هل الله يميت البشر – د. أنطون جرجس عبد المسيح

هل الله يميت البشر – د. أنطون جرجس عبد المسيح

هل الله يميت البشر – د. أنطون جرجس عبد المسيح

هل الله يميت البشر – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – ابريل 2024م

 

 

الفهرست

مقدمة. 1

الفصل الأول: شهادات الكتاب المقدس… 4

الفصل الثاني: شهادات آباء الكنيسة الجامعة. 10

ق. إيرينيؤس أسقف ليون. 11

حواء هي سبب الموت لنفسها 11

الشيطان هو جالب الموت على الإنسان. 11

الموت كان لصالح الإنسان. 12

ق. ثيؤفيلوس الأنطاكي. 12

الإنسان جنى الموت بالعصيان. 12

ظهور الموت بسبب حسد إبليس.. 13

ق. يوستينوس الشهيد 13

البشر جلبوا الموت على أنفسهم 13

ق. ميثوديوس الأوليمبي. 14

الله وضع نهاية للخطية بالموت.. 14

الإنسان هو علة موته وفنائه. 14

نوفاتيان الأفريقي. 15

عقوبات الله الشفائية. 15

ق. ديونيسيوس الإسكندري.. 15

لا يشأ الله موت الخاطئ على الإطلاق. 15

ق. أثناسيوس الرسولي. 16

الموت هو نتيجة التعدي.. 16

البشر هم علة فساد الموت.. 16

دخول الموت إلى العالم بحسد إبليس.. 17

جلب البشر الموت على أنفسهم 17

الموت لتلافي النتيجة المرعبة. 17

ق. هيلاري أسقف بواتييه. 18

لا يوجد موت في الله.. 18

ق. باسيليوس الكبير. 18

الله لا يميت أحد بل يحيي. 18

الإنسان أمات نفسه بنفسه. 19

سقوط الإنسان في الموت بالخطية. 19

الإنسان جلب الموت بإرادته. 19

لايوجد الموت مع الحياة في الله.. 20

ق. غريغوريوس النزينزي اللاهوتي. 21

الموت في مصلحة الإنسان. 21

لا يريد الله موت الخاطئ. 21

ق. غريغوريوس النيسي. 22

الموت عقيم لم يغرسه الله.. 22

الشيطان هو مصدر الموت.. 22

الشر هو بداية الموت وليس الله.. 23

الله ليس خالق الموت.. 23

التعدي هو أم الموت.. 23

دخول الموت لمنع تأبيد الشر. 24

الإنسان أمات نفسه بنفسه. 24

ق. يوحنا ذهبي الفم. 25

الخطية سبب الموت وليس الله.. 25

الموت في صالح الإنسان. 26

الموت فائدة للإنسان. 26

الموت ليس شرًا بل خيرًا 28

ق. كيرلس الإسكندري.. 28

الخطية هي علة الموت وليس الله.. 28

الإرادة الإلهية تمقت إفناء المخلوقات.. 29

الخطأة هم قتلة أنفسهم 29

الموت في مصلحة الإنسان. 30

دخول الموت بحسد إبليس.. 30

ق. بروكلس رئيس أساقفة القسطنطينية. 31

الشيطان مسلمنا إلى الموت.. 31

قطف آدم الموت لنفسه. 31

ق. ساويروس الأنطاكي. 31

الموت نتيجة طبيعية للضعف الجسدي.. 31

سيادة الموت والهموم بعد السقوط. 32

دخول الموت إلى العالم بحسد إبليس.. 33

مار أغريس البنطي. 33

لا يشأ الله موت أحد 33

لا يوجد الموت والحياة في نفس الشخص والوقت.. 34

موت النفس هو الشر. 34

مار إسحاق السرياني. 34

لا يوجد الموت في الله.. 34

ق. مكاريوس الكبير. 35

موت الإنسان عن الله.. 35

الإنسان هو علة هلاكه وموته. 35

موت النفس بانفصالها عن الروح القدس.. 36

ق. يوحنا كاسيان. 36

الله ليس صانع الموت.. 36

الفصل الثالث: شهادة الليتورجية القبطية. 38

دخول الموت بحسد إبليس.. 38

الإنسان أختطف الموت لنفسه. 38

تأديبات الله المؤدية للحياة 39

لا يشأ الله موت الخاطئ بل توبته. 39

 

 

 

مقدمة

سوف نحاول في هذا البحث الموجز عزيزي القارئ الإجابة على تساؤلات في غاية الأهمية تمس قضية الموت، وهي: هل الله يُمِيت البشر؟ وهل الله يُعاقِب البشر بالموت؟ وهل الله يُهلِك البشر؟ وهل الله هو علة موت البشر؟ تساؤلات جد خطيرة تمس واقعنا المسيحيّ المعاصر. لقد خرج علينا البعض يدَّعون على الله زورًا وبهتانًا أن إله يميت! وإنه يقتل البشر! وإنه يُهلِك البشر! بل ويُقدِّمون صورًا مشوهةً على الألوهة مستغلين آيات الكتاب المقدَّس التي يأوِّلونها حسب أهوائهم وأفكارهم الضحلة والمشوَّهة عن الألوهة المنزَّهة عن الموت والهلاك والفناء. فالله كليّ الصلاح بسبب صلاحه جلب الإنسان من العدم إلى الوجود، فكيف يُرسِله بيديه مرةً أخرى إلى العدم؟ هل هذا معقول؟! هؤلاء يفعلون كما فعل الوثنيون قديمًا حيث كانوا ينسبون الموت إلى إله الموت وذلك في سياق تعدُّد الآلهة، وكأنهم لم يسمعوا عن الله معطي الحياة الذي أُظهِر بالكامل وأُعلِن عنه بالكامل في ابنه ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، الذي خبَّر عن الله الذي لم يره أحدٌ قط. فالمسيح هو الإعلان الحقيقيّ والكامل عن الله الحيّ، لم يقل المسيح عن نفسه في الإنجيل أنا هو الموت، لم يقل عن نفسه أنا هو المهلِك، لم يقل أنه هو علة هلاك البشرية وسبب إماتها، بل قال عن نفسه أنا هو القيامة والحياة مَن آمن بي ولو مات فسيحيا، جئتُ لأُخلِّص العالم لا لأُدين العالم، هؤلاء لم يعرفوا المسيح القائم من بين الأموات بعد، هؤلاء لازالوا قابعين في حرفية الناموس والفريسية البغيضة التي طالما رفضها السيد المسيح، هؤلاء لازالوا في مرحلة البداوة الروحية، للأسف لازال هؤلاء يُفكِّرون بمنطقٍ همجيّ بربريّ عن الألوهة ناسبين إليها فعل الإماتة والإهلاك والإفناء للبشرية، هؤلاء أبناء الموت وليسوا أبناء الحياة. هؤلاء يُمثِّلون ردة إلى اليهودية والتهود، بل يُمثِّلون ردة إلى عصور ما قبل التاريخ البشريّ المتحضر، ينسبون للألوهة ما ليس فيها، ويُسقِطون أفكارهم المريضة والمشوَّشة عن الألوهة كلية الصلاح والرحمة والرأفة، معتقدين إنهم بذلك يعبدون الإله الحقيقيّ المميت المهلِك في نظرهم، بل يعتقدون إنهم يُقدِّمون خدمة لله بالدفاع عنه كمبيد وقتال للبشر، ونسوا أن إبليس الكذَّاب وأبو الكذَّاب هو الذي كان قتَّالاً للناس منذ البدء، إبليس مخترع الموت والخطية، الذى أغوى الإنسان وأسقطه في الخطية بإرادته، فصار الإنسان علة موته مشارِكًا في هلاكه وفنائه بسبب خضوعه لغواية إليس وتعديه وعصيانه لله، وإنفصاله الإراديّ عن مصدر حياته، أي الله، فصار هو نفسه علة موته وهلاكه، وليس الله جابله وخالقه ومانحه الحياة.

سوف نُحاوِل الإجابة على سؤال: هل الله يُمِيت البشر؟ وذلك من خلال شهادات الكتاب المقدَّس وشهادات آباء الكنيسة الجامعة المعلِّمين، وشهادة صلوات الليتورچية المقدَّسة.

أود التنويه إلى أن النصوص الكتابية والآبائية المذكورة في هذا البحث هي بعض من كل، فهناك العديد والعديد من الشهادات والنصوص الكتابية والآبائية والليتورچية التي تؤيد هدف البحث، وهو أن الله لا يميت البشر، بل هو المحيي ومانح وواهب الحياة والخلاص من الموت للبشرية جمعاء.

 

 

الفصل الأول: شهادات الكتاب المقدس

يدَّعي البعض عن جهل وبدون وعي أن الله يُنزِل الموت على البشر كعقوبة، وكأنَّ الله هو علة موت الإنسان. وهذا التعليم عارٍ تمامًا عن الصحة، بل وضد تعاليم الكتاب المقدس والتقليد الرسولي والآبائي كما سنرى. يُعدّ الموت في تعاليم الكتاب المقدس هو نتيجة التعدي والعصيان، وليس من الله، حيث قال الله للإنسان: ”وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ“ (تك 2: 17). ويذكر سليمان الحكيم أن الشرير يموت من خطيته وليس بإنزال الله الموت عليه قائلاً: ”الشِّرِّيرُ تَأْخُذُهُ آثَامُهُ وَبِحِبَالِ خَطِيَّتِهِ يُمْسَكُ. إِنَّهُ يَمُوتُ مِنْ عَدَمِ الأَدَبِ، وَبِفَرْطِ حُمْقِهِ يَتَهَوَّرُ“ (أم 5: 23). ويقول إرميا النبي أن الموت هو نتيجة ذنب الشخص نفسه كالتالي: ”بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ يَمُوتُ بِذَنْبِهِ. كُلُّ إِنْسَانٍ يَأْكُلُ الْحِصْرِمَ تَضْرَسُ أَسْنَانُهُ“ (إر 31: 30).

ويتحدَّث سفر الحكمة أن الموت هو نتيجة أفعال البشر الشريرة، وليس من الله كما يدَّعي البعض عن جهل، حيث يقول التالي: ”لا تغاروا على الموت في ضلال حياتكم ولا تجلبوا عليكم الهلاك بأعمال أيديكم، اذ ليس الموت من صُنع الله ولا هلاك الأحياء يسره“ (حك 1: 12، 13)، ويُؤكِّد سفر الحكمة أيضًا أن البشر هم مَن جلبوا الموت على أنفسهم بأيديهم وأقوالهم، وليس الله هو مَن أنزل الموت كالتالي: ”لكن المنافقين هم استدعوا الموت بأيديهم وأقوالهم ظنوه حليفًا لهم فاضمحلوا وإنما عاهدوه لأنهم أهل أن يكونوا من حزبه“ (حك 1: 16)، ويُؤكِّد سفر الحكمة أن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس، ولم يكن الله هو علة موت الإنسان كالتالي: ”فإن الله خلق الإنسان خالدًا وصنعه على صورة ذاته، لكن بحسد ابليس دخل الموت الى العالم“ (حك 2: 23، 24).

ويُؤكِّد حزقيال النبي أن النفس التي تخطئ هي التي تموت، وليس الله هو مَن يميتها قائلاً: ”اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ“ (حز 18: 4)، ويقول الله في سفر حزقيال أنه لا يسره موت الشرير، فكيف يكون الله هو علة موته كالتالي: ”هَلْ مَسَرَّةً أُسَرُّ بِمَوْتِ الشِّرِّيرِ؟ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. أَلاَ بِرُجُوعِهِ عَنْ طُرُقِهِ فَيَحْيَا؟“ (حز 18: 23). ويُؤكِّد يشوع بن سيراخ أن الموت دخل إلى العالم بخطية المرأة حواء، وليس من الله كالتالي: ”من المرأة ابتدأت الخطيئة وبسببها نموت نحن أجمعون“ (سي 25: 33). ويُؤكِّد سفر المكابين الثاني أن الله هو رب الحياة وليس رب الموت كالتالي: ”ودعا رب الحياة والروح أن يردهما عليه ثم فاضت نفسه“ (2 مك 14: 46).

ويُشدِّد المسيح له كل المجد أن الله هو إله أحياء وليس إله أموات قائلاً: ”لَيْسَ اللهُ إِلهَ أَمْوَاتٍ بَلْ إِلهُ أَحْيَاءٍ“ (مت 22: 32). وهكذا يؤكد بولس الرسول أن الموت دخل إلى العالم بالخطية، وليس من الله قائلاً: ”مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ“ (رو 5: 12). ويُشدِّد بولس الرسول على أن أجرة أو ثمن الخطية هو الموت، وبالتالي، الموت نتيجة للخطية وليس من الله قائلاً: ”لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا“ (رو6: 23). وهذا ما يقوله مُعلِّمنا يعقوب الرسول أن الموت هو نتيجة عن الخطية، وليس نتيجة عن الله كما يدَّعي البعض عن جهل كالتالي: ”ثُمَّ الشَّهْوَةُ إِذَا حَبِلَتْ تَلِدُ خَطِيَّةً، وَالْخَطِيَّةُ إِذَا كَمَلَتْ تُنْتِجُ مَوْتًا“ (يع 1: 15). وهكذا نجد أن الكتاب المقدس بعهديه يؤكد على أن الخطية والشر هما علة الموت، وليس الله هو علة الموت. فالله لم يقل في الكتاب المقدس: ”أنا هو الموت“ حاشا! بل قال: ”أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا، وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيًّا وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَدِ“ (يو 11: 25)، وقال أيضًا: ”أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ“ (يو 14: 6).

فالحياة هي صفة جوهرية من صفات الجوهر الإلهي منذ الأزل، فالله هو معطي الحياة وواهبها، وجابل الخليقة من العدم إلى الحياة، فكيف يميت الله الإنسان بعدما أحضره من العدم إلى الوجود والحياة؟! الحياة هي صفة من صفات أقانيم الثالوث القدوس ولا يوجد الموت كصفة من صفات الجوهر الإلهي، فكيف يميت الله البشر، أو يُنزِل الموت عليهم؟ هل الموت صفة أزلية في الله الثالوث يمارسها بين أقانيمه منذ الأزل كصفات المحبة، والقداسة، والحكمة، والبر، والحياة… إلخ؟ بالطبع، لا. بل الآب والابن هما مصدر الحياة ولهما الحياة في ذاتيهما وليس الموت أو الإماتة كما يدَّعي البعض عن جهل، حيث يقول يوحنا الرسول التالي: ”لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ، كَذلِكَ أَعْطَى الابْنَ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ“ (يو 5: 26). وتُمارِس أقانيم الثالوث فعل الإحياء، وليس فعل الإماتة، كما يقول يوحنا الرسول: ”لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الأَمْوَاتَ وَيُحْيِي، كَذلِكَ الابْنُ أَيْضًا يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ“ (يو 5: 21). والروح القدس هو روح الحياة وليس روح الموت. فأريد أن أسأل أولئك الذين يدَّعون بالباطل على الله أنه يميت البشر، كيف يميت الله خليقته التي جلبها من العدم إلى الوجود، ليرجعها مرةً أخرى من الوجود إلى العدم؟ فلماذا جلبها بالأساس من العدم إلى الوجود لكي يعيدها مرةً أخرى من الوجود إلى العدم؟ أليس هذا تناقض صارخ؟!

يُشِير الكتاب المقدَّس في إشارات عديدة إلى أن إبليس هو الذي كان قتالاً للناس منذ البدء، وليس الله هو الذي يعاقب البشر بالموت. حيث يؤكد الكتاب المقدس على أن الشر هو الذي يميت الشرير، وليس الله قائلاً: ”الشَّرُّ يُمِيتُ الشِّرِّيرَ، وَمُبْغِضُو الصِّدِّيقِ يُعَاقَبُونَ“ (مز 34: 21). وهكذا نرى في قصة طوبيا أن الشيطان هو الذي كان يقتل أزواج سارة، لذا نجد طوبيا يتحدث عن أن الشيطان هو الذي قتل أزواج سارة السبعة قائلاً: ”فأجاب طوبيا وقال: إني سمعت أنه قد عُقِدَ لها على سبعة أزواج فماتوا، وقد سمعت أيضًا أن الشيطان قتلهم“ (طو 6: 14). فالشيطان إذًا هو الذي يقتل البشر وليس الله.

يتحدَّث السيد المسيح له كل المجد عن أن الشيطان كان قتَّالاً للناس، ويميت البشر منذ البدء، وليس الله كالتالي: ”أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا. ذَاكَ كَانَ قَتَّالاً لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَق. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ، لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ“ (يو 8: 44). ويُؤكِّد بولس الرسول أن إبليس هو مَن له سلطان الموت، أيّ القدرة على إماتة البشر، وليس الله هو الذي يعاقب البشر بالموت كالتالي: ”فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ“ (عب 2: 14). ويُشبِّه بطرس الرسول إبليس خصم البشر بأنه كأسد زائر يلتمس مَن يبتلعه ويميته، وليس الله هو الذي يميت البشر كالتالي: ”اُصْحُوا وَاسْهَرُوا. لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ“ (1بط 5: 8). ويتحدَّث بولس الرسول عن تسليم الخاطئ إلى الشيطان لهلاك الجسد مؤكدًا على أن الموت والهلاك من الشيطان، وليسا عقوبةً من الله للبشر كالتالي: ”أَنْ يُسَلَّمَ مِثْلُ هذَا لِلشَّيْطَانِ لِهَلاَكِ الْجَسَدِ، لِكَيْ تَخْلُصَ الرُّوحُ فِي يَوْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ“ (1كو 5: 5).

ولكن قد يتحجَّج البعض ويقول إن الكتاب يذكر عن الله أنه يحيي ويُمِيت كالتالي: ”الرَّبُّ يُمِيتُ وَيُحْيِي. يُهْبِطُ إِلَى الْهَاوِيَةِ وَيُصْعِدُ“ (1صم 2: 6)، فنرد أن الكتاب ذكر أيضًا أن الله هو خالق الظلمة وخالق الشر كالتالي: ”أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ. مُصَوِّرُ النُّورِ وَخَالِقُ الظُّلْمَةِ، صَانِعُ السَّلاَمِ وَخَالِقُ الشَّرِّ“ (إش 45: 6، 7). فنتساءل هل الله هو خالق الظلمة والشرّ أيضًا مثلما يُمِيت؟ بالطبع لا، ولكن الكتاب المقدَّس كان يهتم بالإعلان عن وحدانية الألوهة في وسط الشعوب التي تُؤمِن بمذهب تعدُّد الآلهة، ويجعلون لكل شيء إله، إله للنور، وإله للظلام، وإله الخير، وإله الشرّ، وإله الموت… إلخ. وكانت هناك الشعوب التي تُؤمِن بمذهب ثنائية الألوهة كالزرادشتية والغنوسية والمانوية، حيث يرون أن هناك إلهان: إله الخير وإله الشرّ، النور والظلمة، الحياة والموت، وهكذا. لذا كان يُحارِب الكتاب المقدَّس هذه المذاهب المنحرِفة عن الألوهة بنسب كل الأشياء إلى الإله الواحد الوحيد، حتى لو كان الله ليس هو خالق الظلمة، أو الشر، أو الموت، بل الله صالحٌ وهو خالق النور والخير والحياة، وبالتالي، لا بد أن ننتبه إلى حديث الكتاب المقدَّس عن وحدانية الألوهة للتأكيد على وجود كل الأشياء في دائرة سيطرة الله وتدبيره وعنايته بالخليقة كلها، فلا يحدث شيء خارج سيطرة الله الواحد الوحيد.

 

هل الله يميت البشر – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الفصل الثاني: شهادات آباء الكنيسة الجامعة

سوف أستعرض في هذا الفصل من بحثنا تعاليم الآباء القديسين المعلِّمين في الكنيسة الجامعة التي تُؤكِّد على أن الله لم يخلق الموت، وليس هو علة الموت، بل الموت كان نتيجة عن الخطية، وأن الموت والإماتة ليسا لهما وجود في طبيعة الله، بل الله حيّ ويُحِيي الأشياء، كما يقول الكتاب: ”لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ“ (أع 17: 28).

كما يُؤكِّد آباء الكنيسة المعلِّمين على حقيقة مهمة جدًا، ألا وهي أن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس وبخطية الإنسان، متبعين الكتاب المقدَّس في ذلك. ولم يكن الموت عقوبة من الله للبشر، بل يُؤكِّدون على أمر غريب جدًا، ألا وهو أن الموت كان لصالح الإنسان حتى لا يظلّ الإنسان يُمارِس الشرَّ والخطية إلى الأبد، وبالتالي، تأبيد الشرِّ والخطية واستمرارهما إلى الأبد. لأنه إذا كانت العقوبة القانونية في حالة العقوبات البشرية القضائية العادية مثل عقوبة السجن على سبيل المثال، تُعتبر سلبًا لحرية الشخص المعاقَب، وعقوبة الإعدام هي سلب لحياة الشخص المعاقَب، وبالتالي، تُعتبر العقوبة البشرية القانونية شرًا بالنسبة للشخص المعاقَب، وليس خيرًا أو في مصلحته. وهكذا، لو كانت العقوبة الإلهية – بحسب المنادين بالعقوبة القانونية الجزائية – هي عقوبة قانونية أو جزائية أو انتقامية من الله للبشرية، فسوف تكون العقوبة هي شرٌّ بالنسبة للكائن المعاقَب، وليست لصالحه، لأنها سوف تُؤدِي إلى هلاك الشخص المعاقَب وموته. بل يرى آباء الكنيسة على العكس من ذلك أن الموت الذي دخل إلى العالم بعد السقوط كان في مصلحة البشرية، وليس شرًا للإنسان، وبالتالي، لم يكن الموت عقوبةً قانونيةً من الله للبشرية، بل كان الموت في مصلحة البشرية من أجل الحفاظ عليها من البقاء في الشر والخطية إلى الأبد.

ق. إيرينيؤس أسقف ليون

حواء هي سبب الموت لنفسها

يُشِير ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسيّ، وأسقف ليون بفرنسا، إلى أن حواء غير المطيعة كانت هي سبب الموت لنفسها وللجنس البشريّ كله، وليس الله كما يدَّعي البعض عن جهل ودون وعي كالتالي:

”وإذ صارت [حواء] غير مطيعة، كانت هي سبب الموت لنفسها وللجنس البشريّ كله، هكذا أيضًا، فإن مريم إذ كانت مخطوبةً لرجلٍ، ومع ذلك كانت عذراءً، وأذعنت بطاعةٍ، فصارت سبب الخلاص لنفسها ولكل الجنس البشريّ“.[1]

الشيطان هو جالب الموت على الإنسان

يرى ق. إيرينيؤس أن آدم الأول صار إناءً للشيطان الذي امتلكه، وأمسكه تحت سلطانه، بأن أدخل الخطية إليه ظلمًا، وتحت ستار عدم الموت أورثه الموت، لأنه بينما وعد بأنهم سيكونون آلهةً، وهو ما لا يمكن حدوثه، فإنه جلب الموت إليهم كالتالي:

”لأن آدم الأول صار إناءً للشيطان الذي امتلكه، وأمسكه تحت سلطانه، بأن أدخل الخطية إليه ظلمًا، وتحت ستار عدم الموت أورثه الموت. لأنه بينما وعد بأنهم ينبغي أن يكونوا آلهةً، وهو ما لا يمكن حدوثه، فإنه جلب الموت إليهم“.[2]

الموت كان لصالح الإنسان

يُؤكِّد ق. إيرينيؤس على أن الموت كان لصالح الإنسان، وليس عقوبة من الله للإنسان، حتى لا يستمر الإنسان خاطئًا إلى الأبد كالتالي:

”لذلك أيضًا، طرد الله الإنسان من الفردوس، ونقله بعيدًا عن شجرة الحياة، ليس لأنه يحسده على شجرة الحياة، كما يزعم البعض، بل لأنه أشفق عليه، ولم يرغب له أن يستمر خاطئًا إلى الأبد، ولا تكون الخطية، التي أحاطت به خالدةً، ولا يكون الشر غير مُتناهٍ، وعديم العلاج. ولكنه وضع حدًا لخطيئته بأن أدخل الموت، وهكذا أوقف الخطية، بأن وضع لها نهاية بانحلال الجسد، الذي يحدث في داخل الأرض، حتى أن الإنسان، إذ يكف عن الحياة في الخطية، ويموت عنها، ويبدأ أن يحيا لله“.[3]

ق. ثيؤفيلوس الأنطاكي

الإنسان جنى الموت بالعصيان

ينفي ق. ثيؤفيلوس الأنطاكيّ أن يكون الله هو علة موت الإنسان، بل الإنسان جنى بالعصيان الموت لنفسه، وبالتالي، الإنسان هو المسئول عن موته، وليس الله هو المسئول قائلاً:

”مرةً أخرى، لو خلقه الله فانيًا، كان سيبدو أن الله مسئول عن موته […] ولكن إنْ توجه [الإنسان] إلى أعمال الموت عاصيًا الله، صار مسئولاً عن موته […] لأنه كما بالعصيان جنى الإنسان الموت لنفسه، هكذا بالطاعة (رو 5: 18، 19) لمشيئة الله، يستطيع كل مَن أراد أن يحصل على الحياة الأبدية لنفسه“.[4]

ظهور الموت بسبب حسد إبليس

ويُؤكِّد ق. ثيؤفيلوس الأنطاكيّ أن بداية الموت ظهرت في العالم بسبب حسد إبليس، وليس أن الله أوقع الموت على البشر، وهكذا حرَّض إبليس قايين على قتل أخيه هابيل، فظهرت بداية الموت في العالم كالتالي:

”عندما رأى إبليس أن آدم وزوجته ليسا فقط أحياء، بل أنجبا ذريةً أيضًا، غُلِبَ من الحسد، لأنه لم يكن بالقوة الكافية ليميتهم. ولأنه رأى أن هابيل يُرضِي الله، فعمل على أخيه المُسمَّى قايين، وجعله يقتل أخاه. ومِن ثم ظهرت بداية الموت في هذا العالم، ليصل الجنس البشري بكامله إلى هذا اليوم“.[5]

ق. يوستينوس الشهيد

البشر جلبوا الموت على أنفسهم

يرى ق. يوستينوس الشهيد أن البشر هم الذين جلبوا الموت على أنفسهم مثل آدم وحواء بعصيانهم، وليس أن الله يجلب الموت على البشر كالتالي:

”ولكنني لا أنوي الخوض في هذه النقطة، بل أن أثبت أن الروح القدس يُوبِّخ الناس المخلوقين على صورة الله، متحررين من الألم والموت بشرط إطاعة وصاياه، وحُسِبوا مستحقين أن يُدعوا أبناء الله، ولكنهم مثل آدم وحواء جلبوا الموت على أنفسهم“.[6]

ق. ميثوديوس الأوليمبي

الله وضع نهاية للخطية بالموت

يُؤكِّد ق. ميثوديوس الأوليمبيّ على حقيقة أن الله وضع نهاية للخطية بالموت، وليس أن الموت عقوبة من الله للبشر كالتالي:

”والآن، كانت خيمتنا في الأول مُزوَّدةً بحالة سامية ثابتة؛ لكن تحوَّلت بواسطة التعدي، وانحنت إلى الأرض. ولكن الله وضع نهاية للخطية بالموت، خشية فناء الإنسان من أن يعيش خاطئًا، وتعيش الخطية فيه، فيكون مُعرضًا للعنة الأبدية“.[7]

الإنسان هو علة موته وفنائه

يُشِير ق. ميثوديوس إلى أن الإنسان قد وُضِعَ في مكان وسط بين الفساد وعدم الفساد، الموت وعدم الموت، ولكنه عندما أختار الفساد، فإنه أصبح فاسدًا وفانيًا كالتالي:

”والآن كون الإنسان بين الجانبين، لا يكون خيَّرًا أو شريرًا، لكنه وُضِعَ في مكانٍ وسط، بين الفساد وعدم الفساد. ميله إلى أحد الجانبين يكون باشتراك الطبيعة، التي وُضِعَت عليه. فعندما يميل إلى الفساد، يصبح فاسدًا وفانيًا؛ وعندما يميل إلى عدم الفساد، يصبح طاهرًا وخالدًا“.[8]

نوفاتيان الأفريقي

عقوبات الله الشفائية

يرى نوفاتيان الأفريقيّ – وهو أحد الآباء اللاتين – أن العقوبات الإلهية هي عقوبات شفائية، ولا تنبع في الله من رذيلة أو ضعف، بل لإرجاع البشر إلى المسار الصحيح كالتالي:

”كذلك حقيقة أن الله يغضب لا تنبع من أي رذيلة فيه. وإنما يتصرف هكذا لمنفعتنا. فهو رحيمٌ حتى عندما يُهدِّد، لأنه بهذه التهديدات يُرجِع البشر إلى المسار الصحيح. فالخوف أمرٌ ضروريّ لمَّن يفتقدون إلى الحافز إلى الحياة الصالحة، حتى أن الرافضين للعقل يتحرَّكون على الأقل بدافع الخوف. ولذلك، فكل هذه المواضع عن الغضب والكراهية وما شابه ذلك من جانب الله، قد أُعلِنَت، كما يتبيَّن من حقيقة الأمر، لشفائنا، وهي تنبع عن قصد مُتعمَّد، وليس من رذيلة أو من ضعف“.[9]

ق. ديونيسيوس الإسكندري

لا يشأ الله موت الخاطئ على الإطلاق

يُؤكِّد ق. ديونيسيوس الإسكندريّ أن الله لا يريد موت الخاطئ على الإطلاق، بل أن يتوب كالتالي:

”فهم يتشفعون لبعض الأخوة الساقطين، الذين جلبوا على أنفسهم اتهامات تقديم ذبائح للأوثان، يترقبون عودتهم وتوبتهم، ويقبلونها بكونها مقبولةً عند [الله] الذي لا يريد على الإطلاق موت الخاطئ، بل أن يتوب“.[10]

ق. أثناسيوس الرسولي

الموت هو نتيجة التعدي

يُؤكِّد ق. أثناسيوس الرسوليّ أن الموت هو نتيجة تعدي الإنسان للوصية، ولم يكن الموت من الله على الإنسان، حيث جلب البشر الموت على أنفسهم كالتالي:

”أمَّا إذَا تعدوا الوصية وارتدوا عن الخير، وصاروا أشرارًا، فليعلموا أنهم سيجلبون الموت على أنفسهم حسب طبيعتهم“.[11]

البشر هم علة فساد الموت

ويُشِير ق. أثناسيوس إلى أن البشر هم أنفسهم السبب فيما حدث لهم من فساد الموت، وليس الله كما يدَّعي الجهلاء كالتالي:

”ولكن البشر حوَّلوا وجوههم عن الأمور الأبدية، وبمشورة الشيطان تحوَّلوا إلى أعمال الفساد الطبيعيّ، وصاروا هم أنفسهم السبب فيما حدث لهم من فساد بالموت. لأنهم كانوا – كما ذكرت سابقًا – بالطبيعة فاسدين، لكنهم بنعمة اشتراكهم في الكلمة، كان يمكنهم أن يفلتوا من الفساد الطبيعيّ، لو أنهم بقوا صالحين“.[12]

دخول الموت إلى العالم بحسد إبليس

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس أن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس، وليس من الله كالتالي:

”وبسبب أن الكلمة سكن فيهم، فإن فسادهم الطبيعي لم يمسهم كما يقول سفر الحكمة: ’الله خلق الإنسان لعدم فساد، وجعله على صورة أزليته، لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم‘ (حك 2: 23- 24)، وبعدما حدث هذا بدأ البشر يموتون“.[13]

جلب البشر الموت على أنفسهم

ويُكرِّر ق. أثناسيوس أيضًا أن البشر هم الذين جلبوا الموت والفساد على أنفسهم، ولم يُنزِل الله عليهم الموت قائلاً:

”فالبشر لم يقفوا عند حد مُعيَّن في خطاياهم، بل تمادوا في الشرِّ، حتى أنهم شيئًا فشيئًا تجاوزوا كل الحدود، وصار يخترعون الشرَّ حتى جلبوا على أنفسهم الموت والفساد“.[14]

الموت لتلافي النتيجة المرعبة

يُشِير ق. أثناسيوس الرسوليّ إلى أن الله أعلن حكم الموت بسبب التعدي، حتى لا تصير النتيجة مرعبة وغير لائقة، ألا وهي تأبيد الشر والخطية كالتالي:

”لأن الموت أيضًا، وكما قُلت سابقًا، صارت له سيادة شرعية علينا (بسبب التعدي)، ومنذ ذلك الوقت فصاعدًا، وكان من المستحيل التهرُّب من حكم الناموس، لأن الله هو الذي وضعه بسبب التعدي، فلو حدث هذا لأصبحت النتيجة مُرعِبة حقًا وغير لائقة في نفس الوقت“.[15]

ق. هيلاري أسقف بواتييه

لا يوجد موت في الله

يرى ق. هيلاري أسقف بواتييه الملقَّب بـ ”أثناسيوس الغرب“ أن الله لا يوجد فيه موت البتة، بل هو غير المائت، فكيف يدَّعي البعض عن جهل وبدون علم أن الله يُمِيت البشر كالتالي:

”مرةً أخرى، إنْ كنتم تسمعون أنه ذاتيّ المنشأ، إلا أنه لا يوجد مثلٌ يكون فيه مُعطِي نعمة الحياة مطابقًا للحياة التي تُعطَى. إنْ كنتم تسمعون أنه غير مائتٍ، إذًا، فهناك شيءٌ لم ينبثق منه وليس له اتصال معه بطبيعته ذاتها؛ وفي الواقع، الموت ليس هو الشيء الوحيد الذي يدَّعي تعبير ’غير مائت‘ أنه بعيدٌ عن الله“.[16]

ق. باسيليوس الكبير

الله لا يميت أحد بل يحيي

يُؤكِّد ق. باسيليوس الكبير أن الله لا يميت أحد ويُحِيي آخر، بل يُحِيي بالأشياء المائتة، ويشفي بالأمور المؤلمة كالتالي:

”إذًا، الله لا يُمِيت أحد، ويُحِيي آخر، ولكن هو يُحِيي بالأشياء التي تُمِيت، ويشفي بالأمور التي تجرح“.[17]

الإنسان أمات نفسه بنفسه

ويُوضِّح ق. باسيليوس الكبير أن الإنسان أمات نفسه بنفسه بخطيئته، وجلب وصنع الموت لنفسه، فالموت ليس له كيان في حد ذاته، بل هو انعدام الحياة كالتالي:

”إذًا، فهو الذي وقع في الخطية عن طريق اختياره السيء، ومات بسبب الخطية، ’لأن أجرة الخطية هي موت‘ (رو6: 23)، أي أن كل مَن يبتعد عن الحياة، يقترب من الموت، لأن الله هو الحياة، وغياب الحياة هو موت. هكذا جلب آدم الموت على نفسه، وصنعه بابتعاده عن الله وفق المكتوب في المزمور ’لأنه هوذا البعداء عنك يبيدون‘ (مز 73: 27). هكذا ليس الله هو خالق الموت، لكن نحن الذين جلبناه على أنفسنا بالإرادة الشريرة“.[18]

سقوط الإنسان في الموت بالخطية

يُشِير ق. باسيليوس أيضًا إلى أن الإنسان سقط في الموت بالخطية عن طريق خداع الحية، ولم يكن الله هو المنفِّذ لهذا الموت كالتالي:

”لقد كُنتُ حسنًا بالطبيعة وصالحًا، ولكنني ضعيف، لأني سقطت في الموت بالخطية عن طريق خداع الحية“.[19]

الإنسان جلب الموت بإرادته

ويُؤكِّد ق. باسيليوس الكبير نفس الأمر أيضًا أن الله لم يخلق الموت، بل جلب الإنسان الموت عليه بإرادته الشريرة، وهكذا لم يوقف الله الموت حتى لا يظل المرض أي الخطية إلى الأبد بلا نهاية كالتالي:

”لأن أجرة الخطيئة هي موت (رو 6: 23) أي كل مَن يبتعد عن الحياة، يقترب من الموت، لأن الله هو الحياة، وغياب الحياة هو موت. هكذا جلب آدم الموت على نفسه، وصنعه بابتعاده عن الله وفق المكتوب في المزمور: ’لأنه هوذا البعداء عنك يبيدون‘ (مز 73: 27). هكذا ليس الله هو الذي خلق الموت، لكن نحن الذين جلبناه على أنفسنا بالإرادة الشريرة. لكن الله لم يُوقِف الانحلال الذي يحمله الموت حتى لا يظلّ المرض بدون نهاية“.[20]

لايوجد الموت مع الحياة في الله

ويستنكر ق. باسيليوس الكبير أيضًا أن يكون الله هو علة الموت، ويرفض أن يجتمع في الله الشيء وضده، فلا يجتمع الموت والحياة معًا في الله، وبالتالي، يدحض إدعاءات الذين يقولون إن الله يُهلِك ويُمِيت البشر كالتالي:

”الواقع إنني أتعجب كيف أن هؤلاء القوم لا تتملكهم الرعدة لمجرَّد تفكيرهم وتصوُّرهم لمثل هذه التجاديف المنفَّرة. كما أنه من الخطأ روحيًا أن يُقَال إن الشرَّ استمده وجوده من الله، لأن الضد لا ينتج مما هو ضده. الحياة لا تلد موتًا، والنور لا ينبثق من الظلام، كما أن الصحة لا تنتج من المرض، إنما هذا يُعتبَر تغيير من حالة إلى عكسها […] ويجب التنويه على أن ما يصيب الإنسان من مرض وفقر وموت، لا يُعتبَر من الشرور. ذلك لأن بعض هذه الأمور التي تُصِيب الإنسان تتحوَّل لفائدته“.[21]

ق. غريغوريوس النزينزي اللاهوتي

الموت في مصلحة الإنسان

يُؤكِّد ق. غريغوريوس النزينزيّ الملقَّب بـ ”اللاهوتيّ“ أن الموت كان في مصلحة الإنسان حتى لا يصير الشر خالدًا، فكيف يكون الموت عقوبةً جزائيةً إنتقاميةً من الله على البشرية، ويكون في مصلحة البشرية في نفس الوقت لكي يمنع تأبيد الشرِّ؟! حيث يقول النزينزيّ التالي:

”وأول نتيجة [لهذا السقوط] أن أدركه الخجل والخزي، واختفى عن الله، وربح [الإنسان الأول] الموت، وقطع الخطيئة، لئلا يصير الشر خالدًا، وهكذا يبيت العقاب إحسانًا بالبشر، لأني هكذا أؤمن بأن الله يُجازِي“.[22]

لا يريد الله موت الخاطئ

يُشِير ق. غريغوريوس النزينزيّ إلى أن الله لا يريد موت الخاطئ، بل أن يرجع ويحيا، فهو الذي أنارنا نحن الذين كنا في ظلمة الموت وظلاله كالتالي:

”هذا، إذًا، ما يُؤثِره الله، فله الحرية والقدرة والسجود. ومَن يدري إذَا كان الله الذي يحلُّ قيود المائتين، ويصعد من أبواب الموت، وهو الذي لا يريد موت الخاطئ إلى أن يرجع ويحيا، وهو الذي أنارنا نحن الذين كُنا في ظلمة الموت وظلاله؟ مَن يدري إذَا كان سيتعهد يومًا ويُدرِك برحمته هؤلاء الضالين ويرعاهم بعصا رعايته، جاعلاً إياهم تحت تأديب عصاه الحديدية؟“.[23]

ق. غريغوريوس النيسي

الموت عقيم لم يغرسه الله

يرى ق. غريغوريوس النيسيّ، مثله مثل جميع الآباء السابقين عليه، أن الموت لم يغرسه الله في الإنسان عندما كان في الفردوس، ولم يغرسه بالطبع بعدما خرج الإنسان من الفردوس، لأن الموت في حدّ ذاته عقيم، وليس له أصل أو جذر، ولم يطرأ تغيُّر على الله قبل وبعد سقوط الإنسان، بحيث قبل السقوط لم يكن يُمِيت الإنسان، ثم صار بعد السقوط، يُمِيت الله الإنسان كالتالي:

”والدرس الذي يجب أن نتعلَّمه هو أن الحياة هي المركز الأصليّ لكل عمل الله، ولم يغرس الله الموت، ولم يكن له جذر ولا مكان له في الفردوس، لأن الموت عقيمٌ، ولأن الحياة كانت هي مركز كل شيء خلقه الله، وللموت طبيعة، وهي توقف الحياة“.[24]

الشيطان هو مصدر الموت

وينفي ق. غريغوريوس النيسيّ أن يكون الله هو خالق الموت، بل الشيطان هو مصدر الموت، لأن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس كالتالي:

”لم يخلق الله الموت، وإنما أبو ومصدر الموت هو ملك الشر أيّ الشيطان، لأن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس“.[25]

الشر هو بداية الموت وليس الله

يُوضِّح ق. غريغوريوس النيسيّ أن الشر هو بداية الموت وأساس الفساد، وليس الله كالتالي:

”فيما الشرّ هو مختلف الألوان، ويمثلُ أمامنا بحيث نحسبه شيئًا، ومع الخبرة يتبيَّن لنا شيئًا آخر. وإن معرفته، أي تقبله بالخبرة، هي بداية الموت وأساس الفساد“.[26]

الله ليس خالق الموت

ويُشِير ق. غريغوريوس النيسيّ إلى أن الله لم يخلق الموت، بل ملك الشرّ، أي إبليس الذي حرم ذاته من الحياة، وصار هو أبو الموت، لأن الموت جاء إلى العالم بحسد إبليس كالتالي:

”لم يكن الله هو خالق الموت، بل ملك الشرّ، إبليس، الذي حرم ذاته من الحياة. صار أبًا للموت. لأن الموت جاء إلى العالم بحسد إبليس“.[27]

التعدي هو أم الموت

يُؤكِّد النيسيّ على أن التعدي بالآكل من شجرة معرفة الخير والشر هو أم الموت بالنسبة للبشر، وليس الله هو مُنزِله على البشرية كالتالي:

”وأصبحت هذه الأكلة أم الموت بالنسبة إلى البشر“.[28]

دخول الموت لمنع تأبيد الشر

يُشِير ق. غريغوريوس النيسيّ في نفس سياق الآباء السابقين إلى دخول الموت إلى العالم، حتى لا يظل الشر مُؤبَّدًا في البشر كالتالي:

”ولكن لأن كل جلد ينفصل عن الحيوان هو شيء ميت، أعتقد أن شافي شرّنا ببصيرته، قد كسا بعد ذلك البشر بهذه القوة نحو الموت، التي هي خاصية الطبيعة غير العاقلة، حتى لا يبقى الشرّ بعد ذلك في البشر إلى الأبد. لأن الأقمصة هي شيء يُوضَع خارجنا مُقدِّمةً خدمة مؤقتة لأجسادنا، وليست متأصلةً في طبيعة الإنسان“.[29]

ويُوضِّح ق. غريغوريوس النيسيّ نفس الأمر في موضع آخر أنه لكي لا يستمر الشرّ الكامن فينا إلى الأبد، يتحلَّل الجسد مؤقتًا من خلال العناية العظمى للموت، فالموت هو تنقية من الشر كالتالي:

”الموت ليس أكثر من تنقية من الشرِّ […] كي لا يستمر الشرّ الكامن فينا إلى الأبد، يتحلَّل الجسد مؤقتًا من خلال العناية الأعظم للموت، وبإزالة الشرِّ على هذا المنوال، فإن الطبيعة الإنسانية يُعَاد تشكيلها لتقوم مرةً ثانيةً، فتنفصل عن الشرّ، وتعود إلى حياتها الأولى“.[30]

الإنسان أمات نفسه بنفسه

يُشِير ق. غريغوريوس النيسيّ إلى أن الإنسان بقبوله الحرّ لعرض الشرير، وضع نفسه أعلى من الله، الذي هو مصدر الحياة، ولذلك أدخل الإنسان برغبته أشياءً غير طبيعية وجديدة على نفسه كالتالي:

”الإنسان، بقبوله الحرّ لعرض الشرير، وضع نفسه أعلى من الله الذي هو أصل الحياة. ولهذا السبب، فإن الإنسان أدخل، وبرغبته، أشياءً غير طبيعية وجديدة على نفسه“.[31]

ق. يوحنا ذهبي الفم

الخطية سبب الموت وليس الله

يُؤكِّد ق. يوحنا ذهبيّ الفم، مثله مثل الآباء السابقين واللاحقين عليه، أن خطية الإنسان هي سبب الموت، وليس الله نفسه هو علة الموت كالتالي:

”لأن خطية الإنسان كانت هي سبب الموت، ولكن بعد أن أتى المسيح، أبطل الخطية، وحرَّرنا منها عن طريق المعمودية“.[32]

يتساءل ق. يوحنا ذهبي الفم عن سبب الموت، فيجيب بنفسه أن سبب الموت هو الخطية، وليس الله هو علة الموت، بل هو الذي قضى على الموت وجرَّده من كل أسلحته، وأنهى على كل مملكة الخطية قائلاً:

”إذًا، ما هو سبب الموت؟ سبب الموت هو الخطية، قال هذا لكي يُقدِّم الخطية كما لو كانت ملكًا، والموت مثل الجندي يخضع لأوامره، ويأخذ مؤونته منه. وبناءً على ذلك، فلو أن الخطية قدَّمت مؤونةً للموت، فمن الواضح جدًا أن البرَّ لاشى الخطية، والذي أتى بالنعمة لم يُجرِّد الموت فقط من أسلحته، بل وقضى عليه أيضًا وأنهى كل مملكة الخطية تمامًا“.[33]

وبالتالي، فمَّن يقول أن الله يُمِيت البشر فهو دون أن يدري يُساوِي بين الله والخطية، حاشا! ويجعل من الله علة الموت كما الخطية وحاشا أن يكون الله كذلك!

الموت في صالح الإنسان

ويرى ق. يوحنا ذهبيّ الفم أن الموت لم يكن عقوبةً، بل كان الموت في صالح الإنسان لمنع تأبيد الخطية والشر إلى الأبد، وبالتالي، كان الموت خيرًا للبشر وليس عقوبةً كالتالي:

”أننا لم نُضَار مطلقًا من أن الموت قد ملك على الجميع، بل إننا قد ربحنا، بكوننا قد صرنا فانيين، أولاً، لأنه لو كان لنا جسدًا غير قابل للموت، فإن ذلك سيكون دافع للاستمرار في ارتكاب الخطية، ثانيًا، لكي تكون لدينا دوافع غير محدودة في جهادنا لتحقيق التقوى. لأنه بالحقيقة عندما يكون الموت حاضرًا، وعندما ننتظره، فإنه يُقنِعنا أن نكون متواضعين، ومتعقلين، وبسطاء، وأن نتخلص من كُل شرّ. ومع هذا، فمن الأفضل أن نقول أولاً إننا ربحنا بالموت خيرات أخرى وفيرة، لأنه من هنا استُعلِنَت أكاليل الشهداء، ومكافآت الرسل. هكذا تبرَّر هابيل، وهكذا تبرَّر إبراهيم الذي قدَّم ابنه ذبيحةً، وهكذا أيضًا تبرَّر يوحنا الذي مات لأجل المسيح، وأيضًا الفتية الثلاثة، كما تبرَّر دانيال. لأنه لو أردنا البرَّ، فلن يستطيع الموت ولا الشيطان نفسه أن يُسبِّب لنا ضررًا أو أذى“.[34]

الموت فائدة للإنسان

ويُؤكِّد ق. يوحنا ذهبيّ الفم على أن الموت كان لفائدة الإنسان في موضع آخر، حيث يرى أن كسر الوصية جلب الموت على الإنسان، وهكذا أصبح الإنسان عرضةً للفساد وخاضعًا في المستقبل لحاجات الجسد، فطرده الربُّ من الفردوس، ودبَّر الموت على نحوٍ مفيد لكي لا يبقى في الخطيئة إلى الأبد، إذَا ما أكل من شجرة الحياة التي تُقدِّم الحياة الأبدية، وهكذا منع الله بتدبيرٍ حسن تأبيد الشر والخطية، ويُؤكِّد ذهبيّ الفم أيضًا أن دافع الله الوحيد من هذا الإجراء كان حبه للإنسان، وليس كما يدَّعي البعض عن جهل أنه عقوبة جزائية انتقامية من الله لكي يُهلِك ويُمِيت الإنسان الخاطئ، مُجدِّفين على الله وناسبين إليه إفناء وإماتة البشرية. بل يرى ذهبيّ الفم أيضًا أن الطرد من الجنة كان علامةً على الرعاية وليس الغضب من قِبَل الله، وهكذا كشف الله عن رعايته لنا في العقاب، فالعقاب من أجل التقويم والإصلاح والتعليم، وليس الهلاك والفناء كما يدَّعي الجهلاء بدون وعي كالتالي:

”وقدَّم أمثلة هناك هاتين الشجرتين، واحدةٌ للحياة والأخرى للموت (إذَا جاز التعبير)، بمعنى أن تذوقها وكسر الوصية جلب الموت عليه. لذلك، عندما أكل من هذه الشجرة أصبح عُرضةً للفساد وخاضعًا في المستقبل لحاجات الجسد، وكانت بداية دخول الخطيئة، وتمَّ تدبير الموت على نحوٍ مُفيد من قِبَل الربِّ، فلم يسمح بعد لآدم بالبقاء في الجنة لكنه أمره بمغادرتها، مُوضِّحًا لنا أن دافعه الوحيد للقيام بذلك هو حبه له. […] بعبارةٍ أخرى، بما أنه أظهر بأمثلةٍ كثيرةٍ الفجور من خلال الوصية التي أعطاه إياها بالفعل وأصبح عُرضةً للفساد، لئلا يمد يده إلى هذه الشجرة التي تهب حياة أبدية ويبقى في الخطيئة إلى الأبد. فإنه من الأفضل له أن يتمَّ طرده من هنا. وهكذا كان الطرد من الجنة علامةً على الرعاية وليس الغضب. كشف ربُّنا بذلك عن عنايته لنا في العقاب بما لا يقل عن منحه العطايا، وحتى عقابه في هذه الحالة من أجل التعليم“.[35]

الموت ليس شرًا بل خيرًا

يرى ق. يوحنا ذهبي الفم أن الموت ليس شرًا، ولكنه خيرٌ، فالموت هو تحرُّر من الهموم ومعونة للمعذَّبين، ويُوقِّفنا عن فعل الخطية، ويرى ذهبيّ الفم أن الموت هو نتيجة لخطايانا، وليس الله هو علته وفاعله كالتالي:

”لا يمكن أن يُعتبر الموت شرًا يا أخوتي، ولكنه خيرٌ. ولست أقول هذا من ذاتي، بل أيوب الصديق يُعلِنه بقوله: ’الموت راحةٌ للإنسان‘ (أي 3: 5). ويُعلِن بولس الرسول: ’الذي مات قد تبرأ من الخطية‘ (رو 6: 7). الموت تحرُّر من الهموم ومعونةٌ للمعذَّبين. الموت يُوقِّفنا عن فعل الخطية. أرأيت محبة السيد الربّ للبشر. لقد جعل العقاب الذي نتج عن خطايانا – أي الموت – خلاصًا. لأنه إنْ لم يوجد الموت، لمَّا كان لنا أن نتوقف عن فعل الشرِّ، وإنْ كنا لا ننتظر الديَّان الآتيّ، لمَّا ابتعدنا عن الفساد الذي لَحقَ بطبيعتنا نتيجة الخطية، وإنْ كنا لا ننتظر الدينونة، لمَّا أصبح لنا رجاء“.[36]

ق. كيرلس الإسكندري

الخطية هي علة الموت وليس الله

يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على قبول آدم للموت كنتيجة للعصيان والخطية، لذا نستنتج أن الخطية والعصيان هما علة الموت، وليس الله كالتالي:

”وكما أن آدم قَبِلَ الموت كنتيجة للخطية والعصيان، أصبح التبرير بواسطة المسيح جرمًا بحسب جهل اليهود، هكذا، فإنه بألم الموت، كُلِّل المسيح بالكرامة والمجد بحسب كلمات بولس الطوباويّ (أنظر عب 2: 9؛ في 2: 9)“.[37]

الإرادة الإلهية تمقت إفناء المخلوقات

يتحدَّث ق. كيرلس الإسكندريّ عن أن الإرادة الإلهية تُمقِت إفناء المخلوقات، لأن الله خلق كل شيء للوجود، وليس للفناء كالتالي:

”لأنه يقول: ’الله خلق كل شيء ليكون موجودًا، وتكوين العالم خلاص، ولا توجد مملكة الجحيم على الأرض. بل جاء الموت إلى العالم من حسد الشيطان‘ (حك1: 14). فقد بدَّلت الإرادة الإلهية الموت، وأبطلت الفساد، وهي تُمقِت إفناء المخلوقات؛ لأن الله خلق كل شيء لكي يوجد كما هو مكتوب“.[38]

الخطأة هم قتلة أنفسهم

ويُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ بوضوحٍ في موضع آخر أن الخطاة هم قتلة أنفسهم، وليس الله يُعاقِبهم بالموت كما يدَّعي البعض عن جهل كالتالي:

”ليس أمرًا غير متوقع أن يُحسَب كل الذين أُسِروا بخطاياهم، كأنهم قاتلون لأنفسهم، بالرغم من أنهم انجرفوا إلى هذا الوضع السيء دون إرادتهم، وصاروا مُخالِفين لله كما يقول الكتاب: ’لأن تصوُّر قلب الإنسان شرير منذ حداثته‘ (تك 8: 21)“.[39]

الموت في مصلحة الإنسان

ويرى ق. كيرلس الإسكندريّ أن وجود الموت الجسديّ كان في مصلحة الإنسان حتى لا يصل الإنسان إلى مرحلة الدمار الكامل كالتالي:

”هكذا حُكِمَ على الإنسان بالموت والفساد، لأن الله رأى أن هذا الحكم هو لصالحه. بمعنى أنه طالما مال الإنسان مرةً للخطيئة، وأصاب طبيعته مرض الميل للشرِّ، مثل الأرواح النجسة، وانعطف نحو الشرِّ. فحسنًا، بطريقةٍ مفيدةٍ، وُجِدَ الموت الجسدي الذي لم يُؤدِ بالإنسان إلى الدمار الكامل“.[40]

دخول الموت بحسد إبليس

ويُشِير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى أن الموت دخل بواسطة الخطية، وأنها بعد ذلك تسبَّبت في الموت، فالله لم يخلق الموت، بل دخل الموت إلى العالم بحسد إبليس قائلاً:

”ولكن من الواضح أن الموت دخل بواسطة الخطية (رو 5: 12). […] لقد خلق الله كل شيء في عدم فساد، وهو لم يخلق الموت، بل ’دخل الموت بحسد إبليس‘ (حك 1: 13؛ 2: 24)“.[41]

ق. بروكلس رئيس أساقفة القسطنطينية

الشيطان مسلمنا إلى الموت

يُشِير ق. بروكلس، رئيس أساقفة القسطنطينية، وأحد أبطال مجمع أفسس المسكوني الثالث 431، إلى أننا بسبب الخطيئة سُلِّمَنا للشيطان، وبالشيطان سُلِّمَنا إلى الموت قائلاً:

”لأنه كما قال بولس: ’إذ الجميع أخطأوا‘ (رو 3: 23)؛ لأنه بسبب الخطيئة سُلِّمَنا للشيطان، وبالشيطان سُلِّمَنا للموت“.[42]

قطف آدم الموت لنفسه

يرى ق. بروكلس القسطنطينيّ أن آدم عندما مدَّ يده إلى الشجرة قطف الموت، بينما المسيح بسط يديه على الصليب وعانق العالم كالتالي:

”هذا [آدم] مدَّ يده إلى الشجرة وقطف الموت، ولكن هذا بسط يديه على الصليب وعانق العالم، وصرخ في الأناجيل قائلاً: ’وأنا إنْ ارتفعت عن الأرض أجذب إليَّ الجميع‘ (يو 12: 32)“.[43]

ق. ساويروس الأنطاكي

الموت نتيجة طبيعية للضعف الجسدي

يُؤكِّد ق. ساويروس الأنطاكيّ على أن الموت هو بالفعل نتيجة طبيعية لضعف الجسد كالتالي:

”التعرض للموت هو بالفعل نتيجة طبيعية لضعف الجسد. ولكن كلمة الله القادر على كل شيء، والذي هو نفسه القدرة والحياة، قد وحَّد أقنوميًا معه هذا الجسد الضعيف المحيَي بنفسٍ عاقلةٍ. أمَّا أنه تألم في الجسد من أجلنا، فهذا تؤكده الكتب الإلهية“.[44]

سيادة الموت والهموم بعد السقوط

يُشِير ق. ساويروس الأنطاكيّ إلى أن الضيق والتعاسة وفساد الموت لم يحدث للإنسان إلا بعد تعديه الوصية والحكم عليه بالسقوط من الفردوس، رغم أن الله نفسه لم يصنع الموت، ولا يسر بهلاك الأحياء كالتالي:

”لأن ما قاله الحكيم: ’فإن الجسد الفاسد يُثقِّل النفس والخيمة الترابية عبء للعقل الكثير الهموم‘ (حك 9: 15). هذا لم يحدث إلا بعد تعدي الوصية، وبحدوثه حُكِمَ على الإنسان بالسقوط من الفردوس، وبالمضايقات وبالتعاسة وبالأحزان وبفساد الموت؛ فكان يسمع فعلاً: ’وشوكًا وحسكًا تنبت لك وتأكل عشب الحقل. بعرق وجهك تأكل خبزًا حتى تعود إلى الأرض التي أُخِذت منها. لأنك تراب وإلى ترابٍ تعود‘ (تك 3: 18-19). لكن قبل أن يعصي وصية الله الذي كان يمتحن حريته، كان مُكرَّمًا بنعمة الخلود؛ لأن الذي قال: ’فإن الجسد الفاسد يُثقِّل النفس‘، قال قبل ذلك بقليل: ’لأن الله لم يصنع الموت ولا يُسرّ بهلاك الأحياء‘ (حك 1: 13). إن الهموم أيضًا قد سادت بسبب الخطية والشرِّ، ومكتوب فعلاً في سفر أيوب المملوء حكمةً: ’الشرير هو يتلوى كل أيامه وكل عدد السنين المعدودة للعاتي‘ (أي 15: 20)“.[45]

دخول الموت إلى العالم بحسد إبليس

يُؤكِّد ق. ساويروس الأنطاكيّ على أن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس، رغم أن الله خلق الإنسان لعدم الفساد، وجعله صورة ذاته الإلهية، لأن الإنسان الأول، آدم، قد خُدِعَ وأطاع وصية الوسوَّاس المملوءة حسدًا كالتالي:

”وأخصُّ بكلمتي سقوط الطبيعة البشرية الذي حدث بالحيلة، حينئذٍ أحزن وأئن، ’فإن الله خلق الإنسان لعدم الفساد وجعله صورة ذاته الإلهية، لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم‘ (حك 2: 23-24)، لأن آدم، الإنسان الأول، قد خُدِعَ وأطاع وصية الوسوَّاس التي أملاها الحسد“.[46]

مار أغريس البنطي

لا يشأ الله موت أحد

يُؤكِّد مار أوغريس ”إيفاجريوس“ البنطيّ، أحد أهم آباء الرهبنة المصرية في عصره، على أن الله لا يشأ موت أحد، ليس لكونه لا يستطيع أن يخلق كائنًا أبديًا مثله لا يرتكب خطية، بل لأنه لا يوجد شيء يمكن أن يعمله ضد طبيعته، وهذا يؤكد على أن الله لا يُمِيت البشر كما يدَّعي البعض عن دون وعي قائلاً:

”هناك ثلاثة أشياء مستحيلة عند الله، أن تعجز إرداته، أو قدرته الخلاَّقة، أو قدرته الفاعلة. فهو لا يشأ موت أحد (2بط 3: 9)، ليس لكونه لا يستطيع أن يخلق كائنًا أبديًا مثله لا يرتكب خطيةً. لكن لا يوجد شيء يمكن أن يُعمَل ضد طبيعته“.[47]

لا يوجد الموت والحياة في نفس الشخص والوقت

ويُشدِّد مار أوغريس على استحالة وجود الحياة والموت في نفس الشخص وفي نفس الوقت، فما بالك الله الذي هو الحياة ومصدر كل حياة، كيف يدَّعي هؤلاء أن الله يُمِيت البشر ويُهلِكهم كالتالي:

”تمامًا كما أن الحياة والموت لا يمكن أن يوجدا معًا في نفس الشخص وفي نفس الوقت. هكذا أيضًا من المستحيل للمحبة أن توجد مع محبة المال“.[48]

موت النفس هو الشر

ويُشِير مار أوغريس إلى أن موت ومرض النفس هو الشر، وليس الله هو مُهلِكها وفانيها قائلاً: ”موت ومرض النفس هما شرٌ“.[49]

مار إسحاق السرياني

لا يوجد الموت في الله

يرى مار إسحاق السريانيّ، أحد أهم الآباء النساك الذي أثرت ميامره النسكية في العالم المسيحي كله بكافة طوائفه، أن الخطيئة وجهنم والموت لا يوجدوا إطلاقًا مع الله كونهم نتائج أو تأثيرات، وليسوا جواهر أو مواد في حد ذاتهم كالتالي:

”إن الخطيئة وجهنم والموت لا يوجدوا إطلاقًا مع الله كونهم نتائج [أو تأثيرات]، وليسوا جواهر أو مواد. فالخطيئة هي ثمرة الإرادة الحرة. كان هناك وقت لم توجد فيه الخطيئة، وسوف يأتي وفت حين لا تكون موجودةً أيضًا. جهنم هي ثمرة الخطيئة. وجهنم بدأت في وقتٍ مُعيَّنٍ من الزمن، إلا أن نهايتها غير معروفة. الموت، على كل حال، هو تدبير أو حكم صادر من حكمة الخالق. وهو سوف يملك إلى فترة قصيرة فقط على الطبيعة؛ ثم بعد ذلك سوف يُلغَى تمامًا. اسم الشيطان جاء من انحرافه الإراديّ عن الحق؛ وهو لا يشير إلى وجوده هكذا بصورةٍ طبيعيةٍ“.[50]

ق. مكاريوس الكبير

موت الإنسان عن الله

يرى ق. مكاريوس الكبير، أحد أهم آباء الرهبنة المصرية في عصره، أن آدم عند اقتنى نيات وأفكار شريرة، فإنه مات عن الله، وهكذا ندرك أن الموت هو نتيجة العصيان وفعل إراديّ خاص بالإنسان الذي يموت بخطيته ونياته وأفكاره الشريرة عن الله، فالإنسان أمات نفسه بنفسه عن الله بمعصيته كالتالي:

”هكذا كانت الضيعة – التي هي شخص آدم – ثمينةً قبل المعصية، ولكن لأنه اقتنى نياتٍ وأفكارًا شريرةً، مات عن الله. غير أنا لا نقول إنه قد فَنِيَ بالتمام وهلك ومات؛ فإنه مات عن الله ولكنه ما فتئ يحيا بطبيعته الخاصة“.[51]

الإنسان هو علة هلاكه وموته

يُشِير ق. مكاريوس الكبير إلى أن الإنسان هو علة هلاكه وموته إذَا أراد، لأن الله منحه إرادة حرة كما أن الله له إرادة حرة وما يريده يفعله كالتالي:

”لهذا، فإنك أنت على صورة الله وشبهه، لأنه كما أن لله إرادة حرة وما يريده يفعله – فإنْ كان يشاء، فبحسب سلطانه، يُرسِل الأبرار إلى جهنم والخطأة إلى الملكوت، ولكنه لا يختار هذا ولا يقبله لأن الربَّ هو الديَّان العادل – هكذا أنت أيضًا لك سلطانٌ على ذاتك، وحتى إلى الهلاك إنْ كنت تشاء. فأنت ذو طبيعة قابلة لتغيير مسارها، فإن أردت أن تُجدِّف أو سمًا وتقتل به أحدًا، فليس مَن يُقاوِمك أو يمنعك“.[52]

موت النفس بانفصالها عن الروح القدس

يرى ق. مكاريوس الكبير أن النفس الإنسانية تكون ميتة عن الملكوت وذلم بانفصالها عن الروح القدس، الروح الإلهيّ، كالتالي:

”هكذا بدون النفس السماوية، أي الروح الإلهيّ، تكون النفس ميتةً عن الملكوت، إذ لا قدرة لها على فعل شيءٍ مما لله بدون الروح القدس“.[53]

ق. يوحنا كاسيان

الله ليس صانع الموت

ينقل ق. يوحنا كاسيان شهادة الأب شيريمون، أحد آباء المصرية الكبار آنذاك، عن أن الهالكين يهلكون بغير إرادة الله، لأن الله ليس بصانع الموت، وليس كما يدَّعي الجهلاء أن الله يُمِيت البشر ويُهلِكهم كالتالي:

”وإذ الهالكون يهلكون بغير إرادة الله، لهذا يمكننا أن نقول بأن الله ليس بصانع الموت، وذلك كشهادة الكتاب المقدَّس القائل: ’إذ ليس الموت من صُنع الله ولا هلاك الأحياء يسره‘ (حك 1: 13)“.[54]

 

هل الله يميت البشر – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

الفصل الثالث: شهادة الليتورجية القبطية

دخول الموت بحسد إبليس

تحتوي الليتورچية القبطية على العديد من الإشارات التي تنفي أن يكون الله علة موت الإنسان، أو يميت الإنسان كعقوبة له على الخطية، بل الله جبل الإنسان على غير فساد (موت)، بينما دخل الموت إلى العالم بحسد إبليس. حيث يُصلِي الكاهن في صلاة الصلح في القداس الباسيليّ الآتي:

”يا الله العظيم الأبديّ الذي جبل الإنسان على غير فساد: والموت الذي دخل إلى العالم بحسد إبليس هدمته بالظهور المحيي الذي لابنك الوحيد الجنس ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح“.[55]

الإنسان أختطف الموت لنفسه

وهكذا يُصلِي الكاهن في القداس الغريغوريّ في صلاة ”قدوس“ مُؤكِّدًا على أن الإنسان هو الذي بإرادته خالف الوصية، وأختطف له قضية الموت، ولم يكن الله هو الذي عاقبه بالموت كالتالي:

”غرسٌ واحدٌ نهيتني أن آكل منه، فأكلتُ بإرادتي، وتركتُ عني ناموسك برأيي. وتكاسلت عن وصاياك. أنا اختطفتُ لي قضية الموت“.[56]

تأديبات الله المؤدية للحياة

ويُصلِي الكاهن أيضًا في طلبة ”أنت يا سيدي“ في القداس الغريغوريّ مُخاطبًا الله الذي حوَّل عقوبة الموت إلى خلاص، وليس هو الذي عاقب الإنسان بالموت، بل وأدَّب الله الإنسان بالتأديبات المؤدية للحياة، وليس إلى الموت كالتالي:

”أنت يا سيدي حوَّلت ليَّ العقوبة خلاصًا. كراعٍ صالحٍ سعيت في طلب الضال. كأبٍ حقيقيّ تعبت معي أنا الذي سقط. أدَّبتني بكل التأديبات المؤدية إلى الحياة. أنت الذي أرسلت لي الأنبياء من أجلي أنا المريض“.[57]

لا يشأ الله موت الخاطئ بل توبته

ويُصلِي الكاهن في صلاة المجمع بالقداس الغريغوريّ مُؤكِّدًا على أن الله لا يشأ موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا، وليس أن الله يُمِيت الخاطئ كعقوبة له على خطيئته كما يدَّعي البعض عن جهل ودون وعي قائلاً:

”لأنك أنت هو الله الرحوم الذي لا يشأ موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا. ردنا يا الله إلى خلاصك. وأصنع معنا كصلاحك“.[58]

 

 

نستنتج مما سبق، أن الله لا يُعاقِب البشر بالموت، بل الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس، ونتيجة خطية الإنسان لصالح الإنسان وخيره، وذلك لإنقاذه من البقاء في الشر والخطية إلى الأبد. لأنه لو الموت له أصل إلهيّ في الله، لصار الموت سرمديًا أيّ أزليًا وأبديًا، وهذه هي الثنائية الغنوسية والمانوية، التي تجعل من الموت كيانًا مُوازيًا لله، طالما أن الله يُعاقِب البشر بالموت، فمعنى ذلك أن فعل الإماتة أو إنزال الموت كعقوبة له أصل أزليّ في الله، فيكون الموت أزليّ أبديّ، وبالتالي، معنى ذلك تأليه الموت والعدم، وهذه هي الهرطقة الغنوسية والمانوية عينها التي تجعل من الشر والموت والظلام إلهًا في مُقابل إله الخير والحياة والنور.

 

[1] إيرينيؤس (قديس)، ضد الهرطقات ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، 3: 22: 4، ص 111.

[2] المرجع السابق، 3: 23: 1، ص 112.

[3] المرجع السابق، 3: 23: 6، ص 115، 116.

[4] ثيؤفيلوس الأنطاكي (قديس)، الرد على أتوليكوس، ترجمة: عادل ذكري، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2019)، 2: 27، ص 82.

[5] المرجع السابق، 2: 29، ص 84.

[6] يوستينوس الشهيد (قديس)، الحوار مع تريفون اليهودي، ترجمة: أ. آمال فؤاد، (القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2012)، الفصل 124، ص 299.

[7] ميثوديوس الأوليمبي (قديس)، وليمة العشر عذارى، ترجمة: الراهب القمص تيموثاوس المحرقي، (القاهرة، 2009)، حوار 9: 2، ص 201.

[8] المرجع السابق، حوار 3: 7، ص 118، 119.

[9] نوفاتيان، عن الثالوث، ترجمة: عادل ذكري، (القاهرة: رسالتنا للنشر والتوزيع، 2022)، 5: 1، ص 37.

[10] ديونيسيوس الإسكندري (قديس)، القديس ديونيسيوس السكندري الكبير، ترجمة وإعداد: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2017)، الخطاب إلى فابيوس أسقف أنطاكية : 3، ص 78.

[11] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 3: 4، ص 9.

[12] المرجع السابق، 5: 1، ص 13.

[13] المرجع السابق، 5: 2، ص 13.

[14] المرجع السابق، 5: 3، ص 13.

[15] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 6: 2، ص 15.

[16] هيلاري أسقف بواتييه (قديس)، عن الثالوث، ترجمة: راهب من دير أنبا أنطونيوس، (البحر الأحمر: دير الأنبا أنطونيوس، 2017)، 2: 7، ص 242، 243.

[17] باسيليوس الكبير (قديس)، الله ليس مسببًا للشرور، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة، 2012)، ص 26.

[18] المرجع السابق، ص 34.

[19] باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير المزامير ج1، ترجمة: د. سعيد حكيم يعقوب، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، عظة 5: 5 على مز 30، ص 171.

[20] باسيليوس الكبير (قديس)، الله ليس مسببًا للشرور، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة، 2012)، ص 34.

[21] باسيليوس الكبير (قديس)، أيام الخليقة الستة، ترجمة: القمص بيشوي الأنطوني، مراجعة: نيافة الأنبا بطرس الأسقف العام، (القاهرة: دار القديس يوحنا الحبيب للنشر، 1996)، عظة 2: 5، ص 29.

[22] غريغوريوس النزينزي (قديس)، عظات القيامة، ترجمة: القس لوقا يوسف، (القاهرة: المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي، 2015)، العظة الفصحية الثانية 45: 8، ص 25.

[23] غريغوريوس النزينزي (قديس)، مختارات من القديس غريغوريوس اللاهوتي النزينزي، ترجمة: الأسقف استفانوس حداد، (لبنان: منشورات النور، 1994)، الخطاب الثاني ضد يوليانوس الجاحد، ص 87.

[24] Gregory of Nyssa, Commentary on the Song of Songs, Tans. by C. Mc Cambley, Intro. by Panagiotes Chresteu, (Hellenic College Press, 1987), Homily 12, p. 216. See also Gregory of Nyssa, Homilies on The Song of Songs, Trans. & Intro. by Richard A. Norris, (Atlanta: Society of Biblical Literature, 2012), Homily 12, p. 369.

[25] Gregory of Nyssa, on the inscriptions of the Psalms, Trans. by C. Mc Cambely, (Hellenic College Press, 1988), p. 139. See also Gregory of Nyssa, Treatise on The Inspections of The Psalms, Trans. & Intro. by Ronald E. Heine, (Oxford: Clarendon Press, 1995), 2: 271, p. 209.

[26] غريغوريوس النيسي (قديس)، خلق الإنسان، ترجمة: المطران كيرلس بسترس والأب نقولا بسترس، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2021)، الفصل 20، ص 109.

[27] Gregory of Nyssa, on the inscriptions of the Psalms, 16, PG 44: 601C.

[28] غريغوريوس النيسي (قديس)، خلق الإنسان، ترجمة: المطران كيرلس بسترس والأب نقولا بسترس، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2021)، الفصل 20، ص 109.

[29] غريغوريوس النيسي (قديس)، تعليم الموعوظين، ترجمة: د. چورچ فرج، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2022)، 8: 4، ص 140.

[30] Gregory of Nyssa, Panegyric on Queen Pulcheria, PG 46: 876D-877A.

[31] Gregory of Nyssa, on Virginity, 12, PG 46: 372A.

[32] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، عظة 42: 3، تعليق على (1كو 15: 65)، ص 426.

[33] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2013)، عظة 11: 4، ص 254.

[34] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2013)، عظة 11: 3، ص 252.

[35] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، التفسير الكبير لسفر التكوين ج2، ترجمة: القس بولا رأفت عزيز، (القاهرة، 2023)، عظة 18: 8-9، ص 109، 110.

[36] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، بين موت الخطية وموت الجسد (تأملات كتابية ومختارات آبائية)، ترجمة وإعداد: د. چورچ عوض، (القاهرة، 2017)، عظة عن الصبر منسوبة للقديس يوحنا ذهبي الفم، ص 20.

[37] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر التكوين، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، المقالة الأولى، ص 125.

[38] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، المقالة السادسة، ص 231.

[39] المرجع السابق، المقالة الثامنة، ص 339.

[40] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر التكوين، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، المقالة الأولى، ص 114، 115.

[41] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، تعليق على (يو 1: 9)، ص 122، 123.

[42] بروكلس أسقف القسطنطينية (قديس)، بروكلس أسقف القسطنطينية (حياته – تعاليمه – عظاته)، ترجمة: مينا عياد فوزي يسى، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2022)، عظة 1: 7، ص 99.

[43] المرجع السابق، عظة 2: 7، ص 116.

[44] ساويروس الأنطاكي (قديس)، كيرلس محب الحق، ترجمة: الراهب القس غريغوريوس آفا مينا، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، ص 616.

[45] ساويروس الأنطاكي (قديس)، سيرة ومقالات القديس ساويروس الأنطاكي مج1، إعداد: المؤرخ يوسف حبيب، (وادي النطرون: دير العذراء البرموس، 2017)، مقالة عن الصوم، ص 202.

[46] المرجع السابق، مقالة بعنوان ”مَنهو أعظم في ملكوت السموات“، ص 296.

[47] أوغريس البنطي (مار)، مار أوغريس البنطي (من آباء الرهبنة الأولين)، إعداد: الراهب أوغريس البرموسي، مراجعة: الأنبا إيسيذوروس، (وادي النطرون: دير العذراء البرموس، 2021)، الرسالة الكبرى إلى ميلانيا، ص 491، 492.

[48] المرجع السابق، براكتيكوس، الفصل 18، ص 137.

[49] المرجع السابق، كيفالايا غنوستيكا 1: 41، ص 174.

[50] اسحاق السرياني (مار)، الميامر النسكية، ترجمة: أنبا سارافيم أسقف الإسماعيلية، (وادي النطرون: دير السيدة العذراء البرموس، 2017)، ميمر 27، ص 297.

[51] مكاريوس الكبير (قديس)، العظات الخمسون، ترجمة: الراهب يونان المقاري، (وادي النطرون: دير القديس أبو مقار، 2019)، عظة 12: 1، 2، ص 254.

[52] المرجع السابق، عظة 15: 23، ص 298.

[53] المرجع السابق، عظة 30: 3، ص 460.

[54] تادرس يعقوب ملطي (قمص)، القديس يوحنا كاسيان (حياته – كتاباته – أفكاره)، (القاهرة: مطبعة الأنبا رويس، 1997)، مناظرة 13، ص 255.

[55] إيسيذوروس البراموسي (قمص)، الخولاجي المقدس وخدمة الشماس، مراجعة: نيافة الأنبا متاوؤس أسقف دير السريان، (القاهرة: مكتبة مار جرجس بشبرا، 1994)، ص 142.

[56] المرجع السابق، ص 200.

[57] المرجع السابق، ص 201.

[58] المرجع السابق، ص 213.

 

هل الله يميت البشر – د. أنطون جرجس عبد المسيح

كتاب الشفاعة التوسلية للعذراء والملائكة والقديسين – القس ابراهيم عبد السيد PDF

كتاب الشفاعة التوسلية للعذراء والملائكة والقديسين – القس ابراهيم عبد السيد PDF

كتاب الشفاعة التوسلية للعذراء والملائكة والقديسين – القس ابراهيم عبد السيد PDF

كتاب الشفاعة التوسلية للعذراء والملائكة والقديسين – القس ابراهيم عبد السيد PDF

تحميل الكتاب PDF

كتاب سألتني فأجبتك ج1 وج2 – مجموعة من المؤلفين – تحرير دكتور عدنان اديب طرابلسي PDF

كتاب سألتني فأجبتك ج1 وج2 – مجموعة من المؤلفين – تحرير دكتور عدنان اديب طرابلسي PDF

كتاب سألتني فأجبتك ج1 وج2 – مجموعة من المؤلفين – تحرير دكتور عدنان اديب طرابلسي PDF
كتاب سألتني فأجبتك ج1 وج2 – مجموعة من المؤلفين – تحرير دكتور عدنان اديب طرابلسي PDF

كتاب سألتني فأجبتك ج1 وج2 – مجموعة من المؤلفين – تحرير دكتور عدنان اديب طرابلسي PDF

الجزء الأول PDF

الجزء الثاني PDF

 

كتاب سألتني فأجبتك الجزء الاول 

الفصل الاول: اسئلة حياتية – اجتماعية – اخلاقية 

الفصل الثاني:  اسئلة كتابية 

الفصل الثالث  من كتاب سألتني فأجبتك: اسئلة عن الانبياء و الاباء و القديسين 

الفصل الرابع من كتاب سألتني فأجبتك : اسئلة عن الليتروجيا و القداس الالهي 

الفصل الخامس من كتاب سألتني فأجبتك : اسئلة حول الاسرار الالهية 

الفصل السادس من كتاب سألتني فأجبتك : اسئلة عقائدية لاهوتية 

الفصل السابع: اسئلة روحية 

الفصل الثامن : اسئلة كنسية عامة – تاريخية  – فن كنسي 

دراسات ملحقة و موسعة 

 

كتاب فأجبتك الجزء الثاني

الفصل الاول: اسئلة  في الحياة و الاخلاق المسيحية

الفصل الثاني: اسئلة في الكتاب المقدس

الفصل الثالث: اسئلة  في الاباء  و القديسين و العجائب

الفصل الرابع: اسئلة في الليتروجيا

الفصل الخامس: اسئلة في الاسرار الكنسية

الفصل السادس: اسئلة في اللاهوت و العقيدة

الفصل السابع: اسئلة في الحياة الروحية

الفصل الثامن: اسئلة في الفن و القانون و التاريخ الكنسي

انبثاق الروح القدس في تعليم الآباء القديسين

انبثاق الروح القدس في تعليم الآباء القديسين

انبثاق الروح القدس في تعليم الآباء القديسين

انبثاق الروح القدس في تعليم الآباء القديسين

إقرأ أيضًا: 

انبثاق الروح القدس في تعليم القديس أثناسيوس

يخبرنا القديس أثناسيوس أنه في سياق الحوار حول الثالوث والوحدانية، أثار ديونيسيوس السكندري موضوع انبثاق الروح القدس، وذلك قبل مجمع نيقية بوقت طويل. ففي دفاعه عن مفهوم “وحدة المبدأ (الرأس)” (Μοναρχία) ضد بدعة القول بأن الله ثلاثة آلهة (tritheism) أو البدعة القائلة بأن الله أقنوم واحد (unipersonalism)، أصَّر ديونيسيوس على أن يأخذ الروح القدس في الاعتبار من ناحية “مِن أين، وممن ينبثق”، وقد أشار إلى الشركة (κοινωνία) التي بين الآب والابن، وقال: “(الآب والابن) الذيّن في يديهما الروح القدس، الذي لا يمكن أن ينفصل عن ذاك الذي يرسله أو عن ذاك الذي ينقله[1]“.

وكان هذا هو الموقف الذي تبنَّاه القديس أثناسيوس نفسه، حيث قال: “الروح القدس الذي ينبثق من الآب، هو دائمًا في يديّ (لدى) الآب الذي يرسله والابن الذي يعطيه[2]“. إلاّ أن هذا الفكر اكتسب قوةً وثباتًا عند القديس أثناسيوس بفضل عقيدته عن علاقة التلازم والتواجد (الاحتواء) المتبادل بين الأقانيم الإلهية الثلاثة، حيث نجده يقول: “الروح (القدس) ليس خارج الكلمة، بل إذ هو في الكلمة فهو في الله بالكلمة[3]*.

وبما أننا نأخذ معرفة الروح القدس الحقيقية بحسب تعليم القديس أثناسيوس من معرفة الابن، على أساس وجود الروح في الابن وفي الله، فإن عطية الروح القدس لا بد أن تأتينا “بالمسيح ومن المسيح” علاوة على أنه “من الآب”، لأن الروح القدس مثل الابن هو “في الله” و “من الله[4]“.

إذن فبالنسبة للقديس أثناسيوس، كان انبثاق الروح القدس من الآب مرتبط ارتباطًا وثيقًا “بولادة الابن من الآب والذي يفوق ويسمو فوق أفكار الناس[5]“. وحيث إنه لا يكون من التقوى أن نسأل عن كيفية انبثاق الروح القدس من الله، فقد رفض القديس أثناسيوس أن يتناول مثل هذا السؤال.

وهكذا لم تكن مشكلة ما يُسمّى “بالانبثاق المزدوج” للروح القدس، واردة من الأصل عند القديس أثناسيوس[6]، بل كان كل تركيزه ينصب على فهم أن الروح القدس هو “من جوهر الله” و”من الله” وذلك في ضوء مفهوم ال “هوموأووسيوس” وفي ضوء تفسير نيقية بأن “من الآب” تعني “من جوهر الآب” (κ τς οσίας το Πατρός).

وبالتالي كان تطبيق القديس أثناسيوس لمفهوم ال “هوموأووسيوس” على الروح القدس، له أثره ليس فقط في التأكيد على أن الروح القدس له ذات الجوهر الواحد مع الآب، ولكن أيضًا في كون انبثاق الروح هو من جوهر الآب وليس من أقنوم (πόστασις) الآب[7]. وبالنسبة للقديس أثناسيوس، كانت حقيقة أن الابن والروح القدس كلاهما من جوهر الله الآب، إنما تعني أن الله له فعل ونشاط واحد وهو الذي يظهر في الأعمال المتمايزة للأقانيم الإلهية الثلاثة، ودائمًا ما يأخذ شكل تحرك واحد “من الآب، بالابن في الروح القدس[8]“.

انبثاق الروح القدس في تعليم الآباء القديسين

انبثاق الروح القدس في تعليم ديديموس الضرير

وفي هذا الوقت، ظهر أثر المناقشات التي تلت نيقية على فكر ديديموس الضرير فيما يخص انبثاق الروح القدس. وقد ربط ديديموس بحكمة كما رأينا بين عقيدة الثالوث: “جوهر واحد، ثلاثة أقانيم” وعقيدة “الوحدانية في ذات الجوهر” للثالوث ككل. فبينما كل من الآب والابن والروح القدس هو متمايز تمامًا، إلاّ أن كل واحد منهم هو الله بكل المعنى المطلق للكلمة، وهو في تلازم وتواجد (احتواء) متبادل مع الأقنومين الآخرين، وبدون أي انقسام داخل وحدانية جوهرهم الإلهي وطبيعتهم الإلهية.

وكان ديديموس هو الأقرب إلى تعليم القديس غريغوريوس النزينزي عن الابن والروح القدس بكونهما يصدران “أقنوميًّا” بالولادة والانبثاق من الآب قبل كل زمان وكل بداية، فيقول ديديموس: “نحن نعترف أن الروح القدس هو الله، وفي ذات الجوهر الواحد مع الآب والابن، وهو معهما دون أي بداية (συννρχως)، وهو ينبثق من الله الآب جوهريًّا[9]“.

إلاّ أن ديديموس كان كثير التأكيد على أن هذا يعني الانبثاق من أقنوم (πόστασις) الآب[10]. وقد كتب يقول، وكما أن الابن يصدر من الآب عن طريق الولادة بطريقة تتناسب معه بكونه ابنًا (υϊκς)، فكذلك أيضًا الروح القدس يصدر من الآب عن طريق الانبثاق بطريقة تتناسب معه بكونه الروح (πνευματικς)، ولكن لا الولادة ولا الانبثاق كانا بالفعل الإرادي أو الخلق (δημιουργικς)[11].

وفي مرة نادرة تحدث ديديموس عن علاقات الثالوث بصيغة تنطوي على “السببية”، ولكن لم يشكل هذا الفكر عند ديديموس بعدًا رئيسًا في تعليمه كما كان لدى آباء كبادوكية[12].

وتكمن أهمية ديديموس في أنه رغم كونه ينتمي في الأساس لنفس توجه القديس أثناسيوس (في شرح الثالوث)، إلاّ أنه نزع إلى استبدال صيغة نيقية عن كون الابن (وأيضًا الروح القدس) “من جوهر الآب” (κ τς οσίας το Πατρός) بصيغة “من أقنوم الآب”* (κ τς ποστάσεως το Πατρός)[13].

ومع هذا فقد دافع ديديموس عن حقيقة وحدانية الروح القدس مع الله (الآب) في ذات الجوهر وأنه (أي الروح) هو إله من إله، ولذا ينبغي النظر إليه بأنه يأتينا بكيانه الفعلي وليس فقط في نشاطه وأعماله، لأن الله نفسه يكون هو محتوى إعطائه ذاته لنا في الروح القدس. ولذا عرَّف ديديموس انبثاق الروح من أقنوم الآب بأنه انبثاق أزلي “من الله”، لأن الروح القدس والابن يتواجدان جوهريًّا وطبيعيًّا معًا، ويصدران في آنٍ واحد وعلى الدوام من الآب داخل وحدة الثالوث القدوس[14].

وجدير بالذكر أن ديديموس قد أراد بالتأكيد أن يتجنب تقديم مفهوم وحدانية اللاهوت من خلال اعتبار أن صدور الابن والروح من أقنوم الآب هو بسبب أنه هو المصدر (أو الرأس) (ρχή) الوحيد للألوهة، وبالتالي يتجنب أي ترتيب أو درجات (subordinationism) أو تفرقة في المكانة بين ألوهية الآب غير المستمدة، وألوهية الابن والروح القدس “المستمدة” من الآب.

صحيح أن الابن والروح القدس يستمدان نمطي وجودهما المتمايزين من خلال “الولادة” و “الانبثاق” من أقنوم الآب، ولكن هذا لا يساوي في المعنى أبدًا اعتبار أن الآب هو المتسبب في وجودهما.

لذلك عندما تحدث ديديموس عن صدور الروح من أقنوم الابن كما من أقنوم الآب داخل وحدانية الجوهر غير المنقسمة التي للثالوث القدوس، لم يكن يعني أن الروح القدس قد أخذ نمط وجوده بالابن أو أن هناك مبدآن إلهيان (في اللاهوت)، بل أن هذا كان له علاقة بأن الروح القدس كائن في الابن* وبأنه هو والابن في شركة الطبيعة الواحدة (والجوهر الواحد) مع الآب[15].

انبثاق الروح القدس في تعليم القديس إبيفانيوس

أما القديس إبيفانيوس، فقد تناول مسألة انبثاق الروح القدس وقام بتوضيحها من خلال الرجوع إلى التعليم الرئيسي الذي أرساه ق.أثناسيوس والبناء عليه. وكان القديس أثناسيوس قد علَّم بأن: الروح القدس الذي ينبثق من الآب، هو دائمًا في يديّ الآب الذي يرسله والابن الذي ينقله، باعتبار أن الروح هو للابن أو خاصّ به، ومنه (أي من الابن) يأخذ الروح*.

وبما أن الروح مثله مثل الابن هو من جوهر الله الآب، وأنه خاص بالابن، فلا يمكن إلاّ أن ينبثق من جوهر الله ومن غير انفصال عن الابن. وبطبيعة الحال، فإن فكرة أن الروح القدس يستمد كيانه من أقنوم الابن لم تكن ولا يمكن أن تكون واردة على الإطلاق عند القديس أثناسيوس[16].

ويمكننا أن نسمع صدى هذا التعليم عند القديس إبيفانيوس، حيث كتب في كتابه “المُثبَّت بالمرساة” (Anchoratus) إن “الروح القدس هو على الدوام مع الآب والابن، وهو ينبثق من الآب، ويأخذ من الابن#[17]“. كما أوضح القديس إبيفانيوس كذلك أن صدور الابن أو الروح القدس، والذي يحدث “أقنوميًّا” في الله، هو قبل كل بداية وكل زمن (νρχως καί χρνως)[18].

وينبغي علينا أن نفهم هذه الأقوال في إطار تعليم القديس إبيفانيوس عن الثالوث بكونه ثلاثة أقانيم متساوية معًا وأزلية معًا في داخل جوهر اللاهوت، وأن الروح القدس “في الوسط” هو “رباط الثالوث”.

وفي ضوء هذا نظر القديس إبيفانيوس إلى الروح القدس ليس فقط بكونه يصدر أقنوميًّا “من الآب من خلال الابن*” (κ Πατρός δι” Υο) بل بكونه بالتحديد “من جوهر” (κ τς οσίας) الآب، أو “من ذات الجوهر” (κ τς ατς οσίας) الواحد الذي للآب والابن، لأن الروح القدس هو الله. والروح القدس هو كنفخة نور وحق من الآب والابن كليهما#[19].

ومن هذا العرض يتضح لنا كيف فهم القديس إبيفانيوس عبارة القديس أثناسيوس الموجزة “الروح القدس ينبثق من الآب، ويأخذ من الابن”، وبالطريقة التي تظل فيها الحقائق الأقنومية والخصائص المميّزة للآب والابن والروح القدس كما هي على الدوام في التساوي المطلق والوحدانية في ذات الجوهر الذي للثالوث القدوس[20].

وعلى هذا الأساس وضع القديس إبيفانيوس الصياغة الإيمانية عن الروح القدس، والتي اتخذها فيما بعد مجمع القسطنطينية عام 381م: “نؤمن بروح قدس واحد، الرب المحيي، المنبثق من الآب، نسجد له ونمجده مع الآب والابن، الناطق في الأنبياء[21]“.

عقيدة انبثاق الروح القدس في مجمع القسطنطينية

لقد كان آباء مجمع القسطنطينية مدينين بلا شك للآباء الكبادوكيين فيما يخص عقيدة الروح القدس، وبالأخص للقديس غريغوريوس النزينزي الذي كان يرأس الاجتماعات الأولى للمجمع[22]. ومن الواضح أن الذي كان له الدور الحاسم في النهاية بالنسبة لأولئك الآباء هو خط العقيدة (الخاص بالروح القدس) الذي بدأ من القديس أثناسيوس عبورًا بإبيفانيوس، وهذا يتضح بالأخص في عبارتهم عن انبثاق الروح القدس “من الآب”.

فباليقين كان المقصود أن تكون هذه العبارة متوازية مع عبارة مجمع نيقية عن ولادة الابن “من الآب”، وبدون أية إضافات تنتمي إلى فكر الآباء الكبادوكيين.* وهذا بالطبع مع إعطاء عقيدة “جوهر واحد. ثلاثة أقانيم” (μία οσία, τρες ποστάσεις) مرجعيتها المجمعية[23].

وبالتأكيد كان هذا الاتفاق على عدم الابتعاد عن الموقف الأساسي الذي اتخذ في نيقية دليلاً على العناية الإلهية؛ إذ إن محاولة الآباء الكبادوكيين في إعادة تعريف “الأوسيا” (οσία) أو الجوهر على أنه مفهوم عام والذي فقد معه مدلوله ومعناه الراسخ بكونه الجوهر المتضمِّن العلاقات الداخلية كان معناه أنه سيصبح من الصعب إن لم يكن من المستحيل للفكر اللاهوتي أن يربط بين إعلان الله عن ذاته في أعماله (أي بين “ما هو” الله نحونا) وبين “ما هو” الله داخليًّا في ذاته.

فكما أكَّد القديس أثناسيوس، أنه لو لم يكن “كلمة الله و”فعل” الله كائنين في جوهره (νούσιοι) فلن نستطيع أن نربط بين “ما هو” الله نحونا في إعلانه وعمله الخلاصي وبين “ما هو” الله في ذاته، والعكس صحيح.[24]

وكان فكر الآباء الكبادوكيين قد أدى إلى مأزق خطير حين تبنوا الطريق الوسط بين الذين علَّموا بأن الله أقنوم واحد (unipersonalism) وبين من نادوا بتقسيم الله إلى ثلاثة آلهة (tritheism) حيث جعلوا أساس وحدة اللاهوت في الآب بكونه المبدأ (الرأس) الفريد والوحيد للاهوت، وبالتالي هو العلة الوحيدة لكيان ووجود الابن والروح القدس.

الاختلاف بين الغرب والشرق في مسألة انبثاق الروح القدس

وفي ظل القول بأن الروح القدس ينبثق من الآب فقط، اتجهت الكنيسة الغربية إلى القول بأن الروح القدس ينبثق من الابن أيضًا كما من الآب، وإلاّ فلا يمكن اعتبار الابن إله من إلهًا، أي إله بالمعنى الذي ينطبق على الآب. وأمام هذا التعليم وجدت الكنيسة الشرقية أنه يتعين عليها رفض أية فكرة لانبثاق الروح القدس من الابن كما من الآب، لأن هذا يعني وجود مبدأين إلهيين في الله ولذا تمسكوا بعقيدة انبثاق الروح القدس من الآب فقط.

ولم يكن لمثل هذا المأزق أن ينشأ لو أن الكنيسة في الشرق والغرب اقتربت أكثر من عقيدة القديس أثناسيوس عن الروح القدس، هذه العقيدة التي نمت عبر القديس إبيفانيوس ومجمع القسطنطينية إلى أن وصلت إلى القديس كيرلس السكندري.

وهنا تجدر بنا الإشارة إلى تعليم القديس كيرلس الأورشليمي الذي قدَّم عقيدته عن انبثاق الروح القدس بعيدًا عن هذه المشكلة حيث قال: “الروح القدس هو هو على الدوام، حيّ وكائن أقنوميًّا وحاضر دائمًا مع الآب والابن معًا ليس كأنه نَفَس انبث من فم وشفاه الآب والابن ليتبدد في الهواء ولكن بكونه كيانًا أساسيًّا أقنوميًّا يتحدث ويعمل ويوزع ويحقِّق (يكمِّل) تدبير الخلاص الذي يأتينا من الآب والابن والروح القدس. وهو (أي الروح) واحد، متناغم وغير قابل للتقسيم[25]“.

وقبل أن نختم هذا العرض عن مضمون الفكر الآبائي اليوناني (أي الآباء الذين كتبوا باليونانية) خلال القرن الرابع الميلادي، يجب علينا أن نوجه الأنظار ولو باختصار للمظاهر العديدة لعمل الروح القدس في داخل حياة الكنيسة.

212 Athanasius, De sent. Dion., 17; cf. also De syn., 26.

213 Athanasius, Exp. fidei, 4.

214 Athanasius, Ad Ser., 3.5.

* رغم أن هذا النص يمكن أن يُساء فهمه بمعنى أن الروح القدس يكون في الله الآب بالكلمة، إلاّ أننا إذا رجعنا إلى الفقرة التي أُخذ منها هذا النص (الرسائل إلى سرابيون 5:3) سنجد أنها تدور حول عمل الروح ووحدانيته مع عمل الآب والابن، فيبدأ القديس أثناسيوس بالكلام عن أن الروح ليس مخلوقًا بل هو فاعل في عمل الخلق، ويستمر في إثبات ألوهية الروح من منطلق وجوده الدائم مع الابن في كل أعماله الإلهية “لأنه حيث يكون الكلمة (فاعلاً)، فهناك أيضًا الروح (محققًا)”، وحتى النطق على لسان أولاد الله يكون فيه الروح أيضاً ملازماً للكلمة، ويختم الحديث بقوله إن المواهب تُعطى في الثالوث…”لأن الآب نفسه بالكلمة في الروح يعمل كل الأشياء ويعطيها”.

ومن هذا السياق نستطيع أن نفهم النص في معناه المقصود والذي لا يتعرض لعلاقة الروح بالاب والابن في جوهر الله الواحد وإنما يدور حول عمل الروح القدس غير المنفصل عن عمل الابن والاب:

“لأن الروح ليس خارج الكلمة (حين يعمل أو يعطي)،

بل إذ هو في الكلمة (وهو يعطي)

فهو في الله بالكلمة (يعطي).”

كما أننا سنجد نفس هذا المعنى في نفس الرسالة (الفقرة 30): “فما يقسمه الروح لكل واحد، يكون الآب هو الذي يمنحه بواسطة الكلمة… فالمواهب التي يمنحها الابن في الروح القدس تكون هي أصلاً مواهب الآب”. (المترجم)

215 Athanasius, Con. Ar., 1.47f, 50; 2.18; 3.3ff, 15, 25; Ad Ser., 1.2, 15, 20; 4.3.

216 Athanasius, De decr., 12.

217 Athanasius, Con. Ar., 1.17f; 4.5; Ad Ser., 1.15ff, etc. Cf. Cyril of Jerusalem, Cat., 11.9.

218 Athanasius, Ad Ser., 1.0, 22,25, 27; 2.5; 3.1.

كان فكر القديس أثناسيوس قاطعًا تمامًا في هذا الأمر، وهو ما يؤكد أن الفرق بين ’الأوسيا‘ و’الهيبوستاسيس‘ كان واضحًا تمامًا في الفكر اللاهوتي السكندري، رغم أننا نجد أن القديس أثناسيوس في حرومات مجمع نيقية (De decr., 20; De syn., 41) قد استخدم المصطلحين بصورة مترادفة (ارجع إلى الحاشية صفحة: 281).

219 Athanasius, Ad Ser., 1.9, 12, 14, 20, 24, 28, 30; 3.5; 4.6.

247 Didymus, De Trin., 2.26.

248 Didymus, De Trin., 1.10, 15, 32, 34f; 2.1f, 4f; 2.6, 22; 2.7, 12; 3.2f, 5, 38; De Sp. St., 26; 34f; Con. Eun., Athens ed., 44, pp. 225f.

249 Didymus, De Trin., 2.1f, 5; 2.6.8, 22, etc.

250 Didymus, Con. Eun., Athens ed., 44, p. 251.

وقد ظهر بوضوح تأثير القديس باسيليوس على ديديموس في هذا الكتاب.

* بينما قام الآباء الكبادوكيون وديديموس باستبدال صيغة نيقية “من جوهر الآب” بصيغة “من أقنوم الآب”، نجد أن كلاً من القديس إبيفانيوس والقديس كيرلس السكندري قد تمسك بصيغة آباء نيقية. (المترجم)

[13] وقد جمع ديديموس بين الصيغتين ’من جوهر الآب‘ و ’من أقنوم الآب‘ في:

Didymus, De Trin., 2.5. See Epistola Eusebii, ap. Theodoret, Hist. eccl., 1.11.

252 Didymus, De Trin., 2.2, 15.

* كان ديديموس يؤكد دائمًا أن انبثاق الروح القدس الأزلي هو من الآب (من أقنوم الآب)، أما هنا فيبدو أنه يقصد إرسال الروح القدس من الآب (الذي ينبثق منه) ومن الابن (الذي يأخذ منه ويعطينا)، والمعنى أنه بما أن الروح القدس المنبثق من الآب هو يستقر في الابن، فإنه يُرسَل (إلينا) من الابن ومن الآب. (المترجم)

253 Didymus, De Trin., 2.1; 2.2, 5; 2.26f; De Sp. St., 26. Heron, Ekkl. Pharos, 1971, p. 16; kerygma und Logos, edit, by A.H. Ritter, 1979, p. 308.

* هذا الكلام يختص بإرسالية الروح القدس؛ إذ هو يأخذ من المسيح ويعطينا. (ارجع إلى الحاشية صفحة 277). (المترجم)

254 Athanasius, De sent. Dion., 1.17; Exp. fidei, 4; Con. Ar., 1.16, 20, 46ff, 50; 2.18, 28; 3.1ff, 15, 24ff, 44ff; Ad Ser., 1.2, 15f, 20ff; 3.2ff; 4.3f.

# ينبثق من الآب فيما يخص صدوره الأزلي داخل الثالوث القدوس، ويأخذ من الابن فيما يخص إرساليته إلى العالم. (المترجم)

255 Epiphanius, Anc., 6; cf. 9 & 11; and Haer., 76. Ref. Aet., 15, 22, 28, 31, 35; thus also Gregory Nyss., Adv. Maced., 10.

256 Epiphanius Haer., 62.3; 63.7; 69.18, 36;73.11, 26; 76.6; 76. Ref. Aet., 5, 21, 28; 78.3.

* بما إن الروح القدس هو مثله مثل الابن من ذات جوهر الآب، وهو يخص الابن، لذلك فهو ينبثق من جوهر الآب بغير انفصال عن الابن. وهو ينبثق من الآب ويستقر في الابن (ق. أثناسيوس إلى سرابيون 19:1، 33؛ القديس باسيليوس خطاب 4:38) أي إن الروح القدس ينبثق من الآب إلى الابن (أو في الابن) لأنه خاص (διον = his own) بالابن من جهة الكيان (ق أثناسيوس إلى سرابيون 27،25:1؛ 1:3؛ 3:4).

وهناك ارتباط بين خصوصية علاقة الروح القدس الأزلية مع الابن، وبين إرسال الروح القدس للخليقة من خلال الابن فحيث إن الروح ينبثق من الآب إلى الابن وهو يخص الابن فيمكن أن يُقال: إن الابن يرسله إلينا من الآب، أو إن الآب يرسله إلينا بواسطة الابن أو إن الروح يأتينا من الآب من خلال الابن. إذن فبينما في الأساس، ينبثق الروح القدس من الآب، فإنه “بسبب خصوصية علاقته مع الابن، فهو يُعطى منه للجميع” (ق. أثناسيوس إلى سرابيون 1:3) ويقول القديس كيرلس السكندري: “بما أن الروح هو روح الله، روح الآب وروح الابن، فهو يصدر جوهريًّا من كليهما، (بمعنى أنه) ينحدر (إلينا) من الآب من خلال الابن (MPG, 68.148). (المترجم)

# هذا المعنى ينحصر في إرسالية الروح القدس في العالم والتي يشترك فيها الآب والابن.. ولينتبه القارئ إلى أن الابن (المتجسد) نفسه نفخ في وجه تلاميذه قائلاً لهم اقبلوا الروح القدس (يو 20:22). (المترجم)

257 Epiphanius, Haer., 62.4; 69, 54, 56, 63; 73.12, 16; 74.7f; 74.14; 76.11; Anc., 71f.

258 Epiphanius, Anc., 72ff; Haer., 74.9ff, 12.

259 Epiphanius, Anc., 119.

260 See Gregory Naz., Or., 42. 15ff.

* انظر صفحة 287 – 289 والمرجع رقم 226، 229 في نفس الفصل. حيث ذكر هؤلاء الآباء أن كيان الروح القدس متأسس في كيان الآب من خلال كيان الابن، كما أنهم وضعوا العلاقات الداخلية بين الآب والابن والروح القدس في بناء متسلسل من السببية والترتيب المنطقي أو في ’سلسلة‘ من الاعتمادية من خلال الابن. (المترجم)

[23] انظر الخطاب المجمعي الصادر عن المجمع (ap. Theodoret, Hist. eccl., 5.9): “هناك ألوهة واحدة وسلطان واحد وجوهر واحد للآب والابن والروح القدس، ثلاثة أقانيم كاملة وثلاثة أشخاص تامة، وهم متساوون في المجد والكرامة والربوبية”. انظر أيضاً الملحق الخاص بالمجمع الذي وُجد في رسالة دماسوس أسقف روما والذي يحرم هؤلاء الذين لا يعترفون بأن الروح القدس له ذات الجوهر الواحد والقدرة الواحدة مع الآب وللابن، وأن الثالوث الواحد في ذات الجوهر ينبغي أن يُعبد في ثلاثة أشخاص (Theodoret, ibid., 5.11.).

[24] هذا الأمر ظهر تأثيره في النص المسمى ب ‘Pseudo-Dionysius’؛ إذ أصبح واضحًا جدًّا أن الفكر اللاهوتي ’المستيكي‘ لا بد أن يذهب إلى ما هو أبعد من مجرد التفكير في الله بكونه جوهرًا (أوسيا) فائقًا غير مميز وغير معروف في علاقاته الداخلية:

De div. nom., 1.5 ff; Theol. Myst., 1f.

263 Cyril of Jersualem, Cat., 7.5.

انبثاق الروح القدس في تعليم الآباء القديسين

التأله في تعليم القديس أثناسيوس الرسولي

التأله في تعليم القديس أثناسيوس الرسولي

التأله في تعليم القديس أثناسيوس الرسولي

يُبرز القديس أثناسيوس الاصطلاح التقليدي الذي أصبح ميراث اللاهوت الشرقي كله([3]):

“تألُّه الإنسان”، وهو التعبير المقابل للتجسُّد؛ “فالتأنُّس” يقابله “التألُّه” الذي يعني في اللاهوت الاتحاد بالله، الذي ابتدأ الإعلان الإلهي عنه بإلهام وبتحديد قاطع من بطرس الرسول ف رسالته الثانية 4:1 بتعبير الاشتراك في الطبيعة الإلهية، ثم التزم به الآباء إيرينيئوس ومن بعده، وامتد عبر هيبوليتس وأُوريجانوس وآباء آسيا الصغرى إلى أثناسيوس الذي بلغ به إلى القمة من جهة البرهان والشر والتوضيح.

وهنا ينقسم مفهوم “الاتحاد بالله” أي “التألُّه” في اللاهوت الشرقي إلى اتجاهين:

الأول:

أوريجانوس، حيث يعتبر أوريجانوس أن أعلى ما يهدف إليه الإنسان هو أن يعود إلى مصدره الأول بحالته الأُولى التي خُلق عليها.

الثاني:

عند إيرينيئوس وآباء آسيا الصغرى، وهو يختلف تماماً عن أوريجانوس. فإن الإنسان عندهم خُلق لغاية لم يستطع أن يحقِّقها إطلاقاً، وأن فترة الاضطراب العظمى التي وقع فيها الإنسان بسبب دخول عنصر الخطية عليه قد أصلحه وشفاه التجسُّد. والتجسُّد هو الذي حمل الإنسان إلى رأس آخر (المسيح) جديد، غير رأسه الأول آدم الذي انحدر منه، وبذلك فإن التجسُّد حمل الإنسان إلى غاية جديدة أخرى كان يستحيل عليه أن يبلغها لو بقي تحت رئاسته الأُولى القديمة.

وباختصار نستطيع أن نضع هاتين النظريتين هكذا:

1 – عند أوريجانوس كان التجسُّد لعودة الإنسان “إلى” حالته الأُولى.

2 – عند إيرينيئوس وأثناسيوس كان التجسُّد لتقدُّم الإنسان وامتداده فوق حالته الأُولى.

وهذا التركيز على هذه الرؤية اللاهوتية بالنسبة لأثناسيوس كان مدخلاً ضمن أسلحته الماهرة لتحطيم الفلسفة العقلانية التي للأريوسيين، التي تؤكِّد على أن اللاهوت عند أثناسيوس بالذات لا ينحصر في دائرة المعرفة Gnosticism، لكنه يخترقها سريعاً ليبلغ الغاية الحقيقية من الخلقة ومن التجسُّد التي تفوق قامة المعرفة البشرية، بل وكل ما للإنسان، وهي الاتحاد بالله، التي يسمِّيها اللاهوتيون الأوائل ذوو الجراءة في الإيمان والتعبير “بالتألُّه” التي يُقصد منها بحسب التفسير عامة “الاتحاد بالله” أو أحياناً وبصورة خافتة “التبني” لله، أو بحسب تعبير بولس الرسول “ورثة مع المسيح في الله”؛ والتألُّه هو المقابل المتحصِّل من التأنُّس.

فكما أن المسيح أخذ بالاتحاد بالجسد البشري كل ما للإنسان (ما عدا الخطية طبعاً ولو أنه حمل عقوبتها)، كذلك فالاتحاد بالمسيح يعطينا كل ما لله أو بحسب تعبير بولس الرسول نأخذ “كل ملء الله”، كما تقول التسبحة السنوية المقدَّسة: [هو أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له. فلنسبِّحه ونمجِّده ونُزِدْه علواً].

والمسألة في أمر “التألُّه”، أي الاتحاد بالله، ليست هينة، فهي تختص بالإيمان كله وبمنهج العبادة والصلاة والاتصال بالله في الصميم. فلكي نعرف الله لا بد أن نقترب منه، ويستحيل الاقتراب من الله إلاَّ عن طريق “الكلمة” والروح، وهذا هو – الاتصال – الذي يؤدِّي إلى كشف طرق الحكمة الإلهية والذي عليه يبني الإنسان فكره وسلوكه، وهو “الاتحاد بالله” المعتبر هبة الكمال التي أُهِّلت لها طبيعة الإنسان بواسطة “الكلمة”، لما قَبِل أن يتحد بجسد إنسان أي يتأنَّس، فتأنُّس الله أعطى فرصة لتألُّه الإنسان، مع تحفظات في المفهوم اللاهوتي، حيث أن التألُّه لا يُخرج الإنسان عن إنسانيته ولا يستنفذ كل ما لله، حيث ما يتحصَّل عليه الإنسان من الاتحاد بالله لا يوصِّله إلاَّ إلى كمال صورة الله الذي خلقه عليها ليبلغها في النهاية، والتي لا يمكن أن تتم إلاَّ بالاشتراك في الحياة الأبدية.

وبحسب أثناسيوس فإن آدم لم يحقِّق غاية رسالته وأخفق في الاحتفاظ بمعرفة الله بسبب استخدامه لحريته، ووقع فريسة لقوة أخرى خارجية، وفقد قوة “الكلمة” لمَّا انحاز لمعرفة غير معرفة الله، وبالتالي فقد كل أمل في تحقيق الاتحاد بالله وهي غاية خلقته.

من أجل هذا تجسَّد “الكلمة” لكي يرفع الإنسان مرَّة أخرى إلى معرفة الله الحقة، وبالتالي استرد له ما كان له من قدرة على الاتحاد بالله “التألُّه” ولكن بنعمة عظمى، لأن تجسُّد الكلمة وبقاءه في جسد إنسان الذي يجلس به المسيح الآن عن يمين العظمة في الأعالي أعطى ضماناً للإنسان لتكميل الاتحاد بالله والثبوت فيه بالفداء، وإنما على طول المدى، لأنه يستحيل بلوغ كمال نعمة الاتحاد بالله قبل أن يخلع الإنسان جسد الموت الفاسد ويلبس عدم الموت وعدم الفساد.

«أيها الأحباء، الآن نحن أولاد الله ولم يُظهر بعد ماذا سنكون ولكن نعلم أنه إذا أُظهِر (المسيح) نكون مثله لأننا سنراه كما “هو”.» (1يو 2:3)

على أن كل ما أخذه كلمة الله من الإنسان بالتجسُّد قدَّمة للإنسان وجعله قابلاً للاتحاد بالله (التألُّه) جسداً ونفساً وعقلاً وروحاً، أي كل طبيعته!! كذلك فإن كل ما استرده المسيح لنا – بصفة عامة وليست فردية – أصبح غير قابل للضياع أو الفقدان الناتج من ضعف طبيعتنا، فالمسيح لا يمكن أن يفقد ما اكتسبه لنا بسبب أخطائنا نحن، وهذه هي صفات الخليقة الجديدة التي هو رأسها والضامن لتحقيقها!!

[لأنه بالموت الذي (جازه) وصل عدم الموت إلى الجميع، ولأنه بتأنس الكلمة عرَّفت العناية الإلهية العامة الإنسان بكل شيء، كما عرف الإنسان واهبها وبارئها أي كلمة الله نفسه، لأنه صار إنساناً لكي نصير نحن فيه إلهاً، وأظهر نفسه في جسد لكي يستعلن لنا الآب غير المنظور.]([4])

[فالبشرية تكمَّلت فيه – أي بلغت كمالها – فهي استردت ما كانت عليه في خلقتها منذ البدء، ولكن بنعمة أكبر! لأنه عندما نقوم من الأموات فلن نخاف الموت في ما بعد، ب سنملك مع المسيح إلى الأبد في السموات.]([5])

وواضح جدًّا من تعبيرات أثناسيوس من جهة “التألُّه” للطبيعة البشرية أنه يعني الاتحاد بالله، الأمر الذي أوضحه القديس بطرس الرسول بمعنى: “لتصيروا شركاء الطبيعة الإلهية”، وهذا يُرجعه أثناسيوس إلى ما أكمله الكلمة في نفسه بالتجسُّد ليضمن خلاصنا.

[الكلمة صار جسداً لكي يقدِّم جسده من أجل الجميع، ولكي إذا ما نحن اشتركنا في روحه القدوس نصير آلهة (شركاء في الطبيعة الإلهية).]([6])

[إنه لم يكن إنساناً وصار إلهاً بعد ذلك، بل هو إله صار إنساناً لكي يصيِّرنا نحن آلهة (فيه) (شركاء في الطبيعة الإلهية).]([7])

[هذه هي النعمة التي صارت إلينا والارتفاع الذي حدث لنا، لأنه لمَّا صار إنساناً صار ابن الله يُعبد، فصرنا نحن معه جسداً واحداً، ولكن لم تفزع منَّا القوات السمائية حينما أُدخلنا إلى مجالاتهم.]([8])

[ومن أجل صِلاتنا بجسده صرنا نحن أيضاً هيكلاً لله، وبالتالي صرنا أبناء الله، حتى أن الرب المعبود محسوب أنه داخلنا أيضاً، والذين ينظروننا يقولون: «إن الله فيهم بالحقيقة».]([9])

[وبالرغم من أنه لا يوجد إلاَّ ابن واحد لله بالطبيعة، حقيقي ووحيد، إلاَّ أننا نحن أيضاً صرنا أبناءً … فبالرغم من أننا بشر من الأرض، إلاَّ أننا نُدعى الآن آلهة … لأن في هذا كانت مسرَّة الله الذي أعطان هذه النعمة.]([10])

[ونحن نُحسب أولاد الله وآلهة، بسبب أن “الكلمة” فينا. فإننا نُحسب أيضاً أننا في الابن وفي الآب، لأن الروح القدس فينا.]([11])

[نحن البشر جُعلنا آلهة بالكلمة، بسبب أننا اتحدنا به من خلال جسده.]([12])

[وما هذا السمو والتقدُّم الذي صار لنا إلاَّ التأليه والنعمة التي وُهبت لنا من الحكمة.]([13])

[من أجل ذلك اتخذ جسداً إنسانياً حتى إذا ما جدَّده لنفسه (كخالق) له حينئذ يؤلِّهه في ذاته وبهذا يُحضرنا جميعاً إلى ملكوت السموات على مثاله. (أي ما صار له بالجسد جعله لنا أيضاً) لأن الإنسان كان لا يمكن أن يتألَّه (يتحد بالله) إن كان اتحاده يتم بمخلوق، أو أن يكون ابن الله ليس إلهاً، وكذلك لا يمكن أن يأتي “إنسان” إلى حضرة الله إذا لم يكن هو كلمته الحقيقية ومن جوهره وقد لبس جسداً.

وكما أنه كان يستحيل علينا أن نتخلَّص من اللعنة والخطية إن لم يكن الجسد الذي اتخذه الكلمة هو جسد بشري، إذ يستحيل أن تكون لنا شركة بيننا وبين آخر غريب عنا (عن طبيعتنا)، كذلك أيضاً فالإنسان يستحيل أن يتألَّه (يتحد بالله) إن لم يكن الكلمة الذي صار جسداً هو من جوهر الآب. لأن اتحاد الإنسان بالله هو من هذا النوع، حتى يمكنه أن يوحِّد (يُتحِد) ما هو لطبيعة الإنسان بنفسه الذي هو بطبيعة الله (أو هو إله بطبيعته)، وهكذا يصير خلاص الإنسان وتألُّهه (أي اتحاده بالله) مؤكَّداً ومضموناً.]([14])

كذلك من الواضح أن أثناسيوس يؤكِّد أن تأليه الإنسان لا يتم خارجاً عن المسيح، كما يستحيل أن يكون عملاً قائماً بحد ذاته، بل إن تأليه الإنسان يتم “في المسيح” – بالإيمان والأسرار – وخارجاً عن المسيح يستحيل أن يتم أي اتحاد أو حتى اقتراب من الله!! لأن الاتحاد بالله يستلزم أولاً تخلُّص الإنسان من كل أخطائه، وهذا أكمله المسيح بموته على الصليب غاسلاً بدمه كل خطايا الإنسان التي كانت تعوق الاتحاد بالله.

[فإذا كان الله قد أرسل ابنه مولوداً من امرأة، فهذه الحقيقة لا تخجلنا، بل على النقيض تعطينا مجداً ونعمة عظمى لأنه صار إنساناً حتى يستطيع أن يؤلهنا (يوحِّدنا بالله) في ذاته، ووُلد من عذراء حتى يأخذ على نفسه خطأ جنسنا، حتى نصير نحن من الآن فصاعداً جنساً مختاراً و“شركاء في الطبيعة الإلهية” كما يقول المغبوط بطرس (2بط 4:1).]([15])

ومرة أخرى يوضِّح أثناسيوس أن هذا الاتحاد بالله يتم عن طريق الروح القدس أيضاً:

[وفضلاً عن هذا فإننا بالروح القدس نشترك كلنا في الله لأنه يقول: “أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم. إن كان أحد يفسد هيكل الله فسيفسده الله لأن هيكل الله مقدَّس الذي أنتم هو” (1كو 3: 16و17)، ونظراً لأننا دُعينا شركاء المسيح – «أمين هو الله الذي به دعيتم إلى شركة ابنه» (1كو 9:1) – وإن كنَّا بالاشتراك في الروح القدس نصبح “شركاء الطبيعة الإلهية” فمن الجنون أن نقول إن الروح القدس له طبيعة مخلوقة أو أنه ليس له طبيعة الله، لأن الذين فيهم الروح القدس، هؤلاء يصيرون آلهة، (أي مشتركون في الطبيعة الإلهية) فإن كان الروح القدس يجعل الناس آلهة، فلا شك أن طبيعته هي طبيعة إلهية.]

ومن أقوال أثناسيوس هذه يتضح لنا أن موضوع اتحاد الإنسان بالله “التأليه” ه حقيقة غير منازَع فيها، بل وبالأكثر فإنه يتخذها أساساً وبرهاناً على أن الروح القدس نفسه له طبيعة الله، مما يوضِّح أن موضوع اتحاد الإنسان في الله بواسطة الشركة في المسيح والروح القدس هو حقيقة أساسية في اللاهوت، وتقليد كنسي راسخ منذ الآباء الأوائل يوستينوس وبوليكاربوس وإغناطيوس وإيرينيئوس وهيبوليتس وترتليان، الذين اعتبروا الخلاص مستحيلاً وغير مضمون إذا لم يبلغ الإنسان هذا الاتحاد بالله بالروح القدس و“الكلمة” والأسرار.

ولئلاَّ يتوه أحد في معنى “تأليه الإنسان” – الذي لا يُفهم منه إلاَّ انتساب الإنسان لله – ولئلاَّ يظن أحد أن “تأليه الإنسان” عمل يُخرج الإنسان عن إنسانيته أو يغيِّر شيئاً من طبيعته الإنسانية، يعود أثناسيوس ويوضِّح جدًّا هذا الأمر هكذا:

[إن الآب بواسطة الابن يؤلِّه ويضيء الجميع …، فالذي به ينال الجميع الألوهة والحياة كيف يمكن أن يكون هو (الابن) من جوهر مخالف لجوهر الآب؟]([16])

[ولكن ليس بحسب الطبيعة نكون أبناء الله، بل بسبب الابن الوحيد الذي يكون فينا. وكذلك أيضاً الآب لا يكون أباً لنا بحسب الطبيعة، بل لأنه أبٌ للكلمة الذي يكون فينا، الذي به وفيه نصرخ يا أبا الآب. وهكذا الآب لا يدعو أبناءً له إلاَّ الذي يرى فيهم ابن الوحيد.]([17])

[إذن، فالروح هو الذي في الله، ولسنا نحن من أنفسنا نكون في الله، ولكن كما أننا نصير أبناءً وآلهة بسبب الكلمة الذي يكون فينا، هكذا أيضاً نصير في الابن وفي الآب، ونصير واحداً معهما بسبب الروح الذي فينا، لأن الروح هو في الكلمة والكلمة نفسه هو بالحقيقة في الآب.]([18])

[من أجل هذا صار الكلمة جسداً لكي يقدِّم جسده عن الجميع، ولكي إذا اشتركنا في روحه “نتألَّه”، وهي العطية التي كان يستحيل علينا الحصول عليها إذا لم يكن قد لبس هو بنفسه جسدنا المخلوق، لأنه من ذلك أخذنا اسمنا “كرجال الله” و“إنسا المسيح”.

ولكن كما أنه بأخذنا الروح القدس لا نفقد طبيعتنا الخاصة (الإنسانية)، هكذا الرب لمَّا صار إنساناً من أجلنا ولبس جسداً لم يتغيَّر عن لاهوته، لأنه لم ينقص شيئاً عندما تسربل بالجسد، بل بالحري ألَّهه وجعله غير مائت.]([19])

وهنا يقول القديس مقاريوس الكبير في عظته 49 في هذا الموضوع مفرِّقاً بين النفس البشرية والله هكذا:

[هو الله وهي ليست إلهاً، هو الرب وهي صنعة يديه، هو الخالق وهي المخلوقة، ه الصانع وهي المادة، ولا يوجد شيء مشترك قط بينه وبين طبيعتها.]([20])

ويعود أثناسيوس يناقش كيف يتم “تأليه الإنسان” أي اتحاده بالله، موضِّحاً أن بواسطة “جسد المسيح” والاتحاد به يتم تأليه الإنسان، لأن جسد المسيح صار متألِّهاً بمجرَّد اتحاده بالكلمة:

[وكما أن المسيح مات ثم ارتفع ممجَّداً – كإنسان – كذلك فإنه – كإنسان – قيل عنه إنه أخذ ما لله (المجد)، حتى تصير عطية أو هبة هذه النعمة لنا أو تصلنا، لأن “الكلمة” لم يكن ضعيفاً أو قليل الشأن عندما قَبِلَ المجد لنفسه كأنه يطلب أو يبحث لنفسه عن نعمة، بل إنه بالحري ألَّه الجسد الذي لبسه. والأكثر من هذا أنه “أعطى” وسلَّم – جسده المؤلَّه هذا – بنعمة خاصة ومجَّاناً إلى الجنس البشري (الأسرار) … وهذه هي نعمتنا وارتفاع مجدنا، لأنه بالرغم من أنه صار إنساناً، فابن الله لا يزال معبوداً؛ وقوات السموات لا تستغرب عندما تراناً جميعاً نحن المعتبرين جسداً واحداً معه، داخلين في دائرة مملكتهم.]([21])

[ونحن إنما نتألَّه (نتحد بالله) ليس باشتراكنا (السرائري) من جسد إنسان ما ولكن بتناولنا من “جسد” “الكلمة” ذاته!!]([22])

ثم يعود أثناسيوس ويؤكِّد أنه عندما نأخذ جسد المسيح هذا المعتبر أنه مؤلَّه، نتخلَّص من ضعفاتنا ونتحرَّر من قيود خطايانا، وبالتالي فنحن نشترك في صفات وأمجاد اللوغس الكلمة!! ونأخذه:

[لأنه ليس بحسب آدميتنا بعد نموت، ولكن من الآن فصاعداً كل ضعفاتنا الجسدية التي هي بحسب أصل جنسنا قد تحوَّلت إلى “اللوغس” الكلمة، فنحن نقوم من التراب واللعنة التي بسبب الخطية قد رُفعت، بسبب ذلك الذي هو فينا (أي الكلمة المتجسِّد)، والذي صار لعنة من أجلنا. وهذا تمَّ بحكمة، لأنه كما أننا جميعاً من تراب الأرض ونموت في آدم، هكذا إذ تجدَّدنا ووُلدنا ثانية من فوق من الماء والروح في المسيح، نحيا ونقوم، لأن الجسد (الإنسان عامة) لم يعد أرضياً بعد بل صار “كلمة= لوغوس” بسبب كلمة الله الذي من أجلنا صار جسداً (إنساناً كاملاً).]([23])

وأثناسيوس هنا يقصد جسد البشرية عامة. وحينما يقول إن الجسد صار كلمة، فهذا لا يفيد أن الجسد البشري تحوَّل عن بشريته أو فقد شيئاً من إنسانيته، ولكنه فقد الموت والفساد وتحوَّل عن الشر الذي استُعبد له وصار من خاصة الكلمة ومناسباً له ومطابقاً لصفاته، “لأجلهم أُقدِّس أنا ذاتي” (يو 19:17)، أو كما تقول التسبحة السنوية [أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له].

ويستمر أثناسيوس في شرحه وتعليله لقيمة اتخاذ الكلمة جسداً بشرياً كاملاً ليعمل فيه عمله الخلاصي العجيب، موضِّحاً أن كل ما “للكلمة” صار للجسد البشري الذي اتخذه لنفسه، وهذا بالتالي كله انتقل إلينا لمَّا أعطانا جسده. وبذلك ضمن الله لنا بواسطة التجسُّد وموت المسيح على الصليب الخلاص الشامل، ليس من الموت فقط، بل أيضاً من الخطية العاملة بالشهوة!

[لأنه إن لم تكن أعمال لاهوت “اللوغس” أي أعمال الكلمة بصفته إلهاً – لم تتم من خلا الجسد، فإنه كان يتعذَّر تأليه الإنسان (اتحاده بالله).

كذلك فإنه لو لم تكن خواص وصفات “الجسد” (البشري) نُسبت “للكلمة”، فإنه كان يستحيل على الإنسان أن يتخلَّص منها (أي من الصفات المتعارضة مع الحياة الأبدية كالجوع والعطش والتعب والبكاء التي سنتخلَّص منها جميعاً بالقيامة).

… ولكن الآن لأن الكلمة صار إنساناً وامتلك “كل ما” يخص الجسد (من موت ولعن وفساد)، فإن كل هذه لا تستطيع بعد أن تمس الجسد بسبب الكلمة الذي حل فيه ولكنها أُبيدت تماماً بواسطته، وهكذا لم يعُد الناس بعد خطاة وأمواتاً بحسب شهواتهم، ولكن لأنهم قاموا بقوة الكلمة فإنهم سيبقون إلى الأبد غير مائتين وبلا فساد.]([24])

وفي اختصار وروعة يبرز أثناسيوس حتمية بلوغنا الحرية والخلاص من كل فساد الطبيعة البشرية بالاتحاد بالله، كقضية مرتبطة ارتباطاً جذرياً وبالأساس بالتجسُّد نفسه أي باتحاد الكلمة بجسد الإنسا هكذا:

[فإذا اعترضتَ على كوني أنا قد تحرَّرت وتخلَّصت من الفساد الذي هو في طبيعتي، فانظر لأنك لا تستطيع أن تعترض على كلمة الله لأنه أخذ هيأتي كعبد! لأنه كما أن الرب لمَّا لبس الجسد صار إنساناً، هكذا نحن البشر قد تألَّهنا (اتحدنا بالله) بالكلمة لأنه أخذنا وضمنا إليه في جسده، وبذلك ورثنا من الآن فصاعداً الحياة الأبدية.]([25])

والقديس أثناسيوس ينبِّه ذهننا أن “التقديس” شيء و“التأليه” شيء آخر والأول يمهِّد للثاني.

ثم إن كل ما قيل عن المسيح في ما يخص جسده منذ ميلاده حتى صعوده وجلوسه ع يمين الآب هو في الحقيقة عملية استرداد رسمية خطَّط لها الآب ليكمِّلها الابن بالجسد لحساب الإنسان، سواء في نموه في القامة والنعمة، أو طاعته لأبيه وأمه، أو عماده وحلول الروح القدس عليه، أو غلبته للشيطان على جبل التجربة بالصوم والصلاة، أو إتيان المعجزات العديدة، أو طلبه المجد من الآب، أو قيامته من الأموات، أو صعوده إلى السموات، أو جلوسه عن يمين الآب؛ فهذه كلها غنائم الإنسان من تجسُّد الكلمة!!

[ولكي يفدي البشرية جاء الكلمة وحلَّ بيننا، ولكي يقدِّس ويؤلِّه (يوحِّد بالله) الإنسان صار الكلمة جسداً. ومَن ذا الذي بعد ذلك لا يرى أن كل ما قاله الرب بخصوص ما تقبَّله من الله – (النعمة، المجد، الروح القدس، الذهاب إلى الآب) – لمَّا صار جسداً إنما ذكره ليس من أجل نفسه.]([26])

ويعتبر القديس أثناسيوس أن “تألي الإنسان”، أي اتحاده بالله، عملية تتم على مستوى الفرد، وليست عملية صورية تمت لحساب المجموع البشري، فكما يتقدَّس كل إنسان بالروح القدس ليصير عضواً حيًّا قائماً بذاته في الجسد الكلي، كذلك عملية التأليه أي الاتحاد هي عملية فردية تتم بالاتحاد بالابن والآب.

لذلك يضعها أثناسيوس بصورتها الواضحة في صيغة الجمع بقوله: نحن أبناءً وآلهة، ولم يقل صرنا ابناً وإلهاً. ولكن من هذا التقديس الفردي والتأليه أي الاتحاد الفردي بالله تتم الوحدة الكلية الشاملة = “ليصير الكل إلى واحد”. ويؤكِّد أن “تأليهنا” أي اتحادنا ووحدتنا مع الآب والابن بواسطة الروح القدس شيء آخر تماماً ويختلف كلية عن اتحاد الآب والابن.

[وليس كما أن الابن في الآب هكذا نصير نحن في الآب، لأن الابن لا يأخذ مجرَّد شركة في الروح القدس (كما نأخذ نحن) حتى يصير في الآب، بل ولا يُقال أصلاً إن الابن يأخذ الروح القدس، بل إنه هو الذي يعطيه، ولا يُقال إن الروح القدس يوحِّد الكلمة في الآب أصلاً بل إن الروح القدس يأخذ من الكلمة «يأخذ مما لي ويخبركم». فالابن في الآب مثل كلمته الخاصة ومثل شعاعه، أمَّا نحن فبدون الروح القدس نصير مفترقين وغرباء عن الله!!

التأله في تعليم القديس أثناسيوس الرسولي

ولكن بشركتنا في الروح القدس نلتحم باللاهوت، لذلك فوجودنا في الآب ليس هو منَّا – بتاتاً – ولكنه من الروح القدس الذي فينا والذي يسكن داخلنا، الذي باعترافنا الحسن والحق نحتفظ به فينا، كما يقول يوحنا: «مَن اعترف أن يسوع هو ابن الله، فالله يثبت فيه وهو في الله» (1يو 15:4).

… إذن، فالروح القدس الذي هو في الله – الذي لا نستطيع أن نراه نحن في أنفسنا – وكما أننا نحن “أبناء وآلهة” بسبب الكلمة([27]) الذي فينا، لذلك نحن سنصير في الابن وفي الآب، وسنُحسب أننا صرنا واحداً في الابن وفي الآب، لأن الروح القدس فينا، الذي هو في الكلمة وفي الآب.]([28])

ثم يرتفع أثناسيوس بمعنى “التأليه” كحقيقة تكميل عمل الابن في الخليقة ليس بالمفهو اللاهوتي الجامد بل على مستوى تكميل كل شيء في الأخلاق والسلوك والحب، فهو غاية الله من خلقة الإنسان، وغاية الإنسان من عبادته لله؛ وغاية المسيح من كل أعماله أن يبلغ بالإنسان إلى “الكمال المسيحي” أو التكميل في المسيح لحساب الآب، وهكذا يرتفع بمعنى تأليه الإنسان (أي اتحاده بالله) إلى مستوى – التقدُّم في – السلوك والأخلاق ويصبُّه أخيراً في مفهوم المحبة! وهذا ه شأن أثناسيوس في كل لاهوته!! وهنا أثناسيوس يشرح بتفصيل صلاة المسيح ف يوحنا 17:

[أيها الاب امنحهم روحك حتى يكونوا هم أيضاً واحداً في الروح ويكونوا كاملين (يتكمَّلون فيَّ). لأن كمالهم يعلن أن كلمتك قد نزل إليهم وحلَّ بينهم، وحينما يراهم العالم كاملين ومملوئين من الله يؤمنون أن أرسلتني وأنني حالٌّ هنا، لأنه من أين يأتيهم الكمال إلاَّ كوني أنا هو “كلمتك” الذي لبست جسدهم وصرت إنساناً فأكملت العمل الذي أعطيتني؟ والعمل قد أُكمل لأن بني الإنسان قد أُكمل فداؤهم، ولن يبقوا في الموت بعد، بل إ تألَّهوا صار يشدهم رباط الحب كلما تطلَّعوا إليَّ.]([29])

[فإذا كان الكلمة قد نزل من أجل تقدمنا، فهو لم يأخذ اسم ابن الله كامتياز أو مكافأة بل إنه هو نفسه قد جعلنا أبناء للآب، وألَّه (وحَّد بالله) الإنسان بأن صار هو نفسه إنساناً، لذلك فالكلمة لم يكن إنساناً ثم صار إلهاً بل على النقيض فهو كإله صار أخيراً إنساناً لكي بالحري يؤلِّهنا.]([30])

[لقد لبس جسداً مخلوقاً مكمَّلاً … حتى فيه نصير قادرين أن نتجدَّد ونتألَّه.]([31])

وبهذا العرض السريع لمفهوم “التألُّه” عند أثناسيوس نرى أنه يقع موقع القلب م اللاهوت بل ومن مفهوم المسيحية كلها عند قديسنا الكبير، وقد صار أسلوبه المفضَّل والمؤكَّد دائماً للتعبير عن اتحاد الإنسان عامة بالمسيح.

وهو لا يقصد قط أن يعتبرنا الآن في وضعنا الحالي في مفهوم حالة “التألُّه”، ولكن واضح أنه يقصد دائماً أنها “غاية” عمل التجسُّد كلياً.

والعجيب أن أثناسيوس حينما يتكلَّم عن الفداء فإنه بغاية السرعة يرتفع إلى حقيقة “التألُّه”، أي الاتحاد بالله، كغاية هامة جدًّا ينتهي إليها الفداء، حيث يؤكِّد عليها بكل اعتناء وأهمية بكثرة وتكرار.

واتجاه “التألُّه” (الاتحاد بالله) عند أثناسيوس لا ينشأ أصلاً كأنه حاجة الإنسان الخاطئ بنوع خاص، بل كحاجة الإنسان كمخلوق بنوع عام! لأن آدم باعتبار مجرَّد مخلوق لم يكن فيه أساس أمين للنعمة لتقيم فيه بدون خطر الزوال، لأنه حاز نعمة الله كهبة من خارجه وليست من صميم طبيعته الترابية، أي أن آدم لم يكن متحداً بالنعمة لذلك فقدها، ولذلك أصبح في التجديد من أهم الأمور الأساسية أن يتحد الإنسان بالنعمة أي بالروح القدس ليصير للنعمة والقداسة أساسٌ راسخٌ فيه لا يزول.

[وبالأكثر جدًّا ينبغي أن ندرك أن السب المتقن والصالح الذي من أجله صنع هذا (الفداء بالتجسُّد وليس بمجرد نطق إلهي) أنه إذا كان الله قد أمر أو تكلَّم فقط – وهذا كان في سلطانه – لكانت اللعنة قد رُفعت في الحال، ولكانت قدرة الله قد استُعلنت بسبب هذا الأمر (النافذ المفعول)، ولكن الإنسان كان سيظل مثل آدم قبل التعدي يحوز النعم من الخارج ولا يحوزها متحدة بجسده.]([32])

وهكذا ينفرد أثناسيوس دون جميع الآباء في التأكيد على أن التجسُّد هو بالدرجة الأُولى حاجة ملحة كانت تحتاجها الخليقة لضمان الاتحاد بالله (التألُّه) أسبق وأعمق من مفهو رفع الخطية، لأن رفع الخطية هو عند أثناسيوس درجة في طريق الاتحاد بالل وليست غاية بحد ذاتها.

[لأن الاتحاد المطلوب هو أن “الكلمة (المتجسِّد) يصنع اتحاداً بين ما هو إنسان بطبيعته وبين ما هو إله بطبيعته، وهكذا يصبح خلاص الإنسان وتألُّهه (اتحاده بالله)، ثابتاً ومؤكَّداً.]([33])

[لأن طبيعة الأشياء المخلوقة لا يمكن أن تعطي ضماناً – أي لا يمكن ضمانها – لأنه حتى الملائكة تعدت وكل البشر خالف، لذل أصبحت الحاجة إلى الله نفسه – أي كلمة الله – لكي يحرِّر الذين وقعوا تحت اللعنة.]([34])

بهذا يمكن للقارئ أن يفهم فكر أثناسيوس وكيف يركِّز بشدة على التجسُّد وما أكمله المسيح بالجسد كمدخل للاتحاد بالله كملجأ أخير لا مفر منه للحصول على الخلاص الأبدي، ليبقى الإنسان ويدوم مع الله في حياة أبدية آمنة.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

– عن كتاب حقبة مضيئة في تاريخ الكنيسة، القديس أثناسيوس الرسولي.

([1]) Athanas., De Decr. II.

([2]) Ibid., Ad Afros., 1,2.

([3]) St. Irenaeus, Adv. Haer. IV. 38:4, V ix,2.

Origen, cels. iii.28.

St. Greg. Naz., Poem dogma X:5-9.

St. Greg. Nyss., Oratio Catech. XXV.

St. Cyr. Alex., in Joan.

Harnack, op. cit., Dog. II p. 46.

([4]) De lncar., 54. 2,3. N.P.N.F., ser. II, vol. IV, p. 65.

([5]) Discourse Against Ar., II. 67.

([6]) Athanas., De Decr., 14.

([7]) Idem., C. Ar., 1. 39.

([8]) Ibid., C. Ar., 1. 42.

 ([9])Ibid., C. Ar., 1. 43.

 ([10])Ibid., C. Ar., III. 19.

([11]) Ibid., C. Ar., III. 25.

([12]) Ibid., C. Ar., III. 34.

 ([13])Ibid., C. Ar., III. 53.

([14]) Discourse, II:70.

([15]) Letter to Adelph., 4.

([16]) Athan., De Synod. 51.

([17]) Athanas., Contr. Ar 59:2.

([18]) Athanas., Contra Ar., 15:3.

([19]) De Decr. 14.

([20]) St. Macarius of Egypt. Hom. 49 c.4 P.G. xxxiv, c. 816.

([21]) Discours., 1:42.

([22]) Letter to Maximus, (LXI): 2.

([23]) Discours., III:33.

([24]) Discours., III:33.

([25]) Ibid. III:34.

([26]) Ibid. III:39.

([27]) يوضِّحها القديس كيرلس أكثر بقوله: إننا أبناء وآلهة بالنعمة – في شرحه لإنجيل يوحنا في هذا الموضع.

([28]) Discourse, III 24,25.

([29]) Discourse, II 23.

([30]) Contr. Ar., I, 38-39.

([31]) Ibid., II. 47.

([32]) Discourse, II. 68.

([33]) Ibid. II. 70.

([34]) Ibid. I. 49.

التأله في تعليم القديس أثناسيوس الرسولي

هل خلال الفترة من القرن الأول الميلادي (زمن السيد المسيح) إلى القرن السابع الميلادي (كتابة القرآن) عاش أناس قديسون أتقياء، آمنوا بالتوراة والإنجيل الصحيحان؟

 316- هل خلال الفترة من القرن الأول الميلادي (زمن السيد المسيح) إلى القرن السابع الميلادي (كتابة القرآن) عاش أناس قديسون أتقياء، آمنوا بالتوراة والإنجيل الصحيحان؟

ج:

1- أشاد القرآن بالمسيحيين أتباع السيد المسيح فقال ” وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين أتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها وما كتبناها عليهم..” (سورة الحديد 27) لقد صار أتباع السيد المسيح ذوي رأفة ورحمة لإيمانهم بكتابهم المقدَّس الصحيح، وظل هذا الوضع ساريًا حتى ظهور الرهبنة في القرن الرابع الميلادي، والتي لم يوافق عليها الإسلام.

2- ذكر القرآن قصة أهل الكهف ” إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدًا.. ولبثوا في كهفهم ثلاثة مائة سنين وازدادوا تسعًا” (سورة الكهف 10، 25) وقال الأستاذ توفيق الحكيم في قصة أهل الكهف أنهم كانوا مسيحيون، وفعلًا كانوا هكذا، وهم من أهل أفسس (تركيا الآن) عام 450 م. أي في القرن الخامس الميلادي، وقد آمنوا بكتاب صحيح تمامًا.

3- في القرن السادس الميلادي استشهد كثير من مسيحي اليمن وأشاد بهم القرآن فقال ” قُتل أصحاب الأخدود. النار ذات الوقود- إذ هم عليها قعود. وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود. وما نقموا منهم إلاَّ أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد. الذي له مُلك السموات والأرض والله على كل شيء شهيد” (سورة البرج 4-9) فكون القرآن يصفهم بالمؤمنين، فهذا دليل قاطع على إيمانهم بكتاب صحيح لم يتعرَّض للتحريف.

أليست هذه أدلة كافية وواضحة وصريحة، وقاطعة وحاسمة على أن التوراة والإنجيل كانا صحيحان تمامًا خلال الفترة من القرن الأول للقرن السابع الميلادي؟!

 

هل خلال الفترة من القرن الأول الميلادي (زمن السيد المسيح) إلى القرن السابع الميلادي (كتابة القرآن) عاش أناس قديسون أتقياء، آمنوا بالتوراة والإنجيل الصحيحان؟

كتاب الغاية من وجود الإنسان عند القديس غريغوريوس بالاماس – رولا الحاج

الغاية من وجود الإنسان عند القديس غريغوريوس بالاماس – رولا الحاج

كتاب الغاية من وجود الإنسان عند القديس غريغوريوس بالاماس – رولا الحاج

الغاية من وجود الإنسان عند القديس غريغوريوس بالاماس – رولا الحاج

 

لتحميل الكتاب إضغط هنا

لتحميل المزيد من الكتب المسيحية اضغط هنا

كتاب القديس الشهيد في الكهنة بنيامين مطران بيتروغراد – عامر هلسا

القديس الشهيد في الكهنة بنيامين مطران بيتروغراد – عامر هلسا

كتاب القديس الشهيد في الكهنة بنيامين مطران بيتروغراد – عامر هلسا

القديس الشهيد في الكهنة بنيامين مطران بيتروغراد – عامر هلسا

 

لتحميل الكتاب إضغط هنا

لتحميل المزيد من الكتب المسيحية اضغط هنا

كتاب القديس فلاديمير معمّد روسيا – عامر هلسا

القديس فلاديمير معمّد روسيا – عامر هلسا

كتاب القديس فلاديمير معمّد روسيا – عامر هلسا

القديس فلاديمير معمّد روسيا – عامر هلسا

 

لتحميل الكتاب إضغط هنا

لتحميل المزيد من الكتب المسيحية اضغط هنا

كتاب باقة من رسائل القديس نيقولاوس الصربي – عامر هلسا

كتاب باقة من رسائل القديس نيقولاوس الصربي – عامر هلسا

كتاب باقة من رسائل القديس نيقولاوس الصربي – عامر هلسا

باقة من رسائل القديس نيقولاوس الصربي – عامر هلسا

 

لتحميل الكتاب إضغط هنا

لتحميل المزيد من الكتب المسيحية اضغط هنا

Exit mobile version