تفسير انجيل مرقس 10 الأصحاح العاشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل مرقس 10 الأصحاح العاشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل مرقس 10 الأصحاح العاشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير انجيل مرقس 10 الأصحاح العاشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

الباب الثالث

 

 

خدمته في البرية

ص 10

الأصحاح العاشر

الطريق الصعب

جاء السيد المسيح خادمًا للبشرية، موضوع حبه، غير أن كثيرين تعثروا فيه لأنه جاء يقدم الصليب طريقًا ضيقًا لبلوغ مجد الملكوت. في هذا الأصحاح يقدم لنا الإنجيلي أمثلة حية لصعوبة الطريق الذي قدمه السيد:

  1. منع التطليق لغير العلة 1-12.
  2. قبول الأطفال بالحب 13-16.
  3. الغني والتبعية للمسيح 17-27.
  4. الترك والتبعية للمسيح 28-34.
  5. ترك حب الرئاسات 35-45.
  6. الحاجة إلى تفتيح الأعين 46-52.
  7. منع التطليق لغير العلة

حتى الأصحاح السابق كان الإنجيلي مرقس يحدثنا عما نطق به السيد وما عمله واحتمله في الجليل. ومع بداية هذا الأصحاح بدأ حديثه عن السيد في اليهودية إذ عبر الأردن من جهة الشرق، وقد دُعيت هذه المنطقة باليهودية تمييزًا لها عن السامرية والجليل والمدن الخمس وغيرها. وهناك في اليهودية وجد مقاومات كثيرة كما أعلن عن صعوبة الطريق الضيق الذي يسلكه، والذي يحمل مؤمنيه إليه لينطلق بهم إلى مجد ملكوته.

أحد مظاهر ضيق هذا الطريق الملوكي هو تقديم الوصية الصعبة، إذ لم يأتِ السيد لكي يرضي الناس حسب أهوائهم، وإنما لكي يرفعهم إلى مستوى لائق كأبناء لله، لهم الوصية التي تبدو أحيانًا مستحيلة. أحد بنود هذه الوصية مفهوم الحياة الزوجية كحياة فائقة لا تفصلها إلا علة الزنا.

يقول الإنجيلي: “فتقدم الفريسيون وسألوه: هل يحل للرجل أن يطلق امرأته؟ ليجربوه. فأجاب وقال لهم: بماذا أوصاكم موسى؟ فقالوا: موسى أذن أن يكتب كتاب طلاق فتطلق. فأجاب يسوع، وقال لهم: من أجل قساوة قلوبكم كتب لكم هذه الوصية. ولكن من بدء الخليقة ذكرًا وأنثى خلقهما الله…” [2-6].

كثيرًا ما كان الفريسيون يترددون عليه لا للتعرف على حقيقة أمره أو التمتع بالحق، وإنما لأنهم خشوا إن تركوه يلتف كله حوله، فكانوا يترددون في الغالب كجماعات يقدمون الأسئلة المتوالية بقصد إرباكه أمام الجموع. والآن إذ أدركوا في تصرفاته المملوءة حبًا وحنانًا أنه لا يسمح بالطلاق، خاصة وأنه سبق فأعلن ذلك (مت 5: 31-32)، لذا قدموا هذا السؤال لكي يتصيدوا له خطأ، إن وافق بالطلاق أو رفضه. لكن السيد وهو يرفض الطريق السهل، طريق الطلاق، ليدخل بمؤمنيه في طريق الوصية الصعبة أجابهم بحكمة من جهة الآتي:

أولاً: أراد أن ينزع من قلوبهم وأفكارهم إباحة الطلاق، فجاءت إجابته غير مباشرة حتى لا يسقط في شباكهم، إذ كرّم الناموس موسى بقوله: بماذا أوصاكم موسى؟ وكأنه لا يتجاهل ما قد سبق فأعلنه خلال نبيه موسى، وإنما يكشف أعماق الناموس ليدخل بهم إلى روح الناموس لا حرفه.

ثانيًا: حين قدم لهم السؤال تركهم يجاوبون ليرد عليهم من إجابتهم عينها، فقد قالوا: موسى أذن أن يكتب كتاب طلاق فتطلق. كأن موسى لم يأذن بالطلاق إنما أذن أن يكتب كتاب طلاق فتطلق، وهنا يوجد فارق بين التعبيرين، فإن الإذن بالطلاق يجعل منه أمرًا سهلاً، أما كونه يأذن بكتابة كتاب الطلاق أولاً، فيعني أن الرجل قبل أن يطلق امرأته يلزمه أن يذهب إلى أحد الكتبة ليكتب له كتاب الطلاق، وكان يلزم أن يكون هؤلاء الكتبة من العقلاء يباحثونه الأمر، ويهدئون من غضبه ما استطاعوا ويلجأون إلى كبار عشيرته أو سبطه إن احتاج الأمر، فيلطفون من الموقف، محاولين مصالحة الرجل مع امرأته.

حقًا لقد خشي الله وهم في طفولة حياتهم الروحية لئلا يقتل الرجل امرأته، أو ينحرف إلى العبادات الوثنية التي تبيح له بالطلاق، فسمح له بالطلاق، ولكن بعد تروٍ. لهذا يكمل السيد المسيح حديثه بقوله: “من أجل قساوة قلوبكم كتب لكم هذه الوصية”. وكأن الوصية الموسوية ليست أمرًا بالطلاق، لكنها سماح به في حدود لأجل قسوة قلوبهم التي لم يكن يلزم أن تكون هكذا.

ولكي يؤكد لهم السيد ذلك ردهم إلى الناموس الطبيعي الذي أقامه الله في بدء الخليقة، قائلاً: “ولكن من بدء الخليقة ذكرًا وأنثى خلقهما الله. من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته. ويكون الاثنان جسدًا واحدًا، إذًا ليس بعد أثنين بل جسد واحد. فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان” [6-9]. كأنه في بدء الخليقة قبل السقوط لاق بالإنسان أن يقبل زوجته ليكون معها جسدًا واحدًا، أما وقد فسدت طبيعة الإنسان، ودخلت إليه قسوة القلب، فلم يعد هذا الناموس يناسبه إذ حسبه حرمانًا وطريقًا صعبًا، فسمح له الله بكتابة كتاب الطلاق لتهدئته.

والآن جاء السيد المسيح لا ليُقدم وصايا جديدة، إنما بالأكثر طبيعة جديدة فيها تنتزع قسوة القلب، ويُرد الإنسان إلى الحياة الأولى النقية، فيتقبل الوصية التي ظنها صعبة كالامتناع عن الطلاق، وصية إلهية سهلة تليق بإنسانه الجديد، لأنها تحمل صورة الزواج الروحي القائم بين السيد المسيح والكنيسة عروسه الواحدة الوحيدة! في هذا يقول الرسول بولس: من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسدًا واحدًا؛ هذا السّر عظيم، ولكنني أنا أقول من نحو المسيح والكنيسة (أف 5: 31-32).

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لو أن الله أراد أن تُنزع امرأة لتُجلب أخرى لخلق (لآدم) نساء كثيرات. الله لم يربط الرجل بامرأة واحدة فحسب، وإنما أمره أيضًا أن يعتزل والديه ويلتصق بامرأته، قائلاً: “من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته”. يظهر من هذا التعبير استحالة تحطيم الزواج (بالتطليق)، إذ يقول “يلتصق“.]

يقول القديس أمبروسيوس لمن يرغب في تطليق زوجته: [خف الله وأصغِ لناموس الرب: “الذي جمعه الله لا يفرقه إنسان” )مت 19: 6 ). إنك لا تهدم وصية سماوية، إنما تهدم عمل الله[1].]

إن كان الزواج المسيحي هو ثمرة عمل الله (مت 19: 6)، فبالأولى الزواج الروحي بين النفس وعريسها، هذا الذي يقوم به روح الله القدوس ويتممه في استحقاقات الدم، فلا يليق بنا أن نحطمه خلال إنكار الإيمان علانية بسبب ضيق أو اضطهاد ولا خلال سلوكنا برفض الوصية، وإلا نكون قد مارسنا طلاقًا ممقوتًا.

  1. قبول الأطفال بالحب

إن كان الفريسيون قد جاءوا إلى السيد المسيح يسألونه بخصوص الطلاق بقصد سيء، قد يكشفوا للجموع أنه يصَّعب الطريق ويكسر الناموس، فإن الجموع على العكس أدركت محبته وتلامست مع بساطته، فجاءت إليه بالأطفال تسأله أن يضع يديه عليهم ويباركهم.

“وقدموا إليه أولادًا لكي يلمسهم،

وأما التلاميذ فانتهروا الذين قدموهم.

فلما رأى يسوع ذلك اغتاظ، وقال لهم:

دعوا الأولاد يأتون إليّ، ولا تمنعوهم،

لأن لمثل هؤلاء ملكوت الله.

الحق أقول لكم: من لا يقبل ملكوت الله مثل ولد فلن يدخله.

فاحتضنهم، ووضع يديه عليهم، وباركهم” [13-16].

يقول القديس كيرلس الكبير: [لقد انتهرهم التلاميذ الطوباويون ليس لأنهم كانوا يحسدون الأطفال، بل حسبوا في هذا تقديم احترام له كمعلمٍ لهم، ومنع التعب غير اللازم، ولأجل اهتمامهم الشديد بحفظ النظام[2].] بنفس المعنى يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لقد منعهم التلاميذ عن إحضار أولادهم، إذ حسبوا هذا لا يليق بكرامة المسيح… لكن مخلصنا وقد أراد أن يعلم تلاميذه فكر التواضع والوطء بالقدمين على الكبرياء الزمني احتضن الأولاد ونسب إليهم ملكوت الله.] ويقول القديس أمبروسيوس [لم يفعل التلاميذ ذلك بقسوة قلب أو سوء نية من نحو الأطفال بل كانت لهم غيرة كخدام ساهرين خشية أن تزحمه الجموع، ففي موضع آخر قالوا: “يا معلم الجموع يضيقون عليك[3]” (لو 8: 45).]

لقد أراد التلاميذ للسيد المسيح الطريق السهل المكرّم، رافضين مضايقة الأطفال الصغار ومتاعبهم، أما السيد فقدم لهم طريقه الصعب البسيط، يلتزم به التلاميذ والرسل كما الشعب أيضًا، فإنه إذ يحتضن الأطفال وهم في ذلك الحين يمثلون طبقة محتقرة بلا حقوق، يكشف أن المعلم لا يطلب كرامة ومجدًا لنفسه، إنما يطلب نفسًا تلتصق بالرب، حتى وإن كانت نفس طفل أو عبد أو لص! إنه طريق الحب للجميع لا طلب الكرامة. ولا يقف الأمر عند هذا الحد باحتضان الأطفال، إنما جعل من الطفل مثلاً ما لم نبلغه لن ندخل الملكوت. هكذا كرّم السيد الطفولة إذ صار نفسه طفلاً بتجسده، والآن يطالب التلاميذ – قادة الكنيسة – أن يبلغوا مع الشعب إلى الطفولة ليكون لهم نصيب في الملكوت معهم.

  • حقًا ذهن الطفل نقي من آلام الخطية، لهذا يليق بنا أن نمارس بكامل حريتنا ما يفعله الأطفال بالطبيعة.

 القديس يوحنا الذهبي الفم

  • لم يقل “لهؤلاء”، بل قال: “لمثل هؤلاء ملكوت الله”، أي للذين لهم في نيتهم كما في تصرفاتهم ما للأطفال بالطبيعة من بساطة وعدم الأذية. فالطفل لا يبغض، ولا يحمل نية شريرة، حتى إن ضربته والدته لا يعتزل عنها، وأن ألبسته ثيابًا رخيصة يراها أفضل من الثوب الملكي، هكذا من يسلك في طرق الكنيسة أمه الصالحة، لا يكرم شيئًا أكثر منها، حتى ملذاته بكونها ملكة الكل، لذلك يقول الرب: “من لا يقبل ملكوت الله مثل ولد فلن يدخله”

الأب ثيؤفلاكتيوس بطريرك بلغاريا

  • لا يقصد بالطفولة هنا تفضيل سن عن آخر، وإلا صار النمو (في العمر) هدمًا، وما كنت أشتهي بلوغ سن النضوج مادام يسلبني تعبي في ملكوت السماوات، ولما سمح الله لنا بالنمو مادام هذا النمو ينمي الرذائل لا الفضيلة، ولما اختار الرب تلاميذه ناضجين بل أطفالاً. لكن الأطفال لا يعرفون أسرارًا ولا خداعًا ولا رد الإساءة بالإساءة ولا يطلبون الغنى، ولا يمتلكهم حب الكرامة.

الجهل بالأمور (كالطفل الذي لا يفهم شيئًا) لا يهب الفضيلة بل يسيء إليها، هكذا لا تتمجد عفتنا عن عجز (كالطفل العاجز عن الشهوة)… الفضيلة ليست عجزًا عن ممارسة الخطية، إنما هي رفض له ومثابرة في الجهاد لكي نرجع إلى طبيعتنا وطفولتنا.

إذن لا يشير الرب إلى الطفولة هنا كسنٍ معينٍ، وإنما كحب للامتثال ببساطة الطفولة…

  • لنهرب إذن من الكبرياء ولنقتدي ببساطة الأطفال، فالحق يتعارض مع الكبرياء بينما توافقه البساطة وترفعه بتواضعها[4].

 القديس أمبروسيوس

  • لا يريدنا المسيح أن نكون بلا فهم بل يريدنا أن نفهم كل ما هو نافع وضروري لخلاصنا بطريقة كاملة. فإنه حتى الحكمة تعد أنها ستعطيالبسطاء ذكاءً والشاب بدء معرفة وتدبيرًا (أنظر أم 1: 4). وقد وجدت الحكمة في سفر الأمثال أشبه بمن ترفع صوتها عاليًا، وتقول: لكم أيها الناس أنادي وصوتي إلى بني البشر، أيها البسطاء تعلموا الذكاء، ويا جهال ضعوا قلبًا فيكم (انظر أم 8: 4)…

لكن كيف يكون الإنسان بسيطًا وحكيمًا في نفس الوقت؟ هذا ما يوضحه لنا المخلص في موضع آخر بقوله: كونوا حكماء كالحيات، وبسطاء كالحمام (مت 10: 16)، وبنفس الطريقة يكتب الطوباوي بولس: أيها الإخوة لا تكونوا أولادًا في أذهانكم، بل كونوا أولادًا في الشر، وأما في الأذهان فكونوا كاملين” (1 كو 14: 20).

يلزمنا أن نفحص ما معنى أن نكون أولادًا في الشر، وكيف يصير الرجل هكذا بينما يكون في الذهن رجلاً ناضجًا. الطفل معرفته قليلة جدًا، وأحيانًا معدومة تمامًا، لذا فهو بريء من جهة فساد الشر، ونحن أيضًا من واجبنا أن نسعى لكي نتمثل بهم في هذا الأمر بانتزاع عادات الشر عنا تمامًا، فيُنظر إلينا كرجال ليس لهم حتى معرفة بالطريق التي تقود للغش، ليس لنا إدراك للمكر أو الخداع، بل نكون بسطاء وأبرياء نمارس اللطف والتواضع الذي لا يقدّر، ونكون مستعدين لاحتمال السخط والضغينة. بهذا نؤكد أننا نحمل سمات من هم لا يزالون أولادًا.

بينما تكون شخصيتنا بسيطة وبريئة، يليق بنا أن نكون كاملين في الذهن، فيتأسس فهمنا بثباتٍ ووضوحٍ على من هو بالطبيعة والحق خالق المسكونة، الله الرب…

يقوم كمال الذهن الرئيسي على الإيمان، فلا يكون فهمنا فاسدًا، وأما الأمر الثاني والمجاور لهذا الكمال الرئيسي والقريب منه وملازم له، فهو المعرفة الواضحة للطريق السلوكي الذي يفرح الله الذي تعلمناه بالإنجيل، الطريق الكامل الذي بلا لوم (هنا يميز القديس بين السالكين طريق الرب الإنجيلي وبين النبلاء في السلوك خلال الفلسفات التي يمكن أن تخدع). من يسلك هذا الطريق يمارس حياة البساطة والبراءة، ومع ذلك فهم يعرفون أية أراء (إيمانية) يتمسكون بها وأي أعمال حقة يمارسونها.

مثل هؤلاء يدخلون الباب الضيق، فلا يرفضون الأتعاب التي تلزم للتقوى في الله واللازمة لتقود إلى الحياة الممجدة. هكذا بحق يتقدمون إلى اتساع فيض طريق الله ويبتهجون بعطاياه، ويربحون لأنفسهم ملكوت السماوات بالمسيح الذي لله الآب الحمد والسلطان بالمسيح معه، ومع الروح القدس إلى أبد الأبد. آمين[5].

 القديس كيرلس الكبير

ليتنا إذن نتمثل بالأطفال في الشر لا في الذهن، فنقبل بإيمان صادق أن يمد الرب نفسه يده ليضمنا إليه ويحملنا على منكبيه، ويدخل بنا إلى صليبه خلال الباب الضيق، فتنفتح لنا سماواته في داخلنا وننعم بأمجاده فينا، ونعيش ملكوته الأبدي بفرحٍ حقيقيٍ ومجيدٍ.

إذ نعود إلى تقديم الأطفال ليباركهم السيد نذكر ما قاله القديس كيرلس الكبير إذ يرى الأطفال وقد وضع الآباء الأساقفة أيديهم على رؤوسهم لنوال نعمة الروح القدس (التثبيت) بعد المعمودية، لا من بشر بل من السيد المسيح نفسه، إذ يقول: [حتى وقتنا الحاضر يُقدم الأطفال للمسيح فيباركهم خلال الأيدي المكرسة. مثال هذا العمل قائم حتى اليوم وقد جاء إلينا خلال عادة المسيح مؤسسها[6].]

وللعلامة أوريجينوس تعليق لطيف على تقديم الأطفال لنوال البركة، إذ يقول: [إن رأى إنسان يقوم بعمل التعليم في الكنيسة أحدًا يحضر له بعضًا من أغبياء هذا العالم ومن الطبقات الدنيا والضعفاء، هؤلاء الذين بسبب هذا يُحسبون أطفالاً وصغارًا، ليته لا يمنعه من تقديمهم للمخلص لئلا يكون عمله بلا تمييز.]

  1. الغني والتبعية للمسيح

هكذا تتكشف ملامح الطريق الجديد في بساطته أيضًا لغير الروحيين، إذ هو طريق المسيح المصلوب، وصيته تبدو صعبة تحمل في أعين الجسدانيين حرمانًا، ودعوته تحتضن الأطفال المحتقرين – في ذلك الحين – وتدعونا للطفولة في بساطتها ونقاوتها، والآن إذ يلتقي به شاب غني ارتبط قلبه بثروة هذا العالم حرمه هذا الثقل من العبور مع السيد خلال باب الحب للدخول إلى الطريق الضيق. فالغنى في ذاته ليس شرًا، لكنه يمثل ثقلاً للنفس المتعلقة به، يفقدها حياتها وينزعها عن الالتصاق بمخلصها.

يروي لنا الإنجيلي قصة هذا اللقاء، فيقول:

“وفيما هو خارج إلى الطريق ركض واحد وجثا له، وسأله:

أيها المعلم الصالح، ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟

فقال له يسوع: لماذا تدعوني صالحًا،

ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله.

أنت تعرف الوصايا:

لا تزن، لا تقتل، لا تسرق،

لا تشهد بالزور، لا تسلب، أكرم أباك وأمك” [17-19].

خرج السيد المسيح إلى الطريق ليجد الشاب الغني المُمسك بحب المال هناك، فمع غناه يوجد في الطريق كمن محتاج يطلب شبعًا ولا يجد. شعر الشاب بالجوع والعطش فركض مسرعًا نحو السيد وجثا له وسأله: “أيها المعلم الصالح ماذا أعمل لأرث الحياة الصالحة؟

وإذ كان الشاب لم يدرك بعد أنه المسيح ابن الله، عاتبه السيد: “لماذا تدعوني صالحًا، ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله!” إنه لم ينف عن نفسه الصلاح فقد دعا نفسه الراعي الصالح (يو 10: 11؛ لو 2: 15)، لكنه يرفض أن يلقبه الشاب هكذا ظنًا أنه لقب للتفخيم كعادة اليهود في معاملاتهم مع القيادات الدينية، ينعتوهم بصفات خاصة بالله نفسه. وكأنه أراد من الشاب أن يراجع حساباته الداخلية من جهة إيمانه به، وثانيًا ألا يستخدم الألفاظ الخاصة بالله لتكريم الإنسان.

يقول القديس أمبروسيوس: [عندما قال: “أيها المعلم الصالح”، قالها بمعنى الصلاح الجزئي لا المطلق مع أن صلاح الله مطلق وصلاح الإنسان جزئي، لذا أجابه الرب: لماذا تدعوني صالحًا، وأنت تنكر إني أنا الله؟ لماذا تدعونني صالحًا والله وحده هو الصالح؟ لم ينكر الرب أنه صالح، بل يشير إلى أنه هو الله… إن كان الآب صالحًا فذاك أيضًا صالح، لأن كل ما للآب فهو له (يو 17: 10)… أليس صالحًا من يدبر صلاح النفس التي تطلبه؟ أليس صالحًا من يشبع بالخير عمرك (مز 103: 5)؟ أليس صالحًا من قال أنا هو الراعي الصالح”؟ (يو 10: 11)[7].]

ويقول القديس كيرلس الكبير: [لقد اقترب وتظاهر بالحديث اللطيف، إذ دعاه معلمًا ووصفه صالحًا، وقدم نفسه كمن يشتهي التلمذة له، إذ قال: “ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟” لاحظ كيف مزج التملق بالخداع والخبث كمن يمزج الإفسنتين بالعسل، حاسبًا أنه بهذا يقدر أن يخدعه. عن مثل هؤلاء قال أحد الأنبياء القديسين: لسانهم سهم قتال بالغش؛ بفمه يكلم صاحبه بسلام وفي نفسه عداوة (أر 9: 8).

وأيضًا يقول المرتل الحكيم عنهم: فمهم مملوء لعنة ومرارة (مز 10: 7)، وأيضًا:ألين من الزيت كلماته وهي سيوف (حراب) (مز 55: 21). لقد داهن يسوع، وحاول أن يخدعه، مظهرًا أنه خاضع له. لكن العالم بكل شيء أجاب: “لماذا تدعونني صالحًا؟ ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله”، إذ مكتوب: الأخذ الحكماء بحيلتهم (أي 5: 13).

ها أنت ترى كيف برهن السيد أن (الشاب) لم يكن حكيمًا ولا متعلمًا مع أنه رئيس لليهود (لو 18: 18). كأنه يقول له: أنت لا تؤمن إني الله، وارتدائي للجسد قد ضللك، فلماذا تنعتني بما يليق بالطبيعة العلوية وحدها مع أنك لا تزال تحسبني إنسانًا مثلك، وليس أعظم من الطبيعة البشرية؟ فإن الله وحده بطبيعته التي تسمو على الكل يُنسب إليه الصلاح بالطبيعة، الصلاح غير المتغير.

أما الملائكة ونحن الذين على الأرض فصالحون بتمثلنا به أو بالحري بشركتنا معه… هو بالحق صالح، صالح مطلقًا، أما الملائكة والبشر فصالحون بكونهم خلقوا هكذا مشاركين في صلاح الله كما قلت… على أي الأحوال كأنه يقول له: أبدو لك إني لست حقًا الله، وها أنت بجهل وغباوة تنسب لي ما يخص الطبيعة الإلهية، في الوقت الذي فيه تحسبني إنسانًا مجردًا، الكائن الذي لا ينسب له الصلاح كطبيعة غير متغيرة، إنما يقتنيه حسب الإرادة الإلهية[8].]

إذ سأله الشاب عن الحياة الأبدية وجهه السيد إلى الوصايا، قائلاً: “أنت تعرف الوصايا: لا تزن، لا تقتل، لا تشهد بالزور، لا تسلب، أكرم أباك وأمك” [18-19]؛ فإننا لا نستطيع التمتع بالحياة الأبدية خارج الوصية الإلهية.

لقد جاءت إجابة السيد المسيح على خلاف ما توقع هذا الشاب رئيس مجمع يهودي، إذ يقول القديس كيرلس الكبير: [توقع رئيس المجمع أن يسمع المسيح يقول: كُف يا إنسان عن كتابات موسى، أترك الظل، فإنها كانت رموزًا ليس إلا، واقترب بالحري إلى وصاياي، التي أقدمها بالإنجيل. لكنه لم يجب هكذا إذ أدرك بمعرفته الإلهية غاية ذاك الذي جاء ليجربه. فكما لو لم تكن له وصايا أخرى بجانب الوصايا التي أعطيت لموسى أرسل إليهم (المجمع) الرجل (الرئيس) قائلاً له: “أنت تعرف الوصايا”، ولئلا يظن أنه يتحدث عن وصايا خاصة به عدّد الوصايا الواردة في الناموس، قائلاً: “لا تزن، لا تقتل، لا تشهد بالزور”[9].]

على أي الأحوال إذ بحكمة أجابه السيد حتى لا يتصيد هذا الرئيس الشاب على السيد أنه كاسر للناموس، فإنه في نفس الوقت سحبه نحو الوصية الإلهية كمصدر للتمتع بالحياة الأبدية. وكما يقول القديس مرقس الناسك أن السيد المسيح نفسه مختفي في الوصية فمن يمارسها عمليًا يكشفه داخلها. بمعنى آخر إن كانت الحياة الأبدية هي تمتع بالمسيح “الحياة” عينها، فإننا نلتقي به عمليًا متى آمنا به خلال دخولنا إلى أعماق الوصية لنجده سّر تقدسينا ونقاوتنا وحياتنا.

أعلن الشاب أنه قد حفظ الوصايا منذ حداثته فأحبه المسيح، وكما يقول العلامة أوريجينوس: [لقد أحبه أو قبّله، مظهرًا تثبيت الحق في عمله بقول الشاب أنه حفظها كلها… إذ رآه قد أجاب بضمير صالح[10].]

ربما يتساءل البعض كيف يحب إنسانًا أو يقّبله وهو يعلم أنه لا يتبعه؟ نجيب على هذا أنه أحب فيه البداية الحسنة لكنه لا يحب انحرافه فيما بعد. أحب فيه ما استحق أن يُحب ليدفعه لما هو أعظم، لكن ليس إلزامًا ولا قهرًا، إنما بكامل حريته. لقد أحبه وقدم له الوصية التي تبلغ به إلى الكمال: “يعوزك شيء واحد. اذهب بع كل مالك، وأعطِ الفقراء، فيكون لك كنز في السماء. وتعال اتبعني حاملاً الصليب” [21].

من تعليقات الآباء على قول السيد بخصوص ترك محبة العالم وحمل الصليب:

  • حسنًا قال “يكون لك كنز” ولم يقل “حياة أبدية”، أنه يتحدث في أمر الغنى وتركه، مظهرًا أنه يتمتع بما هو أعظم مما ترك بقدر ما السماء أعظم من الأرض.

 القديس يوحنا الذهبي الفم

  • ليس من انطلقت في نفسه وفي عظامه محبة المسيح ويقدر أن يحتمل قذارة الشهوة المرذولة… ليس من سُبى عقله بحُسن رب الكل يقدر أن يسبيه شيء من هذا العالم بشهواته.
  • الذين ذاقوا عظمة حلاوته صاروا مبغضين كل نعيم.
  • كمال الوصايا هو الصليب، يعني نسيان شهوات العالم وإهمالها، مع اشتياق وتلهف وحب للرحيل، كقول القديس بولس: لي اشتهاء أن انطلق وأكون مع المسيح، ذاك أفضل جدًا (في 1: 23).

 القديس يوحنا سابا

أمام هذه الوصية الإلهية وقف الشاب متعثرًا… فقد رأى طريق السيد المسيح صعبًا، لأن محبته للمال قد حرمته من الدخول، إذ يقول الإنجيلي: “فاغتم على القول، ومضى حزينًا، لأنه كان ذا أموالٍ كثيرةٍ” [22]. تألم السيد المسيح لهذا المنظر حين رأى أمور هذا العالم التي خلقها الله للإنسان كي يستعملها استعملته هي لحسابها عبدًا، وعِوَض أن تسنده أذلت قلبه، وربطته في شباك التراب وفخاخه، لهذا “نظر يسوع حوله، وقال لتلاميذه: ما أعسر دخول ذوي الأموال إلى ملكوت الله” [23]. إذ تحير التلاميذ “قال لهم: يا بني، ما أعسر دخول المتكلين على الأموال إلى ملكوت الله. مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله” [24-25].

لقد كشف لهم أن العيب لا في الغنى إنما في القلب المتكل على الغنى‍‍!

  • قال الرب هذا لتلاميذه الفقراء الذين لا يملكون شيئًا ليعلمهم ألا يخجلوا من فقرهم، مبررًا لهم لماذا لم يسمح لهم أن يملكوا شيئًا.

 القديس يوحنا الذهبي الفم

يقدم لنا القديس أمبروسيوس تفسيرًا رمزيًا لكلمات السيد المسيح: “مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله” بالقول بأن الجمل يشير إلى شعوب الأمم (إش 30: 6) وثقب الإبرة يشير إلى طريق الصليب الضيق، وكأن دخول الأمم خلال طريق السيد المسيح الضيق لهو أيسر من دخول الأمة اليهودية التي تمثل الغنى من جهة تمتعها بالناموس والآباء والأنبياء والوعود الخ. إلى ملكوت الله!

ويرى القديس كيرلس الكبير أن كلمة “جمل” هنا تشير إلى الحبال السميكة التي يستخدمها البحارة في السفن، هذه التي لا يمكن أن تدخل في ثقب إبرة.

إذ سمع التلاميذ كلمات السيد المسيح “بهتوا إلى الغاية، قائلين بعضهم لبعض: فمن يستطيع أن يخلص؟ فنظر إليهم يسوع وقال: عند الناس غير مستطاع، ولكن ليس عند الله، لأن كل شيء مستطاع عند الله” [26-27]. لقد أدرك التلاميذ صعوبة الطريق بسبب إغراءات المال، لكن رب المجد كشف لهم أنه ليس شيء غير مستطاع لدى الله، فإن كان يسمح لأحد بالغنى، فإنه يقدر بنعمته أن يحول هذا الغنى للخير، كما حوّل غنى إبراهيم ويوسف وغيرهما لمجده. الحاجة إلى واحد، الله الذي يسند النفس، ويجتذبها من كل حبال الشر، ويهبها إمكانية العمل لحساب مملكة الله.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [سبب قوله أن الله هو العامل، الكشف عن أن من يضعه الله في هذا الطريق (الغنى) يحتاج إلى نعمة عظيمة، مظهرًا أنه ستكون المكافأة عظيمة للغني الذي يتبع التلمذة للمسيح.]

  1. الترك والتبعية للمسيح

إذ رأى التلاميذ الشاب لا يحتمل الوصية الخاصة بالترك مع التبعية للمسيح، تساءلوا ماذا يكون نصيبهم وقد تركوا كل شيء وتبعوه، إذ “ابتدأ بطرس يقول له: ها نحن تركنا كل شيء وتبعناك” [28]. لقد تركوا أمورًا قليلة وتافهة، لكنها تمثل كل شيء عندهم. تركوا بقلوبهم الكل وتبعوه. لذلك أجابهم السيد إجابة عامة، مشجعًا الدخول في الطريق الصعب، طريق التخلي عن كل شيء بقوله: “الحق أقول لكم، ليس أحد ترك بيتًا أو إخوة أو أخوات أو أبًا أو أمًا أو امرأة أو أولادًا أو حقولاً لأجلي ولأجل الإنجيل، إلا ويأخذ مئة ضعف الآن في هذا الزمان: بيوتًا وإخوة وأخوات وأمهات وأولادًا وحقولاً مع اضطهادات، وفي الدهر الآتي الحياة الأبدية. ولكن كثيرون أولون يكونون آخرين، والآخرون أولين” [29-31].

  • يبدو لي أنه بهذه الكلمات أراد أن يحدثهم عن الاضطهادات بطريقة غير مكشوفة، إذ يحدث أن يحاول كثير من الآباء أن يغروا أولادهم على الشر، وتغري النساء رجالهن[11].

 القديس يوحنا الذهبي الفم

  • لا يذهب جندي إلى معركة مع زوجته[12].

 القديس جيروم

  • لاحظ كيف دفع كل سامعيه إلى رجاء أكيد… مؤكدًا وعده بقسم، بقوله كلمة “الحق” قبل إعلانه عن الوعد…

الأقوياء في الذهن، الذين يفضلون محبة المسيح، يتمسكون بالإيمان بشغف، ويسعون بحماس أن يقتنوا الانتساب لبيته خلال العلاقة الروحية، غير مبالين بالحروب والانقسامات التي يثيرها عليهم أقرباؤهم حسب الجسد. بهذا يترك الناس بيوتهم وأقرباءهم من أجل المسيح ليربحوا اسمه بكونهم يُدعون مسيحيين، بل وبالحري من أجل مجده، لأن اسمه غالبًا ما يعني مجده.

لننظر بعد ذلك بأية كيفية من يترك بيته أو أباه أو أمه أو إخوته أو حتى زوجته يقبل أضعافًا في هذا الزمان الحاضر. هل يصير زوجًا لزوجات كثيرات أو يجد على الأرض آباء كثيرين عِوَض الأب الواحد، وهكذا بالنسبة للقرابات الجسدية؟ لسنا نقول هذا، إنما بالحري إذ نترك الجسديات والزمنيات نتقبل ما هو أعظم، أقول نتقبل أضعافًا مضاعفة لأمور كانت لدينا…

كل واحد منا نحن الذين نؤمن بالمسيح ونحب اسمه إن ترك بيتًا يتقبل المواضع التي هي فوق. وإن ترك آبًا يقتني الآب السماوي. إن ترك إخوته يجد المسيح يضمه إليه في أخوة له. إن ترك زوجة يجد له بيت الحكمة النازل من فوق من عند الله، إذ كتب: قل للحكمة أنتِ أختي، وأدع الفهم ذا قرابة (أم 7: 4). فبالحكمة (كزوجة) تجلب ثمارًا روحية جميلة، بها تكون شريكًا في رجاء القديسين وتُضم إلي صحبة الملائكة.

وإذ تترك أمك، تجد أمًا لا تقارن، أكثر سموًا، أورشليم العليا التي هي أمنا (جميعًا) فهي حرة (غل 4: 26)… فإن من يُحسب مستحقًا لنوال هذه الأمور يُحسب وهو في العالم سامٍ وموضع إعجاب، إذ يكون مزينًا بمجد من قبل الله والناس. هذه الأمور واهبها هو ربنا كلنا ومخلصنا، تحسب أضعاف مضاعفة بالنسبة للزمنيات والجسديات[13].

 القديس كيرلس الكبير

  • من يتبع المسيح تخف عنه الآلام العالمية والملذات الأرضية، متقبلاً إخوة وشركاء له في الحياة، يرتبط بهم ارتباطًا روحيًا، فيقتني حتى في هذه الحياة حب أفضل مئة مرة عن (الحب المتأسس على الرباط الدموي).

بين الآباء والأبناء والإخوة والزوجات والأقارب يقدم الرباط لي مجرد القربى، لهذا فهو قصير الأمد وينحل بسهولة… أما الرهبان (إذ يتركون الزواج) يحتفظون بوحدة باقية في ألفة، ويملكون كل شيء في شركة عامة بينهم، فيرى كل إنسان أن ما لإِخوته هو له، وما له هو لإخوته، فإذا ما قارنا نعمة الحب التي لنا هكذا بالنسبة للحب الذي يقوم على مجرد الرباطات الجسدانية فبالتأكيد نجده أعذب وألذّ مئة ضعف.

هكذا أيضًا نقتني من العفة الزيجية (حيث ترتبط النفس بالرب يسوع كعريس لها) سعادة تسمو مئات المرات عن السعادة التي تتم خلال إتحاد الجنس. وعوض الفرح الذي يختبره الإنسان بملكيته حقلاً أو منزلاً يتمتع ببهجة الغنى مئات المرات بكونه ابن الله يملك كل ما يخص الآب الأبدي، واضعًا في قلبه وروحه مثال الابن الحقيقي القائل: كل ما للآب هو لي (يو 16: 15)… إنه يربح لنفسه كل شيء، منصتًا كل يوم لإعلان الرسول: كل شيء لكم (1 كو 3: 22)[14].

 الأب إبراهيم

 إذ حدثهم عن الترك من أجل الإنجيل أعلن لهم أنه هو أولاً يترك لأجلهم، مسلمًا نفسه لأحداث الصليب، حيث يسلمه الكتبة ورؤساء الكهنة للأمم فيهزأون به ويجلدونه ويتفلون عليه ويقتلونهk وفي اليوم الثالث يقوم [32-34].

  • لقد أظهر أنه يركض ليواجه آلامه، ولا يرفض الموت لأجل خلاصهم.
  • قال هذا ليثبت قلوب تلاميذه، حتى إذ يسمعون مقدمًا ما سيحدث يكونون في حالة أفضل مما لو سمعوا بعض الأحداث، بهذا لا ينزعجون عندما يحزنون؛ وأيضًا ليظهر لهم أنه يتألم باختياره، إذ يعرف الخطر الذي يلاحقه لا يهرب منه مع أن في قدرته أن يفعل ذلك… لكنه أخذ تلاميذه على إنفراد، إذ يليق إن يعلن سرّ آلامه لمن هم مقربين إليه جدًا.

 الأب ثيؤفلاكتيوس بطريرك بلغاريا

  • لقد عدّد لهم ما سيحدث له… حتى لا يضطربوا إذ تكون لهم الأحداث مفاجئة!

 القديس يوحنا الذهبي الفم

  • لكي يعد مخلص الكل أذهان تلاميذه مقدمًا أخبرهم بما سيحل به من آلام على الصليب، وموت في الجسد، وذلك قرب صعوده إلى أورشليم، كما أضاف أيضًا أنه يحب أن يقوم، ماسحًا الألم، طامسًا عار الآلام بقوة المعجزة (القيامة). فإنه لأمر مجيد يليق بالله أن يحطم قيود الموت ويرد الحياة. فقد حملت له القيامة شهادة انه هو الله وابن الله كما عبّر الحكيم بولس… بهذه الطريقة قطع عنهم الأفكار غير اللائقة مقدمًا ونزع كل فرصة للعثرة[15].

 القديس كيرلس الكبير

  1. ترك حب الرئاسات

بدأ الإعلان عن الطريق الصعب بالكشف عن الوصية الصعبة، ثم أعلن لهم عن الحاجة إلى احتضان الأطفال والضعفاء بالحب الروحي العملي، وأيضًا تحدث عن التخلي، ليس فقط عن محبة المال، وإنما حتى عن العلاقات القرابية إن صارت عثرة في الطريق. والآن فإن أخطر صعوبة تواجه الخدام هي التخلي عن حب الرئاسات.

تقدم إليه يعقوب ويوحنا ابنا زبدي قائلين:

يا معلم، نريد أن تفعل كل ما طلبنا.

فقال لهما: ماذا تريدان أن أفعل لكما؟

فقالا له: اعطنا أن نجلس واحد عن يمينك،

والآخر عن يسارك في مجدك” [35-37].

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إذ سمع التلاميذ المسيح يتكلم عن ملكوته كثيرًا ظنوا أن ملكوته يقوم قبل موته، والآن إذ هو يتحدث عن موته معلنًا لهم عنه مقدمًا. جاءه التلميذان ليتمتعا بكرامات الملكوت.] كما يقول [سؤال المسيح لهما: ماذا تريدان ليس عن جهل منه للأمر، وإنما ليلزمهما بالإجابة، فيفتح الجرح ويقدم له الدواء[16].]

أجابهما السيد: “لستما تعلمان ما تطلبان” [38]. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كأنه يقول لهما أنكما تتحدثان عن الكرامات بينما أتكلم أنا عن الصراعات والمتاعب. إنه ليس وقت المكافأة الآن بل هو وقت الدم والمعارك (الروحية) والمخاطر، لذلك أضاف: “أتستطيعان أن تشربا الكأس التي أشربها أنا، وأن تصطبغا (تتعمدا) بالصبغة التي أصطبغ بها أنا؟‍” [38]. لقد سحبهما من طريق سؤالهما إلى الالتزام بالشركة معه لتزداد غيرتهما.] يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [لقد قصد بالكأس والصبغة (المعمودية) الصليب، الكأس هي الجرعة التي نتقبلها بواسطته بعذوبة، والمعمودية هي علة تطهيرنا من خطايانا. وقد أجاباه بغير إدراك قائلين له: “نستطيع”، إذ حسباه يتحدث عن كأس منظورة وعن المعمودية التي كان اليهود يمارسونها التي هي الغسالات قبل الأكل.]

لقد تسرعا في الإجابة كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إذ ظنا أنهما ينالان كرامة الملكوت فورًا، لذلك أجابهما: “أما الكأس التي أشربها أنا فتشربانها، وبالصبغة التي أصطبغ بها أنا تصطبغان. وأما الجلوس عن يميني وعن يساري فليس لي أن أعطيه إلا للذين أُعِدَ لهم” [39-40]. وكأنه يقول لهما ستنعمان بالآلام معي والاستشهاد أيضًا، لكن أمر تمتعكما بأمجاد الملكوت فهو أمر إلهي يوهب لكما لا حسب فكركما المادي إنما حسب خطة الله الخلاصية.

في قوله “ليس لي أن أعطيه إلا للذين أعد لهم” يعلن دور الآب في يوم الرب العظيم، إذ هما يعملان معًا… يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [مع أنه هو الذي يدين، لكنه يظهر بهذه العبارة بنوته الأصلية[17].]

يقول الإنجيلي: “ولما سمع العشرة ابتدأوا يغتاظون من أجل يعقوب ويوحنا” [41]، فقد دفعتهم المشاعر البشرية إلى الحسد. هذا هو المرض الذي يوجهه عدو الخير بين الخدام؛ حب الرئاسات والكرامة الزمنية. لهذا “دعاهم يسوع، وقال لهم: أنتم تعلمون أن الذين يحسبون رؤساء الأمم يسودونهم، وأن عظماءهم يتسلطون عليهم. فلا يكون هكذا فيكم، بل من أراد أن يصير فيكم عظيمًا، يكون لكم خادمًا، ومن أراد أن يصير فيكم أولاً، يكون للجميع عبدًا، لأن ابن الإنسان أيضًا لم يأتِ ليُخدم بل ليخدم، ويبذل نفسه فدية عن كثيرين” [42-45].

  • لنتبع المسيح ربنا، فإن من يقول أنه يؤمن به يلزم أن يسلك كما سلك ذاك (1 يو 2: 6). لقد جاء المسيح ليخدم لا ليُخدم. لم يأت ليأمر وإنما ليطيع؛ لم يأتِ لكي تُغسل قدماه بل لكي يغسل هو أقدام تلاميذه. جاء لكي يُضرب لا ليضرب، يحتمل ضعفات الآخرين ولا يصفع أحدًا، ليُصلب لا ليصلب… إذن لنتمثل بالمسيح، فمن يحتمل الضعفات يتمثل به، وأما من يضرب الآخرين فيمتثل بضد المسيح[18].

 القديس جيروم

  1. الحاجة إلى تفتيح الأعين

إذ كان السيد خارجًا إلى أريحا، منطلقًا إلى أورشليم ليدخل إلى الآلام ويحمل الصليب عنا التقى بأعميين، ذكر القديس مرقس احدهما بالاسم “بارتيماوس بن تيماوس”. كان هذا الأعمى “جالسًا على الطريق يستعطى. فلما سمع أنه يسوع الناصري، ابتدأ يصرخ ويقول: يا يسوع ابن داود ارحمني. فانتهره كثيرون ليسكت، فصرخ أكثر كثيرًا: يا ابن داود ارحمني. فوقف يسوع وأمر أن يُنادي، فنادوا الأعمى قائلين له: ثق، قم، هوذا يناديك. فطرح رداءه وقام، وجاء إلى يسوع. فأجاب يسوع وقال له: ماذا تريد أن أفعل بك؟ فقال له الأعمى: يا سيدي أن أبصر. فقال له يسوع: اذهب، إيمانك قد شفاك. فللوقت أبصر، وتبع يسوع في الطريق” [46- 52].

لهذا العمل الإلهي أهميته الخاصة، فمن جهة أنه تم في الطريق حيث كان السيد مسرعًا نحو الصليب، وكأنه أراد أن يعلن غاية آلامه تفتيح عيني البشرية الداخليتين، أي بصيرتها القلبية، لتعاين أمجاد ملكوته القائم على صلبه وقيامته. ومن جانب آخر جاء هذا العمل يعلنه الإنجيلي بعد رفض الشاب الغني التبعية للمسيح وانشغال التلاميذ بالمراكز الأولى والتمتع بالكرامات الزمنية. وكأن طريقه الصعب يحتاج إلى عمله الإلهي ليهب النفس استنارة داخلية، فتتعرف على ملامح الطريق وتسلك فيه. وقد قدم لنا الإنجيلي تفاصيل تفتيح عيني هذا الأعمى لما حمله هذا العمل من مفاهيم روحية عميقة:

أولاً: تم تفتيح العينين عند أريحا على الطريق… ويرى القديس جيروم أن اسم المدينة ملائم للموقف، فإن معناه “قمر” أو “أناثيما”، أي “محروم”، حيث كان السيد منطلقًا إلى أورشليم ليحتمل الآلام والحرمان بالجسد لأجل خلاصنا.

كان الأعمى جالسًا على الطريق يستعطى. فإن كان طريق العالم سهلاً وطريق الرب صعبًا، لكن الأول يفقد النفس بصيرتها وحيويتها فيجعلها كمن في الطريق خاملة بلا عمل، تجلس في خيبة أمل تستعطي الآخرين.

ثانيًا: كانت صرخات الأعمى: “يا يسوع ابن داود” تعلن إيمانه به أنه المسيا المنتظر، الموعود به. إنه ابن داود الذي تترقبه الأجيال. يقول القديس كيرلس الكبير: [إذ تربى في اليهودية، وكان بحسب الميلاد من هذا الجنس لم تهرب من معرفته النبوات الواردة في الناموس والأنبياء بخصوص المسيح. لقد سمعهم يسبحون هذه العبارة من المزامير: أقسم الرب لداود بالحق لا يرجع عنه، من ثمرة بطنك أجعل على كرسيك(مز 132: 11).

لقد عرف أيضًا أن الطوباوي إشعياء النبي قال: ويخرج قضيب من جزع يسى وينبت (يزهر) غصن من أصوله (إش 11: 1)، وأيضًا قال: ها العذراء تحبل وتلد ابنًا، وتدعو اسمه عمانوئيل، الذي تفسيره الله معنا (إش 7: 14؛ مت 1: 23). فإنه إذ آمن أن الكلمة بكونه الله تنازل بإرادته ليولد حسب الجسد من عذراء مقدسة، اقترب منه كما من الله، وقال له: “ارحمني يا ابن داود”… لقد شهد أيضًا لمجده بسؤاله عملاً لا يقوم به غير الله وحده[19].]

ثالثًا: كانت الجموع تحيط بالسيد وتزحمه جسديًا، وعندما أراد الأعمى أن يلتقي به إيمانيًا لم يجد من الجموع إلا المقاومة، إذ قيل: “فانتهره كثيرون ليسكت”، وأمام هذه المقاومة: “صرخ أكثر فأكثر”، من واعز إيمانه الذي لا يُغلب.

حتى في داخل الكنيسة حينما يود إنسان أن يلتقي بالسيد خلال الروح قد يجد مقاومة وروح النقد تثبط الهمم، لكن النفس التي تتمسك بالإيمان الحيّ تشعر باحتياجها للمخلص، فتزيدها المقاومة صلابة، ويزداد صراخها الداخلي أكثر فأكثر، فيكرمها السيد المسيح بدعوتها أن تقترب منه وتتمتع بحضرته كما بعمله الداخلي فيها. يقول القديس كيرلس الكبير: [لتفهموا من هذا يا أحبائي أن الإيمان يدخل بنا إلى حضرة المسيح، ويقدمنا إلى الله (الآب) فنُحسب مستحقين لكلماته[20].]

رابعًا: إذ أمر السيد أن يُنادي، تحولت القوى المقاومة إلى قوة عاملة، إذ نادوه قائلين: ثق، قم، هوذا يناديك.

إن كانت هذه الجموع تشير أيضًا إلى الجسد الذي كثيرًا ما يقاوم النفس حين تود الالتقاء مع مخلصها ببث روح الخمول والتراخي، لكن النفس المثابرة تستعطف المخلص فيحول الجسد إلى آلات برّ تعين النفس في لقائها مع الرب. لهذا يقول القديس يوحنا سابا: [يتنعم الجسد والنفس معًا في الرب بالمحبة والفرح[21].]

خامسًا: طرح الأعمى رداءه وقام وجاء إلى يسوع. إنه تدريب يومي تقوي، فيه يطرح المؤمن أعمال الإنسان القديم كرداء، ويتمتع بالقيامة مع السيد ليكون دومًا معه وفي حضرته.

سادسًا: سأله السيد: ماذا تريد أن أفعل بك؟ ليس من عدم معرفة، إنما ليعلن إيمانه أمام الجميع، وليؤكد أنه يعطي من يسألونه.

سابعًا: تمتع بالبصيرة فتبع يسوع في الطريق، وكما يقول القديس جيروم: [أنتم أيضًا تستردون بصيرتكم أن صرختم إليه وطرحتم رداءكم القذر عنكم عند دعوته لكم… دعوة يلمس جراحكم ويمر بيديه على أعينكم، فإن كنتم قد وُلدتم عميان من البطن، وإن كانت أمهاتكم قد حبلت بكم بالخطية فهو يغسلكم بالزوفا فتطهرون، يغسلكم فتصيرون أبيض من الثلج (مز 51: 5، 7)[22].]

[1] In Luc 18: 17.

[2] In Luc. Sermon 121.

[3] In Luc 18: 17.

[4] In Luc 18: 17.

[5] In Luc Ser 121.

[6] In Luc Ser 121.

[7] In Luc 18: 18-30.

[8] In Luc Ser. 122.

[9] In Luc Ser. 123.

[10] In Evan. t. 15: 14.

[11] In Matt. hom 64.

[12] Ep. 22: 21.

[13] In Luc Ser. 124.

[14] Cassian: Conf. 24: 26.

[15] In Luc Ser. 125.

[16] In Matt. hom 65.

[17] In loan hom 67: 1.

[18] On Ps. hom 2.

[19] In Luc. Ser. 126.

[20] In Luc. Ser. 126.

[21] رسالة 30.

[22] Ep. 147: 9.

تفسير انجيل مرقس 10 الأصحاح العاشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير كورنثوس الثانية 10 – الأصحاح العاشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير كورنثوس الثانية 10 – الأصحاح العاشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير كورنثوس الثانية 10 – الأصحاح العاشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير كورنثوس الثانية 10 – الأصحاح العاشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

الباب الخامس

 

 

 

 

دفاعه عن مذلة حضرته

ص 10 – ص 12

 

دفاعه عن مذلة حضرته

لم يوجد موضع ما عانى فيه الرسول بولس من مقاومة المعلمين الكذبة مثل كورنثوس، فقد أخذوا منه موقفًا عدائيًا. كان من الهين عليه أن يضطهده اليهود والأمم، أما أن يقاومه اخوة كذبة تحت اسم المسيح، فهذا مرّ للغاية.

أُتهم القديس بولس أنه رقيق للغاية في معاملاته مع شعبه متى كان حاضرًا في وسطهم كمن هو ذليل، أما في رسائله فكان حازمًا جدًا.

اضطر أن يكتب الرسول دفاعًا عن تصرفاته هذه حتى لا يتعثر أحد:

  1. في الحضرة يلتزم بالمذلة ولا يبرز سلطانه ولا مواهبه ولا إمكانياته لكي يفتخر الكل بالرب (17:10، 18).

3 – إنه كصديق للعريس لا يهتم بما لنفسه بما للعروس. “فإني أغار عليكم غيرة اللَّه لأني خطبتكم لرجلٍ واحدٍ لأقدم عذراء عفيفة للمسيح” (2:11). إنه ليس كالمخادعين الذين يطلبون ما لمجدهم على حساب العروس وعلى حساب إنجيل الحق.

4 – لا ينقص شيئًا عن فائقي الرسل (5:11)، لكنه تذلل لخدمتهم؛ كما لم يستخدم سلطانه لنوال حقوقه الشرعية حتى لا يعثر أحدًا منهم (12:11).

5 – تحذيره لهم من الرسل الكذبة الماكرين، فإن الشيطان نفسه يغير شكله إلى شبه ملاك نور (14:11).

6 – التزامه أن يتحدث كغبي عن نفسه مع أنه عبراني، وإسرائيلي، من نسل إبراهيم، وهو من أفضل خدام المسيح، وأكثر احتمالاً للأتعاب. وقد أورد في ايجاز مدى ما عاناه من ضيقات واضطهادات.

7 – تمتع الرسول بإعلانات الرب له (1:12-10).

8 – وُهب صنع آيات وعجائب (11:12-12). تكمن قوته في الروح لا في الجسد (1:10-6).

  1. لا يستخدم السلطان للَّهدم (7:12-18).
  2. لم يثقل على أحدٍ (13:12-18).

 

الإصحاح العاشر

سلطان الرسول الروحي

مع ما اتسم به الرسول من حياة تكاد تكون بلا لوم، مع قلب ناري متقد في خدمته، واهتمامه بكل أحدٍ هوجم الرسول من المعلمين الكذبة.

١. سلطان الرسول الروحي ١-٧.

٢. سلطانه للبنيان لا للَّهدم ٨.

٣. سلطانه في الحضرة والغيبة ٩-١١.

٤. سلطان بلا افتخار ١٢-١٦

٥. افتخار بالرب ١٧-١٨.

١. سلطان الرسول الروحي

إذ يبدأ دفاعه عن رسوليته وسلطانه الروحي يكتب بروح التواضع والوداعة، مؤكدًا أنه لا يُمكن أن يستخدم سلطانه لحساب كرامته الشخصية.

“ثم أطلب إليكم بوداعة المسيح وحلمه،

أنا نفسي بولس الذي في الحضرة ذليل بينكم،

وأما في الغيبة فمتجاسر عليكم” [1].

في بدء الرسالة ضم تيموثاوس إليه، أما هنا إذ يتحدث عن رسوليته يتكلم عن نفسه وحده ضد الرسل الكذبة.

بقوله “الآن” أو “ثم” أي بعد أن تحدث عن الحب المشترك بينه وبينهم، وعن الحب بينهم وبين الإنسان التائب، وعن الالتزام بالحنو على المحتاجين بسخاءٍ وفرحٍ يود أن يدافع عن رسوليته، لا لتمكين كرامة بشرية له، وإنما من أجل بنيان الكنيسة ونمو الخدمة. وقد أجِّل الحديث حتى يضع الأمور الأخرى في نصابها.

يتساءل البعض: لماذا أُتهم القديس بولس الرسول أنه ذليل في الحضرة ومتجاسر في الغيبة؟

أولاً: يرى ثيؤدورت أسقف قورش أن بعض المسيحيين من أصل يهودي طالبوا الذين من أصل أممي بحفظ الناموس الموسوي حرفيًا مثل الختان وحفظ السبت والتطهيرات الجسدية. وقد نادوا بأن بولس كان يحفظ هذا الناموس سرًا بالنسبة لنفسه[1]، وفي نفس الوقت كان يعفي الأمم من حفظه، خاصة في رسائله، وهو في الغيبة.

ثانيًا: يرى البعض أن بولس كان قصير القامة، لا يهتم بثيابه، ولم يكن لديه ما يشتري به مثل هذه الالتزامات الضرورية، كما كان يتحدث بلغة بسيطة أمام الجماهير، بينما جاءت رسائله تحمل فصاحة وبلاغة، وكأنه يحمل في رسائله شخصية مختلفة عما تظهر في حضرته.

ثالثًا: إذ بدأ الخدمة في كورنثوس واجه الفساد والمشاكل الكنيسة بروح هادئ، أما رسالته السابقة فأبرز فيها حزمه ضد القائد الذي ارتكب الشر مع زوجة أبيه، وأيضًا ضد مسببي الإنشقاقات، والمعلمين الكذبة وأصحاب البدع والهرطقات.

يردد الرسول ما يقوله المقاومون له لكي يرد على اتهامهم.

“ولكن أطلب أن لا أتجاسر وأنا حاضر،

بالثقة التي بها أرى إني سأجترئ على قوم يحسبوننا كأننا نسلك حسب الجسد” [2].

أُتهم الرسول أنه يسلك حسب الجسد حيث يظهر كذليلٍ في حضوره، ويستخدم الحزم والتأديب في غيابه عنهم.

إنه كرسول من حقه أن يمارس سلطانه الروحي للحفاظ على قدسية الكنيسة وسلامة إيمانها وعقائدها والالتزام بالسلوك اللائق في العبادة الكنسية. الآن يطلب ألا يتجاسر ويستخدم هذا السلطان في حضوره وسطهم. إنه يتوسل إليهم ألا يتركوا مجالاً لكي يستخدم هذا السلطان ضدهم كما استخدمه في رسالته الأولى وهو في الغيبة، خاصة ضد مرتكب الشر مع زوجة أبيه ومفسدي الإيمان بصورة أو أخرى.

“لأننا وإن كنا نسلك في الجسد،

لسنا حسب الجسد نحارب” [3].

هذا معناه أننا وإن كان نعيش في الجسد إلا أننا إذ نطلب مسرة اللَّه نعمل بطريقٍ روحيٍ.

  • وإن كنا محاطين بالعالم لا نُسلم له[2].

 ثيؤدورت أسقف قورش

قلنا أن البعض يتهمونه بأنه يسلك حسب الجسد، خاصة حين يؤدب وهو متغيب عنهم، لكنه يؤكد أنه أبعد من هذا بكثير. إنه ليس جسدانيًا، إذ لا يستخدم أسلحة جسدية أو زمنية، بل أسلحة اللَّه الروحية القوية غير الفاسدة. فإن معركته من أجل خلاص العالم وبنيان الكنيسة روحية وليست جسدية.

“إذ أسلحة محاربتنا ليست جسدية

بل قادرة باللَّه على هدم حصون” [4].

في رقته في الحضرة أو في حزمه في الغيبة لا يسلك حسب الجسد، أو بطريقة بشرية كإنسان له الجسد، بل حسب الروح. إنه كقائد روحي يحمل روح القوة، ويعمل بالروح لحساب ملكوت اللَّه. فهو لا يداهن أحدًا، ولا يخشى أحدًا، ولا يحمل ضغينة ضد أحدٍ بصورة شخصية. معركته ضد قوات الظلمة، وليست ضد إنسانٍ ما.

  • لم يقل هنا “لا نعيش حسب الجسد”، وإنما “لسنا حسب الجسد نحارب” (2 كو 10: 4). إننا نتعهد حربًا ومعركة، لكننا لسنا نحارب بأسلحة جسدية ولا بمساندة أي عون بشري. أي نوع من الأسلحة التي للجسد؟ الثروة والمجد والقوة والفصاحة والمهارة والمراوغات والمداهنة والرياء وما أشبه ذلك. ليس لنا نحن هذا. فمن أي نوع نحن؟ إننا قادرون باللَّه.

لم يقل: “اننا لسنا جسديين” بل “اسلحتنا ليست جسدية“. لأنه يتحدث في الحاضر عن الكرازة، ويشير إلى قوة اللَّه الكلية. ولم يقل “روحية” مع أن هذا هو المضاد للجسدية، إنما يقول “قادرة” كتطبيق للروحية، ومظهرًا أن أسلحتهم هم (المعلمون الكذبة) ضعيفة وبلا قوة.

لاحظ غياب الكبرياء عنه، إذ لم يقل: “نحن قادرون” وإنما “أسلحتنا قادرة باللَّه“. لسنا نحن جعلناها هكذا، بل باللَّه نفسه.

فانهم إذ جلدوا واضطهدوا وعانوا من أمور لا يمكن الشفاء منها وبلا عدد، الأمور التي هي برهان على الضعف، أراد أن يظهر قوة اللَّه فقال “لكنها قادرة باللَّه“. فإن هذا على وجه الخصوص يظهر قوته، إنه بهذه الأمور يقتني النصرة. فإنه حتى ونحن مرتبطون بهم فإن اللَّه هو الذي يحارب وهو الذي يعمل بهم[3].

القديس يوحنا الذهبي الفم

كثيرًا ما يستخدم الرسول بولس تشبيه “المعركة” بالنسبة لخدمة الخلاص (أف ٦: ١٠-١٧؛ ١ تي ١٨؛ ٢ تي ٢: ٣-٥).

“هادمين ظنونًا وكل علو يرتفع ضد معرفة اللَّه،

ومستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح” [5].

أسلحة محاربته ليست جسدية كتلك التي يستخدمها الرسل الكذبة، إنما هي روحية تقوم على الحق الإنجيلي الصادق. بها يدخل إلى القلوب محطمًا حصون البطلان وجيوش الأعداء الروحيين.

  • لئلا عندما تسمع عن الحصون تظن أنها مادية يقول: “هادمين ظنونًا” [٥]. أولاً يعطي تأكيدًا بالرمز وبعد ذلك بهذا التعبير الاضافي يعلن عن طبيعة الحرب الروحية. لأن هذه الحصون تأسر النفوس لا الأجساد. لهذا فهي أقوى من الحصون الأخرى، ولهذا أيضًا فإنها تحتاج إلى أسلحة أقدر. لكنه يقصد بالحصون الكبرياء اليوناني وقوة السفسطة والمنطق. يقول: “لأن هذه الأسلحة تدحض كل شيء يقف ضدها، إذ تنزع الظنون وكل علو يرتفع ضد معرفة اللَّه”. إنه يستمر في الرمز ليقدم تأكيدًا أعظم. إذ يقول وإن وجدت حصون وقلاع وأي شيء آخر فانها ستستسلم وتنهار أمام هذه الأسلحة[4].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • يتم النمو تدريجيًا من الطفولة حتى النضوج والكمال في المسيح. لأن الإيمان يزداد بواسطة عمل الروح القدس الإلهي وينمو. وتبعًا لذلك تتحطم حصون الأفكار الشريرة تدريجيًا إلى أن تنهدم بالكلية[5].

القديس مقاريوس الكبير

الحرب روحية والأسلحة روحية والنصرات أيضًا روحية، إذ يتمتع الرسول بالآتي:

أولاً: “هدم الظنونlogismous أو الأفكار والآراء الخاطئة. فقد ظن بعض الفلاسفة اليونانيين أن آراءهم هي حق وصادقة وحاسمة بلا انحراف. وإذ انتشر الحق الإنجيلي ظهر فساد هذه الآراء، وانحنى الكثيرون أمام رب المجد يسوع، وقبلوا صليبه مصدر خلاصهم وآمنوا بالقيامة من الأموات التي كانوا يحسبون من يبشر بها نوعًا من الهذيان.

ثانيًا: هدم “كل علوٍ“، فقد تشامخ الفلاسفة اليونانيون مثل افلاطون وأرسطو وأتباعهما الخ.، لكن هذا التشامخ انهار أمام تواضع الرسل أتباع المصلوب وبساطة الإنجيل الذي يكرزون به. وأيضًا ارتكاب الخطية وعصيان الوصية الإلهية هو تشامخ على اللَّه.

  • كل خطية هى تعبير عن الاستخفاف بالناموس الإلهي، وتُدعى “علوًا يرتفع ضد معرفة اللَّه[6].

القديس باسيليوس الكبير

ثالثًا: لا يقف الأمر عند الجانب السلبي وهو هدم الشر سواء في شكل ظنون وآراء أو في شكل تشامخ ضد الحق والمعرفة الإلهية أو ضد الوصية الإلهية، وإنما يمتد إلى الجانب الإيجابي، وهو سحب كل فكر ليشتهي الطاعة للسيد المسيح. يصير الكل أعضاء في جسد المسيح يحركهم الرأس نفسه (السيد المسيح)، ويتجاوبون معه. مذا ما عبر عنه الرسول بالقول: “ ومستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح” [5].

  • لكلمة “أسر” رنينها الرديء لأنها تحمل تحطيمًا للحرية، فلماذا استخدمها؟…

كلمة أسر” تقدم فكرتين: فقدان الحرية، واستخدام القوة العنيفة لكي لا يقوم الشخص ثانية. استخدمها الرسول لتحمل المعنى الثاني… لأن الحرب لم تنتهٍ بتعادل الطرفين، إنما غلب الرسول بطريقة سهلة جدًا…

إذ يقول: “مستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح“، فلأن كلمة “أسر” مؤلمة لذا وضع في النهاية الرمز قائلاً: “إلى طاعة المسيح“. (تنتهي الحرب الروحية بأسر الفكر) من العبودية إلى الحرية، ومن الموت إلى الحياة، ومن الهلاك إلى الخلاص.

لقد أتينا ليس للتدمير، بل لنأتي بالمقاومين لنا إلى الحق[7].

  • أليس هذا من قوة رسائله التي انتفع بها ليس المؤمنون المعاصرون له فحسب، بل وكافة المؤمنين منذ زمانه حتى الآن، بل وإلى مجيء المسيح. لأن رسائله هي بمثابة سور شُيّد من الصخر وأحاط كنائس العالم…

إنه كبطلٍ شجاع يسبي كل عقلٍ لطاعة المسيح، نابذًا الخيالات وكل علوٍ يرتفع ضد معرفة اللَّه [5]. يتحقق هذا كله بواسطة الرسائل التي خلفها لنا، المملوءة بالحكمة الإلهية. فإن كتاباته نافعة لنا في دحض الآراء الفاسدة، وتثبيت الإيمان الصحيح، وبلوغ حياة أفضل[8].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • العقل الذي لا يهمل تفتيش ذاته، ولا يهمل طلب الرب، يستطيع أن يقتني نفسه. النفس التي كانت في هلاك الشهوات، يقتنيها بتقديم نفسه كأسير لمحبة الرب بكل غيرة وقوة، وبالالتصاق به وحده[9].

القديس مقاريوس الكبير

“ومستعدين لأن ننتقم على كل عصيان

متى كملت طاعتكم” [6].

كيف ينتقم الرسول بولس من العصيان، ليس بالعنف والقسوة، بل بجذب النفوس العاصية للطاعة للسيد المسيح فيدمر العصيان بالطاعة، ويجتذب المقاومين إلى الإيمان، فيُدان عدم الإيمان بذات الاشخاص الذين كانوا يقاومون الإيمان وآمنوا.

كذلك يؤكد الرسول سلطانه الرسولي الخاص بتأديب المقاومين للحق والعاصين للسيد المسيح لا للانتقام، وإنما لكي يسحب الكل إلى خبرة الطاعة للسيد المسيح. إنه لا يحمل عداوة شخصية لإنسانٍ ما، لكنه ملتزم بالتأديب متى كان ذلك لبنيان ملكوت اللَّه.

إن كان الرسول قد فاض بالحب على شعبه، واتسم بالوداعة والرقة، فإنه يخشى أن يتحول ذلك إلى تهاونٍ في الحق الإنجيلي.

جاءت التعبيرات في هاتين العبارتين (٥-٦) عسكرية، تناسب جيشًا يرى العدو على أبواب مدينته المحصنة فلا يتهاون في حق الدفاع عنها. إنه قائد في جيش الخلاص مستعد دائمًا أن يرد بسلاح اللَّه المقاومين إلى الحق.

إنه يؤدب بحكمة، فينتظر حتى تكمل طاعة المؤمنين، وعندئذ يِؤدب العصاة، خشية أن يقتلع الحنطة مع الزوان.

  • يوضح بولس لماذا هو صبور؟ إنه يود أن يجتذب أكبر عدد ممكن لكي يصلحوا طرقهم. بعد ذلك سيعاقب الذين يستمرون في مقاومة تعليماته[10].

 ثيؤدورت أسقف قورش

  • هنا أيضًا يسبب لهم (لأهل كورنثوس) خوفًا… إنه يقول: “اننا ننتظر عندما نجعلكم بمشورتنا وتهديداتنا تسلكون باستقامة، وتتفقون معًا على نزع شركتكم (مع الرسل الكذبة). عندئذ إذ تتركون هؤلاء المصابين بأمراض مستعصية نعاقبهم، إذ نرى أنكم بالحقيقة أنكم اعتزلتموهم. فإنكم حتى الآن تطيعون، لكن ليس بطريقة كاملة. فإن عاقبتهم الآن سترتبكون. لكن بالضرورة سيُعاقبون حقًا بينما أنتم تعفون… فإن كلمات بولس اخرجت شياطين… ودعت الذين يمارسون السحر أن يحرقوا كتبهم التي تقدر بخمسة آلاف من الفضة (أع ١٩:١٩)… وأعمت آخر (سيمون، أع ١٣: ٨-١١)[11].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“أتنظرون إلى ما هو حسب الحضرة؟

إن وثق أحد بنفسه إنه للمسيح،

فليحسب هذا أيضًا من نفسه إنه كما هو للمسيح،

كذلك نحن أيضًا للمسيح” [7].

يسألهم ألا ينحرفوا وراء المظاهر الخارجية “الحضرة“، فلا يكفيه مجرد الاستعراضات العسكرية.

يسألهم أن يضعوا مقاييس سليمة في المقارنة بينه وبين الرسل الكذبة، فبحسب المظهر الخارجي ربما يبدو بعضهم أعظم منه وأفضل منه. لكن إن صارت مقاييسهم روحية صادقة ليس من وجه للمقارنة بين الرسول والرسل الكذبة.

بقوله: “إن وثق أحد بنفسه أنه للمسيح” يشير إلى الرسل الكذبة الذين يسببون ارتباكات ومتاعب في الكنيسة بدعوى أنهم للمسيح، رسل المسيح، يعملون لحسابه. ليدرك كل منهم أنهم وإن ادعوا ذلك لأنفسهم باطلاً، فإن الرسول هو بحق للمسيح، هو رسوله، وعامل لحساب مملكته، مدعو منه شخصيًا.

  • ينتقد بولس أولئك الذين ينتفخون بالكبرياء بنظرتهم الدنيئة نحو بولس على غير ما هو عليه ويظنون انهم ليسوا في حاجة إلى تعليمه[12].
  • الذين يمتدحون أنفسهم هم أولئك الذين يرغبون فى السيطرة، ويطلبون السلطة باسمهم. من يُبعث في إرسالية ينال سلطة لا لحسابه بل لحساب مرسله. هنا يقول بولس الرسول انه اختير كوكيل للرب. فلا يدعي لنفسه شيئًا فوق ما وُهب له، إنه لا يربط نفسه بالذين يكرزون دون إرسالية (من اللَّه)[13].

 الأب امبروسياستر

  • الاتهام الموجه ضده ليس بالأمر الهين بل هو خطير للغاية. كيف؟ إنه من السهل لجنس الإنسان أن يخدع.

ماذا يعني: حسب الظاهر (الحضرة)؟ إن كان أحد غنيًا، إن كان أحد منتفخًا، إن كان أحد محاطًا بمتملقين كثيرين، إن تحدث عن نفسه بأمور عظيمة، إن كان أحد له مجد باطل، إن كان أحد فاضلاً في رياء دون أن تكون له فضيلة، هذا ما يعنيه بالقول: “أتنظرون إلى حسب ما هو ظاهر[14].

القديس يوحنا الذهبي الفم

٢. سلطانه للبنيان لا للَّهدم

“فإني وإن افتخرت شيئًا أكثر بسلطاننا،

الذي أعطانا ايّاه الرب لبنيانكم لا لهدمكم،

لا أخجل” [8].

للرسول سلطان أعظم بكثير مما يظهر لهم، سواء في التعليم أو التأديب، لكنه يستخدم السطان بالقدر الذي فيه بنيانهم الروحي ونموهم في برّ المسيح، وليس ما فيه تدميرهم. هذه هي غاية السلطان الرسولي أو الكنسي، أنه ليس بالحرف القاتل، وإنما هو عمل روحي لبناء النفوس.

  • انتفع بولس بسلطانه فقط بالقدر الذى به يتمجد في تقدم المؤمنين، فيقود سلطانه إلى الخلاص وليس إلى الاعتداد بذاته. إنه لم ينتفخ متعديًا السلطة المعطاة له، ولا ادعى سلطة في مواضع لم تبلغ إليها كرازته.

 أمبروسياستر

٣. سلطانه في الحضرة والغيبة

“لئلا أظهر كأني أُخيفكم بالرسائل” [9].

لم يكن في ذهنه وهو يكتب رسائله أن يخيفهم برسائله، مظهرًا غضبه عليهم.

“لأنه يقول الرسائل ثقيلة وقوية،

وأما حضور الجسد فضعيف،

والكلام حقير” [10].

أُتهم بأنه عنيف في رسائله، يُظهر سلطانًا ليس له، بينما في الحضرة ضعيف في جسمه كما في كلماته، يستخف به الفلاسفة والحكماء المتعلمون.

جاء عنه في نيسيفورس Nicephorus أنه كان قليل الجسم، محني الظهر، يكاد يكون كالقوس، وجهه شاحب، طويل ومجعد، أصلع، عيناه متقدتان نارًا، لحيته طويلة كثيفة يتخللَّها شعر رمادي.[15]

قال كاتب يوناني قديم: كان بولس قليل الجسم طوله حوالي ثلاثة أذرع ومع هذا فقد لمس السماء![16]

“مثل هذا فليحسب هذا،

أننا كما نحن في الكلام بالرسائل،

ونحن غائبون هكذا نكون،

أيضًا بالفعل ونحن حاضرون” [11].

يحذر الرسول الرسل الكذبة ويهددهم بالرسائل بالسلطان الرسولي على فساد تعليمهم فإنه هكذا يفعل عند حضوره.

  • لم يتردد (الرسول بولس) عن أن يؤكد بوضوح معرفته، لأنه بدونها لم يكن ممكنًا أن يكون معلمًا للأمم. وبالتأكيد إن قدمنا شيئًا كمثالٍ عن بلاغته نقتبسها من هذه الرسائل التي اعترف حتى الذين انتقصوا من قدره هم أنفسهم أن حضور الجسد بالنسبة له ضعيف وحديثه تافه اعترفوا بأن له وزنه وقوته[17].

القديس أغسطينوس

٤. سلطان بلا افتخار

“لأننا لا نجترئ أن نُعد أنفسنا بين قوم من الذين يمدحون أنفسهم،

ولا أن نقابل أنفسنا بهم،

بل هم إذ يقيسون أنفسهم على أنفسهم،

ويقابلون أنفسهم بأنفسهم،

لا يفهمون” [12].

يرفض الرسول أن يبرر نفسه متى قورن بالمعلمين الكذبة، فإن حكمه على نفسه لا يقوم على مقارنته بالناس، إنما يطلب أن يتشبه بمسيحه ويبلغ إلى قياس ملء قامته (اف 4 :13). أما هم فيجدون مسرتهم في مقارنتهم بعضهم ببعض فتكون مقاييسهم على مستوى بشري، مما يولد فيهم الحسد والغيرة والكبرياء، عوض تقديم الشكر للَّه وطلب غنى نعمته الفائقة للنمو المستمر في الرب.

من جانب آخر إذ يثق في صدق دعوته الرسولية ويِؤمن بإمكانية الروح القدس العامل فيه لا يريد الشركة مع الرسل الكذبة ولا حتى المقارنة بهم. أما هم فلأنهم ليسوا مدعوين من اللَّه، ولا يعمل الروح القدس فيهم، يخدعون أنفسهم بمقارنتهم بعضهم لبعض، كأنه لا يوجد أمامهم قياس كامل، ولا يدركون الحكمة الحقيقية التي توجههم إلى العمل الإلهي.

  • واضح أن الفخر المبالغ فيه كان من سمات الرسل الكذبة[18].

القديس يوحنا الذهبي الفم

“ولكن نحن لا نفتخر إلى ما لا يقاس،

بل حسب قياس القانون الذي قسمه لنا اللَّه،

قياسًا للبلوغ إليكم أيضًا” [13].

إنه لا يسلك دون قانون يحكمه أو قياس يلتزمه به، فإن قياسه إلهي. إنه يعمل خلال ما وهبه اللَّه من نعم وهباتٍ ومواهب، طالبًا من الروح أن يضرمها فيه حتي يكرز بين الأمم، ويبلغ إلى كورنثوس، فلا يقف عند آسيا الصغرى ولا في بلاد أخرى في اليونان بل يبلغ إليهم.

هذا تعبير رياضي خاص بالسباق في الألعاب الأولمبية والإسثمانية Isthmian games. وكأن العالم كله في عينيه أشبه بساحة سباق يود ألا يقف عند حد حتى يعبر الساحة، ويحمل الكل إلى الاحضان الإلهية، فينعم باكليل النصرة.

القانون“: في الأصل كان عصا قياس أو مسطرة أو خط للقياس. من الجانب الرمزي إنه يقيس أو يقرر أي شيءٍ، في الأخلاقيات أو الفن أو اللغة. في الأدب المسيحي صار يعني مقياسًا للإيمان بالتعليم المسيحي، قانون النظام الكنسي، ومجموعة كتابات مقدسة معترف بها. لكي نفهم قصد القديس بولس نضع في ذهننا أنه يعتبر خدمته الرسولية خاصة بالأمم وقد اعتاد أن يرفض أن يقيم دومًا في موضع كرز فيه رسول آخر. لكن المعلمون بالتهود في كورنثوس انتهكوا موضع نشاطه وإيبارشيته، أي انتهكوا القانون Kanown أو القياس الذي يحدد الخط الذي وضعه له اللَّه.

  • إنه كمن يَُّقسم الكرم بين الفلاحين، هكذا بنفس الطريقة وضع اللَّه حدودًا لنا. وما نناله كمنحة نفتخر به[19].
  • حسنًا دعا هنا ايبارشيته قانونًا Kanoua) province) ومقياسًا metrou كميراثٍ ممتاز، وأظهر أن العمل كله هو عمل اللَّه… لقد نسب الكل للَّه[20].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • قدم هذا التوضيح لكى يعرف الكورنثيون أن اللَّه أرسله اليهم، ويليق بهم أن يطيعوا تحذيراته، لئلا يظهروا مقاومين للَّه الذى ارسل اليهم بولس[21].

امبروسياستر

“لأننا لا نمدد أنفسنا،

كأننا لسنا نبلغ إليكم،

إذ قد وصلنا إليكم أيضًا في إنجيل المسيح” [14].

إذ بلغ إليهم في كورنثوس، وكرز لهم بالإنجيل، لا يحسب نفسه أنه قد تعدى حدوده أو السلطان المُعطى له من قبل اللَّه. فقد جاء بناء على دعوة إلهية، واستخدم السلطان المُقدم له في الكرازة كما في التأديب ليس من الناس بل من اللَّه.

“غير مفتخرين إلى ما لا يقاس في أتعاب آخرين،

بل راجين إذا نما إيمانكم أن نتعظّم بينكم حسب قانوننا بزيادة” [15].

ما يشغل قلب الرسول والعاملين معه لا أن يفتخروا بأعمالهم متى قورنت بأعمال الآخرين، بل بنجاحهم في نمو إيمان الشعب بعمل الروح القدس؛ بهذا يكون سباقهم قانونيًا. بهذا يتعظمون megaluntheenai، أي يُمدحون كرسلٍ حقيقيين من قبل اللَّه بلغوا بهم إلى تحقيق هدف اللَّه من نحوهم.

  • هنا يتهم بولس المعلمين الكذبة ليس فقط انهم يفتخرون بمبالغة، بل ويدعون أن لهم الفضل خلال أتعاب الآخرين[22].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • من يثق في قوة الإنجيل يثق في اللَّه الذى يجعله ممكنًا. من لم يتسلم قوة من اللَّه لا يقدر أن يفتخر بالرب، إذا يطلب مجد ذاته[23].

أمبروسياستر

“لنبشر إلى ما وراءكم،

لا لنفتخر بالأمور المعدة في قانون غيرنا” [16].

نجاح خدمته في كورنثوس ليس موضوع فخر الرسول، إنما هي أداة في يد اللَّه للامتداد إلى بلاد أخرى وثنية حتى يبلغ إليها إنجيل المسيح.

ما يشغل ذهن الرسول هو تمتع العالم كله بالخلاص، لذلك لا يقف عمله عند حدود، كما لا يود أن يكرز حيث يعمل آخرون بل أن يذهب إلى أممٍ لم تبلغ إليها الرسالة بعد.

٥. افتخار بالرب

“وأما من افتخر فليفتخر بالرب” [17].

لا مجال للمقارنات ولا للانشغال حتى بالنجاح، إنما ما يشغل ذهن الرسول هو الكرازة على مستوى العالم. ما يعتز به الرسول هو عمل اللَّه سواء من خلاله أو خلال آخرين.

“لأنه ليس من مدحَ نفسه هو المزكي،

بل من يمدحه الرب” [18].

إذ يكرز الرسول بالسيد المسيح لا بنفسه، فإن فخره ومجده هو الشهادة لمخلصه، أما عن تزكيته، فهي من الرب المخلص، وليست من إنسانٍ حتى ولا من نفسه. افلذين لم يرسلهم الرب لا يمدحهم الرب.

  • لم يدَّعي بولس هذا لنفسه بل الرب هو الذي يمدحه. بولس متواضع لكن ليس للدرجة التي فيها يتجاهل الإعلان عن الحق بخصوص نفسه. فمن الممكن أن يتأذى الشخص بالتواضع غير المضبوط، أو ينتفع بقوله شيئٍ عجيبٍ خاصًا به وفي الوقت المناسب. فقد كان يحدق خطر حقيقي لو أن التلاميذ أخذوا فكرة سيئة عن بولس خلال تواضعه. بولس لم يطلب مديحًا بشريًا، بل دافع عن نفسه[24].

القديس يوحنا الذهبي الفم

من وحى 2 كو 10

بالحب أقبل المذلة،

لكي أدخل معهم إلى الغلبة!

  • اتهموا الرسول بولس بالمذلة في الحضرة.

هذا الذي أخرجت كلماته الشياطين،

ودفعت السحرة لحرق كتبهم،

وجذبت العصاة إلى الطاعة،

والمقاومين للحق إلي الإيمان الحي.

  • هب لي يا رب أسلحة روحية،

فأدخل معركة الروح بقوتك.

أدرك إني بك أصير بطلاً!

أتمتع بنصرتك على العدو،

وأسند بنعمتك الكثيرين.

  • بالحب أقبل المذلة،

وبنعمتك أحطم كل ظنون العدو،

أهدم حصونه ومتاريسه.

لأعلن عن نصرتك العجيبة!

في المظهر الخارجي (الحضرة) أنا ضعيف.

كمن لا يملك شيئًا، وبلا سلطان أو كرامة.

لكن بك أغلب قوات الظلمة!

  • أطال الرسول أناته على الساقطين،

وانتظر علي التأديب حتى يرجع الكثيرين.

هب لي رقة ولطفًا بالساقطين،

مع بكاءٍ بدموع على كل نفسٍ مُصرةٍ علي عصيانها!

  • هب لي يا رب روح التواضع.

أفتخر بكل نجاح تقدمه لي.

وأترقب مديحك لا مديح الناس.

[1] PG 82:434.

[2] PG 82:434

[3] In 2 Cor. hom 21. PG 61: 584.

[4] In 2 Cor. hom 21. PG 61: 585.

[5] Sermon 50:4.

[6] On The Judgment Of God.

[7] In 2 Cor. hom 21. PG 61: 585.

[8] On Priesthood, book 4:7.

[9] Sermon 9:11.

[10] PG 82: 435.

[11] In 2 Cor. hom 21. PG 61: 585-586.

[12] CSEL 81:274.

[13] CSEL 81: 276.

[14] In 2Cor. hom 22. PG 61: 590.

[15] Adam Clarke Commentary.

[16] Ibid.

[17] On Christian Doctrine, 4:7 (15).

[18] In 2 Cor. hom 22:2.

[19] In 2 Cor. hom 22. PG 61: 590-591.

[20] In 2 Cor. hom 22. PG 61: 591.

[21] CSEL 81: 277-278.

[22] In 2 Cor. Hom 22:3.

[23] CSEL 81:279.

[24] In 2 Cor. Hom 23:3

تفسير كورنثوس الثانية 10 – الأصحاح العاشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير كورنثوس الأولى 10 – الأصحاح العاشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير كورنثوس الأولى 10 – الأصحاح العاشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير كورنثوس الأولى 10 – الأصحاح العاشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير كورنثوس الأولى 10 – الأصحاح العاشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

الإصحاح العاشر

بناء الآخرين

في الاصحاح السابق عالج مشكلة الرسول مشكلة ما ذبح للأوثان على أساس تنازلات الحب، مقدمًا نفسه مثالاً حياً للتنازلات من أجل الإنجيل. وفي هذا الإصحاح يجيب الرسول بولس علي ثلاثة أسئلة خاصة بنفس الموضوع:

أولاً: ما هو موقف المؤمن من الولائم في هيكل وثني؟

ثانيًا: ما موقفه من اللحوم في السوق العام؟

ثالثًا: ما وقفه من الدعوة إلى وليمة في بيت صديقٍ وثنيٍ؟

1- موقفه من الولائم في هيكل أوثان 1-15

أ – القداسة هي مسرة الله 1-5

ب – تحذير من التجارب الشريرة 6-14.

ج – الالتزام بالحكمة 15.

د – شركة مع الله أو مع الشياطين 16-22.

2- موقفه من لحوم السوق العام 23-26.

3- موقفه من وليمة في بيت صديقٍ 27-33.

1- موقفه من الولائم في هيكل أوثان

لم يجب الرسول بولس علي هذا السؤال الخاص بموقف المؤمن من الدعوة الموجهة إليه للاشتراك في وليمة مُقامة داخل هيكل وثن بالقبول أو الرفض، لكنه قدم مبادئ هامة خلالها يستطيع المؤمن أن يأخذ قراره من داخله وليس كأمرٍ يصدر إليه. هذه المبادئ هي:

أ- القداسة هي مسرة الله

الله في حبه للبشرية يبسط يديه ليهبهم عطايا بلا حصر، لكن مسرته أن يرانا علي صورته ومثاله مقدسين في الحق كما هو قدوس والحق ذاته. فالعطايا الإلهية ليست مقياسًا لرضاه عنا، إنما تقديسنا هو موضوع مسرته بنا.

“فإني لست أريد أيها الاخوة أن تجهلوا

أن آباءنا جميعهم كانوا تحت السحابة

وجميعهم اجتازوا في البحر” [1].

الآن يقدم لهم كنيسة العهد القديم كمثال كيف تمتعت بهباتٍ إلهيةٍ كثيرةٍ، لكن هذه العطايا لم تبررهم، فإن ما يسر الله هو قداسة الكنيسة. وكأن غنى عطايا الله لنا وكثرة المواهب التي يمنحنا إياها لا تبررنا إن أهملنا خلاصنا. هكذا يود الرسول أن يؤكد لهم أنه عوض المشاحنات خاصة إن كانت في أمر أكلٍ أو شربٍ يليق بهم أن يهتموا بالخلاص على مستوى الجماعة كما على مستوى الأشخاص بتنقية حياتهم بروح الله الساكن فيهم.

يربط الرسول بين كنيستي العهد القديم والعهد الجديد، حاسبًا رجال الإيمان في العهد القديم آباء رجال العهد الجديد.

يكرر الرسول كلمة “جميعهم” خمس مرات في الآيات 1-4، ليؤكد عدم محاباة الله، فهو يقدم عطاياه للجميع بسخاء، ومع هذا لم يُسر إلا بمن يتجاوب مع حبه بالقداسة. العطايا مقدمة للجميع لكن المكافأة لكم يتقدس للرب.

كان غالبية شعب كنيسة كورنثوس من الأمم إلا أن جميعهم لا يجهلوا معاملات الله مع الشعب القديم، كيف اختارهم وخرج بهم من مصر، وقدم لهم سحابة تظللهم علامة رعايته الفائقة لهم كمن تحت جناحيه، واجتاز بهم البحر لكي يفصلهم عن فرعون وجنوده الوثنيين، ومع هذا كله لم يُسر الله بأكثرهم لأنهم لم يتجاوبوا عمليًا مع الدعوة التي دعوا إليها. فكيف يمكن لرجال العهد الجديد أن يتجاسروا ويدخلوا بكامل حريتهم إلي هياكل الأوثان ليشتركوا في موائدها ويظنون أن الله يُسر بهم.

بمعني آخر يقول لهم بأن الله اخرج الشعب وعزلهم بالبحر عن الجو الوثني فهل تندفعون بإرادتكم إلي جو مفسد؟!

 تمتع الشعب القديم بالخروج من مصر والتحرر من عبودية إبليس واضح من الكتاب المقدس أن هذه السحابة العجيبة التي قدمها الله لشعبه في البرية حققت ثلاث وظائف:

  • كانت سحابة في شكل عمود يقودهم ويوجههم في البرية نهارَا.
  • كان عمودًا من النور يضيء المحلة بالليل.
  • كانت السحابة مظلة تقيهم من حرارة الشمس (مز 105: 39).

وجميعهم اعتمدوا لموسى في السحابة وفي البحر” [2].

ربما ظن أهل كورنثوس أنهم إذ نالوا المعمودية حتمًا يتمتعون بالمجد الأبدي، فهم أقوياء في الضمير، يدخلون هياكل الأوثان ويشتركون في موائدها دون أن يتنجسوا أو ينحرفوا عن الحياة المقدسة. لهذا قدم لهم الشعب القديم الذين نالوا العماد بسيرهم تحت السحابة وعبورهم البحر الأحمر، ومع هذا فبأكثرهم لم يُسر الله. مع ضرورة العماد للخلاص، لكن من اعتمد ولم يسلك كابن لله، بل يتهاون في الحق، يهلك.

وكأن الرسول بولس قد رأى كنيسة العهد القديم في أيام موسى النبي قد اجتازت المعمودية رمزيًا. فالبحر يشير إلى جرن المياه، والسحابة التي ظللتهم تشير إلى الروح القدس، كقول الكتاب: “أرسلت روحك فغطاهم” (خر 10:15).

ظهرت رمزية عبور البحر الأحمر للمعمودية في العهد القديم نفسه، إذ رأى إشعياء النبي ذراع الرب (رمز للمسيح) يستيقظ من القبر محطمًا العدو إبليس أو التنين الساكن في أعماق المياه، فاتحًا طريق النصرة لكي يعبر أولاده وسط المياه ويخلصوا. يقول النبي: “استيقظي استيقظي البسي قوةً يا ذراع الرب. استيقظي كما في أيام القدم كما في الأدوار القديمة. أَلستِ أنتِ القاطعة رَهَب الطاعنة التنين؟! أَلستِ أَنتِ هي المُنَشِّفة البحر مياه الغمر العظيم، الجاعلة أعماق البحر طريقًا لعبور المفديين؟! ومفديُّو الرب يرجعون ويأتون إلى صهيون بالترنم، وعلى رؤُوسهم فرح أبدي. ابتهاج وفرح يدركانهم. يهرب الحزن والتنهُّد” (إش 9:51-11).

إنها ثلاث صرخات: “استيقظي، استيقظي، استيقظي” وكأنها إعلان عن قوة القيامة المعلنة في اليوم الثالث، التي تُوهب لمفديي الرب في المعمودية خلال الغطسات الثلاث باسم الثالوث القدوس. مرة أخرى يطلب من السيد الذي عمل في القديم خلال رمز العبور أن يعمل الآن ليعبر بمفدييه وسط المياه ويدخل بهم إلى “الفرح الأبدي” الذي هو ملكوت الله الذي يهرب منه الحزن والتنهد. رأى النبي هلاك التنين وطعنه هذا الذي هو قاتل للبشر!! هكذا رأى إشعياء النبي في العبور مفاهيم لاهوتية حية لعمل المعمودية في حياة المؤمنين، ونصرتهم خلال الرب الذي قام وأقامهم معه، وتحطيم إبليس التنين القديم.

  • يقول بولس أن اليهود كانوا تحت السحابة ليشير إلى أن كل شيء يُفهم منه أنه صورة للحق الذي يُعلن لنا. احتموا تحت السحابة من أعدائهم حتى يخلصوا من الموت، كمثال المعمودية. فإنهم إذ عبروا خلال البحر الأحمر خلصوا من المصريين الذين ماتوا فيه. (خر28:4-29)، وكان موتهم رمزًا لعمادنا الذي يميت أعدائنا[1].

أمبروسياستر

  • خلاص إسرائيل من فرعون كان خلال البحر، وخلاص العالم من الخطيئة يتم بغسل الماء بكلمة الله (أف 26:5)[2].
  • هناك موسى أرسله الله إلى مصر، هنا المسيح أرسله الآب إلى العالم. رسالة موسى أن يُخرج الشعب المُضطهد من مصر، ورسالة المسيح أن يخلص كل شعب العالم الذين تحت طاغية الخطية. هناك دم الحمل هو العلامة ضد المهلك؛ هنا دم الحمل الذي بلا عيب، يسوع المسيح، قد عين هيكلك الذي لن تلحق به الشياطين[3].

القديس كيرلس الأورشليمي

  • عندما ترك الشعب مصر بإرادته وهربوا من سلطان ملك مصر بعبورهم الماء، أهلك الماء الملك وكل جيشه. أي شيء أكثر وضوحًا من هذا كرمز للمعمودية؟! فالشعوب تخلص من العالم بواسطة الماء، إذ يتركون الشيطان الذي كان يطغى عليهم، فيهلك في الماء[4].

العلامة ترتليان

  • السحابة هي نعمة الروح القدس بينما يشير البحر إلى العماد.

ثيؤدورت أسقف قورش

  • ما قد حدث، كما يقول الرسول، كان سّر العماد. واضح أن هذا كان نوعًا من العماد، حيث غطت السحابة الشعب، والمياه حملتهم. لكن المسيح الرب نفسه الذي فعل كل هذه الأمور الآن يدخل المعمودية قبل الشعب المسيحي في عمود جسده.[5].

مكسيموس أسقف تورين

  • نال اليهود بالفعل أقدم معمودية للناموس ولموسى[6].

الشهيد كبريانوس

  • كان تاريخ الخروج رمزًا لما يحدث مع الشعب المسيحي الذي لم يكن بعد قد تم[7].

القديس أغسطينوس

  • البحر الأحمر الذي تَقّبل الإسرائيليين الذين لم يخافونه، هذا الذي خلصهم من الشرور التي أضمرها لهم المصريون المقتفون آثارهم، كان – و كل تاريخ الخروج – رمزًا للخلاص الذي يتم في المعمودية.

مصر في الحقيقة ترمز هنا للعالم الذي نمارس فيه شقاءنا بالحياة الشريرة التي نعيشها، والشعب هم الذين يستنيرون (يعتمدون)، والماء هو واسطة الخلاص للشعب يمثل المعمودية. فرعون وجنوده رمز للشيطان وأعوانه[8].

القديس ديديموس الضرير

  • البحر هو رمز للعماد بالماء والسحابة فلنعمة المعمودية بالروح.

ثيؤدور أسقف المصيصة

  • كانت السحابة رمزًا لنعمة الروح. فكما أن السحابة قد غطت الإسرائيليين وحمتهم من المصريين هكذا نعمة الروح كدرع تحمينا من حيل الشيطان. هكذا كما أن عبور البحر حماهم من أعدائهم ووهبهم حرية حقة، هكذا المعمودية تحمينا من أعدائنا. هكذا عاش الإسرائيليون تحت ناموس موسى. وهكذا نحن نعيش في العماد ملتحفين بروح التبني ووارثين العهود والاعتراف المتناغم مع وصايا المسيح[9].

جناديوس بطريرك القسطنطينية

وجميعهم أكلوا طعامًا واحدًا روحيًا” [3].

  • إذ يدعو الرسول الإلهي الرب طعامًا روحيًا وشرابًا روحيًا يقترح أنه يعرف أن الطبيعة البشرية ليست بسيطة، وإنما يوجد جزء عقلي ممتزج بالجزء الحسيّ، وأن نوعًا معينًا من القوت يحتاج إليه كل من الجزئين فينا: الطعام الحسيّ يقوي أجسادنا، والطعام الروحي لنمو نفوسنا[10].

غريغوريوس أسقف نيصص

  • المسيح هو هذا السرّ، لأن الجسد هو للمسيح. هكذا فإن الطعام ليس ماديُا بل هو روحي[11].

القديس أمبروسيوس

  • كل الذين أكلوا هذا الخبز (المن) ماتوا في البرية، وأما هذا الطعام الذي تتناولونه، هذا الخبز الحي النازل من السماء فينعش طاقة الحياة الأبدية. من يأكل هذا الخبز لن يموت إلى الأبد ،لأنه جسد المسيح (يو 49:6-58)…
  • كان ذاك المن يخضع للفساد إن حفظ لليوم التالي. أما هذا فغريب عن كل فساد. من يذوقه بطريقة مقدسة لن يقدر أن يشعر بفساد. بالنسبة لأولئك كانت المياه تنفجر من الصخرة، أما بالنسبة لكم فالدم يفيض من المسيح. كانت المياه كافية إلى ساعة بالنسبة لهم، أما اليوم فيرويكم للأبدية[12].

القديس أمبروسيوس

  • يدعو بولس الطعام فائق للطبيعة لأنه يهب من يأكله قوة الروح القدس (خر 11:16-36). على أي الأحوال لا يهب في ذاته أن يُصّير الشعب روحيًا (ما لم يقبله الشعب كما يليق).
ثيؤدور أسقف المصيصة

وجميعهم شربوا شرابًا واحدُا روحيًا

لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم،

والصخرة كانت المسيح” [4].

 يبدو أن البعض كانوا يعتمدون علي تناولهم من جسد الرب في سرّ الافخارستيا كتأكيد لخلاصهم مع تهاونهم في سلوكهم مثل الشركة في ولائم هياكل الأوثان. لذا قدم لهم الشعب القديم هؤلاء الذين أكلوا طعامًا واحدًا روحيًا، الذي هو المن، رمز جسد المسيح (يو 6: 31) الخبز النازل من السماء الذي يعطي حياة للعالم [33]، وهو خبز الحياة [48]، ومع هذا إذ لم يتقدسوا للرب هلكوا.

هل كانت الصخرة بالفعل تتبعهم؟ أم أن الحديث هنا رمزي؟ كان قدامى اليهود يعتقدون بان ينبوع المياه كان يسير معهم طوال رحلتهم، يصعد معهم علي الجبال وينزل معهم في الوديان. وهم يعتمدون في هذا علي النشيد: “اصعدي أيتها البئر أجيبوا لها بئر حفرها رؤساء، حفرها شرفاء الشعب بصولجان بعصيهم، ومن البرية إلي متاني الخ” (عد 21: 17 –20)

دُعي شرابًا روحيًا مع أنه ماء عادي يروي الأجساد لكنه قدم بطريقة فائقة للطبيعة:

فاض الينبوع مياها تروي حوالي 2 مليون شخصًا. قيل عن المياه التي فاضت إنها جدول مياه، ومجري مياه، وسيل، ونهر (عد 34: 5، يش 15: 4، 47، 1 مل 8:65، 2 مل 24:7) ينزل من الجبل هذا يدل علي أن جدول المياه كان متسعًا جدًا.

 جبل حوريب مرتفع عن البلد الملاصقة له، وكأن المياه كانت تندفع منحدرة علي الجبل، لا تتجمع في حوض مياه، بل تتدفق نحو البحر في غير سكون. كأن المياه قد أوجدت نهرًا جاريًا يسير معهم في رحلتهم. إن قيل انه لا يوجد الآن ينبوع مياه يقيم نهرًا في تلك المنطقة، فالإجابة علي ذلك أن هذه العطية كانت هبة مقدمة للشعب علامة اهتمام الله به، كما كان يقدم لهم منًا من السماء يكفي مليونين شخصًا ليأكلوا ويشربوا كل هذه السنوات.

  • لماذا يقول بولس هذه الأمور؟ إنه يشير إلينا بأنه كما أن الإسرائيليين لم ينتفعوا شيئًا من العطية العظمى التي تمتعوا بها، هكذا المسيحيون الكورنثوسيون لا ينتفعون شيئا من العماد أو التناول المقدس ما لم يسلكوا معلنين حياة لائقة بهذه النعمة[13].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • احسب كلمة الخالق وأشبهه بالصخرة التي سارت مع شعب إسرائيل في البرية. إنها لم تكن من مستودع للماء حوى داخله ما فاض عليهم بمجاري مجيدة. لم يكن في الصخرة ماء، لكن محيطات نبعت منها. هكذا فِعل الكلمة الذي شكَّل المخلوقات من لا شيء[14].

القديس إفرآم السرياني

  • لسنا نعبد قطيعًا أو غنمًا لأن المسيح دُعي حملاً (يو 1: 29)، ودُعي بالنبي “ثورًا” (حز 43: 19)… ودُعي الأسد الخارج من سبط يهوذا (رؤ 5:5)، ولا نعبد حجرًا مع أن المسيح دُعي صخرة [4] ولا جبل صهيون حيث فيه نجد مثالاً للكنيسة (1 بط 2:4)[15].
  • لا نرتبك بتلك الحقيقة أن العلامة أحيانًا تُستخدم اسمًا للمعنى بها كما يُقال عن الروح القدس أنه نزل في شكل جسدي كحمامة وحلّ عليه، وبنفس الطريقة الصخرة المضروبة دُعيت المسيح [4] لأنها رمز المسيح[16].

القديس أغسطينوس

  • هذا بالتأكيد يشير لا إلى لاهوته بل إلى جسده الذي فاض على قلوب الشعب العطشى مجرى دمه الدائم[17].

القديس أمبروسيوس

  • المن والماء الذي نبع من الصخرة دُعيا “روحيًا”، لأنهما لم يحدثا خلال قانون الطبيعة، بل بقوة الله العامل مستقلاً عن العناصر الطبيعية (خر 16: 11 ـ 36 ؛ 17 : 1- 7). لقد خُلقت هذه الأمور إلى حين كتذكارٍ للمسيح الرب[18].

أمبروسياستر

  • نحن أيضًا سنصير صخرة، فنقتدي قدر ما نستطيع بطبيعتنا المتغيرة طبيعة السيد غير المتغيرة، الدائمة[19].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

  • بالتأكيد هذا يشير بالأكثر إلى جسده المادي وليس إلى لاهوته لأن قلوب الناس العطشى كانت مرتوية بمجرى دمه اللانهائي[20].

الأب قيصريوس أسقف آرل

  • الصخرة هي كل تلميذ للمسيح الذي منه يشربون كما من صخرة روحية تابعتهم، وعلى كل صخرة كهذه تُبنى كل كلمة للكنيسة، وسياستها تكون متفقة معها. فإن الله يبني كنيسته في كل شخص كامل يربط بانسجام بين الكلمات والأعمال والأفكار وممتلئ بالتطويبات[21].

العلامة أوريجينوس

لكن بأكثرهم لم يسر الله

لأنهم طرحوا في القفر” [5].

علّة هلاك الشعب القديم هو اللهو [7]، والزنا [8]، وتجريبهم الرب [9]، والتذمر [10]. لذا وصية الرسول هي: “اهربوا …” [14].

بعد أن تمتع كل الشعب بالسحابة، وعبروا البحر، وأكلوا المن، وشربوا الماء، وتبعتهم الصخرة لم يسر الله بأكثرهم، لأنهم احزنوا روح الله القدوس، وأساءوا إلي النعمة الإلهية. إنهم بدأوا بالروح وكملوا بالجسد.

  • لم يكن الإسرائيليون في أرض الموعد حين صنع الله معهم هذه الأمور. لهذا افتقدهم بتأديب مضاعف، إذ لم يسمح لهم أن يروا الأرض التي دعاهم إليها، وعاقبهم أيضًا بقسوة[22].
  • هكذا يرفع الرسول من يسمعه بالأكثر عندما يحاور لا كمن يأمر، ولا كمن يستهين بالناموس، بل كمن ينصحهم ويتوسل أمامهم[23].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • يود بولس أن يذكرنا بأننا لا نخلص بمجرد استقبالنا لنعمة الله المجانية. إنما يلزمنا البرهنة على أننا نريد قبول هذه النعمة المجانية. فأبناء إسرائيل استلموها، لكنهم برهنوا على عدم استحقاقهم لها فلم يخلصوا[24].

العلامة أوريجينوس

 

ب – تحذير من التجارب الشريرة

وهذه الأمور حدثت مثالاً لنا

حتى لا نكون نحن مشتهين شرورا كما اشتهي أولئك” [6].

كان الكورنثوسيون يشبهون إسرائيل القديم إذ نالوا عطايا إلهية كثيرة، وقابلوا ذلك بالتذمر والشر عوض الشكر والقداسة، فصاروا تحت خطر الهلاك الذي حل بإسرائيل في البرية.

  • كما أن المواهب رمزية هكذا التأديبات رمزية. لقد سبق فرُمز للمعمودية والتناول في النبوة. وبنفس الطريقة أُعلن تأكيد عقوبة غير المستحقين لهذه العطية مسبقًا من أجلنا، حتى نتعلم من هذه الأمثلة كيف يلزمنا أن نلاحظ خطواتنا[25].

القديس يوحنا الذهبي الفم

فلا تكونوا عبدة أوثان كما كان أناس منهم،

كما هو مكتوب:

جلس الشعب للأكل والشرب ثم قاموا للعب” [7].

 اعتبر القديس بولس مشاركتهم في الولائم الوثنية بالهيكل ممارسة فعلية لعبادة الأوثان.

قاموا للعب“: كان اليهود بوجه عام يفهمون اللعب هنا بمعني ممارسات دنسة تصحب العبادة الوثنية، كالرقص الخليع تكريمًا للآلهة.

  • هل ترى كيف يدعو بولس الإسرائيليين عبدة أوثان؟ يقول هذا أولاً، وبعد ذلك يعطى أمثلة لمساندة صراعاته ضد هذه الأخطاء. أنه يعطينا أيضًا السبب لعبادتهم الأوثان، أي النهم[26].

القديس يوحنا الذهبي الفم

ولا نزنِ كما زنى أناس منهم

فسقط في يوم واحد ثلاثة وعشرون ألفًا” [8].

في سفر العدد (25: 9) عدد الذين هلكوا 24 ألفا، فلماذا يذكر هنا 23 ألفا؟ لأن الله طلب من موسى تعليق الرؤساء مقابل الشمس هؤلاء يبلغ عددهم حوالي الألف شخصًا بجانب أل 23 ألفا الذين هلكوا بالوباء.

ولا نجرب المسيح كما جرب أيضًا أناس منهم

فأهلكتهم الحيات” [9].

 يشير هنا إلي “المسيح” في العهد الجديد، هذا الذي كان يدعي “يهوه” في العهد القديم، فقد جربه اليهود بجحدهم لعنايته الإلهية وتذمرهم عليه.

ولا تتذمروا كما تذمر أيضًا أناس منهم

أهلكهم المهلك” [10].

تذمر عليه اليهود بسبب المن، وظنوا أن الوعود الإلهية التى قُدمت لهم في مصر لم تتحقق، فأهلكتهم الحيات، وأصابهم الوبأ. كما تذمر إسرائيل علي الله وعلي نبيه موسى، هكذا شعب كورنثوس تذمروا علي الله ورسوله بولس.

وتذمر الإسرائيليون عند موت قورح وجماعته (عد 16: 41، 49)، وحُسبت شكواهم ضد موسى وهرون أنها ضد الله نفسه (خر 16:8). اقتبس الرسول بولس ذلك حاسبا أهل كورنثوس متذمرين علي المسيح لأنهم تذمروا علي رسوله.

  • المطلوب ليس فقط أن نتألم من أجل المسيح، بل أن نحتمل ما نتألم به بهدوء وكل بهجة، فإن هذه هي طبيعة إكليل المصارع. فإن لم نفعل ذلك تحل العقوبة علينا، إذ نقبل الكارثة بطريقة رديئة. هذا هو السبب لماذا كان الرسل يفرحون عندما كانوا يضربون وكان بولس يتمجد في آلامه[27].
  • يحثنا على التخلص من هذه الخطية بكل سرعة[28].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • يليق بالمسيحي ألا يتذمر قط سواء في العوز للضروريات أو في التعب والألم، فإنه يوجد مع الالتزام بهذه الأمور سلطان له يتمتع به[29].

القديس باسيليوس

 

فهذه الأمور جميعها أصابتهم مثالاً

وكتبت لإنذارنا نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور” [11].

  • دعاها “مثالاً” وقال أنها “كتبت من أجلنا” ثم أشار إلى النهاية ليذكرنا بنهاية كل الأمور. لأنه سوف لا تكون العقوبة هكذا إلى فترة محددة ثم تنتهي بل ستكون عقوبة أبدية. وكما أن العقوبة في هذا العالم تنتهي بنهاية العالم الحاضر، ففي العالم العتيد ستستمر على الدوام[30].
  • مرة أخرى ينزع عنهم كبرياءهم هؤلاء الذين ظنوا أنهم على درجة عالية من المعرفة. فإن كان الذين نالوا ميزات عظيمة كهذه وآخرون هربوا ولم تستطع الجماهير أن تغير حكم الله من نحوهم فكم يكون الأمر بالنسبة لنا ما لم نصر حكماء[31].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • إن كان يجب أن نعطي اهتمامًا أعظم بخصوص هذه الأمور، يلزمنا أن نحرص لئلا نخطئ في حق اخوتنا، ونجرح ضمائرهم عندما تكون ضعيفة، فنخطئ في حق المسيح. إذ يهلك اخوتنا الذين مات المسيح عنهم، لا خلال معرفتنا ولكن أيضًا خلال أسباب أخرى ترتبط بنا. ففي حالة ما نخطئ في حق المسيح سنسقط تحت العقوبة لأن نفوسهم التي تهلك بسببنا تُطلب منا[32].

العلامة أوريجينوس

انتهت إلينا أواخر الدهور“: ربما يقصد أن زمان العهد القديم قد انتهي لبدء العهد الجديد، أو أن الدهور قد انتهت لأن ملء الزمان قد حل بمجيء المسيا مخلص العالم الذي اشتهى رجال الله يوم مجيئه.

كتبت هذه لأجل بولس الرسول ولأجل المسيحيين في عهده “إنذارنا نحن” بل ولأجل كل المؤمنين في العالم عبر كل العصور. فإن كلمة الله حية وفعالة. الكتاب المقدس هو كتاب كل إنسان، كتاب كل عصر.

بقوله: “أواخر الدهور” يشير إلي أنه إذ تحقق الخلاص بصليب السيد المسيح وقيامته وصعوده تمت خطة الله وتحقق تدبيره النهائي حتى يأتي لحملنا علي السحاب، لذا أعتبر العالم في “أواخر الدهور“.

  • يسير بولس إلى نهاية الأزمنة ليرعب الكورنثوسيين. لأن العقوبات التي ستحل في ذلك الحين لا يوجد زمن يحدها بل هي أبدية. فالعقوبات التي تحدث في هذا العالم تنتهي مع حياتنا الحاضرة، أما التي تحل في العالم المقبل فتبقى أبدية[33].

القديس يوحنا الذهبي الفم

إذا من يظن انه قائم فلينظر أن لا يسقط” [12].

المؤمن الحق مع يقينه في عمل الله في حياته يبقي حذرًا حتى لا يفقد إيمانه ولا يسقط عن الحياة المقدسة في الرب التي يتمتع بها بالنعمة الإلهية. من لا يثبت في اتحاده مع الله ومثابرته علي العبادة بالروح والحق والسلوك بالحب يسقط في الظلمة وقساوة القلب.

يحذر الرسول هنا كل من يتكل علي ذاته ظانًا أنه محب لله وتمتع بعطايا إلهية ومواهب سماوية فيحسب نفسه أنه لن يسقط.

مادمنا في الجسد يلزم مع تمتعنا بالرجاء في نعمة الله الغنية أن نسلك بحذر، فلا يوجد من هو معصوم من الخطأ ، فإن عدو الخير تارة يحطمنا باليأس من خطايانا وأخري بالأمان الباطل والثقة الكاذبة في الذات، فننسي ضعفنا ولا نلح في الالتجاء إلي الحضن الإلهي كي يحمينا ويثبتنا فيه.

رجاؤنا في الخلاص يملأ قلوبنا فرحًا، وتواضعنا أمام الرب يثبتنا في هذا الرجاء ويضاعف فرحنا الخارجي.

  • ثباتنا هنا ليس ثباتًا آمنًا. لا، حتى نخلص من تيارات هذه الحياة الحاضرة ونبحر إلى الميناء الهادئ. لا تنتفخوا إذن أنكم ثابتون، بل احرصوا لئلا تسقطوا، فإن كان بولس يخشى ذلك وهو أكثر ثباتًا منا جميعًا كم بالأكثر يليق بنا نحن أن نحذر؟![34]
  • من يسب الآخرين يسقط حالاً في نفس الخطايا. لهذا ينصحنا الطوباوي بولس: “من يظن أنه قائم فلينظر أن لا يسقط” [11][35].
  • أول ملامح التنظيم للقوى العسكرية (التكتيك العسكري) هو أن يعرف كيف تقف حسنًا. أمور كثيرة تعتمد على هذا. لهذا كثيرًا ما يتحدث عن القيام بثبات، قائلاً في موضع آخر: “اسهروا، اثبتوا في الإيمان” (كو 16: 13). وأيضًا: “اسهروا، اثبتوا في الإيمان” (1 كو 16: 13). وأيضًا :” اثبتوا في الرب” (في4 : 1)، وأيضًا: “من يظن أنه قائم فلينظر أن لا يسقط” [11]. وأيضًا: “وبعد أن تتمموا كل شيء أن تثبتوا” (أف 6: 13). بلا شك لا يقصد مجرد أية طريقة للثبات بل الطريقة الصحيحة وكما أن كثيرين لهم خبرة في الحروب أن يعرفوا الأهمية القصوى لمعرفة كيف يثبت. فإن كان في حالة الملاكمين والمصارعين يذكر الممرنون هذا الأمر قبل كل شيء، أقصد الثبات، فكم بالأكثر يكون له الأولوية في الحروب والشئون العسكرية[36].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • يقول بولس هذا لأولئك الذين إذ يعتمدون على معرفتهم أنه يحق لهم أن يأكلوا أي شيء، إنهم يعثرون الإخوة الضعفاء. فإذ يظنون أنهم قد ارتفعوا إلى مستوى أعلى هم في الواقع انحدروا بسبب تعليم الرسل الكذبة، يدينون بولس بينما هم أنفسهم المخطئون[37].

أمبروسياستر

لم تصبكم تجربة إلا بشرية

ولكن الله أمين الذي لا يدعكم تجربون فوق ما تستطيعون،

بل سيجعل مع التجربة أيضًا المنفذ لتستطيعوا أن تحتملوا” [13].

ما حلِّ بالكنيسة في كورنثوس من خصومات وتشويش هو بسبب عدم انشغالهم بالحياة الجديدة المقدسة في الرب، إذ يقول: “لم تصبكم تجربة إلا بشرية، ولكن الله أمين الذي لا يدعكم تجرَّبون فوق ما تستطيعون، بل سيجعل مع التجربة أيضًا المنفذ لتستطيعوا أن تحتملوا” [13].

يترجم القديس يوحنا الذهبي الفمبشرية” صغيرة وقصيرة ومعتدلة. فإن ما حل بكنيسة كورنثوس يعتبر تجربة تافهة إن قورنت بما حل بالإسرائيليين.

الله أمين” أما الشيطان فمخادع وكذاب. من يتكل علي الله يكون في آمان يحمل قوى إلهية.

الله أمين في مواعيده، لن يحطم رجاء أولاده فيه.

في أمانته وحكمته لن يسمح لمؤمنيه أن يحملوا فوق ما يستطيعون، يعرف إمكانية كل واحد ويسمح له بالتجربة بما فيه بنيانه.

بقوله “لم تصبكم” يعني “لم تصطدكم”. آماننا الوحيد هو أن “الله أمين“، وهذا فيه كل الكفاية. فإن التمسك بمواعيد الله والثقة في أبوته الحانية وإدراكنا لعنايته الحكيمة هذا كله يهبنا قوة لنجتاز التجربة ولا نشعر بأنها فوق الطاقة.

إنه يقدم وعدين: انه لن يسمح بتجربة فوق ما يستطيع المؤمن أن يحتمل، وأنه يهبه مع التجربة المنفذ.

كل الظروف والأحداث في قبضة الله ضابط الكل، يسمح بها حسب حكمته لأجل بنياننا إن كنا نتجاوب معه ونؤمن بأبوته.

  • إذ رعبهم جدًا بتقديم أمثلة قديمة، وألقاهم في الألم، قال: “من يظن أنه قائم فلينظر ألا يسقط” [12]، فإنهم وإن كانوا قد تحملوا تجارب كثيرة وعانوا الكثير من المخاوف، إذ يقول: “وأنا كنت عندكم في ضعف وخوف ورعدة كثيرة” (كو 2 : 3)، فلئلا يقولوا: “لماذا ترعبنا وتنذرنا؟ فإننا لسنا عديمي الخبرة في هذه المتاعب، فنحن أنفسنا قد اُُضطهدنا وعانينا الكثير وتحملنا مخاطر كثيرة ومستمرة”. لذلك مرة أخرى يحاصر كبرياءهم ويقول: “لم تصبكم تجربة إلا بشرية يمكن للإنسان أن يحتملها” [13]، أي تجربة صغيرة وسريعة وهينة. فإنه يستخدم تعبير “يحتملها إنسان” لما هو صغير، وذلك كما يقول: “أتكلم إنسانيًا من أجل ضعف جسدكم” (رو6: 19). ويقول: “لا تظنوا أنها أمور عظيمة كمن يغلب العاصفة. فإنكم لم تروا خطرًا يهدد بالموت ولا تجربة تنتهي بالذبح”، وكما يقول للعبرانيين: “لم تقاوموا بعد حتى الدم، مجاهدين ضد الخطية” (عب 12: 3 ،4) [38].
  • يقول حتى تلك التجارب الهينة كما أشرت يمكن أن نحتملها بقوتنا، ومع ذلك نحن نطلب عونًا منه في معاركنا حتى نعبرها ويمكننا أن نحتملها، إذ يعطينا صبرًا ويجلب راحة سريعة، بهذا تصير التجربة محتملة[39].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • إن كانت كل الخليقة ستنحل وهيئة هذا العالم تتغير، فلماذا نتعجب ونحن جزء من الخليقة أن نشعر بألمٍ عامٍ شديدٍ ونُسلم لأحزان يسمح لنا بها إلهنا حسب قياس قوتنا، ولا يسمح لنا أن نُجرب فوق ما نستطيع، بل مع التجربة يعطينا المنفذ لنستطيع أن نحتملها؟[40]
  • يأمر الرب: “لكل شيء مقاييس وأوزان” (حكمة 11: 20)، ويجلب علينا تجارب لا تزيد عن قوتنا في الاحتمال، إنما يجرب كل الذين يحاربون في طريق الدين الحقيقي بالحزن، ولا يسمح لهم بالتجربة فوق ما يقدرون أن يحتملوا. يعطي دموعًا للشرب بمقياس عظيم (مز 80: 5) لكل الذين ينبغي أن يظهروا أنهم وسط أحزانهم يحفظون شكرهم له[41].
  • إني مقتنع أنه إن وُجد صوت يحرك الله الصالح فإنه لن يجعل رحمته بعيدة، بل يعطي مع التجربة المنفذ لتستطيعوا أن تحتملوها[42].

القديس باسيليوس

  • لماذا كُتب هذا إن كنا الآن قد وُهبنا القدرة على النصرة على كل التجارب بمجرد احتمالها خلال قوة إرادتنا؟[43]

القديس أغسطينوس

  • يحث بولس أهل كورنثوس أن يتجنبوا كل احتكاك بعبادة الأوثان، حتى تنفصل عنها ليس فقط أجسادنا بل وأذهاننا، لكي نحطم أي شكل من أشكال التجربة. لأن من ينشغل بالأوثان يحل أثرها عليه. الاتكال على الوثن هو الهروب من الله[44].

أمبروسياستر

  • التجارب التي تحدث بواسطة الشيطان تتم لا بقوته، بل بسماح من الله، إذ يسمح بها إما لتأديبنا (عقابنا) أو لمحبته لنا يمتحنا ويدربنا. فهناك أنواع مختلفة من التجارب. فالتجربة التي سقط فيها يهوذا ببيعه سيده تختلف عن تجربة بطرس الذي أنكره بسبب الخوف.

وإنني أعتقد أن هناك تجارب عامة يخضع لها البشر بسبب ضعفهم البشري، مهما كانت سيرتهم حسنة. مثال ذلك أن يغضب إنسان على آخر أثناء إرشاده طريق الحق، فيخرج بذلك عن الهدوء الذي تتطلبه المسيحية. لذلك يقول بولس الرسول: “لم تصبكم تجربة إلا بشرية” بينما يقول في نفس الوقت “ولكن الله أمين الذي لا يدعكم تُجرَّبون فوق ما تستطيعون، بل سيجعل مع التجربة أيضًا المنفذ، لتستطيعوا أن تحتملوا” (1 كو 13:10).

مظهرًا بوضوح أننا لا نصلي لكي لا نجرب بل لكي لا ننقاد إلى تجربة، لأنه إذا سقطنا في تجربة لا نحتملها نكون قد انقدنا إلى تجربة، فإذا ثارت علينا تجارب خطيرة، بحيث يكون انقيادنا إليها مهلكًا لنا – سواء أكان ذلك لظروف في صالحنا أو ضدنا – فإن من لا ينقاد إليها مأسورًا ببهجة الانتصار يكون قد استغنى عن متاعب العدو[45].

القديس أغسطينوس

  • لم يصلِ بولس لكي لا يُجرّب، لأن الإنسان الذي لا يُجرب لا يكون مزكّى. وإنما يطلب أن نكون قادرين على احتمال تجاربنا كما ينبغي[46].

سفيريان أسقف جبالة

  • كثيرون تهزمهم التجربة ولا يحتملونها. ما يهبنا إيّاه الله ليس التأكيد أننا سنحتملها، وإنما الإمكانية أننا نصير قادرين على احتمالها[47].

العلامة أوريجينوس

  • (لا تدخلنا في تجربةٍ)

هنا يثور سؤال ليس بتافهٍ، وهو إن كنا نصلي ألا نعاني من التجربة فكيف تتزكى قوة احتمالنا كالقول: “طوبى للرجل الذي يحتمل التجربة” (يع 12:1)؟

العبارة “لا تدخلنا في تجربةٍ” لا تعني “لا تسمح لنا بتجربة”، لأن أيوب جُرِّب لكنه لم يدخل في تجربة، إذ لم يصف الله بأيّ تجديف، ولا استسلم بفمٍ شريرٍ كرغبة المجرب نفسه.

إبراهيم جُرِّب ويوسف جُرِّب، لكن لم يدخل أحدهما في تجربة، لأنهما لم يستسلما مرضيين للمجرب.

جاء بعد ذلك “لكن نَجِنّا من الشّرِّير”، أي لا تسمح لنا أن يجربنا الشيطان فوق ما نحتمل بل تجعل مع التجربة المنفذ لنستطيع أن نحتمل (1كو13:10) )[48].

v (كل إنسان يُهاجَمْ قدر طاقته)

لسنا نجهل أن الأرواح جميعها ليست في نفس الشراسة والنشاط، ولا في نفس الشجاعة والخبث، فالمبتدئون والضعفاء من البشر تهاجمهم الأرواح الضعيفة، فإذا ما انهزمت تلك الأرواح تأتي من هي أقوى منها لتهاجم جنود المسيح. ويصعُب علي الإنسان بقوته أن يقاوم، لأنه لا توازي طاقة أحد القديسين خُبث هؤلاء الأعداء (الروحيين) الأقوياء الكثيرين، أو يصد أحد هجماتهم، أو يحتمل قسوتهم ووحشيتهم، ما لم يرحمه المصارع معنا، ورئيس الصراع نفسه الرب يسوع، فيرد قوة المحاربين، ويصد الهجوم المتزايد، ويجعل مع التجربة المنفذ قدرما نستطيع أن نحتمل (1كو13:10)[49].

الأب سيرينوس

  • يتكلم الرسول أيضًا عن نفس النتيجة قائلاً: “إذًا مَنْ يظنُّ أنهُ قائِم فلينظر أن لا يسقط. لم تُصِبكْم تجربة إلاَّ بشريَّة. ولكن الله أمين الذي لا يدعكم تُجرَّبون فوق ما تستطيعون بل سيجعل مع التجربة أيضًا المنفذ لتستطيعوا أن تحتملوا” (1كو12:10، 13). لأنه عندما قال: “مَنْ يظنُّ أنهُ قائِم فلينظر أن لا يسقط” أعطى إرادة حرة من جانبه، إذ يعلم بالتأكيد أنه بعدما نال النعمة يمكن أن يثبت بالجهاد أو يسقط خلال الإهمال.

لكن عندما أضاف: “لا يدعكم تُجرَّبون فوق ما تستطيعون” يوبخ ضعفهم وخوار قلبهم الذي لم يتقوَ بعد، إذ لم يستطيعوا بعد أن يقاوموا هجمات قوات الشر الروحية، تلك القوات التي يحارب ضدها هو وغيره من الكاملين كل يوم، إذ يقول لأهل أفسس: “فإن مصارعتنا ليست مع دمٍ ولحمٍ، بل مع الرؤَساءِ مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر، مع أجناد الشرّ الروحية في السماويَّات” (أف 12:6). وعندما أضاف: “ولكن الله أمين الذي لا يدعكم تجربون فوق ما تستطيعون” بالتأكيد لا يعني أنه لا يدعهم يجربون، إنما لا يُجربوا فوق طاقتهم. فالعبارة الأولى تشير إلى إرادة الإنسان الحرة والأخرى إلى نعمة الله الذي يلطف من عنف التجارب[50].

الأب شيريمون

  • إن غلبتنا الشهوات الجسدية وصرنا عبيدًا لها في هذه المعركة لا نكون حاملين لعلامة الحرية، ولا لعلامة القوة، ونُستبعد من النضال ضد القوات الروحية كغير أهلٍ وكعبيدٍ بكل ما يسببه ذلك من ارتباك. لأن “كل من يفعل الخطية هو عبد للخطية” (يو 34:8). هكذا يصفنا الرسول بمثل هذه التسمية “زناة”. “لم تصبكم تجربة إلا بشرية”. (1 كو13:10). لأننا إن لم نهدف لإدراك قوة الفكر لن نكون أهلاً للدخول في صراع أشد ضد الشر علي مستوي أعلى، إن كنا لم ننجح في إخضاع جسدنا الضعيف الذي يقاوم الروح[51].

القديس يوحنا كاسيان

لذلك يا أحبائي اهربوا من عبادة الأوثان” [14].

يحدثهم كحكماء طالبًا حكمهم [15] في أمرين:

  • أن الذين يأكلون الذبائح هم شركاء المذبح [18].
  • لا شركة بين كأس الرب وكأس الشياطين، وبين مائدة الرب ومائدة الشياطين [22].

من جهة الشركة فإن الكأس التي نباركها هي شركة واتحاد بدم المسيح، والخبز الذي نكسره هو شركة جسد المسيح المبذول. بتناولنا اياهما نصير واحدًا مع المسيح الذبيح، وننعم بشركة مع بعضنا البعض [15-17]، لهذا – مع الفارق – فمن يأكل في هيكل وثنٍ إنما يشترك في مائدة الأوثان لحساب الشياطين. هنا يمنع حتى أصحاب الضمير القوي من مائدة هياكل الوثن.

إذ يري الخطر يحل بهم يصرخ إليهم بروح الأبوة: “يا أحبائي!”

الله من جانبه أمين ومحب للبشر، ونحن من جانبنا يلزم أن نتجاوب مع أمانته وحبه، فنهرب من عبادة الأوثان والاشتراك في ولائمها، نهرب من كل ما يدفعنا نحو الخطية.

ج – الالتزام بالحكمة

أقول كما للحكماء: احكموا أنتم في ما أقول” [15].

إذ يحسبون أنفسهم حكماء فليسلكوا بحكمة وليتعقلوا، فيدركوا أن الهروب من الوثن هو طريق الحكمة الحقة.

د – شركة مع الله أو مع الشياطين

كأس البركة التي نباركها أليست هي شركة دم المسيح؟

الخبز الذي نكسره أليس هو شركة جسد المسيح؟” [16].

  • ماذا تقول أيها الطوباوي بولس؟ كيف تجتذب كرامة المستمع وأنت تشير إلى الأسرار المهوبة، وتعطي لقب “كأس البركة” لذاك الكأس المهوب والمخوف جدا؟ يقول: “نعم، فهذا لقب ليس بهين الذي نُطق به. لأني عندما أدعوه “بركة” أقصد “الشكر“، وعندما أدعوه “الشكر” أكشف عن كنز صلاح الله[52].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • ذاك الكأس أو بالأحرى ما يحويه الكأس ويتقدس بكلمة الله هو دم المسيح. خلال هذه العناصر يود الرب أن يودعنا جسده ودمه اللذين بذلهما لأجل غفران الخطايا. أن تقبلهما باستحقاق تصير أنت نفسك ما قد تقبلته (تصير عضوًا في جسد المسيح) [53].

القديس أغسطينوس

فإننا نحن الكثيرين خبز واحد،

جسد واحد،

لأننا جميعنا نشترك في الخبز الواحد” [17].

 يدعو شعب العهد القديم “إسرائيل حسب الجسد “، أما كنيسة العهد الجديد فهي ” إسرائيل حسب الروح”. كما أن إسرائيل القديم تمتع بالوحدة خلال المذبح واشترك معًا في الذبيحة، هكذا إسرائيل الجيد يتمتع بالوحدة خلال ذبيحة الإفخارستيا، فتصير كل الكنيسة خبزًا واحدًا.

  • ما هو الخبز؟ جسد المسيح.

وماذا يصير إليه الذين يشتركون فيه؟ جسد المسيح، وليس أجسادًا كثيرة، بل جسد واحد. فكما أن الخبز يتكون من قمح كثير ويصير واحدًا، فلا يعود يظهر القمح وإن كان بالحق موجودًا، لكن لا يظهر الاختلاف بسبب الاتحاد معا، هكذا نحن نرتبط معًا الواحد مع الآخر ومع المسيح، فلا يكون لكم جسد واحد وآخر لقريبك كي تنتعش به، بل الجسد ذاته للكل. لذلك يقول: “لأننا جميعًا نشترك في الخبز الواحد” [17]. الآن إن كنا ننتعش بذات الخبز ونصير كلنا ذات الجسد، فلماذا لا نُظهر ذات الحب ونصير بهذا واحدًا؟[54]

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • كل نفس تتقبل الخبز النازل من السماء هي بيت الخبز، خبز المسيح، إذ تقتات ويتقوى قلبها بمؤنه الخبز السماوي الساكن فيها. لهذا يقول بولس: “نحن خبز واحد“. كل نفس أمينة هي بيت لحم، كما أنها تُدعى أورشليم، إذ يحل بها سلام أورشليم العليا وهدوءها التي هي السماء. هذا هو الخبز الحقيقي الذي بعد أن يُكسر إلى قطع يشبع كل البشرية[55].

القديس أمبروسيوس

  • بالخبز تتعلمون كيف يجب أن تعتزّوا بالوحدة. هل هذا الخبز مصنوع من القمح؟ أليس كذلك؟ بالأحرى من قمح كثير؟

على أي الأحوال، قبل أن يصيروا خبزًا كان هذا القمح مبعثرًا. لقد انضم إلى بعضه البعض في الماء بعد أن طحن. فإنه ما لم يُطحن القمح ويُعجن بالماء لن يصل إلى ذاك الشكل الذي يُدعى خبزًا.

هكذا أنتم أيضًا كنتم قبلاً تُطحنون كما بمذلة أصوامكم وسرّ جحد الشيطان. عندئذ جئتم إلى معمودية الماء. لقد عجنتم حتى تبلغون شكل الخبز. ولكن بدون النار لن يوجد خبز[56].

  • من يأكل جسد المسيح ويشرب دمه بلياقة ينضم إلى وحدة الجسد. أما الهراطقة والمنشقون فيمكنهم نوال السرّ لكن بلا نفع، بل بالحقيقة لضررهم. إذ هم يزيدون ألمهم عِِوض تقليل مدة عقوبتهم[57].

القديس أغسطينوس

انظروا إسرائيل حسب الجسد،

أليس الذين يأكلون الذبائح هم شركاء المذبح؟” [18]

  • أسألكم أن تتأملوا كيف أنه لم يقل بخصوص اليهود أنهم شركاء مع الله بل قال: “شركاء المذبح“، لأن ما كان يوضع عليه يحترق، أما بالنسبة لجسد المسيح فالأمر بخلاف هذا. كيف؟ إنه “شركة مع جسد الرب”. لنا شركة ليست شركة مع المذبح بل مع الرب نفسه[58].

القديس يوحنا الذهبي الفم

فماذا أقول:

إن الوثن شيء؟ أو أن ما ذبح للوثن شيء؟” [19]

 بل أن ما يذبحه الأمم فإنما يذبحونه للشياطين لا لله،

فلست أريد أن تكونوا أنتم شركاء الشياطين” [20].

مع أن الوثن لا شيء، لا سلطان له ولا قوة، فإن ما يُقدم كذبائح له إنما يُقدم للشياطين وليس لله، ومن يشترك فيها إنما يكون في شركة مع الشياطين. والمؤمن الحقيقي لن يكون في شركة مع المسيح والشيطان في نفس الوقت.

إن كان الوثن لا شيء فلا يعني أن ما يُقدم له من ذبائح لا شيء، أي ليس بذبيحة، فيمكن للمؤمن أن يشترك فيها. لأن ما يُقدم إنما هو ذبيحة للشياطين، فيه شركة في عبادة الشياطين.

  • لا تجروا نحو الأمور المضادة. فإنك إن كنت ابن الملك ولك حق الاشتراك في مائدة أبيك، فهل كنت تتركها وتختار مائدة المدانين والمسجونين في السجون السفلية؟ هل يسمح لك أبوك بهذا، بل بكل غيرة يسحبك ليس لكي لا تؤذيك مائدتهم وإنما لأن في هذا يعيب مائدتك الملوكية المكرمة[59].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • واضح من هذا أن ما يُدان في الخرافات الوثنية بواسطة الديانة الحقيقية ليست مجرد تقديم الذبائح (لأن القديسين القدماء قدموها لله الحقيقي)، وإنما لأنهم قدموها لآلهة باطلة وللشياطين الأشرار[60].
  • من يشترك دون معرفة في طعام سبق أن رفضه لأنه قُدم لوثن لا يُحسب ذلك خطية. أية خضروات أو فاكهة من نتاج الأرض تنتمي إلى خالقها، فالأرض وملؤها للرب، وكل خليقة الله صالحة (مز 24: 1؛ 1 كو 10: 25 –26؛ ا تي 4:4). ومع ذلك فإن ما تنتجه الأرض إن كرّس أو قدُم لوثن تُحسب بين الأشياء المقدمة للأوثان[61].

القديس أغسطينوس

  • كما أن الخبز والخمر في الإفخارستيا كانا خبزًا وخمرًا عاديًا قبل الاستدعاء المقدس للثالوث المسجود له، ولكن بعد الاستدعاء يصير الخبز جسد المسيح والخمر دمه، هكذا الطعام الذي يظهر مقدمًا لإبليس مع أنه طعام عادي في طبيعته لكنه يصير دنسًا باستدعاء الأرواح الشريرة[62].

القديس كيرلس الأورشليمي

 

  • يقول بولس بأنه وراء سطح الوثن توجد قوة شيطانية لتفسد الإيمان بالله الواحد[63].
  • من يشرب كأس الشياطين يسب كأس المسيح. ومن يأكل من مائدة الشياطين يثور ضد مائدة الرب، أي مذبح الرب، ويصلب جسده مرة أخرى[64].

أمبروسياستر

لا تقدرون أن تشربوا كأس الرب وكأس شياطين

لا تقدرون أن تشتركوا في مائدة الرب وفي مائدة شياطين” [21].

 بحسب الخارج يمكن الشركة في المائدتين (1 مل 18: 21)، لكن بالحق لا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال الشكلية الظاهرية.

أم نغير الرب؟

ألعلنا أقوى منه؟” [22].

اعتبر الرسول أن من يشترك في مائدة الوثن يكون بمثابة من يُغير الرب على شعبه وهيكله.

تعتبر عبادة الأوثان زنا، أي تسليم القلب المخصص لله للشيطان، خيانة زوجية. يليق بالنفس أن تكون أمينة في اتحادها مع عريسها السماوي ولا تستبدله بآخر.

“ألعلنا أقوي منه؟” إنه يهدد العصاة الذين يتمردون عليه بعبادتهم للوثن، كيف يمكنهم أن يقفوا أمام تهديداته؟! من يشترك في مائدة الرب ثم يعود فيشترك في مائدة الشيطان إنما يغير الرب، فيضع نفسه في خطر مقاومة الرب نفسه.

  • “أم نغير الرب؟ ألعلنا أقوى منه؟”[22]، بمعنى هل نجربه إن كان يقدر أن يعاقبنا ونثيره بذهابنا إلى المقاومين ونقف في جانب الأعداء؟[65]

القديس يوحنا الذهبي الفم

2- موقفه من لحوم السوق العام

كل الأشياء تحل لي، لكن ليس كل الأشياء توافق.

كل الأشياء تحل لي، ولكن ليس كل الأشياء تبني” [23].

بعدما طالبنا الرسول بتقديس الجماعة وكل عضو فيها أكد الالتزام بعدم الاشتراك في ولائم الشياطين حتى يمكننا التمتع بالشركة في وليمة الرب. أما المبدأ الآخر فهو اهتمامنا ببنيان الغير، إذ يقول: “كل الأشياء تحل لي ولكن ليس كل الأشياء تبني؛ لا يطلب أحد ما هو لنفسه بل كل واحد ما هو للآخر” [23-24] “كما أنا أيضًا أرضي الجميع في كل شيء غير طالب ما يوافق نفسي، بل الكثيرين لكي يخلصوا!” [33].

يحق لي أن آكل كل شيء، لكن هذا لا يوافقني، لأن فيه حزن وعثرة لأصحاب الأفكار الضعيفة.

  • تعبير “لا توافق” هو تلميح خفي عن دمار الشخص الذي يتحدث إليه الرسول، وأما تعبير “لا يبني” فهو تلميح عن العثرة للأخ[66].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • سهل جدًا أن يرتعب مما هو ممنوع ذاك الذي له الخوف الوقور لما هو مسموح به[67].

العلامة ترتليان

  • من يسيء استخدام كل ما هو شرعي يسقط سريعًا وبقوة في ارتكاب ما هو غير شرعي[68].

القديس إكليمنضس السكندري

لا يطلب أحد ما هو لنفسه،

بل كل واحد ما هو للآخر” [24].

 ليحيا كل إنسان، لا لنفسه بل لأجل البشرية المحيطة به.

الكلمة اليونانية المترجمة “ما هو للآخر” تشير إلي كل شيء وأي شيء يخص راحته ونفعه وسعادته وخلاصه.

  • يوصي الرسول أعضاء المسيح المخلصين بقانون المحبة، فيقول: “لا يطلب أحد ما هو لنفسه، بل كل واحد ما هو للآخر” (1 كو 10: 24). فعند سماع هذا يكون الطمع مستعدًا بكل خداعاته. ففي أمور العمل تحت مظهر الطلب ما هو للآخرين قد تخدع إنسانا وهكذا “لا يطلب ما لنفسه بل ما للآخر”…

اسمع وأصغ يا أيها الطماع، فإن الرسول يوضح لك في موضع آخر بأكثر وضوح. فإنه إذ يقول: “لا يطلب أحد ما لنفسه به كل واحد ما هو للآخر” يوضح ذلك بنفسه: “غير طالبٍ ما يوافق نفسي، بل الكثيرين لكي يكون خادمًا مخلصًا للمسيح”[69].

القديس أغسطينوس

  • حقيقة أن من يعبد الوثن يطلب ما يسره وحده. إنه يضع عقبات في طريق ضمير أخيه الضعيف. لهذا يليق بنا أن نسرع إلى مقاومة ممارسة مجرد ما نريده، وذلك من أجل محبة المسيح وخلاص اخوتنا[70].

أمبروسياستر

  • السؤال ليس مجرد أن ما تأكله هو بضمير صالح، إنما هو: هل ما تفعله هو لنفع أخيك؟[71]

أوكيمينوس

كل ما يباع في الملحمة كلوه،

غير فاحصين عن شيء من أجل الضمير” [25].

 كان الدم يسفك كذبيحة مقدمة للوثن، أما اللحم فنصيب منه يُحرق علي المذبح، والثاني يأكله مقدم الذبيحة، والثالث يأخذه الكاهن. وكان غالبًا ما يجمع الكاهن أنصبته ويبعها في السوق. فبالنسبة للشركة في الأكل مع مقدم الذبيحة داخل الهيكل هذا مرفوض تمامًا، لأنه يعتبر شركة في العبادة الوثنية، أو في وليمة الوثن. هذا يقابله أو يضاده مائدة الرب، فمن يشترك في مائدة الوثن لا يقدر أن يشترك في مائدة الرب. أما ما يُباع في السوق فيمكن شراءه دون السؤال عن مصدره.

إذ يأكل الإنسان بشكرٍ يتقدس الطعام بكلمة الله والصلاة (1 تي 4: 4-5). فإن كل شيءٍ طاهر للطاهرين (تي 1: 15).

من جهة الضمير يكن للإنسان أن يأكل كل ما يُباع في السوق، لكن بحكمة فلا يشتري مسكرُا أو طعامًا قاتلاً.

في عصور مختلفة وجد أناس يتساءلون قبل شراء احتياجاتهم مثل:

 هل ما نشتريه هو من عمل العبيد الذين يستغلهم السادة ويسفكون دماءهم بالعمل الشاق غير الإنساني؟

 هل هو من مصنع يمارس العمل في يوم الرب؟

 هل إيراد هذا المتجر يستخدم في أمور تمس حقوق البعض؟

  • لم يسمح لهم بالسؤال أي بالبحث والاستقصاء إن كان هذا ذبيحة وثن أم لا، بل أن يأكلوا كل شيءٍ في السوق ببساطة… فإن هذه هي طبيعة هذه الأشياء التي لا تحمل شرًا في جوهرها، وإنما نية الإنسان التي تجعله دنسًا. لهذا يقول: “غير فاحصين[72].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • الضمير هنا لا يشير إلى ضمير الشخص الذي يعلم أن الأوثان غير موجودة، وإنما ضمير ذاك الذي يرى شخصًا يشتري طعامًا ذُبح للأوثان ويشعر أن ذاك خطأ[73].

سفيريان أسقف جبالة

لأن للرب الأرض وملأها” [26].

 اقتبس الرسول هذه العبارة عن المزمور 24:1، تث 10: 14.

ما تقدمه الأرض من طعام نباتي أو حيواني هو هبة من الله، حتى وإن أساء البعض استخدامه وقدمه للوثن. إنه ثمرة حب الله ورعايته للإنسان.

  • إن كانت الأرض والثمار والحيوانات هي خليقة الله، فليس شيء دنس، إنما تصير نجسة خلال نياتنا أو عصياننا[74].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • لا يخطئ إنسان أكل بغير معرفته طعامًا سبق فرفضه لأنه خاص بالأوثان. فإن الخضراوات وكل أنواع الثمار التي تنمو في أي حقل هي خاصة بالله خالقها[75].

القديس أغسطينوس

3- موقفه من وليمة في بيت صديقٍ

وان كان أحد من غير المؤمنين يدعوكم وتريدون أن تذهبوا

فكل ما يقدم لكم كلوا منه،

غير فاحصين من أجل الضمير” [27].

 اعتاد اليهود بصفة عامة عندما يُدعون إلى وليمة لدي شخص وثني أن يسألوه ويستجوبوه عن تفاصيل كثيرة حتى يتأكدوا أن الطعام غير دنس.

الإنسان المسيحي يشارك أصدقاءه مشاعرهم مادامت ليست علي حساب إيمانه، فإن دعاه لوليمة يقبل الدعوة، ولا يثير أسئلة لا لزوم لها.

  • انظروا اعتداله، فإنه لم يأمر ولا وضع قانونًا بأن نلتزم بالانسحاب (من وليمة غير المؤمن) ولم يمنع ذلك[76].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • يليق بنا أن نكف عن النهم ونأكل فقط ما هو ضروري. ولكن إن دعاه غير مؤمنٍ إلى وليمة وصمم أن تقبل الدعوة، فالرسول يخبرنا أن نأكل مما وَضع أمامنا. لا نلتزم بالامتناع عن الطعام الفاخر تمامًا، إنما يجب علينا ألا نشتهيه[77].

القديس إكليمنضس السكندري

ولكن إن قال لكم أحد هذا مذبوح لوثن،

فلا تأكلوا من اجل ذاك الذي أعلمكم والضمير،

لأن للرب الأرض وملاها” [28].

 يمكن للمؤمن أن يأكل ببساطة وبراءة مما يقدم له في الولائم الخاصة حتى في منازل الوثنيين، إذ لا يحسب ذلك شركة في مائدة الشياطين، ولا تُعتبر وليمة وثن. أما إذا أخبره إنسان بأن ما يُقدم ذبح للوثن يمتنع من أجل عدم عثرة ضعفاء النفوس.

أقول الضمير ليس ضميرك أنت،

بل ضمير الآخر،

لأنه لماذا يحكم في حريتي من ضمير آخر؟” [29].

 يخاطب أصحاب الضمير القوي، فهو مطمئن من جهة ضميرهم أنهم لا يصنعون خطأ، لكن إذ يطلبون ما للغير ويهتمون بخلاص أصحاب الضمير الضعيف يسلكون بما لا يعثرهم.

أما قوله: “لماذا يحكم في حريتي من ضمير آخر؟” هذا اعتراض من صاحب الضمير القوي. يسأل الرسول لماذا لا يمارس حريته بل يسلك حسب ضمير صاحب الضمير الضعيف؟

يقارن العلامة أوريجينوس بين خبز الرب (الأفخارستيا) والطعام موضحًا أننا ننعم ببركات خبز الرب خلال إيماننا به، فبدون الإيمان لن نتقدس، وأيضًا ما يدنس الإنسان ليس الطعام العادي في ذاته، وإنما ضمير الإنسان الدنس وعدم إيمانه، فيقول:

  • حتى ما يُدعى خبز الرب… ليس الطعام بل ضمير من يأكل بشكٍ يدنس ذاك الذي يأكل، لأن من يشك يُدان متى أكل، إذ يأكل بدون إيمان. وليس شيء طاهرًا لمن هو دنس وغير مؤمن، وذلك ليس في الشيء نفسه، وإنما بسبب دنسه هو وعدم ايمانه. هكذا ما يتقدس بكلمة الله والصلاة لا يقدس من يستخدمه في طبيعته، لأنه لو كان الأمر كذلك لتقدس حتى ذاك الذي يأكل خبز الرب بدون استحقاق، ولا يصير أحد قط بسبب ذلك ضعيفًا أو مريضًا وأن ليس قليلون يرقدون [29]. ففي حالة خبز الرب ينتفع به ذاك الذي يستخدمه بعقل غير دنس وضمير طاهر[78].

العلامة أوريجينوس

فان كنت أنا أتناول بشكر،

فلماذا يُفترى عليَّ لأجل ما أشكر عليه” [30].

  • كما أن الشمس تلقي بأشعتها على مواضع كثيرة فاسدة وتعود الأشعة طاهرة هكذا بالأكثر نحن إذ نعيش في وسط العالم نبقى أطهارًا، إن أردنا ذلك، وذلك بالقوة العظمى التي لنا. تقول: إذن لماذا تمتنع؟ ليس لئلا أصير دنسًا، حاشا! وإنما من أجل أخي، وألا أكون شريكًا مع الشياطين وحتى لا يدينني غير المؤمن[79].
  • انظروا كم هي الأسباب التي وضعها لكي نلتزم بالامتناع عن ذبائح الأوثان؟ بسبب عدم نفعها، وعدم الاحتياج إليها، ومن أجل الضرر الذي يصيب أخانا، ومن أجل الاتهامات الشريرة التي يقدمها اليهودي، ومن أجل إساءة الأممي، ولكي لا نكون شركاء الشياطين، ولأن في هذا نوع من العبادة الوثنية[80].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • الذي قال: أود ألا تكونوا شركاء مع الشياطين، أراد بأحاديثه أن ينفصلوا بحياتهم وسلوكهم عن الشعب الذي يخدم الشياطين[81].

القديس أغسطينوس

 فإذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئًا،

فافعلوا كل شيء لمجد الله” [31].

 يليق بالمؤمن أن يمجد الله حتى في أكله أو شربه أو ممارسته أي عمل. الابن يكرم أباه حينما يسلك بوقارٍ ويظهر سمات أبيه فيه. حتى في أكلنا وشربنا يليق بنا أن يتجلى إلهنا فينا فيرى الكل فينا شركتنا لسمات إلهنا، وممارستنا لصلاحه ورحمته وقداسته.

  • يستخدم الإنسان البار الطعام والشراب واضعًا في ذهنه الوصية: “فإذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئا فافعلوا كل شيء لمجد الله” [31]. فإن كان من الضروري وضع صورة سريعة عن الطعام غير الطاهر حسب الإنجيل نقول أنه الطعام الذي يرتبط بالجشع، والذي يقوم على محبة المال الدنيئة، أو الأكل من أجل محبة اللذة أو للاستعباد للبطن التي تكرم هي وشهيتها لتسيطر على النفس عوض العقل[82].

العلامة أوريجينوس

  • يليق بكل مسيحي بموافقة رؤسائه (الروحيين) أن يعمل كل شيء بتعقلٍ واتزانٍ حتى في الاعمال البسيطة كالأكل والشرب، فيفعل ذلك لمجد الله[83].

القديس باسيليوس

  • أن نأكل ونشرب لمجد الله هو أن نأكل ونشرب بعد تقديم المجد للخالق[84].

أمبروسياستر

  • افعل كل شيء بحرصٍ حتى يمجد الآخرون الله بك ولا يتعثرون[85].

سفيريان أسقف جبالة

  • حتى إذا بسطت يديّ للعطاء أتأمل شريعة الله. إذا افتقدت مريضًا تتأمل رجلاي في شريعة الله. إن تممت ما قد وُصف لي كعلاجٍ إنما أصلي بكل جسدي ما يتلوه الآخرون بشفاههم[86].

القديس جيروم

  • يريد أن تكون كل تصرفاتنا في صحبة المسيح كرفيقٍ وشاهدٍ. فنفعل الأمور الصالحة من أجله بكونه مصدرها. ونتجنب ما هو شرير من أجل الشركة معه. من يعرف أن المسيح هو رفيقه يخجل من فعل الشر.على أي الأحوال المسيح هو المعين في الأمور الصالحة وهو المدافع لنا في مواجهة الشرور[87].

مكسيموس أسقف تورينو

كونوا بلا عثرة لليهود ولليونانيين ولكنيسة الله” [32].

 يليق بالمؤمن أن يدقق في سلوكه حتى لا يعثر يهوديًا غير مسيحي أو أمميًا لم يقبل الإيمان بعد، أو مسيحيًا.

  • اصنع كل شيء برقةٍ وبنظامٍ من أجل البنيان. يجب أن تختار الشخص والوقت والحاجة والمكان بما يليق، وتصمم على ذلك. فإنك إذ تأخذ في اعتبارك كل هذه التفاصيل تتجنب كل ظلٍ لأثرٍ شريرٍ[88].
  • لا تكن عثرة بأية وسيلة لمن تلتقي بهم. كن بشوشًا لمن تلتقي بهم. كن بشوشًا، محبًا للاخوة، لطيفًا ومتواضعًا. لا تسيء إلى هدف الكرم بأن تطلب طعامًا مبالغًا فيه[89].

القديس باسيليوس

كما أنا أيضًا أرضي الجميع في كل شيء،

غير طالب ما يوافق نفسي بل الكثيرين لكي يخلصوا” [33].

يقدم الرسول بولس نفسه مثالاً، إذ يود أن يكسب الكثيرين لا لنفسه بل لخلاصهم.

  • أية منفعة عظمى يمكن أن يقتنيها الشعب المسيحي إن كان في وجود كارثة، وفي وجود خدام المسيح لا ينسحبوا من الاهتمام بأنفسهم. انظروا مدى الضرر الذي يحدث عندما يطلبون ما لأنفسهم وليس ما ليسوع المسيح (في 2:21)، عندما تنقصهم المحبة التي قيل عنها: “لا تطلب ما لنفسها” (1 كو 13: 5)، ويفشلون في الامتثال بذاك القائل: “غير طالب ما يوافق نفسي بل الكثيرين لكي يخلصوا” [33][90].
  • “إن كنت بعد أرضي الناس فلست عبدًا للمسيح” يجب أن تفهم كمن يقول: إن كانت الأمور الصالحة التي أفعلها أمارسها من أجل مديح بشري كدافع لي على عملها؛ إن كنت أنتفخ بمحبة المديح، لن أكون خادمًا للمسيح. فالرسول إذن يود أن يرضي كل الناس ويفرح بمسرتهم، لا لكي يتباهى بمديحهم، بل لأنه بمدحه يبنون أنفسهم في المسيح[91].
  • يريد الرسول من المؤمنين أن يًسرّوا الجميع، فهو يجد مسرّته في مسرة الكل، ليس لأنه يشبع في داخله بمديحهم، وإنما لأنه إذ يسرهم جميعًا يمكنه أن يبنيهم في المسيح[92].

القديس أغسطينوس

  • ليس من أجل نفعه الزائل يتحدث عن السلام القادم، وإنما من أجل زملائه المؤمنين وأقربائه حتى يشتهونه فينالون الخلاص ويقيدون أنفسهم برباطات الاتفاق[93].

كاسيودوس

من وحي 1 كو 10

هب لي أن أُسِرّ قلبك،

يا من تغنيني بعطاياك!

  • مخازنك العجيبة مفتوحة عبر كل الأجيال،

سِرْت بشعبك وسط البرّية،

ووهبتهم ذاتك سحابة تظلّلهم في النهار،

وعمود نور يقودهم بالليل.

قدمت لهم ماءً من الصخرة التي كانت تتبعهم.

وعوض ذبيحة الشكر، قدّموا تذمرًا وتمردًا!

عِوض الالتصاق بك، عبدوا العجل الذهبي.

تطلّب أن يُسروا بك وأنت بهم،

لكن في عنادٍ وقسوة قلب وغلاظة رقبة أرادوا أن يغيظوك!

  • ها أنا في برّية حياتي.

تظلّلني بجناحي حبك وأنت على الصليب.

قدتني إلى نهر الأردن،

وقدّمت لي روحك يقودني بروح الحب،

يشرق عليَّ بالنور الإلهي، ويضيء فهمي.

يلهب قلبي بنار حبه الإلهي،

عوض الصخرة قدّمت ذاتك بجنبك المطعون.

يفيض عليّ بمياه الروح،

ويقدسني بالدم الثمين.

هب لي عوض الجحود أن أشكرك.

عِوض التمرد التصق بك بالطاعة.

عِوض الجفاف يلتهب قلبي حبًا!

نعم! أنت سروري وبهجة قلبي،

يا من تُسر بي أنا الخاطي الضعيف!

  • بماذا أرد لك هذا الفيض من عطاياك؟

أرده لك في أولادك.

أصير معهم خبزًا واحدًا لا يعرف الانقسام.

نعم! لأثبت معهم فيك، بجسدك المقدس ودمك الكريم.

لأصر معهم واحدًا فيك!

هذا هو ما يُسر قلبك يا واهب الوحدة!

  • وهبتني الحرية،

فكل الأشياء تحل لي،

لكنني لن أسلك إلا بما يوافقني كابن لك!

لا أتحرك إلا بما يبني نفسي ونفوس اخوتي فيك!

سأرضيك بأن أرضي من تحبهم.

لا أطلب ما لنفسي بل ما هو لمحبوبيك!

لأقتدي بك يا من قدمت ذاتك عني،

فأقدم نفسي مبذولاً من أجل اخوتي.

هب لي بروحك أن أشاركك صليب الحب!

[1] CSEL 81:107.

[2] Cat. Lect. 3:6.

[3] Mystagogical Lecture 11:3.

[4] De Baptismo 9.

[5] Sermons 100:3.

[6] Letter, 73.

[7] The Usefulness of Belief, 8.

[8] De:Triantate 2:14. PG 39:697 A.

[9] Gennadius of Constantinople (Pauline Comm. From the Greek Church).

[10] On Perfection.

[11] The Mysteries, 58.

[12] The Mysteries 8:48.

[13] On 1 Cor., hom. 23:3.

[14] Hymns on Paradise 5:1.

[15] Ep. 55:11.

[16] Ep. 169:9.

[17] The Holy Spirit 1:2.

[18] CSEL 81:108

[19] On Perfection.

[20] Sermons 117:2.

[21] Commentary on Matthew, 12:10.

[22] On 1 Cor., hom. 23:4.

[23] In 1 Corinth., hom. 24:2.

[24] Comm. On 1 Cor. 4:45:2-5.

[25] On 1 Cor., hom. 23:4.

[26] On 1 Cor., hom. 23:4.

[27] On 1 Cor., hom. 23:4.

[28] In 1 Corinth., hom. 24:2.

[29] Letter 22:2.

[30] In 1 Corinth., hom. 23:5.

[31] In 1 Corinth., hom. 23:5.

[32] Commentary on Matthew, 13:22.

[33] On 1 Cor., hom. 23:5.

[34] In 1 Corinth., hom. 23:5.

[35] In Titus. hom. 5.

[36] In Ephes., hom. 23.

[37] CSEL 81:111.

[38] In 1 Corinth., hom. 24:1.

[39] In 1 Corinth., hom. 24:1.

[40] Letter 139.

[41] Letter 219

[42] Letter 256.

[43] Letter 179 to Bishop John.

[44] CSEL 81:113.

[45] Sermon on the Amount 2:34.

[46] Pauline Commentary from the Greek Church.

[47] De Principiis 3:2:3.

[48] Cassian: Conferences 9:23.

[49] Cassian: Conferences 7:20.

[50] Cassian: Conferences 13:13.

[51] Institutions 5:16.

[52] In 1 Corinth., hom. 24:3.

[53] Homily 227.

[54] In 1 Corinth., hom. 24:4.

[55] Letter to Priests, 45, FC 26:263

[56] Sermon 227 FC 38:107.

[57] City of God 21:25.

[58] In 1 Corinth., hom. 24:5.

[59] In 1 Corinth., hom. 24:5.

[60] Ep. 102:19.

[61] Ep. 47:4.

[62] Mystagogical Lecture 1:7.

[63] CSEL 81:114.

[64] CSEL 81:115.

[65] In 1 Corinth., hom. 24:6.

[66] In 1 Corinth., hom. 24:6.

[67] The Appeal of Women 10:6.

[68] Paedagogus 2:1:14.

[69] Sermons on New Testament Lessons, 28:6.

[70] CSEL 81:116.

[71] Pauline Commentary from the Greek Church.

[72] In 1 Corinth., hom. 25:1.

[73] Pauline Commentary from the Greek Church.

[74] In 1 Corinth., hom. 25:1.

[75] Letter 47.

[76] In 1 Corinth., hom. 25:1.

[77] Paedagogus 2:10.

[78] Commentary on Matthew, 11:14.

[79] In 1 Corinth., hom. 25:2.

[80] In 1 Corinth., hom. 25:3.

[81] Sermons for Christmas and Epiphany, sermon 17:3.

[82] Commentary on Matthew, 11:12.

[83] Letter 22:2.

[84] CSEL 81:118.

[85] Pauline Commentary from the Greek Church.

[86] Hom. On the Psalms, Homily 1.

[87] Maximus of Turin: Pauline Commentary from the Greek Church.

[88] The Long Rules, 33.

[89] Letter, 42.

[90] Ep. 228:2.

[91] Ep. 228:2.

[92] Letter 231.

[93] Cassiodorus: Explanation of the Psalms 121:9.

تفسير كورنثوس الأولى 10 – الأصحاح العاشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

Exit mobile version