صانع العجائب – العظة 50 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
صانع العجائب – العظة 50 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
صانع العجائب – العظة 50 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
الله هو صانع العجائب بواسطة قديسيه.
قوة الله في إيليا:
من هو ذاك الذي أغلق أبواب السماء؟ هل هو إيليا أم أن الله الذي فيه، هو الذي أمر المطر ألاَّ ينزل؟ إني أؤمن أن ذاك الذي له السلطان على السموات، كان هو نفسه جالسًا في عقل إيليا، وأن كلمة الله أمر المطر أن ينزل على الأرض بواسطة لسان إيليا، فنزل المطر.
عمل الله في موسى:
وكذلك موسى أيضًا فإنه ألقى بالعصا على الأرض فصارت حيَّة، ثم تكلم مرة أخرى فعادت وصارت عصا. وأخذ موسى رمادًا من الأتون ونثره نحو السماء فصار دمامل أصابت الناس وفي البهائم. وأيضًا مد عصاه فصار البعوض والضفادع على أرض مصر (خر 8: 5، 17). فهل تستطيع الطبيعة البشريّة أن تصنع هذه الأمور؟.. لقد مد موسى أيضًا يده على البحر فشقه، وكذلك رفع عصاه على النهر فتحولت مياهه إلى دم. فالواضح أن قوة سماويّة كانت ساكنة في قلب موسى وعقله وكانت هذه القوة تعمل هذه الآيات بواسطة موسى.
قوة الله في ضعف داود:
وكيف استطاع داود أن يقاتل الجبّار دون أن يكون متسلحًا؟ فإن يد الله هي التي قادت الحجر بواسطة يد داود حينما رماه على الفلسطيني.. وأن قوة الله هي التي قتلت الجبار وانتصرت عليه، فما كان داود ليستطيع أن يفعل ذلك من ذاته إذ كان ضعيفًا جدًا في الجسد (1 صم 17: 49-51).
سقوط أسوار أريحا:
وحينما جاء يشوع بن نون إلى أريحا وحاصرها سبعة أيام، لم يستطع أن يفعل شيئًا بطبيعته، ولكن حينما صدر أمر الله فإن الأسوار سقطت من نفسها.. ومن هو الذي أمر الشمس أن تقف لمدة ساعتين بينما كانت المعركة حامية الوطيس؟ هل هي طبيعة يشوع أم القوة الإلهيّة التي كانت معه؟
القتال مع عماليق:
ولما دخل يشوع في قتال مع عماليق، كان إذا رفع موسى يديه نحو السماء إلى الله، أن إسرائيل يغلب، وإذا خفض يديه أن عماليق يغلب.
حينما ترفع أفكارك إلى السماء:
ولكن حينما تسمع عن هذه الأمور فلا تدع عقلك يذهب بعيدًا، بل حيث إنها كانت رمزًا وظلاً للحقيقة فطبقها إذن على نفسك. فإنك حينما ترفع يدي عقلك وأفكارك نحو السماء وتضع في قصدك أن تلتصق بالرب وتتحد به فإن الشيطان يسقط تحت أفكارك.
وكما سقطت أسوار أريحا بقوة الله، كذلك الآن بقوة الله تتحطم مدن الشيطان وأسوار الشر التي تحارب عقلك ويسقط أعداؤك أيضًا.
عمل الروح في الأبرار والأنبياء:
لقد كانت قوة الله في القديم حاضرة مع الأبرار بلا انقطاع، وكانت تعمل عجائب منظورة. وكانت النعمة الإلهيّة تعمل أيضًا في الأنبياء، وكان الروح يعمل في نفوسهم للتنبؤ والتكلّم حينما كانت تدعو الحاجة أن يخبروا العالم بأحداث عظيمة. لأن الأنبياء لم يكونوا يتكلمون في كل وقت، بل حينما يشاء الروح الذي فيهم فقط. إلاَّ أن القوة الإلهيّة كانت معهم دائمًا.
انسكاب الروح في العهد الجديد:
فإن كان الروح القدس قد انسكب بهذا المقدار في ذلك العهد الذي هو ظلّ لعهد النعمة، كم بالحري ينسكب في العهد الجديد، عهد الصليب ومجيء المسيح، الذي فيه حدث انسكاب الروح والامتلاء به. كما هو مكتوب “إني أسكب من روحي على كل بشر” (أع 2: 17). وهذا هو المعنى الذي قصده الرب نفسه حينما قال “وها أنا معكم إلى انقضاء الدهر” (مت 28: 20). “لأن كل من يطلب يجد” (مت 7: 8). وأيضًا “إن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تُعطوا أولادكم عطايا جيدة فكم بالحري الآب السماوي يعطي الروح القدس للذين يسألونه” (لو 11: 13). “بقوة وبيقين شديد” كما يقول الرسول (1 تس 1: 5).
الحصول على قوة الروح:
إن هذه الأشياء نحصل عليها بالتدريج، وتحتاج منا إلى وقت، وتعب وصبر ومحبة كثيرة وشوق كبير نحو الرب. وهكذا فإن “حواس النفس”، “تتدرب” كما يقول الكتاب (عب 5: 14). بواسطة الخير والشر، أي من خلال حيل العدو ومؤامراته وخداعاته من ناحية، ومن الناحية الأخرى بواسطة المواهب والمعونات المتنوعة التي تُعطى بعمل الروح القدس وقوته. وإن الذي يواجه خداع الخطية، الذي يلوث الإنسان الباطن بواسطة الشهوات، ولا يتعرف في داخل نفسه على معونة الروح القدس “روح الحق”، الذي يقوّيه ويعين ضعفه، ويجدّد نفسه بفرح القلب، مثل هذا الإنسان يسير في طريقه بدون تمييز، إذ لم يكتشف بعد تدبيرات النعمة المتنوعة، وسلام الله العميق.
هل وجدت الكنز؟
ومن الناحية الأخرى فإن الذي ينال معونة الرب، ويحصل على الفرح الروحاني ومواهب النعمة السماويّة، مثل هذا الإنسان إن كان يتصور أنه لم يعد معرضًا بالمرة لأذى الخطية، فإنه ينخدع دون أن يدري، إذ أنه لا يميز خبث الخطية ولا يدركه، ولا يعرف أن النمو إنما يتم بالتدريج من الطفولة حتى النضوج والكمال في المسيح. لأن الإيمان يزداد وينمو بواسطة عمل الروح القدس الإلهي، وتبعًا لذلك تتحطم تدريجيًا حصون الأفكار الشريرة إلى أن تنهدم كلّية (2 كو 10: 4).
لذلك ينبغي على كل واحد منا أن يفتش ويعرف، هل هو قد وجد “الكنز في هذا الإناء الخزفي” (2 كو 4: 7)، وهل قد اكتسى بأرجوان الروح، وهل قد رأي الملك ووجد راحته في الداخل بالقرب منه، أم أنه لا يزال يعيش في الدار الخارجيّة؟
إن النفس لها أجزاء كثيرة، ولها عمق عظيم، فعندما دخلت الخطية إلى الداخل امتكلت كل أجزاء النفس وكل مراعي القلب.
النعمة تملك جزئيًا وبالتدريج:
ولذلك حينما يسعى الإنسان ويطلب، فإن النعمة تأتي إليه، وتبدأ في أن تملك عليه، ولكنها قد تملك ربما على جزء أو اثنين من أجزاء النفس. وبعد أن تبدأ النعمة عملها فإن الإنسان غير المختبر حينما يحصل على تعزية بالنعمة، يتخيل أن النعمة قد امتلكت كل أجزاء نفسه وأن الخطية قد استؤصلت منه تمامًا. مع أن القسم الأكبر من النفس لا يزال تحت سلطان الخطية وليس سوى جزء واحد فقط تحت سلطان النعمة، وهكذا فإنه ينخدع دون أن يدري.
ولكننا أن نتحدث كثيرًا إليكم بخصوص هذه الأمور بحسب استعدادكم وإخلاصكم، ولكننا أعطيناكم نقطة بداية، تستطيعون كأناس ذوي حكمة وفهم أن تتأملوا في هذه الكلمات وتفحصوا قوتها وتصيروا أكثر فهمًا وحكمة في الرب. وتزدادوا في بساطة القلب، في النعمة وفي قوة الحق، وهكذا إذ تتمسكون بخلاصكم بكل يقين، وتتحررون من كل محاربات الشرير وخداعات العدو، فإنكم تُحسبون أهلاً لأن توجدوا بلا عثرة، ولا دينونة في يوم ربنا يسوع، الذي له المجد إلى الأبد آمين.
العظة 50 للقديس مقاريوس الكبير – صانع العجائب – د. نصحى عبد الشهيد
الشبع الإلهي – العظة 49 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
الشبع الإلهي – العظة 49 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
العظة 49 للقديس مقاريوس الكبير – الشبع الإلهي – د. نصحى عبد الشهيد
لا يكفي أن تتجنب لذات هذا العالم بل يلزم الحصول على غبطة الدهر الآتي.
فرح الروح بدل فرح العالم:
حينما يترك إنسان أهله، ويترك هذا العالم، ويتغرّب عن لذّاته ويترك الممتلكات، والأب والأم، لأجل الرب، ويصلب نفسه ويصير غريبًا وفقيرًا ومحتاجًا، ولكنه لا يجد العزاء الإلهي في داخل نفسه بدلاً من راحة العالم وعزائه، ولا يشعر بلذة الروح في داخله بدلاً من اللّذة الزمنية العابرة، ولا يكون لابسًا لثياب نور الله في الإنسان الباطن، بدلاً من تلك الثياب التي تفنى، ولا يعرف شركة العريس السماوي في نفسه، بدلاً من فرح هذا العالم الظاهر ولا يحصل على عزاء النعمة السماوي، والشبع الإلهي في النفس- بظهور مجد الرب- كما هو مكتوب[1]، وبالاختصار بدلاً من التمتع الزمني العابر، لا يحصل من الآن في داخل نفسه على التمتع غير الفاسد الذي لا يضمحل والذي تشتهيه النفس شهوة عظيمة، فإن هذا الإنسان قد صار ملحًا بلا ملوحة، بل هو أكثر بؤسًا من جميع الناس لأنه حُرم من الأشياء التي هنا، ولم يحصل على التمتع بالعطايا الإلهيّة التي تتم بعمل الروح القدس في الإنسان الباطن.
العبور بالروح إلى عالم آخر منذ الآن:
فإن الغاية التي من أجلها يصير الإنسان غريبًا عن هذا العالم إنما هي أن تعبر نفسه إلى عالم آخر ودهر آخر كما يقول الرسول “إن سيرتنا هي في السموات” (في 3: 20) وأيضًا يقول “وإذ نسير على الأرض لكننا لسنا حسب الجسد نحارب” (2 كو10: 2). لذلك فإن من يرفض هذا العالم يجب أن يؤمن بكل يقين، أنه ينبغي أن يعبر بفكره منذ الآن بالروح إلى عالم آخر، وهناك تكون سيرتنا ولذتنا وتمتعنا بالخيرات الروحيَّة، وأنه ينبغي أن يُولد من الروح في الإنسان الباطن كما قال الرب “من يؤمن بي فقد انتقل من الموت إلى الحياة” (يو 5: 24).
لأنه يوجد موت آخر غير الموت الطبيعي المنظور، وحياة أخرى غير هذه الحياة، فإن الكتاب يقول: “وأما المتنعمة فقد ماتت وهي حيّة” (1 تي 5: 6)، وأيضًا يقول الكتاب: “دع الموتى يدفنون موتاهم” (لو 9: 60). لأن “ليس الأموات يسبحونك يا رب، بل نحن الأحياء نباركك” (مز 115: 17-18).
دخول النفس إلى المسكن السماوي:
لأنه كما أن الشمس عند إشراقها على الأرض تضيء عليها بكلّيتها، ولكن عندما تصير إلى الغروب تنحسر أشعتها عنها، كذلك فإن النفس التي لا تُولد من فوق من الروح، تكون على الأرض بكليتها. وأفكارها مشتّتة في الأرض كلها. ولكن حينما تُحسب أهلاً للحصول على الولادة السماويّة وشركة الروح، فإنها تجمع كل أفكارها معًا فتأخذهم معها وتدخل إلى الرب، إلى المسكن السماوي غير المصنوع بأيدي وتصير كل أفكارها سماويّة طاهرة ومقدسة وتصعد إلى الجو السماوي الإلهي.
وإذ تتحرر من سجن ظلمة رئيس هذا العالم الشرير، الذي هو روح العالم، فإن النفس تجد أفكارًا طاهرة إلهيّة، لأن الله قد سُرّ بأن يجعل الإنسان شريكًا في الطبيعة الإلهيّة (2 بط 1: 4).
ستجد فرحًا عظيمًا:
لذلك فإذا كنت تعتزل كل الأمور المختصة بهذا العالم وتواظب على الصلاة، فإنك ستجد راحة كبيرة في هذا العمل. بل ستجد فرحًا عظيمًا في الشدة القليلة والألم وستنتعش انتعاشًا عظيمًا. فإنه إن كنت تنفق نفسك وجسدك ساعة بساعة طوال حياتك لأجل هذه الخيرات العظيمة فماذا تكون النتيجة؟.. آه، يا لعِظَم تحنّن الله الذي يفوق الوصف، فإنه يعطي نفسه مجانًا لأولئك الذين يؤمنون به حتى أنهم في وقت قليل يرثون الله، ويسكن الله في الإنسان ويتخذ من الإنسان منزلاً حسنًا له! وكما أن الله خلق السماء والأرض ليسكن الإنسان فيهما، كذلك فإنه خلق جسد الإنسان ونفسه ليكونا منزلاً له، لكي يسكن ويستريح في جسد الإنسان كما في منزله الخاص، ويتخذ من النفس الحبيبة عروسًا جميلة له مخلوقة على صورته. لأن الرسول يقول: “خطبتكم لرجل واحد، لأقدم عذراء عفيفة للمسيح” (2 كو 11: 2). وأيضًا “وبيته نحن” (عب 3: 6).
الله يخزن كنوز الروح في نفسك وجسدك:
فكما أن رب البيت يخزّن باجتهاد كل أنواع الخيرات في بيته، هكذا الرب أيضًا في بيته الذي هو نفسك وجسدك، فإنه يضع كنوز الروح السماويّة ويخزنها في هذا البيت.
إن الحكماء بحكمتهم، والفطناء بفطنتهم لم يستطيعوا أن يدركوا لطافة النفس، أو أن يتكلموا عنها كما هي، وإنما يدرك لطافتها فقط أولئك الذين يُعطى لهم هذا الإدراك بالروح القدس. ولهم تُعطى المعرفة الصحيحة عن النفس إذ أن الروح يعلنها لهم.
الرب والنفس:
فانظر هنا نظرة جادة لكي تفهم وتتعلّم. انصت الآن:
فإنه هو إله، أما النفس فليست إلهًا.
إنه هو رب، وهي عبدة.
هو خالق، وهي مخلوقة.
هو صانع، وهي صنعة يديه.
وليس هناك شيء مشترك بين طبيعة الله وطبيعة النفس. ولكن بواسطة محبته ورأفته التي لا تحد والتي تفوق الوصف والإدراك، سُرّ الله أن يسكن في هذا المخلوق العاقل، في صنعة يديه، الثمينة والعجيبة، كما يقول الكتاب “لكي نكون باكورة من خلائقه” (يع 1: 18). لنكون نحن حكمته وشركته، ومسكنه الخاص، وعروسه الطاهرة.
لنعطِ أنفسنا لإرضاء الرب:
فحينما تُوضع أمامنا هذه الأشياء الصالحة، وهذه المواعيد التي وعدنا بها الرب، وتتضح مسرة صلاحه من نحونا، فلا نهمل يا أبنائي ولا نتأخر أو نتباطأ في السعي للحياة الأبديّة، بل نعطي أنفسنا تمامًا لإرضاء الرب، مخصصين ذواتنا له كلّية.
فلنتوسل، إذن للرب أن ينقذنا بقوة لاهوته من سجن ظلمة شهوات الخزي، وأن يجعل صورته وصنعة يديه تضيء ببهاء، وأن يجعل النفس صحيحة ونقيّة، وهكذا نُحسب أهلاً لشركة الروح، ممجدين الآب والابن والروح القدس إلى الأبد.
[1] هنا يشير القديس مقاريوس إلى مز 17: 15 في الترجمة السبعينية حيث نص الآية هكذا “سأمتليء حتى الشبع بظهور مجدك”.
الإيمان الكامل بالله – العظة 48 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
الإيمان الكامل بالله – العظة 48 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
الإيمان الكامل بالله – العظة 48 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
لما أراد الرب، في الإنجيل، أن يقود تلاميذه إلى الإيمان الكامل قال لهم: “الأمين في القليل أمين في الكثير، والظالم في القليل ظالم أيضًا في الكثير” (لو 16: 10) فما هو القليل وما هو الكثير؟
القليل هو خيرات هذا العالم، التي وعد أن يعطيها لأولئك الذين يؤمنون به: مثل الطعام واللباس وكل الأشياء الأخرى اللازمة للجسد والصحة وما أشبه ذلك. وهو يدعونا أن لا نهتم أو نقلق بخصوص هذه الأشياء، بل نثق فيه بيقين تام أنه كفء لحاجات أولئك الذين يلتجئون إليه في كل شيء.
أما الكثير فهو هبات العالم الأبدي الذي لا يفنى ولا يضمحل، التي وعد أن يعطيها لأولئك الذين يؤمنون به ويهتمون بطلبها بلا انقطاع ويسألونه لأجلها لأنه هو الذي أوصى بذلك قائلاً: “اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره وهذه كلها تُزاد لكم” (مت 6: 33)، لكي بواسطة هذه الأشياء القليلة الزمنية يمكن أن يُختبر كل إنسان إن كان يؤمن بالله، لأنه وعد أن يعطي هذه الأشياء بدون أن نهتم ونقلق من جهتها، بل نهتم فقط من جهة الأمور الأبديّة الآتية.
لذلك فإن كان له إيمانًا قويًا من جهة الأشياء الزمنية فإن هذا يكشف عن إيمانه بخصوص الأمور التي لا تفنى، وكيف أنه يسعى حقًا طالبًا الخيرات الأبديّة، لذلك ينبغي على كل واحد من أولئك الذين يطيعون كلمة الحق، أن يختبر نفسه ويمتحنها، أو يدع الرجال الروحانيين يعينونه على ذلك لكي يعرف إلى أي درجة قد آمن بالله وأعطى نفسه له، وهل إيمانه هذا حقيقي بحسب كلمة الله، أم أنه يعتمد على رأيه الخاص في تبرير وإيمان كاذبين، متخيلاً أن له إيمان داخل نفسه. فإن هذا هو السؤال الذي يمتحن به الإنسان نفسه:
هل هو أمين في القليل، أي في الأمور الزمنية؟
وكيف يتم هذا الامتحان؟ هذا ما سأوضحه لكم الآن: هل تقول إنك تؤمن أنه قد أُعطي لك ملكوت السموات، وأنك قد وُلدت من فوق وصرت ابنًا لله، ووارثًا مع المسيح، لتملك معه إلى الأبد وتتنعم في النور الذي لا يُوصف طوال الدهور الأبديّة مع الله؟
لا شك أنك ستقول “نعم فإنه لهذا السبب قد تركت العالم وسلّمت نفسي إلى الرب”.
لذلك، افحص نفسك الآن، هل لا تزال الاهتمامات الأرضيّة لها تأثير عليك، وتفكر كثيرًا بخصوص الطعام واللباس وغيرها من الاهتمامات المشابهة، كأنك تحصل على هذه الأشياء بقوتك الخاصة وكأنه يلزمك أن تقوم بتزويد نفسك بكل احتياجاتك بدلاً من الوصية التي أعطاها لك الرب ألاَّ تهتم ولا تقلق أبدًا من جهة هذه الأشياء الأرضيّة الفانية، التي يعطيها الله حتى للأشرار، وللوحوش والطيور، لقد أعطاك الله وصية ألاَّ تهتم بهذه الأمور ولا تقلق، إذ قال: “لا تهتموا بما تأكلون أو بما تشربون أو بما تلبسون، فإن هذه كلها تطلبها الأمم” (مت 6: 25-32).
أما إن كان لا يزال عندك همّ وانشغال بهذه الأمور، ولم تثق كلّيةً بكلمته، فاعلم أنك لم تؤمن بعد بأنك ستنال الخيرات الأبديّة التي هي ملكوت السموات بالرغم من أنك تظن أنك تؤمن، بينما أنت توجد غير أمين في الأشياء القليلة التي تفنى. وأيضًا كما أن الجسد هو أفضل من اللباس، كذلك فإن النفس هي أفضل من الجسد (مت 6: 25). فهل تؤمن، إذن أن نفسك تحصل من المسيح على الشفاء من الجروح الأبدية التي لا يستطيع البشر شفاءها، أي جروح شهوات الخطية، التي لأجل شفائها جاء الرب إلينا ههنا، لكي يشفي نفوس المؤمنين ويطهرهم من دنس الخطية ونتانتها وبرصها- لأنه هو الشافي والطبيب الحقيقي الوحيد؟
إنك ستقول “إنني أؤمن بكل تأكيد- وهذه هي ثقتي، وهذا هو رجائي، فالآن افحص وانظر إن كانت الأمراض الجسديّة تجعلك تجري إلى الأطباء الأرضيين أم لا، كما لو أن المسيح الذي تؤمن به لم يستطِع أن يشفيك- فانظر كيف تخدع نفسك، لأنك تظن أنك تؤمن وأنت في الحقيقة لا تؤمن كما ينبغي. فلو إنك آمنت أن جروح النفس التي لا تُشفي وأهواء الخطية، يشفيها المسيح، لآمنت أيضًا أنه يستطيع أن يشفي أمراض الجسد المؤقتة ولكنت لجأت إليه وحده وتركت جانبًا وسائل الأطباء وأدويتهم[1].
فإن الذي خلق النفس خلق الجسد أيضًا. والذي يشفي النفس غير المائتة، يستطيع أيضًا أن يشفي الجسد من أمراضه وعلله العابرة المؤقتة.
ولكنك بلا شك ستقول إن الله قد أعطانا نباتات الأرض والعقاقير لأجل شفاء الجسد وقد أعد وسائل الأطباء ومعالجتهم لأجل أمراض الجسد وآلامه ورتب أن الجسد الذي من التراب يكون شفاؤه بوسائل متنوعة من نفس الأرض، وإني أوافقك على صحة هذا الكلام. ولكن انظر وانتبه، وأنت ستعرف لمن أعطى الله هذه الأشياء ولأجل من رتبها حسب رحمته العظيمة ومحبته غير المحدودة للبشر.
فحينما سقط الإنسان بتعدي الوصية التي أُعطيت له، صار تحت العبودية والعار وكأنه ذهب ليعمل ويكد في أحد المناجم، مطرودًا من أفراح الفردوس إلى هذا العالم، وصار تحت قوة سلطان الظلمة وانحدر إلى حالة عدم الإيمان بواسطة الخطايا والشهوات، وحينئذٍ سقط تحت وطأة أمراض الجسد واضطراباته بدلاً من حالته الأولى الخالية من الاضطراب والمرض. وبالتأكيد فإن كل الذين وُلدوا من الإنسان الأول سقطوا تحت الأمراض والاضطرابات.
لذلك فإن الله قد رتب هذه الأدوية والعلاجات للضعفاء وللذين لا يؤمنون، لأنه لا يريد في كثرة تحننه ومحبته أن يلاشي جنس البشر الخاطيء كلّية، بل أعطى الطب والأدوية لأهل العالم، ولكل الذين هم من خارج لأجل شفائهم وصحتهم وعلاج أجسادهم، وسمح أن تُستعمل هذه الوسائل بواسطة أولئك الذين لم يستطيعوا بعد أن يؤمنوا بالله ويثقوا به كلية مستودعين حياتهم تمامًا له بالإيمان.
وأما أنت أيها الراهب، يا من أتيت إلى المسيح، وتريد أن تكون ابنًا لله ومولودًا من الروح من فوق، وتنتظر المواعيد التي هي أعلى وأعظم مما أُعطي للإنسان الأول، لأن كل ما كان للإنسان الأول من حالة الحريّة من الاضطرابات والشهوات، قد سُرّ الله أن يعطيك أكثر منه بحضوره معك، أنت يا من صرت غريبًا عن العالم. لهذا ينبغي أن يكون لك إيمان وفهم وأسلوب جديد تمامًا للحياة، يتميز كلية عن أهل العالم ويتفوق عليهم.
والمجد للآب والابن والروح القدس إلى الأبد.
[1] يُلاحظ أن القديس هنا يخاطب الرهبان ويعتبر اللجوء لأطباء مستوى روحي ضعيف لا يليق بهم انظر فقرة 6.
الإيمان الكامل بالله – العظة 48 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
الرمز والحقيقة – العظة 47 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
الرمز والحقيقة – العظة 47 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
الرمز والحقيقة – العظة 47 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
تفسير رمزي للأشياء التي كانت تُصنع تحت الناموس.
المجد على وجه موسى:
إن المجد الذي ظهر على وجه موسى كان رمزًا للمجد الحقيقي وكما أن اليهود لم يستطيعوا “أن ينظروا إلى وجه موسى” (انظر 2 كو 3: 7)، هكذا فإن المسيحيين يحصلون على مجد النور في داخل نفوسهم، أما الظلمة- إذ لا تحتمل لمعان النور- تضمحل وتهرب.
الختان وتطهيرات الجسد:
وأولئك القدماء كانوا يُعرفون أنهم شعب الله بواسطة علامة الختان الظاهر. وأما هنا الآن فإن شعب الله ينالون علامة الختان في قلوبهم من الداخل. لأن السكين السماويّة تقطع الجزء الزائد من العقل، أي غلفة الخطية النجسة. وفي القديم كانت لهم معمودية لتطهير الجسد. أما عندنا نحن فتوجد معمودية الروح القدس والنار. فهذا هو ما كرز به يوحنا “هو سيعمدكم بالروح القدس ونار” (مت 3: 11).
مسكن خارجي وآخر داخلي:
وفي القديم كان هناك مسكن خارجي وآخر داخلي. “وكان الكهنة يدخلون إلى المسكن الأول كل حين صانعين الخدمة. وأما إلى الثاني فرئيس الكهنة فقط مرة واحدة في السنة، بالدم، معلنًا الروح القدس بهذا أن طريق الأقداس لم يكن قد أُظهر بعد” (عب 9: 6-8). وأما هنا من الجهة الأخرى، فإن الذين يُحسبون أهلاً لذلك هم الذين يدخلون إلى “المسكن غير المصنوع بيد، حيث دخل المسيح كسابق لأجلنا” (عب 6: 20).
العصفوران:
إنه مكتوب في الناموس أن الكاهن يأخذ عصفورين ويذبح أحدهما ويرش العصفور الحي بدم المذبوح، ويطلق الحي ليطير حرًا (انظر 14: 4-7). ولكن هذا الذي كان يُصنع قديمًا إنما هو رمز “وظل” للحق، لأن المسيح قد ذُبح، وبدمه المرشوش علينا جعل لنا أجنحة، فإنه أعطانا أجنحة روحه القدوس، لكيما نطير في الجو الإلهي بلا عائق.
الناموس المكتوب على ألواح حجر:
وفي العهد القديم أُعطي لهم الناموس مكتوبًا على ألواح من حجر، وأما لنا نحن فالقوانين الروحانيّة “مكتوبة على ألواح قلب لحمية” (2 كو 3: 3)، لأنه مكتوب: “أجعل نواميسي في قلوبهم، وأكتبها في أذهانهم” (عب 10: 16). وتلك الأشياء كلها كانت إلى وقت معين وقد تلاشت، وأما الآن (في العهد الجديد) فكل شيء يتم بالحق في الإنسان الباطن. فالعهد موجود في الداخل والمعركة أيضًا في الداخل، وبالإجمال “فإن كل الأشياء التي حدثت لهم، إنما كانت مثالاً، وكُتبت لإنذارنا” (1 كو 10: 11).
عبودية مصر:
لقد أنبأ الله إبراهيم بما سيحدث قائلاً: “اعلم يقينًا أن نسلك سيكون غريبًا في أرض ليست لهم ويُستعبدون لهم فيذلونهم أربع مئة سنة” (تك 15: 13)، وقد تحققت هذه النبوءة تمامًا. لأن الشعب تغرّب واستُعبد للمصريين الذين “مرروا حياتهم في الطين واللبن” (خر 1: 14). وقد جعل فرعون عليهم رؤساء تسخير لكي يذلوهم ويسوقوهم قسرًا. وحينما تنهد بنو إسرائيل إلى الله من العبودية (خر 2: 23) فإن الله نظر إليهم وافتقدهم بواسطة موسى (خر 2: 25). وبعد أن ضرب المصريين ضربات كثيرة، أخرج بني إسرائيل من مصر في شهر الزهور عند بزوغ فصل البهجة أي فصل الربيع وبعد انتهاء ظلمة الشتاء.
دم الحمل على الأبواب:
وقد أمر الرب موسى أن يأخذ حملاً بلا عيب، ويذبحه ويرش دمه على القائمتين والعتبة العُليا “لئلا يمسهم الذي أهلك أبكار المصريين” (عب 11: 28)، وعندما رأي الملاك الذي أُرسل، علامة الدم من بعيد عَبَرَ (عن تلك البيوت)، ولكنه دخل إلى البيوت التي ليست عليها علامة الدم وأهلك الأبكار.
نزع الخمير وأكل خروف الفصح:
وأمرهم الله أيضًا أن ينزعوا الخمير من كل بيت، ويأكلوا خروف الفصح المذبوح، مع فطير، على أعشاب مُرّة، ويأكلوه وأحقاؤهم مشدودة وأحذيتهم في أرجلهم وعصيهم في أيديهم. وهكذا أمرهم أن يأكلوا فصح الرب بكل عجلة في المساء، وأن لا يكسروا عظمًا منه.
“وأخرجهم بفضة وذهب” (مز 105: 37)، إذ أمرهم أن يستعير كل منهم من جاره المصري أواني ذهب وفضة، وخرجوا من مصر بينما كان المصريون يدفنون أبكارهم، وخرجوا فرحين بتحررهم من العبودية القاسية، أما الحزن والبكاء فكان من نصيب المصريين بسبب هلاك أبكارهم. ولذلك قال موسى: “هذه الليلة هي للرب” (خر 12: 42) التي وعد أن يفتدينا فيها.
فكل هذه الأشياء إنما هي سرّ النفس التي افتُديت بمجيء المسيح، لأن كلمة “إسرائيل” تُفسر بمعنى: العقل الذي يعاين الله- لذلك فالعقل يتحرر من عبودية الظلمة، أي من المصريين روحيًا.
فإنه منذ أن مات الإنسان بالمعصية ذلك الموت الخطير، ونال لعنة فوق لعنة: “شوكًا وحسكًا تنبت لك الأرض” (تك 3: 18) وأيضًا: “متى عملت الأرض لا تعود تعطيك قوتها” (تك 4: 12)- فمنذ ذلك الوقت نبتَ الشوك والحسك وظهر في أرض القلب. وجرده أعداؤه من مجده بالخديعة وألبسوه العار والخزي.. نزعوا عنه نوره وألبسوه لباس الظلمة، وقتلوا نفسه وشتتوا أفكاره وقسموها، وأحدروا عقله من الأعالي حتى صار الإنسان- إسرائيل- عبدًا لفرعون الحقيقي، فجعل عليه مسخّرين ليعمل أعماله الشريرة وليكمل بناء الطين واللبن.
وهذه الأرواح الشريرة أبعدته عن حالة حكمته السماويّة، وهبطت به إلى الأعمال الماديّة الأرضيّة في الطين أي أعمال الشر وإلى الكلمات والرغبات والتصورات الباطلة الشريرة. لأن الإنسان لما سقط من علوه، وجد نفسه في مملكة مُعادية تكره الإنسان، وفي هذه المملكة يغصبه حكامها على أن يبني لهم مدنًا شريرة للخطية.
الصراخ إلى الله ودم الخروف:
ولكن إذا صرخ الإنسان وتنهد إلى الله، فإنه يرسل إليه موسى الروحاني الذي يخلّصه من عبودية المصريين. ولكن ينبغي على النفس أن تصرخ أولاً وبعد ذلك تبتديء أن تحصل على الفداء والتحرر، وهي أيضًا تتحرر في شهر الزهور الجديدة، في الربيع حينما تستطيع أرض النفس أن تنبت أغصان البرّ الجميلة المزهرة، وحين تكون عواصف شتاء جهالة الظلمة قد انتهت وقد تلاشى العمى الخطير الناشيء عن الخطايا والأعمال الشرير. وحينئذٍ يأمر الرب أيضًا بنزع كل خميرة “عتيقة” (1 كو 5: 7)، من كل بيت أي بطرد كل أعمال وأفكار “الإنسان العتيق الفاسد” (أف 4: 22) وكل أفكاره الشريرة ورغباته الدنيئة.
ثم أن الخروف كان ينبغي ذبحه وتضحيته وأن تُرش الأبواب بدمه: لأن المسيح الحمل الصالح الذي بلا عيب قد ذُبح من أجلنا، وبدمه رُشت أبواب القلب، حتى أن دم المسيح المسفوك على الصليب يصير حياة وفداء للنفس وأما للشياطين فإنه يصير حزنًا وموتًا. لأن دم الحمل الذي بلا عيب هو حقيقة حزن لهم، أما للنفس فهو فرح وبهجة.
الأعشاب المُرّة والأحقاء المشدودة:
وبعد رش الدم يأمر الرب بأكل الحمل مساءً مع فطير وأعشاب مُرّة وبأحقاء مشدودة والأحذية في الأرجل والعصا في الأيدي- لأنه إن لم تستعد النفس من كل ناحية أن تمارس الأعمال الصالحة بأقصى ما تستطيع من قوة، فإنه لا يُعطى لها أن تأكل من الحمل. ورغم أن الحمل لذيذ وحلو والفطير حسن المذاق إلاَّ أن الأعشاب مُرّة وخشنة فإنه بتعبٍِ كثير ومرارة تأكل النفس من الفطير الصالح، لأن الخطية التي تسكن فيها تسبب لها ضيقًا ومرارة.
أكل الفصح مساءً:
ويقول الكتاب أيضًا إن الرب أمرهم أن يأكلوا خروف الفصح في المساء وهي الفترة المتوسطة بين النور والظلمة. هكذا النفس أيضًا حينما تقترب من الفداء والتحرر فإنها توجد بين النور والظلمة، وفي هذه الأثناء تقف قوة الله بجوارها وتسندها، ولا تسمح للظلمة أن تدخل إلى النفس وتبتلعها.
وكما أن موسى قال: هذه هي ليلة موعد الله، هكذا المسيح أيضًا حين دُفع إليه الكتاب في المجمع- كما هو مكتوب في الإنجيل- دعا تلك السنة “سنة الرب المقبولة” ويوم الفداء، فهناك في (العهد القديم) كانت الليلة، ليلة عقاب، وأما هنا فاليوم هو نهار فداء. وهكذا هو الأمر بالحقيقة لأن كل تلك الأشياء كانت رمزًا وظلاً للحق، وكانت ترسم- بطريقة سرية- صورة الخلاص الحقيقي للنفس التي كانت مغلقًا عليها في الظلام. مقيدة في “الجب الأسفل” (مز 88: 6) ومحبوسة وراء “مصاريع نحاس” (مز 107: 16). ولم يكن لها القدرة على أن تنطلق حرّة بدون فداء المسيح.
المسيح يُخرِج النفس من العبودية:
فإنه يُخرج النفس من مصر- من العبودية التي فيها- ويقتل أبكار مصر عند الخروج. فإن جزءً من قوة فرعون الحقيقي قد سقط واستولى الحزن على المصريين- لأنهم كانوا يئنون حزنًا على انفلات الأسرى من بين أيديهم. وقد أمر الرب الشعب أن يستعيروا أواني ذهب وفضة من المصريين، وأن يأخذوها معهم عند خروجهم. لأن النفس عند خروجها من الظلمة فإنها تسترد أواني الفضة والذهب، وأعني بها أفكارها الصالحة “مُطهرة سبع مرات في النهار” (مز 12: 6).
وهذه هي الأفكار التي تُقدم بها العبادة لله وفيها يجد مسرته. لأن الشياطين الذين كانوا قبلاً جيرانًا للنفس، قد شتّتوا أفكارها واستولوا عليها وخربوها. فطوبى للنفس التي تُفتدى من الظلمة، وويل للنفس التي لا تصرخ وتئن إلى الله الذي يستطيع وحده أن يخلصها من أولئك الولاة القساة الظالمين.
بدء التحرك بعد أكل الفصح:
لقد بدأ بنو إسرائيل يتحركون بعد أن صنعوا الفصح. وهكذا فإن النفس تتحرك إلى الأمام حينما تنال حياة الروح القدس، فتأكل من الحمل، وتكون قد مُسحت بدمه، وأكلت الفصح الحقيقي، الكلمة الحي.
عمود النار وعمود السحاب:
وكما أن عمود النار وعمود السحاب كانا يسيران أمام بني إسرائيل ليحفظانهم، هكذا فإن الروح القدس يشدّد المؤمنين الآن ويقويهم، ويشعلهم، ويرشد النفس بطريقة ملموسة.
وحينما علم فرعون والمصريون أن شعب الله قد هرب فإنهم تجاسروا أن يقتفوا أثرهم حتى بعد قتل أبكار المصريين. فإن فرعون جهز مركباته بسرعة وسعى مع كل شعبه وراء شعب الله لكي يهلكه. ولما كاد أن يلحقهم، انتقل عمود السحاب من أمام بني إسرائيل ووقف خلفهم، بينهم وبين فرعون. فأعاق فرعون، وكان عمود السحاب ظلامًا بالنسبة للمصريين ولكنه كان نورًا ومرشدًا وحاميًا لبني إسرائيل. ولكي لا أطيل الحديث عليكم بسرد القصة كلها دعونا نطبق كل التفاصيل على الأمور الروحيَّة.
فإنه حينما تبدأ النفس أولاً بالهروب من الشيطان، فإن قوة الله تقترب منها لتعينها وتقودها إلى الحق. ولكن حينما يعرف فرعون الروحاني- أي ملك ظلمة الخطية- أن النفس قد تمردت عليه وبدأت تهرب من مملكته فإنه يلاحق الأفكار التي كانت ملكه قبلاً- فإن الأفكار كانت هي ممتلكاته، ويحاول بخبثه ويأمل أن ترجع إليه النفس مرة أخرى. ولكن حينما يدرك أن النفس قد هربت من طغيانه هروبًا بلا رجعة- وهذا بالنسبة إليه ضربة أقوى من قتل الأبكار وسرقة المقتنيات- فإنه يجري وراءها لأنه يخاف لئلا بعد هروب النفس منه تمامًا، لا يبقى له من يتمم إرادته ويعمل أعماله.
لذلك فهو يسعى وراءها بالشدائد والتجارب والحروب غير المنظورة. وبهذه الشدائد والحروب تُمتحن النفس وتُجرّب، وبواسطتها تُظهر محبتها نحو من أخرجها من مصر (العبودية). لأنها تُسلّم (للتجارب) لكي تُوضع موضع الاختبار وتُمتحن بطرق متنوعة.
تدخل الله للإنقاذ:
وترى النفوس قوة العدو وهو يسعى أن يقتلها ولكنه لا يستطيع، لأن الرب يقف بينها وبين أرواح الشر. وترى أمامها بحرًا من المرارة والشدائد واليأس. وهي من ناحية لا تستطيع أن تعود إلى الوراء لأنها ترى العدو مستعدًا لقتلها، ومن ناحية أخرى لا تستطيع أن تتقدم إلى الأمام لأن خوف الموت، والشدائد المؤلمة المحيطة بها، يجعلها ترى الموت أمام عينيها.
لذلك فإن النفس تيأس من ذاتها، “إذ يكون لها حكم الموت في نفسها” (2 كو 1: 9) بسبب كثرة أرواح الشر المحيطة بها. وحينما يرى الله النفس وهي محصورة بخوف الموت، والعدو مستعد أن يبتلعها، فإنه حينئذٍ يأتي لمعونتها ويترفق بها، وهو يتأنى عليها لكي يختبرها، ويرى هل تثبت في الإيمان، وهل عندها حب صادق له. لأن الله هكذا قد رسم “الطريق المؤدي إلى الحياة” (مت 7: 14) أن يكون كربًا ضيقًا وفيه امتحانات وتجارب مُرة لكي تصل النفس بواسطة هذا الطريق فيما بعد إلى الأرض الحقيقيّة- أرض أولاد الله.
لذلك فحينما يكف الإنسان عن الاعتداد بنفسه ويجحد ذاته بسبب الشدة العظيمة والموت الذي يراه أمام عينيه، ففي تلك اللحظة يمزق الله- بيد شديدة وذراع رفيعة- قوة الظلمة بواسطة إنارة الروح القدس، وتعبر النفس خلال الأماكن المخيفة، تعبر بحر الظلمة، وتخلُص من النار المحرقة.
عبور البحر والفرح والتسبيح:
هذه هي أسرار النفس التي تحدث حقًا في الإنسان الذي يسعى باجتهاد أن يأتي إلى موعد الحياة ويُفتدى من مملكة الموت، وينال العربون من الله، وتكون له شركة في الروح القدس. وهكذا فإن النفس إذ تتخلّص من أعدائها، بجورها البحر المُر، بقوة الله، وإذ ترى أعداءها الذين كانت مستعبدة لهم، وقد هلكوا أمام عينيها، فإنها تفرح فرحًا لا يُنطق به ومملوء مجدًا (1 بط 1: 8) وتتعزى بالله وتستريح في الرب.
وحينئذٍ فإن الروح الذي نالته يسبح فيها تسبيحًا جديدًا لله بالدُف الذي هو الجسد، وبأوتار القيثارة الروحيَّة التي هي النفس، وبأفكار النفس السامية وبمفتاح النعمة الإلهيّة الذي يضرب على الأوتار، فترتفع التسابيح للمسيح الحي ومعطي الحياة. لأنه كما أن نفخة الفم هي التي تنطق وتتكلم حينما تسري فيها آلات النفخ، هكذا فإن الروح القدس هو الذي يسري في القديسين الذين يحملون الروح، وهو يسبح فيهم تسابيح ومزامير فيصلون لله بقلب نقي.
فالمجد لذلك الذي أنقذ النفس من عبودية فرعون وجعلها عرشًا له، جعلها بيتًا وهيكلاً وعروسًا نقية له، وأحضرها إلى ملكوت الحياة الأبديّة، وهي لا تزال في هذا العالم. وبحسب الناموس كانت الحيوانات غير العاقلة تُقدم كذبائح. ولكن التقدمات لا يمكن أن تكون مقبولة ما لم تُذبح. وهكذا الآن إن لم تُذبح الخطية فإن تقدمتنا لا هي مقبولة أمام الله، ولا هي تقدمة حقيقيّة.
المياه المرّة تصير حلوة:
وعندما جاء الشعب في القديم إلى مارة (خر 15: 22) كانت هناك عين ماء تنبع ماءً مرًا، لا يصلح للشرب. فلما تحير موسى وصرخ إلى الرب، أمره الرب بأن يلقي شجرة أراه إياها، في الماء المرّ، فحينما أُلقيت الشجرة هكذا في الماء، صار الماء عذبًا، إذ تحول عن مرارته وصار مناسبًا وصالحًا ليشرب منه شعب الله. وبنفس الطريقة، فإن النفس صارت مُرّة من شرب سم الحيَّة، وصارت مشابهة لطبيعة الحيَّة المُرّة وأصبحت خاطئة.
لذلك فإن الله يلقي شجرة الحياة في داخل ينبوع القلب المُرّ فيتحول القلب من مرارته، ويصير حلوًا باتحاده بروح المسيح. وهكذا يصير نافعًا جدًا ويذهب في خدمة سيده لأنه يصير لابسًا للروح. فالمجد لذلك الذي يحوّل مرارتنا إلى حلاوة الروح وصلاحه. والويل لمن لا تُلقى فيه شجرة الحياة، فإنه لا يستطيع أن يتغيّر إلى الصلاح أبدًا.
عصا موسى والصليب:
إن عصا موسى كان لها وجهان: فإنها كانت بالنسبة للأعداء حيّة تلدغ وتُهلك، وأما بالنسبة لبني إسرائيل فقد كانت عكازًا يستندون عليها. هكذا أيضًا، فالخشبة الحقيقيّة، خشبة صليب المسيح، فإن صليب المسيح إنما هو موت لأرواح الشر، وأما لنفوسنا فهو سند وملجأ أمين فيه نطمئن ونستريح.
إن الرموز والظلال في العهد القديم كانت تشير إلى الحقائق الحاضرة لأن خدمة العبادة القديمة كانت ظلاً وصورة للعبادة الحاضرة. فالختان، والخيمة، والتابوت، والمن، وقسط المن، والكهنوت والبخور، والغَسْلات، وباختصار كل ما كان يُصنع في إسرائيل وفي ناموس موسى وفي الأنبياء، إنما كان إشارة إلى هذه النفس المخلوقة على صورة الله، والتي سقطت تحت نير العبودية وسلطان ظلمة المرارة.
عروس كاملة لعريس كامل:
فإن الله أراد أن يقيم شركة مع النفس البشريّة. ويخطبها لنفسه كعروس للملك، ويغسلها ويطهّرها من كل دنس. ويجعلها بهية مضيئة بدلاً من سوادها وعارها، ويحيّيها من الموت، ويشفيها من انكسارها ويعطيها السلام ويصالحها لنفسه من بعد العداوة.
ورغم أن النفس مخلوقة، إلاَّ أن الله يخطبها عروسًا لابن الملك ويضمها إليه بقدرته الخاصة، ويغيّرها شيئًا فشيئًا وينميها ويزيدها بفيض نعمته. فهو يوسع النفس ويقودها إلى نمو وازدياد بلا حدود ولا قياس، إلى أن تصير عروسًا بلا عيب وبلا لوم تليق به.
فإنه يلد النفس فيه أولاً، ثم بنفسه ينميها بفعل نعمته، إلى أن تصل إلى قامة محبته الكاملة، فلأنه هو عريس كامل، لذلك فهو يأخذها كعروس كاملة له إلى شركة العرس المقدسة، الشركة السرّية الطاهرة، وحينئذٍ فإنها تملك معه إلى أبد الدهور آمين.
أولاد الله وأولاد العالم – العظة 46 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
أولاد الله وأولاد العالم – العظة 46 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
أولاد الله وأولاد العالم – العظة 46 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
الفرق بين كلمة الله وكلمة العالم، وبين أولاد الله وأولاد هذا العالم.
كل مولود يشبه من ولده:
كلمة الله هي الله، وكلمة العالم هي العالم. ويوجد فرق عظيم وبون شاسع بين كلمة الله وكلمة العالم، وبين أولاد الله وأولاد العالم. فإن كل مولود يشبه والديه. لذلك فإن كان المولود من الروح يختار أن يعطي نفسه لكلمة العالم وللأمور الأرضيّة ولمجد هذا العالم الحاضر، فإنه يموت ويهلك، إذ أنه لا يجد ما يشبعه شبعًا حقيقيًا في الحياة. لأن ما يشبعه إنما هو من الروح الذي منه وُلد. كما يقول الرب إن من تحاصره هموم هذه الحياة وتربطه الرباطات الأرضيّة، “يختنق ويصير بلا ثمر لكلمة الله” (مر 4: 19).
وبنفس الطريقة فإن الإنسان العالمي الذي تمتلكه الرغبات الجسديّة، إذا حدث أنه سمع كلمة الله فإنه يختنق ويصير كمن لا عقل له. وذلك لأنه اعتاد على خداعات الخطية. فحينما يحدث أن يسمع مثل هذا الإنسان عن الله فإنه يحس بثقل شديد وينفر من كلام الله كأنه حديث سخيف متعب. وكأنه قد أُصيب بمرض نتيجة هذا الكلام الإلهي.
ويقول الرسول بولس “الإنسان الطبيعي لا يقبل الأشياء التي للروح لأنها عنده جهالة” (1 كو 2: 14) ويقول النبي “وكان قول الرب لهم كالقيء[1]“، وهكذا ترى أنه من المستحيل أن يحيا أي إنسان إلاَّ بحسب الكلمة التي وُلد منها.
ويمكن أن نشرح هذا بطريقة أخرى. فإذا قرر الإنسان الجسداني أن يتغير فإنه أولاً يموت عن الأمور الجسديّة ويصير بلا ثمر في الأشياء التي كان يعيش فيها قبلاً في الشر. ولكن كما يحدث في حالة الإنسان الذي يُصاب بمرض أو بحمى، رغم أن جسده يكون مطروحًا على الفراش، عاجزًا عن ممارسة أي عمل من أعمال الأرض، إلاَّ أن عقله لا يكون في راحة بل يذهب هنا وهناك مهتمًا ومفكرًا في أشغاله، أو في التفكير في استدعاء الطبيب أو في إرسال أصدقائه لإحضاره.
وهكذا بنفس الطريقة، فإن النفس التي مرضت بالأهواء بسبب تعديها للوصية، وأصبحت في حالة عجز، فإنها تستطيع أن تأتي إلى الرب وتؤمن به فتنال نعمته وتحصل على معونته. وإذ تجحد سيرتها الأولى الشريرة، حتى وإن كانت لا تزال ضعفاتها القديمة باقية فيها، ولا زالت غير قادرة على أن تتمّم أعمال الحياة الروحيَّة، إلاَّ أنها تكون منشغلة باهتمام بالحياة في الرب، وتصلي إلى الرب وتطلب الطبيب الحقيقي.
محبة الله وحنانه نحو الإنسان:
إن الأمر ليس كما يقول بعض الذين ضلوا بتأثير تعاليم فاسدة مدعين أن الإنسان قد مات موتًا كاملاً ومطلقًا، وأنه لا يستطيع أن يتمّم أي شيء من الصلاح، ولكننا نقول لهم، إن الطفل الرضيع رغم أنه عاجز عن أن يتمّم أي شيء، ولا يستطيع أن يمشي على قدميه ليذهب إلى أمه، إلاَّ أنه يصنع أصواتًا ويبكي ويحبو طالبًا أمه. والأم تحنّ إليه وتفرح أن الطفل يبحث عنها بأنين وبكاء، ورغم أن الطفل لا يستطيع أن يأتي إليها، ولكن بسبب بحث الطفل المتلهف عنها، فإنها تأتي هي نفسها إليه مغلوبة بالحنان والحب لطفلها.
وتأخذه بين ذراعيها وتحتضنه وتغذيه بحب عظيم وحنان كبير. وبنفس الطريقة فإن الله محب البشر في حنانه نحو الإنسان، يفعل هكذا مع النفس التي تأتي إليه وتطلبه باشتياق. ولأنه يكون مدفوعًا بالمحبة، من ذاته، وبالصلاح الطبيعي الخاص به، إذ هو الكلي الصلاح، فإنه يلتصق بتلك النفس ويصير معها “روحًا واحدًا” كما يقول الرسول (1 كو 6: 17).
النفس والرب يصيران روحًا واحدًا:
وحينما تلتصق النفس بالرب، ويعطف عليها الرب ويحبها ويأتي إليها ويلتصق بها، وتكون نية الإنسان وقصده أن يستمر بلا انقطاع أمينًا لنعمة الرب، فإن الرب والنفس يصيران “روحًا واحدًا” وإحساسًا واحدًا وعقلاً واحدًا، وبينما يكون جسدها مطروحًا على الأرض فإن العقل يكون بكليته في أورشليم السماويّة مرتفعًا إلى السماء الثالثة، ويلتصق بالرب ويخدمه هناك.
وبينما يكون الله جالسًا في عرش العظمة في الأعالي في المدينة السماويّة، فهو يكون بكليته في شركة مع النفس وهي في الجسد الخاص بها. لقد وضع صورة النفس فوق في أورشليم، المدينة السماويّة- مدينة القديسين، وفي نفس الوقت وضع صورته الخاصة أي صورة نوره الإلهي الفائق الوصف- في جسدها. وهو يخدمها في مدينة جسدها، بينما هي تخدمه في المدينة السماويّة. لقد صارت وارثة له في السماء وصار هو وارثها على الأرض. فالرب يصير ميراثًا للنفس وتصير النفس ميراثًا للرب.
فإن كان قلب الخطاة الذين في الظلمة أو عقلهم يستطيع أن يمضي بعيدًا عن الجسد ويستطيع أن يتجول في أمكنة بعيدة، وفي لحظة يسافر إلى أقطار بعيدة، وأحيانًا بينما يكون الجسد مُلقى على الأرض، يكون العقل (سارحًا) في بلاد أخرى مع صديق يحبه، ويرى نفسه كأنه يعيش هناك معه، فأقول إن كانت نفس الخاطيء هكذا خفيفة ونشيطة حتى أن عقلها لا يحجزه بُعد المسافات، فكم بالأولى جدًا تكون النفس التي نزع الرب عنها حجاب الظلمة بقوة الروح القدس وقد استنارت عيونها العقلية بالنور السماوي، وقد أُعتقت تمامًا من شهوات الخزي، وصارت طاهرة بالنعمة، فإنها تخدم الرب كلّية في السماء بالروح، وتخدمه كلية في الجسد، وتتسع في أفكارها حسبما يريد لها الرب وحيثما يريد لها أن تخدمه.
فهذا ما يقوله الرسول “لكي تستطيعوا أن تدركوا مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعلو والعمق، وتعرفوا محبة المسيح التي تفوق المعرفة، لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله” (أف 3: 18-19). فتأمل في الأسرار الفائقة الوصف، التي لتلك النفس التي ينزع الرب عنها الظلمة المحيطة بها، ويكشف عن عينيها ويظهر لها ذاته أيضًا، وكيف يمد ويوسِّع أفكار عقلها إلى الأعراض والأطوال والأعماق والارتفاعات التي في الخليقة المنظورة وغير المنظورة.
الرب صنع النفس لكي يصيِّرها عروسًا له:
فالنفس هي حقًا صنيع إلهي عظيم مملوء عجبًا. وحين صنعها الرب، صنعها من طبيعة ليس فيها شر، بل صنعها على صورة فضائل الروح (القدس). ووضع فيها قوانين الفضائل والبصيرة، والمعرفة والفطنة، والإيمان، والمحبة والفضائل الأخرى بحسب صورة الروح.
وإلى الآن فإن الرب يمكن أن يأتي إليها ويكشف لها ذاته بالمعرفة والفطنة والمحبة والإيمان. وقد وضع فيها فهمًا وملكات فكرية، ومشيئة وعقلاً مدبرًا. وقد جعلها أيضًا لطيفة جدًا وصيّرها خفيفة متحركة وغير خاضعة للتعب.
ووهبها القدرة على المجيء والذهاب في لحظة، وأن تخدمه في أفكارها حيثما يشاء الروح. وبالإجمال فإنه خلقها لكي يصيّرها عروسًا له وتدخل في شركة معه، لكيما يلتصق بها ويصير “روحًا واحدًا” معها كما يقول الرسول “وأما من التصق بالرب فهو روح واحد” (1 كو 6: 17) الذي له المجد إلى الأبد آمين.
[1] الإشارة إلى إش 28: 13 بحسب إحدى المخطوطات القديمة المعروفة بنسخة ثيوديتون.
حضور المسيح وحده يخلص الإنسان ويشفيه – العظة 45 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
العظة 45 للقديس مقاريوس الكبير – حضور المسيح وحده يخلص الإنسان ويشفيه – د. نصحى عبد الشهيد
العظة 45 للقديس مقاريوس الكبير – حضور المسيح وحده يخلص الإنسان ويشفيه – د. نصحى عبد الشهيد
لا يستطيع العلم ولا يستطيع غنى هذا العالم أن يشفي نفس الإنسان بل حضور المسيح فقط هو الذي يشفيه، وفي هذه العظة شرح لقرابة الإنسان العظيمة لله.
إن الذي اختار حياة العزلة، ينبغي أن يعتبر أن جميع الأشياء الخاصة بهذا العالم، أجنبية وغريبة عنه، فالذي يتبع صليب المسيح حقًا فإنه بعد أن ينكر كل الأشياء حتى نفسه أيضًا (لو 14: 26) ينبغي أن يسمّر عقله في حب المسيح، فيفضّل الرب على الوالدين والإخوة والزوجة والأولاد والأقرباء والأصدقاء والممتلكات لأن هذا ما علّم به الرب حينما قال: “كل من لا يترك أباه أو أمه أو إخوته أو زوجته أو أولاده أو حقوله ويتبعني فلا يستحقني” (انظر مت 10: 37، لو 14: 26، مت 19: 29). فليس بأحد غيره أو بشيء غيره الخلاص والسلام للناس كما سمعنا.
التغيير الذي أصاب النفس بالسقوط:
فكم من ملوك ظهروا من نسل آدم وملكوا على الأرض كلها وظنوا في أنفسهم شيئًا عظيمًا بسبب سلطانهم الملوكي، ومع ذلك لم يستطيع أي واحد منهم رغم كل ما له من سلطان أن يكشف الشر الذي تغلغل في النفس بسبب معصية الإنسان حتى جعلها مظلمة تمامًا.
إنهم لم يعرفوا خطورة التغيير الذي أصاب النفس، وكيف أن العقل كان في الأصل نقيًا، وكان في كرامة عظيمة إذ كان يتأمل إلهه دائمًا، وأما الآن فبسبب السقوط فقد اكتست النفس بالعار وعميت عينا القلب حتى لم تعودا تنظرا ذلك المجد الذي كان ينظره أبونا آدم قبل معصيته.
العلم والحكمة لا تخلّص الإنسان:
وكان في العالم أيضًا حكماء كثيرون بعضهم برزوا في الفلسفة وآخرون في السفسطة والمغالطة وآخرون في الفصاحة والبلاغة، وآخرون أحرزوا ثقافة عالية، والبعض الآخر نبغوا في الشعر وغيرهم كتبوا في التاريخ والقصص، كما أن هناك أيضًا كثيرون من أصحاب الحِرف الذين مارسوا فنون صنائعهم المختلفة فالبعض يحفرون على الأخشاب كل أنواع الطيور والأسماك وأشكال البشر. وفي هذا المجال اجتهدوا أن يُظهروا مهارتهم.
والبعض الآخر رسموا صورًا أو نحتوا تماثيلاً من النحاس وغيره، وآخرون أقاموا أبنية عظيمة وجميلة. وآخرون حفروا الأرض واستخرجوا منها الفضة والذهب وغيرها من الأحجار الكريمة الفانية. وآخرون كان لهم جمال جسدي ويفتخرون بجمال وجوههم وقد خدعهم الشيطان بالأكثر وأسقطهم في الخطية. وكل هؤلاء الذين تكلّمنا عنهم إذ قد أسَرَتهم الحيَّة الساكنة في داخلهم، وإذ لم يعرفوا الخطية الساكنة فيهم، صاروا عبيدًا لقوة الشر ولم ينفعهم عملهم أو فنهم أو مهارتهم شيئًا.
لذلك، فالعالم المملوء بكل الأنواع، إنما يشبه رجلاً غنيًا يملك بيوتًا عظيمة فاخرة، ويملك ذهبًا وفضة وممتلكات كثيرة وعنده خدام كثيرون، ولكنه مضروب بآلام وأمراض صعبة. هذا رغم غناه ورغم التفاف جميع أفراد أسرته حوله، فإنهم لا يستطيعون أن يريحوه من آلامه وأوجاعه.
إذن، فلا يوجد شيء في هذه الحياة، لا الإخوة، ولا الغنى، ولا القوة، ولا أي شيء مما ذكرناه سابقًا يستطيع أن يشفي الإنسان من الخطية التي غرق فيها، حتى صار غير قادر أن يرى الأشياء بوضوح بل إن حضور المسيح وحده هو الذي يستطيع أن يطهر النفس والجسد. لذلك فلنطرح جانبًا كل هموم هذه الحياة ونصرخ إلى الرب ليلاً ونهارًا مكرّسين نفوسنا له. إن هذا العالم المنظور وما فيه من ملذات إنما تُرضي الجسد فقط، ولكنها تزيد أتعاب النفس وأمراضها وتكثر آلامها.
كان هناك إنسان حكيم أراد أن يسعى بكل جهده ليختبر كل أمور هذا العالم لعله يجد فيها منفعة أو فائدة. فذهب إلى الملوك وأصحاب السلطان والحكام ولم يجد خلاصًا ولا شفاءً لنفسه بعد أن أمضى معهم زمنًا طويلاً، في النهاية لم ينتفع شيئًا- فمضى إلى حكماء العالم وفلاسفته، وذهب إلى الخطباء ولكنه تركهم أيضًا إذ لم يجد لديهم ما ينتفع به. ثم واصل سعيه فوصل إلى الرسامين والذين يستخرجون الذهب والفضة من بطن الأرض وإلى أصحاب الحرف الفنية لكنه لم يجد أيضًا عند كل هؤلاء ما يشفي نفسه الجريحة.
وأخيرًا ترك هؤلاء جميعًا وبدأ يطلب الله نفسه، الله الذي يشفي آلام النفس وأمراضها. وبينما هو يفكر في نفسه ويتأمل في تلك الأمور عبرت في مخيلته أشياء كثيرة.
ولنأخذ مثلاً آخر: إذا كانت هناك امرأة غنية تملك أموالاً كثيرة وبيتًا فاخرًا ولكنها مع ذلك لا تجد من يحميها، فهناك كثيرون يهاجمونها راغبين أن يلحقوا بها الأذى والخراب، فلأنها لا تستطيع أن تقبل هذا الأذى والهجوم فهي لذلك تبحث عن زوج قوي يكون كفوًا لهذا الغرض ومتدربًا من جميع الوجوه. وحينما تجد مثل هذا الرجل بعد سعي كثير، فإنها تفرح به فرحًا عظيمًا وتجد فيه حصنًا يحميها.
قرابة النفس لله:
هكذا النفس البشريّة فإنها بعد السقوط قد جُرحت كثيرًا ولفترة طويلة من القوة المعادية وصارت في خراب عظيم وأصبحت “أرملة ووحيدة” (1 تي 5: 5)، متروكة من العريس السماوي بسبب تعديها الوصية وصارت ألعوبة في يد كل القوات الشريرة (إذ أنهم جردوها وأخرجوها عن عقلها وضلّلوها عن المعرفة الروحيَّة الحقيقيّة، حتى لا ترى أو تدرك ما فعلوه بها بل جعلوها تظن أنها قد خُلقت على هذا الحال منذ البداية). وبعد ذلك حينما سمعت كلمة الله وأدركت غربتها عن الله وكيف أنها صارت مرذولة بسبب سقوطها بدأت تئن وتتوسل أمام الله محب البشر فوجدت الحياة والخلاص. لماذا؟ لأنها رجعت ثانية إلى مصدرها الأصلي. فلا توجد قرابة أو رابطة مثل قرابة النفس لله أو قرابة الله للنفس.
لقد صنع الله أنواعًا مختلفة من الطيور- بعضها يبني عشه ويحصل على قوته من الأرض. وطيور أخرى تأخذ قوتها من تحت الماء. وقد صنع أيضًا عالمين، واحد علوي لأرواح الملائكة الخادمة (عب 1: 14)، وحدّد لهم فيه نظام حياتهم، وآخر سفلي للبشر على هذه الأرض تحت هذا الهواء الذي نتنفسه.
الله سُرّ بالإنسان وحده:
لقد خلق الله أيضًا السماء والأرض، والشمس والقمر، والمياه والأشجار المثمرة وكل أنواع الكائنات الحيَّة وأجناسها. ولكنه لا يجد راحته في أي من هذه المخلوقات. إنه يحكم كل الخليقة، ولكنه لم يثبّت عرشه فيها ولا دخل في شركة معها. بل إن الله قد سُرّ بالإنسان وحده ودخل في شركة معه وفيه وحده استراح.
النفس لا تجد راحتها إلاَّ في الرب:
انظر إذن كم هي قرابة الله للإنسان وقرابة الإنسان لله!. لذلك فإن النفس الحكيمة بعد مرورها على جميع المخلوقات لا تجد راحة لنفسها، إلاَّ في الرب وحده والرب أيضًا لا يُسرّ بأحد سوى الإنسان
فإذا رفعت عينيك نحو الشمس، فإنك تجد دائرتها في السماء ولكنها ترسل نورها وأشعتها إلى الأرض؟ وتوجه كل قوة النور وبهائه إليها. هكذا الرب أيضًا فإنه يجلس عن يمين الآب “فوق كل رياسة وسلطان” (أف 1: 21) ولكنه يمد بصره وينظر إلى قلوب الناس على الأرض، لكي يرفع إليه الذين يترجون نعمته وعونه. ولهذا فهو يقول: “حيث أكون أنا هناك أيضًا يكون خادمي” (يو 12: 20)، وأيضًا بولس يقول: “أقامنا معه وأجلسنا معه عن يمينه في السمويات” (أف 2: 6).
إن الحيوانات غير العاقلة هي أحكم منا إذ أن كل منها ملازم لطبيعته الخاصة، فالحيوانات المتوحشة تلازم الطبع الوحشي، والخراف تلازم طبيعتها، وأما أنت فإنك لا ترتفع إلى أصلك السماوي الذي هو الرب نفسه، بل تسلم نفسك لأفكار الشر وترضى بها في داخلك، وبذلك تجعل نفسك حليفًا للخطية وتحارب إلى جانبها ضد نفسك. وهكذا تصير فريسة للعدو مثل الطير الصغير الذي يمسكه النسر ويأكله، أو مثل الخروف حينما يمسكه الذئب أو مثل الطفل الجاهل الذي يمد يده للحيَّة فتلدغه وتقتله. كل هذه الأمثلة إنما توضح ما يحدث في الحياة الروحانيّة.
الشركة الكاملة مع العريس السماوي هي الهدف:
إن العذراء المخطوبة لرجل تقبل منه هدايا كثيرة قبل الزواج: جواهر وملابس وأواني ثمينة، ولكنها لا تقتنع ولا ترضى بكل هذه الهدايا إلى أن يأتي يوم العرس الذي فيه تصير واحدًا معه، كذلك أيضًا، النفس المخطوبة كعروس للعريس السماوي فإنها تنال منه كعربون من الروح مواهب شفاء أو معرفة أو إعلانات. ولكنها لا تقنع بهذه العطايا بل تترجّى الوصول إلى الشركة الكاملة معه والاتحاد به، أي إلى المحبة التي لا تتغير ولا تسقط أبدًا بل تحرر طالبيها من الشهوات والقلق والتشويش.
والطفل الصغير الذي يزينونه بجواهر وملابس ثمينة فإنه حينما يجوع لا يفكر في شيء مما يلبسه، بل يتجاهل كل هذه الزينة ويهتم فقط بالوصول إلى ثدي مرضعته ليحصل منها على اللبن. وعلى هذا المثال يمكنك أن تقيس مواهب الله الروحانيّة، الذي له المجد إلى الأبد آمين.
حضور المسيح وحده يخلص الإنسان ويشفيه – العظة 45 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
تغيير وتجديد الإنسان بالمسيح – العظة 44 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
تغيير وتجديد الإنسان بالمسيح – العظة 44 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
تغيير وتجديد الإنسان بالمسيح – العظة 44 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
التغيير والتجديد الذي يعمله المسيح في الإنسان المسيحي، وأن المسيح هو
الذي يشفي أوجاع النفس وأمراضها.
ضرورة التغيير:
إن من يأتي إلى الله، ويرغب أن يكون بالحق شريكًا للمسيح ينبغي أن يأتي واضعًا في نفسه هذا الغرض: ألا وهو أن يتغير ويتحوّل من حالته القديمة وسلوكه السابق، ويصير إنسانًا صالحًا جديدًا ولا يتمسك بشيء من الإنسان العتيق. لأن الرسول يقول “إن كان أحدٌ في المسيح فهو خليقة جديدة” (2 كو 5: 17) وهذا هو نفس الغرض الذي من أجله جاء ربنا يسوع، أن يغيّر الطبيعة البشريّة ويحوّلها ويجدّدها ويخلق النفس خلقة جديدة، النفس التي كانت قد انتكست بالشهوات بواسطة التعدي.
وقد جاء المسيح لكي يوحّد الطبيعة البشرية بروحه الخاص، أي روح الله، وهو قد أتى لكي يصنع عقلاً جديدًا، ونفسًا جديدة، وعيونًا جديدة، وآذانًا جديدة، ولسانًا جديدًا روحيًا، وبالاختصار أناسًا جددّا كلية- هذا هو ما جاء لكي يعمله في أولئك الذين يؤمنون به. إنه يصيرهم أواني جديدة، إذ يمسحهم بنور معرفته الإلهي، لكي يصب فيهم الخمر الجديد، الذي هي روحه، لأنه يقول إن “الخمر الجديدة ينبغي أن تُوضع في زقاق جديدة” (مت 9: 17).
قوة المسيح على تغيير الإنسان وشفائه:
وكما أن العدو لما أخضع الإنسان لسيادته غيّره لحسابه الخاص إذ ألبسه الشهوات الشريرة وغطاه بها، ومسحه بروح الخطية، وصب فيه خمر الإثم والتعليم الشرير، هكذا فإن الرب أيضًا إذ قد افتدى الإنسان وأنقذه من العدو، فقد جعله جديدًا، ومسحه بروحه، وسكب فيه خمر الحياة، والتعليم الجديد: تعليم الروح، لأن الذي غيّر طبيعة الخمس خبزات وصيرها إلى خبزات تكفي لجمع كثير، والذي أعطى نطقًا لطبيعة الحمار غير العاقل، والذي غيّر الزانية إلى العفة والطهارة، وجعل طبيعة النار المحرقة بردًا على أولئك الذين كانوا في الأتون، والذي غيّر طبيعة الأسد الكاسرة لأجل دانيال، فإنه يستطيع أيضًا أن يغيّر النفس التي كانت مقفرة وشرسة، من الخطية إلى صلاحه الخاص ومحبته الشفوقة وسلامه، وذلك ” بالروح القدس الصالح (روح الموعد)” (أف 1: 13).
وكما أن راعي الخراف يستطيع أن يشفي الخروف الأجرب ويحميه من الذئاب، كذلك المسيح الراعى الحقيقي فإنه لما أتى استطاع هو وحده أن يغيّر ويشفي الخروف الضال الأجرب، أي الإنسان من جرب الخطية وبرصها، لأن الكهنة واللاويين ومعلمي الناموس السابقين كانوا غير قادرين أن يشفوا النفس بواسطة تقديم القرابين والذبائح ورش دماء الحيوانات، بل لم يستطيعوا بواسطتها أن يشفوا حتى نفوسهم. فإنهم كانوا محاطين بالضعف. وكما هو مكتوب “لأنه لا يمكن أن دم ثيران وتيوس يرفع خطايا” (عب 10: 4).
الطبيب الحقيقي والراعي الصالح:
ولكن الرب يقول مُظهرًا ضعف وعقم أطباء ذلك العهد فقال لهم “على كل حال تقولون لي هذا المثل أيها الطبيب اشفِ نفسك” (لو 4: 23)، فكأنه يقول لهم- أنا لست مثل هؤلاء الأطباء الذين لا يستطيعون أن يُشفوا نفوسهم.
بل “أنا هو الطبيب الحقيقي والراعي الصالح الذي يبذل نفسه عن الخراف” (يو 10: 11)، وأنا أقدر أن أشفي “كل مرض وكل ضعف في النفس” (مت 4: 23). أنا هو الحمل الذي بلا عيب، الذي قُدم مرة، وأنا أستطيع أن أشفي أولئك الذين يأتون إليَّ، إن شفاء النفس الحقيقي إنما هو من الرب وحده كما قال يوحنا المعمدان “هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم” (يو 1: 29)، أي خطية الشخص الذي يؤمن به ويضع رجاءه فيه ويحبه من كل قلبه.
فالراعي الصالح إذن، يشفي الخروف الأجرب. وأما الخروف فلا يستطيع أن يشفي خروفًا مثله. والإنسان- أي الخروف العاقل- إن لم يحصل على الشفاء، فلا يكون له دخول إلى كنيسة الرب السماويّة. وهذا ما قد قيل حتى في الناموس كظل ومثال (لعهد النعمة) بخصوص الأبرص، والرجل الذي فيه عيب. وبهذا المعنى يتكلم الروح رمزيًا أن كل أبرص وكل رجل فيه عيب لا يدخل في جماعة الرب (لا 21: 17-23، عد 5: 2).
ولكنه أمر الأبرص أن يذهب إلى الكاهن، ويطلب إليه بإلحاح كثير أن يأخذه إلى الخيمة، وأن يضع يديه على البرص، موضحًا البقعة المُصابة بالمرض، وأن يشفيه.
الشفاء من الخطية ودخول الكنيسة السماويّة:
وهكذا بنفس الطريقة فإن المسيح “رئيس الكهنة الحقيقي للخيرات العتيدة” (عب 9: 11) تواضع وانحنى على النفوس المصابة ببرص الخطية وهو يدخل إلى خيمة جسدها ويشفيها ويبرءها من أمراضها. وهكذا بهذه الطريقة يتمكن الشخص من الدخول إلى كنيسة القديسين السماويّة أي إسرائيل الحقيقي.
فإن كل نفس مصابة ببرص خطية الشهوات، ولم تأتِ إلى رئيس الكهنة الحقيقي، ولم تشفِ الآن في خيمة القديسين ومجمعهم، فإنها لا تستطيع أن تدخل إلى الكنيسة السماويّة. لأن تلك الكنيسة إذ هي طاهرة وبلا عيب فإنها تطلب النفوس الطاهرة والتي بلا عيب. كما يقول الكتاب “طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله” (مت 5: 9).
فينبغي على الشخص الذي يؤمن بالمسيح حقيقة، أن يتغيّر من حالته الفاسدة الحاضرة إلى حالة جديدة، حالة الصلاح، ويتحوّل من طبيعته الوضيعة الحاضرة إلى طبيعة أخرى، أي طبيعة القداسة الإلهيّة، ويتجدد بقوة الروح القدس. وهكذا يكون لائقًا للملكوت السماوي. ويمكننا الحصول على هذه الأشياء إن كنا نؤمن به ونحبه بالحق ونحيا سالكين بحسب جميع وصاياه.
فإن كان الخشب- وهو من طبيعة خفيفة عندما أُلقي في الماء في زمن أليشع قد أخرج الحديد الثقيل، فكم بالحري جدًا عندما يرسل الرب نوره اللطيف الصالح، وروحه السماوي، فإنه بهذا يُخرج النفس التي غرقت في مياه الشر ويجعلها خفيفة ويعطيها جناحين لتطير إلى أعالي السماء، ويحوّلها ويغيّرها عن طبيعتها الخاصة.
وفي العالم المنظور لا يستطيع أحد أن يعبر البحر بنفسه دون أن تكون له سفينة خفيفة مصنوعة من الخشب، وهي التي تستطيع أن تسير على المياه- فإن أي إنسان يحاول أن يمشي على البحر بقدميه فإنه يغرق ويهلك.
وبنفس الطريقة لا تستطيع أي نفس أن تعبر بذاتها بحر الخطية المُرّ والهاوية الخطرة، هاوية قوات الظلمة وأهواء الشر، إن لم تحصل على روح المسيح الخفيف السماوي الذي يعلو ويسير فوق كل شر ويعبر عليه، فبواسطة هذا الروح يستطيع الإنسان أن يصل بطريق مباشر ومستقيم إلى ميناء الراحة السماويّة، إلى مدينة الملكوت.
وكما أن أولئك الذين يكونون في السفينة لا يأخذون مياهًا للشرب من البحر، ولا يحصلون منه على ملابس، وطعام لهم، بل يُحضرون كل هذه الأشياء معهم إلى السفينة، هكذا فإن نفوس المسيحيين لا تستمد طعامها من هذا العالم بل من فوق، من السماء. إذ تنال قوتًا سماويًا ولباسًا روحيًا وهكذا إذ ينالون الحياة من فوق وهم في سفينة الروح الصالح، معطي الحياة، فإنهم يرتفعون فوق قوات الشر المعادية أي الرياسات والسلاطين.
وكما أن جميع السفن تُبنى من مادة واحدة، هي مادة الخشب التي بواسطتها يستطيع الناس أن يعبروا البحر، هكذا فمن النور الإلهي السماوي الواحد يحصل المسيحيون على القوة التي بها يرتفعون فوق كل الشرور.
المسيح قائد النفس ومعينها:
ولكن كما أن السفينة تحتاج إلى ربان، وإلى ريح حسنة معتدلة أيضًا لكي تمخر البحر بنجاح، هكذا فإن الرب نفسه يسد كل هذه الاحتياجات للنفس الأمينة. ويحملها فوق العواصف العميقة وأمواج الشر المفترسة وقوات رياح الخطية العاتية.
وهو يفعل هذا باقتدار ومهارة وحكمة إذ يعرف كيف يُهديء العواصف. لأنه بدون المسيح القائد السماوي لا يستطيع أحد أن يعبر البحر الشرير، بحر قوات الظلمة وأمواج التجارب المرة. كما هو مكتوب “يصعدون إلى السموات ويهبطون إلى الأعماق” (مز 107: 26). ولكن المسيح له معرفة كاملة كقائد سواء من جهة الحروب أو التجارب. وهو يعبر بالنفس فوق الأمواج الشديدة، كما هو مكتوب “لأنه فيما قد تألم يقدر أن يعين المجربين” (عب 2: 18).
صلاح الرب وقدرته على التغيير:
لذلك ينبغي أن تتغير نفوسنا وتتحوّل من حالتها الحاضرة إلى حالة أخرى- إلى حالة قداسة إلهيّة وتصير خليقة جديدة بدلاً من العتيقة أي تصير صالحة شفوقة وأمينة بدلاً من كونها في المرارة وعدم الإيمان. وهكذا إذ تصير مناسبة ولائقة فإنها تعود وتسكن في الملكوت السماوي. لأن بولس المغبوط يكتب هكذا عن تغييره الذي به أدركه المسيح قائلاً: “ولكنى أسعى لكي أدرك الذي لأجله أدركني أيضًا المسيح يسوع” (في 3: 12).
فكيف أدركه الله إذن؟ إن ذلك يحدث مثلاً حينما يمسك طاغية بمجموعة من الأسرى ويسوقهم قدامه ثم بعد ذلك يدركهم الملك الحقيقي ويخلّصهم منه، وهكذا حينما كان بولس تحت سيادة وتأثير روح الخطية الظالم، فإنه كان يضطهد الكنيسة ويتلفها. ولكن لأنه كان يفعل هذا عن غيرة لله ولكن بجهل، فإنه كان يظن أنه يجاهد لأجل الحق، ولهذا فإن الله لم يهمله بل أدركه، إذ أضاء حوله الملك السماوي الحقيقي بصورة تفوق الوصف وأنعم عليه بأن يسمع صوته، ولطمه كعبد[1] وأطلقه حرًا.
فانظر إلى صلاح السيد وقدرته على التغيير، وكيف يستطيع أن يغير النفوس التي كانت مُغلّفة ومقيدة بالخطية والتي تحولت إلى حالة متوحشة وفي لحظة من الزمان يحوّلها إلى صلاحه وسلامه.
تغيير وتجديد نفوسنا هو الغرض من مجيء المسيح في الجسد:
إن كل شيء مستطاع لدى الله! كما حدث في حالة اللص على الصليب. ففي لحظة تغيّر بالإيمان وتحوّل وأُعطي أن يدخل إلى الفردوس. وأن الغرض والهدف من مجيء الرب إلينا في الجسد، هو أن يغيّر نفوسنا ويخلقها خلقة جديدة، ويجعلنا “شركاء الطبيعة الإلهيّة” كما هو مكتوب (2 بط 1: 4) وأن يعطي لأرواحنا روحًا سماويّة، أي الروح الإلهي، قائدًا إيانا إلى كل فضيلة لنستطيع أن نحيا الحياة الأبديّة.
نوال تقديس الروح:
لذلك فلنؤمن بكل قلوبنا بمواعيده الفائقة الوصف لأن “الذي وعد هو أمين” (عب 10: 23). لذلك، ينبغي أن نحب الرب ونجتهد أن نحيا في كل فضلية ونطلب بلا انقطاع ونصلي باستمرار لكي ننال موعد روحه تمامًا وبصورة كاملة، لكيما تدخل نفوسنا إلى الحياة وتوجد فيها ونحن لا نزال في الجسد.
لأنه إن لم ينل الإنسان وهو في هذا العالم، تقديس الروح بكثرة الإيمان والصلاة، ويصير “مشتركًا” في الطبيعة الإلهيّة، ويتشرّب النعمة، التي بها يستطيع أن يتمم كل وصية بنقاوة وبلا لوم فإنه لا يكون مُعدًا ولائقًا لملكوت السموات. لأن كل صلاح يحصل عليه الإنسان هنا في هذا العالم هو نفسه سيكون له حياة يحيا بها، في ذلك اليوم بنعمة الآب والابن والروح القدس إلى الأبد آمين.
[1] لعل في هذا إشارة إلى العادة التي كانت عند اليهود إذ كانوا يضربون العبد على وجهه كعلامة على إعطائه الحريّة.
تغيير وتجديد الإنسان بالمسيح – العظة 44 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
القلب – العظة 43 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
القلب – العظة 43 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
القلب – العظة 43 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
عظة بخصوص نمو المسيحي وتقدمه، وأن كل قوة هذا النمو تعتمد على القلب، كما هو موصوف هنا بطرق متنوعة.
المصابيح:
كما أن الأنوار والمصابيح الكثيرة تشتعل من نار واحدة، وهذه الأنوار والمصابيح المشتعلة هي من طبيعة واحدة، كذلك المسيحيون يشتعلون ويضيئون من طبيعة واحدة، هي النار الإلهيّة، أي ابن الله، ولا مصابيحهم مشتعلة في قلوبهم، وتضيء قدامه، بينما هم يعيشون على الأرض كما أضاء هو. فإنه مكتوب: “من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن البهجة” (مز 45: 7).
ولهذا السبب سُمي مسيحًا، حتى إذا مُسحنا نحن أيضًا بنفس الدهن الذي مُسح به هو، فإننا نصير مُسحاء من نفس الطبيعة الواحدة والجسد الواحد. ومكتوب أيضًا “فإن المقدِّس والمقدَّسين جميعهم من واحد” (عب 2: 11).
لذلك فالمسيحيون من وجهة معينة هم مثل المصابيح التي تحوي الزيت في داخلها، أي ثمار البرّ. ولكنهم إن لم يشتعلوا بالنور الإلهي في داخل نفوسهم فإنهم ليسوا شيئًا، ولقد كان الرب هو المصباح المشتعل، بسبب روح الله الحالّ في أعماقه والذي يشعل قلبه.
ولنأخذ مثالاً آخر: مثل الكيس البالي المملوء بالجواهر، هكذا أيضًا المسيحيون فإنهم ينبغي أن يكونوا متضعين ومحتقرين من الخارج، ولكنهم من الداخل في الإنسان الباطن، يملكون “الجوهرة الكثيرة الثمن” (مت 13: 46). بينما هناك آخرون يشبهون “قبورًا مبيضة تظهر من الخارج منقوشة ومزينة ولكن من الداخل مملوءة عظام أموات” (مت 23: 7) وعفونة كثيرة وأرواح نجسة. إنهم أموات أمام الله وهم لابسون كل عار وخزي ونجاسة مع ظلام العدو.
القاصر والابن:
يقول الرسول إن الطفل مادام قاصرًا فإنه تحت أوصياء ووكلاء (غل 4: 2)، من أرواح الشر التي لا تريد الطفل أن ينمو لئلا يصير إنسانًا بالغًا ويبدأ أن ينظر إلى الأمور المختصة ببيت أبيه ويمتلك السيادة كابن للبيت. فالمسيحي ينبغي أن يذكر الله في قلبه في كل الأوقات كما هو مكتوب “تحب الرب إلهك من كل قلبك” (تث 6: 5، مت 22: 37). فينبغي له أن يحب الرب ليس حين يذهب إلى مكان العبادة فقط، بل في السير والكلام والأكل يحتفظ بذكر الرب ويحبه بكل قلبه. إنه مكتوب “حيث يكون قلبك هناك يكون كنزك أيضًا” (مت 6: 21، لو 12: 34).
لأن ما يرتبط به قلب الإنسان وما تتجه إليه رغبته فهذا هو إلهه. فإن كان القلب يشتهي الله كل حين فيكون الله هو رب هذا القلب. أما إذا تخلى الإنسان عن أملاكه وتجرّد من كل شيء وصار بلا مأوى وكان يمارس الأصوام، ولكنه لا يزال متعلقًا بحب نفسه أو بحب الأشياء العالمية أو بحب بيته أو والديه فحيثما يكون قلبه مقيدًا ويكون عقله أسيرًا يكون هناك إلهه، ويكون قد خرج من العالم من الباب الأمامي ولكنه دخل ثانية إلى العالم وألقى نفسه فيه من الباب الجانبي.
الشياطين تتلاشى بقوة النار الإلهيّة:
وكما أن القضبان التي تُلقى في النار لا تستطيع أن تقاوم قوة النار بل تحترق سريعًا، هكذا فإن الشياطين التي تسعى أن تحارب ضد إنسان نال قوة بالروح، فإنها تحترق وتتلاشى بقوة النار الإلهيّة إن كان الإنسان ملتصقًا بالرب كل حين واضعًا ثقته ورجاءه فيه. وحتى إن كان الشياطين أشداء كالجبال القوية، فإنهم يحترقون بالصلاة، كما يذوب الشمع في النار.
ولكن في نفس الوقت هناك نضال كبير وحرب عظيمة للنفس ضد الشياطين وهناك تنانين وأفواه أسود ونار مشتعلة في النفس. فإن المنغمس في الشر تمامًا الذي يسكر بروح الإثم، لا يشبع من الشر سواء كان قتلاً أو زنى، أما المسيحيون المُعمّدون بالروح القدس فليس لهم شركة مع الشر بالمرة. ولكن أولئك الذين يختبرون النعمة ولكنهم مع ذلك يتهاونون مع الخطية فإن الخوف يسيطر عليهم فيعيشون حياتهم في اضطراب وقلق.
لأنه كما أن التجار أثناء سفرهم في البحر حتى إذا وجدوا الريح موافقة والبحر هادئًا، ولكنهم لأنهم لم يصلوا بعد إلى الميناء فإنهم لا يزالون معرّضين للخوف لئلا تهب فجأة ريح معاكسة، فتهيج البحر وترتفع الأمواج وتصبح السفينة في خطر، هكذا المسيحيون أيضًا حتى وإذا كان لهم في نفوسهم ريحًا موافقة من الروح القدس، إلاَّ أنهم يحترسون لئلا تثور عليهم روح القوة المضادة وتسبب الاضطرابات وتثير العواصف على نفوسهم.
الحاجة إلى السهر واليقظة:
لذلك، فهناك حاجة إلى سهر كثير ويقظة لكي ما نصل إلى ميناء الراحة في العالم الكامل، وإلى الحياة الدائمة والسعادة الأبديّة إلى مدينة القديسين، أورشليم السماويّة، إلى كنيسة الأبكار (عب 12: 23). فإذا لم يعبر الإنسان في هذه الدرجات فإنه يكون تحت تأثير الخوف من أن تسبب له القوى الشريرة سقوطًا في أي وقت من الأوقات.
حفظ الزرع الإلهي في القلب:
وكما أن المرأة التي تحمل يكون الجنين في داخل بطنها في ظلام ومختفيًا عن العيون، ولكن حينما يخرج الجنين في الميعاد المناسب من البطن فإنه يرى خليقة جديدة لم يكن قد رأها قبلاً، يرى السماء والأرض والشمس، ويبدأ الأصدقاء والأقرباء يأخذونه بين ذراعيهم بوجوه فرحة، ولكن إذا حدث شيء للجنين قبل ولادته حينئذٍ يتدخل الجراحون ويضطرون إلى استعمال الآلات الحادة حتى أن الطفل يعبر من موت إلى موت ومن ظلام إلى ظلام.
طبقوا هذا أيضًا على الحياة في الروح، فإن كل الذين نالوا الزرع الإلهي فإنهم ينالونه في الخفاء بطريقة غير منظورة، وبسبب الخطية الساكنة فيهم أيضًا فإنهم يخفون الزرع الإلهي في أماكن خفيّة في داخلهم. فإذا حفظوا نفوسهم وحفظوا الزرع الإلهي فإنهم في الوقت المناسب يُولدون ثانية بشكل منظور وبعد ذلك عند انحلال الجسد تستقبلهم الملائكة وكل الأرواح السماويّة بوجوه فرحة. ولكن إن كان الإنسان بعد أن ينال أسلحة المسيح ليقاتل بشجاعة، يتكاسل ويهمل، فإنه يقع في أيدي الأعداء وعند انحلال الجسد يعبر من الظلمة التي تحيط به الآن إلى ظلمة أردأ، وإلى الهلاك.
البستان والقلب:
مثل آخر: بستان يحوي أشجارًا كثيرة مثمرة ونباتات أخرى ذات رائحة وهو مُنسق تنسيقًا حسنًا وجميلاً، وله سور صغير ليحفظه، فإذا افترضنا أن نهرًا متدفقًا بقربه، فإنه حتى لو كان الماء الذي يصدم السور قليلاً فإنه يُفسد الأساس شيئًا فشيئًا ويحفر له مجرى حتى ينهدم السور من أساسه فتدخل المياه وتفسد النباتات وتقتلعها وتشوه جمال البستان وتجعله بلا ثمر.
هكذا الحال أيضًا مع قلب الإنسان. فالقلب فيه أفكار صالحة، ولكن أنهار الشر تجري دائمًا بالقرب من القلب وهي تسعى أن تشده إلى أسفل وتجتذبه إلى ناحيتها، فإذا مال العقل قليلاً إلى الطيش وإلى الأفكار النجسة، فإن أرواح الخطية تجد مكانًا فيه وتدخل وتفسد كل الجمال الذي كان للداخل وتمحو الأفكار الصالحة وتترك النفس خربة.
العين والقلب:
وكما أن العين عضو صغير بالمقارنة بكل أعضاء الجسم، وإنسان العين صغير جدًا إلاَّ أنه عظيم للغاية، فإنه بنظرة واحدة يرى السماء والنجوم والشمس والقمر والمدن والمخلوقات الأخرى. وهذه المخلوقات نفسها التي تُرى بنظرة واحدة، إنما تتشكل وتتصور في إنسان العين الصغير. هكذا أيضًا العقل بالنسبة إلى القلب، فالقلب صغير ومع ذلك يوجد فيه تنانين وأسود ووحوش سامة وكل ينابيع الشر إلى جانب المهالك والطرقات الوعرة الخشنة، وفي نفس الوقت يوجد فيه الله نفسه، والملائكة والرسل، ويوجد فيه الحياة والملكوت والنور، كذلك المدن السماويّة وكنوز النعمة كل هذه توجد فيه.
وكما أن السحابة إذا امتدت على العالم كله تجعل الإنسان لا يرى صاحبه، كذلك ظلمة هذا الدهر الممتدة على كل الخليقة وعلى كل الطبيعة البشريّة منذ وقت العصيان، فإن البشر منذ ذلك الحين إذ ظلّلتهم الظلمة، صاروا في الليل، وهم يصرفون حياتهم حيث الخوف والرعب. وكما يخيّم الدخان الكثيف على غرفة البيت، هكذا هي الخطية مع أفكارها النجسة، فإنها تملك على أفكار القلب وتزحف فيها، ومعها شياطين بلا عدد.
سماع الكلمة ونوال نعمة الروح:
وكما يحدث في الأمور المنظورة حولنا أنه في وقت الحرب، لا يذهب الحكماء والعظماء إلى الحرب، بل يذهب الرعاع والمساكين والأميون[1]، فإذا حدث أنهم انتصروا على الأعداء وطردوهم بعيدًا عن الحدود فإنهم ينالوا مكافأت وترقيات وأكاليل من الملك. وأما أولئك العظماء فإنهم يتخلفون وراءهم.
هكذا هو الحال أيضًا في المجال الروحاني فإن البسطاء يسمعون الكلمة ويعملون بها عن حب للحق وشوق في قلوبهم، فينالون من الله نعمة الروح. وأما الحكماء الذين يسعون وراء بلاغة الكلام بلا حب للحق فإنهم يهربون من الحرب ولا يتقدمون، وبذلك يصيرون وراء أولئك الذين حاربوا وانتصروا.
وكما أن الرياح عندما تهب بشدة، فإنها تهز كل المخلوقات التي تحت السماء وتصنع صوتًا عظيمًا جدًا، كذلك قوة العدو فإنها تهاجم الأفكار وتشوشها، وتهز أعماق القلب وتلقي في الفكر شكوكًا شريرة.
وكما أنه يوجد مكّاسون[2] يجولون في الطرق الضيقة ويمسكون بالعابرين ويغتصبون منهم أموالهم، هكذا فإن الشياطين يتجسسون على النفوس ويحاولون أن يمسكوا بها. وعند خروج النفوس من الأجساد، فإنها إن لم تكن مُطهرة تمامًا فإنهم لا يدعونها تصعد إلى منازل السماء لتلاقي الرب بل تسقطها شياطين الهواء إلى أسفل.
وأما إن كانت وهي في الجسد تسعى وتطلب من الرب نوال النعمة التي من الأعالي فإن هذه النفوس بلا شك تشترك مع أولئك الذين سبق أن دخلوا بسيرتهم الفاضلة، وتمضي معهم إلى الرب كما وعد هو قائلاً: “حيث أكون أنا هناك أيضًا يكون خادمي” (يو 12: 26). ويملكون إلى أبد الدهور مع الآب والابن والروح القدس، الآن وإلى دهر الدهور آمين.
روح النعمة وروح الشر – العظة 42 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
العظة 42 للقديس مقاريوس الكبير – روح النعمة وروح الشر – د. نصحى عبد الشهيد
روح النعمة وروح الشر – العظة 42 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
ليست الأشياء الخارجيّة هي التي تنمي الإنسان أو تؤذيه، بل الداخليّة أي روح النعمة أو من الجهة الأخرى روح خبث.
الروح القدس حصن النفس:
إذا افترضنا أن هناك مدينة عظيمة ولكنها هُجرت وهُدمت أسوارها وأخذها الأعداء، فإن عظمتها لا تنفعها شيئًا. بل لابد من عناية وحرص كثيرين يتناسبان مع عظمة المدينة، لذا ينبغي أن يكون لها أبواب قوية حتى لا يستطيع العدو أن ينفذ إليها.
وبنفس الطريقة فإن النفوس المُزينة بالمعرفة والفهم وحِدّة الفهم هي مثل المدن العظيمة. ولكن ينبغي أن نسأل هل هذه النفوس مُحصّنة بقوة الروح القدس حتى لا يستطيع الأعداء أن يدخلوا إليها ويخرّبوها. فإن حكماء العالم مثل أرسطو وأفلاطون وسقراط الذين كانوا ماهرين في المعرفة كانوا مثل مدن عظيمة ولكنهم كانوا في حالة خراب بسبب الأعداء لأن روح الله لم يكن فيهم.
ولكن كثيرين من بسطاء الناس الذين صاروا شركاء في النعمة، هم مثل مدن صغيرة ولكنها مُحصنة بقوة الصليب، وهؤلاء لا يسقطون من النعمة إلاَّ لسببين: إما لأنهم لا يحتملون الشدائد التي تأتي عليهم، أو لأنهم يتذوقون لذّات الخطية ويستمرون فيها بلا توبة؟ فإن أولئك الذين يسيرون في طريق الملكوت لا يستطيعون أن يمضوا فيه بدون تجارب.
فلاحة النفس بالاحتمال والصبر:
وكما أنه في حالة الحمل وولادة الأطفال فإن المرأة الفقيرة والملكة كلتاهما تتوجعان بأوجاع مخاض واحدة، وأيضًا أرض الإنسان الغني مثل أرض الفقير إن لم تنل التفليح اللازم لها فإنها لا تأتي بالثمر المناسب.
هكذا أيضًا في فلاحة النفس فلا الإنسان الحكيم ولا الإنسان الغني يملك في النعمة إلاَّ بالصبر والاحتمال والشدائد والأتعاب، فإن حياة المسيحيين ينبغي أن تتحمل كل هذه، وكما أن العسل إذ هو حلو لا يظهر منه سم أو مرارة، هكذا فإن مثل هؤلاء المسيحيين هم مملؤون حلاوة وخيرًا لكل الذين يقتربون منهم سواء كانوا صالحين أو أشرارًا كما يقول الرب “كونوا صالحين مثل أبيكم السماوي” (لو 6: 36، مت 5: 48).
خلع الإنسان العتيق ولبس الجديد:
إن الذي يؤذي الإنسان ويلوثه هو من الداخل لأنه “من القلب تخرج الأفكار الشريرة” (مت 15: 19) هكذا يقول الرب، فإن الإشياء التي تنجس الإنسان هي من الداخل.
فإنه من الداخل يزحف روح الشر في داخل النفس، وهو يحاور العقل، وهو يغري، هذا هو حجاب الظلمة، أي الإنسان العتيق (2 كو 5: 17)0 الذي ينبغي أن يخلعه أولئك الذين يهربون إلى الله، وينبغي أن يلبسوا الإنسان السماوي الجديد، الذي هو المسيح (أف 4: 22، كو 3: 8). إذن فلا يضر الإنسان أو يؤذيه شيء من الخارج وإنما يؤذيه فقط روح الظلمة الذي يسكن في القلب، حيًا ونشطًا. لذلك ينبغي على كل واحد في هذه المعركة أن يحارب في أفكاره ضد الشر لكي يضيء المسيح في قلبه، الذي له المجد إلى الأبد، آمين.
روح النعمة وروح الشر – العظة 42 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
أعماق النفس – العظة 41 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
أعماق النفس – العظة 41 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
أعماق النفس – العظة 41 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
أعماق النفس عميقة جدًا، وهي تتأثر بمقدار درجة النعمة أو درجة الشر.
إن إناء النفس الثمين هو عميق جدًا، كما هو مكتوب “هو يفحص العمق والقلب” (ابن سيراخ 42: 18). لأنه حينما حاد الإنسان عن الوصية وصار تحت دينونة الغضب فإن الخطية أخذته تحت سلطانها، وحيث إن الخطية هي نفسها. هاوية عميقة من المرارة فقد دخلت إلى داخل أعماق الإنسان واستولت على مراعي النفس حتى إلى أقصى أعماقها.
اختلاط الخطية بالنفس:
وهكذا يمكننا أن نشبه النفس والخطية حينما اختلطت بها كما لو أن هناك شجرة كبيرة جدًا ذات فروع كثيرة وتضرب بجذورها في أقصى أعماق الأرض. هكذا الخطية فقد دخلت إلى الداخل وملكت على مراعي النفس العميقة، حتى إنها صارت مألوفة وملازمة للإنسان وتنمو مع كل شخص منذ طفولته وتعاشره وتعلّمه أمورًا شريرة.
عمل النعمة الإلهيّة والاجتهاد:
لذلك فحينما يظلل عمل النعمة الإلهيّة على النفس بحسب مقدار إيمان كل واحد، وينال الإنسان معونة من فوق فإن النعمة تظلله جزئيًا فقط. لذلك فلا يتصور أحد أن نفسه قد استنارت كلها مرة واحدة استنارة كلّية. فلا يزال يوجد قدر من الخطية في الداخل، ويحتاج الإنسان إلى تعب وكد كثيرين على حسب النعمة المعطاة له. ولهذا السبب تبتديء النعمة أن تفتقد الإنسان جزئيًا مع أنها تملك القوة أن تُطهر الإنسان وتكمله في ساعة من الزمان.
ولكنها تفتقد الإنسان جزئيًا لكي تمتحن قصد الإنسان لترى هل يحفظ حبه نحو الله كاملاً، بحيث لا يتفاوض مع الشرير في أي وقت بل يسلّم نفسه كليةً للنعمة وبهذه الطريقة عندما تنجح النفس مرة بعد مرة، وهي لا تُحزن النعمة في أي أمر، فإن الإنسان ينال معونة متزايدة، والنعمة نفسها تجد مرعى لها في النفس وتضرب بجذورها إلى أعماق أعماقها وفي كل أفكارها، إذ توجد النفس مقبولة وموافقة للنعمة بعد تجارب كثيرة، إلى أن تتشبّع النفس تمامًا بالنعمة السماويّة التي تبدأ منذ ذلك الوقت فصاعدًا أن تملك في الإناء نفسه[1].
التواضع:
ولكن أي شخص لا يثبت في تواضع كثير، فإنه يُسلّم للشيطان ويتعرى من النعمة الإلهيّة التي سبق أن أُعطيت له فيُجرّب بشدائد كثيرة. وحينئذٍ يعرف نفسه على حقيقتها وأنه عريان وشقي. ولذلك فإن الذي يكون غنيًا في نعمة الله ينبغي أن يكون متضعًا جدًا وله قلب منسحق، وأن يعتبر نفسه فقيرًا ولا يملك شيئًا. وأن ما هو له لا يخصه وإنما قد ناله من آخر ويمكن أن يؤخذ منه حينما يشاء الذي أعطاه.
فالذي يتواضع هكذا أمام الله والناس يستطيع أن يحفظ النعمة المعطاة له كما يقول الرب “من يضع نفسه يرتفع” (لو 14: 11) ورغم أنه مختار من الله، فليعتبر نفسه كأنه مرذول. ورغم أنه أمين حقًا فليعتبر نفسه غير مستحق. إن مثل هذه النفوس تكون مرضيّة لله، وتحيا وتنال الحياة بالمسيح، الذي له المجد والقوة إلى الأبد آمين.