتهم صار الخلاص للأمم لإغارتهم، فإن كانت ذلتهم غنى للعالم ونقصنهم غنى للأمم، فكم بالحري ملؤهم؟“ (رو 11: 11-12).
كانوا عن حسد وجهالة يصرخون: “أصلبه”، ولم يدركوا أنهم يحققون بغير إرادتهم النبوات والرموز التي بين أيديهم. لم يدركوا أن بين أيديهم هابيل الذي وجده أخوه في الحقل فقتله بلا ذنب، دمه يصرخ لا للانتقام إنما لتطهير العالم. بين أيديهم إسحق الحامل خشب المحرقة ليقدمه أبوه ذبيحة محرقة. إنه موسى الحامل عصاه لا ليعبر بهم البحر الأحمر منطلقًا بهم نحو أورشليم، وإنما يعبر بهم الموت ليهبهم حياة جديدة فيه ويدخل بهم إلى حضن الآب.
إنه عنقود العنب الذي حمله يشوع على خشبة، لا كعربون لأرض الميراث، وإنما حياة أبدية لمن يتناول منه ويثبت فيه. إنه إليشع النبي الذي لما ألقى بخشبة في المياه ليطفوا الفأس الحديدي ويأتي به من العمق إنما ليرفع البشرية المثقلة بالخطايا ويطلقها من أعماق الجحيم، يسحبها بالصليب شجرة الحياة ليردها إلى الفردوس السماوي:
اشتهى اليهود صلب السيد المسيح للخلاص منه بالصليب، بينما كان الأنبياء يشتهون أن يجلسوا تحت ظل المصلوب، قائلين على لسان العروس: “تحت ظله اشتهيت أن أجلس وثمرته حلوة لحلقي” (نش 2: 3). هذا الصليب الذي سحب قلوب المؤمنين ليترنموا مع الرسول قائلين: “وأما من جهتي فحاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به قد صُلب العالم لي وأنا للعالم” (غل 6: 4).
على أي الأحوال اشترك معهم بيلاطس وإن كان ليس عن اقتناع إنما لإرضائهم: “فبيلاطس إذ كان يريد أن يعمل للجمع ما يرضيهم أطلق لهم باراباس وأسلم يسوع بعدما جلده ليُصلب” [15]. أسلمه للجَلْد والإهانة لنسمع السيد يقول على لسان نبيه إشعياء: “بذلت ظهري للضاربين وخديّ للناتفين، وجهي لم أستر عن العار والبصق“ (إش 5: 6). وكما يقول القديس أمبروسيوس: [جُلد هو لكي لا نجلد نحن.]
الاستهزاء به
“فمضى به العسكر إلى داخل الدار التي هي دار الولاية،
وجمعوا كل الكتيبة.
وألبسوه أرجوانًا، وضفروا إكليلاً من شوك ووضعوه عليه.
وكانوا يضربونه على رأسه بقصبة ويبصقون عليه،
ثم يسجدون له جاثين على ركبهم،
وبعدما استهزءوا به نزعوا عنه الأرجوان،
وألبسوه ثيابه ثم خرجوا به ليصلبوه” [16-20].
ما حدث معه خلال طريق الصليب لم يكن بلا معنى، فقد أعد الطريق لنفسه منذ الأزل في فكره لخلاصنا. من أجلنا احتمل الصليب بسرور مستهينًا بالخزي (عب 12: 2). يرى بعض المفسرين أن خلع ثيابه إلى حين ليلبس الثوب الأرجواني يشير إلى خلع اليهود الذين كانوا ملاصقين له حسب الجسد، أنكروه فخلعوا أنفسهم بأنفسهم عنه، حتى إن تابوا ورجعوا إليه بالإيمان بعيدًا عن الفكر المادي (الصهيوني) أي صاروا مسيحيين في أواخر الدهر يلتصقون به، كقول الرسول: “إن القساوة قد حصلت جزئيًا لإسرائيل إلى أن يدخل ملء الأمم“ (رو 11: 25).
يحدثنا القديس أمبروسيوس عن الثوب الأرجواني، قائلاً: [أما الثوب الأرجواني الذي ألبسه له الجند، الرداء الأحمر، فيشير إلى نصرة الشهداء وإلى السلطان الملوكي. لأنه كان ينبغي لجسده أن يجمع لأجلنا الدم المسفوك ويهبنا بآلامه مُلكه فينا[4].]
يعلق القديس مار يعقوب السروجي على هذه الأحداث قائلاً:
[عَرّاه الصالبون كالجزارين، أما هو فسكت يشبه النعجة قدام الجزازين.
ترك لباسه حين فرح، حتى يلبس الذين خرجوا من الفردوس عرايا!
يلبسهم ثيابه ويبقى هو في هزء، لأنه عرف أنها تصلح لآدم المفضوح!
عروا ثيابه وألبسوه ثوبًا قرمزيًا لون الدم، حتى يتزين به العريس المقتول!
ضفروا إكليل الشوك ووضعوه له، وهذا يليق به، إذ جاء ليقتلع الأشواك من الأرض!
حمل لعنة الأرض بالإكليل الذي وضعوه على رأسه، وحمل ثقل العالم كله كالجبار!
بإكليل الشوك هدم تاج الشيطان الذي أراد أن يكون إلهًا على الخليقة!
بإكليل شوكه ضفر إكليلاً لابنة الأمم، العروس التي خطبها من بين الأصنام وكتبها باسمه!…
لطموا بالقصبة الرأس المرتفع فارتعبت الملائكة!…
انظر إلى المسيح، كيف احتمل من الآثمة؟
ذاك الجاهل كيف تجاسر وتفل في وجهه؟
نظرة مخوفة، مملوءة دهشة، أن ينظر الإنسان الشمع قائمًا ويتفل في وجه اللهيب!…
وهذه أيضًا من أجل آدم حدثت، لأنه كان مستحقًا البصاق لأنه زلّ! وعوض العبد قام السيد يقبل الجميع[5]!]
في الطريق إلى الصليب
يروي لنا الإنجيليون عن تسخير رجل كان مجتازًا من الحقل وهو سمعان القيرواني أبو الكسندروس وروفس ليحمل صليبه، وجاءوا به إلى موضع جلجثة الذي تفسيره جمجمة (21: 22).
إن كانت كلمة “سمعان” تعنى “يسمع” أو “يطيع” وكلمة “قيروان” تعنى “ميراثًا”، وهى مدينة أممية في ليبيا، فان سمعان القيرواني يشير إلى كنيسة العهد الجديد التي صارت وارثة خلال طاعة الإيمان، وقد جاءت من الأمم لكي تشارك مسيحها صليبه، وتنعم معه بهذا الشرف العظيم.
لقد حمل السيد المسيح صليبه (يو 19: 17) على كتفه علامة ملكه كقول إشعياء النبي: “وتكون الرئاسة على كتفه” (إش 9: 6)، وقد رُمز له بإسحق الذي حمل خشبة المحرقة إلى موضع الذبيحة (تك 22: 6). وفى الطريق إذ سقط السيد تحت ثقل الخشبة عدة مرات سخر الجندي سمعان القيرواني ليحمل الصليب، فصار يمثل الكنيسة التي تشارك عريسها آلامه لتنعم بقوة قيامته وشركة أمجاده السماوية.
جاءوا به إلى موضع جلجثة، الذي تفسيره “جمجمة” [22]، ويقال أن هناك دفن آدم. وكأن السيد المسيح قد ارتفع على شجرة ليهب حياة لآدم فاقد الحياة بسبب الشجرة. ويرى القديس كيرلس الأورشليمي أن هذه التسمية تذكرنا أن المصلوب هو “رأس كل رياسة وسلطان“ (كو 2: 10)، تألم الرأس فوق موضع الجمجمة[6]!
تقديم خمر ممزوجة مرًا
“وأعطوه خمرًا بمر ليشرب، فلم يقبل” [23]. كانت هذه عادة الرومان كنوعٍ من التخدير حتى لا يشعر المصلوب بكل ثقل الآلام، لكن الرب جاء ليحمل الآلام عنا بإرادته، ينحني نيابة عنا لهذا الثقل.
اقتسام ثيابه
“ولما صلبوه اقتسموا ثيابه، مقترعين عليها ماذا يأخذ كل واحدٍ” [24]. إن كانت ثيابه تشير إلى الكنيسة جسد المسيح، فإن اقتسامها بين الجند الرومان دون تمزيقها، إنما يشير إلى الكنيسة الممتدة في الأمم، فهي ثياب كثيرة لكن يلزم أن تكون بلا تمزيق ولا انقسام. يقول القديس كيرلس الكبير :[أرجاء المسكونة الأربع اقتسمت بينها رداء الكلمة أي جسده الذي ظل أيضًا غير مقسم، ورمز إلية بالقميص. لأن الابن الوحيد يقسم جسده الذي يقدس به نفوس وأجساد الذين يتناولونه إلى أجزاء صغيرة حسب الاحتياج… إلا أن جسده واحد حي في الكنيسة كلها دون أن ينقسم، لأن بولس يقول أن المسيح لا يمكن أن ينقسم (1 كو 1: 13) وهذا هو معنى السرّ الخاص بالمسيح[7].]
يرى بعض الآباء في تقسيم الثياب بين الجند إشارة إلى تمتع كل الفئات بالإيمان الواحد، وهم الكهنة، والبتوليون، والأرامل، والمتزوجون.
6.صلبه بين لصين
“وكانت الساعة الثالثة فصلبوه.
وكان عنوان علته مكتوبًا: ملك اليهود.
وصلبوا معه لصين، واحدًا عن يمينه وآخر عن يساره.
فتم الكتاب القائل: وأحصى مع أثمه” [25-28].
حسب القديس مرقس بدأ الصلب منذ صرخ الشعب أمام بيلاطس “أصلبه“، وقد وافقهم بيلاطس على طلبهم. وإن كان رفعه على الصليب قد تم في وقت الساعة السادسة. لهذا يرى القديسان جيروم وأغسطينوس[8] أن القديس مرقس بقوله هذا حمل الشعب اليهودي مسئولية صلبه، صلبوه بألسنتهم قبل أن ينفذ الرومان حكمهم هذا!
كُتبت علته على الصليب “ملك اليهود“، ولم يكن ذلك جزافًا فقد تضايق اليهود وأرادوا أن يُكتب أنه قال عن نفسه أنه ملك اليهود، لكنهم لم يستطيعوا بالصليب أن ينزعوا عنه انتسابه لملكه، إذ جاء الصليب يقيم مملكته فينا! يقول القديس أمبروسيوس: [كان المسيح يسوع المصلوب، وكان مجده الملوكي يشع من فوق الصليب[9].]
يحدثنا القديس كيرلس الأورشليمي عن صلبه بين لصين، قائلاً:
[فيما يتعلق باللصين الذين صُلبا معه، كتب: “وأُحصِيَ مع آثمة” (إش 53).
كان كلاهما أثيمين قبلاً، ولكن أحدهما لم يعد كذلك.
الذي ظل أثيمًا رفض الخلاص إلى النهاية، وإذ كانت يداه موثقتين كان يضرب بلسانه مجدفًا…
ولكن الآخر كان ينتهره. كان هذا نهاية حياته وبداية توبته، فأسلم روحه وتلقى الخلاص، إذ أنه بعد أن وبخ رفيقه قال:
“اذكرني يا رب فإني إليك أصرخ.
أترك هذا لأني عيني فهمي مغلقتان، ولكن اذكرني.
لا أقول أذكر أعمالي فإنها تخيفني.
كل إنسان طيب نحو رفيق سفره، وأنا لا أقول اذكرني الآن، وإنما عندما تأتي في ملكوتك”.
أية قوة أنارتك أيها اللص؟ من علمّك أن تعبد هذا المحتقر والمصلوب معك؟
أيها النور الأزلي الذي يضيء لمن هم في الظلمة[10].]
يقول القديس كيرلس الكبير: [عُلق معه لصان كما قلت، يسخران بالآلام التي تجلب خلاصًا للعالم كله، لكن واحدًا منها شابه في سلوكه اليهود الأشرار… وأما الآخر فأخذ اتجاهًا مختلفًا يستحق بحق إعجابنا، إذ آمن به وفي وسط معاناته المرة للعقوبة انتهز الصخب العنيف الذي لليهود وكلمات زميله المعلق معه. لقد اعترف بخطاياه وأنه بعدل جُزي، صار ديانًا لطرقه الشريرة لكي يغفر الله جريمته، إذ قيل “قلت أعترف للرب بذنبي، وأنت رفعت آثام خطيتي” (مز 32: 5).
لقد حمل للمسيح شهادة غير ملومة، وبكت نقص اليهود لمحبة الله، وأدان حكم بيلاطس، قائلاً: “أما هذا فلم يفعل شيئًا ليس في محله“ (لو 23: 41). يا له من اعتراف جميل!… لقد ربح ميراث القديسين، وصار اسمه مكتوبًا فوق في السماء، في سفر الحياة ذاك الذي حُكم عليه بالموت، وأُحصى مع سكان المدينة العلوية[11].]
يرى البعض أن اللصين يشيران إلى الشعبين اليهودي والأممي، أحدهما حُكم عليه بالموت خلال الناموس الموسوي، والثاني خلال الناموس الطبيعي، وقد صلب السيد المسيح بينهما ليضمهما معًا فيه كحجر زاوية للكنيسة الجامعة، مقدمًا دمه ثمنًا للوحدة فيه!
السخرية
“وكان المجتازون يجدفون عليه وهم يهزون رؤوسهم قائلين:
آه يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام.
خلص نفسك وانزل عن الصليب.
وكذلك رؤساء الكهنة وهم مستهزئون فيما بينهم مع الكتبة قالوا:
خلص آخرين أما نفسه فما يقدر أن يخلصها.
لينزل الآن المسيح ملك إسرائيل عن الصليب لنرى ونؤمن.
واللذان صُلبا معه كانا يعيرانه” [29-32].
اتفقت كل القوى على السخرية بالصليب، فكان المجتازون يجدفون ويهزون رؤوسهم، وأيضًا رؤساء الكهنة والكتبة حتى اللصان كان يعيرانه. إذ لم يكن ممكنًا لهم أن يدركوا سرّ الخلاص، ولا أن يتفهموا عمل الله. حسبوا الصليب نهايته، فصار في أعينهم مضللاً ومخادعًا لا يقدر على خلاص نفسه، فكيف يقيم نفسه ملكًا؟
لعل عدو الخير قد بدأ يدرك الخطر يحدق به حين ارتفع السيد على الصليب، وشعر السماء والأرض كلها تترقب الأحداث، فأسرع يحث تابعيه أن يطلبوا آية منظورة ألا وهي أن ينزل عن الصليب فيؤمنوا به، لكن السيد الذي رفض في أكثر من موقف أن يصنع آية استعراضية لم يعطِ اهتمامًا لسخريتهم التي تصير شاهدًا عليهم، ويحكم عليهم خلال تصرفاتهم ذاتها، من نواحٍ كثيرة، منها:
أولاً: كان المجتازون يجدفون قائلين: “يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام”، فانتشرت هذه العبارة سريعًا خلال الأحداث، حتى متى تمت القيامة لا يستطيع أحد أن ينكر قوله أنه يقيم هيكل جسده في ثلاثة أيام! هكذا نشر المجدفون الشهادة لقيامته في أمرّ لحظات الصليب.
ثانيًا: اعترف رؤساء الكهنة مع الكتبة أنه “خلص آخرين“، وهذه شهادة القيادات اليهودية الدينية في لحظات الضعف عينها.
ثالثًا: قال هؤلاء المسئولون: “لينزل الآن المسيح ملك إسرائيل عن الصليب لنرى ونؤمن”. في تعليق منسوب للقديس جيروم: [لقد رأوه قائمًا من القبر ومع ذلك لم يريدوا أن يؤمنوا أنه كان قادرًا أن ينزل من خشبة الصليب. أين هو افتقاركم للإيمان أيها اليهود؟ فإنني أستدعيكم أنتم أنفسكم قضاة لأنفسكم! كم بالأكثر يكون مستحقًا للدهشة أن يقوم ميت من بين الأموات عن أن يختار الحيّ أن ينزل من الصليب! لقد طلبتم أمرًا صغيرًا فحدث ما هو أعظم، لكن افتقاركم للإيمان لم يكن ممكنًا أن يُشفى بالآيات أكثر مما رأيتم[12].]
حدوث الظلمة
“ولما كانت الساعة السادسة كانت ظلمة على الأرض كلها إلى الساعة التاسعة” [33].
إذ ارتفع الخالق على الصليب بيدي خليقته التي أرادت الخلاص منه بجحودها، حرمت نفسها من شمس البرّ، فسادت الظلمة داخل القلوب، أعلنها احتجاب الشمس من وقت الساعة السادسة حتى التاسعة.
يذكر سفر التكوين أن آدم وحواء بعد السقوط “سمعا صوت الرب الإله ماشيًا في الجنة عند هبوب ريح النهار، فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة“ (تك 3: 8)، أي عند الظهيرة، ويرى بعض المفسرين أنه سمع الحكم بالموت في وقت الساعة التاسعة. وكأنه في اللحظات التي اختفى فيها أبونا من وجه الرب وأدركا أنهما تحت حكم الموت، سادت الظلمة على الأرض ليحمل آدم الجديد ذات الحكم وهو معلق على الشجرة! لهذا فإن الظلمة هنا تشير إلى السلطان الذي أُعطى للظلمة على السيد المسيح إلى حين، كقوله: “هذه ساعتكم وسلطان الظلمة“ (لو 22: 53).
في حديث العلامة ترتليان لليهود قال: [حدثت ظلمة في وسط النهار، وهكذا تحولت أعيادكم إلى نوح وجميع أغانيكم مراثي (عا 8: 10). فإنه بعد آلام المسيح أُخذتم كما إلى السبي والتشتت، كما سبق فأنبأ الروح القدس[13].]
يقول القديس كيرلس الكبير: [جعلوا عملهم تسليم رئيس الحياة للموت، فصلبوا رب المجد. لكنهم إذ سمروا رب الكل على الصليب انسحبت الشمس من فوق رؤوسهم والتحف النور في وسط النهار بالظلمة كما سبق فأنبأ عاموس بالوحي الإلهي (عا 5: 18)… وكانت هذه علامة واضحة لليهود أن أذهان صالبيه قد التحفت بالظلمة الروحية لأن “العمى قد حصل جزئيًا لإسرائيل“ (رو 11: 25). وقد لعنهم داود في محبته لله، قائلاً: “لتظلم عيونهم عن البصر“ (مز 69: 23). نعم، انتحبت الخليقة ذاتها ربها، إذ أظلمت الشمس، وتشققت الصخور، وبدأ الهيكل نفسه كمن اكتسى بالحزن، إذ انشق الحجاب من أعلى إلى أسفل. وهذا ما عناه الله على لسان إشعياء: “أُلبس السماوات ظلامًا وأُجعل المسح غطاءها“ (إش 50: 3)[14].]
تسليم الروح
“وفي الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلاً:
ألوي ألوي لما شبقتني،
الذي تفسيره: إلهي إلهي لماذا تركتني.
فقال قوم من الحاضرينلما سمعوا:
هوذا ينادي إيليا.
فركض واحد وملأ إسفنجة خلاً،
وجعلها على قصبة وسقاه، قائلاً:
اتركوا، لنَرَ هل يأتي إيليا لينزله.
فصرخ يسوع بصوت عظيم وأسلم الروح” [34-37].
بحسب الجسد كان السيد المسيح قد أُنهمك تمامًا، ولم يكن ممكنًا في ذلك الوقت أن يصرخ هكذا، لكنه صرخ ليُعلن أنه ما يتم الآن بين أيديهم ليس عن ضعف، بل تحقيقًا لعمله الإلهي الذي سبق فأعلنه بأنبيائه.
جاءت الكلمات “إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟” لا تحمل لهجة اليأس كما قد يظن البعض فإن الابن لن ينفصل قط عن الآب، إنما أراد أن يبرز بشاعة الخطية التي حملها على كتفيه نيابة عنا، فجعلته كمن يسقط تحت الغضب وهو الابن المحبوب لديه.
بهذه الصرخة أيضًا يذكرهم بالمزمور الثاني والعشرين بكونها افتتاحيته، وقد جاء المزمور يصف أحداث الصلب. إنه بهذه الصرخة يقدم انذرًا أخيرًا لليهود كي يعيدوا النظر فيما يفعلون قبيل تسليم روحه، لعلهم يدركوا أنه المسيا محقق النبوات فيرجعون.
أما ظنهم أنه يطلب إيليا، فقد ارتبط شخص إيليا النبي بالمسيح كسابق له يهيئ له الطريق، ولأن اليهود كانوا يرون في إيليا المعين في السماء يشفع في المتضايقين والمظلومين، فهو يطلب شفاعته!
انشقاق حجاب الهيكل
“وانشق حجاب الهيكل إلى اثنين من فوق إلى أسفل” [38].
لماذا انشق حجاب الهيكل عندما أسلم السيد المسيح الروح؟
أولاً: سبق فأعلن السيد المسيح أنه يسلم الروح بسلطان، ويتقبلها ثانية بسلطان وليس عن ضعف، إذ قال: “ليس أحد يأخذها مني، بل أضعها أنا من ذاتي، لي سلطان أن أضعها، ولي سلطان أن آخذها أيضًا” (يو 10: 8). وقد جاءت أحداث الصلب تعلن ذلك، إذ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [هذه الصرخة شقت الحجاب وفتحت القبور وجعلت البيت خرابًا. فعل ذلك ليس إهانة للَّهيكل، وإنما إعلانًا عن أنهم غير مستحقين لسكناه، كما سبق فسلمه قبلاً للبابليين[15].] بصرخته أعلن سلطانه، فشق حجاب الهيكل، مؤكدًا حزن الهيكل على ما يفعله العابدون فيه، معلنًا رفضه لعبادتهم بعد أن لطخوا أيديهم بالدم البريء في قسوة وتجاسر وحسد!
ثانيًا: يقدم لنا الرسول بولس مفهومًا لاهوتيًا لانشقاق الحجاب في رسالته إلى العبرانيين ألا وهو انفتاح المقادس السماوية أمامنا بذبيحة الصليب. فالحجاب الذي يفصل قدس الأقداس عن القدس يشير إلى عجز الإنسان عن تمتعه بالأقداس الإلهية السماوية، وقد جاء السيد المسيح يفتح طريق السماء بدمه، ويدخل بنا إلى حضن أبيه ننعم بمقدساته. فمن كلماته: “الذي هو لنا كمرساة للنفس مؤتمنة وثابتة تدخل إلى ما داخل الحجاب، حيث دخل يسوع كسابقٍ لأجلنا صائرًا على رتبة ملكي صادق رئيس كهنة إلى الأبد“ (عب 6: 19-20). مرة أخرى يقول: “ليس بدم تيوس وعجول بل بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبديًا” (عب 9: 12؛ راجع عب 9: 10).
في نص منسوب للقديس جيروم جاء [انشق حجاب الهيكل وانفتحت السماوات.]
يقول القديس أمبروسيوس: [انشق حجاب الهيكل حتى تعبر نفوسنا وأرواحنا إلى الله وتراه وجهًا لوجه، وتعاين الأسرار الخفية[16].]
ثالثًا: لعل انشقاق حجاب الهيكل يعني انفتاح الباب للأمم، الذين لم يكن ممكنًا لهم أن يشتركوا مع اليهود في العبادة داخل الهيكل. هذا ما أعلنه الرسول بولس بقوله: “لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحدًا، ونقض حائط سياج المتوسط، أي العداوة، مبطلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض، لكي يخلق الاثنين في نفسه إنسانًا واحدًا جديدًا صانعًا سلامًا، ويصالح الاثنين في جسد واحد مع الله بالصليب، قاتلاً العداوة به“ (أف 2: 14-16).
إيمان قائد المئة
“ولما رأى قائد المئة الواقف أمامه أنه صرخ هكذا وأسلم الروح، قال: حقًا كان هذا الإنسان ابن الله” [39].
يا للعجب آمن قائد المئة الروماني بالسيد المسيح المصلوب حين رآه يصرخ ويسلم الروح، وكأنه قد أدرك خلال صرخته وتسليم روحه أنه لم يمت عن ضعف وإنما في قوة وبسلطان. يقول القديس أغسطينوس: [أظهرت نفس الشفيع أنه لم يكن لعقوبة الخطية سلطان عليها ليموت الجسد، إذ لم تترك الجسد بغير إرادتها إنما بإرادتها، فقد اتحدت النفس مع كلمة الله أقنوميًا[17].]
وجاء في نص منسوب للقديس جيروم: [آخرون صاروا أولين. الشعب الأممي اعترف، والشعب اليهودي الأعمى أنكر، فصار شرهم الأخير أقسى من الأول[18].]
التفاف النسوة حوله
“وكانت أيضًا نساء ينظرن من بعيد،
بينهن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب الصغير ويوسي، وسالومة.
اللواتي أيضًا تبعنه وخدمنه حين كان في الجليل،
وأخر كثيرات اللواتي صعدن معه إلى أورشليم” [40-41].
يقول العلامة أوريجينوس أنه قد يبدو ظهور ثلاث نساء ذكرن بالاسم هن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب والثالثة التي دعاها متى “أم ابني زبدي” ودعاها مرقس “سالومة”. على أي الأحوال بينما هرب التلاميذ من متابعة المصلوب ولو من بعيد، كانت النسوة يتبعنه، وصار لبعضهن شرف التمتع بالمسيح القائم من الأموات قبل التلاميذ. بهذا ردّ الإنجيل للمرأة كرامتها، وأعلن قدسيتها بعد نظرة مرة عاشها العالم لأجيال طويلة من جهتها.
دفنه
تجاسر يوسف الذي من الرامة وهو مشير شريف ودخل إلى بيلاطس يطلب جسد الرب يسوع، فتعجب بيلاطس أنه مات هكذا سريعًا، وإذ تأكد من قائد المئة أنه مات وهب ليوسف الجسد، فاشترى كتانًا وأنزله وكفنه بالكتان ووضعه في قبر منحوتًا في صخرة، ودحرج حجرًا على باب القبر. وكانت مريم المجدلية ومريم أم يوسى تنظران أين وُضع [43-47].
كان لابد من إنزال الجسد قبل الغروب، لأنه كان يوم الصلب هو “الاستعداد”، إذ اعتاد اليهود أن يلقبوا يوم الجمعة بالاستعداد، إذ فيه يستعدون ليوم السبت للراحة. في هذا اليوم صُلب السيد، في اليوم السادس. فكما أعد الله كل الخليقة في ستة أيام ليستريح في السابع، هكذا ارتفع على الصليب مجددًا خليقته في ذات اليوم السادس ليدخل بخليقته إلى سرّ الراحة الحقيقية.
لعل صلب السيد في اليوم السادس، يوم الاستعداد، يعلن التزامنا نحن فيه أن يحملنا الصليب إليه مادمنا في هذا العالم بكون حياتنا كلها هي يوم الاستعداد. نبقى معه على الصليب حتى النفس الأخير، فإذا ما غربت حياتنا الزمنية أرسل إلينا ملاكه، وكأنه بيوسف الرامي ليستريح جسدنا قليلاً حتى يقوم ثانية في يوم الرب العظيم.
لم يسمح الرب أن يكفنه التلاميذ حتى لا يقوم الاتهام بأنهم سرقوه دون دفنه، بل كفنه رجل شريف بار. وقد تأكد الكل من دفنه حينما خُتم القبر.
يعلق القديس أمبروسيوس على تكفين السيد بالقول:
[كفن البار جسد المسيح بالطيب ولفه بالطيب! البرّ هو لباس الكنيسة (جسد المسيح) والبراءة هو جمالها. فألبس أنت أيضًا جسد الرب بمجده فتكون بارًا! إن آمنت بموته فكفنه بملء لاهوته، ادهنه بالمر والحنوط رائحة المسيح الذكية (2 كو 2: 15).
كفنه يوسف بكفنٍ جديدٍ، ربما كان هو الملاءة الجديدة التي رآها بطرس نازلة من السماء وقد حوت كل حيوانات الأرض ودوابها (أع 40: 11). فقد تكفنت بها الكنيسة سريًا ووحدت الشعوب المختلفة في شركة إيمانها…
وُضع في قبر جديد، في قبر يوسف إذ لم يكن للمسيح مقبرة خاصة به، لأن القبر يُقام من أجل الذين يتعرضون لقانون الموت، أما غالب الموت فليس له مقبرة ملكًا له.
موت المسيح له طابعه الخاص المختلف عن موت عامة البشر، لذا لا يُدفن مع آخرين، بل يُدفن في القبر وحده. فيتجسد الرب اتحد بكل البشرية لكنه وجد بعض الاختلاف. شابهنا في ميلاده، لكنه اختلف عنا في الحبل به من العذراء…
من هو يوسف هذا الذي وُضع المسيح في قبره؟ بالتأكيد هو ذاك البار الذي سلم للمسيح مقبرته ليجد ابن الإنسان أين يسند رأسه (لو 9: 58) وهناك يستريح…
الحنجرة هي قبر مفتوح (مز 5: 11)، هذه هي حنجرة الإنسان عديم الإيمان الذي ينطق بكلمات ميتة، لكنه يُوجد قبر في أعماق الإنسان يحفره البار ليدخل كلمة الله في قلوب الأمم بالإيمان…
يُوضع حجر على القبر حتى لا يكون مفتوحًا، لأنه متى كُفّن المسيح جيدًا في نفوسنا يجب حفظه بعناية كي لا نفقده.
كان القبر محفورًا في صخرة أي مؤسسًا على الإيمان بالله الثابت…
لا يستطيع كل أحد أن يكفن المسيح، لذا فالنساء التقيَّات بقين من بعيد، لكنهن كن ينظرن بعناية أين وُضع حتى يأتين إليه بالطيب ويسكبنه. ومع ذلك ففي محبتهن كن آخر من ترك القبر وأول من رجعن إليه[19].]
أخيرًا فإن دفن السيد المسيح بواسطة يوسف الرامي يمثل خبرة روحية تقوية يليق بنا أن نعيشها كل يوم. فيوسف هذا جاء من الرامة يقال أنها راماتيم صوفيم (1 صم 1: 1) وأنها رام الله الحالية، ولما كانت كلمة “رامة” في العبرية تعني مرتفعة، فإنه لا يستطيع أحد أن يتمتع بهذا الشرف ما لم يأتِ من المرتفعات السماوية، أي يكون من الرامة، ينعم بالحياة السماوية كموطنٍ له ومكان نشأته، إذ كيف يحمل على يديه جسد الرب ما لم يكن له السمة الروحية السماوية.
ما هو هذا الجسد الذي نحمله إلا حياتنا بكوننا أعضاء جسده نكفنها في الكتان، أي في النقاوة الحقيقية، ونطيّبها برائحة المسيح، وندخل بها إلى السيد المسيح نفسه، كما في داخل الصخرة، فتحمل حياتنا قوة قيامته، وتكون في صحبة الملائكة، كما كان الملائكة في قبر السيد.
تفسير انجيل مرقس 16 الأصحاح السادس عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي
تفسير انجيل مرقس 16 الأصحاح السادس عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي
الأصحاح السادس عشر
أحداث القيامة
إن كان القديس مرقس يقدم لنا السيد المسيح خادمًا عاملاً بالحب حتى الصليب إنما ليحملنا معه إلى أمجاد القيامة، لهذا لم يسدل الستار على الصليب، بل انطلق بنا إلى قيامة السيد وصعوده.
الحجر المُدحرج 1-4.
الملاك يكرز بالقيامة 5-8.
ظهوره لمريم المجدلية 9-11.
ظهوره لتلميذي عمواس 12-13.
ظهوره للأحد عشر 14-18.
صعوده 19-20.
الحجر المدحرج
أغلق القديس مرقس الستار عن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب ويوسي وهما تنظران من بعيد أين وُضع جسد الرب، وانفتح ستار القيامة لنراهما مع سالومي يحملن حنوطًا منطلقات نحو القبر ليدهن جسده، فإن من يلتقي مع الرب في صلبه ويرافقه طريق الألم حتى الدفن يحق له التمتع ببهجة قيامته.
“وبعدما مضى السبت
اشترت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسلومه حنوطًا
ليأتين ويدهنه.
وباكرًا جدًا في أول الأسبوع أتين إلى القبر إذ طلعت الشمس.
وكن يقلن فيما بينهن:
من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر؟
فتطلعن ورأين أن الحجر قد دُحرج، لأنه كان عظيمًا جدًا” [1-4].
يرى القديس أمبروسيوس[1] أن السيد المسيح قام بعد انتهاء يوم السبت مع نسمات بداية الأحد. كأن النسوة وقد حملن الطيب وانطلقن نحو القبر يمثلن كنيسة العهد الجديد التي انطلقت من ظلمة حرف السبت إلى نور حرية الأحد، تتمتع بعريسها شمس البرّ مشرقًا على النفوس المؤمنة، محطمًا الظلمة. يقول القديس جيروم: [بعد عبور حزن السبت أشرق الآن يوم السعادة الذي صارت له الأولوية على كل الأيام، عليه أشرق النور الأول، وقام الرب غالبًا الموت[2].]
إن كان “السبت” يشير إلى الراحة تحت ظل الناموس، يقدم رمزًا للراحة الحقيقية في المسيح يسوع القائم من الأموات، فقد انتظر الرب نهاية السبت ليقوم في بداية اليوم الجديد، معلنًا نهاية الرمز وانطلاق المرموز إليه. لذلك كتب القديس البابا أثناسيوس الرسولي عن عيد الفصح: [عيد الفصح هو عيدنا… ولم يعد بعد لليهود، لأنه قد انتهى بالنسبة لهم، والأمور العتيقة تلاشت. والآن جاء شهر الأمور الجديدة الذي فيه يلزم كل إنسان أن يحفظ العيد مطيعًا ذاك الذي قال: “احفظ شهر أبيب (الأمور الجديدة) واعمل فصحًا للرب إلهك” (تث 16: 1)[3].]
انطلقت النسوة نحو القبر ولم يكن يفكرن في الجند الحراس للقبر ولا في الختم، لأنهن تركن القبر قبل أن يذهب اليهود إلى بيلاطس يطلبون حراسة القبر وختمه، إنما كن يفكرن في الحجر: “من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر؟” لقد نسى الكل أمام أحداث الصليب المرعبة أمر قيامته، لذلك كانت النسوة يفكرن في الحجر الذي يغلق باب القبر، ولم يفكرن في ذلك القادر أن يقوم والباب مغلق!
يعلق الأب سفريانوسأسقف جبالة والمعاصر للقديس يوحنا الذهبي الفم، على هذا الحجر فيقول:
[ما هو هذا الحجر إلا حرفية الناموس الذي كُتب على حجارة، هذه الحرفية يجب دحرجتها بنعمة الله عن القلب حتى نستطيع أن ننظر الأسرار الإلهية، ونتقبل روح الإنجيل المحيي؟ قلبك مختوم وعيناك مغلقتان، لهذا لا ترى أمامك بهاء القبر المفتوح والمتسع[4]!]
يقول الأنبا بولس البوشي: [قام الرب والحجر مختوم على باب القبر، وكما وُلد من البتول وهي عذراء كنبوة حزقيال (حز 44: 1-3). وأما دحرجة الملاك للحجر عن باب القبر، فلكي تعلن القيامة جيدًا، لئلا إذا بقي الحجر مختومًا، يُظن أن جسده في القبر[5].]
الملاك يكرز بالقيامة
“ولما دخلن القبر رأين شابًا جالسًا عن اليمين،
لابسًا حلة بيضاء فاندهشن.
فقال لهن: لا تندهشن،
أنتن تطلبن يسوع الناصري المصلوب،
قد قام. ليس هو ههنا.
هوذا الموضع الذي وضعوه فيه.
لكن اذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس أنه يسبقكم إلى الجليل.
هناك ترونه كما قال لكم” [5-7].
قدم لنا الإنجيليون أكثر من زيارة للنسوة إلى القبر، وصوّر لنا كل منهم أكثر من منظر حتى يُكَمل بعضهم البعض أحداث القيامة. هنا يحدثنا الإنجيلي مرقس عن دخول النسوة إلى القبر ليشاهدن ملاكًا على شكل شابٍ يجلس عن اليمين يلبس حلة بيضاء. هذا الدخول كما يقول القديس أغسطينوس لا يعني دخولهم الفعلي داخل القبر، وإنما اقترابهن منه جدًا حتى صرن كمن في داخل القبر ينظرن كل ما فيه.
وقد رأين ملاكًا في الداخل، مع أنهن رأيناه في وقت آخر خارجه، وكما يقول القديس أغسطينوس أيضًا أن الملائكة كن في داخل القبر وخارجه أيضًا. لقد تحول القبر كما إلى سماء تشتهي الملائكة أن تقطن فيه بعد أن كانت القبور في نظر الناموس تمثل نجاسة، لا يسكنها سوى الموتى والمصابون بالبرص أو بهم الأرواح شريرة. ومن يلمس قبرًا يصير دنسًا، ويحتاج إلى تطهير. وكأن دخول السيد المسيح إلى القبر نزع عنه دنسه وحوّله إلى موضع بركة، يشتهي المؤمنون في العالم كله أن يلتقوا فيه، ويتمتعوا ببركة الحيّ الذي قام فيه.
ظهر الملاك على شكل شاب، وليس على شكل طفل أو شيخ، فإنه إذ يكرز بالقيامة يقدم لنا في شخصه سمة الحياة المُقامة في الرب، الحياة التي لا تعرف عدم نضوج الطفولة ولا عجز الشيخوخة. إنما هي دائمة القوة، لا تضعف ولا تشيخ. أما جلوسه عن اليمين يرتدي حلة بيضاء، فيشير إلى حياتنا المقامة في الرب التي ترفعنا لتوجد عن يمين الله، ونلبس حلة الطهارة والفرح. يقول البابا غريغوريوس (الكبير): [ظهر لابسًا ثيابًا بيضاء ليعلن أفراح عيدنا.] كما يقول القديس جيروم: [الآن صار العدو هاربًا وأُعيد الملكوت. الثوب الأبيض المشرق خاص بالفرح الحقيقي حيث كان ملك السلام يُطلب فيوجد ولا يُنزع عنا. هذا الشاب إذن أعلن طبيعة القيامة لمن يخافون الموت[6].]
أما رسالة هذا الملاك الكرازية فقد حوت الآتي:
أولاً: أعلن رسالة القيامة لطالبات المصلوب: “أنتن تطلبن يسوع الناصري المصلوب”، وكأنه لا يستطيع أحد أن يتقبل رسالة القيامة في حياته الداخلية أو يلتقي بالسيد المسيح القائم من الأموات ما لم يطلبه في أعماقه الداخلية.
ثانيًا: مع أن السيد المسيح كان قد قام لكن الملاك يلقبه “الناصري المصلوب”، فكلمة “الناصري” تشير إلى تجسده حيث نشأ في الناصرة، وصار ناصريًا، وكأن قيامته أكدت تجسده، وحققت الرسالة التي لأجلها جاء. أما دعوته “المصلوب“، فإن القيامة لم تنزع عن السيد المسيح سمته كمصلوب، إنما أعلنت قبول ذبيحة الصليب. في القديم أرسل الله نارًا يلتهم الذبيحة التي قدمها إيليا مؤكدًا قبوله إياها، أما في العهد الجديد فجاءت القيامة تعلن مجد ذبيحة الصليب، لا بالتهام الذبيحة بل بإعلان قوة الحياة التي فيها، إذ هي ذبيحة المسيح الحيّ القادر أن يقيم من الأموات.
القيامة جعلت ذبيحة الصليب حاضرة على الدوام تهب قوة قيامة لمن ينعم بالشركة فيها.
ثالثًا: إذ التقين بالقبر حيث المسيح القائم من الأموات تمتعن بقوة الشهادة للسيد المسيح أمام الآخرين: “اذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس أنه يسبقكم إلى الجليل، هناك ترونه كما قال لكم”. لقد جاءت النسوة يملأ الحزن قلبهن، لكن قيامة السيد حولته إلى فرح، وأعطتهن إمكانية الكرازة بالقيامة لينطلق الكل نحو الجليل يلتقي بالقائم من الأموات حسب وعوده.
رابعًا: جاءت الدعوة أن يلتقي الكل به في “الجليل“، التي تعني “العبور”. فإن كان السيد قام من بين الأموات إنما ليعبر بنا من الموت إلى الحياة، ومن الألم إلى مجد القيامة، ومن إنساننا القديم إلى الحياة الجديدة التي صارت لنا فيه. ويرى القديس أغسطينوس[7] أن الجليل وهي تعني “العبور”، تعني عبور التلاميذ إلى الأمم للكرازة بينهم بعد أن فتح لهم الطريق، بقوله “ها أنا أسبقكم إلى الجليل”.
ظهوره لمريم المجدلية
“وبعدما قام باكرًا في أول الأسبوع
ظهر أولاً لمريم المجدلية التي كان قد أخرج منها سبعة شياطين.
فذهبت هذه وأخبرت الذين كانوا معه وهم ينوحون ويبكون.
فلما سمع أولئك أنه حيّ، وقد نظرته لم يصدقوا” [9-11].
تمتعت مريم المجدلية بهذا اللقاء فإنها إذ استراحت من مملكة إبليس التي أقام في داخلها سبعة شياطين التهب قلبها بالتمتع بالقائم من الأموات، يقيم مملكته فيها. بمعنى آخر، لا نستطيع أن ننعم ببهجة قيامته فينا وملكه في أعماقنا ما لم نُسلمه القلب ليطرد ما فيه من شر ويقيم بنفسه فيه.
رأته القديسة مريم المجدلية باكرًا في أول الأسبوع، أي بعد أن تركت ظلام الليل من قلبها، وتمتعت به بعد أن خرج منها الشياطين السبعة. لذلك يقول القديس أمبروسيوس: [إن أردتم أن تجدوه، فالشمس قد أشرقت الآن، تعالوا مثل هؤلاء النسوة، بمعنى ليته لا يكون في قلوبكم ظلام الشر، لأن شهوات الجسد والأعمال الشريرة هي ظلام. من كان في قلبه ظلام من هذا النوع لا يعاين النور ولا يدرك المسيح، لأن المسيح هو نور.
انزعوا الظلام منكم يا إخوة، أي انزعوا عنكم كل الشهوات الخاطئة والأعمال الشريرة، وليكن لكم الطيب الحلو، أي الصلاة بغيرة، قائلين مع المرتل: “لتستقم صلاتي كالبخور قدامك” (مز 141: 2)… إن أردتم أن تعاينوا الرب وتأتوا إلى بيتكم السماوي يلزمكم ترك الشر مثابرين على الثبات في الصلاح الذي بدأتم إياه[8].]
ظهوره لتلميذي عمواس
“وبعد ذلك ظهر بهيئة أخرى لاثنين منهم،
وهما يمشيان منطلقين إلى البرية.
وذهب هذان, وأخبرا الباقين، فلم يصدقوا ولا هذين” [12-13].
تحدث معلمنا لوقا البشير عن هذا الظهور في شيء من التفصيل نرجو في الرب أن نعود إليه عند دراستنا لهذا السفر (لو 24: 13-35).
يعبر القديس أغسطينوس عن هذا اللقاء بقوله: [عندما اقترب الرب من الرسولين لم يكن لهما الإيمان… لم يصدقا أنه قام، أو أنه يمكن لأحد أن يقوم… لقد فقدوا الإيمان ولم يعد لهم رجاء… كانا يمشيان معه في الطريق: موتى مع الحيّ، أمواتًا مع الحياةّ. كانت “الحياة” تمشي معهما، غير أن قلبيهما لم يكون ينبضان بالحياة[9].]
ظهوره للأحد عشر
“أخيرًا ظهر للأحد عشر وهم متكئون،
ووبخ عدم إيمانهم وقساوة قلوبهم،
لأنهم لا يصدقوا الذين نظروه قد قام.
وقال لهم: “اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها.
من آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يُدن.
وهذه الآيات تتبع المؤمنين،
يخرجون الشياطين باسمي،
ويتكلمون بألسنة جديدة.
يحملون حيات،
وإن شربوا شيئًا مميتًا لا يضرهم،
ويضعون أيديهم على المرضى فيبرأون” [14-18].
إذ ظهر لهم القائم من بين الأموات قدم لهم إمكانية الكرازة للخليقة كلها، حتى إذ ينعم الرسل بالحياة المقامة في الرب يقدمون لهم “قوة القيامة”…
يلاحظ في حديث ربنا يسوع مع تلاميذه بعد قيامته الآتي:
أولاً: وبخهم السيد على عدم إيمانهم وقسوة قلوبهم، وكما يقول القديس جيروم: [وبخهم على عدم إيمانهم ليحل محله التسليم، ووبخهم على قسوة قلوبهم الحجرية لتحل محلها القلوب اللحمية المملوءة حبًا[10].] هكذا أول عمل في حياتنا خلال قيامة السيد تغييرنا الداخلي الشامل، فنحمل إيمانًا حيًا وقلبًا مملوء حبًا. بمعنى يشمل التغيير الإيمان والعمل ملتحمين معًا، هو يهبنا الإيمان به وهو الذي يعمل فينا وبنا. لذلك يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ألا نلاحظ أنه ليس شيء ما نفعله بدون المسيح[11].]
ثانيًا: إذ تمتعوا بعمل القيامة فيهم فنالوا الإيمان الحي، وتمتعوا بتغيير القلب لممارسة الحياة الفاضلة في الرب صارت لهم الوصية أن يكرزوا في العالم كله وللخليقة كلها. فالقيامة تنزع عن الكارز انغلاق القلب أو ضيقه وترفعه فوق كل تعصب. يرى في نفسه أنه كسائر البشر قد سقط تحت ثقل الموت وقام دون فضل من جانبه، لذا يود أن يقوم العالم كله وينعم بالحياة الجديدة المجانية. لذلك فالأسقف أو الكاهن في عيني القديس يوحنا الذهبي الفم قد [أؤتمن على العالم كله وصار أبًا لجميع الناس[12].]
لقد بدأ الإنجيلي هذا السفر بالصوت الصارخ في البرية، ويختمه بدعوة للرب للكرازة في العالم كله كصوت يدوي في البرية.
يقول البابا غريغوريوس (الكبير): [يمكن أن تفهم “كل الخليقة” بمعنى “كل الأمم”[13]]، كما يقدم لنا لهذا التعبير تفسيرًا رمزيًا بأن “كل الخليقة” تعني الإنسان بكليته، فهو يشترك في جوانب معينة مع الحجارة والجمادات التي لا تحيا ولا تحس، وفي جانب آخر مع النباتات التي تعيش ولا تحس، وفي جانب ثالث مع الحيوانات التي تحيا وتحس لكن بلا تعقل، وفي جانب أخير مع الملائكة العاقلين… فالكرازة للإنسان هي كرازة لكل الخليقة فيه بتقديسه تقديسًا كاملاً.
ثالثًا: المعمودية ملتحمة بالإيمان هو الموضوع الرئيسي للخلاص، خلالها ينعم طالب العماد بالحياة المقامة الجديدة، إذ يقول: “من آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن”. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ليس بأم وأب، ليس باجتماع بشر، ولا بآلام المخاض نولد ثانية، ولكن من الروح القدس تصنع أنسجة طبيعتنا الجديدة، وفي الماء نُشكل، ومن الماء نُولد سرًا كما من الرحم[14].] [في العماد يتحقق عربون ميثاقنا مع الله: الموت والدفن والقيامة والحياة، يحدث هذا كله دفعة واحدة[15].]
يعلن القديس أغسطينوس أهمية العماد إذ يقول: [إن لم يعتمد الأطفال يحسبون في رتبة غير المؤمنين ولا تكون لهم حياة، لأن “الذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياة، بل يمكث عليه غضب الله” (يو3: 36)[16].]
رابعًا: أعطاهم إمكانيات ليست من عندهم بل هي عطاياه تسندهم في الكرازة، مثل إخراج الشياطين وعمل الآيات والتكلم بالألسنة، ليكرزوا بين من لا يفهمون لغتهم الخ. وكما يقول القديس أمبروسيوس: [أعطاهم كل شيء، لكن لا نلمس في هذه العطايا قوة إنسان بل نعمة الله هي العاملة[17].]
صعوده
ختم القديس مرقس الإنجيل بصعود الرب إلى السماء وانطلاق التلاميذ للخدمة، إذ يقول: “ثم أن الرب بعدما كلمهم ارتفع إلى السماء، وجلس عن يمين الله. وأما هم فخرجوا وكرزوا في كل مكان، والرب يعمل معهم، ويثبت الكلام بالآيات التابعة. آمين” [19-20].
إن كان إنجيل معلمنا مرقس هو إنجيل المسيح العامل لحساب الكنيسة، فإنه إذ عمل الكثير من أجل كنيسته الخفية فيه، ارتفع إلى فوق لكي تعمل الكنيسة من أجل المسيح الخفي فيها. ارتفع إلى فوق، وجلس عن يمين الآب، لكي يهب كنيسته الجلوس في حضن أبيه، أو عن يمينه.
يعلق البابا غريغوريوس (الكبير) على صعود السيد المسيح قائلاً:
[لنلاحظ أن إيليا قيل عنه أنه ارتفع في مركبة ليظهر أن الإنسان القديس محتاج إلى عون غيره… لكننا لا نقرأ عن مخلصنا أنه صعد بواسطة ملائكة أو مركبة، فإن الذي صنع كل شيء بسلطانه هو فوق الكل… كان أخنوخ الذي نُقل وإيليا الذي أرتفع إلى السماء رمزين لصعود الرب. كانا بالنسبة له معلنين عنه وشاهدين لصعوده، واحد قبل الناموس والآخر تحت الناموس، حتى يأتي ذاك الذي يقدر بحق أن يدخل السماء[18].]
ويقدم لنا القديس أغسطينوس تفسيرًا لتعبير “يمين الله“: [لا نفهم جلوسه بمعنى جلوس أعضائه الجسدية كما لو أن الآب عن اليسار والابن عن اليمين، إنما نفهم اليمين بمعنى السلطان الذي قبله من الآب بكونه إنسانًا (ممثل البشرية)، لكي يأتي ويدين، ذاك الذي جاء أولاً لكي يُحكم عليه. فإن كلمة “يجلس” تعني “يسكن” كما نقول عن إنسان أنه جلس في هذه الأرض ثلاث سنوات، هكذا نؤمن أن المسيح يسكن عن يمين الآب، إذ هو مطوّب ويسكن في الطوباوية التي تسمى يمين الله[19].]
يؤكد الإنجيلي أن الرب الذي ارتفع في السماوات يعمل مع الكارزين ويثبت الكلام بالآيات، فإن كان قد ارتفع إلى فوق ممجدًا، فقد بقى عاملاً حتى ترتفع الكنيسة كلها معه وفيه تنعم بشركة أمجاده.
تفسير انجيل مرقس 14 الأصحاح الرابع عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي
تفسير انجيل مرقس 14 الأصحاح الرابع عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي
تفسير انجيل مرقس 14 الأصحاح الرابع عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي
الباب الخامس
آلام السيد المسيح وقيامته
ص 14_ ص 16
الأصحاح الرابع عشر
الإعداد للصليب
في الأصحاح السابق جلس السيد المسيح على جبل الزيتون ليعلن لأربعة من تلاميذه علامات المنتهى، ساحبًا قلوبهم إلى سماواته، مؤكدًا لهم أنه يرعى مختاريه بالرغم مما يجتازونه من ضيقات خاصة في أواخر الدهور. وجاء الأصحاح الذي بين أيدينا يقدم لنا صورة للبشرية التي لا تطيق السيد المسيح فتريد أن تطرده. اجتمع رؤساء الكهنة مع الكتبة يطلبون قتله لكنهم خافوا الشعب؛ ووجد يهوذا التلميذ الفرصة سانحة لتسليم سيده من أجل قليل من الفضة. هكذا بينما يفتح السيد سماواته مشتاقًا أن يجمع الكل فيها، إذا بالقيادات الدينية حتى بين تلاميذه من يسلمه للموت.
لكن وسط هذه الصورة المؤلمة وُجدت امرأة محبة تسكب الطيب كثير الثمن على رأس السيد ليمتلئ بيت سمعان الأبرص برائحته الذكية، ومع هذا لم تسلم هذه المرأة من النقد اللاذع.
على أي الأحوال إذ اقترب الفصح كانت الأمور تجري نحو الصليب لذبح الفصح الحقيقي، القادر أن يعبر بنا خلال آلامه وموته إلى قوة قيامته:
تدبير رؤساء الكهنة والكتبة قتله 1- 2.
كسر قارورة الطيب 3-9.
خيانة يهوذا 10-11.
وليمة الفصح 12-16.
إعلان عن الخيانة 17-21.
تأسيس الأفخارستيا 22-26.
إعلان عن شك التلاميذ فيه 27-31.
ذهابه إلى جثيسيماني 32-42.
القبض عليه 43-52.
10.محاكمته دينيًا 53-65.
11.إنكار بطرس 66-72.
تدبير رؤساء الكهنة والكتبة قتله
“وكان الفصح وأيام الفطير بعد يومين،
وكان رؤساء الكهنة والكتبة يطلبون كيف يمسكونه بمكر ويقتلونه.
لكنهم قالوا ليس في العيد، لئلا يكون شغب في الشعب” [1-2].
يميز العهد القديم بين عيد الفصح وعيد الفطير، فكان خروف الفصح يُذبح في اليوم الرابع عشر من الشهر الأول في المساء، ويبدأ عيد الفطير في الخامس عشر لمدة أسبوع. لكن ارتبط العيدان معًا في ذهن اليهود وكأنهما صارا عيدًا واحدًا، لهذا يُستخدم تعبير “عيد الفطير” ليشمل الفصح أيضًا، كما يطلق اسم “الفصح” على عيد الفطير أيضًا.
لقد اتفق رؤساء الكهنة والكتبة على تدبير خطة لقتل السيد المسيح بعد العيد خوفًا من الجماهير، ولم يدركوا أن السيد المسيح قد جاء فصحًا عن العالم، بل هو الفصح الحقيقي ذُبح في العيد. كان رب المجد يتمم خطته الخلاصية بفرح وسرور مستهينًا بالخزي ليقبل كل نفس إليه، وكان قادة الفكر اليهودي يتممون خطتهم للخلاص منه وطرده لا من أورشليم، بل من الأرض كلها، بقتله!
مساكين هم رؤساء الكهنة والكتبة، فقد التهبت قلوبهم بالحسد، فلم ينشغلوا بالإعداد الروحي لعيد الفصح. إذ كان يليق بهم أن يرشوا الكتاب المقدس بالدم وأيضًا قوائم أفكارهم، ويضعوا الخيط القرمزي على باب صلواتهم ويربطوه على قلوبهم، فيدركوا أن السيد المسيح الذي ظهر في أيامهم هو الفصح الحقيقي.
خلال حسدهم الشرير لم يتعرفوا على الحمل الحقيقي، ولا فهموا الذبيحة الرمزية التي بين أيديهم بكل أسرارها، هذه التي أدركها الآباء وعاشوها. ففي نص منسوب للقديس جيروم جاء [لقد رُمز لآلام المسيح وخلاص الشعب من الجحيم بذبيحة الحمل وعبور الشعب البحر منطلقين من مصر. لقد افتقدنا (في عيد الفصح) حين كان القمر في كماله إذ لم يكن في المسيح أي نصيب للظلمة. لنأكل جسد الحمل الذي بلا عيب، هذا الذي ينزع خطايا العالم، لنأكله في بيت واحد، أي في الكنيسة الجامعة المرشوشة بالحب والحاملة سلاح الفضيلة.]
كان رؤساء الكهنة والكتبة يدبرون قتله ولم يدركوا أنهم حتى في شرهم يتممون خطة السيد المسيح الذي حدد بنفسه يوم آلامه ليصلب في عيد الفصح!
كسر قارورة الطيب
“وفيما هو في بيت عنيا في بيت سمعان الأبرص وهو متكئ
جاءت امرأة معها قارورة طيب نادرين خالص كثير الثمن،
فكسرت القارورة وسكبته على رأسه” [3].
كان السيد في بيت عنيا، أي في بيت العناء أو الألم، عيناه تنظران إلى الصليب بسرور، كقول الرسول بولس: “الذي من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهينًا بالخزي” (عب 12: 2). وكان يرى التحركات الضخمة والسريعة بين جميع القيادات اليهودية المتضاربة، تعمل معًا لأول مرة بهدف واحد، هو الخلاص منه! وسط هذا الجو المّر وُجدت امرأة استطاعت أن تلتقي به في بيت سمعان الأبرص لتقدم حبها الخالص وإيمانها الحيّ العملي، لتتقبل من السيد مديحًا ومجدًا أبديًا!
التقت بالسيد في بيت سمعان الأبرص، وقد دُعي هكذا لأنه كان أبرصًا وطهره السيد، وقد حمل هذا الاسم تذكارًا لما كان عليه ليمجد السيد المسيح الذي طهّره.
ولعل بيت سمعان الأبرص يشير إلى الكنيسة التي ضمت في داخلها من الشعوب والأمم أولئك الذين سبقوا فتنجسوا ببرص الخطية وقد طهرههم السيد بدمه المبارك! في هذه الكنيسة توجد امرأة، لم يذكر الإنجيلي اسمها ولا مركزها إذ هي تشير إلى كل نفس صادقة في لقائها مع السيد.
تشير قارورة الطيب الناردين الخالص كثير الثمن إلى الحب الداخلي، حب النفس لمخلصها، هذا الذي رائحته تملا الكنيسة كلها وترتفع إلى السماوات عينها، إن كسرت القارورة، أي احتمل الإنسان الألم وقبل الموت اليومي من أجل المصلوب.
إن كان اسم السيد المسيح دهن مهراق (1: 2)، فاحت رائحته الذكية حين أُهرق دمه مجتازًا المعصرة وحده، فإن الكنيسة بدورها تقدم حياتها مبذولة كقارورة طيب منكسرة لتعلن رائحة محبتها الداخلية.
أما عن سكب الطيب على رأس السيد، ففي نص منسوب للقديس جيروم قيل أن المرأة سكبت الطيب من القدمين حتى بلغت الرأس، لكن الإنجيلي حسبها سكبته على رأسه. ولعل ذلك يشير إلى نظرة السيد المسيح إلى أعمال المحبة أنها جميعًا تقدم لحسابه. فما قدمه للفقراء والمساكين والمرضى والمسجونين والمتضايقين والحزانى من أعمال محبة إنما يتقبله السيد المسيح نفسه كرأسٍ الكل. بمعنى آخر نحن نسكب الطيب على الأعضاء فيُنسب هذا العمل إلى الرأس، ويحسبنا سكبناه عليه.
لم يطق يهوذا محب الفضة هذا العمل الكنسي المفرح، إذ كان يود أن يُقدم ثمن القارورة له ليضعه في الخزانة لحساب الفقراء فينهبه. لهذا أثار تبرمًا وسط المحيطين به، إذ يقول الإنجيلي: “وكان قوم مغتاظين في أنفسهم، فقالوا: لماذا كان تلف الطيب هذا؟ لأنه كان يمكن أن يُباع هذا بأكثر من ثلاث مئة دينار ويعطى للفقراء وكانوا يؤنبونها” [5].
لم يهتم يهوذا أنه يفقد حياته كلها وخلاصه الأبدي، لكنه أثار نفوس التلاميذ لأجل ما يراه فقدانًا بالنسبة لأكثر من ثلاثمائة دينار!
في نص منسوب للقديس جيروم ورد التفسير للقصة بمفهوم رمزي، إذ قيل:
[سمعان الأبرص يعني العالم الذي كان دنسًا (أبرصًا بعدم الإيمان) لكنه تحوّل إلى الإِيمان. المرأة بقارورة الطيب إيمان الكنيسة القائلة: “أفاح نارديني رائحته“ (نش 1: 12). دُعي ناردين خالص بكونه الإِيمان الثمين. البيت الذي امتلأ من رائحته هو السماء والأرض. أما كسر القارورة فهو كسر الشهوات الجسدية عند الرأس الذي به تشكّل الجسد كله، فقد تنازل الرأس وأخلى ذاته حتى يستطيع الخاطيء أن يبلغ إليه. هكذا انطلقت المرأة من القدمين إلى الرأس، ونزلت من الرأس إلى القدمين، أي بلغت بالإِيمان إلى المسيح وأعضائه.]
لقد حسب يهوذا هذا الطيب خسارة، لأن يساوي أكثر من ثلاثمائة دينار، ولم يدرك أن ما قد حسبه خسارة هو ربح في عيني الرب الذي يشتاق أن يتقبل من كل إنسان ذات الطيب. فان رقم 300 يشير إلى تقديس الإنسان تقديسًا كاملاً خلال الطاعة لوصية الله في الداخل والخارج فإن كان رقم 300 هو محصلة (10×10×3)، فإن رقم 10 الأولى تشير إلى طاعة الوصية (الوصايا العشر)، ورقم 10 الثاني يشير إلى تقديس الحواس الخفية (خمسة حواس) والظاهرة، ورقم 3 يشير إلى تقديس النفس والجسد والروح بالتمتع بالحياة المقامة التي في المسيح يسوع الذي قام في اليوم الثالث، كما يشير رقم 3 إلى تقديس النفس والجسد والروح خلال الإيمان بالثالوث القدوس.
على أي الأحوال إن كانت هذه المرأة قد انتقدها الناس لكنها تمتعت بمديح الرب نفسه الذي أعلن ارتباط قصتها بالكرازة بإنجيله في العالم كله!
أخيرًا فان قصة سكب الطيب على السيد المسيح وردت في الأناجيل الأربعة (مت 26: 6؛ مر 14: 3؛ لو 7: 21؛ يو 12: 3). وواضح من الأناجيل أن سكب الطيب تكرر أكثر من مرة، وقد اختلفت الآراء في تحديد شخصيات هؤلاء النسوة اللواتي سكبن الطيب، غير أن الرأي السائد هو:
أولاً: المرأة المذكورة في إنجيل يوحنا هي مريم أخت لعازر.
ثانيًا: المرأة المذكورة في إنجيل لوقا هي خاطئة قامت بهذا العمل إثناء خدمة السيد.
ثالثًا: المرأة المذكورة في إنجيلي متى ومرقس سكبت الطيب في أيام البصخة، يرى البعض أنها غير الخاطئة، ويرى آخرون أنها هي بعينها الخاطئة سكبته وهي خاطئة تطلب بدموع المغفرة وأخرى تقدمه طيب حب وشكر أثناء البصخة، بل ويرى آخرون أنها مريم أخت لعازر ومرثا.
خيانة يهوذا
“ثم أن يهوذا الإسخريوطى واحدًا من الإثنى عشر
مضى إلى رؤساء الكهنة ليسلمه إليهم.
ولما سمعوا فرحوا ووعدوه أن يعطوه فضة،
وكان يطلب كيف يسلمه في فرصة موافقة” [10-11].
إن كانت الكنيسة تضم امرأة بسيطة تكسر القارورة لتسكب الطيب ناردين كثير الثمن على رأس السيد فيمتلئ البيت من رائحته الذكية، فإنه يختفي حتى من بين التلاميذ من يسلمه في أيدي الأعداء. فالكنيسة تضم في داخلها قديسين هم أعضاء حقيقيون في جسد المسيح، كما تضم من لهم اسم المسيح في الخارج أما قلوبهم فمنحلة عنه تمامًا. هؤلاء بالحقيقة ليسوا أعضاء بل هم مفروزون منها حتى ولو لم يفرزهم أحد!
والعجيب أن الخائن يحمل اسم يهوذا، وهو اسم ذات السبط الذي خرج منه السيد المسيح بالجسد، فبينما يقدم لنا يهوذا الأسد الخارج ليحطم عدو الخير الأسد الذي يجول زائرًا يلتمس من يبتلعه (1 بط 5: 8)، إذا بالشيطان يقتنص تلميذًا يحمل ذات الاسم ليكون أداة لتسليم الرب.
إن كان اسم “يهوذا” معناه “يحمد” أو “يعترف”، فإن يهوذا هذا يمثل الذين يحملون اسم المسيح، كهنة أو شعبًا، يحمدون الرب بلسانهم ويعترفون بالإيمان بشفاههم أما قلوبهم وأعمالهم فأداة للتحطيم. إنهم كعدو الخير الذي قيل أنه يؤمن ويرتعب (يع 2: 19)، لكنه لا يحمل في قلبه حبًا بل عداوة وبغضة. مثل هؤلاء أخطر من الأعداء الخارجين، فإنه ما كان يمكن لرؤساء الكهنة أن يقبضوا على السيد بدون يهوذا! أقول هذا لكي نحذر لا الآخرين بل أنفسنا، فإنه لا يستطيع عدو الخير الخارجي (إبليس) أن يأسر مسيحنا الداخلي أو يصلبه ويشهر به ما لم نسلمه نحن له. لهذا يحذرنا السيد المسيح: “أعداء الإنسان أهل بيته“ (مت 10: 36)، أي حياته الداخلية وإرادته الشريرة.
حين يفسد “يهوذنا” أي “إيماننا” بانحلاله عن الحب، يُسلم القلب للعدو، ويصلب السيد المسيح مرة أخرى ويشَّهر به… أما ثمن هذا فقليل من الفضة الغاشة يعده بها العدو.
يا للعجب يسلم القلب الخائن مسيحه، كلمة الله، الفضة المصفاة سبع مرات (مز 12: 6) مقابل فضة غاشة من أيدٍ شريرة! يُقدم السماوي أسيرًا، لينعم بقليل من الأرضيات يعود فيتركها ويشنق نفسه!
فيما يلي بعض تعليقات الآباء على قصة خيانة يهوذا:
لماذا تخبرني عنه “الإسخريوطي”؟… لأنه يوجد تلميذ آخر يدعى يهوذا الغيور، أخ يعقوب، خشي (الإنجيلي) لئلا يحدث خلط بينهما، فميّز الواحد عن الآخر. لكنه لم يقل عنه “يهوذا الخائن” حتى يعلمنا إلا نندد بأحد، بل نتجنب اتهام الآخرين. على أي الأحوال بقوله “واحد من الإثني عشر” أبرز بشاعة جريمة الخائن، إذ وجد سبعون آخرون لم يمتثل أحدهم به ولا اشترك معه في تصرف كهذا. أما هؤلاء الإثنا عشر الذين اختارهم السيد كانوا الجماعة الملوكية خرج منها هذا الخائن الشرير.
يا للجنون! نعم فإن محبة المال التي للخائن وطمعه جلبا كل هذا الشر.
محبة المال تستولي على النفوس التي تتقبلها، وتقودها إلى كل طريق عندما تقيدها، وتنسى النفوس كل شيء وتجعل أذهانها في حالة جنون!
لقد أُسر يهوذا مجنون محبة المال هذا، فنسى المحادثات ومائدة المسيح وتلمذته وتحذيرات المسيح وتأكيداته[1].
القديس يوحنا الذهبي الفم
كان واحدًا من الإثنى عشر في العدد، في الاستحقاق حسب الجسد لا الروح!
ذهب إلى رئيس الكهنة بعد أن خرج ودخله الشيطان. كل كائن يتحد بمثاله!
لقد وعد أن يخون السيد كما سبق فقال الشيطان لسيده: “لك أعطي هذا السلطان“ (لو 4: 6)…
هم وعدوه بالمال، فخسروا حياتهم التي خسرها هو أيضًا باستلامه المال[2].
نص منسوب للقديس جيروم
يقول: “واحد من الاثني عشر“. هذا أمر غاية في الأهمية إذ يوضح خطية الخيانة بأكثر جلاء، فإن الذي كرّمه مساويًا إياه بالبقية وزينه بالكرامات الرسولية، وجعله محبوبًا، وضمه للمائدة المقدسة… صار طريقًا ووسيلة لقتل المسيح[3].
القديس كيرلس الكبير
وليمة الفصح
كما اهتم السيد المسيح بدخوله أورشليم، فأرسل تلميذين يحضران له الأتان والجحش، نجده هنا في اليوم الأول من الفطير، إذ كانوا يذبحون الفصح أرسل اثنين من تلاميذه إلى المدينة، فيلاقيهما إنسان حامل جرة ماء، غالبًا هو القديس مرقس كما جاء في التقليد القبطي، يتبعاه وحيثما يدخل يطلبان رب البيت أن يريهما العلية التي يعداها ليأكل السيد الفصح مع تلاميذه. هذه العلية الكبيرة هي علية القديسة مريم والدة القديس مرقس، وقد صارت أول كنيسة مسيحية في العالم، حيث أقام فيها السيد المسيح بنفسه سرّ الإفخارستيا، وفيها كان يجتمع التلاميذ، وقد حّل علليهم الروح القدس في يوم الخمسين في ذات الموضع.
يلاحظ في النص الذي بين أيدينا الآتي:
أولاً: اهتم التلاميذ بالتمتع بوليمة الفصح مع معلمهم، إذ قالوا له: “أين تريد أن نمضي ونعد الفصح؟” [12]. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [بينما كان يهوذا يخطط كيف يسلمه، كان بقية التلاميذ يهتمون بإعداد الفصح.] وقد كشف لنا هذا السؤال ليس فقط أن السيد لم يكن له مسكن يقيم فيه ليعد فيه الفصح بل حتى تلاميذه لم يكن لهم مساكن يستقرون فيها، بل وجدوا استقرارهم وراحتهم في معلمهم ربنا يسوع المسيح.
لم يستأذن التلاميذ المعلم لكي يذهب كل واحدٍ إلى عائلته يشترك معها في وليمة الفصح، إنما أدركوا أنهم قد صاروا به عائلة واحدة حتى وإن كانوا من أسباط متنوعة، يلتقون معًا فيه لينعموا بالفصح الواحد؛ هكذا ارتبطوا في وحدة حقه أساسها الاتحاد مع مخلصهم بالحب، رفعتهم إلى ما هو أعظم من وحدة الرباط الدموي.
في سؤال التلاميذ أيضًا تسليم كامل للمخلص، يسألونه في كل صغيرة وكبيرة، ليست لهم شهوة أن يذهبوا إلى موضع معين يقترحونه عليه، لكن شهوتهم الوحيدة أن يوجدوا معه على الدوام.
ثانيًا: أرسل السيد اثنين من تلاميذه ليعدوا الفصح، هما بطرس ويوحنا (لو 22: 8). فإن كان رقم 2 يشير إلى الحب، فإننا لا نستطيع أن نقدم للسيد المسيح قلبنا عُلية يقيم فيها ذبيحة صليبه بدون الحب. هذا وإن كان بطرس يمثل الإيمان ويوحنا يمثل المحبة فإن السيد أرسل الإيمان العامل بالمحبة ليهيئ كل قلب بسيط كعلية يجتمع فيها بنفسه مع تلاميذه، يقيم فيها مذبحة الخفي، ويتقدم هو كرئيس يعلن صليبه ويؤسس فيها ملكوته الروحي.
ثالثًا: لم يخبرهما السيد المسيح عن اسم صاحب العلية، إذ كان معروفًا لهم، ألا وهو والد القديس مرقس الرسول. لكنه اكتفى بتقديم علامة، قائلاً: “اذهبا إلى المدينة فيلاقيكما إنسان حامل جرة ماء. اتبعاه. وحيثما يدخل فقولا لرب البيت: إن المعلم يقول أين المنزل حيث آكل الفصح مع تلاميذي” [13-14]. فلماذا اكتفى السيد بتقديم هذه العلامة:
أ. يرى القديس كيرلس الكبير أن الشيطان قد دخل قلب يهوذا وكانت جريمة قتل مخلصنا المسيح قد ثارت فيه، لذلك أخفى السيد اسم صاحب العلية حتى لا يخطط يهوذا لتسليم السيد وهو في العلية[4].
ب. يقدم القديس كيرلس الكبير تفسيرًا آخر، بقوله: [ربما تكلم بهذا ليعني سرًا ضروريًا: وهو حيث يوجد الماء في المعمودية المقدسة يقيم المسيح. كيف وبأي وسيلة؟ بكونها تحررنا من كل نجاسة ، فنغتسل بها من أدناس الخطية، فنصير هيكل الله المقدس ونشاركه طبيعته الإلهية بواسطة شركة الروح القدس. فلكي يستريح المسيح فينا ويقطن داخلنا لنتقبل المياه المخلصة، معترفين بالإيمان الذي يبرر الأشرار، ويرفعنا إلى أعلى حتى نحسب نحن “علية”. فإن الذين يسكنهم المسيح بالإيمان لهم فكر عالٍ مرتفع، لا يرغبون في الزحف على التراب، أقول ويرفضون البقاء على الأرض طالبين على الدوام السمو في الفضيلة. قيل: “أقوياء الله برتفعون على الأرض”، “لأن ليس لنا هنا مدينة باقية لكننا نطلب العتيدة“ (عب 13: 14)، فبينما يسيرون على الأرض إذا بأفكارهم تستقر في العلويات، ويكون مسكنهم في السماويات (في 3: 20)[5].]
يتحدث الأب ثيؤفلاكتيوس عن جرة الماء هذه فيقول: [من يعتمد يحمل جرة ماء، ومن يحمل معمودية علية يستريح إن عاش بتعقل، ينال راحة كمن يدخل في بيت.]
لكي ننعم بفصح المسيح يلزمنا أن ننعم بمياه المعمودية فترفعنا إلى علية الروح عوض الحرف القائل، وكما يقول الآب ثيؤفلاكتيوس: [رب البيت هو العقل الذي يشير إلى العلية الكبيرة أي إلى الأفكار العلوية، التي بالرغم من علوها لكنها لا تحمل كبرياءً ولا مجدًا باطلاً، بل تعد وتُهيأ خلال التواضع. هناك، في فكر كهذا يُعد فصح المسيح بواسطة بطرس ويوحنا أي خلال العمل والتأمل.]
أيضًا يقول القديس أمبروسيوس [ليت الرب يسمح لي أنا أيضًا أن أحمل جرة الماء كما فعل رب البيت صاحب العلية المفروشة! ماذا أقول عن الماء؟ كان “روح الرب يرف على وجه المياه“ (تك 1: 2). أيتها المياه التي علت فوق الكون الذي تدنس بالدم البشري وكنتِ رمزًا للمعمودية العلوية! أيتها المياه التي وُهبت أن يكون لها سرّ المسيح فتغسل الكل!… أنت تبتدئين ثم تكملين الأسرار، فيكِ البداية وأيضًا النهاية[6]!]
رابعًا: يكمل السيد حديثه قائلاً: “فهو يريكما علية كبيرة مفروشة مُعدة، هناك أعد لنا” [15]. يقول القديس أمبروسيوس: [العلية المفروشة تشير إلى عظم استحقاق صاحبها، حتى أن الرب نفسه مع تلاميذه يستطيعون أن يستريحوا فيها، أو تشير إلى زينة فضائله العالية[7].]
إعلانه عن الخيانة
“ولما كان المساء جاء مع الاثني عشر.
وفيما هم متكئون يأكلون قال يسوع:
الحق أقول لكم أن واحدًا منكم يسلمني، الآكل معي.
فابتدأوا يحزنون ويقولون له واحدًا فواحدًا. هل أنا؟ وآخرهل أنا.
فأجاب وقال لهم: هو واحد من الاثني عشر الذي يغمس معي في الصحفة.
إن ابن الإنسان ماضٍ كما هو مكتوب عنه،
ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يُسلم ابن الإنسان.
كان خير لذلك الرجل لو لم يولد” [17-21].
إذ سبق فأعلن السيد المسيح أكثر من مرة عن تسليمه وموته وقيامته ليسند تلاميذه عندما يواجهون الأحداث نراه الآن يعلن عن “الخيانة” ليعطي مسلمه فرصة التوبة والرجوع إن أراد. حقًا لقد سبق الكتاب فأنبأ عن الخائن، لكن لم يلزم الله يهوذا أن يخون، ولا يمكن له أن يحتج بأن فيه تحققت النبوة عن الخيانة، فإن سابق معرفة الله للأمر لا تلزمه بالتنفيذ ولا تعفيه من المسئولية. ولو أن قلب يهوذا تحرك بالتوبة لتمت أحداث الصليب بطريقة أو أخرى يخططها الرب دون هلاك يهوذا.
في إعلان السيد المسيح عن الخيانة لم يذكر اسم الخائن حتى لا يحرج مشاعره وأحاسيسه لعله يرجع عن رأيه، وفي نفس الوقت أعطى علامة عندما ابتدأ التلاميذ يحزنون حتى لا يسقطوا في اليأس. كان السيد لطيفًا ورقيقًا حتى مع الخائن، لكنه أيضًا حازمًا وصريحًا معه، مستخدمًا كل أسلوب للحث على التوبة. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [واضح أنه لم يعلن عنه صراحة حتى لا يجعله في عارٍ أشد، وفي نفس الوقت لم يصمت تمامًا لئلا يظن أن أمره غير مكشوف، فيسرع بالأكثر لعمل الخيانة بجسارة[8].]
إذ أعلن السيد عن هذه الخيانة المُرة ابتدأ كل تلميذ يسأل المعلم: هل أنا؟ فمع ثقتهم في أنفسهم أنهم لن يخونوا السيد، لكن ثقتهم في كلمات الرب أعظم من ثقتهم في أنفسهم، فتشكك كل واحد في نفسه وخشي لئلا يسقط في هذا العمل الشرير.
قدم لهم السيد الإشارة “الذي يغمس في الصحفة”، ثم أعلن في حزم عن مصير هذا الخائن المسكين. يقول القديس كيرلس الكبير: [وبُخ يهوذا الخائن الذي كان يأكل معه بالكلمات التي قالها المسيح… لعله في فقدانه التام للحس، أو بالحري إذ امتلأ بكبرياء إبليس، حسب أنه قادر على خداع المسيح بالرغم من كونه الله. ولكن كما قلت كان مقتنعًا بكونه شريرًا تمامًا ومبغضًا لله وخائنًا ومع ذلك فمن قبيل اللطف انضم إلى المائدة وحُسب كأنه مستحق للطف الإلهي حتى النهاية، بهذا صارت دينونة أعظم. فقد قال المسيح في موضع آخر خلال المرتل: “لأنه ليس عدوي يعيرني فأحتمل، ليس مبغضي تعظّم علىّ فأختبئ منه، بل أنت إنسان عديلي أليفي وصديقي، الذي معه كانت تحلو لنا العشرة إلى بيت الله كنا نذهب في الجمهور (اتفاق)“ (مز 55: 12-14)” [9].]
تأسيس الإفخارستيا
كانت أحداث الصلب تجري حول السيد المسيح، هذه التي أعلن عنها بكونها طريق الخلاص الذي يقدمه السيد نفسه، فقد قدم لكنيسته عبر الأجيال جسده المصلوب القائم من الأموات ودمه المبذول عفرانًا للخطايا. قدم لكنيسته ذبيحة الصليب الواحدة غير المتكررة خلال سرّ الإفخارستيا، مائدة الرب واهبة الحياة.
“وفيما هم يأكلون أخذ يسوع خبزًا وبارك وكسر وأعطاهم،
وقال: خذوا كلوا هذا هو جسدي.
ثم أخذ الكأس وشكر وأعطاهم فشربوا منها كلهم.
وقال لهم: هذا هو دمي الذي للعهد الجديد،
الذي يسفك من أجل كثيرين” [22-24].
ماذا يعني بقوله فيما يأكلون إلا أنه بعدما أكلوا الفصح اليهودي قدم الفصح الجديد، وقد سبق الرمز المرموز إليه. قدم أولاً الفصح الناموسي حتى لا يُحسب كسرًا للناموس، ثم انطلق بهم إلى الفصح الحق: جسده ودمه المبذولين من أجل العالم كله!
يقول الأب ميليتو من ساردس: [وتحقق سرّ الفصح في جسد الرب… فقد أُقتيد كحمل، وذبح كشاه، مخلصًا إيانا من عبودية العالم (مصر)، ومحررنا من عبودية الشيطان كما من فرعون خاتمًا نفوسنا بروحه، وأعضاءنا الجسدية بدمه… إنه ذاك الواحد الذي خلصنا من العبودية إلى الحرية ومن الظلمة إلى النور، ومن الموت إلى الحياة ومن الطغيان إلى الملكوت الأبدي… إنه ذاك الذي هو (الفصح) عبور خلاصنا… هو الحمل الصامت الذي أخذ من القطيع وأُقتيد للذبح في المساء، ودُفن بالليل… من أجل ذلك كان عيد الفطير مرًا، كما يقول كتابكم المقدس: تأكلون فطيرًا بأعشاب مرة، مّرة لكم هي المسامير التي استخدمت، مّر هو اللسان الذي جدف، مّرة هي الشهادة الباطلة التي نطقتم بها ضده[10].]
قدم السيد جسده ودمه المبذولين لتلاميذه معلنًا لهم أنه مُقبل على الصليب بإرادته، وبخطته الإلهية ليهب مؤمنيه غفران الخطايا والإتحاد معه… هذه العطية هبة قائمة عبر العصور تتمتع بها كنيسة المسيح، وتتقبلها من يدّي المخلص نفسه. في هذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [حتى الآن المسيح الملاصق لنا الذي أعد المائدة هو بنفسه يقدسها. فإنه ليس إنسان يحول القرابين إلى جسده ودمه، بل المسيح نفسه الذي صُلب عنا. ينطق الكاهن بالكلمات، لكن التقديس يتم بقوة الله ونعمته. بالكلمة التي نطق بها: “هذا هو جسدي” تتقدس القرابين[11].]
ويقول القديس أمبروسيوس: [المسيح هو بعينه الذي يعلن خلال الكاهن هذا هو جسدي[12].]
إذ سلمهم السيد هذا السرّ العظيم قال لهم: “الحق أقول لكم أني لا أشرب بعد من نتاج الكرمة إلى ذلك اليوم حينما أشربه جديدًا في ملكوت الله” [25]. وقد سبق لنا تفسير هذه العبارة في دراستنا لسفر اللاويين (10: 9) حيث رأينا السيد يشرب نتاج الكرمة أي يفرح حين يكمل المختارون في ملكوت الله.
يختم الإنجيلي حديثه عن سرّ الإفخارستيا بقوله:
“ثم سبحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون” [26].
إذ قدم السيد المسيح جسده ودمه مبذولين عن خلاص الآخرين، ذبيحة حب فريدة، سبح مع تلاميذه ربما بتسابيح الفصح المفرحة، معلنًا أن العلية قد امتلأت فرحًا وحمدًا لله. أقول إن عليتنا الداخلية تمتلئ بالفرح الإلهي وبالتسابيح الفائقة إن قبلت في داخلها مسيحها المصلوب، وإن حملت سماته فيها. بمعنى آخر كلما قدم حياته الداخلية مبذولة بالحب من أجل الآخرين في المسيح يسوع، امتلأت حياته تسبيحًا لا بالفم واللسان فحسب، وإنما تتحول كل أعضاء جسده وأحاسيسه وأعماق نفسه إلى قيثارة في يدي الروح القدس، ينشد عليها ربنا يسوع نفسه تسابيح فصحه وصليبه، يتقبلها الآب سيمفونية سماوية مبهجة. وعلى العكس كلما تقوقع الإنسان حول ذاته يطلب ما لنفسه. مهما حفظ من تسابيح ونطق بترانيم يملأ الضيق نفسه ويحطم اليأس رجاءه.
الآن إذ قدم السيد جسده ودمه المبذولين لتلاميذه ليحملوا حياته المبذولة فيهم ويسلكوا حاملين صليبه، وهبهم أن يسبحوا بفرحه ويبتهجوا بخلاصه، ثم انطلق بهم “إلى جبل الزيتون”.
لعله أخرجهم إلى جبل الزيتون، الجبل الذي قلنا قبلاً قد ارتبط بالمسيا، إذ هو ممسوح لا بزيت بل بروحه القدوس لخلاصنا. حملهم إلى جبل ليشاركوه عمله، خاصة في أمور ثلاثة:
أولاً: في بكائه على أورشليم وتنهده من أجلها حين جلس على جبل الزيتون متطلعًا إلى المدينة وهو يقول “يا أورشليم، يا أورشليم، يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها، كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها ولم تريدوا”. إنه يطلبنا أن نجلس معه نتأمل البشرية الساقطة لنئن بالدموع من أجل كل نفس لعلها ترجع وتقبل احتضان الرب بصليبه.
ثانيًا: في جبل الزيتون في ضيعة جثسيماني [32] دخل السيد كما في لقاء مع الآب يتسلم كأس الصليب من يديه مع مرارته الشديدة. وكأن السيد يريدنا لا أن نقف عند التنهدات والصرخات، وإنما يلزم أن نحني رؤوسنا معه لنحمل صليبنا العملي من يدي الآب، فيكون لنا دورنا الإيجابي في خدمة الملكوت خلال الصليب.
ثالثًا: على جبل الزيتون جلس السيد المسيح مع بعض تلاميذه حين أروه الأبنية العظيمة التي للهيكل (مت 24: 13) فأعلن لهم أنه لا يُترك حجر على حجر إلا وينقض، محدثًا إياهم عن علامات مجيئه، وكأنه أراد أن يسحب قلوبهم من الخدمة الظاهرية إلى خدمة اللقاء مع ربنا يسوع. وبالفعل على ذات الجبل أخذ تلاميذه، وهناك باركهم وصعد، وجاء الملاك يبشرهم أنه كما صعد هكذا من المشارق أيضًا يعود من المشارق.
نستطيع أن نقول أن خروجنا مع ربنا يسوع المسيح على جبل الزيتون، إنما لكي نمارس معه محبته لشعبه، ونمد يدنا للعمل الإيجابي لحساب ملكوته، ونترقب على الدوام هدم هيكل إنساننا القديم والتمتع بالهيكل الأبدي، أو حلول السيد المسيح المستمر حتى يأتي على السحاب ليحمل الكنيسة كلها معه عروسًا له.
إعلانه عن شك التلاميذ فيه
إذ قدم السيد المسيح جسده ودمه المبذولين لتلاميذه وأعلن لهم عن موته وعن خيانة واحدٍ منهم له لم يخلق جوًا من الكآبة والضيق، بل فتح ألسنتهم للتسبيح معه، وكأنه يستقبل أحداث آلامه وصلبه بفرح. وها هو ينطلق بهم إلى البستان معه ليحمل بمفرده كأس الآلام عن البشرية كلها. وقبل وصوله إلى ضيعة جثسيماني صارح تلاميذه: “كلكم تشكون في هذه الليلة” [27].
يصعب جدًا أن نسجل ما آلت إليه نفسية تلاميذه بعد هذا الإعلان الإلهي، فإنه خبر كفيل بتحطيمهم تمامًا، لكن السيد المسيح لم يتركهم يسترسلون في أفكارهم حتى لا ينهاروا تحت ثقل اليأس، لكنه قدم لهم عونًا، فمن جانب أبرز لهم شدة الموقف حيث تنبأ عنهم زكريا النبي (13: 7) “لأنه مكتوب إني أضرب الراعي فتتبدد الرعية“، كما كشف لهم عن رجوعهم إليه وعن لقائهم مرة أخرى بعد قيامته: “لكن بعد قيامي أسبقكم إلى الجليل” [28]. لقد أعلن لهم أن ما يحدث هو بتدبيرٍ إلهيٍ، فمن جهة يضرب الآب الابن الذي حمل خطايانا وقبل الموت في جسده عوضًا عنا، يضربه بسقوطه تحت الحكم الذي كان ضدنا، فلا يحتمل التلاميذ هذا المنظر، لكنه يقوم فيجتذب مؤمنيه في الجليل.
يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [يقول الآب: “أضربالراعي” إذ سمح له أن يُضرب. وقد دُعى التلاميذ رعية (غنمًا) بسبب براءتهم، وأنهم لا يرتكبون جريمة. وأخيرًا يعزيهم بقوله: “بعد قيامي أسبقكم إلى الجليل”.]
في إنجيل معلمنا لوقا (22: 31) أبرز السيد شدة الحرب التي تواجه التلاميذ وهم لا يدرون، إذ قال “سمعان، سمعان، هوذا الشيطان طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة، ولكني طلبت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك”. أما بطرس فحسب أنه قادر أن يثبت إن شك الجميع في المعلم، إذ قال: “وإن شك الجميع فأنا لا أشك. فقال له يسوع: الحق أقول لك أنك في هذه الليلة قبل أن يصيح الديك مرتين تنكرني ثلاث مرات. فقال له بأكثر تشديد: ولو اضطررت أن أموت معك لا أنكرك. وهكذا قال أيضًا الجميع” [29-31].
بلا شك ظن بطرس الرسول في محبته الشديدة للرب وغيرته أنه قادر أن يقف معه حتى الموت، ولكن ما لم يعرفه بطرس عن نفسه يعرفه الرب عنه. فإن بطرس مع محبته وغيرته ضعيف، ويحتاج لا أن يشهد عن نفسه أنه قوي، بل في تواضع يطلب معونة الله كي تسنده. يقول القديس كيرلس الكبير: [قدم بطرس في حرارة غيرته إقرارًا بالثبات والاحتمال حتى النهاية، قائلاً أنه يقابل أهوال الموت بشجاعة ولا يبالي بالقيود، لكنه في هذا أخطأ عن الصواب. كان يليق به إذ أخبره المخلص أنه سيضعف شاكًا فيه ألا يعترض هكذا علانية، إذ لا يكذب “الحق”، بل بالحري كان يليق أن يطلب منه القوة لينزع هذا الألم أو يخلصه سريعًا من السقطة… ليتنا إذن لا نفكر في أنفسنا بطريقة متكبرة حتى أن رأينا في أنفسنا أننا نتميز بالفضائل، بل بالحري لنقدم للمسيح تسابيح الشكر، لأنه يخلصنا ويهبنا حتى الرغبة للعمل الصالح[13].]
أما بالنسبة لصياح الديك فلم يذكر الإنجيلي متى عدد مرات صياحه، إنما ذكر الإنجيل مرقس أنه قبل أن يصيح الديك مرتين ينكره بطرس ثلاث مرات. لذلك يرى كثير من الدارسين أن بطرس أنكر مرة ثم صاح الديك، وأنكر مرتين أخريين فصاح الديك للمرة الثانية.
ما هو هذا الديك الذي صاح مرتين؟ ولماذا أنكر بطرس ثلاث مرات؟ لعل الديك يشير إلى الروح القدس الذي “يبكت العالم على الخطية” (يو 16: 8)، صاح في العهد القديم ولم يستجب أحد لصيحته، وصاح في العهد الجديد فبكت شعوبًا وأممًا لترجع إلى الرب الذي أنكرته. أما إنكار بطرس ثلاث مرات فعلامة ما فعله العالم بالله، إذ جحده ثلاث مرات، أي جحود بالفكر كما بالقول والعمل، جحودًا عن إصرار ومعرفة، ومع ذلك يستطيع الروح القدس أن يرده عن جحوده، ويلتقي به مع نظرات السيد المسيح، فينسحق القلب في الداخل ليبكي الإنسان مع بطرس بكاءً مرًا.
في نص منسوب للقديس جيروم: [من هو هذا الديك الذي يبشر بقدوم النهار إلا الروح القدس، فبصوته في النبوة وفي الرسل قمنا من إنكارنا لله الثلاثي، نبكي بمرارة على سقوطنا، إذ فكرنا شرًا في الرب، وتحدثنا بالشر على أقربائنا، وفعلنا شرًا لأنفسنا![14]]
إن كنا قد جحدنا الرب ثلاث مرات بالفكر والقول والعمل، جحدناه ثلاث مرات إذ أخطأنا في حقه الإلهي وحق أقربائنا وحق أنفسنا، ليت روح الله يصيح في آذاننا مرتين بإعلاناته لنا خلال الأنبياء والرسل حاملاً إيانا ربنا يسوع المصلوب، نبكي على خطايانا ونعلن صدق توبتنا وشوقنا للرجوع إليه والثبات فيه أبديًا!
ذهابه إلى جثسيماني
إذ أعلن السيد المسيح لتلاميذه عن كل شيء انطلق بهم إلى البستان يحمل كأس الألم، إذ يقول الإنجيلي:
“وجاءوا إلى ضيعة اسمها جثسيماني،
فقال لتلاميذه: اجلسوا ههنا حتى أصلي.
ثم أخذ معه بطرس ويعقوب ويوحنا،
وابتدأ يدهش ويكتئب.
فقال لهم: نفس حزينة جدًا حتى الموت.
امكثوا هنا واسهروا” [32-34].
“جثسيماني” كلمة أرامية تعني “معصرة الزيت” (مت 26: 36)، كانت بستانًا فيه أشجار الزيتون ومعصرة لعصره، يقع البستان شرق أورشليم على السفح الغربي من جبل الزيتون (لو 22: 39) وبينه وبين أورشليم وادي قدرون (يو 18: 1)، “وكان يهوذا مسلمه يعرف الموضع، لأن يسوع اجتمع هناك كثيرًا مع تلاميذه” (يو 18: 2؛ لو 22: 39).
إن كانت البشرية قد فقدت سرّ حياتها وبهجتها وسلامها خلال عصيان آدم الأول في البستان، ففي البستان دخل آدم الثاني كما إلى معصرة زيت (جثيسماني)، ليعتصر بالألم من أجل البشرية، ويرد بطاعته للآب حتى الموت ما سبق ففقدته.
أخذ معه تلاميذه الثلاثة الذين كانوا معه في لحظات التجلي، حتى إذ يروه يدهش ويكتئب، ودموعه تتقاطر كالدم، يدركوا حقيقة تأنسه ودخوله تحت الآلام دون أن يتعثروا، فقد رأوه في تجليه ومجده.
دخل بتلاميذه إلى البستان ليقدم نفسه مثلاً حيًا عمليًا عن حياة الصلاة والسهر خلال الضيق، لذلك قال لهم: “اجلسوا ههنا حتى أصلي”، كما أوصاهم “امكثوا هنا واسهروا”. كما علمنا مجابهة الموت بلا خوف، والتسليم الكامل بين يدي الآب السماوي، إذ يقول الإنجيلي:
“ثم تقدم قليلاً، وخرّ على الأرض،
وكان يصلي لكي تعبر عنه الساعة إن أمكن.
وقال: يا أبّا الآب كل شيء مستطاع لك،
فأعبر عني هذه الكأس،
ولكن ليكن لا ما أريد أنا بل ما تريد أنت” [35-36].
كتب القديس يوحنا الذهبي الفم مقالاً عن “إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس” سبق لي ترجمته ونشره[15]، جاء فيه:
أولاً: لا يمكن القول بأن السيد المسيح كان يجهل إن كان ممكنًا أن تعبر عنه الكأس أم لا، بقوله “إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس”. [المعرفة الخاصة بآلامه ليست أعظم من المعرفة الخاصة بجوهر طبيعته، الأمر الذي هو وحده يعرفه تمام المعرفة وبدقة، إذ يقول “كما أن الآب يعرفني وأنا أعرف الآب“ (يو 10: 15). ولماذا أتكلم عن ابن الله الوحيد، فإنه حتى الأنبياء يبدو أنهم لم يجهلوا هذه الحقيقة (أي آلام المسيح وصلبه) بل عرفوها بوضوح، وقد سبق أن أعلنوا عنها قبلاً مؤكدين حدوثها تأكيدًا قاطعًا.]
ثانيًا: لا يمكن فهم هذا القول: “إن أمكن أن تعبر عني هذه الكأس” بمعنى الرغبة في الهروب من الصليب. [لقد دعا (بطرس) ذاك الذي وُهب إعلانًا من الآب وقد طوّبه ووهبه مفاتيح ملكوت السماوات، دعاه “شيطانًا”، ودعاه “معثرة”، واتهمه أنه لا يهتم بما لله… هذا كله لأنه قال له: “حاشاك يا رب لا يكون هذا لك” أي لا يكون لك أن تصلب. فكيف إذن لا يرغب في الصليب، هذا الذي وبخ التلميذ وصبّ عليه هذا القدح إذ دعاه شيطانًا بعدما كان قد مدحه، وذلك لأنه طلب منه أن يتجنب الصليب؟ كيف لا يرغب في الصليب ذاك الذي رسم صورة للراعي الصالح معلنًا إياها كبرهان خاص بصلاحه، وهي بذله لنفسه من أجل خرافه، إذ يقول “أنا هو الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف“ (يو 10: 11)… انظر كيف يُعجب منه بسبب إعلانه هذا “أنه يبذل نفسه”، قائلاً: “الذي كان في صورة الله لم يُحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه، آخذًا صورة عبد، صائرًا في شبه الناس، فإذ وُجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه، وأطاع حتى الموت موت الصليب” (في 2: 6-8)؟ وقد تكلم عن نفسه مرة أخرى فقال… “لهذا يحبني الآب لأني أضع نفسي لآخذها أيضًا” (يو 10: 17)… وكيف يقول الرسول بولس مرة أخرى: “واسلكوا في المحبة كما أحبنا المسيح أيضًا، وأسلم نفسه لأجلنا” (أف 5: 2)؟. وعندما اقترب السيد المسيح من الصلب قال بنفسه: “أيها الآب قد أتت الساعة، مجد ابنك” (يو 17: 10). لقد تكلم هنا عن الصليب كمجد، فكيف يستعفي عنه، وها هو يستعجله؟]
ثالثًا: أن هذه العبارة قد سجلها لنا الإنجيلي لتأكيد تجسده ودخوله فعلاً تحت الآلام. [لهذا السبب أيضًا كانت قطرات العرق تتدفق منه، وظهر ملاك ليقويه، وكان يسوع حزينًا ومغتمًا، إذ قبل أن ينطق بتلك الكلمات (ليس كما أريد أنا، بل كما تريد أنت) قال: “نفسي حزينة جدًا حتى الموت“. فإنه بعد هذا كله قام الشيطان بتكلم على فم كل من مرقيون الذي من بنطس وفالنتينوس وماني الذي من فارس وهراطقة كثيرين، محاولين إنكار تعاليم التجسد، ناطقين بكلمات شيطانية، مدعين انه لم يأخذ جسدًا حقيقيًا، ولا التحف به إنما كان له جسد خيالي وهمي… لقد أعلن المشاعر البشرية الحقيقية بوضوح، تأكيدًا لحقيقة تجسده وتأنسه.]
رابعًا: بجانب تأكيده للتجسد قدم لنا نفسه مثالاً عمليًا بهذا التصرف الحكيم. [هناك اعتبار آخر لا يقل عنه أهمية… وهو أن السيد المسيح جاء على الأرض، راغبًا في تعليم البشرية الفضائل، لا بالكلام فقط وإنما بالأعمال أيضًا. وهذه هي أفضل وسيلة للتدريس… إنه يقول: “من عمل وعلّم فهذا يُدعى عظيمًا في ملكوت السموات” (مت 5: 19)… لقد أوصى (تلاميذه) أن يصلوا: “لا تدخلنا في تجربة”، معلمًا إياهم هذه الوصية عينها بوضعها في صورة عملية، قائلاً: “يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس”. هكذا يعلم كل القديسين ألا يثبتوا بأنفسهم في المخاطر، غير ملقين أنفسهم بأنفسهم فيها… فماذا؟ حتى يعلمنا تواضع الفكر، وينزع عنا حب المجد الباطل… صلى كمن يعلم الصلاة، ولكي نطلب ألا ندخل في تجربة” ولكن إن لم يسمح الله بهذا، نطلب منه أن يصنع ما يحسن في عينيه، لذلك قال: “ولكن ليس كما أنا أريد بل كما تريد أنت”، ليس لأن إرادة الابن غير إرادة الآب، إنما لكي يعلم البشر أن يقمعوا إرادتهم في إرادة الله ولو كانوا في ضيق أو اضطراب، حتى وإن أحدق بهم الخطر، ولو لم يكونوا راغبين في الانتقال من الحياة الحاضرة.]
يحدثنا القديس أمبروسيوس عن سرّ حزن السيد المسيح القائل: “نفسي حزينة جدًا حتى الموت” [34] هكذا: [إني أعجب هنا بحنان الرب وعظمته، فلو لم تكن له مشاعري لنقصت إحساناته… سمح أن يتعب لضعفاتي! حمل حزني ليهبني سعادته! نزل حتى ألم الموت، ثم بدأ يرجعنا للحياة ثانية، وتألم لينتصر على الحزن. قيل عنه أنه رجل أوجاع ومختبر الحزن (إش 53: 3). لقد أراد أن يعلمنا، فقد سبق فعلمنا يوسف ألا نخاف السجن، وفي المسيح نتعلم كيف نغلب الموت… إنك تتألم يا رب لا بسبب جراحاتك، لا بسبب قوتك بل بسبب ضعفاتنا (إش 53: 4). نراك فريسة للألم، لكنك تتألم لأجلي، صرت ضعيفًا من أجل خطايانا (إش 53: 5). هذا الضعف ليس من طبعك لكنك أخذته لأجلي… ربما أيضًا حزن، لأنه منذ سقوط آدم كان خلاصنا الوحيد للخروج من هذا العالم هو بالضرورة “الموت”، ولما كان الله لم يخلق الموت ولا يشاء موت الخاطي مثلما يرجع وتحيا نفسه، يعز عليه أن يحتمل ما لم يخلقه[16].]
يكمل القديس أمبروسيوس تعليقه على حزن السيد المسيح مؤكدًا لن يدخل إلى لاهوته بل إلى النفس البشرية بكونه ابن الله المتأنس له نفس بشرية تشاركنا مشاعرنا. [في موضع آخر يقول: “الآن نفسي قد اضطربت“. إنه اضطراب النفس البشرية لأن اللاهوت غير قابل للألم… فالرب ليس حزينًا (باللاهوت) لكن نفسه حزينة. الحكمة ذاته ليس حزينًا (حسب اللاهوت) ولا الطبيعة الإلهية بل النفس. كان حزينًا لا بسبب الألم إنما بسبب تبديدنا، لذا قال: “اضْرِب الراعي فتتبدد خراف الرعية“ (مت 26: 35)… كان أيضًا حزينًا من أجل مضطهديه، فقد كان عارفًا أنه يفدي بالآلام خطاياهم… وقد قال: “يا أبتاه اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون” (لو 23: 34).]
يقدم لنا الأب ثيؤفلاكتيوس تعليلاً لحزن السيد بقوله: [يفهم البعض ذلك كما لو كان قد قال: إنني حزين ليس لأني أموت، وإنما لأن اليهود الذين هم من وطني يصلبونني، فيحرمون من ملكوت الله.]
يعلق أيضًا القديس أغسطينوس على حزن السيد المسيح بقوله: [ربما نطق السيد بهذه الكلمات لما تحويه من سرّ في داخلها، مظهرًا أنه قد وضع على عاتقه أن يتألم حسب جسده، أي حسب الكنيسة، التي صار لها رأس الزاوية والتي تأتي إليه بعض أعضائها من العبرانيين، والآخر من الأمم[17]]، وقد دلل القديس على ذلك بحديثه مع الآب قائلاً “يا أبّا الآب” [36]، فإن كلمة أبا Abba ترمز لليهود في علاقتهم بالله، وكلمة “الآب” ترمز للأمم في علاقتهم أيضًا بالله، إذ هو أب لليهود كما للأمم.
“ثم جاء ووجدهم نيامًا، فقال لبطرس:
يا سمعان أنت نائم، أما قدرت أن تسهر ساعة واحدة؟
اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة.
أما الروح فنشيط وأما الجسد فضعيف.
ومضى أيضًا وصلى قائلاً ذلك الكلام بعينه.
ثم رجع ووجدهم أيضًا نيامًا، إذ كانت أعينهم ثقيلة،
فلم يعلموا بماذا يجيبون.
ثم جاء ثالثة وقال: ناموا الآن واستريحوا، يكفي، قد أتت الساعة.
هوذا ابن الإنسان يُسلم إلى أيدي الخطاة.
قوموا لنذهب، هوذا الذي يسلمني قد اقترب” [37-42].
ويلاحظ في هذا النص الإنجيلي الآتي:
أولاً: سبق فأوصاهم السيد أن يسهروا ويصلوا، لكنهم لم يستطيعوا، ففي كل مرة يرجع إليهم السيد يجدهم نيامًا، بل “كانت أعينهم ثقيلة”… وفي المرة الأخيرة قال لهم: “ناموا الآن واستريحوا”.
السهر الذي طلبه السيد من تلاميذه ليس مجرد الامتناع عن النوم، وإنما يعني اليقظة الروحية والفهم الداخلي وإدراك أسرار الفداء. فقد مثّل التلاميذ البشرية التي لم تكن قادرة على السهر وإدراك أسرار العمل الإلهي، بالرغم من إرساله الرموز والنبوات لإيقاظها. لقد نام التلاميذ بعمق حتى كانت أعينهم ثقيلة رمزًا لحالة عدم الإيمان أو الجحود التي أصابت البشرية دون أن يتوقف الرب عن ممارسته أعمال محبته، وكما يقول الرسول: “ونحن أعداء صولحنا مع الله بموت ابنه“ (رو 5: 10).
أما قوله في المرة الثالثة: “ناموا الآن واستريحوا”، فلا يعني نوم الخمول والتراخي، إنما يعني التسليم الكامل في يدّي الله والراحة الداخلية، كما نام القديس بطرس الرسول في السجن (أع 12: 7)، وكما قيل: “يعطي حبيبه نومًا“ (مز 127: 2). وفي المرة الثالثة، إشارة إلى قيامته في اليوم الثالث، ننام نحن ونستريح إذ لا نخاف بعد الموت مادام الرب مات وقام لأجلنا.
ثانيًا: يسألهم السيد المسيح: “صلوا لئلا تدخلوا في تجربة”، فالمسيحي مهما بلغت قامته الروحية في تواضع لا يشتهي الدخول في تجربة، بل يسأل الرب ألا يسمح له بالدخول فيها، حتى متى حلت به التجربة استطاع بالرب ألا يسقط فيها، بل يرتفع فوقها، لا يفكر فيها، بل ينشغل بالمخلص نفسه!
ثالثًا: يقول “أما الروح فنشيط، وأما الجسد فضعيف”. فإن كانت أرواحهم قوية مستعدة أن تشهد له حتى الموت، لكن بسبب ضعف الجسد ينهارون، ما لم يسندهم الرب نفسه. يقول القديس جيروم: [بينما روحي قوية تقودني للحياة، إذ بجسدي ضعيف يسحبني للموت[18].]
في عتاب يقول لبطرس: “يا سمعان، أنت نائم، أما قدرت أن تسهر ساعة واحدة؟” وكأنه يقول له: أين هي غيرتك الشديدة ومحبتك الملتهبة ووعدك “ولو اضطررت أن أموت معك لا أنكرك“؟ إنك بسبب ضعف الجسد لم تستطع أن تقاوم النوم بل صارت عيناك ثقيلتين، فكيف تحتمل الموت لأجلي؟
القبض عليه
إذ دخل السيد المسيح إلى البستان ليتسلم كأس الألم من أجل البشرية كلها أعلن لتلاميذه: “قد أتت الساعة، هوذا ابن الإنسان يُسلم إلى أيدي الخطاة. قوموا لنذهب، هوذا الذي يسلمني قد اقترب” [41-42].
خرج إلى البستان حتى يسلم نفسه بالطاعة للقيود، فيفك الرباطات التي قيدت البشرية خلال عصيان آدم. في البستان جاء السيد إلى تلاميذه ثلاث مرات فيجدهم نيامًا، وكأنهم يمثلون البشرية الساقطة تحت ثقل الخطية بالفكر والقول والعمل أيضًا. من أجل هذه البشرية يتقدم السيد ليسلم نفسه للأشرار فينام على الصليب عوضًا عنهم! يقول القديس أغسطينوس: [قبضوا على ذاك الذي يمكنهم أن يتحرروا من ربطهم. ولعله كان من بينهم من استهزأ به، لكن منهم أيضًا من خلص بواسطته، هؤلاء يقولون: “قد حللت ربطي” (مز 116: 16).]
“وللوقت فيما هو يتكلم أقبل يهوذا واحد من الإثني عشر،
ومعه جمع كثير بسيوف وعصى من عند رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ.
وكان مسلمه قد أعطاهم علامة قائلاً:
الذي أقبله هوهو، امسكوه وامضوا به بحرص.
فجاء للوقت وتقدم إليه قائلاً: يا سيدي يا سيدي، وقبَّله.
فألقوا أيديهم عليه وامسكوه.
فأستل واحد من الحاضرين السيف وضرب عبد رئيس الكهنة، فقطع أذنه” [43-47].
مرة أخرى إذ يتحدث عن يهوذا يؤكد أنه من الاثني عشر ليعلن عن بشاعة جريمته وتجاسره، خاصة وأنه جعل من “القبلة” علامة لتسليمه.
حقًا حينما سأل النبي بروح النبوة المسيّا المجروح: “ما هذه الجروح في يدك؟” (زك 13: 6)، أجاب في مرارة: “هي التي جرحت بها في بيت أحبائي“ (زك 13: 6).
يعلق القديس أمبروسيوس على عتاب السيد المسيح لتميذه: “يا يهوذا، أبقبلة تُسلم ابن الإنسان؟” (لو 22: 48)، قائلاً: [تعبير رائع عن القوة الإلهية، درس عظيم في الفضيلة! لقد كشف الخيانة ومع ذلك لم يبخل عنه بطول أناته عليه.
لقد أظهرت يا رب من هو الذي يسلمك وكشفت سره وأعلنت عمن يُسلّم أنه “ابن الإنسان“، وكأنك تقول: لأجلك أيها الخائن أخذت أنا هذا الجسد الذي تسلمه!… كأنه يعاتب الخائن في مشاعر كلها حنان: “يا يهوذا أبقبلة تسلم ابن الإنسان؟“ بمعني آخر: أتجرحني بعربون الحب؟ أتسفك دمي بعلامة الحب، وتسلمني للموت بعلامة السلام؟ وأنت الخادم تسلم سيدك، وأنت التلميذ تسلم معلمك وتخون جابلك؟ حقًا ينطبق هذا القول عن الخائن: “غاشة هي قبلات العدو“ (أم 27: 6)… وتقبل المسيح هذه القبلة لا عن رياء إنما ليظهر أنه لا يهرب من الخائن، فيزداد هلاك الخائن بعدم رفض السيد علامات الحب منه، فقد قيل: “ومع مبغضي السلام كنت صاحب السلام“ (مز 119: 6)[19].
في نص منسوب للقديس جيروم [أعطى يهوذا قبلة كعلامة، بغش مميت، كما قدم قايين تقدمة غاشة بغيضة.]
يعلق القديس كيرلس الكبير على تصرف يهوذا هذا بقوله:
[كثيرة هي الآلام (الخطايا) ومرة تلك التي تثير حربًا ضد نفس الإنسان، وتدخل معها في صراع لا يُحتمل، لتهوي بها إلى ممارسة أعمال دنيئة، أما أشر هذه الآلام فهي محبة المال، أصل كل الشرور، التي سقط في فخاخها العنيفة التلميذ الخائن، حتى قبل أن يصير خادمًا لغش الشيطان، ويكون أداة في أيدي رؤساء مجمع اليهود الأشرار في هياجهم ضد المسيح…
من أجل الدراهم التي بلا ثمن كّف عن أن يكون مع المسيح وفقد رجاؤه في الله وكرامته والأكاليل والحياة والمجد المعد لتابعي المسيح الحقيقيين وحقه أن يملك معه…
لقد أعطى لهؤلاء القتلة علامة، قائلاً: “الذي أقبله هو”. لقد نسي تمامًا مجد المسيح، وفي غباوته الكاملة ظن أنه يبقى متسترًا عندما يُقدم قبلة التي هي علامة الحب، بينما يحمل في قلبه خداعًا مرًا وشريرًا. فإنه حين كان في صحبة المسيح مخلصنا مع بقية الرسل في رحلاته، غالبًا ما سمعه يسبق فيخبرهم بالأمور المقبلة بكونه الله العالم بكل شيء، وقد سبق فأخبره عن عمل خيانته، إذ قال للرسل القديسين: “الحق أقول لكم إن واحدًا منكم يسلمني”. كيف إذن تبقى نيته مخفية؟ لا، بل كانت الحية في داخله تصارع الله، كان مسكنًا للشيطان، إذ قال أحد الإنجيليين أنه إذ كان متكئًا على المائدة مع بقية التلاميذ وأعطاه المخلص لقمة غمسها في الصحفة “دخله الشيطان[20]“.]
قدم يهوذا قبلة مملوءة غشًا أمام الجمع الكثير حاملي السيوف والعصي، وكأنه بيوسف الذي باعه إخوته للغرباء… وقد حاول بطرس أن يدافع عن سيده فاستل سيفًا وضرب عبد رئيس الكهنة، فقطع أذنه… لكن السيد انتهره على ما ارتكبه، ولم يترك العبد في آلامه بل شفاه.
يقول القديس كيرلس الكبير [لا يريدنا أن نستخدم سيوفًا في مقاومة أعدائنا، بل بالحري نستخدم الحب مع التعقل، فنغلب مقاومينا بقوة. ويقدم لنا بولس تعليمًا مشابهًا بقوله: “هادمين ظنونًا وكل علو يرتفع ضد معرفة الله ومستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح“ (2 كو 10: 5). لأن الحرب من أجل الحق روحية، والسلاح اللائق بالقديسين هو عقلي ومملوء بمحبة الله. يليق بنا أن نلبس درع البرّ وخوذة الخلاص، وترس الإيمان وسيف الروح الذي هو كلمة الله (أف 6: 14-17)[21].]
ويقدم لنا القديس أمبروسيوس بعض التعليقات على قطع أذن العبد نذكر منها:
[ضرب بطرس عبد رئيس الكهنة، لكن الرب شفى الجراحات الدامية وأحل محلّها الأسرار الإلهية.
جُرح عبد رئيس هذا العالم وخادم قوات هذا الدهر… جُرح في أذنه لأنه لم ينصت لصوت الحكمة…
قطع بطرس الأذن ليعلم أن من ليس له الأذن الروحية لا يستحق أن تكون له حتى الأذن الملموسة. وقد أرجع الرب له الأذن مؤكدًا ما قاله إشعياء أن الشفاء ممكن بالتوبة حتى للذين جرحوا الرب في آلامه (إش 6: 10)…
لماذا قطع بطرس الأذن؟ لأنه أخذ مفاتيح ملكوت السماوات، هو يقطع وهو يحّل! أخذ سلطان الربط والحل، فيقطع أذن من يسمع رديًا بسيف روحي، يقطع الأذن الداخلية عن الفهم الخاطئ…
كثيرون يظنون أن لهم الآذان وهم بلا آذان. ففي الكنيسة يكون للجميع آذان، أما خارجها فلا يكون لهم[22].]
يكمل الإنجيلي حديثه عن القبض على السيد المسيح، هكذا:
“فأجاب يسوع وقال لهم:
كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصى لتأخذوني.
كل يوم كنت معكم في الهيكل أعلّم ولم تمسكوني،
ولكن لكي تكمل الكتب.
فتركه الجميع وهربوا.
وتبعه شاب لابسًا إزارًا على عريه فأمسكه الشبان.
فترك الإزار وهرب عريانًا” [48-52].
يرى القديس كيرلس الكبير أن في قوله هذا يؤكد لهم أنه كان يسهل عليهم بالأولى أن يمسكوه في الهيكل حين كان يُعَلِم كل يوم، لكنهم لم يفعلوا هذا إذ لم يكن بعد قد سمح لهم، فإن كان يسلم نفسه لهم الآن إنما بإرادته في الوقت الذي اختاره مناسبًا للصلب، لهذا قال لهم: “ولكن هذه ساعتكم وسلطان الظلمة“ [بمعنى أنكم قد منحتم وقتًا قصيرًا (ساعة) فيه يكون لكم سلطان عليّ. ولكن كيف أُعطي لكم هذا السلطان؟ وبأية وسيلة؟ بإرادة الآب المتفقة مع إرادتي. لقد أردت أن أخضع نفسي لآلامي من أجل خلاص العالم وحياته.
لكم ساعة ضدي، قليلة جدًا ومحدودة، هي ما بين أحداث الصليب الثمين والقيامة من بين الأموات. وهذا هو السلطان الذي أُعطى للظلمة، لكن “الظلمة” هو اسم الشيطان بكونه ليلاً دامسًا وظلمة، فيقول عنه الطوباوي بولس: “إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح“ (2 كو4: 4). إذن أُعطى للشيطان ولليهود السلطان أن يثوروا ضد المسيح، لكنهم حفروا لأنفسهم حفرة الهلاك[23].]
أما الشاب الذي هرب عريانًا فهو القديس مرقس كاتب الإنجيل جاء في نص منسوب للقديس جيروم: [كما ترك يوسف ثوبه وهرب عريانًا من المرأة الزانية، ليت من يريد الهروب من أيدي الأشرار ينزع من فكرة كل شيء ويهرب وراء المسيح.]
محاكمته دينيًا
إذ سلم السيد المسيح نفسه بين يدّي هؤلاء الثائرين ضده، اقتادوه إلى بيت رئيس الكهنة قيافا ليُحكم عليه دينيًا أنه مستوجب الموت.
كان قيافا رئيس كهنة ذلك العام، ويروي عنه يوسيفوس أنه اشترى هذا المركز من الحاكم الروماني، إذ كان هذا المنصب حسب الشريعة يتمتع به الشخص مدى الحياة إلا أن الدولة الرومانية في ذلك الوقت كانت تنصب رئيس الكهنة أو تعزله حسبما تشاء، وقد تنبأ عن عمل السيد المسيح الخلاصي وهو لا يدرى ، إذ يقول الإنجيلي يوحنا: “فقال لهم واحد منهم وهو قيافا، كان رئيسًا للكهنة في تلك السنة: أنتم لستم تعرفون شيئًا، ولا تفكرون أنه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها.
ولم يقل هذا من نفسه، بل إذ كان رئيسًا للكهنة في تلك السنة، تنبأ أن يسوع مزمع أن يموت عن الأمة، وليس عن الأمة فقط بل ليجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد“ (يو 11: 49-52). أما النبوة الثانية فلم تكن بالكلام بل بالتصرف إذ يقول الإنجيلي: “فمزق رئيس الكهنة ثيابه وقال: ما حاجتنا بعد إلى شهود؟” [63]… فقد أعلن نهاية الكهنوت اللاوي أو الموسوي بتمزيق ثيابه كرئيس كهنة! بينما لم يستطع حتى الجند الرومان أن يمزقوا ثوب المسيح في لحظات الصلب، مزق رئيس الكهنة اليهودي الأفود، ما كان يجب حسب الناموس ألا تمزق… فحكم لا على نفسه فقط بل وعلى نهاية الكهنوت اللاوي ككل!
بتمزيق ثيابه أعلن قيافا اشمئزازه من كلمات السيد المسيح التي حسبها تجديفًا، فحكم عليه الجميع أنه مستوجب الموت [64]، غير أنه لم يكن لهم أو لرئيسهم قوة التنفيذ، فأخذوا السيد إلى الحاكم الروماني (يو 18: 28) ليأمر بصلبه. هذا وقد اشترك قيافا بعد قيامة السيد المسيح في الحكم على القديسين بطرس ويوحنا (أع 4: 6)، وقد طرده الرومان من وظيفته عام 36م.
“فمضوا بيسوع إلى رئيس الكهنة،
فإجتمع معه جميع رؤساء الكهنة والشيوخ والكتبة.
وكان بطرس قد تبعه من بعيد إلى داخل رئيس الكهنة،
وكان جالسًا بين الخدام يستدفئ عند النار” [53-54].
كان يليق بدار رئيس الكهنة أن يكون كنيسة مقدسة تشهد للسيد المسيح أمام العالم، تسحب كل نفس للاقتراب إلى كلمة الله بلهيب الروح القدس الناري لتشبع من سرّ الحياة، لكنه خلال الحسد ومحبة العالم تحول داره إلى موضع للحكم على السيد المسيح بالموت. وعوض أن تقترب فيه النفوس إلى المسيّا المخلص بقي بطرس بعيدًا عن مخلصه. وعوض نار الروح القدس أُشعلت نار الشهوة الشريرة يستدفئ بها عبيد هذا العالم وخدامه.
إن كنا في مياه المعمودية قد صرنا جميعًا كهنة وملوكًا، نحمل الكهنوت العلماني أو العام الذي به يكون لنا ملء الدالة للوقوف أمام الآب في ابنه، ونقدم ذبائح الحمد والتسبيح في قلوبنا كما على مذبح الرب الداخلي. لقد تمتعنا بالروح القدس الناري بسرّ المسحة المقدسة “الميرون”، فليتنا لا نسلم دارنا الداخلي لعدو الخير، وعِوَض تجلي الرب فيه يُحكم عليه كما بالصليب ثانية، وعوض النار السماوية المقدسة تشتعل نيران الخطية القاتلة (هو 7: 4). بهذا يصير بطرسنا الداخلي بعيدًا عن الرب، يجالس خدام هذا العالم، ويستدفئ بنارهم الشريرة، فينكر سيده مرة ومرات بقسمٍ!
بحث رئيس الكهنة وكل المجمع عن شهود ضد يسوع ليحكموا عليه بالموت، لكن شهادتهم لم تتفق معًا [55-56]، كأنهم بامرأة فوطيفار التي اشتهت أن تسلم يوسف للموت بشهادة زور.
وُجه للسيد المسيح إتهامان هما:
الاتهام الأول: “نحن سمعناه يقول إني أنقض هذا الهيكل المصنوع بالأيادي وفي ثلاثة أيام أبني آخر غير مصنوع بأيادٍ” [58]. هذا الاتهام في حقيقته يحمل شهادة زور، فإنه لم يقل “إني انقض هذا الهيكل”، بل قال “انقضوا“، كما لم يقل: “هذا الهيكل مصنوع بالأيادي” بل “هذاالهيكل” إذ كان يتحدث عن هيكل جسده. لقد فهموا الكلمات بغير معناها الحقيقي، لكن هذه الشهادة على أي الأحوال بالرغم من بطلانها أكدت حديثه عن موته وقيامته في اليوم الثالث، فصارت ركيزة حية للكرازة بعد قيامته.
الاتهام الثاني: حين أجاب السيد على رئيس الكهنة الذي سأله: “أأنت المسيح ابن المبارك؟” [61]، “قال يسوع: أنا هو، وسوف تبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوة، وآتيًا في سحاب”، لم يحتمل رئيس الكهنة الإجابة فمزق ثيابه، وقال: “ما حاجتنا بعد إلى شهود؟ قد سمعتم بالتجاديف” [63-64].
كان الاتهام الأول معتمدًا على شهادة زور، أما الاتهام الثاني فاعتمد على جهل مطبق وعدم إدراك لكلمات السيد المسيح نفسه. تعثر المجمع بالشهادة الأولى الخاصة بهدم هيكل جسده وقيامته، ولم يحتمل أن يسمع عن مجد ابن الله في السماء ومجيئه الأخير، وحسبوا هذا تجديفًا يستوجب الموت. لعلهم بالاتهام الأول حسبوه محطمًا للناموس، إذ يريد نقض الهيكل، مقللاً من شأنه، بقوله أنه مصنوع بالأيادي، وبالاتهام الثاني حسبوه مجدفًا.
يقول الإنجيلي: “أما هو فكان ساكتًا، ولم يجب بشيء” [61]. ويقول القديس أغسطينوس إنه كان صامتًا أثناء محاكمته في أكثر من موقف، تارة أمام رئيس الكهنة، وأخرى أمام بيلاطس، وثالثة أمام هيرودس. ففيه يتحقق القول: “لم يفتح فاه، كشاه تـُساق إلى الذبح“ (إش 53: 7)، كما يقول: شُبّه بالحمل حتى يُحسب في صمته بارًا غير مذنب. لذلك إذ اجتاز المحاكمة لم يفتح فاه، وقد فعل هذا كحمل، بمعنى أنه لم يكن شخصيًا ذي ضمير شرير ارتكب خطايا، بل في وداعته قُدم ذبيحته عن خطايا الآخرين[24].
لقد ثار رئيس الكهنة وغضب بسبب صمت السيد، قائلاً: “أما تجيب بشيء؟ ماذا يشهد به هؤلاء عليك؟ [60]، غير أن السيد لم يهدف بصمته أن يُثير أحدًا، إنما صمت لأنه يعرف أنهم لا ينتفعون بكلماته، بل يطلبون فيها فرصة يمسكونها عليه، فصمت لعلهم يراجعون أنفسهم فيما يفعلون. في صمته صمت من أجل الحب، وحينما تحدث تكلم بكلمات قليلة معلنًا حقيقة شخصه حتى لا يكون لهم عذر فيما يصنعونه. بمعنى آخر إن صمت أو تكلم يفعل ذلك بدافع الحب لا المقاومة أو الانتقام.
سأله رئيس الكهنة: “أأنت المسيح ابن المبارك؟” بمعنى “أأنت ابن الله؟” فأجاب السيد ملقبًا نفسه “ابن الإنسان”، معلنًا أنه ابن المبارك المتأنس، مؤكدًا أن تأنسه لا يفصله عن الآب، ولا ينزع عمله الإلهي كديان يأتي في سحاب السماء، ويظهر جالسًا عن يمين القوة، أي يمين الآب.
أخيرًا إذ حكم الجميع أنه مستوجب الموت بقى في الدار حتى الصباح يحتمل الإهانات، إذ يقول الإنجيلي: “فابتدأ قوم يبصقون عليه، ويغطون وجهه ويلكمونه، ويقولون له تنبأ، وكان الخدام يلطمونه” [65]. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إني أفخر بهذه الأمور، ليس فقط أنه أقام آلاف الموتى، وإنما احتمل هذه الآلام[25].] ويقول القديس كيرلس الكبير: [هذا الذي هو نسمة كل الأرواح المقدسة في السماوات يُحتقر كواحدٍ منا، محتملاً اللطمات بصبرٍ، خاضعًا لسخرية الأشرار، مقدمًا نفسه لنا في كمال طول الأناة، أو بالحري معلنًا وداعته الإلهية العظيمة التي لا تُقارن… لقد سخروا به كمن هو إنسان جاهل مع أنه واهب كل المعرفة، وناظر للخفيات فينا[26].]
إنكار بطرس
يروي لنا الإنجيلي مرقس كيف تحقق قول الرب لبطرس: “قبل أن يصيح الديك مرتين، تنكرني ثلاث مرات”:
أ. في الدار أسفل أنكر بطرس أمام أحد جواري رئيس الكهنة بينما كان يستدفئ.
ب. أنكر للمرة الأولى خارج الدهليز، وصاح الديك، ثم أنكر للمرة الثانية أمام الحاضرين حين أكدت الجارية أنه منهم.
ج. إذ قال له الحاضرون: “حقًا أنت منهم لأنك جليلي أيضًا، ولغتك تشبه لغتهم” أنكر للمرة الثالثة، حيث ابتدأ يلعن ويحلف أني لا أعرف هذا الرجل الذي تقولون عنه، ثم صاح الديك للمرة الثانية فتذكر كلمات السيد المسيح وبكى.
ويلاحظ في هذه الأحداث التالي:
أولاً: يعلق القديس أمبروسيوس على الموضع الذي فيه أنكر بطرس والظروف المحيطة به، فيقول:
[تبعه بطرس من بعيد فأنكره، ولما اتحد بالرب يسوع واقترب منه جدًا لم ينكره…
كان في دار رئيس الكهنة نار متقدة واقترب بطرس يستدفئ، فقد فترت حرارة الروح في بطرس لأن الرب كان سجينًا…
أين أنكر بطرس؟ لم ينكره على الجبل ولا في الهيكل ولا في البيت وإنما في دار اليهود، في منزل رئيس الكهنة، في الموضع الذي لا يوجد فيه الحق حيث سُجن يسوع!…
لنتأمل في حال بطرس وهو يخطئ، فقد كان باردًا، ربما ليس بسبب الطقس، لكن لأن الجو (الروحي) كان باردًا في هذا الموضع الذي لا يعترف بالرب يسوع، الموضع الذي لا يرى فيه إنسان نورًا… كان البرد يمس الروح لا الجسد لذلك وقف بطرس يصطلي إذ كان قلبه يرتعش[27].]
ليت بطرس الداخلي لا يدخل بعد مثل هذا الدار، ليعيش بروح بارد غير ملتهب بالروح الإلهي، فيطلب نارًا من العالم للدفء، لئلا يجحد سيده، ويفقد قلبنا الملكوت الأبدي.
ثانيًا: يقول الإنجيلي أن بطرس كان في الدار أسفل حين أنكر في المرة الأولى، ولم يستطع أن يعترف أمام جارية، بينما حينما ارتفع فيما بعد على السطح (أع 10: 11) انفتحت عيناه لتنظر رؤيا إلهية وينطلق لا ليشهد أمام جارية بل يكرز بين الأمميين (كرنيليوس وأهل بيته). بمعنى آخر حين يكون بطرس في الدار أسفل يطلب الزمنيات ويستدفئ بنار محبة العالم أو شهوة الجسد، لكنه حين يكون مرتفعًا كما على السطح يرى العلويات ويلتهب بنار الروح القدس.
ثالثًا: رأينا أن صياح الديك للمرة الثانية الذي ذكرّ بطرس بكلمات سيده فبكى نادمًا، يشير إلى عمل الروح القدس في العهد الجديد “الذي يبكت العالم على خطية“ (يو 16: 8)، والذي يذكرنا بكل ما قاله لنا السيد (يو 14: 26).
غير أن معلمنا لوقا البشير يقدم لنا سببًا آخر لتوبة بطرس، إذ يقول: “وفي الحال بينما هو يتكلم صاح الديك، فالتفت الرب ونظر إلى بطرس، فتذكر بطرس كلام الرب“ (لو 22: 60-61)، فإن كان صياح الديك يشير إلى عمل الروح القدس لتبكيت القلب وتذكيره بكلمات الرب، فإن التفات السيد المسيح ونظره إلى بطرس يدفع إلى التوبة المملوءة رجاء!
في هذا يقول القديس أمبروسيوس: [حسنة هي الدموع التي تغسل الخطية! من يلتفت إليهم الرب وينظر يبكون، فإن بطرس أنكر أولاً ولم يبكِ، لأن الرب لم يلتفت ولا نظر إليه. أنكر للمرة الثانية ومع هذا لم يبكِ… وفي المرة الثالثة أنكر أيضًا وإذ التفت إليه يسوع ونظره عندئذ بكى بمرارة… لا نستطيع القول بأنه (مجرد) التفت إليه بعينيه الجسديتين ونظر إليه في عتاب منظور واضح، إنما تحقق هذا داخليًا في الذهن والإرادة… تلامس معه الرب برحمته في صمت وسرية، فذكره بنعمته الداخلية، مفتقدًا بطرس وحاثًا إياه، مقدمًا له دموعًا ظاهرة تعبر عن مشاعر الإنسان الداخلي. أنظر بأية طريقة الله حاضر بمعونته ليسندنا في الإرادة والعمل، يعمل فينا أن نريد وأن نعمل[28].]
كما يقول في موضع آخر: [أنظر إلينا يا ربنا يسوع لنعرف البكاء على خطايانا[29].]
[17] القديس أغسطينوس: اتفاق البشائر 3: 4. [راجع أيضًا أقوال بعض الآباء مثل القديس كيرلس الكبير في سرّ حزن السيدالمسيح، في كتابنا: الإنجيل بحسب متى، ص536-537.]
تفسير انجيل مرقس 13 الأصحاح الثالث عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي
تفسير انجيل مرقس 13 الأصحاح الثالث عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي
تفسير انجيل مرقس 13 الأصحاح الثالث عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي
الأصحاح الثالث عشر
علامات المنتهى
دخل السيد المسيح إلى أورشليم ليعلن حبه لنا عمليًا بالصليب، لكي يدخل بنا إلى أورشليمه السماوية وينعم علينا بأمجاده الأبدية.
في الأصحاحات السابقة تلمسنا عمل السيد المسيح الذي جاء ليهدم الإنسان القديم الترابي، ويقيم فينا الإنسان الجديد الروحي الذي على صورة خالقه. بنفس الروح إذ يتحدث عن مجيئه الأخير يكشف عن هدم الأبنية القديمة لننعم ببناء أبدي غير مصنوع بيد. أما علامات المنتهى الواردة هنا، فقد سبق شرحها خلال فكر الآباء عند دراستنا لإنجيل متى (ص 24)، وقد جاءت هنا بذات الترتيب والفكر:
هدم الهيكل القديم1-2.
ظهور مسحاء كذبة3-6.
قيام حروب وحدوث كوارث7-8.
حدوث مضايقات9-13.
رجسة الخراب14.
وصايا للدخول في الملكوت15-18.
الضيقة العظمى19-20.
ظهور أنبياء كذبة21-23.
انهيار الطبيعة24-25.
مجيء ابن الإنسان26-27.
مثل شجرة التين المخضرة28-29.
تأكيد مجيئه30-31.
عدم معرفة الساعة32.
الدعوة للسهر33-37.
مقدمة
جاء هذا الحديث الخاص بعلامات المنتهى في جلسة خاصة للسيد مع تلاميذه وحدهم، في لقاء هادىء بعد دخوله أورشليم وتطهيره الهيكل ولعن شجرة التين، خاصة وأن أحداث الآلام والصلب كانت قد اقتربت جدًا، فما غاية هذا الحديث؟
يمكننا أن نتعرف على غاية هذا الحديث الودي من خلال قراءات يوم الثلاثاء من البصخة المقدسة (أسبوع الآلام)، حيث ركزت الكنيسة نظر أولادها في هذا اليوم على مجيء السيد المسيح الأخير.
أولاً: لعل ما يلفت نظرنا في قراءات الساعة الأولى من هذا اليوم ما أعلنه الله في سفر الخروج (ص19) أنه حمل شعبه كما على أجنحة النسور لا لينقلهم من أرض العبودية وينطلق بهم إلى أرض الموعد، بل ينقلهم إليه هو شخصيًا، إذ يقول: “وأنا حملتكم على أجنحة النسور، وجئت بكم إليّ“ (خر 19: 4).
لعل التلاميذ إذ رأوا السيد المسيح حازمًا كل الحزم في تطهير الهيكل، وفي لعنه شجرة التين تملكهم روح اليأس، وخشي كل منهم لئلا يكون نصيبهم كشجرة التين، لهذا جاء حديثه هنا يطمئن التلاميذ، أنه يعد لهم سماواته مقدمًا لهم علامات مجيئه، وإن كانت مرة لكنها مطمئِنة. إن كان قد حمل آباءهم كما بأجنحة النسور ليجيء بهم إليه، فإنه يرسل لهم روحه القدوس ليحملهم فوق كل الأحداث لينعموا بلقائه الأخير على السحاب.
يؤكد لنا السيد: “أنتم من أسفل وأما أنا فمن فوق. أنتم من هذا العالم، وأما أنا فلست من هذا العالم[1]“ (يو 8: 23). كأنه يؤكد لنا أننا غير قادرين بذواتنا أن نرتفع إليه لنلتقي معه على سحاب السماء، لكنه هو من فوق يقدر أن يضمنا إليه، فيجعلنا حاملين سمته: “لست من هذا العالم“. به ترتفع قلوبنا التي تصير ليست من هذا العالم، أي تحمل سمته، فتدخل معه في شركة أمجاده. لعله أيضًا أراد أن يعلن بعلامات المنتهى المرة أنه سمح بها لكي يدفعنا دفعًا إلى الانطلاق من هذا العالم، أي نخلع عنا محبة الزمنيات، ونترك سمتنا أننا من هذا العالم، فنقدر أن نلتقي مع ذاك الذي ليس من هذا العالم.
حقًا إن العلامات التي قدمها لتلاميذه مرهبة جدًا، لكن إشعياء النبي يقول: “لولا أن رب الجنود أبقى بنا بقية صغيرة لصرنا مثل سدوم وشابهنا عمورة[2]” (إش 1: 9). وكأن التلاميذ هم البقية الصغيرة التي تعجز عن الخلاص بذاتها لكن مراحم رب الجنود تترفق بها. بمعنى آخر ملكوته السماوي قد أُعد للبقية الصغيرة التي يهتم الله نفسه بها، إذ يقول: “لا تخف أيها القطيع الصغير لأن أباكم قد سرّ أن يعطيكم الملكوت“ (لو 12: 32).
هكذا أبرزت القراءات اهتمام الله نفسه بتقديم الملكوت. ولعل سرد السيد المسيح لتلاميذه علامات مجيئه بما تحمله من مرارة إنما ليعلن لهم أنه يعرف أن الطريق ضيق للغاية وكرب، لكنه في يديه، أو هم في قبضة يده يحفظهم حتى يجتاز بهم وينطلق بهم إليه.
ثانيًا: عرض السيد المسيح لعلامات المنتهى على تلاميذه ليس فقط يؤكد لهم دور الله نفسه واهتمامه بملاقاتهم معه على السحاب، وإنما دور المؤمنين أيضًا. جاءت هذه العلامات تحمل في مجملها هدمًا تامًا للحياة الزمنية بل وللطبيعة إعلانًا لحياة أفضل أبدية.
حملت قراءات الساعة الثالثة من يوم الثلاثاء من البصخة المقدسة تحذيرًا من الشبع من هذا العالم والاهتمام ببناء بيوت جميلة (تث 8)، تدفعنا نحو اختيار طريق خدمة الرب حيث تنتظرنا التجارب (ابن سيراخ 2: 1)، وتؤكد لنا أنه لا يُترك حجر على جدر إلا ويُنقض (مت 24). كأن الكنيسة وهي تقدم لنا علامات المنتهى ترسم لنا الطريق الإنجيلي للتمتع بالمسيح القادم على السحاب فتطالبنا ألا تمتليء بطوننا الداخلية بسكر هذا العالم وملذاته، ولا يرتبك ذهننا ببناء بيوت أرضية ونزينها كمن يستقر على الأرض أبديًا، إنما بالحري نمسك بصليب ربنا يسوع المسيح لنحمل التجارب بقلب متسع، ونهدم كل حجر في داخلنا، ليقيم الله فينا بناءً جديدًا يليق بنفوس منطلقة نحو أورشليم العليا، تتحد بعريس سماوي.
ثالثًا: السيد المسيح في حديثه مع تلاميذه عن علامات المنتهى، بالرغم مما قدمه من طريق طويل وشاق للغاية لكنه بسلطان ألهب قلوبهم غيرة للدخول فيه؛ لهذا السبب تقدم لنا الكنيسة في قراءات يوم الثلاثاء من البصخة قصتين غاية في الأهمية: لقاء إيليا مع الله وسماعه صوته الإلهي لا خلال الريح العاصف الشديد ولا الزلزلة ولا النار بل خلال النسيم الهادئ اللطيف (1 مل 19: 4-9)، وتمتع نوح بالخلاص في الفلك وسط الطوفان.
تمثل قصة إيليا الحاجة إلى الغيرة المقدسة للقاء مع الله، لكنها غيرة ملتهبة داخلية تقوم خلال النفس الهادئة في الرب، التي تحمل سماته حيث لا يصيح ولا يسمع أحد صوته في الشوارع (إش 42: 2؛ مت 12: 19). أما فلك نوح فيلتحم بغيرة إيليا ليترجم أعماقنا الداخلية واشتياقنا القلبي لملاقاة الرب إلى عمل جاد، فنقبل صليب الرب عمليًا كمن يدخل الفلك مع عائلته وحيواناته وطيوره لينعم باللقاء مع الله وسط هياج العالم الشديد والطوفان المهلك للكثيرين. هذا الفلك يمثل البيت الجديد الذي نقطنه هنا فيحملنا، مرتفعًا بنا فوق المياه، لذلك جاءت القراءات تحدثنا عن بيت الحكمة (أم 9: 1-11) المؤسس على الأعمدة السبعة التي هي أعمال الروح القدس.
بمعنى آخر، لكي نلتقي بربنا يسوع القادم على السحاب يليق بنا ونحن هنا على الأرض أن نتدرب بالروح القدس الذي فينا أن نسكن الفلك الذي يرفعنا إلى فوق، وأن نقطن الجبال العالية، إذ يقول النبي: “أصعد على جبل عال يا مبشر صهيون” (إش 40: 9) كما جاء في نبوات ذات اليوم، حينئذ ننعم مع دانيال (ص 7) برؤية السيد القادم على السحاب.
رابعًا: أخيرًا لكي تلهب الكنيسة شوقنا للتمتع بهذا اللقاء الأبدي تحدثنا عن بهاء المجد الذي ننعم به حينذاك، فتقتبس في قراءاتها ما قاله إشعياء: “نور القمر كنور الشمس“ (إش 30: 26)، وما قاله السيد نفسه: “كل من له يعطى فيزداد“ (مت 25: 29). بمعنى آخر ما نناله من بهاء داخلي هنا يكون عربونًا لبهاء أعظم أبدي، فإن صرنا بالرب قمرًا نصير هناك شمسًا، وإن صار لنا مكافأة داخلية فإن ما يُعطى لنا هنا يزداد هناك.
بجانب هذا الفكر الكنسي تجاه ما ورد في هذا الأصحاح نود أن نوضح سمات أخرى لهذا المقال:
أولاً: يُعتبر ما ورد في هذا الأصحاح أحد المقالين الطويلين للسيد المسيح في هذا الإنجيل، الأول ورد في الأصحاح الرابع (1-34). وقد لاحظ بعض الدارسين في المقال الذي بين أيدينا أنه اختلف في طابعه عن بقية أحاديث السيد المسيح، فدعاه البعض “الرؤيا الصغيرة Little Apocalypse” وإن كان البعض الآخر رفض تمامًا هذه التسمية، متطلعًا إلى المقال أنه لم يقم على رؤيا معينة، إنما هو حديث مفتوح خاص بين السيد المسيح العالم بالأسرار وتلاميذه.
ثانيًا: لا يستطيع القارئ المعاصر – مهما كانت قراءاته أو معرفته – أن يدرك أثر هذا الحديث على نفسية الإنسان اليهودي في أيام السيد المسيح من جهة خراب الهيكل، فقد كان الهيكل هو كل شيء في حياته، يمثل ملكوت الله وعلامة حلول الله في وسط شعبه ورضاه عليه. يتعلق اليهودي بالهيكل تمامًا، ويحسب أي مساس به علامة غضب الله الشديد نحو شعبه كله! لهذا كان لائقًا أن يكشف الرب عن دمار العالم المادي كله كطريق تمهيدي لمجيء المسيح الأخير على السحاب، ودمار الهيكل المادي لإقامة هيكل الرب الروحي.
ثالثًا: هذا المقال في حقيقته لم يقدمه السيد لنتعرف على الأزمنة والأوقات، ولا كعملٍ نبوي به نتعقب الأحداث، لكنه مقال يكشف عن أسرار المستقبل جاء بقصد عمل رعوي، فيه يحث السيد المسيح كنيسته على الجهاد المستمر وتخطي العقبات التي تقوم على الدوام حتى مجيئه، كما يحذرنا من المسحاء والأنبياء الكذبة، ويوصينا بالسهر الدائم ترقبًا لمجيئه!
رابعًا: أخيرًا يرى كثير من الدارسين أنه “حديث ختامي” أو “وداعي” قدمه السيد المسيح لأربعة من خاصته، كما اعتاد بعض آباء وأنبياء العهد القديم أن يفعلوا هكذا قبيل موتهم مثل إسحق (تك 27)، ويعقوب (تك 49)، وموسى (تث 31: 28 الخ، 32)، ويشوع (يش 24)، وصموئيل (1صم 12)، وداود (1أي 28-29)، وطوبيا (طو 14).
هذا الحديث الوداعي الخاص – إن صح تسميته – بجانب حديثه الوداعي العام لتلاميذه (يو14-16) يختلف تمامًا عن كل حديث وداعي قديم قدمه أحد الآباء أو الأنبياء قبل موته. فاسحق ودّع ابنيه في شيخوخته وهو فاقد البصر لا يميز يعقوب من عيسو، أما يسوع رب المجد فيحدث تلاميذه قبل الصلب بقوة معلنًا أن قوات الظلمة لن تحطم خطته لخلاص البشرية، فاتحًا بصيرتهم الداخلية لمعاينته قادمًا على السحاب ليحملهم إلى مجده.
ويعقوب يتحدث مع أبنائه لتأسيس شعب الله على الأرض، أما رب المجد فيعُلن تأسيس ملكوته الأبدي. وموسى يوصي شعبه بعد أن حُرم من الدخول معهم إلى أرض الموعد، أما يسوع المسيح فيأتي ليحملهم إلى مجده الفائق. وهكذا بقية الآباء والأنبياء، ما قد عجزوا عن تقديمه لأنفسهم اشتهوه لإخوتهم وأولادهم وشعبهم، أما السيد المسيح فهو الرأس المنطلق إلى أمجاده ليحمل مؤمنيه جميعًا إلى حضن أبيه في قوة.
الآن نعود إلى النص الإنجيلي راجيًا الرجوع إلى تفسير الأصحاح الرابع والعشرين من إنجيل معلمنا متى البشير منعًا من التكرار، مشتاقًا أن يلهب الرب أعماقنا جميعًا لشهوة الالتقاء معه عند مجيئه إلينا في اليوم العظيم.
هدم الهيكل القديم
“وفيما هو خارج من الهيكل، قال له واحد من تلاميذه:
يا معلم، انظر ما هذه الحجارة؟ وما هذه الأبنية.
فأجاب يسوع وقال له: أتنظر هذه الابنية العظيمة؟
لا يُترك حجر على حجر لا يٌنقض” [1-2].
هذا السؤال قدمه أحد التلاميذ فيما كان السيد المسيح يخرج من الهيكل، فقد كانت أبنية الهيكل العظيمة بملحقاته تشغل ذهن اليهود كعلامة رضا الرب عنهم. لقد بدأ بناء الهيكل الثاني في عهد زرُبابل بسماح كورش ملك الفرس الذي أحسن لليهود وسمح لهم بالعودة من السبي والبدء في بناء الهيكل في القرن السادس ق.م، وقد امتاز الهيكل الجديد عن القديم بضخامته وإن كان أقل منه في الفخامة. وفي أيام هيرودس قبل ميلاد السيد المسيح، حوالي سنة 20 ق.م. بدأت عملية ترميم ضخمة بقيت حتى حوالي سنة 60م أي قبل خرابه بحوالي سبع سنوات كما يقول المؤرخ اليهودي يوسيفوس[3]، موقعه حاليًا الحرم الشريف أو قبة الصخرة في مدينة أورشليم القديمة.
تم هذا التساؤل فيما كان السيد “يخرج” من الهيكل، أما سرّه فغالبًا أن هذا التلميذ أراد أن يسمع من فم معلمه ما جال في خواطر التلاميذ أن السيد جاء ليطهر الهيكل حتى يجعله مركز مملكته وقصره الملوكي، من خلاله يملك على العالم. فجاءت إجابة السيد المسيح تحطم خواطرهم المادية تمامًا، على نقيض ما كانوا يتوقعون، فقد استغل السيد المسيح هذا السؤال ليعُلن لتلاميذه عن إزالة الهيكل تمامًا، وخراب أورشليم، بل ونهاية العالم المادي كله حتى يسحب قلوبهم إلى الملكوت الروحي والمجد السماوي الأخروي.
يقول القديس كيرلس الكبير: [توقع (التلاميذ) أن يُعجب بالمنظر حين يراه، لكنه هو الله، عرشه السماء. أقول في لطفه لم يعطِ اهتمامًا للأبنية الأرضية بكونها تافهة بل وتُحسب كلا شيء تمامًا، إن قورنت بالمواضع العلوية. لقد أوقف الحوار الخاص بهذه الأبنية ووجهه إلى ما هو لازم لنفعهم. إن كان الهيكل بالنسبة لهم يستحق أن ينال كل الإعجاب، لكنه في الوقت المناسب يُخرب من أساساته حين يهدمه الرومان وتُحرق أورشليم بالنار، فينال إسرائيل جزاءه لقتله الرب، فقد حلت بهم هذه الأمور بعد صلب المخلص[4].]
لكن السيد وهو ينطق بهذا لا يطلب الانتقام، ولا يشتهي خراب مقاوميه، إنما بكونه كلمة الله يُعلن حقيقة الأحداث حتى يكشف لتلاميذه معالم الطريق. فمن جهة يلزمهم ألا يربطوا قلوبهم بحجارة وأبنية بل بهيكل روحي داخلي يسكنه الرب ويقيم فيه ملكوته ومن جهة أخرى يلزم هدم الحجارة من الفكر الحرفي فلا نسلك بالناموس حرفيًا بل ننعم به بالروح خلال هدم الحرف القاتل.
أخيرًا فإنه يلزم أن ننعم بهدم هيكل إنساننا القديم تمامًا ولا يترك عمل من أعماله أو حجر على حجر إلا وينقض. هذه هي خبرتنا في مياه المعمودية حيث يحطم روح الله القدوس إنساننا القديم لكي لا يكون له أثر في حياتنا. فإن سلكنا بروح الله يقوم في داخلنا البناء الروحي الجديد الذي من عمل نعمة الله المجانية، أما إن عادت قلوبنا تطلب ما هو وراء يصير في داخلنا هيكل الخطية القديم وتتحول حياتنا إلى عمود ملح كامرأة لوط ونفقد بهاء ملكوت الرب فينا وأمجاده الفائقة.
يقول القديس أمبروسيوس: [تشير هذه الكلمات إلى هيكل سليمان وهدمه بواسطة الأعداء قبل زمن الدينونة، لأنه لا يوجد عمل لأيدينا إلا ويتآكل ويُقاوم فيهلك أو تلتهمه النيران. وتشير أيضًا إلى مجمع يهودي… حيث يُهدم الهيكل المادي المنظور الذي للناموس المادي، وأيضًا الفصح المادي المنظور… ويصبح الهيكل روحيًا، والناموس روحيًا، والفصح أيضًا روحيًا[5].]
ظهور مسحاء كذبة
“وفيما هو جالس على جبل الزيتون تجاه الهيكل،
سأله بطرس ويعقوب ويوحنا وأندراوس على انفراد:
قل لنا متى يكون هذا؟
وما هي العلامة عندما يتم جميع هذا؟
فأجابهم يسوع وابتدأ يقول: انظروا لا يضلكم أحد.
فإن كثيرين سيأتون باسمي قائلين: أني أنا هو،
ويضلون كثيرين” [3-6].
كان حديث السيد المسيح عن خراب الهيكل فرصة ليتحدث مع أربعة من تلاميذه على انفراد حديثًا خاصًا، هؤلاء الأربعة هم الذين اختارهم السيد ودعاهم للتلمذة قبل بقية التلاميذ، دعاهم اثنين فاثنين. وكما سبق فرأينا[6] أنهم يمثلون الفرس المنطلقة بالمركبة الإلهية نحو السماء، أي المرتفعة بالكنيسة كمركبة نارية ملتهبة تنطلق من مجدٍ إلى مجدٍ نحو الحضن الإلهي. أو يمثلون أربعة حجارة حية أقامها السيد لبناء كنيسته الحيةّ. ولعل هؤلاء الأربعة يشيرون إلى الفضائل الأربعة اللازمة للكنيسة لتتمتع بمعرفة أسرار مجيئه الأخير: بطرس يشير إلى صخرة الإيمان، ويعقوب أي التعقب يشير إلى الجهاد أو المصارعة بلا توقف، ويوحنا أي الله حنان يشير إلى نعمة الله وحنانه، وأنداروس يعني “الجدية” أو “الرجولة” يشير إلى الانطلاق نحو الأبدية في جدية بلا تراخي. بمعنى آخر تمتع هؤلاء التلاميذ الأربعة بهذا الحديث الإلهي الخاص بمجيئه حتى ننعم نحن به إن كان في داخلنا هؤلاء الأربعة: الإيمان الذي يرفعنا عن الأرضيات نحو المسيّا المخلص، الجهاد العملي النابع عن إيماننا بالذي أحبنا، نعمة الله التي تتكئ عليها لتنقلنا من الأرضيات وترفعنا إلى الأبديات وأخيرًا الجدية في الطريق، إذ لا يعمل الله في المتهاونين.
وقد تم هذا الحديث حين كان السيد المسيح جالسًا على جبل الزيتون تجاه الهيكل، ولم يكن هذا بلا معنى، فجبل الزيتون هو الجبل الذي يقف عليه الرب بقدميه في يوم الرب ليبيد الشر (زك 14: 4)؛ وهو الجبل الذي شرقي المدينة، عليه رفع الكاروبيم أجنحته وانطلق بالمركبة الإلهية لتفارق لا الهيكل وحده وإنما كل مدينة أورشليم (حز 11: 22-23). على هذا الجبل أعلن الرب مفارقته للهيكل القديم رافعًا أنظارنا إلى الهيكل الجديد الذي يقوم هو نفسه ببنائه في داخلنا، حيث يقيم ملكوته السماوي داخلنا.
جبل الزيتون أيضًا هو كنيسة الله المقدسة التي يُغرس فيها المؤمنون كأشجار زيتون في بيت الرب، فيها يجلس الرب نفسه مع مؤمنيه ليحملهم إلى أسراره الإلهية الفائقة. يكشف لهم عن هدم الهيكل القديم، وقيام هيكل جديد في داخلهم لا يقدم ولا يشيخ، بل يتجدد على الدوام بروحه القدوس.
أول علامة لمجيئه هي ظهور مسحاء وأنبياء كذبة لخداع البشرية، فيقيمون مملكة إبليس تحت ستار المسيح أو اسم الله. لعل السيد بدأ بها لخطورتها، ففي كل جيل يعمل عدو الخير بطرق كثيرة لخداع الكثيرين وسحبهم عن مملكة الله والتمتع بخلاصه.
قدم لهم هذه العلامة في بداية حديثه عن نهاية الأزمنة وإعلان ملكوته الأبدي ليكشف لهم أن طريق الملكوت ضيق للغاية، يتطلب جهادًا لا ينقطع مع قوات الظلمة. فإن كان التلاميذ قد حزنوا حين سمعوا بخراب الهيكل تمامًا ونقض كل حجارته، فتساءلوا عن الزمان الذي يتحقق فيه ذلك، لعلهم ينعمون مع السيد في ملكوته ويكون لهم نصيب معه في الهيكل قبل خرابه الشامل سحب السيد المسيح قلوبهم من الحزن على هدم حجارة وأبنية إلى الاستعداد لمقاومة عدو الخير نفسه الذي يطلب هدم ملكوت الله في كل نفس. لذلك يقول معلمنا بولس الرسول: “أخيرًا يا إخوتي تقوّوا في الرب وفي شدة قوته، البسوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تثبتوا ضد مكايد إبليس، فإن مصارعتنا ليست مع دم ولحم، بل مع الرؤساء مع السلاطين، مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحية في السماويات” (أف 6: 10-12).
كأن السيد المسيح يحذر تلاميذه طالبًا منهم ألا يرتبكوا بهدم الهيكل، بل بالحري يحذروا خداعات العدو الشرير الذي يقاوم تحت ستار اسم المسيح نفسه، مؤكدًا: “انظروا لا يضلكم أحد، فإن كثيرين سيأتون باسمي قائلين: إني أنا هو، ويضلون كثيرين”.
قال يوسيفوس المؤرخ اليهودي أن مزورين كثيرين وسحرة جذبوا إليهم كثيرين إلى البرية يخدعونهم، فمنهم من جنّ، ومنهم من عاقبه فيلكس الوالي. من بينهم ذلك المصري الذي ذكره الأمير حين قال لبولس الرسول: “أفلست أنت المصري الذي صنع قبل هذه الأيام فتنة، وأخرج إلى البرية أربعة الآلاف الرجل من القتلة؟“ (أع 21: 38).
إن كان كلمة الله يقدم كل الحب عمليًا ليجتذب النفوس إليه بالحق لتنعم بالاتحاد معه، فإن عدو الخير يخدع الكثيرين، ويضللَّهم بإرساله كثيرين يدعون التقوى ليضلوا النفوس، بل وأحيانًا يحملون اسم المسيح نفسه.
يحذرنا الشهيد كبريانوس ليس فقط من عدو الخير الذي يختفي أحيانًا تحت اسم المسيح للخداع، وإنما من أنفسنا لئلا نحمل نحن اسم المسيح دون قوته، قائلاً: [كما أنه يخدع بالاسم وهو ليس المسيح حقيقة، هكذا من (يحمل الاسم) ولا يسكن في حق إنجيله والإيمان به لا يكون بحق مسيحيًا.]
قيام حروب وحدوث كوارث
“فإن سمعتم بحروب وبأخبار حروب فلا ترتاعوا،
لأنها لابد أن تكون.
ولكن ليس المنتهى بعد.
لأنه تقوم أمة على أمة، ومملكة على مملكة،
وتكون زلازل في أماكن وتكون مجاعات واضطرابات.
هذه مبتدأ الأوجاع” [8].
هذه العلامة تسبق هدم الهيكل على يدّي تيطس الروماني، فقد التهبت المملكة الرومانية بنيران الحروب في الفترة ما بين صعود السيد المسيح وخراب الهيكل، منها الحرب التي اشتعلت في الإسكندرية حوالي عام 38م بين المصريين واليهود المقيمين فيها، والحرب التي نشبت في سلوكية وقُتل فيها خمسون ألفًا من اليهود. كما حدث هياج شديد بين اليهود والسامريين، وحدثت مجاعات كالتي تنبأ عنها أغابوس (أع 11: 28) وحدثت عام 49م. وتفشى وباء في روما عام 65م مات به ثلاثون ألفًا، كما حدثت زلازل في كريت عام 46م، وفي روما عام 51م، وفي أفاميا سنة 53م وفي لاذقية فريجية عام 60م، وفي أورشليم سنة 67م الخ.
هذه العلامة من ظهور حروب وانقسامات وزلازل ومجاعات واضطرابات تسبق أيضًا نهاية العالم ومجيء السيد المسيح، فكلما اقترب اليوم الأخير شعر عدو الخير بانهيار مملكته وقيام ملكوت الله الأبدي في كنيسته السماوية يبذل كل طاقاته لسحب النفوس إليه وجذبهم عن السيد المسيح فيربكهم بأعمال بشرية محطمة للإنسان كالحروب وهياج الطبيعة نفسها كالزلازل والمجاعات، أما النفس الثابتة في المسيح فلا تضطرب، بل ترتفع فوق كل الأحداث الزمنية لتنعم بعربون ملكوته وتختبر سلامه الفائق.
بنفس الفكر لا يطيق عدو الخير لقاءك مع مخلصك، فيثير حولك الكثير من الأحداث ليشغلك عنه ويحرمك من تجليه في قلبك. ليتك لا ترتبك بالحروب التي في داخلك ولا بالمجاعات والزلازل، بل ثق في السيد المسيح واهب السلام والشبع والراحة الحقيقية.
يقول القديس أمبروسيوس: [بجوار الأوبئة والحروب والمجاعات نجد حروبًا أخرى يتعرض لها المسيحي هي حروب مختلف الشهوات والصراع بين الرغبات… فتارة تثيرنا الشهوة، وأخرى تشتعل العاطفة، وتارة يرعبنا الخوف، وأخرى تحاول أجناد الشر التي في السماويات (أف 6: 12) أن تخيفنا، أما الإنسان الشجاع فيقول: “إن قام عليّ جيش لا أخاف لأنك أنت معي“ (مز 26: 3).
يقف حتى وإن قام ضده جليات العملاق ليفترسه، يقوم وسط رعب الآخرين كداود المتواضع الذي ألقى أسلحة الملك على الأرض (1صم 17) وأمسك بمقلاع الإيمان الحقيقي، ليضع فيه حجر الإيمان الطاهر، به يكسر تجّبر المضطهد ويستهين بتهديداته، ولا يخشى سلطانه، فاستحق أن يتحدث عنه المسيح… يتقدم هذا الغالب الذي ضرب جليات بسيفه هو. يقبل الموت من أجل المسيح، فيهرب أمامه الفلسطينيون وتتقدم الفتيات كالنسور، وهن يقلن: “ضرب شاول ألوف وداود ربوات” (1 صم 18: 7). هذا دليل على أن الذين يغلبون هذا العالم سيسبقون الملوك[7].]
حدوث مضايقات
لا تقف العلامات عند الضيقة الخارجية العامة من حروب ومجاعات وأوبئة وزلازل، لكنها تدخل إلى ضيقة خاصة بالمؤمن نفسه، ليحمل صليب الرب، إذ يقول: “فانظروا إلى نفوسكم، لأنهم سيسلمونكم إلى مجالس، وتُجلدون في مجامع، وتقفون أمام ولاة وملوك من أجلي شهادة لهم.وينبغيأن يُكرز أولاً بالإنجيل في جميع الأمم. فمتى ساقوكم ليسلموكم، فلا تعتنوا من قبل بما تتكلمون ولا تهتموا، بل مهما أُعطيتم في تلك الساعة فبذلك تكلموا، لأن لستم أنتم المتكلمين بل الروح القدس.وسيسلم الأخ أخاه إلى الموت، والأب ولده.ويقوم الأولاد على والديهم ويقتلونهم. وتكونون مبغضين من الجميع من أجل اسمي، ولكن الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص” [9-13].
“المضايقات” بالنسبة لمؤمن ليست مجرد علامة وسط علامات كثيرة لمجيء السيد، إنما هي المناخ الحيّ الذي فيه يتجلى الرب المصلوب داخل القلب. فالضيق هو قبول صليب ربنا يسوع المسيح ليُعلن ملكوته داخلنا. الضيق ليس بالأمر العارض في حياة المؤمن لكنه يلازم المؤمن على الدوام حتى يعبر من هذا العالم كما من الضيقة العظيمة (رؤ 7: 14). هذا ما أعلنه لنا الرب بوضوح، وكما يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [نطق بهذا لكي بسماعهم عنه يستعدون لاحتمال الاضطهادات والشرور بصبر عظيم.]
ويلاحظ في هذا الحديث الإلهي الآتي:
أولاً: يقول الرب: “انظروا إلى نفوسكم”، بمعنى آخر مهما اشتدت الضيقة، وأيا كان مصدرها سواء من أصحاب سلاطين كالولاة والملوك أو من المقربين جدًا كالآباء والأبناء أو الإخوة فإن سرّ القوة أو الضعف يتوقف على أعماق النفس الداخلية. إن نظرنا بالإيمان إلى نفوسنا الداخلية نجد فيها رب المجد مالكًا بمجد داخلي وبهاء فلا تستطيع الضيقة أن تجتاز إلى نفوسنا بل تبقى في الخارج! يمكننا أن نقول إن انفتحت بصيرتنا على السماء الداخلية لا تقدر الأرض بكل خداعها وإمكانياتها أن تلحق بنا، بل يرفعنا الروح القدس فوق التراب ويحملنا أعلى من التيارات الزمنية ويحفظنا في سلام إلهي فائق.
ثانيًا: إن كان الضيق يحل بالضرورة، فالكرازة بالإنجيل أيضًا لن تتوقف. وكأن ربنا يسوع يطمئننا أن عمل الله على الدوام يُقاوم، لكنه بالمقاومة يزداد قوة ويتجلى بأكثر بهاء.
ثالثًا: يتحول الضيق إلى شهادة للمضايقين أنفسهم، ففيما يحسبون أنهم قادرون أن يكتموا صوت الحق بالسلطان الزمني والعنف، إذا بالحق يتجلى أمامهم، ويزداد صوته وضوحًا في فكرهم. هذا ما رأيناه حين أراد هيرودس أن يكتم أنفاس القديس يوحنا المعمدان، فصار صوت يوحنا يدوي في أذنيه حتى بعد استشهاده.
رابعًا: إن مصدر الضيق الحقيقي ليس البشر، وإنما الحرب القائمة بين الله وإبليس، لهذا يليق بنا ألا نهتم بما نتكلم به، بل كما قال السيد: “لستم أنتم المتكلمون بل الروح القدس“. روح الله هو قائد الكنيسة الذي أرسله الابن الصاعد إلى السماوات من عند أبيه ليتسلم تدبير الكنيسة وقيادتها.
رجسة الخراب
يقدم لنا السيد المسيح “رجسة الخراب” التي تحدث عنها دانيال النبي (دا 12: 11، راجع 9: 27، 11: 31) كعلامة خراب الهيكل، وأيضًا علامة من علامات نهاية الأزمنة ومجيء السيد المسيح الأخير. ويمكننا تلخيص الآراء في رجسة الخراب هكذا:
أولاً: يرى بعض الآباء والدارسين أن رجسة الخراب تشير إلى دخول العدو بجنوده إلى الهيكل وتدنيسه قبل هدمه وحرق المدينة بالنار. يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [ربما يعني برجسة الخراب دخول الأعداء إلى المدينة بالقوة.]
ثانيًا: جاء في سفر المكابيين الأول (1: 54) إلى تحقيق رجسة الخراب هذه عندما أقام أنتيخوس ابيفانيوس تمثال زيوس أولمبياس على مذبح المحرقة في الهيكل عام 167 ق.م[8] (راجع أيضًا 2 مك 6: 2). ويرى البعض أن هذه الرجسة تكررت، فوضع بيلاطس تمثال قيصر في الهيكل، وحاول كالجولا Caligula أن يقيم لنفسه تمثالاً في هيكل أورشليم عام 40م تقريبًا، كما أقيم أيضًا تمثال لأدريان في قدس الأقداس نفسه لوقت طويل.
ثالثًا: رفض فريق من المفسرين الرأيين السابقين إذ يروا أن النص اليوناني لا يشير إلى رجسة خراب خلال إقامة تمثال أو دخول جنود وثنيين، إنما إلى ظهور شخص حقيقي ضد المسيح يقيم نفسه إلهًا في الهيكل كقول الرسول بولس في الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي. وكأن هذه العلامة تشير إلى ظهور ضد المسيح الذي يقيم نفسه في هيكل الرب معبودًا.
وصايا للدخول في الملكوت
إذ قدم السيد لكنيسته علامات المنتهى من حلول ضيقات كالحروب والمجاعات والأوبئة والزلازل، وحلول مضايقات خاصة من أجل الكرازة بالإنجيل، وأعلن عن ظهور أنبياء كذبة ومسحاء خاصة ضد المسيح، وهبها وصايا خاصة تسندها في هذا الجو الصعب حتى يجتاز الضيقة المستمرة وتعبر به إلى ملكوته. سبق لنا الحديث عن هذه الوصايا في دراستنا لإنجيل متى الإصحاح الرابع والعشرين، لكننا نقول هنا أن هذا النص يحمل معنيين:
أولاً: المعنى الحرفي، فقد قيل أن المسيحيين إذ رأوا علامات اقتراب خراب الهيكل هربوا من اليهودية وانطلقوا إلى الجبال كوصية سيدهم، فخلصوا من محاصرة تيطس لأورشليم ولم يسقطوا تحت الضيق الذي تمرر به اليهود.
ثانيًا:المعنى الرمزي وهو لقاؤنا مع السيد المسيح القادم إلى قلوبنا ليتجلى كما على سحاب السماء، فيلزمنا أن ننطلق من يهودية الحرف القاتل إلى جبال الروح، لنعيش في حرية الإنجيل لا عبودية حرف الناموس. إن كان الرب يعلن لتلاميذه انه لا جدوى من مقاومة الرومان ولا من مسالمتهم ولا يمكن الاختفاء منهم في مدينة بل يلزم الهرب منهم على الجبال، هكذا يليق بنا إذ تشتد حروب الشيطان علينا ألا نقف أمامه ولا نهادنه بل نهرب إلى الرب نفسه بكونه الجبل المقدس الذي يحملنا فيه.
في نص منسوب للقديس جيروم جاء: [هروبنا إلى الجبال يعني الصعود إلى أعالي الفضيلة حتى لا نهبط إلى أعماق الخطية.]
هكذا من ارتفع إلى السطح، أي صعد على سلم الفضيلة، وصار على السطح، يرى مع الرسول بطرس الملاءة النازلة من السماء (أع 10: 11) لا يعود ينزل إلى الطبقات السفلى، ولا يطلب السفليات. بمعنى آخر من ارتفع فوق الأعمال الجسدانية وعاش في الروحيات يتنسم هواء الحرية النقي ويرى السماوات مفتوحة أمام عينيه فلا ينزل إلى مناقشاته القديمة ولا يطلب شهوات الجسد وأمور هذا العالم الزمني.
هكذا من انطلق إلى حقل الكرازة فلا يرجع عن الخدمة ولا يعود يهتم بثوبه، أي بالجسديات.
أما عن قوله “ويل للحبالى والمرضعات في تلك الأيام”، فيقول الأب ثيؤفلاكتيوس أنه يشير إلى ما فعلته اليهوديات في ذلك الوقت إذ طبخ النساء أطفالهن من شدة الجوع. ولعل الحبالى والمرضعات يشرن إلى النفوس التي لا تنضج بعد ولا أنجبت ثمار الروح، فلا تحتمل الضيقة ولا تقدر على الهروب بل تكون مثقلة كالحامل أو المرضعة.
يُطلب منا أن نصلي ألا يكون هربنا في شتاء، وكما يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [يلزمنا أن نتجنب الخطية بحرارة لا ببرود وخمول.]
الضيقة العظمى
“لأنه يكون في تلك الأيام ضيق
لم يكن مثله منذ ابتداء الخليقة التي خلقها الله إلى الآن ولن يكون.
ولو لم يقصر الرب تلك الأيام لم يخلص جسد،
ولكن لأجل المختارين الذين اختارهم قصّر الأيام” [19–20].
حقًا إنها الضيقة العظمى التي يشهدها العالم بظهور ضد المسيح مقاومًا الكنيسة في العالم، لكنها ضيقة بسماح من الله لا تفلت من عنايته. يقصرّها الله من أجل مختاريه حتى لا تنهار نفوسهم.
في العهد القديم كان الله يسمح بالضيقات تشتد لأجل توبة الساقطين، لكنه يعود فيترفق حتى لا تنحل الباقية التي التصقت بالرب وسط جيل ملتوٍ وشعب معاند. وفي أيام خراب الهيكل اشتدت الضيقة جدًا وقد وصفها المؤرخ يوسيفوس المعاصر لها بكلمات مرة وقاسية فذكر أن الرومان كانوا يأتون باليهود ويصلبونهم بالمئات في هزء وسخرية حتى ضاقت الساحات بالصلبان، واشتد الجوع بالنساء حتى طبخن أطفالهن.
وكانوا يلقون بالكهنة عراة في الوحل ويقدمونهم طعامًا للحيوانات المفترسة. وقد قصرّ الرب الأيام من أجل المسيحيين الهاربين من اليهودية إلى الجبال حتى لا تلحق بهم. أما في أواخر الأيام حين يأتي ضد المسيح، فيحارب الكنيسة في كل موضع ولا يسمح لمؤمن أن يبيعٍ أو يشتري ما لم يضع سمة الوحش على جبهته أو يده اليمنى. ويقصرّ الله أيضًا الأيام من أجل المختارين.
بنفس الروح في حياة كل واحد منا يسمح الله لنا بالضيق يشتد حتى الهزيع الأخير وحين نظن أنه لا نجاة، يتجلى على المياه محطمًا الأمواج، معلنًا ذاته لنا كمخلص للنفس والجسد معًا.
ظهور أنبياء كذبة
“حيئنذ إن قال لكم أحد هوذا المسيح هنا أو هوذا هناك فلا تصدقوا.
لأنه سيقوم مسحاء كذبة وأنبياء كذبة،
ويعطون آيات وعجائب لكي يضلوا لو أمكن المختارين أيضًا.
فانظروا أنتم، ها أنا قد سبقت وأخبرتكم بكل شيء” [21-23].
هذا هو مركز الحديث، أن عدو الخير لا يتوقف عبر الأزمنة عن مقاومة ملكوت الله بكل قوة، خاصة في الأيام الأخيرة، مستخدمًا كل وسيلة للتضليل، كما فعل السحرة في أيام موسى. في الأيام الأخيرة يتفنن عدو الخير في عمل الآيات والعجائب لكي يضل لو أمكن المختارين، لكن الله يحفظ مختاريه.
كثيرون ينسبون لأنفسهم اسم المسيح ليخدعوا إن أمكن حتى المؤمنين.
الأب ثيؤفلاكتيوس
عندئذ سُيحل الشيطان، فيعمل بكل قوته خلال ضد المسيح بطريقة باطلة ومدهشة… إنه يخدع الحواس الميتة بأوهام فيظهر كمن يعمل أعمالاً في الحقيقة هو لم يعملها؛ أو ربما يفعل عجائب حقيقية لكنها تضلل الناس عن الحق، إذ يحسبونها قوة إلهية[9].
القديس أغسطينوس
لماذا يقول: “إن أمكن” كما لو كان يُشك فيهم مع أن الرب يعرف مقدمًا ما سيحدث؟ فإنه يحدث أحد أمرين: إن كانوا مختارين لا يمكن أن يضلوا وإن أمكن أن يضلوا فهم ليسوا مختارين… (قال هذا لإبراز مدى تضليل هؤلاء الكذبة[10]).
البابا غريغويوس (الكبير)
انهيار الطبيعة
“وأما في تلك الأيام بعد ذلك الضيق فالشمس تظلم،
والقمر لا يعطى ضوءه.
ونجوم السماء تتساقط،
والقوات التي في السماوات تتزعزع” [24-25].
يرى كثير من الآباء أن هذه الأمور تتحقق بطريقة حرفية قبيل مجيء السيد المسيح على السحاب، فينهار العالم المادي تمامًا ليظهر الملكوت السماوي الأبدي.
جاءت هذه الصورة معلنة في سفر إشعياء النبي (ص 13: 9-13) تعلن عن يوم الرب القريب كيومٍ قاسٍ بسخط وحمو غضب، يبيد كل ما هو أرضي وما هو مادي! ولعله إذ يربط خراب الأرض وزعزعتها بزلزلة السماوات وفقدان كواكبها نورها، يود أن يعلن أن الذين في مجدهم حسبوا أنفسهم قد صاروا شمسًا أو قمرًا أو كواكب متلألئة لن يفلتوا من غضب الرب وإدانته لهم. هذا الفكر واضح ليس في إشعياء وحده ولكن في كثير من الأنبياء:
“فإن نجوم السماوات وجبابرتها لا تبرز نورها. تظلم الشمس عند طلوعها، والقمر لا يلمع بضوئه، وأعاقب المسكونة على شرها والمنافقين على إثمهم، وأبطل تعظم المستكبرين وأضع تجبر العتاة… لذلك أزلزل السماوات، وتتزعزع الأرض من مكانها في سخط رب الجنود” (إش 13: 10-13).
“ويفنى كل جند السماوات، وتلتف السماوات كدرج، وكل جندها ينتثر كانتثار الورق من الكرمة والسُقاط من التينة” (إش 34: 4).
“وعند إطفائي إياك أحجب السماوات، وأظلم نجومها، وأغشي الشمس بسحاب، والقمر لا يعطي ضوءه، وأظلم فوقك كل أنوار السماء المنيرة، وأجعل الظلمة على أرضك يقول السيد الرب” (حز 32: 7-8). لعله هنا يشير إلى المؤمن وقد رفض نعمة الله بإصراره على الشر وقبوله خداعات العدو الشرير لم يعد مستحقًا أن يتمتع بنور شمس البرّ أي عمل المسيح فيه، ويحرم من نور القمر وضوئه أي من البركات الكنسية، كما يفقد التمتع بأنوار نجوم السماء إذ لا ينعم بشركة مع السمائيين أو القديسين. هكذا يفقد كل بركة وكل استنارة وتتحول أعماقه كما إلى أرض مظلمة لا ترى بصيصًا من النور السماوي.]
“يكون في ذلك اليوم، يقول السيد الرب، إني أغيب الشمس في الظهر، وأقتم الأرض في يوم نور.وأحوّل أعيادكم نوحًا وجميع أغانيكم مراثي” (عا 8: 9-10).
“قدامه ترتعد الأرض وترجف السماء. الشمس والقمر يظلمان، والنجوم تحجز لمعانها” (يؤ 2: 10).
على أن الأحوال إذ يظهر السيد المسيح شمس البرّ، والكنيسة عروسه القمر السماوي، والمؤمنون كواكب أبدية، تختفي الشمس وتظلم القمر وتحجز النجوم لمعانها أمام هذا المنظر السماوي الأبدي الجديد.
في نص منسوب للقديس جيروم يرى انهيار الطبيعة هنا هو انهيار روحي للنفوس التي قبلت ضد المسيح وسقطت تحت سلطانه الشرير ففقدت في حياتها كل استنارة داخلية، إذ يقول: [تظلم الشمس بسبب برود قلوبهم كما في فصل الشتاء، ولا يعطى القمر ضوءه بصفاء في ذلك الوقت، ونجوم السماء تحجز ضوءها عندما يختفي كل نسل إبراهيم الذي يشبّه بنجوم السماء (تك 22: 17)، وقوات السماء تثور للانتقام عندما يأتون مع ابن الإنسان في مجيئه.]
مجيء ابن الإنسان
“وحينئذ يبصرون ابن الإنسان آتيًا في سحاب بقوة كثيرة ومجد،
فيرسل حينئذ ملائكته ويجمع مختاريه من الأربع الرياح
من أقصاء الأرض إلى أقصاء السماء” [27].
إذ ينحل العالم المنظور المادي يُعلن العالم الجديد غير المنظور السماوي وذلك بحضور كلمة الله المتجسد في سحاب بقوة كثيرة ومجد. يرى القديس أغسطينوس[11] أن مجيئه في السحاب إنما يعني مجيئه في كنيسته كل يوم التي حملت السمة السماوية وارتفعت عن الفكر الزمني فصارت سحابًا سماويًا. يأتي الرب محمولاً على سحابة القديسين التي تحدث عنها الرسول بولس، قائلاً: “لنا سحابة من الشهود مقدار هذه محيطة بنا“ (عب 12: 1).
يأتي رب المجد مع ملائكته كحصّادين يجمعون الثمار من أربع جهات المسكونة، ويرى القديس أغسطينوس أن الرب يجمع بملائكته آدم الذي سبق فتشتت في العالم فصار في المشارق والمغارب والشمال والجنوب، فكلمة آدم في اليونانية تحوي أربعة حروف هي الحروف الأولى للجهات الأربع:
الشرق Amatole، الغرب Dysis، الشمال Arctos، الجنوب .Mesembria
كأن الله يرى آدم وقد صار مبعثرًا في كل جهات المسكونة يجمعه ليرده لا إلى جنة عدن وإنما إلى الملكوت السماوي الأبدي[12].
من كلمات الآباء عن هذا المجيء:
بحق نؤمن أنه سيأتي ليس فقط بذات الجسد، وإنما على السحاب، يأتي كما صعد إذ استقبلته سحابة عند صعوده (أع 10: 11)[13].
رؤية ابن الإنسان (الناسوت) تظهر للأشرار، أما اللاهوت فلا يظهر إلا لأنقياء القلب وحدهم هؤلاء الذين يعاينونه الله (مت 5: 8). لا يستطيع الأشرار أن يروا ابن الله بكونه مساويًا للآب، لكن ينظره الكل الأبرار والأشرار وهو يدين الأحياء والأموات[14].
القديس أغسطينوس
لا يأتي المسيح خفية ولا بطريقة غامضة بل بكونه الله الرب، يأتي في مجد يليق باللاهوت ليحوّل كل شيء إلى ما هو أفضل. إنه يجدد الخليقة ويعيد تشكيل طبيعة الإنسان[15].
القديس كيرلس الكبير
مثل شجرة التين
إذ قدم لنا العلامات الخاصة لمجيئه شبهها بأوراق شجرة التين التي متى ظهرت نعرف أن الصيف قريب. ما هو هذا الصيف الذي يقترب منّا إلا الأبدية التي تلتهب بنيران الحب الإلهي، ولا يعرف البرود الروحي له فيها موضعًا؟
فهم كثير من الدارسين منذ عصر مبكر أن هذه الشجرة التي متى اخضر ورقها نعرف أن الصيف قريب هي الشعب اليهودي الذي صار كشجرة التينة التي سقطت تحت اللعنة بسبب جحودها (مر 15: 13-14). فإذ تعود إليها الحياة خلال عودتها للإيمان مرة أخرى في أواخر الدهور نعرف أن الزمان قد اقترب. هذا التفسير قام على كلمات الرسول بولس: “إن القساوة قد حصلت جزئيًا لإسرائيل إلى أن يدخل ملء الأمم، وهكذا سيخلص جميع إسرائيل“ (رو 11: 25-26).
جاءت أحداث وتصريحات كثيرة في الكتاب المقدس تعلن عن عودة اليهود في نهاية الأزمنة إلى قبول السيد المسيح بعد أن يكتشفوا خطأهم بصلبه ورفضهم إياه. فمن تلك الأحداث عودة مريم أخت موسى وهرون إلى المحلة بعد أن أصابهم البرص وبقيت سبعة أيام خارج المحلة ولم يرتحل الشعب حتى أُرجعت مريم (عد 12: 15). ففي رأي العلامة أوريجينوس أن مريم هنا تشير إلى الشعب اليهودي الذي أُصيب ببرص عدم الإيمان فصار خارج المحلة، حتى يعود في أواخر الدهور إلى المحلة من جديد مع كنيسة الأمم في العالم كله!
تأكيد مجيئه
أكد السيد المسيح مجيئه بقوله: “الحق أقول لكم لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله.السماء والأرض تزولان، ولكن كلامي لا يزول” [30-31].
تحقق قول السيد حرفيًا إذ شاهد بعض السامعين إن لم يكن جميعهم الأحداث الخاصة بخراب الهيكل وتحطيم أورشليم. أما بقية الأحداث فقد تحققت فعلاً بقبول الأمم للسيد المسيح في حياتهم وأنه قد جاء يعلن مجده في داخلهم.
عبارة السيد المسيح التي بين أيدينا ألهبت الكنيسة في عصر الرسل، إذ حسبوا أنهم يعيشون في آخر الأزمنة بمعنى أنهم يشاهدون مجيئه على السحاب. وكان لهذا الإحساس أثر على حياتهم وسلوكهم وعبادتهم كما على مشاعرهم وأحاسيسهم، فعاش الغالبية بفكر إسخاتولوجي أي انقضائي؛ عاشوا على الأرض بأجسادهم أما قلوبهم فكانت في السماء.
عدم معرفة الساعة
قبل أن يختم حديثه بالدعوة للسهر أراد أن يوجه أنظار تلاميذه إلى عدم الانشغال بمعرفة الأزمنة والأوقات، إنما بالاستعداد بالسهر المستمر وترقب مجيئه، لهذا قال: “وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بها أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الآب” [32].
هل يجهل السيد المسيح الساعة؟
أولاً: يقول القديس أمبروسيوس[16] أن السيد المسيح هو الديان وهو الذي قدم علامات يوم مجيئه لذا فهو لا يجهل اليوم. هذا وإن كان يوم مجيئه هو “السبت” الحقيقي الذي فيه يستريح الله وقديسوه فكيف يجهل هذا اليوم وهو “ربالسبت” (مت 12: 18)؟
ثانيًا: يرى القديس أغسطينوس أن السيد المسيح لا يجهل اليوم، إنما يعلن أنه لا يعرفه، إذ لا يعرفه معرفة من يبيح بالأمر. لعله يقصد بذلك ما يعلنه أحيانًا مدرس حين يُسأل عن أسئلة الامتحانات التي وضعها فيجيب أنه لا يعرف بمعنى عدم إمكانيته أن يُعلن ما قد وضعه، وأيضًا إن سُئل أب اعتراف عن اعترافات إنسان يحسب نفسه كمن لا يعرفها. يقول القديس أغسطينوس: [حقًا إن الآب لا يعرف شيئًا لا يعرفه الابن، لأن الابن هو معرفة الآب نفسه وحكمته، فهو ابنه وكلمته وحكمته. لكن ليس من صالحنا أن يخبرنا بما ليس في صالحنا أن نعرفه… إنه كمعلم يعلمنا بعض الأمور ويترك الأخرى لا يعرفنا بها. إنه يعرف أن يخبرنا بما هو لصالحنا ولا يخبرنا بالأمور التي تضرنا معرفتها[17].]
كما يقول: [قيل هذا بمعنى أن البشر لا يعرفونها بواسطة الابن، وليس أنه هو نفسه لا يعرفها، وذلك بنفس التعبير كالقول: “لأن الرب إلهكم يمتحنكم لكي يعلم“ (تث 13: 3)، بمعنى أنه يجعلكم تعلمون. وكالقول: “قم يا رب” (مز 3: 7)، بمعنى “اجعلنا أن نقوم”، هكذا عندما يُقال أن الابن لا يعرف هذا اليوم فذلك ليس لأنه لا يعرفه وإنما لا يظهره لنا[18].]
بنفس الفكر يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [بقوله “ولا ملائكة” يسد شفاهم عن طلب معرفة ما لا تعرفه الملائكة، وبقوله “ولا الابن” يمنعهم ليس فقط من معرفته وإنما حتى عن السؤال عنه[19].]
هكذا أيضًا قال الأب ثيؤفلاكتيوس: [لو فقال لهم أنني أعرف الساعة لكنني لا أعلنها لكم لأحزنهم إلى وقت ليس بقليل لكنه بحكمة منعهم من التساؤل في هذا الأمر.] وقال القديس هيلاري أسقف بواتييه: إن السيد المسيح فيه كنوز المعرفة، فقوله إنه لا يعرف الساعة إنما يعني إخفاءه كنوز الحكمة التي فيه[20].
ثالثًا: يرى القديس إيريناؤس أنه وإن كان السيد المسيح العارف بكل شيء لم يخجل من أن ينسب معرفة يوم الرب للآب وحده كمن لا يعرفه، أفلا يليق بنا بروح التواضع أن نقتدي به حين نُسأل في أمور فائقة مثل كيفية ولادة الابن من الآب أن نُعلن أنها فائقة للعقل لا نعرفها.
دعوة للسهر
ختم السيد المسيح حديثه عن مجيئه الأخير بدعوة تلاميذ لحياة السهر ترقبًا للقاء معه: “انظروا.اسهروا وصلوا، لأنكم لا تعلمون متى يكون الوقت.كأنما إنسان مسافر ترك بيته، وأعطى عبيده السلطان، ولكل واحد عمله، وأوصى البواب أن يسهر.اسهروا إذًا لأنكم لا تعلمون متى يأتي رب البيت، أمساء أم نصف الليل أم صياح الديك أم صباحًا. لئلا يأتي بغتة فيجدكم نيامًا” [33-36].
يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [يعلمنا أمرين: السهر والصلاة، فإن كثيرين منا يسهرون لكنهم يقضون الليل في الشر.]
يطالبنا السيد أن نسهر الليل كله لئلا يأتي السيد بغتة فيجدنا نيامًا، هنا يقسم الليل إلى أربعة أقسام كل قسم عبارة عن 3 ساعات (مساء، نصف الليل، صياح الديك، صباحًا)، وإن كان اليهود في فلسطين يفضلون تقسيمه إلى ثلاثة أقسام[21] (لو 12: 38). على أي الأحوال واضح أن السهر الذي يسألنا السيد إياه يعني يقظة القلب الداخلي، ليقول المؤمن: “أنا نائمة وقلبي مستيقظ”.
[1] قراءات الساعة الأولى من يوم الثلاثاء من البصخة المقدسة.
[2] نبوات الساعة السادسة من يوم الثلاثاء من البصخة المقدسة.